مجلة أقلام الثقافية
  • الرئيسية
  • هذه المجلة
  • المنتديات
  • الشاعر سامر سكيك
  • انضم إلينا

واحة الإبداع

  • الشعر الفصيح
  • القصة والرواية
  • الخاطرة والنثر
  • مقالات متنوعة
  • الفن التشكيلي
  • بحوث ودراسات
  • أدب عالمي

أقلام متخصصة

  • حديث أقلام
  • القلم الديني
  • القلم السياسي
  • القلم الفكري
  • القلم العلمي
  • القلم النقدي
  • القلم الاقتصادي
  • تحقيقات صحفية

اخترنا لك

  • أعلام ومشاهير
    • أرشيف
  • قراءة في كتاب
    • أرشيف
  • مختارات شعرية

زوايا متنوعة

  • إدارة وأعمال
  • مسرح ومسرحيون
  • شؤون فلسطينية
  • للنساء فقط
  • الصحة والناس
  • من هنا وهناك
  • علوم وتكنولوجيا
    • أرشيف
  • تربية وتعليم

موسوعات أقلام

  • أدباء ومثقفون
  • قصص الأنبياء
  • التاريخ الإسلامي
  • شعراء وقصائد
  • عقائد وأديان

تسالي وترفيه

  • شرح الأبراج
  • ابتسم مع أقلام
  • ألغاز سريعة
  • اختبر ثقافتك

أطفالنا والذكاء

التفاصيل
كتب بواسطة: وضحة سعيد شعيب
نشر بتاريخ: 06 أغسطس 2001
انشأ بتاريخ: 06 أغسطس 2001
الزيارات: 9

أطفالنا والذكاء
 

 

وضحة سعيد شعيب

عضو اتحاد الكتاب اللبنانيين

 

 

أطفالنا , لهم طبيعتهم الوظيفية الادراكية , تتطور كلما كبر عمرهم . أنها الطريقة التي يتعلمون بها وينمون وينظمون ما اكتسبوه من معارف .

أطفالنا هؤلاء , يتمتعون بمقدرة معينة , وموهبة لافتة , ونضج مبكر , ويهتمون بالحياة , إذا ما عرفنا كيف نوليهم العناية اللازمة والكافية .

وأطفالنا يمتلكون الكفاءة , ويهتمون بكل الألعاب التي يمكن أن تحرك قدراتهم , وتساعدهم على تطوير ما اكتسبوه من معلومات .

إن ممارسة الألعاب بشكل فردي , فضلا عن الجماعي , مع مواكبة الأم نمو ذكاء طفلها , فان أداء أية وظيفة فكرية , يصبح أكثر فعالية مع التحفيز والممارسة .

ليس المطلوب من الأم أن تشدد على الوظائف الفكرية عند طفلها , ولا على تشجيعه ليسبق سنه , أو تحويله إلى نابغة صغير . ولكن ليس بالتالي أيضا , على الأم أن تعتمد موقفا سلبيا , في مواجهة نمو الطفل الفكري , وانتظار أن يتقدم بنفسه , بدون مساعدتها له . فكلما ساهمت بتنويع ردات فعل ذكائه التلقائية والطبيعية , كلما زادت إمكانياته , وتعمقت رغبته باكتساب المزيد .

الأم الواعية , تذهب في تعليم طفلها , إلى أبعد من الحقائق , إلى كيفية الاكتساب والإبداع واللعب بنشاطه الفكري . وهذا ما يساهم بترسيخ أسس تركيبة فكر الطفل , وهذه العملية , لا يمكن إلا أن تزيد قوة البناء , الذي سيرتكز عليه في المستقبل .

مفاهيم التربية الحديثة , لا تهدف إلى صنع أطفال عباقرة , بل تسعى بهدوء , إلى تربيتهم في جو دافئ ومشجع , لتأخذ العملية الفكرية مكانها الطبيعي .

الذكاء عند الأطفال , ليس قيمة بسيطة , وليس بالتالي شيئا موروثا . بل إن الذكاء مقدرة مركبة ومتنوعة , لها عناصرها المتعددة .

والأطفال , كل الأطفال , على حد سواء , يشعرون برغبة في التعلم والاكتشاف . وهو ما يسمى بالفضول الفطري الكبير لديهم , وهذا الفضول , هو ميل طبيعي إلى النمو والتقدم .

هي صورة قواعد عامة , يجب على الأم أن ترتكز عليها في ما يجب أن تفعله مع طفلها . وهي ميزات يجب أن تصان وتطور , ومن الأفضل أن يتم ذلك في جو ممتع . وليس هناك من شيء يضاهي متعة اللعب عند الطفل .

لكل طفل ذكاؤه الخاص , ولكل طفل وضعه الخاص أيضا . ولكن هناك قواسم مشتركة بين كل الأطفال في طور النمو , هذه القواسم مرتبطة بالنضوج الجسدي والنفسي .

هذا وتختلف وتيرة اكتساب المعلومات من طفل إلى آخر أيضا . ومن الطبيعي جدا , أن ينطق بعض الأطفال قبل غيرهم . وقد يتمكن آخرون من اكتساب مهارة العد في سن مبكرة مثلا .

الألعاب الموجهة للأطفال كثيرة ومنوعة , وما على الأم إلا أن تنتقي ما يتلاءم مع اهتمامات طفلها . ومن حق الطفل ألا يهتم للعبة ما , أو يفضل لعبة على أخرى , حتى لو لم تناسب سنه . يجب على الأم أن تعرف أن المتعة في اللعب هي الأهم عند الطفل .

أيتها الأم عليك إن تعوضي لطفلك عن ملله , بإيجاد النشاطات الترفيهية التي تساهم في بناء قدراته . فتتغير وتيرة الاكتساب ومراحله بشكل كبير .

الذكاء عند الأطفال أنواع كثيرة , تختلف باختلاف الأولاد . والأمر المؤكد , هو أن ما من طفل يفتقر إلى الذكاء . لذلك يجب ألا تخاف الأم من هذه الناحية على طفلها .

وللذكاء معالم عديدة . تظهر عند الأطفال بشكل أو بآخر , كالذكاء البصري , والذكاء السمعي , والذكاء في الحركة , والذكاء في اللمس , والذكاء الخلاق , والذكاء في فهم المجرد , وذكاء البراعة اليدوية , وذكاء القلب , وذكاء الكلمة , وذكاء الأرقام , وذكاء التأقلم مع الظروف الاجتماعية ....

  

لسنغ والإسلام والتسامح

التفاصيل
كتب بواسطة: سيلفيا هورش/ ترجمة محمد شاويش
نشر بتاريخ: 02 يونيو 2001
انشأ بتاريخ: 02 يونيو 2001
الزيارات: 7

لسنغ والإسلام والتسامح
سيلفيا هورش- ترجمة محمد شاويش


مقدمة المترجم:

السيدة سيلفيا هورش هي باحثة ألمانية شابة نالت أطروحتها للماجستير عن "العقلانية والتسامح، معالجة لسنج للإسلام "، التي نشرت في كتاب صدر عن دار إرغون في فورتسبورغ صدى طيباً في الأوساط الأكاديمية والأوساط الاجتماعية الألمانية المهتمة بدعم الأصوات المتعقلة الداعية للتفاهم بين البشر من ثقافات متعددة، وتحجيم التيارات المتعصبة الداعية للعداء والكراهية.
وقد دعيت السيدة هورش لإلقاء محاضرات تتعلق بموضوع الكتاب في أماكن مختلفة من ألمانيا، والمترجم استمع لهذه المحاضرة التي هي عملياً تقديم للكتاب في أحد هذه الأماكن(جامعة برلين الحرة) وطلب منها إعطاءه حق الترجمة، وتفضلت بذلك مشكورة.
يعد الشاعر والمسرحي والمفكر الألماني الكبير لسنغ(1729-1781) واحداً من الأصوات القليلة في العصر المسمى "عصر التنوير" الذي عالج مشكلة "التسامح" عبر الدعوة إلى قراءة يسيرها الاحترام للأديان والثقافات الأخرى لا الانحياز المسبق. علاقة عصر التنوير مع موضوع التسامح هو بخلاف وجهة النظر الوردية التي يقدمها عنه عادة المثقف العربي علاقة هي غالباً غير مشرفة، والبعد العنصري الذي لم يتم التركيز عليه كان ثغرة كبرى "للمنورين" جعلتهم عملياً ونظرياً يناقضون مفاهيمهم عن الحرية العقلية والتسامح الديني منذ أن يخرج الموضوع عن حدود الثقافة الغربية.
وتسلط السيدة هورش الأضواء على هذا الجانب من خلال أعلام تنويريين من نوع فولتير وكانط.
المحاضرة التالية ألقيت في ندوة دراسية في الأكاديمية الإنجيلية أرنولدهاين.
وضعت الأسماء غير العربية بأحرفها الأصلية إلى جانب وضعها بالأحرف العربية ما عدا الأسماء الشهيرة جداً. المترجم.

I لسنغ والإسلام- موضوع راهن:

لقد كان إنجازاً للسنغ قبل كل شيء أن الإسلام قام بدور مهما يكن هذا الدور في المداولات حول التسامح التي شهدها القرن الثامن عشر: يكتب موسى مندلسون Moses Mendelssohn إنه   قبل لسنغ ما كان هناك تفكير إطلاقاً " في الوثنيين واليهود والمحمديين و أتباع الديانات الطبيعية من أجل جعل أسس التسامح أكثر إشكالية أو في أحسن الحالات بقي الأمر في طور النية". موضوع التسامح هو واحد من الجوانب التي غالباً ما عولجت في عمل لسنغ، لكن معالجته للإسلام هي بالتأكيد ولحد بعيد لم تنل اهتماماً. وقد تغير هذا الحال لاحقاً في موعد أقصاه كانون الثاني 2004 عندما تكلم الرئيس الاتحادي يوهانس راو Johannes Rau  في فولفنبوتيل  بمناسبة عيد ميلاد لسنغ عن العلاقة بين الدولة والدين، وفي الجملة أيضاً عاد إلى "الجدال حول الحجاب".  وفي نفس المكان تكلمت بعد أسابيع قليلة يوتا لمباخ Jutta Limbach، الرئيسة السابقة للمحكمة الدستورية الاتحادية، ضمن سلسلة المحاضرات "التنوير في القرن الحادي والعشرين"  عن "واجب التسامح" وفي هذه الكلمة أيضاً دار الحديث حول التعامل مع الأقلية المسلمة في ألمانيا.
إن العودة بالذاكرة إلى لسنغ ترتبط بهذه الطريقة مع أسئلة سياسية واجتماعية راهنة للغاية: ما هو معنى التسامح في مجتمع تعددي؟ هل يستخدم التعامل مع الأقلية المسلمة في ألمانيا في تثبيت قيم "غربية" مفهومة على أنها إلزامية أم يرى كفرصة لتحويل هدف بناء مجتمع يفهم نفسه على أنه تعددي ومنفتح إلى واقع متحقق؟
حيال هذه الخلفية فإن معالجة علاقة لسنغ بالإسلام هي أيضاً إسهام مساعد جداً في مداولة اجتماعية راهنة. ومن الطبيعي أن النية هنا ليست "جعل لسنغ راهناً" بطريقة تتجاهل التغيرات الاجتماعية والسياسية العميقة التي حدثت بين القرنين الثامن عشر والحادي والعشرين. ومع هذا فإن صورة الإسلام عند منور مثل لسنغ هي بالنسبة إلينا ذات أهمية لأن مفهوم "التنوير" يستعمل كثيراً للتشديد على وجود تناقض بين "الغرب" و "الإسلام".
وفي هذا المجال غالباً ما يكون استعمال المفهوم غير دقيق: من النادر أن يجري التفكير بعمق  في واقعة أن "التنوير"   هو تسمية لحقبة من التاريخ العقلي  الأوروبي  شروطها التاريخية الخاصة وعواقبها لا يمكن سحبها ببساطة على العلاقات الموجودة في ثقافات أخرى. إن المفهوم يستعمل أكثر بكثير من هذا بمعنى عام: أن تكون "منوراً" تعني أنك تركت وراءك اللارشد واللاعقلانية و حررت نفسك من الإلزامات التي يشترطها الدين  وأنك تغلبت على التعصب. و إن المرء ليصادف غالباً الرأي القائل إن الأوروبيين قد تجاوزوا هذه المرحلة من التطور على حين  لم تزل ثقافات أخرى لم تبلغها بعد- وبالذات الإسلام. إن البحث في معالجة لسنغ للإسلام هو مهم في هذا السياق لأنه واجه صورة للإسلام نشأت قبل كل شيء كتركيب انعكاسي هو صورة سالبة-نيجاتيف  للمجتمع الذي يعيش فيه من تخيل الصورة (أو صورة سالبة للمثل العليا لهذا المجتمع). لقد شغل لسنغ نفسه بالإسلام سواءً في ميدان تاريخ الثقافة أم في ميدان اللاهوت كما لم يفعل أي مؤلف ألماني آخر في القرن الثامن عشر: لقد قدر إنجازات المسلمين العلمية والثقافية وعاد إلى الإسلام في كتاباته النقدية اللاهوتية واستخدم مضامين التاريخ الإسلامي والعقيدة الإسلامية في مسرحيته "ناثان الحكيم Nathan der Weise" التي صدرت عام 1779. كان ما يشغل اهتمامه هو المعرفة الدقيقة والحكم العادل و إزالة الأحكام المسبقة التي تعرقل المعالجة الحقيقية للإسلام كدين وثقافة.

II لسنغ وصورة الإسلام في الفكر التنويري:

لا بد للمرء من أن يلقي نظرة على صورة الإسلام في الفكر التنويري لكي يستطيع أن يقدر أهمية معالجة لسنغ للإسلام. إن فكر التنوير شجع معالجة الأديان والثقافات الأجنبية، وللمرة الأولى نشأ اهتمام علمي أصيل بالإسلام، ولكن المرء لا يستطيع أن يتكلم مع ذلك عن تغير كبير في الرأي بعمومه.
أنّه ماري شمل Annemari Schimmel تتحدث بحذر وهي في إطار التقييم عن "تحول في موقف مجموعة محددة من العلماء". ويحكم إدوارد سعيد بصورة هي بعد أكثر نقدية على هذا التطور: إن الميل المعلمن (بكسر الميم الثانية.م) للفكر التنويري برأيه لم يجتث هكذا ببساطة النماذج الدينية للعصور الوسطى، و إنما هي بالأحرى "أعيد بناؤها وطبقت ثانية ووزعت في الأطر العلمانية من جديد".
الأشياء التي استمرت في الوجود متضمنة قبل كل شيء في النظرة للإسلام على أنه الغريب. بالنسبة للعصور الوسطى كان الإسلام هو النموذج الأصلي للغريب والعدو حين فهم على أنه هرطقة أو وثنية أو عمل من أعمال الشيطان. و على خلفية صورة الفكر التنويري الجديدة للإنسان، تلك التي قدمت توجه الإنسان العقلي، تغيرت أيضاً صورة الغريب تغيرات محددة. لقد تشكل نقد جديد في الحقيقة "للآخرين" في الفكر التنويري "موضوعه الرئيسي النقص المزعوم في العقل"] هنتغس Hentges [. إن هذه النظرة للإسلام تقابلنا أيضاً عندما ننظر في المصادر التي أخذ منها لسنغ معلوماته عنه.
بالإمكان القول أن لسنغ قد قرأ كل الأدب الذي كان في ذلك الزمان متاحاً عن الإسلام. ومن الطبيعي أنه لم يكن يعرف العربية أو التركية ولهذا كانت المراجع التي اعتمد عليها من الأدب الاستشراقي قبل كل شيء، وفي هذا السياق صادف مواقف مختلفة جداً، فقد   عرف مثلاً ترجمة القرآن التي قام بها جورج سيل George Sale وهو محام إنجليزي عام 1734، وقد كانت إلى حد ما أول ترجمة موثوقة في لغة حديثة. وقد سبقت هذه الترجمة بكلمة تمهيدية مطولة Preliminary Discourse وفيها استند سيل في تقديم الإسلام على مراجع مسلمة أيضاً (أي ليست غربية فقط.م). إن علماء مثل سيل اجتهدوا في أن يفندوا الحكام المسبقة ضد الإسلام ويعالجوه بصورة موضوعية. وقد قرأ لسنغ ما هو بعد أكثر بكثير، وهو ما لا نستطيع أن نسوقه هنا بكامله(من ضمن ما قرأه أعمال لبوكك Pocock، ريلاند Reland، ديربلو d`Herbelot، أوكليي Ockley، غاغني Gagnier، رايسكه Reiske، أي الأسماء المعروفة آنذاك في علم الاستشراق). ولكنني أريد أن أتكلم عن عمل كان في عصر لسنغ منتشراً بصورة واسعة  ومعروفاً عنده أيضاً.
الكتاب كان قد كتب عام 1697 من قبل كنسي إنجليزي هو همفري بريدو Humphrey Pridaux  وعنوانه: The true Nature of imposture fully displayed in the Life of Mahomed   (أي الطبيعة الحقيقية للاحتيال معروضة بالكامل في (مثال) حياة محمد).
إن الإسلام موسوم في العمل كله على أنه ببساطة "الاحتيال" The imposture ومنظور إليه على أنه عقوبة من الرب للمسيحيين، محمد طبعاً ليس نبياً ولكنه صاحب سلطة بلا ضمير وشهواني والوحي المزعوم ما هو في الحقيقة إلا نوبات صرع وما الإسلام إلا هرطقة و إلخ... وهكذا لا نجد شيئاً يغاير جوهرياً اتهامات القرون الوسطى المعيارية.
الآن استخدم هذا العمل أيضاً من قبل المنورين كمصدر للمعلومات عن حياة النبي. مثلاً الفيلسوف بيير  بيل Pierre Bayle يوصي به  في مقال عن النبي محمد في قاموسه التاريخي والنقدي واسع التأثير Dictionaire Critique وفي مقاله ماهومت Mahomet
يتبنى تقييمات بريدو بلا مساءلة ويعيد القارئ إلى معلومات إضافية عن النبي في هذا الكتاب، وبهذا يرينا المقال أن حال تنوير الإسلام في الفكر التنويري  ليست جيدة كما كان المرء ينتظر. ولكن هناك بعض المؤلفين الذين رأوا في الإسلام ديناً متعقلاً. وقد نشر رد مباشر على بريدو مغفل من التوقيع عنوانه Mahomet No Impostor, or a Defence of Mahomet (ماهومت غير محتال، أو دفاع عن ماهومت.م)، وموه الرد بأنه رسالة لمؤلف مسلم. وظهر مؤلف هنري بولنفيليه Henry Boulainvillear  (1658-1722) La Vie de Mahomet (حياة محمد.م) فقط عام 1730 بعد وفاة المؤلف وترجم إلى الألمانيا عام 1768. وهذا العمل هوجم بشدة حيث أن محمداً ظهر فيه كأداة إلهية عن طريقها كان يجب ان تنتشر المعرفة بوحدة الإله، وظهر الإسلام كدين تتفق تعاليمه مع العقل. إن مثالاً آخر مثيراً للاهتمام قدمته مخطوطة هنري ستب Henry Stubbe (توفي عام 1676) وهو طبيب إنجليزي لم تطبع مخطوطته  An Account of the risc and Progress of Mahometanism (تقرير عن صعود وتقدم الماهومتانية.م) إلا سنة 1911.
وهو أيضاً يصف تعاليم الإسلام بانه على وجه الخصوص عقلانية و متطابقة مع القانون الطبيعي. إن الظرف المصاحب لهذه العمال المتمثل في أنها جميعاً إما ظهرت بعد وفاة أصحابها أو كانت مغفلة من التوقيع يجعل من الوضوح بمكان حقيقة أن النظرة الإيجابية للإسلام ما كانت مقبولة اجتماعياً، وهو أمر تجب إعادته بصورة رئيسية إلى ميلها الناقد للمسيحية. ليس هناك أيضاً أدلة على أن لسنغ قرأ هذه الكتابات. لقد كان مطلعاً اكثر على منظور آخر يرى في الإسلام تعبيراً عن التعصب.

الإسلام كتعصب:

يتلقى لسنغ ابن الواحد والعشرين ربيعاً تكليفاً بأن يترجم بضعة كتابات لفولتير إلى الألمانيا (الكتابات التاريخية الصغرى 1752)  ومن ضمنها كان النص القصير (عن القرآن وماهومت) وفي هذا النص يرى بوضوح أن فولتير لا يرى في الإسلام  ديناً عقلياً أو طبيعياً البتة، وفي النص يزعم أن محمداً "بائع مغرور طائش يروج بضائعه بالزعيق"، و أن القرآن "خلطة لا ترابط فيها ولا نظام ولا فن"، و أن العرب  شعب سراق.
لا علاقة للإسلام بالعقل عند فولتير له علاقة وثيقة مع "الجنون Rasery" و "الهيجان الحماسي Enthusiasterey". ورأيه بمحمد والقرآن يبينه بجلاء في رسالته إلى فريدريش الكبير: أنه[محمد] يتباهى بأنه ارتقى في السماء وهناك تلقى جزءاً من ذلك الكتاب صعب الهضم الذي هو في كل صفحة منه يجعل الفهم البشري يرتج، أنه لكي يحقق لهذا العمل الاحترام جلب الويلات لوطنه، (...)  هذا ما لا يمكن لبشر بالتأكيد أن يغفره ما لم يكن جاء إلى الدنيا تركياً أو خنقت فيه الخرافة كل نور طبيعي".
وبهذا  يغدو الإسلام نموذجاً قياسياً للتعصب الذي هو  بالنسبة لفولتير صفة ملازمة لجميع الأديان ويرتبط في فكر التنوير مع الكلمات الكفاحية المركزية: "الخرافة" و "الحماس الأهوج"  Schw?rmerei  و "التعصب".
"الحماس الأهوج" يسم حالة من الجنون الديني ولكنه يمكن له أيضاً أن يعني طاقة وهم متصاعدة مرضية. وفولتير يستهدف بالمفهوم "التعصب" الذي هو بالنسبة إليه مرادف لمفهوم "الاعتقاد الخرافي" ظلامية الكنيسة الكاثوليكية غير المنورة قبل كل شيء. لايبنتس اعتبر الاعتماد على الدليل الحسي المباشر بدون وساطة العقل "تعصباً"- فالتعصب إذاً يدلنا على نقص في التعقل.
وعبر تطبيق هذه المفاهيم على الإسلام حددت طبيعته  كنوع من التفكير المضاد للتفكير التنويري.
ويطرح السؤال نفسه: كيف أمكن أن يكون للإسلام تقييمات مختلفة كهذه- دين للتعقل من جهة وخرافة وتعصب من جهة أخرى. إن تشكل طريقتين متناقضتين في النظر إلى الإسلام قد يكون مرتبطاً بميلين للفكر التنويري يبدو أيضاً أنهما أيضاً متناقضان. من جهة كان ثمة استعداد لاكتشاف عناصر قرابة  في "الآخر" وهو ميل  للقرن الثامن عشر  يطلق عليه سعيد وصف "التماهي الخفي" sympathetische Identifikation وميل من هذه الميول يعبر عنه القول إن موهبة التعقل هي خاصية في كل البشر. وهذا الاستعداد نتج عنه الانفتاح على الأديان و الثقافات الأخرى.
من جهة أخرى يتبدى الميل لتصنيف الشعوب والبشر ونسبة صفات مميزة لهم- وبالتالي هي وجهة نظر جوهرانيةEssentialistisch.
 عمانوئيل كانط (1724-1804) يعيد الفروق بين الشعوب إلى مسببات متعددة مثل المناخ والهواء والتغذية (وبالمثل هردر Herder). ولكن العلامات المميزة الخارجية تعيد أيضاً إلى استعدادات نفسية وخواص طبعية ثم هرمية ترتبط مع هذا: "عرق البيض" يحتل المكان الأعلى بعيداً عن "الهنود الصفر" و بعيداً جداً عن "الزنوج". وهذه الهرمية ترى أيضاً عند عرض حال المسلمين حيث يضاف هنا إلى كونهم "عرقاً آخر" مثل- اليهود- كونهم من عقيدة أخرى. المسلمون موجودون قبل كل شيء في الشرق وبالتالي في بلدان حارة ومناخهم بالتالي ليس بلا تأثير على طبعهم (القومي): وفيما يتعلق بالعرب يمنحون بالتوافق مع المناخ الصحراوي "قوة توهّم حارة"، وهي صفة تلون بالطبع دينهم الذي يوصم بالخرافة والتعصب. وهكذا يرى كانط في "الطبع القومي" للعرب قرابة حميمة مع "الأخّاذ Wunderbar" (يقصد بالعرب بدون ذكر هذا صراحة المسلمون حصراً بينما يعتم على المسيحيين واليهود العرب)، وبالنسبة إليه أيضاً فإن الإسلام يمكن استعماله كمثال على التعصب: في حالة الإسلام يصبح من الواضح إلى أين يمكن للتعصب أن يقود: "إن الطبيعة البشرية لا تعرف عملاً أخطر]من التعصب/الحماس الأهوج   [عندما يكون ظهور مثل هذا جديداً (...) تتسامح حتى الدولة أحياناً مع أنواع المجذوبية. إن الحماس الأهوج يقود المتحمس إلى الحد الأقصى، ماهومت إلى عرش الأمراء و يوهان فون لايدن Johann von Leyden إلى منصة الإعدام".
إن صورة الإسلام كتعصب وحماس أهوج تلعب بالطبع دوراً مهماً في تأكيد المرء لنفسه أنه عقلاني ومتطور عقلياً عن طريق نسبة الخرافة واللاعقلانية إلى "الآخرين".

III الإسلام كدين متعقل:

إن النظرة للإسلام كتعصب كانت معروفة للسنغ من خلال فولتير. لكنه هو نفسه عبر عن الموضوع بشكل مختلف تماماً. إننا نجد أولاً بضعة تصريحات عن المسلمين في جريدة أعلن فيها عن ترجمته الخاصة لكتاب ماريني Marigny "تاريخ العرب في عصر الخلفاء" (1752-1753): وهو يعيد  إلى الإنجازات الثقافية والتاريخية للعرب والمسلمين: "منذ سقوط الإمبراطورية الرومانية لا يستحق  تاريخ شعب مفرد ان يكون مشهوراً اكثر من تاريخ العرب المسلمين سواءً باعتبار حجم البشر الذين شهدوا حالة نهضة في ظل سلطتهم أم بالنظر إلى العلوم والفنون التي شهدت لقرون كاملة التقدم الأجمل عند شعب ما، ذلك الشعب الذي تعده أحكامنا المسبقة شعباً بربرياً".
ويشدد لسنغ علاوة على ذلك على أن التاريخ الإسلامي هو مهم وقادر على التعليم بنفس درجة التاريخ الروماني أو اليوناني. وبصورة مثيرة للاهتمام يتكلم بالارتباط مع المسلمين ومنجزاتهم في العلوم عن "فكر تنويري": "إن بداية حقبة مهمة كهذه للفهم البشري الذي بدأ ينور فجأةً عند شعوب محاربة غير مهذبة  بحيث أنها في وقت قصير أبرزت علماء كثيرين كأبطال لا يمكن أن تقرأ إلا بمتعة كبيرة".
وهنا يصبح من الجلي أن لسنغ افترض عند جمهور قرائه عدداً كبيراً من الأحكام المسبقة التي أراد أن يكتب ضدها. لقد كان واعياً لكون المسلمين ينظر إليهم على أنهم "برابرة"، و أراد من خلال المعلومات عن تاريخهم أن يظهر أن هذه الحكام المسبقة غير محقة.
 وفي عام 1754 يعرب لسنغ عن رأيه  للمرة الأولى في كتابة خاصة به عن الإسلام اسمها "إنقاذ هيرونيموس كردانوس Die Rettung des Hieronymus Cardanus".
كردانوس عالم شمولي من علماء عصر النهضة كان قد نشر عام 1550 كتاباً جعل فيه عابداً للأصنام  ويهودياً ومسيحياً ومسلماً يتجادلون حول مسألة ما هو الدين الصحيح. وفي النهاية ينتصر طبعاً المسيحي وهذا ما لم يعجب لسنغ بتاتاً. وهو يتهم كردانوس بأنه لم يتصرف بصورة مستقيمة مع الأديان الأخرى  وبالذات مع الإسلام، و أنه كان عليه أن يعالج الإسلام بصورة صحيحة قبل أن يتولى أمر مقارنة الأديان هذه. بعد هذا يتولى لسنغ امر القيام بمقارنته الخاصة للأديان، ويترك مسلماً يعرض الإسلام كالتالي:
"ألق نظرة على قانونه  ]محمد[، ماذا تجد فيه مما لا يتطابق بكل صرامة مع العقل؟ نحن نؤمن بإله أوحد، نؤمن بثواب وعقاب قادمين يصيبنا أحدهما لا محالة بحسب أعمالنا. نحن نؤمن بهذا أو بالأحرى، ]... [ نحن مقتنعون بهذا وليس بأي شيء آخر".
وعن المسيحية يقول مسلم لسنغ: "هذا ]...[  الذي يدعوه المسيحي دينه هو فوضى من التعاليم لن يعترف بها أي عقل سليم". وبهذا يشرع لسنغ بالهجوم: إن الإسلام هو دفعة واحدة دين عقلي والمسيحية تعليم يطلب من البشر أن يؤمنوا بأشياء لا عقلية. وبعد أن يكمل المسلم حديثه لا يتكلم المسيحي أبداً، ويبقى السؤال عن الدين الصحيح مفتوحاً كلياًً فجأة، وهذا هو بالضبط ما أراد لسنغ الوصول إليه. إنه يعرض الإسلام ديناً هو بشكل خاص عقلاني لكي يهز اليقين المسيحي بامتلاك الحقيقة.
وفي هذا السياق تجب ملاحظة التالي: في عرض لسنغ للإسلام تجري مساواة مع "الديانة الطبيعية" لمذهب التأليه السببي Deismus. لقد أريد بالبناء الذهني Konstrukt للدين الطبيعي أن يكون محاولة لملاءمة التعليم المسيحي مع النموذج الفكري للعقلانية وفيه يتم التخلص من فكرة الوحي. المؤلهون السببيون آمنوا بإله لكن ليس بوحي محدد، و إنما هم طوروا ديناً "طبيعياً".
وهذا الدين المفروض أنه يستطيع الاستغناء عن الوحي حيث أن الإنسان لوحده مستنداً إلى عقله قادر في رأيهم أن يتعرف على الله و أن يتصرف بشكل أخلاقي.
ومعرفة الله والسلوك الصحيح أخلاقياً هما النقطتان المركزيتان في الدين الطبيعي وهما أيضاً اللتان يدعوهما لسنغ بالإسلاميتين إذا أراد أن يصف الإسلام: "نحن نؤمن بإله أوحد، نؤمن بثواب وعقاب قادمين يصيبنا أحدهما لا محالة بحسب أعمالنا"  
وبعرضه للإسلام كدين طبيعي يريد لسنغ الوصول إلى هدف مزدوج: إنه يريد من جهة أن يوقظ الشك في اليقين المسيحي بامتلاك الحقيقة ويحث بهذا على التفكير، وقد نتج عن تعاليم التأليه السببي نقد للكتاب المقدس وللكنيسة، وهذه الدفعة النقدية القوية تلقاها لسنغ وهو يقدم الإسلام كدين طبيعي تعاليمه قائمة على أساس عقلي بدلاً من الوحي. ومن جهة أخرى هو يهاجم التقييم السلبي للإسلام المنتشر منذ قرون. إن العملية التي يطبقها يمكن للمرء أن يسميها "رفع القيمة الاستراتيجي strategesche Aufwertung" (كوشل Kuschel): عبر انتقاء واع ومحسوب توضع  في المام الجوانب المقيمة إيجابياً لكي يصبح من الممكن إصدار حكم أعدل. إن جانب العدالة هو أيضاً مكون جوهري من مفهوم لسنغ للتسامح.

IV دور الإسلام في المداولات حول التسامح:

في الفكر التنويري جاءت بعد النظرة البراغماتية الخالصة للتسامح نظرة مضمونية، ومن المتوجب علينا على كل حال أن نأخذ بعين الاعتبار أن هذا التحول كان منحصراً بالأحرى في دائرة صغيرة من الفلاسفة والعلماء. وما كان مفهوماً على وجه العموم من "التسامح"  يوضحه بصورة جلية القاموس العام لتسدلر Zedlers Universal Lexicon الصادر عام 1745: ليس التسامح "[...]  شيئاً آخر غير أن يحاول المرء التعامل مع الآخر بروح سلمية و أن لا يمنع أحد غيره حقوقه الطبيعية وأن يتولى المرء بكل لطف دحض الآراء الخاطئة التي تقال على منابر الوعظ، والتي يكتبها القائمون على هذه المنابر، و أن يجتهد المرء بكل تواضع وتعقل لتعليم غيره ما هو أفضل.[...]"   
إن التسامح يخدم هنا في نهاية الأمر غرض التبشير،  وإنه لمن السهل أن نلمس أن هذا الفهم للتسامح بعيد كل البعد عن لسنغ، فما كان يهم لسنغ لم يكن ببساطة "التحمل" وهذا يعني سلوكاً تكتيكياً خالصاً، و إنما كان يهتم بإيجاد أساس من نظرية المعرفة لمطلب التسامح. إن الاقتناع بأن البشر لا يستطيعون الوصول إلى الحقيقة المطلقة هو عند لسنغ أمر حاسم الأهمية، وما هو ممكن هو الاقتراب من الحقيقة فقط، وبهذا يصبح مطلب التسامح مؤسساً على نظرية المعرفة من خلال الفرق بين المعرفة المحدودة للبشر والحقيقة المطلقة التي لا يمكن الوصول إليها.
وحيث ان الحقيقة المطلقة يمكن الاقتراب منها فقط يرى لسنغ أن على الإنسان بصورة مضطردة أن يجتهد للوصول على معرفة أعمق. والذي يتوهم في نفسه أنه امتلك الحقيقة يفوت على نفسه إمكانية اقتراب إضافي منها. وهذا الجانب من فهم لسنغ للحقيقة يجد تعبيراً عنه في موضع شهير يكثر الاستشهاد به من كتابه "الرد Duplik" الصادر عام 1778: "إن ما يصنع قيمة الإنسان ليس هو الحقيقة التي يملكها أو يظن أنه يملكها، و إنما الجهد الصادق الذي بذله في الوصول إليها. (...) لو أن الله وضع الحقيقة كلها في يمينه ولم يضع في شماله إلا الدافع الذي يحث دوماً على السعي إلى الحقيقة وحتى لو تضمن هذا أن أظل على الأبد أخطئ ثم قال لي: اختر! لاخترت يسراه وقلت له متوسلاً: أعطني يا أبي! إنما الحقيقة هي لك وحدك!".
بالنسبة للسنغ ليس المؤمن بما لا نؤمن به هو بالضرورة على خطأ. إن من الواجب التسامح معه بسبب الإمكانية الكامنة للحقيقة أو الميل إلى الحقيقة الذي يمتلكه. ومن هنا لا يتحمل لسنغ الرأي المخالف فقط بل يرى في الجدل معه ضرورة لدعم جهود الذات الهادفة إلى الوصول على المعرفة، ولا يكون هذا الموقف ممكناً بدون احترام الآخر والاعتراف به، وهنا يظهر لسنغ تطابقاً في الرأي مع غوته ومبدئه المعروف: "إن التسامح يجب أصلا أن لا يكون موقفاً مؤقتاً فقط، إذ يجب أن يقود إلى الاعتراف. إن التحمل إهانة".
(غوته يفهم هنا التسامح Toleranz بمعناه الحرفي، إذ ان المصدر "tolerare" هو في الأصل مفهوم سلبي يمكن أن يطلق عليه "التحمل" أو "الصبر على الأذى". وعند الحديث لاحقاً عن فهم لسنغ للتسامح فإن المقصود هو طبعاُ شيء آخر: إنه موقف الاعتراف والاحترام).
الإسلام يلعب في تدخل لسنغ لصالح التسامح دوراً مهماً، وهذا ما بدا واضحاً في إعلانه عن كتاب "تاريخ العرب" حين يتصدى للحكم المسبق القائل إن المسلمين برابرة وفي كتابه "إنقاذ هيرونيموس كاردانوس" حيث شدد على توافق الإسلام مع العقل في وجه الرأي الشائع الزاعم أن الإسلام لاعقلاني. وثمة مثال آخر مهم في هذا السياق هو كتابة يقدّم فيها لكتاب "مقتطفات شخص لم يسمّ" الذي هو مقتطفات في نقد الكتاب المقدس والوحي من تأليف هرمان صموئيل رايماروس Hermann Samuel Reimarus. الكتابة اسمها "من آدم نويسرن. بعض الأخبار موثوقة المصدر" Von Adam Neusern. Einige authentische Nachrichten وتاريخها عام 1774، وفيها يقف مؤيداً لإعادة الاعتبار إلى منتم للطائفة اليونيتارية Unitarier (طائفة مسيحية لا تؤمن بالتثليث.م) تحول إلى الإسلام في القرن السادس عشر. آدم نويسرن وصم بخيانة الأمة المسيحية وبأنه امرؤ عديم الأخلاق غارق في الرذيلة لأنه غير دينه وهرب إلى القسطنطينية. وعلى العكس أظهر لسنغ بصورة جلية أن خطوة كهذه يمكن أن تكون على غاية المنطقية بالنسبة إلى يونيتاري إن نظرنا إليها من منظور علم العقيدة.
واهتم لسنغ أيضاً بالفلسفة الإسلامية و أتاح لها أن تحفزه: لقد قرأ الرواية الفلسفية حي بن يقظان لأبي بكر بن طفيل من القرن الثاني عشر والتي صارت معروفة في أوروبا باسم "فلسفة التعلم الذاتي"   Philosophus Autodidactus. وبالتوازي مع هذه الرواية كان ثمة كتابة غير منشورة في حياته "حول نشوء الديانة الموحى بها" Uber die Entstehung der geoffenbarten Religion  وهي كتابة تعود إلى العام 1763. إن التلقي المثمر لعلم كلام الإسلام ولتاريخه يظهر نفسه أخيراً في مسرحية ناثان.

V- ناثان الحكيم ومَثَل الخاتم:

هنا نأتي إلى مسرحية لسنغ التي أيد فيها التسامح كما لم يفعل في أي عمل آخر. وهي مسرحية ناثان الحكيم الصادرة عام 1779.
المكان هو القدس والزمان هو القرن الثاني عشر، زمن الحروب الصليبية وصلاح الدين الذي هو أيضا أهم شخصيات المسرحية، وهو يعرض في المسرحية كحاكم متسامح متنورّ. ناثان هو تاجر يهودي فقد قبل سنين كثيرة كل عائلته في مجزرة معادية للسامية قام بها مسيحيون. ومع ذلك فإنه بمعونة إلهية قادر على أن يتغلب على كراهيته ويتبنى فتاة صغيرة مسيحية اسمه ريشا Recha.
وتبدأ المسرحية بعودة ناثان من سفر فيعلم أن فارس معبد منتم إلى جماعة من الجماعات التي شنت الحروب الصليبية، قد أنقذ ابنته المتبناة من حريق شب في منزله. وفارس المعبد نفسه كان صلاح الدين قبل مدة قصيرة قد عفا عنه فقد كان أسيراً وكان المفروض أن يعدم مثل غيره من فرسان المعبد، ولكن وجهه ذكّر صلاح الدين  بأخيه أسد الذي ذهب إلى أوروبا منذ سنين عديدة وقد مات. فارس المعبد يحب ريشا ويطلب يدها من ناثان، ولكن عند ناثان شك معين ويريد أن يعرف أولاً من هو فارس المعبد بالضبط. وبالفعل يتضح بعد تشابكات كثيرة أن ريشا وفارس المعبد أخوان و أنهما ابن وبنت أخي صلاح الدين. وثمة مشهد كبير للتعارف من جديد وفي النهاية تقف على خشبة المسرح عائلة واحدة كبيرة فيها لا تلعب الاختلافات في الدين أي دور. والتوجيه المعروف الموجه للإخراج في الختام يقول: "تنزل الستارة والجميع يعانق بعضهم بعضاً".
وفي مكان مركزي من المسرحية يقص ناثان مَثَل الخاتم: صلاح الدين يسأله عن الدين الأفضل، ويتملص ناثان من هذا السؤال المفخخ بأقصوصة: كان عند رجل خاتم فيه قوة سحرية "يجعل حامله محبوباً عند الله والناس"، وهذا الخاتم منذ أجيال يتوارث فيعطيه الأب لأحب أبنائه إليه، ولكن الرجل الآن عنده ثلاثة أبناء يحبهم بنفس المقدار وبهذا تنشأ مشكلة. ولهذا هو يكلف من يصنع له خاتمين آخرين مقلدين و يعطي كل واحد من أبنائه خاتماً.
وبعد موت الرجل يبتدئ الشجار طبعاً  حول مسألة ما هو الخاتم/ ما هو الدين الأصلي. ويذهب الأخوة إلى قاض يقرر بداية أنه هو أيضاً لا يستطيع أن يعرف الخاتم الأصلي، وبالتالي الدين الأصلي، فيعطي الأخوة الثلاثة النصيحة التالية: كل واحد منهم يجب أن يؤمن أن خاتمه هو الأصلي، وعلى كل منهم أن يضع الرهان على أن يبرهن أن خاتمه هو الأصلي بأفعاله الخيّرة وسلوكه الحسن. وهو يقول:
ليراهن كل منكم
أن القوة السحرية في خاتمه ستظهر فجأة!
فلتأت هذه القوة مع الرقة
مع الاحتمال الصادق ومع البر
مع الاستسلام العميق لله Mit innigster Ergebenheit in Gott
للمساعدة! وعندما تتبدى القوة السحرية
عند أحفاد أحفادكم:
عندها سأدعوكم عبر آلاف آلاف السنين
مرة أخرى أمام هذا الكرسي حيث سيكون
رجل جالساً على هذا الكرسي هو أحكم
مني وسيتكلم.
إن نصيحة القاضي هذه تتضمن استعارتين من القرآن:
الاستسلام لله: ثمة صيغة مركزية في المسرحية لا نصادفها فقط في نصيحة القاضي ولكن نصادفها في مواقع أخرى و هي صيغة "الاستسلام لله" وعند البحث في صيغ المسرحية وجدت روابط مسيحية ويهودية مع هذه الصيغ، لكن الباحثون اقتضاهم الأمر 217 سنة بالضبط ليكتشفوا أن الاستسلام لله ليس شيئاً آخر غير الترجمة الحرفية للكلمة العربية "إسلام" (فقط عام 1996 وجه الانتباه فريدريش نيفونر Freadrich Niew?hner في مقال في صحيفة فاتس Faz لهذه الحقيقة).
إن هذا الأمر مذهل حيث أنه فقط في التراث الإسلامي توجد هذه الصيغة ومن الممكن البرهان على أن معنى كلمة "إسلام"  كان معروفاً عند لسنغ ففي دفتر ملاحظاته نجد: "الإسلام هو كلمة عربية تعني أن يسلم المرء نفسه للإرادة الإلهية". وكان بإمكان لسنغ أن يقرأ في الكلمة التمهيدية لترجمة سيل للقرآن: "وهذا الدين سماه ]محمد[ باسم الإسلام، وهي كلمة تعني التسليم Resignation أو الخضوع أو الاستسلام لأمر الله وخدمته، وهو اسم [...] الدين المحمدي الأصلي.
وبالتالي يمكن لنا أن ننطلق من أن لسنغ استعمل هذه الكلمة على خلفية المعنى الذي تأخذه في الإسلام.
وفي القرآن أيضاً موازيات للتوصية بالسلوك الحسن بدلاً من  الشجار حول الحقيقة، وللرهان على السلوك الحسن ثمة مواز في القرآن أيضاً، ولم يستغرق الأمر طويلاً حتى اكتشف: ففي عام 1850 يجد القارئ في جريدة "دير شتوتغارتر مورغن بلات فور غبلدته ليزر Der Stuttgarter Morgenblatt für gebildete Leser" النص القصير الذي عنوانه "الفكرة الرئيسية لناثان لسنغ في القرآن". ولكي لا يجد المؤلف (مغفل الاسم) نفسه عرضة للشك بأنه يدافع عن القرآن يصف اولاً بالتفصيل كم هو هذا الكتاب مزعج، ولكن بعدها نجد: "ثمة مواضع قليلة لامعة  [...] ومن أبرزها جزء من الآية 52 من السورة الخامسة حيث نجد بعد كلام شديد الاحترام لشريعة موسى و إنجيل المسيح على لسان الرب ومن ثم على لسان الرسول القول:"   بعد هذا تأتي الآية 48 من سورة المائدة "لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم فيما آتاكم فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعاً فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون".
وقالت الجريدة أيضاً: "من لا يتذكر ناثان لسنغ عند قراءة هذا أو على الأقل فكرته الأساسية في نهاية مثل الخاتم؟".
لقد كان لسنغ يستطيع أن يجد أصل مثل الخاتم في الأدب، فقد كان موجوداً عند بوكاشيو Boccaccio أما نصيحة القاضي فهي إضافته الخاصة التي استوحاها من القرآن بشكل واضح:
يقول القرآن: "ولو أراد الله لجعلكم أمة واحدة". فتعدد الأديان هو إرادة الله، مثل تعدد الخواتم التي أرادها الأب- فمن له إذاً الحق في أن يحرم الأديان الأخرى من حق الوجود أو يستطيع تقديم السبب المبرر لذلك؟
وجانب الامتحان مهم أيضاً، والقرآن يقول: "ولكن ليبلوكم فيما آتاكم". بالنسبة للإخوة الثلاثة فإن وجود الخواتم الثلاثة هو اختبار: هل سيتصارعون أم سيعاملون بعضهم معاملة الأخ لأخيه؟ هل سيستحقون محبة أبيهم؟.
وبعد هذا "فاستبقوا الخيرات إلى الله"- وفي نصيحة القاضي: "ليراهن كل منكم-/ أن القوة السحرية في خاتمه/ ستظهر فجأة". فالتسابق على الخير هو السبيل لكي يثبت المرء أن دينه هو الدين الحق. وثمة مثل في الإنجيل أيضاً عن هذا: في الإصحاح السابع من إنجيل متى 20:7 في أثناء الحديث عن التفريق بين الأنبياء الحقيقيين والأنبياء الكذبة: "من ثمارهم تعرفونهم". أن العقيدة الصحيحة تظهر من خلال السلوك الحسن فهذا تعليم أساسي في الإسلام، ففي حديث نبوي مشهور: "الدين معاملة".
وفي النهاية فإن الجواب عن الدين الصحيح موجود في الآخرة: "إلى الله مرجعكم فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون" -"عندها سأدعوكم عبر آلاف آلاف السنين/ مرة أخرى أمام هذا الكرسي حيث سيكون/ رجل جالساً على هذا الكرسي هو أحكم/ مني وسيتكلم".
إن مثل الخاتم لا يدعو بهذا إلى اللامبالاة حيال الأديان كلها. وليس التسامح نتيجة لإفقاد السؤال عن الحقيقة أهميته، فالإخوة لا يطلب منهم إسقاط حقهم في أن يعتقد كل منهم أنه على حق، وعلى العكس فالقاضي يطلب منهم أن يثبت كل منهم على قناعته: "فليؤمن كل واحد أن خاتمه هو الأصلي III,7. ما يطلبه هو التخلي عن الشجار غير المجدي حول الحقيقة وبدلاًً من ذلك إثبات الذات في السلوك العملي.
في ناثان لا تجري المطالبة بالتسامح فقط عند الرجوع بكثرة إلى علم العقيدة الإسلامي واليهودي وإلى التاريخ، وإنما بالأحرى يحقق التسامح بمعنى الاحترام والاعتراف بالآخر على المستوى المضموني. لقد اشتغل لسنغ على عناصر من الأديان التوحيدية الثلاثة ومن المأثورات في مسرحيته، وبالذات من المأثورات اليهودية والإسلامية. (من المعروف أن المسيحية هي الدين الذي يعامل على النحو الأسوأ من قبل شخصية البطريرك).

VI ناثان الحكيم في القرن الحادي والعشرين:

ما الذي تستطيعه مسرحية مثل ناتان أن تقوله اليوم؟ إن رسالة ناثان التي هي قرابة البشر جميعاً عبر الحدود والأديان وإمكانية التفاهم السلمي بينهم كثيراً ما أعلن موتها.
على خلفية تجربة حربين عالميتين والهولوكست والحرب الأهلية في البلقان وأخيراً تجربة إرهاب الإسلامانيين المتطرفين وما أعلن على إثره من "حرب على الإرهاب" شملت إلى الآن بلدين يظهر الاستخلاص أن لسنغ برسالته التسامحية يطلب أشياء أكثر من اللازم، وقد عبر عن هذا مخرج مسرحي أخرج عروضاًً كثيرة لناثان الحكيم حين قال بعد هجمات 11 سبتمبر: "إنه تسامح عظيم ولكنه تسامح لا يمكن أن يعيش. هذه هي المأساة!".
وثمة مشكلة أخرى في استقبال ناثان هي أن مفهوم لسنغ للتسامح همش عبر إساءة الاستعمال العام: "عالم الدراسات الإسلامية نافد كرماني Navid Kermani يقول عن هذا: "إن مفهوم لسنغ للتسامح امتصه في البداية الوعي البرجوازي العادي ولاحقاً امتصته الكنائس بحيث لم يبق منه شيء وفقد كلياً طابعه التحريضي الناقد للتسلط".
لقد فرغ مفهوم التسامح من مضمونه في سياق هذا التطور وابتذل، ومما يعبر عن هذا عرض مسرحية ناثان في جوقة برلين Berliner Ensembel عام 2002.
إن لسنغ في زمنه وضع قبل كل شيء ثقافته المسيحية- الغربية الخاصة أمام المرآة بنيّة نقدية. و "الآخرون"، اليهود والمسلمون، هم في هذه المسرحية مستنيرون ومتسامحون، أي الصورة الإيجابية المعاكسة لثقافته الخاصة.
على العكس من ذلك عرض الجوقة البرلينية الذي يبدو المسلمون فيه كشخصيات شرقية من الحكايات لها مظهر صبياني: بتعبير نقاد الجرائد فإن صلاح الدين "يتقافز هنا وهناك كصبي مغرور مدع زين نفسه بنهايات لحية مدببة" ويتبختر مثل صورة كاريكاتورية شاحبة لقائد يرتدي حذاءين زرقاوين.
على مدخل خشبة المسرح أحضرت رموز للديانات الثلاثة: الصليب للمسيحية ونجمة داوود لليهود والطائرة المدنية للمسلمين. وبينما يظهر المسلمون على الخشبة كشخصيات حكايات شرقية فإن صورة الخشبة تحث المشاهد على تبني صورة للإسلام كدين عنف.
إن عنصرين أساسيين من صورة الإسلام القديمة تظهر بهذا في عباءة جديدة: اللاعقلانية والعنف.
وثمة شيء آخر يلفت الانتباه في هذا الإخراج: في مسرحية لسنغ المتنور ناثان يهودي شرقي، أما في إخراج بيمان Beyman فيظهر أوروبياً ويدخل المسرح في زي غربي. إن تعامل لسنغ النقدي مع ثقافته الخاصة تحول إلى مصادقة على تفوقها الأخلاقي والعقلي.
هذا القلب لقصد لسنغ هو أمر مستهجن يما يكفي لكن ثمة ما يستحق الاستهجان أكثر وهو أنه لم يكد يلفت الانتباه رغم كل النقد الذي وجه للإخراج، فقد أثنت الجرائد على عرض ناثان (تقول جريدة دي فلت Die Welt مقرظة "إنه عرض لامع ويكفي دور البطولة الذي أداه بيترفيتس Peter Fitz (مثقف حربوق بلطافة)).
أما كرماني فقد أوضح إشكالية عرض ناثان هذا بجلاء:
"على حين أن لسنغ كتب ضد لاتسامح الغرب جاء إخراج بيمان ليجعل التسامح أمراً غربياً. فحامله ليس "منهم" كما هو عند لسنغ ولكنه واحد "منا". كل الشخصيات في العرض وضعت في الشرق المدهش ما عدا واحدة فقط ألبست لباساً غربياً مثل لباس الغربي كلاوس بيمان Claus Peyman وهي شخصية ناثان الحكيم. ويمكن للمرء أن يسميه ناثان الأبيض (تلاعب على الألفاظ: "الحكيم" بالألمانيا هو der Weise و"الأبيض" هو der Wei?e .م). وفي جميع الأحوال يمكن للمرء أن يذكر العنصرية القابعة بشكل غير واع في أساس هذا الإخراج.
هل انعدام الإدراك لقصد لسنغ هذا (وهو ليس موجوداً في عرض الجوقة البرلينية فقط) هو أيضاًً عرض من أعراض التميع العام لمفهوم التسامح؟
لقد وصف مفهوم التسامح عند لسنغ بأنه موقف احترام واعتراف: إنه ليس مجرد تحمل لقناعات الآخرين ولكنه تفاعل جاد وبناء معهم، فهل تحقق نماذج التسامح الآن هذا المطلب أم هي لا زالت بعيدة عنه؟ في هذا الموضع تطرح المقارنة بين مفهوم لسنغ للتسامح ونموذج يبدو أنه يلاقي نسبياً موافقة واسعة حالياً نفسها.
الفيلسوف الفرنكفورتي راينر فورست Rainer Forst يدافع عن "مخطط احترام Respekt-Konyeption " يؤسس الاحترام على قاعدة أنه "فضيلة العدالة ومطلب العقل".
وفي هذا النموذج يستند التسامح على "شكل مؤسس أخلاقياً للاحترام المتبادل للأفراد أو المجموعات المتسامحة مع بعضها". إن الاعتراف بالآخر في ذاتيته Eigenheit وغيريته Andersheit  يفهم كإلزام أخلاقي. وبمفهوم الاحترام يتحدد موقف الاعتراف الذي طالب به لسنغ ومن بعده غوته أساساً للتسامح. فهل الأهمية المركزية للاحترام علامة على أن مفهوم لسنغ للتسامح يجد اليوم اعترافاً عاماً؟
إن يورغين هابرماز Jügen Habermas شدد في أحد الخطابات كثيراً على المنافع العملية لوصية التسامح:
"إذا نظرنا للأمر من وجهة وظيفية فإن التسامح الديني عليه أن يستوعب التأثير الاجتماعي الهدام لاختلاف في الآراء ما زال قائماً بلا هدنة. إن الرابطة الاجتماعية التي تربط المؤمنين مع مؤمنين من عقيدة أخرى ومع غير المؤمنين كأعضاء في مجتمع علماني واحد يجب أن لا تتمزق". ("متى يجب علينا أن نكون متسامحين؟" 2002). هدف موقف التسامح هنا هو تأمين السلام الاجتماعي، ولربما كان هذا أيضاً هو كل ما يمكن للمرء أن يطلبه واقعياً أما لسنغ فهو في جميع الأحوال قد ذهب أبعد من ذلك: صحيح أن الجانب الخاص بتأمين السلام الاجتماعي يلعب دوراً عند لسنغ أيضاً (وهكذا يعرقل مطلب التسامح في نصيحة القاضي أيضاًًً أن يتصارع الإخوة) ومع ذلك فإن مفهومه للتسامح يتجاوز هذا فهو لا يعني عند لسنغ السماح بوجود قناعات أخرى فقط ولكنه يعني أيضاً ترك الذات تتفاعل مع هذه القناعات. وبحسب هذا الفهم فإن التسامح هو أساس لتفاعل مثمر مع الأفكار والمفاهيم الأخرى: إن تفهم المنظورات الأخرى يتيح نمو المعرفة وبهذا يمكن للاشتغال بالأديان والثقافات الأخرى أن يقود إلى الاغتناء.
مؤمناً  أن هذا ينطبق على الإسلام أيضاً وقف لسنغ في الفكر التنويري وحيداً. من يرون اليوم في الإسلام إغناء هم أقل من أي وقت مضى، أما وجود عدة ملايين من المسلمين في أوروبا فينظر إليه بالأحرى على أنه مشكلة، وفي هذا الوقت يشكل الإسلام بوضوح التحدي الأكبر أمام التسامح الأوروبي.
في ألمانيا ثمة خلافات دائمة منتظمة في المسائل المتعلقة بممارسة المسلمين لدينهم كمسألة اللحوم المذبوحة وبناء المساجد وارتداء غطاء الرأس. وليس نادراً أن تجتمع في هذه الجدالات كل المخاوف المرتبطة مع وجود لأقلية ينظر إليها بنظرات تتراوح ما بين النظرة إلى "الغريب" والنظرة إلى "الخطر".
وفي فرنسا كما في ألمانيا يتبدى لنا في سياق "الجدال حول غطاء الرأس" الراهن أن الممارسة الاجتماعية والسياسية لا يوجهها مفهوم للتسامح بأنه "احترام"، الأمر الذي كان من شأنه -كما يقول فورست أيضاً -أن يقود إلى التسامح مع غطاء الرأس في المدرسة (وهذا يعني احترامه). وفي الفترة الأخيرة على خلفية العلاقات السياسية يبدو أن ما يدعى مجازاً الصراع الحضاري،الذي لا يتبدى في "الجدال حول غطاء الرأس" فقط، يزداد حدة. إن الإرهاب الذي يزعمون أن دوافعه دينية وتصاعد الصراع في الشرق الأوسط والحديث المستجد عن "الحروب الصليبية"- كل هذا ظواهر حولت "صراع الحضارات" الذي تنبأ به صموئيل هنتنغتون إلى ما يبدو كأنه حقيقة واقعة، وقوت الميل إلى التفكير في الثقافات ككتل قائمة على هويات صافية غير متغيرة. وفقاً لهذه النظرة يقف "الإسلام" و "الغرب" أمام بعضهما أنظمة مغلقة بدون إمكانية للاتفاق. وفي كلا الجانبين يعمل ممثلون لهذه الرؤية للعالم بعناية على الإبقاء على الصورة العدائية للطرف الثاني.
إن التصور القائل بهوية وحيدة البعد و قابلة للفصل الجلي عن سواها لم يتم دحضها فقط بعد أن تطورت العولمة والهجرة و أصبح ينظر إليها على أنها بناء تخيلي، ذلك أن الثقافات خضعت دوماً لعمليات تحول، وتطورت عبر التبادل ثنائي الاتجاه، ولكن الظاهر أن "العودة إلى الوعي" بما هو "خاص" ووضع الحدود له التي تفصله عن الآخر في عصر الحداثة قد أصبح حاجة هدفها ترسيخ اليقين بالهوية التي أصبحت مهتزة. إن هذا البناء الأصولي للهوية هو في التيارات الإسلامانية التي تريد تنقية الإسلام مما هو غريب ظاهرة ملاحظة تماماً كما هو في أجزاء من المجتمعات الغربية التي يقال فيها إن "الثقافة القائدة" يجب أن تحمى من الانهيار.
لقد وقع للسنغ أنه بنى صورة نقيضة لمجتمعه الخاص بشكل مزدوج: عبر تحديده لطبيعة الإسلام كدين للعقل والتسامح من جهة، وعبر الإشارة إلى العناصر اللاعقلانية واللامتسامحة في مجتمعه هو، أي في الثقافة المسيحية الغربية من جهة أخرى. إن راهنية معالجة لسنغ للإسلام تتمثل لهذا قبل كل شيء في نقطتين:
-في الاستعداد لاكتشاف القيم الأساسية ليس فقط في الثقافة الخاصة بل في الثقافات الأخرى أيضاً وبالتالي فهمها بصورة كونية.
-في الاستعداد للنقد الثقافي.
في هذا الموقف يشكل لسنغ قدوة للمسلمين ولغير المسلمين الذين يشترط من أجل أن يقوموا بحوار متكافئ أن يتحرروا من طرق التفكير الجوهرانية، و إن وضع الثنائيات المتنافية أمام بعضها مثل ثنائية الغرب العقلاني مقابل الإسلام اللاعقلاني المتعصب، أو في الجانب الإسلامي وضع ثنائية الإسلام الأخلاقي مقابل ثنائية الغرب اللاأخلاقي يجب أن يحل محله تبصر بالتعقيد والاختلاف في كل ثقافة وفي الدين نفسه.
وعلاوة على ذلك يجب اكتشاف القيم المشتركة العابرة للحدود التي ترسمها اختلافات الدين والثقافة، و أن يتلاقى البشر في المرتبة الأولى لا كمنتمين لأديان مختلفة ولكن كبشر، أو بحسب تعبير ناثان: "هل المسيحي واليهودي هو مسيحي ويهودي / قبل أن يكون إنسانا؟ً" II ,5.

العنف المؤله !!

التفاصيل
كتب بواسطة: الصديق بودوارة
نشر بتاريخ: 20 مايو 2001
انشأ بتاريخ: 20 مايو 2001
الزيارات: 7

الصديق بودوارة

العنف المؤله !!
(1) الطبيعى في قانون الطبيعة ان لكل فعل ردة فعل ، والطبيعى كذلك ان ردة الفعل هذه تكون مساوية للفعل مضادة له في الاتجاه ، فهل ينطبق هذا على ما يجرى هذه الأيام ؟
(2) يمكنك دائماً أن تبحث عن الثقافة عندما تريد معرفة الخلفيات ، فالثقافة كتاب مفتوح لا يتمكن صاحبه من اغلاقه متى شاء ، لأن الثقافة عنوان ، والعناوين لا تكون الا عندما تبرز الى العلن .
(3) في ردة الفعل الاسرائيلية على خطف الجنديين عنفٌ يستعصى على التفسير ، هناك ما يشبه ( الضرب المفضى الى الموت ) ، أو لعله ( تكسير العظام ) ، شئ كهذا ، تصرف يحمل من الشذوذ ما لا يمكن أن
تستوعبه اللغة ، فأين يمكن أن نبحث عن الثقافة في بنية عنف كهذا العنف ؟
(4) الدين هنا يتقدم الصفوف ليحمل لنا الاجابة ، والذين يضعون يغطون عيونهم باكفهم هم فقط من لا يقرأون تعاليم التوراة واضحة وضوح الشمس ، تحمل ( وصايا الرب ) لشعبه الخاص به ، ( المفضل على كل الشعوب ) بموجب عقيدة فيها من التحيز أكثر مما يحتمله مجرد التفسير .
(5) سنبدأ الآن في استعراض بعض ما تسمح به مساحة هذه الزاوية من ( ثقافة العنف ) التى تنطوى عليها الأجزاء المزورة من التوراة ، والتى تحظى الآن بشعبية هائلة يترجمها هذا التطبيق العملى لها على أرض العمليات العسكرية في لبنان ، ولكن قبل ذلك سأطلب السماح من ( أحد أقزام الثقافة المحلية ) الذى يصرح في جلساته ومكالماته الهاتفية للأصدقاء أن زاوية الصديق بودوارة ليست من الزوايا المهمة في الصحيفة وسأدعوه الى أن يغلق هاتفه ــ وفمه ايضاً ــ قليلاً ويقرأ معى هذه السطور .
(6) دائماً هناك ( الآخر ) ، هناك الغريب الذى لا يرتقى الى مستوى ( ابن البلد ) ودائماً هو محل ازدراء ، ففى سفر التثنية هناك هذه الوصية الغريبة : (( للأجنبى تقرض بربا ، ولكن لأخيك لا تقرض بربا . )) ، وهذه الازدواجية في الحلال والحرام تتسع لتأخذ بعداً له علاقة بالعنف ، بالضرب المفضى الى الموت ، وبتكسير العظام ،كما اسلفت ، ففى وصية أخرى في سفر اللاويين : (( أبناء المستوطنين النازلين عندكم تستعبدونهم الى الدهر وتتخذون منهم عبيداً واماءً ، اما اخوتكم من بنى اسرائيل فلا يتسلط انسان على اخيه بعنف . ))
(7) هناك اذاً وجه آخر للتعامل ، لكن الخطورة تبلغ اشدها في سفر التكوين عندما نقرأ ( فرماناً ) مثيراً للريبة الى أقصى حد : (( كل مكان تدوسه بطون اقدامكم يكون لكم من البرية ولبنان ، من نهر الفرات الى البحر الغربى تكون تخومكم ، وقد اختارك الرب لتكون شعباً خاصاً فوق جميع الشعوب التى على وجه الأرض . ))
(8) ولنقرأ معاً الآن هذا ( المشهد الدموى ) لما يسميه سفر أشعيا ( انتقام الرب من أجل صهيون ) : (( للرب تكون ذبيحة في البصرة ، وذبحاً عظيماً في أرض أدوم ، وترتوى الأرض بالدم ، وتتحول انهارها زفتاً وترابها كبريتاً ،وتصير أرضها زفتاً مشتعلاً ليلاً نهاراً لا تنطفئ والى الأبد يصعد دخانها . )) ، هل لفتت انظاركم قسوة ردة الفعل ( التوراتية ) أم تريدون المزيد ؟
(9) (( حين تقترب من مدينة لكى تحاربها استدعها للصلح ، فان اجابتك الى الصلح وفتحت لك فكل الشعب الموجود فيها يكون لك ويستعبد لك ، وان لم تسالمك بل عملت معك حرباً فحاصرها ، وإذا دفعها الرب لك فاضرب جميع ذكورها بحد السيف ، اما النساء والاطفال والبهائم وكل ما في المدينة فتغنمها لنفسك . )) .. انها (عقيدة الاستعباد ) تلبس رداء القداسة وازدراء الآخر ، فهل يمكن الآن أن نستغرب كمية العنف الهائلة التى تنهمر الآن على رؤوس ( الأغيار ) من غير شعب الله المختار ، وهل يمكن لنا أن نتجاهل مخزون الثقافة الذى يمسك بالمطرقة ليهوى بها على الرؤوس ؟

 

 

 

فلنكن علماء..

التفاصيل
كتب بواسطة: رحيم العراقي
نشر بتاريخ: 08 مايو 2001
انشأ بتاريخ: 08 مايو 2001
الزيارات: 6

جورج شارباك، حائز على جازة نوبل للفيزياء، سبق له وقدم العديد من الكتب من بينها كتاب «كونوا سحرة، كونوا علماء» الذي عالج فيه الأستاذ الكبير «علمياً» ألاعيب السحرة وغيرهم من المحتالين. . ورولان أومنيس هو أيضاً فيزيائي كبير ويعمل أستاذاً في جامعة أورسي بالقرب من باريس.
 
وهي أحد أشهر جامعات العالم في ميدان الفيزياء والرياضيات. إن هذين الفيزيائيين الكبيرين، الحائزين على شهرة عالمية، قررا أن يستكملا في هذا الكتاب، ما كان قد بدآه في الكتاب السابق. «كونوا علماء» هو أولاً كتاب في محاولة تبسيط العلم كي يكون مفهوماً من قبل غير الاختصاصيين، مع محاولة الإجابة عن بعض التساؤلات العلمية التي يواجهها الباحثون في الميدان العلمي بالمعنى الأكثر شمولاً للكلمة.
 
لكن ليس المقصود أبداً هو تقديم تاريخ للعلوم وليس أيضاً شرح المعادلات الفيزيائية الحالية أو السابقة لكنه يتوجه بالأحرى إلى المبتدئين الذين يريدون التعرف على المشهد العلمي الحديث دون التوقف طويلاً مع ذلك الأمر الذي لا يمنع أن بعض النقاط قد جرى شرحها بقدر من التعمق، وبهذا المعنى يقدم المؤلفان عملهما بمثابة دليل للقراء بغية محاولة شرح القوانين الفيزيائية الكونية.
 
إن المؤلفين، وهما صديقان منذ سنوات طويلة، يقدمان أولاً لوحة للمعلومات العامة التي لا خلاف عليها، كي يضعا ذلك في منظور أكثر اتساعاً وشمولاً بحيث يبحثان في تمفصل العلاقة بين الفيزياء من جهة والفلسفة والعقائد الدينية من جهة أخرى. إنهما يؤكدان بأشكال مختلفة على أن وصف الفيزياء، لا سيما الفيزياء المعاصرة، لا يقدم بالقطع أي مساس حاسم بالقطبين الآخرين المؤسسين للبشرية، كذلك يدخل التاريخ على «حلبة» التفسير كي يعطي للدراسة بعداً إنسانياً وللعلم لوناً لا يملكه بالضرورة.
 
إن القوانين والقواعد الفيزيائية ليست وظيفتها هي تسيير أمور البشر أو الحضارات أو المجتمعات؟ هذا ما يتفق عليه الجميع. لذلك يرى المؤلفان بأنه لا بد من استخدام معارف أخرى وأشكال وعي أخرى من أجل إضفاء «بعد إنساني» عليها، لكن بالمقابل يمكن الاستفادة من هذه القوانين والقواعد في مجال التربية وتأكيد منهج فكري منظم وبناء بحيث يتم إبراز التداخل بين العلوم الدقيقة والعلوم الإنسانية.
 
يتم توزيع مواد هذا الكتاب بين ثلاثة أقسام في القسم الأول يتم على مدى فصول سبعة شرح القوانين الفيزيائية في تطورها التاريخي منذ فترة ما قبل التاريخ حتى الفترة المعاصرة، وتبحث الفصول الأربعة التي تشكل القسم الثاني في العلم والفلسفة والدين وتداخلاتها في دائرة الفكر، أما القسم الثالث والأخير فإنه مكرس لمسألة «التربية في القرن الحادي والعشرين» ورهاناتها الإيجابية والسلبية في المجتمعات وآثارها على أبنائها.
 

ما هو علم الفيزياء؟
 
سؤال بسيط يطرحه المؤلفان ويجيبان عنه بأن هذا العلم يقوم على مجموعة من القوانين التي اكتشفها الإنسان والتي يستخدمها من أجل اكتشاف غيرها الأكثر تقدماً منها. هكذا سعت الحضارات كلها عبر البلدان والقارات إلى فهمها من أجل الوصول إلى إمكانيات تطبيقها وبالتالي إمكانية إعادة التفكير بالعالم وتغيير أنماط الحياة اليومية.
 
ما يؤكده العالمان الفيزيائيان هو أن لا شيء يمكن أن يكون بمنجاة كاملة من قوانين العلم، إذ انها موجودة بيننا ابتداء من المنزل الذي نسكنه إلى المجرات الأكثر بعداً عنا، ويقول المؤلفان لقرائهما: «في اللحظة نفسها التي أنتم تحت تأثير هذه القوانين وتحت غيرها»، ثم إن أفواجاً كاملة من العلماء في مختلف أصقاع العالم أمضوا حياتهم وهم يبحثون عن الكشف عنها،
 
لكن بمقدار ما يتقدم الزمن تبدو هذه القوانين أكثر تعقيداً وإدهاشاً، وليس هناك أي قانون منها يطمح إلى أن يكون غاية بذاته، وإنما مجرد «ممر» باتجاه قانون آخر، هكذا كان اسحق نيوتن مكتشف قانون الجاذبية قد قال بأنه إذا كان قد نجح في الرؤية بعيداً فذلك لأنه قد صعد على أكتاف من سبقوه.
 
والأمر نفسه بالنسبة للجميع، وهكذا استطاع الفيزيائيون بـ «صعودهم على أكتاف» البرت اينشتاين استطاعوا في الحقبة المعاصرة أن يكتشفوا الفيزياء الكوانتية. إن المؤلفين يتحدثان عما يسمى بـ «الجذب الكوني» والذي يعني بأن كل ما له كتلة له قوة جذب تتناسب مع هذه الكتلة وبحيث إن الكتل تتجاذب فيما بينها وانه بمقدار ما تكون الكتلة أكبر تكبر أيضاً قوة الجذب.
 
هكذا إذن للبشر كتلة، وأنتم ـ القراء مثلاً ـ لكم كتلة تجذبها الأرض لأن كتلتها أكبر، إذ لو لم يكن الأمر «كنا سنطير في الفضاء»، كما يقول الفيزيائيان المؤلفان، وبهذا الصدد، إن من رأى صور رائد الفضاء الأميركي نيل أرمسترونغ الذي حط على سطح القمر عام 1969، فإنه قد لاحظ من دون شك بأنه كان يبتعد عالياً عن أرض القمر عند كل خطوة من خطواته، وكأنه كان يقفز، وهذا يعود إلى أن كتلة القمر هي أدنى بكثير من كتلة الأرض وبالتالي لها قوة جذب أقل، لذلك أعطى أرمسترونغ الانطباع بأنه يسبح فوق القمر.
 
هكذا يؤكد المؤلفان بأن القوانين الفيزيائية على صعيد البشر إنما هي ذات طبيعية محددة لأنها تخضع لمنطق ثابت. فمثلاً إذا أخذتم هذه الصحيفة التي بين أيديكم الآن وتركتموها على مستوى الرأس، فماذا يحصل؟ إن المؤلفين «يتحديان» أي زعم آخر غير أنها ستسقط على الأرض، ومن يقول غير هذا فإنهما يوجهان له «النصيحة» بأن يذهب بسرعة من أجل استشارة طبيب،
 
ذلك أن قوة جذب الأرض هي أقوى من قوة جذب الصحيفة أو أية كتلة صغيرة أخرى وبالتالي مآل هذه كلها بالضرورة والقسر وبلا شك وآلياً هو السقوط على الأرض، وهذا ما صاغه اسحق نيوتن بالقول إن العالم الذي نعيش فيه نحن البشر، إنما هو عالم محكوم بقوانين فيزيائية محددة ومبينة.
 
وهذه الأجساد والكتل كلها مؤلفة من ذرات، أي من «حبيبات» غاية في الصغر التي لا تقبل أية تجزئة وهي صغيرة إلى درجة لا يمكن رؤيتها بالعين المجردة، وإنما نستطيع فقط أن نعي نتائج تفاعلها فيما بينها، وذلك بواسطة حس مشترك اكتسبه الدماغ الإنساني على مر القرون عبر الاحتكاك مع الظواهر المنتظمة للطبيعة.
 
ومع مرور القرون أيضاً استلهمت الفلسفة من المبادئ التي اكتشفتها العلوم التي أسست للمعرفة. لكن العلاقة مع العلم طرحت سؤالاً فلسفياً لا يزال موضع نقاش حتى الآن وهو: هل الإنسان حر أو هل محكوم تماماً بآليات معينة؟
 
وفي إطار البحث بين العلم والفلسفة يرى مؤلفا هذا الكتاب بأن غاليلي غاليليو الذي عاش في نهاية القرن السادس عشر وبداية السابع عشر هو مؤسس الحداثة. وان نيوتن هو مكتشف القوانين الكونية الأولى.
 
ثم جاء دافيد هيوم ليؤكد بأن كل فكر يسوق نحو الوقائع العيانية. ويذكر المؤلفان في هذا السياق الفيلسوف ايمانويل كانط الذي اعتبر بأن العقل لا يمكنه أن يدرك سوى الظواهر التي هي نفسها ليست سوى تجليات خارجية. كذلك يعتبران بأن نيتشة هو الفيلسوف الوحيد خلال القرنين المنصرمين الذي أدرك تبدّل الحداثة وحاول أن يفهم رهاناتها.
 
لكن التبدلات الناتجة عن الاكتشاف العلمي للقوانين الفيزيائية لا يمكن أن يكون أي إنسان حيادياً حيالها، فالجميع معنيّون بها وبموقعها في الإجابات عن التساؤلات الجوهرية الخاصة بأمل العالم.
 
ويطرح المؤلفان في هذا السياق فكرة وجود عدة مكونات لكل معتقد ديني متمثل في «مجموعة من المبادئ المتسامية التي تجتمع حولها مجموعة بشرية على قاعدة الإيمان بها والاتفاق حول منظومة أخلاقية وممارسة طقوس وامتلاك بعد روحاني».
 
ويرى المؤلفان بأن مسألة العلاقة بين العلم والمعتقد الديني جرى طرحها بقوة أولاً على المسيحية في الغرب حيث كان العلم الحديث يتقدم في طريق الاكتشافات، أي في أوروبا، المعروفة اليوم بـ «القارة القديمة».. وفي إطار مثل هذه العلاقة يبقى السؤال الكبير المطروح هو كيفية التوفيق بين ما يؤمن به الإنسان وما يعرفه؟
 
وكانت مسألة التوفيق» هذه قد بدأت بألمانيا في مطلع القرن التاسع عشر لتؤدي إلى ما يسمى بـ «البروتستانتية الليبرالية» لكن الكنيسة الكاثوليكية تطورت ببطء أكبر.
 
ويرى المؤلف بأنه يكفي من اجل إدراك هذه المقارنة بين ما كانت عليه قبل 150 سنة وما هي عليه الآن.. ففي عام 1854 اتخذ البابا «بيا التاسع» مواقف شديدة الانغلاق حيال أي تجديد بينما أعاد يوحنا بولس الثاني قبل سنوات فقط النظر بالنتائج التي تم التوصل إليها في محاكمة غاليلي غاليليو وطلب من اليهود «الغفران» لما لاقوه من اضطهاد خلال قرون من الزمن.
 
لكن هذا لا يمنع واقع انه لا يزال هناك عدد كبير من الأصوليين المسيحيين ـ وخاصة في بعض التيارات البروتستانتية والكاثوليكية التي يرفض المنضوون في إطارها قبول قوانين السلم.
 
وتحت عنوان «العلم والعالم الإسلامي» يؤكد المؤلفان على أنه ما بين القرن الثامن والقرن الحادي عشر، وبعد ذلك بكثير في بعض الأماكن، كانت حضارة الإسلام تسطع بينما كانت أوروبا المسيحية أسيرة عقائد جامدة، وكان علماء الرياضيات والفلك والفيزياء والطب والطبيعة والفلسفة العرب والفرس يقومون بإحياء رماد الحقب اليونانية القديمة كي يبعثوا الحياة فيها.
 
كما يؤكد المؤلفان هنا بأنه لا صحة للمزاعم التي يقول بها البعض ومفادها أن العلماء العرب لم يفعلوا سوى نقل العلم اليوناني وتحسينه في بعض النقاط.

المقال الذي يقدمه لإثبات ذلك هو ابن الهيثم الذي كتب دراسة في البصريات تمّت ترجمتها إلى اللغة اللاتينية في القرن الثالث عشر واستلهم منها بعد ذلك كوبر وديكارت. وابن الهيثم هو أيضاً مخترع «الحجرة السوداء» التي اثبت بواسطتها أن الضوء ينتشر بخطوط مستقيمة نافياً بذلك أطروحة كان قد قال بها أرسطو والتي استمرت 13 قرناً دون أن يحتج عليها أحد.

كذلك ينقل المؤلفان عن أحمد زويل، الحائز على جائزة نوبل للكيمياء عام 1999 قوله بأنه لا يعتقد بأن الدين هو المسؤول عن حالة جمود العلوم في العالم الإسلامي، والماضي كفيل بإثبات ذلك. الكلمات الأخيرة في هذا الكتاب والتي أراد المؤلفان جعلها بمثابة رسالة هي لرئيس وزراء الهند الأسبق الراحل جواهر لال نهرو، وجاء فيها: «العلم وحده يمكن أن يحل المشكلات التي يطرحها الجوع والفقر والأمية والخرافة والعادات والتقاليد الباعثة للشلل وهدر الثروات وموت البشر جوعاً في بلاد غنية، إن المستقبل هو للعلم ولأولئك الذين يريدون أن يكونوا أصدقاء».
 

 

 
 

إدارة الموارد البشرية بين النظرية والتطبيق

التفاصيل
كتب بواسطة: رفعت شميس
نشر بتاريخ: 02 مايو 2001
انشأ بتاريخ: 02 مايو 2001
الزيارات: 10

إدارة الموارد البشرية بين النظرية والتطبيق

* رفعت شميس - سورية

الإنسان هو الكائن الحي الوحيد القادر على إدارة شؤونه وتنظيم حياته مستخدماً العقل وما يختزنه من ثقافة ، إضافة إلى استخدامه للغريزة وما فطر عليه ، أما بقية الكائنات ومهما بلغت نسبة ذكاء بعضها فهي تعتمد على غرائزها  أكثر مما تعتمد على عقولها ، وقد أكدت الدراسات على أن الحيوان سبق الإنسان بوجوده على كوكب الأرض ، وأن الإنسان البدائي تعلم من الحيوانات التي شاركته العيش في بيئته ، وكلنا يعلم قصة هابيل وقابيل ابني آدم وكيف أن هابيل تعلم من الغراب كيف يدفن أخيه : قوله تعالى :  "  فَبَعَثَ اللهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتي أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ "   (31) (سورة المائدة).

ومهما كان ما تعلمه الإنسان من الحيوان فلا يعد إلا الشيء اليسير مما أبدعه العقل البشري من إيجاد الوسائل التي يستطيع من خلالها تحقيق غاياته التي لا تقف عند حد معين  .

احتاج إلى القوانين والأنظمة فأوجدها من خلال معرفته بماهية الثواب والعقاب ، وقد كان الملك الآشوري حمورابي الذي حكم بابل بين عامي 1792 - 1750 ق . م شخصية عسكرية لها القدرة الادارية والتنظيمية  ، ومسلته الشهيرة المنحوتة من حجر الديوريت الأسود والمحفوظة الآن في متحف اللوفر بباريس ، تعتبر من أقدم وأشمل القوانين في وادي الرافدين بل والعالم. وتحتوي مسلة حمورابي على 282 مادة تعالج مختلف شؤون الحياة، وفيها تنظيما لكل مجالات الحياة وعلى جانب كبير من الدقة لواجبات الأفراد وحقوقهم في المجتمع ، كل حسب وظيفته ومسؤوليته.

ويمكن القول إن القوانين والأنظمة الوضعية الأولى ، وكذلك التعاليم الدينية ، وما ينطوي تحت لفظتي العدالة والمساواة من معان ،  كانت الأسس التي قامت عليها إدارة الموارد البشرية ، إلا أن هذا المصطلح بكلماته الحالية هو مصطلح علمي حديث  يستخدم للدلالة على العملية الإدارية وما تتطلبه من  مهام تتعلق بالتخطيط والتنظيم و التحديث والتطوير و التحفيز و التعويض ، و رقابة أداء ، إلى آخر ما هنالك  من مهام  ، ولا يتحقق من ذلك شيئاً ما لم تنظر الإدارة إلى الكادر البشري على أنه قبل كل شيء إنسان وليس آلة .

ظهر مصطلح إدارة الموارد البشرية في الولايات المتحدة الأمريكية في بداية العقد السابع من القرن الماضي كبديل عن مصطلح إدارة الأفراد ... في الوقت الذي كنا ولا نزال نستخدم مصطلحا آخرا هو ( شؤون العاملين ) .

وتعرف إدارة الموارد البشرية على أنها نموذج متميز لإدارة البشر والذي يسعى لتحقيق الميزة التنافسية من خلال وضع استراتيجية للحصول على موارد بشرية تتميز بالكفاءة ، هذا النموذج المتميز يتمتع  بمبادئ أساسية .. تتعلق باستراتيجية التكامل، تكامل إدارة الموارد البشرية مع الخطط الاستراتيجية للمنظمة.
وبالولاء. ولاء العاملين لأهداف للمنظمة  ، وبالمرونة ، مرونة المديرين ومدى تفهمهم للحالات النفسية والاجتماعية للعاملين ، وتهتم بعملين التكيف والقدرة على إدارة التغيير.

ويمكننا أن نعرف إدارة الموارد البشرية على أنها مجموعة وظائف تقوم بها المنظمة  بغرض توفير الكفاءات البشرية , وتنميتها، وتوجيهها لتحقيق أهدافها.

وهناك مراحل لابد أن تمر بها هي :1 -  توفير الكفاءات البشرية 2 - تنميتها 3 - توجيهها  .

ويتبع المراحل السابقة سلسلة طويله من المهام المرتبطة بها ، فتوفير الكفاءات البشرية يتطلب دراسة مدى احتياج المؤسسة للعاملين ثم تأتي عملية دراسة الرواتب والأجور ومدى تناسبها مع الوظيفة التي ستسند إلى العامل ثم تأتي عملية الامتحان ومن ثم الفرز والانتقاء ، بمعنى أن يتم وضع الشخص المناسب في الوظيفة المناسبة ... ولا يتم ذلك ما لم يسبق بما يسمى الاستقطاب ويكون ذلك بالاعلان على الوظيفة وشرح مزاياها وأجورها وساعات العمل وغير ذلك من المغريات التي من شأنها أن تجعل عدد المتقدمين كبيراً ليتم انتقاء النخبة .

وبعد مرحلة الانتقاء والتوظيف تأتي مرحلة التنمية والتدريب من خلال إقامة الدورات النظرية والعملية كي تحافظ العناصر على مقدراتها وكفاءتها ، وتأتي مرحلة التوجيه ، التي تتم بعد دراسة واقع العمل ومدى تحقيق الغايات المرجوة بل لنقل تقييم الأداء لتحديد الفارق بين الأداء الفعلي والأداء المطلوب ، وذلك لتصحيح الجوانب السلبية بالعودة إلى التدريب وتدعيم الجوانب الإيجابية بالحوافز والمكافآت .

وبهذا يمكن القول : إن إدارة الموارد البشرية هي عملية تنظيم للعلاقة القائمة بين إدارة المنظمة وموظفيها, ترمي إلى تحقيق أهدافها وأهدافهم ، وذلك من خلال مجموعة من البرامج والأنشطة المستندة في إعدادها إلى نظم وقوانين قابلة للتغيير بحسب الوضع الراهن، ومن هذا المنطلق فإن إدارة الموارد البشرية تتعامل مع العنصر البشري(الوظيفي) لاستثمار طاقاته

وهناك دونما شك  علاقة ارتباط بين نجاح المنظمة ونجاح الأفراد فيها بحسب برامج وخطط المنظمة مع العلم أن القياس الفوري لأي عمل ولا سيما في المنظمات الإنتاجية أمر صعب ويبقى التكهن والتنبؤ في حدود الإمكانيات المتاحة, أما الربح فهو ليس مقياساً صحيحاً لنجاح المنظمة، إذ إن هناك عوامل كثيرة تتدخل لتقلب الموازين.. ويكمن سر نجاح أي منظمة في العلاقة ما بين المدير ومجلس الإدارة والعاملين.. والسياسة الواضحة في التعامل مع العاملين المستقطبين للعمل, إضافة الى إعطاء الصلاحيات للإدارات الدنيا لتتمكن من اتخاذ قرارات صائبة أو تقترح قرارات صحيحة للجهات الأعلى .

وعلى المدير الاهتمام بالموظفين كونهم مورده الأساسي... وإيجاد الفرص للتدريب المهني ورصد الاعتمادات المالية الكافية لها.. ورفع الرواتب بما يتناسب مع الواقع الاجتماعي للفرد إضافة إلى إعطاء الحوافز التشجيعية وأن تكون هناك عدالة ومساواة فهما تجذبان الأفراد الى المنظمة فلا يفكر أحد بتركها للعمل في غيرها. المساواة والعدالة تحققان نتائج سليمة في أغلب الأحيان.

إن إدارة الأفراد لا تأتي بالتنصيب أو الاعتبارات الخاصة، ولا تأتي بالمال أيضاً، بل هي قدرات خاصة ومواهب يعتمد عليها المدير وتضفي عليها التجارب وقوة التفكير وسعة الأفق ورحابة الصدر، مهارات رائعة تجعله يمسك بزمام الأمور بثقة واقتدار. بل لا بد وأن يتولى المدير مهاماً أساسية في المؤسسة التي يديرها حتى يصلح أن يكون في هذا المقام،  وتقسم مهام القائد في الغالب إلى قسمين:

أحدهما: مهام رسمية تنظيمية.

وأخرى: سلوكية أخلاقية.

وتتلخص المهام الرسمية في مراعاة تنفيذ مبادئ التنظيم الإداري في المؤسسة لكي تسير الأمور بانضباط وجدية وأبرز هذه المهام :

1- التخطيط : أي رسم السياسات ووضع الاستراتيجيات وتحديد الأهداف البعيدة والقريبة، ووضع الخطط الموصلة إليها

2- التنظيم: أي تقسيم العمل وتوزيع المسؤوليات والوظائف بين الأفراد وتوزيع العاملين عليها حسب الكفاءات والخبرات والقدرات والطموحات.
ولا يكون المدير ناجحاً إلا إذا وضع الشخص المناسب في مكانه المناسب، وهذا ما يفرض عليه أن يراعي الخبرة والتخصص والقدرة والفاعلية في الأفراد.

3 – التنسيق : وهذا ما يتطلب منه الاتصال الدائم مع العاملين وشرح أهداف المؤسسة لهم وتذكيرهم بها باستمرار لشحذ هممهم وتحفيزهم للتعاون، وعلى المدير أن يخلق روح التعاون والمحبة بين العاملين ويشعرهم بأنهم أسرة واحدة وأنهم  الفريق المتكامل والمتعامل المتحد الأهداف والطموحات.

4- المتابعة والإشراف: وتعود الكثير من الاستمرارية والنجاح في الأعمال على مهمة المتابعة التي يقوم بها المدير مباشرة أو بالوسائط للمهام والخطط، كما تعد المتابعة المستمرة وسيلة للثواب والعقاب وأداة للإصلاح والتقويم والتطوير.

وعندما يهيمن الفساد الإداري على عمل منظمة ما فهذا لا يعني بالضرورة نهاية هذه المنظمة فهناك ما هو نقيض الفساد الإداري وأعني به الإصلاح الإداري ،  والإصلاح الإداري هو جهد سياسي, وإداري, واقتصادي, ثقافي وإرادي هادف لإحداث تغييرات أساسية إيجابية في السلوك والتنظيم والعلاقات والأساليب والأدوات تحقيقاً لتنمية قدرات وإمكانيات الجهاز الإداري بما يؤمن له درجة عالية من الكفاءة والفعالية في إنجاز أهدافهوقد يكون الإصلاح الإداري :

1-ذاتياً : حيث تقوم إدارة الجهاز نفسها بالإصلاح من خلال سعيها لاكتشاف مواطن الخلل والضعف في مختلف جزئيات العمل والقيام بتصحيحها عن طريق التقييم والمتابعة والرقابة واتباع الوسائل العلمية لتحسين أساليب العمل وتطويرها.‏

2-إلزامياً :  الذي ينص على أن الإصلاح الإداري يأتي مفروضاً من خارج الأجهزة الإدارية من جراء الإحساس العام بأن خللاً ما في الجهاز الإداري الكلي تعوق عمله وهناك عوامل أخرى تفرض فرضاً وتدفع القيادة السياسية الى تبني هذا الطلب وفرض المدخل الإلزامي للإصلاح الإداري.وهي( عوامل سياسية, اجتماعية, وسكانية) ومهما يكن فإن الإصلاح لن يتم دفعة واحدة بل من خلال اعتماد الأسلوب المتدرج في تطبيقه انطلاقاً من التهيئة العامة الشعبية لقبوله والتفاعل معه ، ولا بد من توفر عدة متطلبات ليتم الإصلاح الإداري منها: القناعة لدى من يقوم بعملية الإصلاح والاعتماد على أشخاص مشهود لهم بالنزاهة. والخضوع للتدريب على تنفيذ البرامج الصحيحة إضافة الى تنمية المعارف والعلوم وفقاً لمتطلبات العصر بتحليل سمات الواقع الإداري والاعتماد على المدخل الذي انتهجته القيادة السياسية في فرض الإصلاح الإداري وفق إطار فكري يبنى على إدارة واعية..‏

إن عمل إدارة الموارد البشرية ما هو إلا مجموعة من النظريات الاجتهادية التي يجب ألا تخضع لقوانين وقواعد ثابتة ، بل لا يمكن أن تنجح الإدارة عندما تخضع نفسها لمجموعة من القوالب الجامدة ، أو عندما تعتبر أن الأوامر الإدارية والتعاميم والتعليمات والقرارات ضرورات حتمية يجب تنفيذها بحذافيرها دونما تردد أو تذمر ... بل هي أكثر نجاحاً عندما تطلب تنفيذ ما يصدر من أنظمة وقوانين ناظمة ولكن ضمن حدود الإمكانيات المتاحة آخذة بعين الاعتبار العوامل النفسية والاجتماعية والفروقات الجسدية بين العاملين ... وملاحظة التنوع البيئي والمناخي واختلاف ظروف العمل من مكان لآخر ... ومن هنا يمكن القول إن هناك مهام غير رسمية للمدير ولانجدها مندرجة في القرارات والتعليمات الناظمة ... وإنما هي مهام سلوكية تتعلق بشخصيته ومدى تفهمه وإدراكه لقضايا وشؤون العاملين الشخصية ... أو لنقل تعتمد بشكل كبير على شخصيته وآفاقه وأسلوبه الشخصي في التعامل مع الآخرين، دعوني أطرح مثالاً : إن تقديم واجب العزاء لأحد العاملين ليس مفروضاً على المدير كمهمة رسمية ... إلا أن قيامه بهذا العمل غير الرسمي يؤدي إلى نتائج جيدة على صعيد العمل  .

وهنا يتوجب على المدير الاهتمام بمرؤوسيه وإقامة علاقات جيدة معهم، بهدف الاقتراب منهم والتعرف على مشكلاتهم وأفكارهم من الداخل لتذليل الصعوبات وتحقيق ما يمكن تحقيقه بما لا يضر بمصالح المؤسسة بل يصب في خدمتها ، إن الاتصال مع الجماعات المختلفة في المؤسسة، يكسر الحاجز بين الطابع الرسمي الذي يفرضه العمل، وغير الرسمي الذي تفرضه الأعراف والتقاليد والأخلاق ... صحيح أن المدير قد يتهم بالأنانية عندما يفعل الخير ومع ذلك ليفعله ... فهو إذا ما حقق نجاحاً سوف يجد  أصدقاء مزيفين أو سيجد أعداء له ... ولكن مهما يكن ليسعى إلى تحقيق النجاح مهما كثر أعداؤه ، وغالباً ما يكون المدير الصادق الصريح النزيه عرضة للانتقاد من بعض ذوي النفوس الضعيفة ، إلا أن الانتقاد هذا يجب أن يزيده تصميماً على نبذ الكذب دائماً والنزاهة أبداً . 

إن تطبيق نظريات إدارة الموارد البشرية يخضع لجملة من العوامل ويتفاوت التطبيق من منظمة إلى أخرى بحسب الظروف التي قد تكون سبباً في النجاح أو الظروف التي تكون سبباً في الفشل ...

 

سؤال الهوية وصدمة العولمة

التفاصيل
كتب بواسطة: بشير خلف
نشر بتاريخ: 30 أبريل 2001
انشأ بتاريخ: 30 أبريل 2001
الزيارات: 8

                            سؤال الهوية وصدمة العولمة
                                                                                  بشير خلف
توطئة
       توجد بين مفهومي الهوية والعولمة وشائج علاقات جدلية فريدة من نوعها في طبيعة العلاقة بين المفاهيم والأشياء .إنهما مفهومان متجاذبان  متقاطبان متكاملان في آنٍ واحدٍ . وفي دائرة هذا التجاذب والتقاطب والتكامل ، يأخذ مفهوم الهوية على الغالب "  دور الطريدة بينما يأخذ مفهوم العولمة دور الصيّاد "حسب تعبير الدكتور علي وطفة ( 1)
     فالعولمة تطارد الهوية وتلاحقها وتحاصرها وتُجْهز عليها ثم تتغذّى بها ، وفي دائرة هذه المطاردة تعاند الهوية أسباب الذوبان والفناء وتحتدّ في طلب الأمن والأمان ، وتتشبث بالوجود والديمومة والاستمرار .
      إن العولمة تعني ذوبان الخصوصية والانتقال من الخاص إلى العام ، ومن الجزئي إلى الكلّي ، ومن المحدود إلى الشامل .وعلى خلاف ذلك يأخذ مفهوم الهوية اتجاها متقاطبا كليا مع مفهوم الشمولية والعمومية ؛ فالهوية انتقال من العام إلى الخاص ، ومن الشامل إلى المحدود ..إذْ تـبحث عن التمايز والتباين والمشخص والمتفرد والمعيّن ..أما العولمة بحثٌ عن العام والشامل واللامتجانس واللامحدود .
      قضية العلاقة بين مفهوم الهوية والعولمة طُرحت على أكثر من صعيد ولا تزال تطرح لكونها من أهمّ القضايا وأكثرها صعوبة وتعقيدا وأقربها حضورا في عمق الجدل الدائر ليس لدى النخبة الثقافية والسياسية فحسب ، بل حتى لدى العديد من الناس العاديين ، ذلك أن انعكاساتها الفكرية والمعنوية ونتاجاتها المادية اقتحمت كل مجالات الحياة .
     يذهب بعض المفكرين والباحثين إلى أن العولمة فعْلٌ يقلص امتداد الكون في هوية واحدة متجانسة ثقافيا واقتصاديا واجتماعيا .العولمة وفقا لهذا الرأي تعمل على بناء ثقافة واحدة ، وتسعى إلى تذويب الحدود والحواجز الثقافية والفكرية والاقتصادية بين الأمم .إنها سعْيٌ محموم لبناء المجتمع الإنساني على مقياس الثقافة الواحدة والحياة الاقتصادية الواحدة ، وبالتالي فإن ثقافة العولمة هي ثقافة الشركات العابرة للجنسيات  والقوميات والثقافات .(2)
صدمة العولمة
     تعتمد العولمة في مسعاها على الاقتصاد بأوسع مكوّناته وأساليبه ..الاقتصاد الحر والسوق الحرة هما اللذان يقرران كل المسارات ؛ ولا ريب أن لذلك آثاره الوخيمة على الدولة وطريقة الحكم فيها ومكانة المواطن ودوره ، وإدارة الشأن العام في المجتمع ، وترشيد الإمكانات والموارد والثروات بأنواعها .(( ومع ذلك فإن هذا لا يعني اختفاء الدولة ولا اختفاء الهوية أو الثقافة أو القومية الاقتصادية أو السياسة الوطنية ..إن هذا رغم ضآلة الحدود في التجارة ، ما تزال وستظل تلعب دورا مهمّا وأساسيا وتعبّر عن كمٍّ من الطموحات والآمال والمصالح ، غير أن أهم عناصر المرحلة الجديدة هو وقوع تحوّلات هامة ذات صلة بالدولة وعلاقاتها بالداخل والخارج ...هذه التحوّلات تبدو بشكل أكثر وضوحا في مجالي السياسة والقانون الدولي ، وبالقيم التي تحكم السلوك العالمي وما يثيره ذلك من تحدّيات .)) (3)
       إن هذه التحولات المتسارعة التي تعدّت الحرية التجارية للسوق ، إلى الانتشار السريع للمعلومات والمعارف ، وذوبان الحدود بين الدول ، وسهولة حركة الناس من وإلى كل الأصقاع ، واندماج أسواق العالم في حقول التجارة وتنقل الأموال والاستثمارات المباشرة والقوى العاملة والثقافات ؛ فإن ذلك كله لا ينفي أنّ لكل أمة خصوصيتها الثقافية ، وأن الأيديولوجية السياسية في كل بلد تتبلور وفق خصوصية هذا البلد ، واستنادا إلى هويته مهما كانت شدة مكوّنات العولمة وصدمتها ، ووفقا لتاريخ هذا الأمة أو تلك ، وثقافتها وتحديدها للمصلحة الوطنية .
     إن حرية السوق وحركة التجارة وانفتاح الأسواق ، والانتشار السريع للمعلومات وتوفر الوسائط المعرفية والمعلوماتية وتنوّعها ، لا يؤدي إلى اقتلاع الناس من زمكانهم ..سيبقوْن ثابتين وخاضعين لدولهم ومجتمعاتهم وهوياتهم حتى وإن تحركوا وتنقّلوا عبر العالم ، أو استوطنوا هنا وهناك ..ممّا يؤدي إلى أن الدولة الوطنية باقية ، وأن دورها الريادي يكون أخطر أمام التحديات الراهنة والتحولات المتسارعة ، التي يُفترض ترجمتها إلى فعل سياسي واعٍ ، يستفيد من هذه التحولات العالمية التي لا تتعارض البتّة في آنٍ واحدٍ مع الثقافة المحلية والتاريخ والهوية الوطنية .
       إن ما يشهده العالم الآن من تحولات كبرى طالت وتطال كل مجالات الحياة الفكرية والمادية والبيئية ، معناه أن عالما جديدا يجري صنعه ، وتلعب التقنية والعلم الحديث الدور الأخطر فيه ..تحولات طالت وتطال البعد النفسي والفكري للإنسان وكذا ما يربطه بالغير القريب والبعيد ..معناه هناك ثقافة جديدة متجددة يجري إنتاجها .ومهما كان موقفنا من الحضارة الغربية وثقافتها التي تصدر نمط الاستهلاك للعالم الغير الغربي .
      ففي الوقت الحاضر هي التي تبدو أكثر فاعلية في حياة البشر .إن ذلك ليس لمجرّد أن الثقافة ذات صلة وثيقة بنمط الحياة ، بل أيضا لأن الثقافة ذات صلة متينة بالهوية وبالمستقبل ، وبذلك تؤثر الثقافة والنظام الثقافي السائد في عملية نجاح الخيارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية ، بل إنها تؤثر أيضا في الممارسة الاجتماعية والسلوك السياسي للأفراد .( 4)
مفاهيم للهوية :
    ويبدو أن ظاهرة العولمة ذات القطب الواحد التي ترى من حقها تشكيلَ العالم وفق رؤاها ومصالحها تارة ، وتحت مبرر محاربة الإرهاب حفاظا على الأمن في العالم تارات أخرى ، ومن منظور الشمولية الكونية ، باتت تطال المجالات الوطنية والقومية في مقوّماتها الثقافية الأساسية : الفكر واللغة ، الآداب ، التاريخ ، العادات والتقاليد ، وحتى أنماط العيش والسلوك ، مما يضع الدولة والمجتمع في أخطر تحدٍّ ، بعد زوال الاستعمار والحرب الباردة .
      (( ... وتشير القرائن والمعطيات الماثلة في الساحة الدولية المعاصرة ، إلى أن قرننا هذا الذي ولجناه منذ هنيهة قليلة ؛ إنما هو قرن الصراع الحضاري الذي مناطه القيم الروحية والثقافية للأمة ، أكثر مما هو صراع اقتصادي على المنافع المادية.)) (5)
       قبل أن نذهب إلى مفهوم ـ الهوية الثقافية ـ في هذه الدراسة حريٌّ بنا أن نتوقف عند مجموعة من المصطلحات والمفاهيم المرتبطة بالدراسة ، ويمكن تحديدها كالآتي :
* الهوية العربية الإسلامية : ( الهوية ) مأخوذة من " هو " بمعنى جوهر الشيء وحقيقته ..إنها كالبصمة للإنسان يتميز بها عن غيره .
        يُـعرّف الدكتور محمد عمارة : (( الهوية العربية الإسلامية " بأنها جوهرٌ وحقيقة وثوابت الأمة العربية التي اصطبغت بالإسلام منذ أن دانت به غالبية هذه الأمة، فأصبح ( هو) " الهوية" الممثلة لأصالة ثقافتها ، فهو الذي طبع ويطبع ، وصبغ ويصبغ ثقافتها بطابعه وصبغته . فعاداتها وتقاليدها وأعرافها وآدابها وفنونها وسائر علومها الإنسانية والاجتماعية ، وعلومها الطبيعية والتجريبية ، ونظرتها للكون ، وللذات ، وللآخر ، وتصوراتها لمكانة الإنسان في الكون مِنْ أين أتى ؟ وإلى أين ينتهي ؟ وحكمة هذا الوجود ونهايته ، ومعايير المقبول والمرفوض ، والحلال والحرام وهي جميعها عناصر لهويتنا . )) (6)
* وتُعرف الهوية أيضا بمعنى " التفرّد " ، فالهوية الثقافية تعني التفرّد الثقافي بكل ما يتضمنه معنى الثقافة من عادات وأنماط سلوك وميل وقيم ونظرة إلى الكون والحياة .(7)
* وتعرف الهوية بأنها  "مركب " من العناصر المرجعية والمادية والذاتية المصطفاة التي تسمح بتعريف خاصٍّ للتفاعل الاجتماعي .(8)
* ويفسرها تركي الحمد في كتابه : "الثقافة العربية في عصر العولمة "
(( الهوية طالما أنها مركب من عناصر فهي بالضرورة متغيرة في الوقت ذاته تتميز فيه بثبات معيّن ، مثل الشخص الواحد يُولد ويشبّ ويشيخ وتتغيّر ملامحه وتصرّفاته واحيانا ذوقه ، لكنه يبقى في الخير هو نفس الشخص وليس شخصا آخر . )) (9)
      الدكتور أحمد بن نعمان يذهب في تعريفه للهوية إلى أبعد من ذلك ، إذ يحدد مفهومها لغويا أولا ، ثم مفهوميا :
(( إن مفهوم " الهوية " من ناحية الدلالة اللغوية هي كلمة مركبة من ضمير الغائب " هو " مضاف إليه ياء النسبة ، لتدلَّ الكلمة على ماهية الشخص أو " الشيء " المعني كما هو في الواقع بخصائصه ومميزاته التي يُعرفُ بها .
      والهوية ـ الكلام لابن نعمان ـ بهذا المعنى هي اسم الكيان أو الوجود على حاله ، أي وجود الشخص أو الشعب أو الأمة كما هي بناء على مقومات ومواصفات وخصائص معينة تمكن من معرفة صاحب الهوية بعينه ، دون اشتباه مع أمثاله من الأشباه .)) (10)
     إن الهوية الثقافية وِفْق ما سبق هي تلك الحصيلة المشتركة من العقيدة الدينية واللغة والتراكم المعرفي وإنتاجات العمل والفنون والآداب والتراث والقيم والتقاليد والعادات والأخلاق والتاريخ والوجدان ، ومعايير العقل والسلوك ، وغيرها من المقوّمات التي تتمايز في ظلها الأمم والمجتمعات ."وليست هذه العناصر ثابتة ، بل متحرّكة ومتطورة باعتبارها مشروعا آنيا ومستقبليا يواكب مستجدّات العصر ؛ وهي قابلة للتأثير والتأثر ، وكما يوجد قدْرٌ كبيرٌ من الثقافة إنساني مشترك نتيجة التواصل والتفاعل بين ثقافات الأمم المختلفة ، يوجد قدْرٌ خاصٌّ يحفظ هوية مجتمع من المجتمعات  .(11)
 اختراق الهوية
    لقد اقترن هذا المفهوم بالتطور التقني في مجال الاتصالات والمعلومات ، وتنوع مجالات المعرفة الإنسانية ، وإنتاجها والتحكم فيها من جانب الأقوياء ، وتوظيفها كوسيلة للسيطرة والتحكم في الضعفاء تحت شعار " عولمة الثقافة " . والمقصود بهذا المصطلح البريء في ظاهره ، المدمّر للثقافات الأخرى المحلية والقومية في باطنه ـ أي جعْل هذه الثقافات ـ تستقي روحها وتوجهها من أهداف النظام العالمي الجديد ، حيث يفرض هذا النظام نموذجا لغويا معيّنا يحمل في طيّـاته شحنات فكرية وقيْـمية غريبة عن المجتمعات الضعيفة ، وآخر استهلاكيا يساعد على هيمنة الأقوياء وإضعاف طموح الأمـم الأخرى ذات الحضارة العريقة ، أو تلك التي تملك بديلا فكريا وثقافيا.
    ومن هذا المنطلق يكون وسيكون للعولمة تأثير خطير على عناصر تشكيل " الهوية الثقافية " للأمم وبخاصة على وسيلة التواصل الأساسية : اللغة ـ نواة الهوية ـ إذ بات تأثيرها في اللسان أمرا واقعا لدى النُخب السياسية والإدارية والاقتصادية ، وامتدّ هذا بكل أسف حتى إلى بعض شرائح الطبقة المتوسطة في بلادنا .
      من المقولات الاستشراقية التي تصبّ في منحى التسابق على موقع الصدارة بين اللغات الحية في هذا القرن الجديد ما أشار إليه الكاتب " صامويل هانتنغتون " المنظِّر للعولمة الأمريكية ، من أن العالم يتوجّه نحو حرْبٍ حضارية تكون فيها القيم الثقافية والرمزية هي الحدود القتالية بين الحضارات . وهذا ما يحدث حاليا تحت ما يُسمّى بمحاربة الإرهاب كغطاء للتمويه ، ولكنها حرْبٌ شاملة موجّهة ضد الإسلام وكل مَنْ ينتمي لهذه العقيدة .
      يقول السياسي الفرنسي والوزير السابق في الحكومة الفرنسية ـ بينوت ـ :
)) لقد خسرت فرنسا امبراطورية استعمارية ، وعليها أن تعوّضها بامبراطورية ثقافية ، وهذا يعني أن المدخل الحقيقي للاستعمار الجديد هو الهيمنة اللغوية والثقافية .))
الثقافة والهوية
      العلاقة بين الثقافة والهوية علاقة تلاحم ..كل خلخلة أو اختراق للثقافة سيؤدي بالضرورة إلى إضعاف لمكونات الهوية إنْ لم نقلْ تفتيتا لها مستقبلا .إن الخطاب حول " الهوية " أصبح سائدا في كل ساحات النقاش الفكري ، ليس في الدول الضعيفة فحسب ، بل حتى في الدول المتقدمة ، فهذا الاتحاد الأوروبي الذي أصبح يشكل قطبا سياسيا واقتصاديا وثقافيا كبيرا في العالم ،خاصة بعد أن أصبح يتكون من خمس وعشرين دولة ، يتوجّس خيفة من الاختراق الثقافي الأمريكي ، ويتخذ العديد من القرارات العملية لمواجهة مكونات النـمط الثقافي الأمريكي .نقاش فكري ساخنٌ هنا وهناك إلى درجة أن المؤرخ " ألفريد غروسير" رأى أن هناك : كلمات قليلة أخذت هذه الأيام البعد الذي أخذته كلمة الهوية ...فالهوية تحتل الصدارة في النقاشات الفكرية.


هستيريا الهوية
     " أريك دوبان " الصحفي والكاتب الفرنسي في كتابه الذي عنْونه ب :{هستيريا الهوية }يستهل الكتاب بعبارة :( مَنْ أنا  ؟ )
إذْ يرى بأن فكرة الهوية تعدّت ما هو معروف ومتداول لدى أغلب المفكرين والمثقفين ورجال الإعلام ..ففي تحليلاته في هذا الكتاب يؤكد مباشرة وبوضوح ، بأن الألفية الثالثة تبدأ في ظل حالةٍ من تفاقم اللامساواة بين فقراء العالم وأغنيائه ، بل وداخل كل شعب وأمة ، وهذا بعد قرن من سيادة النزعة الداعية إلى " المساواة " وإتاحة الفُرص للجميع في ظل الأيديولوجيا الشيوعية والنظام الاشتراكي ..لكن مع فقدان هذه الأفكار مصداقيتها في أرض الواقع ، فقدت نزعةُ المساواة المطلقة أيضا الكثير من حضورها ؛ في الوقت نفسه بدا أن التمركز الذي كان حول التأكيد على المساواة ، قد أخْلى المكان للتأكيد على " الهوية " ، فتضاءلت الرغبة أن يكون المرْء " مثل الآخرين " وهو ما كانت تدعو إليه " فكرة المساواة " ، بينما بالمقابل تعاظمت الرغبة أن يكون المرْء " مختلفا عن الآخرين " ..استنادا إلى هذا يمكن طرْح التساؤل التالي :
ـ هل تتمكن العولمة على المدى المتوسط والبعيد تفتيت  الهويّات الأخرى واحتوائها ؟ وإذا حدث ذلك كيف يتم ؟ وبأية وسائل ؟ طالما أنها نجحت الآن في تفتيت اقتصاديات هذه الدول وأفرغتها من كل ما يعمل على بقائها وفرْض نمطيات أخرى في التسوّق والاستهلاك ..بل وحتى زرْع قيم أخرى لدى الإنسان تحفّزه على تقبّل هذه القيم الجديدة .
      صاحب كتاب " هستيريا الهوية " يوضح أن مسألة الانتماء في بعض البلدان أدت إلى حروب ونزاعات أزهقت عشرات الآلاف من الأرواح :
(( مسالة الانتماء إلى هوية أخذت أبعادا جديدة دفعت في بعض الأحيان إلى اللجوء للعنف الدامي ، كما حدث في يوغسلافيا ، كوسوفو ، منطقة القوقاز ، منطقة البحيرات بأفريقيا السوداء وغيرها من مناطق أخرى ..وأن هذه النزاعات قد ماتت حول مفهوم " الهوية " وتأكيدها والاستماتة من أجل إبْـقائها أو إبرازها ماثلة ومؤثرة ...وتجد قوتها القاتلة على أساس افتراض أن هوية ثقافية ـ مزعومة ـ تتناظر بالضرورة مع هوية سياسية ، ولكن مزعومة هي أيضا في الواقع .)) (12)
     إن مفهوم  " الهوية " لا يجب أن يؤخذ بالبساطة العفْوية ، إذْ لا يزال يلفّه الكثير من الغموض ، فهناك من المفكرين مَنْ يصل به الأمر إلى حدّ القول بأن الهوية لا وجود لها أصلا ، ذلك أن الهوية الشخصية تُـفترضُ أن يبقى الإنسان نفسه على مرّ الزمن ..أمّا الهوية الجماعية فهي أكثر إشكالية ..الهوية الجماعية تفترض ( التماثل التام ) في الـ :( نحن ) الجماعية ، بينما البشر مختلفون تبعا لطبيعة الظروف التي تكوّنوا في إطارها ، وتبعا للبيئة التي يحيوْن فيها ومكوّناتها الحضارية والثقافية والاجتماعية ، وهذا ما عبّر عنه الفيلسوف الفرنسي " ديول ريكور " بالقول : (( ... إن أهواء الهوية متجذّرة فينا بعمق ، وليس هناك أي شعب يعاني منها أكثر من شعب آخر .))
     وعليه إذا كانت العولمة نجحت على الأصعدة الاقتصادية وعلى صعيد الاتصالات ، والمعلوماتية ، وحركة رؤوس الأموال وتدفقها ، وتنقل الناس ، بل وإقاماتهم المؤقتة والدائمة هنا وهناك ، وفتّح الأسواق ، وتدفق السلع والبضائع ، وفرض النمط الاستهلاكي الغربي ؛ فإن هذه كلها لم تؤدّ إلى اختفاء التطلعات المتعلقة ب " الهوية ".
     إن ما يؤكده الواقع المعيش في أكثر من موطن وأكثر من بلد بما في ذلك عالمنا العربي الإسلامي وحتى بلدنا الجزائر ، وجود نوع من " هستيريا الهوية " يتمثل في عدم اندماج الفرد بسهولة وبشكل طبيعي ، كما كان الأمر في الأمس في علاقاته مع الأسرة ، ومع فضاء العمل ، وفي الجماعة والأمة ..وحالة التنصل من الرباط الأسري في سن مبكرة وبخاصة داخل الحواضر والمدن الكبرى ..ذلك أن تعقّد الحياة المعاصرة أو ما يُسمّى بالحداثة ، وما نجم عن ذلك من اضطرابات في السلوك واهتزازات في العلاقات بين الناس ، دفعت هذا الإنسان بقوة نحو تفرّده بهويته وفرضها بأية طريقة .
أزمة هوية
          لئن تبلورت لدينا مما سبق بعض الأفكار التي أوضحت أن إشكالية الهوية وخطابها الفكري لا يزالان سائديْن بشدة في أيامنا هذه مثلما كانا سائدين في بداية النهضة وخلالها ؛ ويبقى سؤال الهوية في مقدمة الأسئلة الفكرية الأكثر إلحاحا ، بل والمعرفية عندنا نحن العرب : ـ من أنا ؟
ـ  ما علة وجودي وما غايته ؟
ـ  ومن هو هذا الآخر ؟
ـ  ما الذي يميزني عنه ؟
ـ  ما يربطني به ؟
ـ  ما وجوه الاختلاف بيننا ؟
       " ولكم نخطئ عندما نحصر سؤال الهوية في صيغة : من نحن ؟ ومن هو الآخر ؟ ولا نحصره في الآتي : كيف نحن ؟ وكيف هو الآخر؟ " (13)
      السؤال في الصيغتين هو سؤال الهوية ، بيْـد أن الصيغة الأولى تُـحيــلنا على مــاهية " الهوية " وجوهرها .أمّا الصيغة الثانية فتُـحيلنا على الواقع والتاريخ .الصيغة الأولى تدعو إلى التأمل وإعْمال الفكر .بينما الصيغة الثانية تدعو إلى التحرّك الإيجابي الفعّال والمشاركة ليس في صياغة التاريخ ، بل في صنعه إلى جانب الآخر .
        صيغة تحصر " الهوية " في مجال الفكر والثقافة ، بل هناك من يُغلِّـب عليها " التراث والفلكلور والثقافة الشعبية  " كما هو الأمر في بلدنا الجزائر ، يتحوّل لديها مفهوم الهوية إلى مفهوم الجوهر الثابت السرمدي ، وصيغة ثانية تضعها كما سبق في مجال التاريخ والصيرورة الاجتماعية للتاريخ المتحرّك أماما وليس خلْفا ..تاريخ إنتاج البشر لوجودهم في كل مجالات الحياة ، فيرتبط لديها مفهوم " الهوية " بالفاعلية الإنسانية الحيّة وبفكرة التغير والتقدم .الصيغة الأولى تقليدية في نظرتها إلى " الهوية " ترفض الاختلاف والتعدّد ، إذْ طابو الجماعة أو الأمة نافٍ إطلاقا للأفرادية ، نافية للواقع الفعلي ، نافية للحرية الفردية ، فالجماعية .
        ثمّة إذن هوية فكرية هي عقلية وضرورية ، لكنها إذا قُطِعت عن الواقع بأبعاده الثلاثة : التاريخية والكونية والمنطقية أو العقلانية ، فإنها تركن إلى الجوهر والثبات والسرمدية وتعطّل حركة الحياة ، وتؤسس للاستبداد وتشرّع له وتصوغه ..وهناك هوية واقعية تحيل على التغير والتطور والصيرورة التاريخية ومنطق الشكل والتشكّل وتؤسس للحرية الفردية والجماعية .
هزائم الهوية العربية :
       طُرح سؤال الهوية في التاريخ العربي الحديث والمعاصر ، ولا يزال يُطرح كما سبق القول ، وسيبقى يُطرح بصيغتين متباينتين يجوز التعبير عنهما مجازيا  "بالصوت والصدى " ، " أو الفعل ورد ّالفعل " ..إحدى هاتين الصيغتين كانت محور الخطاب النهضوي العقلاني المتجه إلى المستقبل ، الخطاب المحفّز على التحرّك ، الخطاب  الفعّال المساهم في صناعة التاريخ من موقع قوة ..والصيغة الثانية كانت ولا تزال محور الفكر المهزوم والانهزامي ..فكر يستند إلى التسويغ والتبرير والفرار إلى الماضي والاحتماء بمحطاته المضيئة والتغنّي بأمجاده والدفاع الوهمي عن الذات .
        وإذا كانت آليات الخطاب النهضوي تقتضي العودة إلى الأصول في التاريخ والتراث ، من أجل الانطلاق منها وبها إلى المستقبل ليس حفاظا على الذات الهشّة أمام الآخر ، بل في إعادة صنعها من جديد وتقوية عودها للوقوف بجانب الآخر الندّ للندّ ..إلاّ أنه غالبا ما تحوّلت هذه العودة بعد الاخفاقات المتعددة ، والانتكاسات المتتالية إلى احتماء بالماضي ..ممّـا تولّد عنه نكوص أسوأ .
    حتى الخطاب المعاصر ، بل الآني نفسه لا يزال حائرا أمام صدمة العولمة وما انجرّ وينجرّ وسينجرّ عنها من أخطار على الثقافية الوطنية ومكونات الهوية ..ففي شهر نوفمبر من سنة 1999 انعقد ملتقى دولي بجامعة قسنطينة ، موضوعه :( الجزائر والعولمة ) ، طُرح الموضوع في الملتقى من زوايا مختلفة منها : ( العولمة وتهميش دور الدولة ) ، ( الخصائص والعناصر الأساسية للعولمة ) ،( من الشمولية إلى تصاعد النزعة الانفصالية ) ، ( حضارة العولمة وموقفنا منها ) ، العولمة ومنطق الصراع الحضاري ) ،( العرب والعولمة ـ عولمة ماذا ؟ ولماذا؟ ) ، ( العولمة والهوية الثقافية ) ، ( التحوّل هل هو بناء للهوية أم تشويه ؟ ) ، ( العولمة وإشكالية الهوية في الوطن العربي ) ، ( العرب والنسق القيْمي ) ، ( العولمة : الخرافة والواقع ) ، ( المعرفة وتجلياتها ) ، ( العولمة وأثرها على الدول المتخلفة ) .(14)
        ثلاثة مداخلات فحسب في هذا الملتقى تطرقت إلى الهوية وكأن هذه الأخيرة ليست بالخطورة أو الحدّة التي تتعرض  لها الهوية الاقتصادية .بعد ملتقى قسنطينة انعقدت ملتقيات في بلادنا حول العولمة منها ما تولّته هيئات حكومية ، ومنها ما تولّته جامعات أو مراكز جامعية وطنية ، ومنها ما تولّته هيئات طلابية ..هذا كله جميل ويدل عن وعي بالظاهرة ، إلاّ أن الأمر ينتهي عند انتهاء الملتقى ، فلا المداخلات توثق وتنشر ، ولا تستثمر في جلسات إعلامية وموائد مستديرة تبسط مضامينها للناس العاديين ، ولا النُخب السياسية والاقتصادية تُوليها أهمية . نفس الشيء يتمّ في بلدان عربية وإسلامية ، والتنسيق معدوم ، ممّا جعل الأيدي مكتوفة ، والعقول جامدة أمام صدمة العولمة وحركيتها المتسارعة في كل المناحي .
         آخر ملتقى دولي حول العولمة انعقد ببلدنا أيام 10،11،12ماي ‏2004‏‏ وكان موضوعه : " العولمة وأثرها على الثقافة الإسلامية " ومن المواضيع التي قُدمت في الملتقى :( مقاربة واقعية للعولمة ) ،( مفهوم العولمة في الاقتصاد والسياسة ) ، ( أثر العولمة على اللغة العربية وآدابها ) ، ( مستقبل اللغة العربية والمجتمع والطفل في الوطن العربي في ظل العولمة ) ، ( مسألة عولمة الرسالة القرآنية بين المسلمين وغير المسلمين في حوض البحر الأبيض المتوسط ) ، ( الهوية الثقافية في زمن العولمة ) ، ( عالمية الإسلام ...والعولمة المادية ) .
      انصبّت أغلب المداخلات في الملتقى حول تعريف العولمة وانعكاساتها الخطيرة على اقتصاديات الدول الضعيفة وما ينجرّ عن ذلك من إضْعاف لدور الدولة ، وكاد يخلو الملتقى من التعرض للخطر الذي قد يعصف بالهويات الضعيفة أو يفتتها ، برغم أن الملتقى يحمل عنوان : العولمة وأثرها على الثقافة الإسلامية .
      في اعتقادي أن ما جاء في افتتاح الملتقى واختتامه يلخص رؤية المُلْـتقين إلى العولمة التي تراها مداخلةُ الافتتاح :
(( ... عولمةٌ تنبئ بصراع مرير ، وبسباق محموم لاحتكار الوسائل المتحكمة في السرعة والسيطرة على المؤسسات الكبرى لتجعل العالم كله سوقا كبرى لها ، وطوْع أمرها في المجالات الأخرى .إن تفوّق دول شمال العالم على دول جنوبه ، وما تقوم به بعض الدول في هذا الجنوب المستضعف من إهدار لكرامة الإنسان ومنعه من ممارسات حقوقه في الحياة والحرية ، ومن استهتار بالقوانين الدولية ، والأعراف والأخلاق التي تنظم العلاقة بين الأمم .
       والحلّ يكمن في التجدّد الثقافي والحضاري لأمتنا الذي لا يتأتّى بالتنكر للموروث ، ولا يأخذ ما فيه من سلبيات ، ولا بالثقافة التي تقوم على الغلوّ والتعصّب والتطرّف الذي بلغ حدّ التكفير لعلمائنا ، بل لمجتمعاتنا من قِبل فئة أسالت فتاويها دماء زكيـةً بريئة ، وأذكت نار الفتنة والشقاق بين أبنائنا ودفعت في المقابل بفئة أخرى إلى التنكر لماضيها وتقاليدها ومحاولة الانسلاخ عن مجتمعاتها .ولا بدّ من تجدّد الفقه وتوحيد رؤى المجتهدين ، والاهتمام بالموروث الحضاري والانفتاح على الثقافات الأخرى من خلال المنهج الإسلامي ، الذي تُعتبر الوسطية حقيقته ، لا خيار له ، وهو المنهج الكفيل بالدفاع عن الخصوصية العربية الإسلامية وتهيئة فضاء جديد لحوار الثقافات ، من شأنه تصحيح صورة العرب والمسلمين لدى أنفسهم ولدى غيرهم .))
      ما يرد في مثل هذه الندوات والملتقيات كثير ويعبر بصدق عمّا نعانيه وعمّا تتعرض له شعوبنا من ظلم ، وهذا حتى قبل أن تبرز العولمة ، لكن مصيبتنا أن ما تطرحه مثلُ هذه المنابر الفكرية ، وما ينادي به بعض السياسيين الذين يكون حضورهم بروتوكليا يفرضه موقع المنصب لا يجد تطبيقا له في الميدان . والأمر الأكثر لفْتا للنظر ، أن مثل هذه المنابر والملتقيات وقد كثُرت في بلادنا ُإذْ لا يمرّ الشهر الواحد إلاّ وانعقد فيه ملتقى أو إثنان وأحيانا يتزامن ملتقيان أو ندوتان وأغلبها يُطلق عليها " ندوة عالمية " ، " أو ملتقى عالمي " إنها لم تأت بجديد ..ندوات وملتقيات احتفائية ، سياحية ؛ إذْ أن جُماع ما طُرح من مقترحات وتوصيات وآراء ما نُفذ منها شيءٌ .
        وبالتالي يرى البعض من المتابعين والملاحظين ، بل وحتى المشاركين ، بأن اغلب هذه المنابر ما هي إلا ترفٌ فكريٌّ وفرصٌ ثمينة للسياحة والفرجة ؛ وواقع العولمة وما يترتب عنها يصنعه مَنْ يتحكمون في الاقتصاد والمال وصُنْع القرار سواء كانوا داخل البلد أو الآخر الخارجي
      لئن كان سؤال الهوية مطروحا في العالم العربي الإسلامي ، وخاصة في العالم العربي ومحمّلا بمرارة الآمال الخائبة ، والأحلام المهيضة ، فلأن  ( الإنسان قد أشكل عليه الإنسان )  كما قال أبو حيّان التوحيدي ، أي أن الإنسان لم يمتلك ذاته ولم يتصالح مع نفسه بطريقة عملية ملموسة تتجسّد سياسيا ، وتتجسد في نظام أخلاقي معيّن على أرض الواقع ، وفي نظام اقتصادي يتوفر على العدالة والمساواة وتكافؤ الفرص . (16)
الهوية بين الثابت والتحوّل
         لا يمكننا تناول موضوع " الهوية " بمعزل عن جملة من المسائل المتداخلة ، وعن جملة من التأثيرات الداخلية والخارجية ، فالحراك الاقتصادي والاجتماعي والثقافي داخل المجتمع الواحد ، والحراك الدولي والتداول الاقتصادي والمالي والثقافي والصراع على النفوذ والسلطة داخل المجتمع وكذا على الصعيد الدولي : (( فهوية مجتمع من المجتمعات ليست أمرا ثابتا سرمديا داخلي المنشإ ، بل يرتبط تطوّر الهوية بالمؤثرات الخارجية ، وبالتداول الدولي للأفكار والثقافات والحضارات ، كما يرتبط بالصراع على السلطة داخل كل مجتمع ؛ وهي الصراعات التي تشحذها هي نفسها بصورة مباشرة أو غير مباشرة المؤثراتُ الخارجيةُ ولعبةُ التوازنات ، واختلالُ هذه التوازنات على مستوى المناطق الجغرافية الكبيرة ، وبالتالي المنافسات بين الدول الإقليمية والدولية . ))(17)
حالة انفصام
     في الحقيقة نحن اليوم لسنا في موقع قوة يتيح لنا الاختيار بين هذا النموذج أو ذاك أو بين النموذج الغربي وهويتنا السرمدية الموشّحة بالتراث ، لقد فرض الغرب نموذجه على جميع الشعوب ونحن منها . لكن كيف يمكن التوفيق بين الصيغتين ونحن عمليا نعيش حالة انفصام وحالة زيف مع أنفسنا ، نكره الآخر ونستلذّ بثمار حضارته ، نتغنى بهويتنا ونتمسّك بها ظاهريا ..وهي حالة ناجمة عن وجود بُعدين للهوية : الأول تاريخي مبني على الذاكرة الجمعية ، ويعبّر عن جوهر ثابت ودائم سكوني سرْمدي ؛ وآخر عملي نفعي يقيم في الحاضر معنا ، وقد اقتحم بيوتنا ومحيطنا وفكرنا . نحن نعايشه ونتعامل معه في كل آنٍ ، ويتم من خلاله التعامل مع الواقع وصوْغ أفكارنا ورؤيتنا للكون وللحياة . من جهة أخرى أن العامل النفسي للهوية التاريخية يلعب دورا بارزا في جرّ الحركة إلى الوراء ، ممّا يؤكد قول أحدهم : (( إن مجتمعاتنا تسير ورؤوسها إلى الخلف .)) (18)
ـ  لكن ما علاقة الهوية بالأمة ؟
ـ  هل يمكن للهوية أن تبقى محافظة على ذاتها دون سند الأمة ؟
ـ  هل تتمكّن من التفاعل مع الهويات الأخرى وتستفيد من الآخر ؟
 يقول مايكل بيليج : (( إن الأمة تُرفعُ لنا كراية كل يوم ، ونحن نميز ونستخدم ونلتمس الراحة من الرايات والعملة الوطنية والرموز القومية الأخرى لوظائفها المألوفة .كذلك يجري استخدام تعبير " نحن " في الصحف اليومية لِتذكِّرنا على نحْوٍ مطّرد بأننا جزْءٌ من أمة ، وأننا مختلفون عن الآخرين .
          لهذا فالقومية ليست مجرّد عقيدة، وإنما تُعْطي الإنسان شعورا بالهوية والانتماء ، وتساعد على إدراك أنّ له مكانة وأنه ليس مجرّد فرْد نكرة ، إنما يشترك مع عدد كبير من البشر في جملة من المعطيات والمكوّنات والأهداف والآمال التي تخلق لديه شعورا بأن له شخصية وكيانا ، لأن ثقافة ما تؤلف جسما معقّدا من المعايير والرموز والأساطير والصور التي تنفذ إلى الفرد في خصوصيته ، فتهذب غرائزه وتوجه انفعالاته ، فهي تغذّي الكائن نصف الواقعي ونصف الخيالي الذي يفرزه كل فرد في داخل ذاته ويتغلّف به وهو الشخصية .))
نحن وأسئلة الذات المتناحرة :
ـ  أين مكانتنا نحن في الجزائر من هذه النقاشات الفكرية حول إيجابيات العولمة وسلبياتها على هويتنا الثقافية ؟
ـ وهل سؤال " الهوية " مطروح عندنا بنفس الصيغة لدى أشقائنا العرب ؟ أم يختلف عنهم  ؟
 ـ هل مفهوم " الهوية " عندنا يماثل المفهوم عندهم ؟ أم هناك فهْمٌ آخر عندنا تكرّس بفعل عوامل تاريخية وإقليمية وحتى سياسوية ؟
        ليسمحْ لي القارئ الكريم أن أتوقف عند بعض المحطات كي أستند إليها في الإجابة عن الأسئلة السابقة ، باعتبارها ذات تأثير ميداني في تشكيل هويتنا في تاريخنا المعاصر القريب وبخاصة المحطّة الأولى .
1) جاء في مقرّرات اللجنة المركزية لحزب جبهة التحرير الوطني في دورتها الخامسة المنعقدة في أواخر شهر اجوان 1981 ، في ملف الثقافة الوطنية ما يلي : (( إن الثقافة ذاتُ مدلول شامل يغطّي الجوانب المختلفة لحياة الإنسان الروحية والفنية والمادية ، وما ينشأ عنها من تفاعل . كلّ ذلك في بيئة معيّنة من ضروب المعيشة ، وأساليب التعامل ، وأنماط السلوك والتصرّف . فالثقافة الوطنية بهذا المفهوم ، إنما هي نظرتنا إلى الحياة وتفسيرنا للوجود ونضالنا عبْر التاريخ وتصوّرنا للقيم والعلاقات الاجتماعية .
      ولذلك فإننا نعدّ جزءا من ثقافتنا الوطنية كلّ ما أنتجناه عبْر العصور من فكر وفنٍّ ، وما أنجزناه من عمران ، وما صنعناه من أدوات ، وما استعملناه من أزياء الملابس ، وما توارثناه من عادات وتقاليد في شتى المجالات .
    إن دعائم ثقافتنا الوطنية هي نفس الدعائم التي تنهض عليها شخصيتنا الوطنية ، أي ديننا الإسلامي ، ولغتنا العربية وتاريخنا بكل مراحله .))
       ولمّا نتابع مضمون هذا الملف الثري والهام جدّا نجد تحديدا دقيقا لمفهوم الثقافة وهو تحديدٌ لا يختلف عمّا هو سائد حاليا عندنا : (( ولكن الثقافة الوطنية رصيدٌ من الفكر والفنّ والقيم يتطوّر مع الأجيال ، ويتلاءم مع متطلّبات كل عصر ، ولذلك فإنه يتعيّن علينا أن نجعل من ثقافتنا اليوم مرآة لحياتنا الحالية ، تعكس كل ما فيها من أنواع الجهاد لتحقيق الذات ، ومحاربة الظلم والعدوان وصنع التقدم الاجتماعي والتضامن مع القضايا الإنسانية العادلة ، والتفاعل الخلاّق مع الثقافات المعاصرة ، كما تستوعب كل مظاهر التعبير عن العواطف السامية والإحساس بالجمال والتفاعل مع الطبيعة 1 .
     وبذلك تستجيب ثقافتنا لكلّ التطلّعات ، وتتمثّل كلَّ القيم التي تتيح لها السعي الإيجابي إلى تحقيق سعادة الإنسان في حياة تتوازن فيها ، وتنسجم مطالب الروح والعقل والجسد .) (19)
      إن هذه الوثيقة تُعطي الأسبقية للثقافة الوطنية وتؤكد على أن هذه الأخيرة هي التي تجذّر الهوية وتؤسس لأبعادها الاستراتيجية :
((  ...   يجب أن تُعْطى ثقافتُنا الوطنية ثلاثة أبعاد استراتيجية منها : العمل على تأصيل الهوية الثقافية للشعب ، وذلك بالنظرة الشاملة إلى مسيرة حضارته ، والاستقراء الواعي لمكاسبه التاريخية ، ودعم كيانه العربي الإسلامي ، وإحكام تفاعله مع كل امتداداته الحضارية ، وتوظيف إيجابيات تراثه في خدمة وحدته ، وتقوية مناعته ضد الغزو الثقافي والاستلاب الفكري.))
2) ـ الدكتور العربي ولد خليفة في كتابه القيّم: "الجزائروالمفكرة التاريخية "
أبعاد ومعالم ، يرى بأن : (( مثلثَ الهوية في هذا الوطن أساس الوحدة وجوهر الوطنية . ففي طول الجزائر وعرضها أنماطٌ من القيم والشعائر والسلوكات تتفق في المنبع ، وتتنوّع في أشكال التعبير ، تجعل الملاحظ والباحث النزيه يستخلص بسهولة ، أن المضامين الثقافية هي حصيلةٌ لأخْذٍ وعطاءٍ داخل مجموعة سكانية واحدة اندمجت فيها الثقافة العربية الإسلامية والتراث الأمازيغي ، إلى درجة تَـميُّزِ الجزائري عن غيره ، وجعْله أقرب إلى مُواطِنه الجزائري من أي شخص آخر .
     ولا يقتصر التجانس على المقوّميْن الأساسيين : العقيدة والثقافة ، بل يمتدّ أيضا إلى الجغرافيا والتاريخ والاقتصاد ..ومن هنا فمثلث " الهوية " لدى هذه الأمة صلْبٌ : عقيدة ، ثقافة ، تاريخ اجتماعي مشتركٌ . ممّا يشكّل ـ مرجعية ـ تَعْني مشتركات الأمة من عقيدة ولغة وإرث ثقافي اجتماعي ، يحدّد العلاقات بين الأفراد والجماعات ، ويضع ضوابط السلوك المتمثّلة في القيم والمعايير التي تلتزم بها الأغلبية من الناس ، وتعمل على إيصالها إلى الخلف من الأجيال اللاحقة .))
       لن تتطوّر الثقافة الوطنية المُشكِّلة " للهوية " عندنا ، إلاّ إذا تحرّرت من أشكال الضغط والتوظيف السياسوي والاستخدام الذرائعي للثراث من جهات متعددة ، ما فتئت تطرح إشكاليات " الهوية " انطلاقا من المسألة اللغوية ، وهو طرْحٌ مسمومٌ نجني ثماره اليوم في كل مرافق حياتنا بدءا بالنظام التعليمي ، مرورا بإداراتنا ومرافقنا واقتصادنا ، بل حتى في مناحي الاتصال والتواصل بين الناس سيّما في المدن الكبرى الساحلية ، حيث أصبحت المسألة اللغوية مرادفة للهوية ، بل أصبحت شرْخا في نسيج مكونات الهوية الثقافية لهذه الأمة .
      إن الغيرة على اللغة العربية الواحدة الموحّدة ، ينبغي أن لا تقلّ عن غيرتنا على الأمازيغية بكل لهجاتها ، لأنها جزْءٌ من ذاتنا التاريخية والثقافية ، لكن أن تتحوّل المسألة اللغوية إلى برميل بارود قابل للانفجار في كل مناسبة تُثار فيها قضية " الهوية الوطنية " عن حُسْن نيّة أو سوءها ، فهذا ما لا يريده  أبناء هذا الوطن الغيورين عليه .
      الخبير القانوني الجزائري عز الدين زعلاني الذي شارك في سَـنِّ القانون الأساسي للمحافظة السامية للأمازيغية وكان عضوا فيها ، وعُرف بتدخلاته الصحفية التي ساهمت في توضيح وشرح العديد من المفاهيم ذات العلاقة بملفّ الأمازيغية في الجزائر وشمال إفريقيا ، يحذّر هذا الخبير من خطر البلقنة اللغوية في الجزائر التي أصبح يُشار إليها بـ :" أزمة الهوية الجزائرية : حيث يقول في حوارٍ له مع صحيفة الشروق اليومي :
(( ... الخطر يكمن في عدم التفريق بين المنظور اللغوي للهوية ، والمنظور التاريخي والثقافي للهوية . هذا الخلط تكرّس في الجزائر بفعل تبنّي الدولة للطابع اللغوي للهوية .هذا المنظور القديم لنظرية الدولة / الأمة المبْني على معادلة : شعب + لغة = أمة ، سقطت تاريخيا بعد أن ساد أوروبا منذ ثلاثة قرون ، .اللغة صارت وسيلة هيمنة ثقافية وليست مرادفة للهوية مثلها مثل الدولار والأورو .المنظور الغير الصحيح في الجزائر الساري المفعول ، هو الذي أعاق اللغة العربية وأحال بينها وبين أن تترقّى منذ أكثر من أربعين سنة . فعوض أن يتجه التعريب نحْو الترجمة والبحث والنشر ، اتخذ طابعا إثْنيا مثل مبدإ عروبة الجزائر .
         نفس المفهوم غير الصحيح يحدث للمسألة الأمازيغية التي هي امتدادٌ تاريخي للشعب الجزائري وشمال إفريقيا ، وهي تهمّ كافة الجزائريين .وهذا يختلف مع دعوة البعض الذين يعتبرون " الهوية الأمازيغية " عبارة عن لهجات تخصّ الناطقين بها ؛ ونتيجة لذلك فإن الأخذ " بالهوية اللغوية " من شأنه خلْق جنسيات لغوية داخل الشعب الجزائري الواحد ، وهذا مرفوضٌ لأنه تجاوزٌ للأمة الجزائرية .
       وللخروج من هذا المأزق الخطير ينبغي الرجوع إلى المنظور التاريخي" للهوية " .فالجزائري بهذا المنظور لم يتخلّ عن هويته المنصهرة من آلاف السنين سواء كان يتكلم الفينيقية ، أو اللاتينية ، أو العربية ، أو التركية ، أو الفرنسية ، أو الأنجليزية ..هي خلاصة تكشف اتجاهه المتفتح على العالم دون التخلّي عن هويته .)) (21)

        إن سؤال" الهوية " في علاقته مع صدمة العولمة التي هزّت كل الكيانات في العالم ولا تزال ، يُطرح من خلال برامج المترشحين وكأنه قضية داخلية والجزائر تعيش في هذا العالم لوحدها ، ويبدو أنه غاب عن هؤلاء أن تأثيرات العولمة قد اكتسحت كل المساحات القريبة والبعيدة ، واخترقت كل الهويات القوية والضعيفة ، إلاّ أن الفارق يكمن في " هويةٍ " قويةٍ متحصنةٍ في موقع الدفاع إنْ لم نقل الهجوم و"هوية " هشةٍ ضعيفة ، قابلة لضربات التكسير والتفتيت .
        العولمة تميل إلى إلغاء المبادرات الذاتية للشعوب .فلا بد ّلها من إلغاء الذات نفسها ، وذلك بإلغاء الهوية .فالهوية هي الحصن المنيع للذات .هي التي تنشئها وتمنحها التميز والتفرّد وتحدد لها الاتجاه في الحياة .الإنسان مشروع وجود وهذا ما يتجلّى على مستوى الفرد ، ومستوى الأمة على السواء .الإنسان في صميمه طموحٌ ..حلمٌ ..أمل .
هوية بين العدل وصنع الذات
         حسّ " الهوية " في الإسلام هو حسّ الوجود المتميّز ، حسّ العدالة العميق ، المتجذّر في النفس البشرية التي تأبى الظلم وتقاومه . إن حسّ العدالة هذا هو جوهر الدين الإسلامي  ، والقصد الأساسي في الإسلام هو مبدأ العدالة الناتج من قيمة الإنسان نفسه ، فالإنسان ليس فردا فقط ، فكل فرد يمثل الإنسانية كلها .وهذا ما تقوله الآية الكريمة : ( مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ حَقٍّ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا .)
     هذه الهوية الأخلاقية عند المسلم هي التي تمنحه شجاعة الاستشهاد ولذّة التضحية من أجل قضية عادلة .فحسّ " الهوية " عنده هو حسّ " العدالة " ..حسّ الحقيقة ..حسّ الحقّ ، هو يموت مطمئنا ..مرتاح الضمير .هذه " الهوية " الإسلامية هي نقيض الهوية الغربية الأمريكية .
        لقد تجلّت أمام أعيننا تبعات صدمة " العولمة " في حياتنا وعلى " هويتنا الثقافية ، فما العمل ؟ فعلا ..حــــسّ الهوية في الإسلام هو حسّ العدالة والتساوي والإحساس بالكينونة الفردية التي تمثّل الإنسانية كلها :
ـ  لكن كيف يكون الدفاع عن هذه الكينونة في زمننا هذا ؟
ـ  كيف نواجه المخاطر التي تهددنا ؟
ـ  ما هي الوسائل التي نواجه بها المعارك الغير البريئة ضدّنا ؟
       المفكر الكبير الدكتور محمد عابد الجابري ينفي نفيا قاطعا أن حدث في التاريخ البعيد أو القريب أو حتى في المستقبل أن التهمت ثقافة ـ ما ـ ثقافات أخرى وتولّت مكان الريادة وحدها بعد أن قضت على الثقافات الأخرى وطمست " هوياتها " : (( ليست هناك ثقافةٌ عالمية واحدة ، وليس من المحتمل أن تُوجد في يوم من الأيام ، وإنما وُجدتْ ، وتُوجد ، وستُوجد ثقافات متعددة متنوعة تعمل كل منها بصورة تلقائية ، أو بتدخّل إرادي من أهلها على الحفاظ على كيانها ومقوّماتها الخاصة . من هذه الثقافات ما يميل إلى الانغلاق والانكماش ، ومنها ما يسعى إلى الانتشار والتوسّع ، ومنها ما ينعزل حينا وينتشر حينا آخر .
       إذن ، الهوية الثقافية كيانٌ يصير ، يتطوّر ، وليست معطىً جاهزا ونهائيا . هي تصير وتتطور ، إمّا في اتجاه الانكماش وإما في اتجاه الانتشار ، وهي تغتني بتجارب أهلها ومعاناتهم ،انتصاراتهم ، وتطلّعاتهم ، وأيضا باحتكاكها سلبا وإيجابا مع الهويّـات الثقافية الأخرى التي تدخل معها في تغايرٍ من نوعٍ ما .))
        وحتى نخرج من الجدل الفارغ وحوار الطرشان ، ونتجاوز  الموقفين السائدين : موقف الرفض المطلق وسلاحه الانغلاق الكلّي والتلويح بالماضي المشرق والتشبث بما قام به الخلف ُ وما ينجرّ عن ذلك من تخلف حضاري ، وموقف القبول التام للعولمة وما تمارسه من اختراق ثقافي واستتباع حضاري ، شعاره " الانفتاح على العصر " و " المراهنة على الحداثة " أو نحن ننتمي إلى " الثقافة المتوسطية " بالدرجة الأولى كما هو في خطاب نُخبٍ عندنا .
       في اعتقادي أن كلا الطرحيْن منافٍ لسيرورة التاريخ ، وينطلقان من موقع ضعف ، ومن عقل غير واثق بنفسه ويشكّ في قدراته ومداها ، ويستقبل ما يجري في العالم المعاصر ـ بعقل مستقيل ٍـ لا يرى صاحبه مخرجا من المشاكل إلاّ بالهروب منها .
(( إن حاجتنا إلى الدفاع عن هويتنا الثقافية لا تقل عن حاجتنا إلى اكتساب الأسس والأدوات التي لا بدّ منها لدخول عصر العلم والتِّـقانة ، وفي مقدمتها العقلانية والديمقراطية .إن حاجتنا إلى تجديد ثقافتنا وإغْناء هويتنا والدفاع عن خصوصيتنا ومقاومة الغزو الكاسح الذي يُمارسه  على مستوى عالمي إعلاميا وبالتالي إيديولوجيا وثقافيا . المالكون للعلم والتقانة، لا تقلّ عن حاجتنا إلى اكتساب الأسس والأدوات التي لا بدّ منها لِمُمارسة التحديث ودخول عصر العلم والتقانة .. دخول الذوات الفاعلة ..المستقلّة وليس دخول " المنفعل " .
        نحن في حاجة إلى التحديث كفاعلين مساهمين  ولكن في حاجة إلى مقاومة الاختراق وحماية هويتنا وخصوصيتنا الثقافية من الانحلال والتلاشي .)) (22)
       لسنا في حاجة لمن يدفعنا إلى الهرولة في أحضان العولمة المتوحّشة والدعوة إلى الانفتاح على الحضارات المغايرة ، لاسيّما تلك التي تدّعي لنفسها صفة العالمية وتفرضها بالحديد والنار ، بحكم قوتها الاقتصادية والإعلامية والثقافية ، وبحكم سيطرتها العسكرية وتسلّطها .هذا بديهي ..فالمشكلة لا تُصاغ بعبارات مثل : هل نتفاعل أم لا ؟ المشكلة الحقيقية تكمن في شروط هذا التفاعل ،ومنطلقاته ، وبمدى تحكّمنا بهذه الشروط .ولسنا بحاجة لِمنْ ينصحنا بالمسارعة في ركوب قطار ـ العولمة ـ قبل أن يتركنا في محطّات التخلف ..فنحن على استعداد لركوب هذا القطار ، لكن كركّاب بشر ، يحملون " هوياتهم "  و" جوازات سفرهم " و " أشياءهم الخاصة " ويعرفون وجهة سفرهم ..لا أن يُحْملوا إليه كالسوائم والأنعام ، حسب تعبير الأستاذ : محمد راتب الحلاّق .(23)
         وبعد إذا كان يُسمح للمثقف العربي أن يقوم بمثل هذا الدور في الثقافة العربية وهو يعيد التفكير في هويته ، فإن المثقف الجزائري يجد نفسه في وضعية المسيّج ، فأي نقدٍ لوضعية اللغة العربية ، والثقافة الوطنية ، أو للخطاب الإسلامي سياسيا ، أو مسجديا ، أو دعويا ، يعرّض صاحبه لتهمة التراجع عن الانتماء والكيد لأصالة الأمة وثقافتها الحضارية .
      في كل " هوية " نزْعةٌ خاصةٌ نحو الماضي وتحصّنٌ كثيفٌ به . إنه قلعة الصمود الأخيرة عندما نتعرّض للغزو المدمّر والمُنهِكِ لخصوصية بنيناها وفق تصوّراتنا الخاصة عبْر الحقب التاريخية ، ولكن الانشغال بالماضي على حساب الحاضر هو الخسران بعينه . أي رهْن المستقبل لصالح الماضي العزيز علينا جميعا .
هوية مجروحة من الداخل
      في بلدنا يتمّ التساؤل خلال السنوات الأخيرة حول " الهوية " الوطنية ضمن إطاريْن ضيقين ومستويين أحاديين ، فإمّـا أن تنفتح هذه الهوية على الآخر في شكل كامل ومكتمل مع الغرب ، وإمّا أن تنغلق في إطارٍ محدّد وثابت  ، مرجعيته الحضارية والثقافية في العالم العربي الإسلامي .بين الإطارين لم يتبلور بعد خطاب ثقافي جديد يحاول أن يُـسائل مفهوم " الهوية " عقلانيا بعيدا عن كلّ تشنج وخارج التبعية للغرب والشرق معا .
      وتزداد الهوّة أكثر كلما تمّ التلويح ب" الهوية اللغوية" التي يُراد منها تمزيق وحدة هذا البلد جغرافيا من ناحية ، وزرْع ذلك في ذهن المواطن بأن هذه هي الحقيقة للخروج من تيْه " الهوية " واقعيا هذا المواطن يكتوي يوميا بنار تبعات هذه " الهوية اللغوية " ليس في إطار العربية الأمازيغية ، إنما في إطار اللغة الأخرى الدخيلة التي تغلغلت في كل المرافق ووسائل الاتصال والتواصل ، وعقّدت المواطن الذي لا حول ولا قوة له ، إذ أصبح يشعر بأن هناك عدوّا غير مرئي يتربص به ، ويضيق عليه حياته يوميا وكأنه قدره الذي لا فكاك منه .
        أزمة " الهوية " ليست أزمة ذات تعاني من غزو خارجي عندنا ، ولكن ذات منقسمة على نفسها وتبحث عن ذاتها الأخرى المقموعة والتي لن يحرّرها إلاّ الحوار معها ومع الآخر .فعندما ينفتح الأخر على المختلف معه ، وتتأسّس فلسفة بأكملها تدافع عن وجوده الحي المبدع ـ هذا المختلف ـ بين مساحات هذه الفلسفة ، فنحن مطالبون أن ننصت للغرب في تحرّكاته المعاصرة وتشييد ديمقراطيته على مبادئ من التحاور والتبادل الرمزي الفاتن .ها هنا فقط تتراجع المُطلقات لصالح حقّ الفرد في الحرية والتشكّل المستقل ، لصالح وعْي " هوية " مناهضة للضيق والانغلاق والتعصّب ، تستفيد من كل الروافد الحضارية وتستلهم منها روحها المشرئبة نحو المستقبل.(24)
       وبعد : يعتقد أغلب المفكرين العرب والمسلمين أن البعد الثقافي للعولمة هو الأهم والخطر لِما يحوزه من أهمية في بلْورة " الهوية " التي هي مجموعة معالم والثقافة واحدة منها ، فالفرد من خلال الثقافة يتعرّف على هويته ، والثقافة هي البوصلة للمجتمع  ، ممّا يعني أن المساس بأحد عناصر الثقافة أو التأثير عليها هو مساسٌ بـ " الهوية " .
     البعد الثقافي لِما يمثله من تحدٍّ كبير على العالم العربي الإسلامي الذي تعيش بلدانه حاليا غيبوبة ثقافية ، وتستنزف قواها ـ إنْ كان لها قوى ـ في دائرة من اللغو ، واللغو المضاد ..وكأن الأمر لا يعنيها
      وحسْب أغلب المفكرين وحتى المنصفين من الغرب ، فإن الهجوم الكاسح للعولمة سيؤدي إلى الارتداد نحو التشبث بالثقافة و " الهوية القومية " ، غير أن المعركة ستكون خاسرة ما لم تتحول مقاومة سلبيات العولمة إلى مقاومة عقلانية ، إيجابية تتسلّح بأدوات ثقافة العولمة نفسها ، القائمة على أساس اقتصادي علمي تكنولوجي متين .
    
الهوامش
( 1) ـ د. علي وطفة :   تصدعات الهوية وهزائمها ...موقع اتحاد الكُتّاب العرب.
(2) ـ مرجع سابق .
(3) ـ د . يوسف صوان / ليبيا :  العرب والعولمة : التحديات والخيارات ..
(4) ـ د .يوسف صوان :  حقوق الإنسان في عصر العولمة .
(5) ـ د. مصطفى العبد الله الكفري :  العولمة : الهاجس الطاغي في المجتمعات المعاصرة ..موقع الحوار المتمدن .
(6)ـ د . محمد عمارة : مخاطر العولمة على الهوية الثقافية ( 1999).
(7) ـ محمد المنير (2000) : العولمة وعالم بلا هوية .
(8) ـ أليكسي ميكشيلي ( 1993) : الهوية .دمشق .دار الوسيم .
(9) ـ تركي الحمد (2001) : الثقافة العربية في عصر العولمة .بيروت .دار الساقي .
(10) ـ الدكتور أحمد بن نعمان (2002) : اشهدي ياجزائر .دار الأمة .الجزائر .
(11) ـ الثقافة العربية في عصر العولمة .مرجع سابق.
(12) ـ إريك دوبان : ( 2004 ) باريس .هستيريا العولمة .
(13) ـ جاد عبد الكريم الجباعي .(1995) حرية الآخر : نحو ديمقراطية للمسألة القومية .
(14) ـ مصطفى العبد الله الكفري : مرجع سابقٌ .موقع الحوار المتمدن .
(15) ـ جاد عبد الكريم الجباعي .مرجع سابق .
(16) ـ المرجع السابق.
(17) ـ الدكتور محمد عابد الجابري .مداخلة في ندوة : التراث وتحديات العصر .
(18) ـ هفال يوسف .موقع معابر .أزمة هوية أم أزمة إدراكٍ .
(19) ـ مقررات اللجنة المركزية لحزب جبهة التحرير الوطني : الجزء الأول .ص : 294 .
(20) ـ الدكتور العربي ولد خليفة.الجزائر .الجزائر المفكرة والتاريخية . 1998 شركة دار الأمة / الجزائر .
(21) ـ الخبير القانوني عزالدين زعلاني .الشروق اليومي .العددان : 1061 ، 1062 .الأربعاء/الخميس 28،29/4/2004
(22) ـ الدكتور محمد عابد الجابري .العولمة والهوية الثقافية .عشْر أطروحات
(23) ـ الأستاذ محمد راتب الحلاق .العولمة وسؤال الهوية .مجلة الفكر السياسي .العددان الرابع والخامس 98/99
(24) ـ الأستاذ بشير مفتي .مجلة الاختلاف / الجزائر العدد الثاني . سبتمبر 2002 ص :52-53 ( بتصرّف ).

1  ـ يُلاحظ القارئ الكريم أنّ هناك تداخلا بين مفهوم الثقافة ومفهوم " الهوية " ومكوّناتها هنا .

كلود ليفي شتراوس مدافعاًً عن التنوع الثقافي في العالم

التفاصيل
كتب بواسطة: محمد شاويش
نشر بتاريخ: 08 أبريل 2001
انشأ بتاريخ: 08 أبريل 2001
الزيارات: 15
 

كلود ليفي شتراوس مدافعاًً عن التنوع الثقافي في العالم

محمد شاويش-برلين

 

يلاحظ  كلود ليفي شتراوس في كتيبه "العرق والتاريخ" الذي نشرته "اليونسكو" عام 1952 ضمن مجموعة من الدراسات عنوانها "المسألة العرقية أمام العلم المعاصر" أن في المجتمعات البشرية قوى تعمل باتجاهات متعارضة، بعضها يعمل في اتجاه الاختلاف وبعضها في اتجاه التقارب والتشابه، ويقارن ذلك بتغير اللغات، فثمة لغات من أصل واحد تتمايز كالروسية والفرنسية والإنجليزية، وأخرى من أصول مختلفة تطور ملامح مشتركة بسبب الجوار كالروسية والفنلندية –الأوغرية والتركية التي تقترب من بعضها في بعض الملامح الصوتية على الأقل. ويقول بعد ذكر هذه الملاحظة عن تطور اللغات :"عندما ندرس مثل هذه الواقعات- وثمة مجالات أخرى من الحضارة كالمؤسسات الاجتماعية والفن والدين، تقدم واقعات شبيهة بها- ننتهي إلى التساؤل عما إذا كانت المجتمعات البشرية لا تتحدد، نظراً لعلاقاتها المتبادلة بتنوع أمثل لا تستطيع تجاوزه، كما لا تستطيع بعد ذلك النزول تحته بدون خطر.. وهذا الحد الأمثل يتغير تبعاًًًًً لعدد المجتمعات وأهميتها العددية وبعدها الجغرافي ووسائل الاتصال (المادية والفكرية) التي تستخدمها"(1).

ومشكل الاختلاف لا يقتصر على الثقافات المختلفة فهو موجود أيضاًً داخل كل مجتمع.

وفي هذه النقطة أذكر القارئ بالاختلاف في مجتمعاتنا بين الأوساط المدنية والريفية والبدوية، وضمن المدن نفسها إلى آخره..وإن كان هذا الاختلاف بالتأكيد في حالة تغير فبعض الاختلافات يختفي وبعضها يظهر.

ويقول شتراوس إن من الاختلافات ما ينشأ عن العزلة، ومنها ما ينشأ بالعكس عن القرب إذ تفعل في هذه الحالة اعتبارات كالرغبة في التميز والمحافظة على الذات، وعلى هذا فتنوع الثقافات ينتج عن العلاقات بين المجتمعات أكثر مما ينتج عن عزلتها.

وتنوع الثقافات كما يقول قلما فهم على وجهه الصحيح بما هو ظاهرة طبيعية ناتجة عن علاقات مباشرة أو غير مباشرة بين المجتمعات، بل كان الناس يرون فيه تشوها في التكوين أو عاراً، وكان رد فعل البشر تجاه الأشكال الأخلاقية والدينية والاجتماعية والجمالية البعيدة عنهم ردود احتقار واشمئزاز "عادات متوحشين" "لا ينبغي السماح بذلك"، وظهر ذلك في وصف اليونان والرومان للثقافات التي تختلف عنهم بأنها "بربرية" ثم "متوحشة"، ويلاحظ ملاحظة طريفة ن هذا الموقف هو بالذات موقف معظم الشعوب التي تسمى "متوحشة"، إذ ليس عندها مفهوم عن الإنسانية يضم عروقاً وحضارات مختلفة فهي تقصر مفهوم "البشر" على قبائلها أو مجموعتها اللغوية، وتسمي نفسها "الناس" أو "الكاملين" وغيرها "أشرار" أو "مجرمون" أو "قرود"، بل قد تعد الغريب "شبحاً" أو "خيالاًً"، ويورد شتراوس واقعة تاريخية طريفة: في أرخبيل الأنتيل، بعد سنوات من اكتشاف أمريكا، كان الإسبان يرسلون لجان استقصاء للبحث عما إذا كان الأهالي يملكون أرواحاً، أما هؤلاء الأهالي فكانوا يحاولون تغطيس بعض الأسرى البيض في الماء ليتحققوا بواسطة مراقبة مطولة مما إذا كانت جثثهم عرضة للتفسخ!( ص470).

ويختصر شتراوس استنتاجه بعبارة موجزة دالة: "الهمجي هو أولاًً الإنسان الذي يعتقد (بوجود) الهمجية" (ص470)(2).

ويقول شتراوس أن الأديان والفلسفات الكبرى كافحت هذا الضلال، غير أن هذه المكافحة لا تكفي لترد الناس عن النزعة العرقية التي تنتج عن مجرد الملاحظة البسيطة لواقعة وجود أعراق بشرية مختلفة! وقد كان الحل الذي جاءت به النشوئية المزيفة هي عدم الاعتراف بالتنوع الثقافي مع التظاهر بالاعتراف به عبر نظرية تقول بأن حالات الثقافة المختلفة هي مراحل لتطور واحد منطلق من نقطة واحدة ومتوجه في اتجاه واحد، هذه النشوئية الاجتماعية التي تذكر بالنشوئية الداروينية هي أقدم منها عهداًً كما نجد في أمثلة باسكال وفيكو وكونت وكوندورسيه.

ويضرب شتراوس أمثلة كثيرة على خطل النظرة التي تقول بمراحل تطور تقف أوروبا على قمتها ولا تشكل الثقافات الأخرى إلا درجات مرت بها أوروبا سابقاً، مثلاً ترافق تدجين الحيوانات في وروبا مع تطوير الزراعة بخلاف مجتمعات أمريكا القديمة، وهذه الأخيرة استعملت في طورها الزراعي أدوات حجرية على حين استعملت الأولى أدوات معدنية. لا توجد شعوب طفلة وأخرى مراهقة وثالثة ناضجة فلكل الشعوب نفس القدر من التاريخ وإن ظهر لنا أن بعضها "بلا تاريخ"لأننا نجهل هذا التاريخ.

على أن شتراوس يعود لطرح فرضية تميز بين شعوب لها تاريخ تقدمي، اكتسابي يكدس الاكتشافات والابتكارات، وأخرى لها تاريخ ربما كان فعالاً كالأول ويستعمل المواهب نفسها، ولكنه يفتقر إلى الموهبة التأليفية التي هي وقف على الأول "فكل تجديد، بدلاً من أن يضاف إلى التجديدات السابقةوالمتجهة في الاتجاه نفسه، ينحل فيها في نوع من المد المتموج الذي لا يتوصل أبداًص إلى الابتعاد باستمرار عن الاتجاه البدئي"( ص478).

بعد ذلك ينطلق شتراوس لمعالجة "فكرة التقدم" ملاحظاً أن مخططات العلماء التي كانت سائدة مطلع القرن العشرين (قبل خمسين سنة من كتيبه) السائرة على شكل سلسلة مرتبة منتظمة مستمرة: عصر الحجر المنحوت، عصر الحجر المصقول، عصور النحاس والبرونز والحديد لا تسير في خط واحد متصاعد فبعضها يترافق مع بعضها الآخر ولا يتخالفان زمانياً ويقول مستنتجاً "لا يرمي ذلك كله إلى إنكار واقع تقدم البشرية، ولكنه يدعونا إلى تصوره بمزيد من الاحتراس. يميل تطور المعارف الأثرية وما قبل التاريخية إلى عرض أشكال حضارية في المكان، كنا ميالين لتصورها متدرجة في الزمان. وهذا يعني أمرين: أولاً إن "التقدم" (إذا كان هذا اللفظ ما يزال ملائماً للدلالة على واقع يختلف جداً عن الواقع الذي كان يطبق عليه في بادئ الأمر) ليس محتماً ولا مستمراً، بل ينشأ على طفرات أو قفزات أو، كما يقول البيولوجيون تبدلات مفاجئة. وهذه الطفرات والقفزات لا تكمن في الابتعاد دائماً في الاتجاه ذاته، بل تترافق بتغييرات في الاتجاه(...) فالبشرية السائرة في طريق التقدم لا تشبه شخصاً يرتقي درجاً، مضيفاً بكل حركة من حركاته درجة جديدة إلى الدرجات التي صعدها، بل تذكر بالأحرى باللاعب الذي يتوزع حظه على عدة قطع من النرد، والذي يراها في كل مرة يلقيها، تتبعثر على البساط جالبة إليه حسابات مختلفة. فما نربحه على صعيد، نحن معرضون دائماً لخسارته على صعيد آخر، وإنما بين الحين والآخر فقط يكون التاريخ تراكمياً ، أعني أن الحسابات تضاف إلى بعضها بعضاً لتؤلف تاريخاً تراكمياً"( ص481).

على التاريخ التراكمي يضرب شتراوس مثلاًً حضارة شعوب أمريكا القدماء الذين وصلوا على الأغلب إلى القارة قبل عشرين ألف عام بجماعات صغيرة استطاعت أن تطور معارف نظرية وتطبيقية لبيئتها فقد دجنوا أجناساً نباتية وحيوانية واكتشفوا كثيراً من السموم والمواد المخدرة وطوروا كثيراً من الصناعات كالنسيج والخزف وشغل المعادن الثمينة، ولهم تدين أوروبا بالبطاطا والمطاط والتبغ والكوكا والذرة والفول السوداني والبندورة والأناناس وغيرها، وعرف المايا الصفر أساس الرياضيات قبل الهنود ثم العرب بخمسمائة سنة، وأقام الإنكا نظاماً سياسياً اختلف فيه أهو اشتراكي أم استبدادي ولكنه "كان ينتمي إلى أحدث الصيغ ومتقدماً عدة قرون على الظاهرات الأوروبية المنتمية إلى النموذج ذاته" (ص483).

وينتقل شتراوس بعد ذلك لمناقشة مسألة هامة جداًً هي الاختلاف بين "التاريخ الساكن" و "التاريخ التراكمي"، فإذا أقر الأوروبيون لأمريكا القديمة بامتياز التاريخ التراكمي لإسهاماتها التي اقتبسوا منها وتشبه إسهاماتهم، ماذا يكون موقفهم من حضارة تمسكت بتطوير بعض القيم الخاصة، التي لا يمكن لأي منها أن تثير اهتمام الملاحظ؟ أفلا يكون هذا الأخير ميالاً إلى نعت هذه الحضارة بالسكون؟ "قد نقصد هكذا بالثقافة التراكمية كل ثقافة تتطور في اتجاه شبيه بثقافتنا، أي الثقافة التي ينطوي تطورها على دلالة في نظرنا، في حين أن الثقافات الأخرى تبدو لنا ساكنة، لا لأنها كذلك بالضرورة، بل لأن خط تطورها لا يعني لنا شيئاً، ولا يمكن تقديره بعبارة نظام الإحالات التي نستخدمها"( ص483).

ذلك ما يشبهه شتراوس بوجهة نظر المسنين الذين يرون في تاريخ شيخوختهم تاريخ سكون قياساً للتاريخ التراكمي أيام شبابهم، إذ كل أيامهم تفقد معناها فلا يحدث فيها شيء أو ما يحدث يتسم بسمات سلبية، على عكس أحفادهم الذين يعيشون الفترة نفسها بكامل الحماسة التي فقدوها هم، وكذلك خصوم نظام سياسي ما يعدونه خارج التاريخ ولا يعترفون له بتطور بخلاف أنصار النظام وخصوصاً حين يشاركون في سير عمل جهاز الحكم. "إن التاريخية أو على الأصح، وفرة الأحداث في ثقافة أو سيرورة ثقافية، تابعتان، لا لخصائص هذه الأحداث الذاتية، بل لوضعنا حيالها، ولعدد المصالح المرهونة بها وتنوع هذه المصالح". (ص484)

ويلجأ شتراوس إلى التمثيل للاختلاف في النظرة بين ابن الثقافة من داخلها وابن ثقافة أخرى ينظر من الخارج بالاختلاف الذي قالت به النظرية النسبية بين رؤية راكب القطارللقطارات الأخرى بحسب سرعتها واتجاهها نحوه أو عكسه، "إن كل عضو من أعضاء الثقافة متضامن معها على نحو وثيق كتضامن هذا المسافر مع قطاره. ومنذ ولادتنا يرسخ المحيط في أذهاننا، بألف محاولة شعورية أو لاشعورية، منظومة معقدة من الإحالات، مؤلفة من أحكام قيمية ودوافع ومراكز اهتمام، بما في ذلك النظرة الانعكاسية التي تفرضها علينا التربية حول صيرورة معارفنا التاريخية، والتي بدونها تصبح هذه الحضارة غير معقولةأو تبدو متناقضة مع التصرفات الفعلية. ونحن ننتقل تماماً مع نظام الإحالات المشار إليها، وتتعذر ملاحظة واقعات الخارج الثقافية إلا من خلال هذه التشوهات التي تفرضها عليها هذه المنظومة، هذا إذا لم يبلغ بها الأمر إلى حد منعنا من ملاحظة أي شيء من هذه الواقعات الثقافية (ص485).

وعلى العكس من العالم الفيزيائي الذي نظن فيه المتحرك معنا ساكناً ولا نراه متحركاً إلا إذا اختلف اتجاه حركته وسرعته عنا، فإننا في العالم الإنساني لا نكتشف الحركة إلا إذا كانت تسير في اتجاهنا نفسه وفي نفس سرعتنا، ويرى شتراوس أننا هنا يجب أن نهتم بمتغيري "الإعلام" و "الدلالة"، إذ أن الثقافات الأخرى حين لا تسيرها اهتماماتنا وعاييرنا تكون "كمية الإعلام" القابلة للانتقال إلينا محدودة وتشوش رؤيتنا لها، بل قد تمنعنا من رؤيتها كلياًً.

وينتقل شتراوس إلى تطبيق هذا المبدأ على واقع الحضارات البشرية المعاصرة، فقد كرست الحضارة الغربية نفسها منذ بضعة قرون لوضع وسائل آلية متزايدة القوة تحت تصرف الإنسان، فلو اعتمدنا معيار كمية الطاقة المتاحة لكل فرد دليلاً على درجة تطور الحضارة لكان الغرب في رأس القائمة، أمريكا ثم أوروبا والسوفييت واليابان ثم  في المؤخرة المجتمعات المسماة "نامية" و "بدائية"التي تذوب في مجموعة غامضة، كون خط التطور المذكور لا يصلح لوصفها، رغم أنها تختلف فيما بينها اختلافات كبيرة، بل قد تتقابل فيما بينها وبحسب وجهة النظر المختارة ننتهي إلى تصنيفات مختلفة.

أما إن أخذنا المعيار قدرة التغلب على البيئات الجغرافية الأكثر معاداة، فلا شك في انتصار الأسكيمو والبدو.

وفي مجالات أخرى تفوقت الهند في إعداد منظومة فلسفية-دينية، والصين في نمط من الحياة، كلاهما خليق بأن يخفف من النتائج النفسانية لفقدان التوازن الديمغرافي، وقبل أربعة عشر قرناًص وضع الإسلام نظرية عن تضامن جميع أشكال الحياة البشرية: التقني والاقتصادي والاجتماعي والروحي لم يعثر الغرب عليها إلا مؤخراً جداً مع الماركسية والإثنولوجيا الحديثة، "ونحن نعلم المكانة السامية التي احتلها العرب بفضل هذه النظرية النبوية في حياة العصر الوسيط الفكرية" (ص487)، أما الغرب سيد الآلات فمعلوماته أولية جداً عن استخدام موارد آلة الجسد على حين يتقدم عليه الشرق والشرق الأقصى بآلاف السنين بهذا المجال، كما في مجال العلاقات بين المادي والمعنوي المرتبط به كما في يوغا الهند وتقنيات التنفس الصينية ورياضة الأحشاء لدى قدماء فاووري، وطورت الشعوب البولينيزية مبكراً فن الزراعة بلا أرض، وهي علمت العالم أيضاًص فن الملاحة وكشفت له عن نموذج من حياة اجتماعية وأخلاقية أكثر حرية وكرماً مما كان يخطر ببال. وفي إطار تنظيم الأسرة وإضفاء الانسجام على العلاقة بين الجماعة العائلية والجماعة الاجتماعية طور الأستراليون الأصليون على تخلفهم في الاقتصاد منظومات قواعد يحتاج المرء لفهمها إلى بعض أشكال الرياضيات الحديثة ويمكن عدهم رواد علم اجتماع الأسرة، وشكل غنى الإبداع الجمالي عند الميلانيزيين وجرأته وموهبتهم في دمج أشد نتاجات فاعلية العقل اللاشعورية غموضاً يالحياة الاجتماعية إحدى أرفع القمم. وأفريقيا بدأنا مؤخراً فقط نفهم أنها بوتقة ثقافية للعالم القديم، والحضارة المصرية كانت عملاً مشتركاً لآسيا وأفريقيا (3) وأنظمة أفريقيا القديمة السياسية والفلسفية الكبرى وصياغاتها القانونية تدل على ماض مبدع، ونستدل عليه أيضاًص بتقنيات العاج والبرونز التي كانت متفوقة على نظيرتها الغربية، هذا مع ملاحظة أن "هذه الإسهامات المجزأة ليست هي التي يجب أن تسترعي الانتباه كثيراً لأنها تجازف بإعطائنا فكرة زائفة من وجهين، عن حضارة عالمية مؤلفة من ثوب آرلكان. لقد أسهبنا في عرض الأسبقيات: الفينيقية للخط، والصينية للورق والبارود والبوصلة، والهندية للزجاج والفولاذ...وهذه العناصر أقل أهمية من طريقة كل جماعة في جمعها أو حفظها أو استبعادها. وما يؤلف أصالة كل هذه الثقافات يكمن بالأحرى في طريقتها المعتمدة في حل المشكلات وفي جعل القيم موضع تفكير"(ص490).

في الفقرة اللاحقة ينتقل شتراوس إلى موضوع "تحديد مكان الحضارة الغربية"، فقد يعترض على محاججاته السابقة بأنها نظرية، إذ أن الحضارات المختلفة كلها تعترف واحدة تلو الأخرى بتفوق حضارة واحدة هي الغربية، فالعالم كله يقتبس منها بالتدريج تقنياتها ونمط حياتها وتسلياتها وحتى ألبستها. وما تأخذه "البلاد النامية" على البلاد "غير النامية" ليس إضفاء الصبغة الغربية عليها، بل التباطؤ في إعطائها الوسائل التي تساعدها على هذا الإضفاء!.

ويقول شتراوس إن هنا النقطة الحساسة في المناقشة، فلعل الرغبة في الدفاع عن أصالة الثقافات البشرية لا يجدي شيئاً، وعلاوة على ذلك يصعب على الإثنولوجيإعطاء تقدير عادل لظاهرة إضفاء الكلية على الثقافة الغربية لأسباب: أولاًً: إن وجود حضارة عالمية ظاهرة فريدة على الأرجح لم يسبق لها مثيل أو إن كان سبق لها مثيل ففي "ما قبل تاريخ" لا نعرف عنه شيئاً تقريباً ثم هناك شك كبير يخيم على قوام الظاهرة موضع البحث، والواقع إن الحضارة الغربية تميل للانتشار في العالم منذ قرن ونصف (من تاريخ صدور الكتيب) إما كلياً أو ببعض عناصرها الأساسية كالتصنيع، ومحاولة الثقافات الأخرى للاحتفاظ بشيء من تراثها التقليدي تقتصر عادة على البنيات الفوقية، أي على الجوانب الأكثر هشاشة، التي يمكن افتراض اكتساحها بالتحولات الجارية، فهل ستنتهي الظاهرة بإضفاء طابع الحضارة الغربية على المعمورة إضفاء كاملاً بنسختين روسية أو أمريكية؟ (يقصد سوفييتية أو أمريكية، و  والآن نرى اختفاء النموذج السوفييتي، وانتصار النموذج الأمريكي، وقد كان هذا الانتصار النفسي قبل المادي موجوداً يراه اللبيب حتى قبل عقود من انهيار الاتحاد السوفييتي ككيان سياسي-أيديولوجي)، وهل ستظهر أشكال توفيقية "كما نلاحظ إمكانية ذلك بما يتعلق بالعالم الإسلامي والهند والصين؟"، أم هل تقارب حركة المد نهايتها وتبدأ بالانحسار قريباً "من حيث أن العالم الغربي يوشك على الرزوح، كالوحوش ما قبل التاريخية، تحت انتشار مادي يتنافى مع الآليات الداخلية التي تؤمن وجوده؟"(ص492).

يبدأ شتراوس مناقشته لهذه النقطة بملاحظة أن هذا الانخراط في نمط الحياة الغربي كلياًً أو جزئياً لا يتم بالعفوية التي يظنها الغربيون بل هو نتاج إجبار أكثر مما هو نتاج اختيار"فقد أقامت الحضارة الغربية جنودها ووكالاتها التجارية ومزارعها ومبشريها في العالم بأسره، وتدخلت بصورة مباشرة أو غير مباشرة في حياة الشعوب الملونة، وقلبت رأساً على عقب أسلوب حياة هذه الشعوب التقليدي، إما بفرض طريقة حياتها نفسها، وإما بإحداث شروط كانت السبب في انهيار الكادرات الموجودة بدون تعويضها بأي شيء آخر. ومن هنا ما كان على الشعوب الخاضعة أو المفككة إلا أن تقبل الحلول البديلة المعروضة عليها، أو أن تأمل، عند عدم استعدادها لذلك، في الاقتراب منها إلى حد يوفر لها القدرة على محاربتها في المجال ذاته فأمام غياب هذا التفاوت في موازين القوىلا تستسلم المجتمعات بمثل هذه السهولة، بل يقترب تصورها للعالم من تصور القبائل الفقيرة في شرقي البرازيل، التي كان لدى الإتنوغرافي كورت نيموينداجو المهارة في أن يجعلها تتبناه، والتي كان أفرادها، كلما عاد إليهم بعد إقامة في المراكز المدينية، ينتحبون شفقة عليه عند تصور الآلام التي كانوا يفترضون أنه عاناها بعيداً عن قريتهم"(ص493).

غير أن هذا التحفظ لا يغير من المسألة إلا وجهها، فإن لم يكن الرضى مبرراً للتفوق الغربي، أفلا تكون طاقة الغرب الكبيرة التي أتاحت له انتزاع الرضى مبرراً للتفوق؟.

ويجيب شنراوس بأن المسألة هنا لم تعد من ميدان الذاتية الاجتماعية مثل وقائع الالتحاق بنمط الحياة الغربي، بل غدت ظاهرة موضوعية يجب الاستعانة بأسباب موضوعية لتفسيرها.

ويرى شتراوس أن ثمة قيمتين من أكثر القيم وضوحاً أي أقلها عرضة للنزاع تنادي بهما الحضارة الغربية: الاستمرار في تنمية كمية الطاقة المتاحة للفرد الواحد، وحماية الحياة البشرية وإطالتها، فإن شئنا الاختصار قلنا إن الثانية شرط للأولى، وعلى أن ثمة ظروفاً معدلة لهاتين القيمتين كالحروب الكبرى وتفاوت توزيع الطاقة بين الأفراد والطبقات.

فإن افترضنا صحة ذلك وجدنا أن الحضارة الغربية لم تكن الوحيدة في السعي لتحقيق هاتين المهمتين، فالشعوب "المتوحشة" هي التي حققت في هذا المجال الإنجازات الأكثر حسماً في الثورة النيوتيتية: الزراعة وتربية الماشية وصناعة الفخار والنسيج.

وفي الفقرة التالية يدحض شتراوس الفكرة الشائعة عن دور المصادفة في الإنجازات الحضارية الكبرى للشعوب القديمة، فاكتشاف الطبخ بالنار ليس ناتجاً عن المصادفة، وكذلك ليس بمدرد وجود صلصال قرب النار ينتج فخاراً مناسباً للاستعمال وكذلك من غير الصحيح أن استعمال الأدوات الحجرية كان أمراً سهلاً لا يتطلب خبرة تقنية عالية وأدوات على درجة من التعقيد كبيرة، ويقول "إن المجتمعات التي نسميها بدائية ليست أفقر من المجتمعات الأخرى بأمثال باستور وباليسي" (ص497).

الثورة الصناعية الحديثة لا تقارن من حيث أهميتها الكبيرة إلا بالثورة التي حدثت خلال العصر الحجري الأخير، ويلاحظ شتراوس مرة أخرى أن الغرب أدرك وجود هاتين الثورتين انطلاقًاً من منظومته الإحالية ومن الممكن أن تكون حدثت ثورات تراكمية أخرى في أماكن وأزمنة أخرى لكن المنظومة المذكورة لا تسمح بقياسهما فلا يظهران للوعي الغربي أو يظهران بشكل كامل التشويه.

وله ملاحظة ثانية هي أن مثال ثورة العصر الحجري الأخير وهي وحدها التي يتوصل الإنسان الغربي المعاصر إلى تصورها بصورة كافية يجب أن يلهمه التواضع تزري بفكرة الأسبقية لصالح عرق أو بلد، فكما انتقلت الثورة الصناعية من أوروبا الغربية إلى الولايات المتحدة ثم اليابان فالاتحاد السوفييتي، فكذلك انطلقت ثورة العصر الحجري الأخير في آن من حوض بحر إيجه ومصر والشرق الأدنى ووادي الهندوس والصين، ويظن أن العصر الحجري الجديد في أمريكا لم يتأخر كثيراً عن العالم القديم، ويستنتج أن الثورة الصناعية لو لم تكن ظهرت في أوروبا الغربية لظهرت ذات يوم في مكان آخر.وإذا امتدت إلى مجمل الكرة الأرضية فكل ثقافة ستدخل فيها مزيداًً من الإسهامات الخاصة.

وقد تتطور البشرية في اتجاهات مختلفة وإن بدا اتجاه التطور في واحدة من الثقافات انكفاء أو ركوداًً لثقافة أخرى "إن البشرية لا تتطور في اتجاه وحيد، وإذا بدت على صعيد ما ساكنة أو حتى منكفئة فلا يعني ذلك أنها من وجهة نظر أخرى، لم تكن مقراً لتحولات كبيرة"(ص503).

ويقارن ذلك بجمال النساء، فقد حل هيوم مشكلة وجود عدد قليل من النساء الجميلات، بأن هذا منطقي، فلو كانت الجميلات كثيرات لاختفى الجمال من حيث أنه بالتعريف ما تتمتع به الأقلية!(4 )

وفي الفقرة الأخيرة عن "تعاون الثقافات" يقول شتراوس إن المنجزات الحضارية يزيد احتمال تحقيقها بزيادة التفاعل بين ثقافات مختلفة، ويوضح ذلك مستنداًً إلى التشبيه بلعبة الروليت حيث يزداد احتمال تحصيل مجموعة رابحة من الأرقام في حال تعاون عدة طاولات عنها في حالة لاعب منفرد، ويعيد الإنجاز الغربي الحديث إلى التقاء عدد كبير من التأثيرات: اليونانية والرومانية والجرمانية والأنجلوسكسونية والعربية والصينية. وبالمقارنة كانت ثقافات أمريكا قبل كولومبوس أيضاً متفاعلة فيما بينها، وكانت في مستواها الثقافي توازي بل تفوق في بعض النواحي الحضارة الأوروبية، لكنها بسبب تاريخها الأحدث أقل تنوعاً، وكان التحالف الثقافي فيها يقوم بين شركاء أقل تنوعاًً.

وعلى هذا يميز التاريخ التراكمي المجموعات العملاقة، على حين يكون التاريخ الساكن، إن وجد حقاً، سمة المجتمعات المنعزلة.

وفي رأي شتراوس أن من الخطأ التركيز على تعداد قائمة بمساهمات حضارة معينة والبحث عن الأسبقيات، وهذا لثلاثة أسباب: الأول إن فضل الابتكار ليس مؤكداً، والثاني إن الإسهامات الثقافية يمكن دائماً أن تتوزع بين زمرتين، فثمة سمات معزولة يسهل تقدير أهميتها مثل التبغ الذي جاء من أمريكا دون أن نذوب امتناناًً للحضارة التي اكتشفته! ولو لم تكتشف لما تزعزعت جذور الحضترة الغربية، ولو لم تكتشف لأمكن استبدالها بغيرها، وثمة بالمقابل إسهامات لها طابع المنظومة "أي التي تطابق طريقة كل مجتمع في التعبير عن مجمل الأماني البشرية وتحقيقها. ‘ن الأصالة أو الطبيعة الفريدة لهذه الأساليب الحديثة - أو النماذج كما يقول الأنجلو سكسونيون – لا يمكن نكرانها، ولكن كل أسلوب من هذه الأساليب يمثل خياراً قاصراً على أصحابه، ولا نتبين كيف تستطيع حضارة أن تأمل في الاستفادة من أسلوب حضارة أخرى، إلا إذا تنكرت لنفسها" (ص508).

ليست المشكلة في معرفة إن كان مجتمع ما يستطيع الإفادة أو لا يستطيع من أسلوب حياة جيرانه، بل معرفة ما إذا كان يستطيع أن يصل إلى فهم هذه المجتمعات وإلى أي أحد أو إن كان يستطيع معرفتها، وهي مسألة لا تنطوي على جواب قاطع كما يقول شتراوس (أو بالأحرى تقول ترجمته العربية هذه ذات الأسلوب غير الواضح دائماً!).

والسبب الثالث هو حقيقة أن المساهمة المفيدة في الحضارة العالمية تعني وجود هذه الحضارة. فما هذه الحضارة؟ "فعندما نتكلم عن حضارة عالمية، لا نعين فترة من التاريخ أو مجموعة من الناس: بل نذكر بمفهوم مجرد، ننسب إليه قيمة أخلاقية أو منطقية: أخلاقية، إذا كان المقصود هدفاً نقترحه على المجتمعات القائمة، ومنطقية إذا كنا ننوي أن نجمع، تحت لفظة واحدة، العناصر المشتركة بين مختلف الثقافات، والتي يسمح التحليل باستخلاصها. وفي الحالتين، لا ينبغي إخفاء فقر مفهوم الحضارة العالمية وطابعه التبسيطي وعدم كثافة محتواه الفكري والانفعالي"(ص509).

إسهام الثقافات الحقيقي لا يتألف من قائمة من ابتكاراتها الخاصة، بل من الفرق التفاضلي الذي تقيمه بينها، يجب أن يقوم شعورنا بالامتنان تجاه الثقافات الأخرى على أساس قناعة بأنها ثقافات مختلفة بأشد الصور تنوعاً عن ثقافتنا، حتى لو لم ندرك طبيعة هذه الاختلافات أو أدركناها بصورة ناقصة جداً.

ومن جهة أخرى فمفهوم الحضارة العالمية مفهوم حدي، أو هو تعبير مختصر عن سيرورة معقدة، "فلا وجود لحضارة عالمية إن كانت برهنتنا صحيحة، ولا إمكانية لوجودها"،  إذ الحضارة تنطوي على تعايش ثقافات متنوعة للغاية بل تقوم على هذا التعايش "والحضارة العالمية لا يمكن أن تكون شيئاً آخر سوى تحالف على الصعيد العالمي، تحالف ثقافات تحتفظ كل منها بأصالتها"(ص510).

في الفقرة الأخيرة من كتيبه يبحث شتراوس في المفارقة بين كون  تحالف الثقافات شرطاً للتقدم الثقافي وبين أن هذا التحالف يكون أكثر خصباًً بقدر ما يقوم بين ثقافات أكثر تنوعاً .

إن كان التقدم نتيجة للتشارك في الفرص التي تسنح لكل ثقافة في سياق تطورها التاريخي فسينتج عن ذلك التجانس بين هذه الثقافات واختفاء التنوع  ، فإن كان التنوع شرطاً للتقدم فهو سينفي نفسه بنفسه. ولكن هذا لا يحدث بسبب وجود ميل للتمايز يبدو أنه يراه سمة ملازمة للإنسان، وهو رأي يذكرنا بالقرآن "ولا يزالون مختلفين".

ونظرته للموضوع ليست نظرة سطحية، فهو لا يدافع عن الأشكال الموجودة الموروثة من التاريخ بل يدافع عن واقع التنوع ذاتها "إن ضرورة المحافظة على تنوع الثقافات، في عالم مهدد بالرتابة والتشابه، لم تغب بالطبع عن بال المؤسسات الدولية. وينبغي عليها أيضاً أن تدرك أن تعهد التقاليد المحلية ومنح مهلة للأزمنة المنصرمة لا يكفيان لبلوغ هذا الهدف فواقعة التنوع هي التي يجب إنقاذها، وليس المحتوى التاريخي الذي أعطته لها العصور، التي لا يمكن أن يستمر أي منها إلى ما بعد انقضائه، ينبغي إذن الإصغاء إلى القمح الذي ينبت، وإيقاظ جميع الميول والاستعدادات للعيش المشترك، التي يدخرها التاريخ"(ص514).

 

هوامش:

 

كلود ليفي- شتراوس، "الأنتروبولوجيا البنيوية"، الجزء الثاني، ترجمة د.مصطفى صالح، منشورات وزارة الثقافة والإرشاد القومي-دمشق 1983، ص466.

 أضفت ما بين قوسين لتصبح الجملة أوضح، وفي الترجة "الهمجي هو أولاً ، الإنسان الذي يعتقد بالهمجية.

في الترجمة التي أعتمد عليها هنا خطأ (مطبعي على الأغلب) وصححته جعل الإثبات نفياً!.

هذا بالمناسبة غير صحيح ويسهل دحضه! لأن النساء القبيحات هن أيضاً أقلية في النساء، فلم كن قبيحات في نظر المجتمع؟ إن هذا لا يفسر نشوء العملية النفسية الاجتماعية التي تختار فيها سمات معينة وتوصف بالجمال وأخرى وتوصف بالقبح. وللفقير لله كاتب هذه السكور نظرية في هذا المجال يجدها القارئ في كتاب مشترك مع الأخ حسين شاويش في كتاب "حول الحب والاستلاب"، دار الكنوز الأدبية-بيروت1995.

نظرة جديدة للقرآن في مشروع بحثي جديد في برلين

التفاصيل
كتب بواسطة: محمد شاويش
نشر بتاريخ: 16 مارس 2001
انشأ بتاريخ: 16 مارس 2001
الزيارات: 5
 

 

 

نظرة جديدة للقرآن في مشروع بحثي جديد في برلين

القرآن بين العصر المشترك والتاريخ المنقسم

 

محمد شاويش- برلين

 

افتتح في برلين في 16 شباط- فبراير2006 مشروع يستمر خمس سنوات اسمه العام: ""أوروبا والشرق القريب –الشرق القريب وأوروبا Europa und der Nahe Osten – der Nahe Osten und Europa". 

وفكرة المشروع تقوم على البحث في العلاقات المتشابكة السياسية والاجتماعية والدينية والثقافية بين أوروبا و "الشرق الأوسط" في التاريخ والحاضر.

 وهو مشروع مشترك بين "مؤسسة فريتز تايسن Fritz Thyssen Stiftung" وأكاديمية العلوم البرلينية البراندنبورغية والكلية العلمية في برلين. مؤسسة فريتز تايسن رصدت لتمويل المشروع مليوني يورو، وهو يتفرع إلى أربعة مشاريع مكونة إضافة إلى ندوة:

1-         "القرآن كنص من أواخر العصور القديمة المشتركة والتاريخ المنقسم Der Koran als Text einer gemeinsamen Spaetantike und geteilten Geschichte "

2-         تقاليد متحركة: منظورات مقارنة لآداب الشرق الأدنى.

3-         مقارنة المدن: الكوسموبوليتية في فضاء البحر المتوسط والمناطق المجاورة.

4-         الفكر السياسي في الإسلام الحديث منظورات شرق أوسطية وأوروبية.

5-         ندوة: التقاليد ونقد الحداثة: العلمانية والأصولية والدين من منظورات شرق أوسطية.

 ويشارك في هذه النشاطات باحثون ألمان من جامعات برلين الثلاث ومن الجامعات الألمانية الأخرى علاوة على باحثين أوروبيين، ومن المقرر دعوة باحثين من أقطار " الشرق الأوسط" يبلغ عددهم خمسين باحثاً كل منهم يدعى لمدة سنة حيث يعمل كل منهم في الوقت نفسه على إنجاز رسالة علمية خاصة به ويلقي كل أربعة عشر يوماً محاضرة في ندوة برلينية.

وفي هذا التقرير سأتكلم فقط عن المشروع الأول "القرآن كنص من أواخر العصور القديمة المشتركة والتاريخ المنقسم" الذي قدمت له في المؤتمر الصحفي البروفسورة أنجليكا نويفرت مسؤولة قسم الدراسات العربية في جامعة برلين الحرة، وفيما يلي يجد القارئ ترجمة لكلمتها التقديمية في المؤتمر ثم خلاصة مقابلة أجريتها معها في هذا الموضوع:

 

1- كلمة البروفسورة نويفرت في المؤتمر الصحفي:

 المشروع "القرآن كنص من أواخر العصور القديمة المشتركة والتاريخ المنقسم " له هو نفسه تاريخ: لقد انبثق من مشروع سبقه هو ذلك الذي صممه وولف ليبينيز Wolf Lepenies ونافد كرماني Navid Kermani المسمى "الهرمنوطيقا اليهودية والإسلامية بما هي نقد ثقافي"، وهو المشروع الذي طرح في خمسة الأعوام التي استغرقها العمل فيه تجربة متحدية: في عمل مشترك بين باحثين من الشرق الأدنى وباحثين غربيين قرئت نصوص مؤسسة في الإسلام واليهودية قراءة جديدة تغض النظر عن سلطتها المرجعية، وهذا بهدف مساءلة المطالب الإقصائية المشتقة منها وكشف مشروطيتها التاريخية.

إن الاتجاه العابر للثقافات لذلك المشروع الذي اختتم، والذي هو في الوقت نفسه نقد ثقافي، لا زال إلزامياً في المشروع الجديد: إن تقرير وجود "أواخر عصور قديمة مشتركة" يضع ضمناً موضع المساءلة المنظور السائد لنشوء الإسلام كوسط ثقافي هو في مقابل اليهودية والمسيحية "آخر" جوهرياً. إن نشوء القرآن سيعاد بالأحرى إلى سياق حقبة مشتركة مع اليهودية والمسيحية وصائغة لأوروبا اللاحقة ألا وهي أواخر العصور القديمة.

بالترافق مع هذا توضع على المحك النقدي وجهة النظر الغائية السائدة في الشرق الأدنى التي ترى أن التاريخ العربي الإسلامي المهم يبدأ بالقرآن ويجد غايته في التحقق السياسي للإسلام،  بحيث يصبح نجاح أو عدم نجاح الإسلام مقياساً يقيّم على أساسه الميراث الثقافي الخاص ويثير بالتالي مشكلة هوية. على النقيض من ذلك يركز المشروع النظر على التعددية الثقافية كثوابت للثقافة الإسلامية ويرافع بناء على ذلك لصالح نظرة للتاريخ منفتحة قد أزالت الحواجز الثقافية.

هذا فيما يتعلق بأواخر العصور القديمة المشتركة.

الآن أنتقل إلى الحديث عن التاريخ المنقسم للقرآن. إن الأبحاث في القرآن ليست مختلفة التوجه بين الشرق والغرب فحسب، بل هي بسبب عدم الثقة المتبادل بين الباحثين تمارس منعزلة الواحدة عن الأخرى. لا يوجد ما يناظر البحث التاريخي النقدي  للكتاب المقدس في الأبحاث القرآنية في الإسلام. مع ذلك ثمة عدد متزايد من الباحثين ضمن الإسلام الذين جلبوا إضافات في موضوع السياق التاريخي للقرآن. وهكذا يحاجج العالم المصري نصر حامد أبو زيد الذي كان مشاركاً مهماً في تشكيل المشروع السابق منطلقاً هرمنوطيقياً من عدم إمكانية  تجاوز أي نص بما فيه القرآن للأفق الثقافي والتاريخي للمتلقين. هكذا يعمل على أرخنة Historisierung القرآن. بالذات لأن مثل هذه الجهود مختلف بشأنها في العالم العربي والإسلامي في الوقت الراهن فإنها تحتاج إلى مظلة محايدة من خارج المنطقة مثل تلك التي يقدمها مشروعنا.

على أن القناعة التي تكمن في أساس المشروع والتي تقول إن كل فهم للتاريخ هو بحد ذاته أمر تاريخي يجب تطبيقها أيضاً على نقد البحث القرآني الغربي الحديث. على أي مصادرات مسبقة صامتة حول الدين والمجتمع تستند السيناريوهات السائدة لنشوء القرآن؟ إلى أي درجة هي الإضافات في علم القرآن مشروطة بالقوالب الثقافية لتخيل الشرق على أنه "آخر" أكان هذا بالمعنى التبخيسي أم بالمعنى الرومنسي؟

نظراً للتشابك الوثيق بين البحث في القرآن والفروع العلمية المجاورة كعلوم اليهوديات  Judaistik  ودراسات الكتاب المقدس Biblistik و الدينيات  Religionswissenschaft فإن تفكراً ماورائياً  Metareflexion في علم القرآنيات Koranwissenschaft يعد باستنتاجات هامة لأجل المعرفة الأوروبية وتاريخ العلم كما هي ستكون موضوعاً في المشروع الإطاري "أوروبا والشرق القريب –الشرق القريب وأوروبا". 

 

2- مقابلة مع البروفسورة أنجليكا نويفرت حول المشروع:

 

في مقابلة مع البروفسورة نويفرت، أجريتها في مكتبها في قسم الدراسات العربية في الجامعة الذي تديره، قالت السيدة نويفرت إن الفرضية التي ينطلق منها المشروع (وتتبناها هي) تقول إن ثمة أرضية معرفية مشتركة نشأت على أرضيتها أديان ثلاثة: اليهودية الربانية و المسيحية والإسلام. هذه الطريقة في الفهم هي وحدها التي تمحو وجهة النظر المنتشرة في الغرب والقائلة إن "القرآن هو آخر" قياساً بالثقافة اليهودية المسيحية.

هذه استراتيجية لمحو الصورة الغلط. نحن لا نريد الانتقاص من رتبة القرآن كوحي (أنا أقول إن الوحي حقيقي) لكن الأساس هو هذه المعرفة المشتركة. أنا لا أقول إن النبي نفسه كان له وعي بهذه المعرفة بل أتكلم عن المستمعين الذين ما كان لهم أن يفهموا الخطاب القرآني دون أن يكونوا قد امتلكوها.

نريد أن ندرس الإسلام على المستوى نفسه وليس من فوق إلى تحت!.

إن الأديان كلها تشير إلى مبادئ مشتركة وهذا هو الجزء الأول من المشروع.

هناك دراسات قرآنية في الغرب تحتاج إلى قراءة لأنها تفصل بين الشرق والغرب على حين أننا ننوي الوصول إلى جهود مشتركة بين الباحثين من الشرق والغرب لكي نعيد التفكير في الصورة الموجودة المؤسسة على القراءة القديمة للقرآن.

وهناك محاولات لأرخنة Historisierung نص القرآن. نصر حامد أبو زيد ليس هو أول واحد فقد كان هناك قديماً علم أسباب النزول وعلم الناسخ والمنسوخ.

 

 

 

نظرية المعرفة

التفاصيل
كتب بواسطة: عادل الامين
نشر بتاريخ: 05 فبراير 2001
انشأ بتاريخ: 05 فبراير 2001
الزيارات: 6

نظرية المعرفة

عادل الامين

 

خلق الله آدم في الجنة وعقله يزخر بالمعارف والعلوم كلها، كان يعيش حياة كاملة، وعندما هبط إلى الأرض احتجبت هذه المعرفة بغطائين، حجاب ظلماني (Dark Screen) وهو حجاب الغريزة (شهوتي البطن والفرج) وأصبح هناك جزء من عقله يؤدي وظائف الجسد ومطالبه يسمى عقل المعاش (Living Mind)  والجزء الآخر برمجت فيه المعرفة الأزلية يسمى عقل المعاد (Post Living Mind)  أما الحجاب الثاني فهو حجاب نوراني (Light Screen) وهو حجاب العقل نفسه ذلك العقل الذي يفسر الأشياء بأضدادها، نجد أن تركيبه الإنسان من روح وجسد لعبت دوراً كبيراً في انقسام عقل الإنسان تبعاً لذلك ليؤدي مطالب الروح التي تنشد المعرفة الأزلية التي تعلمتها في عالم الذر .
قام آدم بتوريث هذه المعرفة إلى ذريته التي جاءت من بعده، إن الإنسان في هذه الحياة يتذكر ولا يتعلم، أي أن المعرفة تنبع من داخل عقل الإنسان ، والإنسان المجود للسلوك والمتأمل يستطيع أن يرفع الحجب ويبدأ مشوار السير إلى الله، والسير إلى الله ليس بقطع المسافات ولكن بتقريب الصفات إلى الصفات. إن آيات الآفاق وآيات النفوس هي دليل الإنسان في البحث عن الحقيقة، قال تعالى [سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق ، أوَلم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد] (53 فصلت) .
إن التعارض في النفس البشرية بين مطالب الجسد والروح هو الذي يجعل الإنسان يتأرجح بين الخطأ والصواب ويتقدم إلى الأمام في حياة الفكر والشعور، لذلك الخطأ شيء موجود في تركيبة الإنسان ولا بد منه حتى يتعلم الإنسان ويتذكر، إن حياة الجسد والروح في تركيبتهما الفريدة حياة ذات حدين إما كان الجسد سجن للروح يجعلها تتوق للإنعتاق عنه أو أصبح الجسد بيت لها تستأنس به وتحضه على عمل الأعمال الصالحة وبذلك يكون الإنسان في حالة تقلب بين الخير والشر.
إن العبادات من صلاة وصوم وزكاة جاءت لتعين الجسد على خدمة الروح التي تتوق للكمال وإن تجويد الإنسان للعبادات يجعله يحس بالسمو والتقدم من الحالة الحيوانية التي يعاني منها إلى مصاف الإنسان الذي خلق لأجله كل هذا الكون .
إن المعرفة الإنسانية تنقسم إلى قسمين ، معرفة إيمانية وهذه المعرفة معرفة تصديق . إذ لا يكون السامع أو المتلقي ملزم بأن يصدق الخبر أو لا يصدقه … مثلاً إذا قلنا لأحد سكان الأسكيمو في القطب الشمالي أن هناك فاكهة عند خط الإستواء يقال لها البطيخ، خضراء اللون من الخارج وحمراء من الداخل وحلوة المذاق فإنه في هذه الحالة قد يصدق ما نقوله أو لا يصدق وتصبح المعلومة في عقله في حالة عدم اتزان.
النوع الآخر من المعرفة هي المعرفة اليقينية وهذه معرفة تحقيق إذ إنه لا يصل إليها الإنسان إلى بعد إجراء تجربة عملية للتأكد من الخبر الذي نسمعه، نعود للمثل الذي ضربناه في الفقرة السابقة، إذا ركب هذا الرجل الأسكيمو الطائرة وجاء إلى بلد عند خط الإستواء وذهب إلى السوق. وسأل عن البطيخ فدلوه عليه فاشترى قطعة فنظر إليها فوجدها خضراء من الخارج وشقها بالسكين وجدها حمراء من الداخل، ثم تذوقها فوجدها حلوة الطعم، بذلك يكون حصل على معرفة مؤكدة للخبر الذي سمعه أول مرة في بلاده .
إن الفرق بين المعرفة الإيمانية والمعرفة اليقنية فرق مقدار كما أن الفرق بين الإيمان واليقين هو أن الإيمان معرفة قلقة ناقصة إلى حد ما بينما اليقين معرفة مستقرة تكاد تكون كاملة. قد سبق القرآن فلاسفة الغرب في ماهية العلم المادي التجريبي (Matrial Expermental Science) إلى نوع أسمى من المعرفة يمكننا أن نطلق عليها مجازاً العلم الروحي التجريبي(Spritual Expermental Science)  ولندلل على ذلك نذكر تجربة سيدنا إبراهيم عليه السلام في إثبات قدرة الله المطلقة على إحياء الموتى والتي تضمنتها الآيات قال تعالى [وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى قال أوَلم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي قال فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك ثم اجعل على كل جبل منهن جزءاً ثم أدعهن يأتينك سعياً واعلم أن الله عزيز حكيم] (260البقرة).
ومن هنا نرى أن التجربة التي قام بها سيدنا إبراهيم كانت تجربة تأكيدية لقدرة الله على إحياء الموتى ونال بذلك طمأنينة القلب وبرد اليقين ، وقد ذكر ذلك في سياق آية أخرى : [ وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين] (75 البقرة) .
إن الناس تتباين في المعرفة وفقاً لطبيعة المعلومات التي يتلقونها وتختزنها عقولهم ، ويمكننا أن نقسمها إلى ثلاث أنواع من القضايا :-
 (1) 2 + 2 = 4
قضية صائبة ( درجة أولى )
 (2)
ص + س = 4 قضية ظنية ( درجة ثانية )
 (3) 2 + 2 = 3
قضية خاطئة ( درجة ثالثة ) .

بذلك يكون الناس أربعة، مثقف ومتعلم وأمي وجاهل، وفقاً لطبيعة القضايا التي يحملونها أو مبرمجة في عقولهم  فالمثقف إنسان يجيد القراءة والكتابة ومستقيم أخلاقياً وتأثيره إيجابي على المجتمع وجل القضايا التي يختزنها عقله من الدرجة الأولى، المتعلم يجيد القراءة والكتابة ، ضعيف أخلاقياً وينطبق عليه المثل الإنجليزي (The half Lerned man is a dengrous man) وتأثيره سلبي على المجتمع والمعلومات في عقله من النوع الثاني والثالث .. الأمي إنسان لا يجيد القراءة والكتابة، مستقيم أخلاقياً وتأثيره إيجابي على المجتمع، المعلومات في عقله من النوع الأول والثاني، أخيراً الجاهل وهذا لا يجيد القراءة والكتابة ضعيف أخلاقياً وتأثيره ضار في المجتمع والمعلومات في عقله من النوع الثالث في الغالب ..



 





الضحك عند برغسون

التفاصيل
كتب بواسطة: محمد شاويش
نشر بتاريخ: 22 يناير 2001
انشأ بتاريخ: 22 يناير 2001
الزيارات: 4
 

الضحك عند برغسون، مناقشة (1)

محمد شاويش - برلين

 

"ماذا يعني الضحك؟ ماذا يوجد في عمق الشيء المضحك؟ ماذا يوجد من شيء مشترك بين تكشيرة المهرج، والتلاعب بالكلام، وغمز المسرح الهزلي، ومشهد الكوميديا الذكية؟ ما هو هذا التقطير الذي يعطينا روح العطر،دائم الذاتية،والذي تأخذ منه المستحضرات المتنوعة: إما رائحتها المزعجة أو عطرها الناعم؟ لقد عكف أكابر المفكرين، منذ أرسطو، على هذه المسألة الصغيرة التي ما زالت تهرب أمام الجهد، وتنساب، وتتملص، ثم تنتصب، كالتحدي الوقح في مواجهة التأمل الفلسفي" (2)

هذه هي الأسئلة التي يحاول برغسون الإجابة عليها في كتاب صغير، ونحن هنا سنحاول أن نستعرض موجزين نظريته في الضحك ونناقشها لأننا نرى في دراسة الضحك أهمية خاصة للسيكولوجيا التي نكتب حولها.

ينطلق برغسون من ثلاث ملاحظات يعتبرها "ركيزية وهي تتناول الهزل بالذات أقل مما تتناول المكان الذي يجب التفتيش عنه فيه"

الأولى: "لا شيء هزلي خارج ما هو "بشري" بشكل خاص" "ربما نضحك من حيوان لأننا نكون قد عثرنا فيه على موقف كموقف الإنسان، أو على تعبير كتعبير البشر نضحك من قبعة، ولكننا نقصد عندئذ الهزء، لا من قطعة اللباد أو القش، بل من الشكل الذي أعطاها إياه الإنسان، بل من النزوة البشرية أو الجموح البشري الذي ارتداه قالبها" (ص10)

والثانية "اللاإحساس" الذي يرافق عادة الضحك"

"يبدو أن الهزل لا يمكن أن يحدث هزة إلا إذا وقع على سطح نفس هادئة جداً، متماسكة جداً. إن اللامبالاة هي بيئة الهزل الطبيعية. والضحك ليس له من عدو أكبر من الانفعال" (ص11)

"جربوا، للحظة الاهتمام بكل ما يقال، وبكل ما يجري، وتصرفوا، بالخيال، مع أولئك الذين يعملون، تحسسوا مع أولئك الذين يتحسسون، وأعطوا أخيراً لودكم أوسع مداه: وكما لو كانت هناك عصا سحرية سوف ترون الأشياء الأكثر خفة تتخذ وزناً، ويغلف التلوين القاسي كل الأشياء والآن ابتعدوا بأنفسكم، شاهدوا الحياة كمتفرج لا مبال: الكثير من المآسي تتحول إلى كوميديا. يكفي أن نسد آذاننا بوجه صوت الموسيقى، في صالون فيه حفلة راقصة حتى يظهر لنا الراقصون سخفاء في الحال" (ص11)

والثالثة: "إننا لا نتذوق الهزل "النكتة" إن شعرنا أننا وحدنا. إذ يبدو أن الضحك يحتاج إلى الصدى (...) إن ضحكتنا هي دوماً ضحكة المجموعة" (ص12)

هذه الملاحظات تتناسب مع ما سنراه الآن من فرضية برغسون الأساسية عن الضحك: إن الضحك هو نوع من الإشارة الاجتماعية وهو بما يوحيه من ترهيب يقمع الخروج أو الشذوذ، ويحفز بصورة دائمة، وباتصال متبادل بعض النشاطات التي توشك أن تنعزل" (ص20)

ظاهرة واحدة يراها برغسون جوهر الهزل ومفتاح تفسيره: "الأوتوماتيكية": تحوّل الحياة إلى آلية متصلبة والضحك هو عمل قمعي يهدف إلى تصحيح  هذا الوضع الشاذ: "كل جمود وتصلب في الشخصية، وفي الفكر، وحتى في الجسد، سيكون مشبوهاً بالنسبة إلى المجتمع، لأنه الدلالة الممكنة على نشاط يخبو وأيضاً على نشاط ينعزل (...) ومع ذلك فالمجتمع لا يمكنه أن يتدخل هنا بفعل القمع المادي، لأنه لم يصب مادياً. إنه في مواجهة شيء يقلقه، إنما كمؤشر فقط- بالكاد تهديد، وفي المحصلة إشارة. وإذا فجوابه يكون عليها بالإشارة أيضاً" (ص20)

الكتاب بعد ذلك استعراض لأنواع من الهزل ومحاولة لإثبات اطراد القاعدة السابقة عليها وسنعرض بإيجاز فيما يلي أمثلة من برغسون تشمل أغلب هذه الأنواع:

-     هزل الهيئة: بماذا تتميز الهيئة المضحكة عن الهيئة البشعة عموماً (التشويه الجسدي مثلاً)؟

يرى برغسون أن كل تشويه يمكن لشخص سوي الشكل أن يقلده يمكن أن يكون موضع هزل. فالأحدب مثلاً يعطي انطباعاً عن رجل تيبس إرادياً في وضع غير طبيعي: "ويكون الوجه أكثر هزلية كلما أوحى لنا، بصورة أفضل، بفكرة نوع عمل بسيط، ميكانيكي حيث تمتص الشخصية و إلى الأبد. هناك وجوه تبدو مشغولة بالبكاء دائماً وأخرى مشغولة بالضحك أو بالصفير" (ص23)

-     هزل الإيماءات: "تكون الأوضاع، والإشارات وحركات الجسم البشري مضحكة بقدر ما يذكرنا هذا الجسم بالميكانيكية المجردة البسيطة" (ص24)

مثلاً: إشارات وحركات الخطيب. الفكر كما يرى برغسون لا يتوقف ولا يكرر نفسه وإنما يتغير وينمو باستمرار فإن أعاد الذي يلقي خطبة الحركة نفسها فإن "الحياة لم تعد هي التي تتحرك، بل الأوتوماتية التي تركزت واستوطنت في الحياة وأخذت تقلد الحياة" (ص27)

-     هزل الأفعال والأحداث: "يكون مضحكاً كل ترتيب للأفعال وللأحداث يوحي لنا وهماً بأن الحياة قد دبت ضمن الترتيب الميكانيكي"

ومن أمثلة ذلك ما يسميه "العفريت ذو الزنبرك" (كمشهد مسرحي كلما دفع فيه أحد الأبطال آخر داخل البيت أطل برأسه من الشباك)

وأيضاً منها ما يسميه "الدمية- الشخص ذات الخيوط" حيث يستمد الموقف الهزلي من وضع الشخصية ضمن ظروف تسيرها فيه شخصية أخرى وهي تحسب أنها تعمل بحرية.

ومنها ما يسميه "كرة الثلج" حيث يأخذ الموقف هزليته من توالي سلسلة من الحوادث بحيث يؤدي السبب التافه أصلاً إلى سلسلة أحداث تزداد خطورة.

وفي ملاحظة هامة لبرغسون يقول "تبدو الحياة لنا وكأنها تطور في الزمن وكأنها نوع من التعقيد في الفضاء. إذا نظر إلى الحياة من حيث الزمن فهي تقدم مستمر في كائن يشيخ باستمرار: وهذا يعني أنها لا تعود إلى الوراء، ولا تتكرر إطلاقاً. فإذا نظر إليها في الفضاء فإنها تعرض أمام أعيننا عناصر متواجدة ومتماسكة فيما بينها بوثوق حميمي، وبتراكب حصري، إلى درجة أن أياً من هذه العناصر لا يمكن أن ينتمي بذات الوقت إلى جسمين مختلفين: كل كائن حي يشكل جهازاً مغلقاً من الظاهرات غير قابل للتداخل مع أجهزة أخرى. تغير مستمر في المظهر، لا ارتدادية في الظاهرات، فردانية كاملة في سلسلة مغلقة بذاتها، هذه هي السمات الخارجية (الحقيقية أو الظاهرية، لا يهم) التي تميز الكائن الحي عن الميكانيكي الخالص. ولنأخذ من هذا نقيضة فيحصل لدينا ثلاثة أساليب نسميها إن أحببت التكرار، الارتداد، وتداخل السلاسل. من السهل أن نرى أن هذه الأساليب هي أساليب المهزلة" (ص62)

ومن أمثلة التكرار أن يكرر الخدم مشهداً سبق أن لعبه الأسياد أو يكرر الأسياد مشهد عناد أعطاهم الخدم مثاله.

ومن أمثلة الارتداد (القلب) المتهم الذي يقدم المواعظ للقاضي والطفل الذي يلقي الدروس على والديه.

ومن أمثلة "تداخل السلاسل" اللبس وهو أن تدخل شخصيات ضمن لحظة معينة في سوء تفاهم بحيث أن الأفعال والأقوال الواحدة تناسب الجميع ولكن بمعنى مختلف عند كل منهم.

-     لنذكر أخيراً (وليس في نيتنا أن نلخص تفاصيل كتاب "الضحك" كلها) ما في الكتاب عن "هزل الشخصية أو الطبع":

الشخصية الهزلية عند برغسون هي أساساً شخصية "مستسلمة للسهو"، متصلّبة في عاداتها أو طباعها وهذا التصلب يعطيها أوتوماتية وانعزالاً يقمعه المجتمع بفعل الضحك. ويرى برغسون ان الكوميديا تصوّر أساساً الشخصيات النمطية العامة. ما هو مشترك من الطباع في الأشخاص. ما هو خارجي قابل للرصد. خلافاً للدراما التي لا تصور إلا فردية الأشخاص المتميزة من هنا كما يقول برغسون الأسماء النمطية لكوميديات كبرى "البخيل"، "النساء العالمات".

 ما تقدم كان الخطوط العريضة لنظرية برغسون في الضحك كما وردت في كتابه المعنون بهذا الاسم. ولنناقش الآن أطروحة برغسون:

 ما الناقص في نظرية برغسون عن الضحك وما الذي أغفلته؟

-     نلاحظ أننا لا نجد في النظرية أي تصور لأصل الضحك. كل ما نجده هذه الفرضية الغامضة: "الضحك هو ببساطة أثر من أوالية ركبت فينا من قبل الطبيعة، أو- مما يعني نفس الشيء تقريباً- من قبل عادة طويلة جداً اكتسبناها في الحياة الاجتماعية" (ص127)

فهو لا يأخذ بعين الاعتبار بقدر كاف ظهور الضحك في عهد الطفولة المبكرة، ومن المستحيل تطبيق نظرية برغسون (الوظيفة الاجتماعية للضحك) على ضحك الطفل (على الأقل!)

-     وهذا النقص في نظرية برغسون مرتبط ارتباطاً وثيقاً بثغرة كبيرة في النظرية يمكن أن نسميها "إهمال التحليل الوجداني"، فمن المعروف أن الضحك (ونجد هذا مكتوباً على الغلاف) هو "مطلب اجتماعي وفردي" فهو إذن يرتبط بحالات وجدانية ملائمة نفسياً ومريحة، ومن الصعب أن نفهم هذه الحقيقة إذا سرنا مع برغسون وصدقنا أن الوظيفة الأساسية للضحك هي القمع! ولم نر حقيقة ساطعة لم يرها برغسون وهي أن الضحك غالباً ما يعبر عن السرور بخرق نظام الكون والأشياء لا عن "التحذير" لمن يقوم بهذا الخرق كما يقول برغسون ويعيد متجاهلاً بصورة غريبة الواقعة المشاهدة التي تنقض فرضيته وتعاكسها والقائلة إن الضحك يسر الضاحك ولو كان الهزل الذي يثير الضحك يضايق المجتمع ويسعى بالضحك على حد زعم برغسون  إلى قمعه لما كان الضحك ساراً فقد أثاره على رأي برغسون موقف مزعج ولعل هذه الملاحظة تدلنا على أن شخصية فيلسوف الضحك برغسون هذا كانت في الحقيقة بعيدة عن خفة الظل والمرونة والتسامح الاجتماعي، وهي الصفات المطلوبة في نظرنا من كل من يريد أن يفهم المعنى الاجتماعي الحقيقي للضحك، فهو كما نرى قد رأى في الضحك وظيفة اجتماعية هي بالضبط عكس وظيفته!.

-     الضحك – كما هو معلوم- يظهر عند الطفل متأخراً قليلاً عن البكاء الذي يظهر بعد الولادة فوراً. ونجد في كتاب ديزموند موريس "القرد العاري" (3) فرضية عن أصل الضحك نجدها معقولة في منظور التحليل الوجداني ومنظور تحليل الحركات العضلية (وربما المنظور الفسيولوجي أيضاً)

الفرضية تقول: إن الضحك في أصله بكاء، الطفل يرى شيئاً أو شخصاً فتثير فيه المفاجأة استعداداً للبكاء، ثم يعود إلى التكيف مع المشهد ويكتشف أنه غير مخيف فيعود إلى الاسترخاء في حركات مشابهة ومعاكسة بآن واحد للبكاء (هي الضحك)، ولن نتولى هنا تحديد ما تشابه فيه حركات الضحك الجسدية نظيراتها في البكاء وما تعاكسها فيه بالدقة المطلوبة وسنكتفي بذكر حقيقة أن الضحك هو حركات استرخاء نفسي وعضلي في حين يرافق البكاء توتر عضلي ونفسي (وإن كان للبكاء أيضاً كما هو معلوم دور في تنفيس التوتروالحركات العضلية للبكاء تشابه فعلاً مشابهة تلفت النظر حركات الضحك).

لنقل إذاً، بناء على هذا التحليل البدئي المزدوج، العضلي، الفيزيولوجي- النفسي، إن الضحك هو حركة استرخاء نفسي جسدي موجودة بالتناقض مع حركة توتر نفسي- جسدي متلاشية.

لنتذكر الآن أننا في المفاهيم الشائعة نجعل للهزل نقيضاً هو "الجد". والهزل يقترن بصفات أخلاقية واجتماعية مثل "المجون"، "اللامبالاة"، "الطيش"، "قلة الهيبة"، "الباطل" (ومنه مقولة منسوبة إلى عدد من الصالحين: "إني لأداوي نفسي بشيء من الباطل لتقوى على الحق")

والجد بالمقابل يقترن بصفات مثل "المسؤولية"، "المهابة"، "الحق". ويمكن أن نجد اقتراناً قد لا يراه المرء لأول وهلة بين الهزل والطبقات الدنيا من المجتمع والجد والطبقات العليا ولنذكر في هذا المجال أن "الكوميديا" سابقاً كانت تأخذ شخصياتها من الشعب وهي القطب الهزلي في المسرح أما "التراجيديا" فكانت تأخذ شخصياتها من "النخبة" وهي القطب "الجدي" في المسرح.

ومن هذه الاقترانات (التي أخذناها اعتباطاً ويمكن رؤية مفاهيم وصفات أخرى مرتبطة بالقطبين "الهزل" و "الجد") نرى أن السمة العامة للهازل هي أنه "لامبال" بنظام الكون أو المجتمع و"منطق الخيال" الذي تحدث عنه برغسون في كتابه حين قال إننا في الخيال نعتقد أن الزنجي هو أبيض دهن نفسه بالأسود (لم يذكر برغسون أن هذا الاعتقاد هو عند المجتمع الذي غالبيته بيضاء وقد كان ممكناً تصور العكس في مجتمع غالبيته سوداء ودخل إليه بالصدفة ناس بيض) يوحي لنا أن المجنون والذي يتعثر ويقع لاصطدامه أثناء المشي بعقبة لا يراها ودونكشوت إلخ.. هم قوم يخترقون القواعد قصداً وعمداً ومن هنا نتقمص شخصياتهم لنهم يحققون لنا رغبة جوهرية في الخروج عن "جد" الكون وفي تغير هذا النظام الكوني الاجتماعي الضاغط على الحيوية الطبيعية لنا.

الضحك أساساً إذاً لا هو "إشارة تحذير" و لا هو "عقاب" كما يرى برغسون بل هو أساساً حركات بهجة لأن الكون قد انقلب رأساً على عقب!

لنقرأ هذه الفقرة من كتاب برغسون: "تبدو الحياة لناو كأنها تطور في الزمن وكأنها نوع من التعقيد في الفضاء. إذا نظر إلى الحياة من حيث الزمن فهي التقدم المستمر في كائن يشيح باستمرار: وهذا يعني أنها لا تعود إلى الوراء ولا تتكرر إطلاقاً. فإذا نظر إليها في الفضاء فإنها تعرض أمام أعيننا عناصر متواجدة ومتماسكة فيما بينها بوثوق حميمي، وبتراكب حصري، إلى درجة أن أياً من هذه العناصر لا يمكن أن ينتمي بذات الوقت إلى جسمين مختلفين: كل كائن حي يشكل جهازاً مغلقاً من الظاهرات غير قابل للتداخل مع أجهزة أخرى. تغير مستمر في المظهر، لا ارتدادية في الظاهرات، فردانية كاملة في سلسلة كاملة بذاتها، هذه هي السمات الخارجية (الحقيقية أو الظاهرية، لا يهم) التي تميز الكائن الحي عن الميكانيكي الخالص. ولنأخذ من هذا نقيضة فيحصل لدينا ثلاثة أساليب نسميها إن أحببت التكرار، و الارتداد، وتداخل السلاسل. من السهل أن نرى أن هذه الأساليب هي أساليب المهزلة، وانه لا يمكن أن يكون خلافها" (ص62)

ألا نجد هاهنا الفكرة التالية "الهزل هو عكس النظام الذي تسير عليه حياة الإنسان"! على أن برغسون بدلاً من أن يجد في الضحك تعاطفاً مع عملية العكس هذه وابتهاجاً بها يجده عقاباً عليها وتحذيراً! ويمكن لنا أن نلمس هنا تأثير وجهة النظر الاجتماعية المحافظة لبرغسون في هذا التحليل للبعد الاجتماعي للضحك.

-     على أن برغسون في النهاية يجد نفسه مضطراً إلى الإقرار بما في الضحك من اندماج مع خرق الهزل لمألوف الكون: "خلال لحظة على الأقل نندمج في اللعبة وهذا يريحنا من تعب الحياة ولكننا لا نستريح إلا لبرهة فالود الذي يمكن ان يدخل في الانطباع في المضحك هو ود سريع الهرب. إنه يأتي أيضاً من السهو والشرود. وعلى هذا يندمج الأب الصلب القاسي، في بعض الأحيان، تناسياً، في شيطنة من شيطنات ابنه. لكنه يتوقف حالاً لكي يعاقب ويصلح" ص126)

والحال أن الناس ليس "في "بعض الأحيان" بل دائماً يندمجون في "شيطنات" الهازلين ولولا هذا الاندماج لما ضحكوا لأن الاندماج شرط نفسي للضحك وفقاً لفرضيتنا في التفسير النفسي للضحك.

-     يجد برغسون في "الأوتوماتيكية" و "التصلب" الذي يعتري الكائنات البشرية أساس الهزل ويأتي الضحك عقوبة وتصحيحاً لهذه الأوتوماتيكية وهذا التصلب. أما نحن فنجد في الأوتوماتيكية سخرية من الحياة وإظهاراً لسخف نظامها.

ولو أردنا أن نفكر بطريقة التحليل النفسي فسوف نجد رابطاً بين "الأوتوماتيكية و"العدوانية" وفي الضحك بالفعل تحقيق لدافع عدواني مكبوت لا يراه برغسون في بعض أمثلته:"عندما يتقدم المفوض إلى المشهد، فإنه يتلقى في الحال ،كقصاص، ضربة تقضي عليه وينتصب من جديد فتوقعه في الأرض ضربة جديدة"(ص51)

وهو لا يرى هزلياً في هذا المشهد إلا تكرار الوقوع والقيام (وهي أوالية هزلية سماها"العفريت ذا الزنبرك")وبنظري فإن المشهد هزلي لأنه يحرر دافعاً عدوانياً مكبوتاً عند المشاهد ولتوفر الشرط في الموقف الهزلي الذي نحن بصدد الجدال مع برغسون في تحديده.

وعندما يتحدث برغسون عن أوالية الارتداد (أو القلب) (ص65) لا يرى الأمنية التي تحققها أمثلته في أن تنقلب أمور الحياة فيتحول المسيطرون إلى مسيطر عليهم: المتهم الذي يقدم المواعظ للقاضي،والطفل الذي يريد إعطاء الدروس لوالديه..ولا بأس أن نذكر هنا مسرحية هزلية عربية شهيرة هي "مدرسة المشاغبين" حيث يقوم الهزل فيها منذ أولها إلى آخرها على موقف يتولى فيه التلاميذ المشاغبون السيطرة على أمور المدرسة ويقف الناظر والمدرسون عاجزين. ومن باب التكلف في نظرنا أن لا نرى في الهزل هنا إلا أنه نتج عن "مكننة" الحياة بقلب المواقف،ولا نرى الأمنية الكامنة عند المشاهدين بأن ينقلب نظام الحياة!

-     يقدم "الماجنون" و "المشاغبون" و "المجانين" و"الطفيليون" وغيرهم من الأنماط التي لن نعدها الآن أمثلة على اللامبالاة بالقواعد الاجتماعية،واندماجنا مع هؤلاء اللامبالين بما فيهم من "جرأة" و"صفاقة" وضحكنا لأفعالهم تحققاً لأمنية الخرق لنظام الحياة.

-     على أن شرطاً جوهرياً للموقف الهزلي يراه برغسون ويجدر بنا فعلاً أن نتبناه. هذا الشرط هو "عدم الانفعال" أو "اللامبالاة" تجاه الهازلين وبالفعل فإن أي شعور بالشفقة تجاه "الناظر" في مسرحية "مدرسة المشاغبين" أو أي محاولة لتفهم سبب آخر لمشاغبة التلاميذ غير لامبالاتهم ورغبتهم المجانية في خرق الأنظمة المدرسية يفسد الهزلية،ذلك لأننا حين ننفعل انفعال شفقة أو نحلل عقلياً الموقف الحياتي نستعيد ذكرى القوى التي تجبرنا على أن نسير باتجاه حياتي معين ولكننا حين نضحك نكون عائشين تجربة تخيلية لحياة لامعقولة ولا يمكن تحليلها أو تبريرها بحيث تتيح لنا أن نشمت بها بصورة مطلقة ولا نرى فيها شيئاً يدفع إلى التعاطف أو التفهم.تجاه "هرباغون" بخيل موليير لا يمكن أن نأخذ موقف الضحك لو تذكرنا أن للبخيل وجهة نظر (علماً أن للبخلاء بالفعل وجهة نظر في بخلهم شوهها أديبنا الكبير الجاحظ وسخفها لكي نرفضها مباشرة ونعد محاولة البخيل الاحتجاج لبخله بحد ذاتها مجوناً إضافياً من مجونيات البخيل الذي مجونه الأساس أنه لا يأبه للقاعدة الاجتماعية التي تطلب من الفرد أن يكون جواداً وتعيب عليه أن يكون بخيلاً)

-     لنتكلم قليلاً عن الضحك من وجهة نظر قواعد "الاحترام الاجتماعي":

 

لقد كثرت الوصايا في تراثنا التي هي من نوع "المزاحة تذهب المهابة".ومن القواعد المتعلقة بهذا الباب عدم المزاح مع الأعلى في السلم الاجتماعي ولو تأملنا في مفهوم "المهابة" أو "الهيبة" لوجدناه اعتباراً من أصله اللغوي مقترناً بالإخافة و"الإنسان الجاد" هو المؤهل أن يكون "مهيباً" وليس الهازل.

والهزل مقترن بالاستهتار بالقواعد الاجتماعية بل هو مقترن بالاستهتار بنظام الأشياء في الطبيعة عموماً في حين أن "الجد" هو النقيض،هو الالتزام الدقيق بهذه القواعد والإيمان برسوخ هذا النظام و"الهيبة" المقترنة باشتقاقها اللغوي وطبيعتها النفسية بالخوف هي من صفات الجاد التي تعكس قوته الاجتماعية لأنه يمثل مصادر السلطة الاجتماعية فهو بجديته تذكير دائم بهذه السلطة وعلى عكس ذلك الهازل المتخلي عن قواعد السلطة الاجتماعية والمستهتر بها وحين نضحك منه فإننا بالتأكيد لا نكون نخاف منه ولهذا لا يكون الهازل مهيباً وليس الهزل من صفات أهل السلطة!

ومن هنا قد يقترن الضحك من الهازل بعدم احترامه أو ضمناً وبصورة غير مباشرة إن لم تكن مباشرة باحتقاره ولعل هذا الوضع هو المبرر الوحيد الذي قد نجده لنظرية برغسون العجيبة التي ترى في الضحك عقوبة خفيفة وتحذيراً! هذا علماً أن برغسون لا يذكر شيئاً عن السبب الذي يجعل من الضحك عقوبة أو تحذيراً.

والاقتران بين الضحك والاستهتار بالسلطة(الاجتماعية أو السياسية..إلخ) هو الذي يؤدي بممثلي الأجهزة الموكلة بحفظ النظام الاجتماعي إلى الحذر من الهزل،وبالفعل فإن قسماً كبيراً من النكات المتداولة يتعلق بهذه الأجهزة كالنكات السياسية والنكات التي تسخر من المؤسسات الدينية وما شابه ذلك.

بعد ما تقدم آن الأوان لنطرح فرضيتنا البديلة في تفسير الضحك:طبيعته ووظيفته:

تفسير الضحك عندنا يستند إلى أنه في حالته الناضجة عند الكبار في السن منبثق من واقعة الاستلاب الذي هو عندنا(بتعريف عام) اليأس العميق من إمكانية الخلاص من الاضطهاد.

المستلب – بفتح اللام هو مضطهد يائس يؤمن بعمق أن النظام الاجتماعي والطبيعي الذي يضطهده هو نظام كلي القدرة لا تمكن زحزحته أو تغيير مكوناته وأنه نظام متماسك لا ثغرة فيه ولا تناقض داخلي.

الهزل أو بمعنى أدق:الموقف الهزلي يقدم للمستلب خرقاً خيالياً لهذا النظام المتماسك وإذا كان الإيمان الاستلابي بقدرة النظام الاجتماعي والطبيعي المضطهد للفرد غير المحدودة يسبب للفرد ضيقاً نفسياً هائلاً فإن الخرق الخيالي لهذا النظام الذي ينوء به المستلب كأنه ليل امرئ القيس الذي أردف أعجازاً وناء بكلكل والذي يقوم به الهزل يسبب انفراجاً مؤقتاً وتوقفاً فيما أسميناه بأماكن أخر "الأزمة الاستلابية". الموقف الهزلي يصور العالم متناقضاً قابلاً للانقسام.

وبسبب طبيعة الهزل هذه كان الهزل هو الشكل المفضل للنقد الاجتماعي في الأدب.

 

هوامش:

 

(1)      اعتمدنا في المقال على نسخة عربية من كتاب "الضحك" لهنري برغسون-ترجمة د.علي مقلد.نشر المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع- بيروت – الطبعة الأولى –1987.

(2)      المرجع السابق – ص9.

(3)      انظر الطبعة العربية من الكتاب الصادرة عن دار الحوار باللاذقية ترجمة ممدوح عدوان.الكتاب حافل بالأوهام التي تعتري علماء البيولوجيا حين يحاولون أن يفسروا ظواهر اجتماعية بالبيولوجيا وحدها ولكنه يحتوي على بعض الملاحظات المفيدة كانت الملاحظة التي ذكرناها هنا واحدة منها.

 

العقل العربى ومنهج التعاطي مع الحضارة

التفاصيل
كتب بواسطة: سيد يوسف
نشر بتاريخ: 12 يناير 2001
انشأ بتاريخ: 12 يناير 2001
الزيارات: 7
 

العقل العربى ومنهج التعاطي مع الحضارة

(عقل استنباطى أم قياسي أم انبهار المغلوب بالغالب؟)

سيد يوسف

 

تمهيد

 

هل عجز العقل المسلم والعربى عن استيعاب عالم الحضارة – إن كان ثمة حضارة – فيما يتعاطاه الآن من أحداث وأمور ومنجزات حضارية وعلمية وفلسفية؟ وهل ظل العقل المسلم مكبلاً بمنهج الاستنباط دون إعمال أو انتقال جماعي منظم لمنهج الاستقراء الذى اعتمد عليه الغرب؟

فما هو المنهج الاستنباطي هذا؟ وما مجالاته؟ ومن ثم ما المنهج الاستقرائي هذا ؟ وما مجالاته؟ وما علاقة المناهج العقلية هذه بالحضارة والتقدم؟

هل يمكننا أن نقول :إننا إلى الآن لا نمتلك الرصيد الفكري المأمول في التعرف على قضية المنهج الذى نتعاطى من خلاله حاضرنا وأن جهود بعض الأفراد من هنا أو من هناك لا تعدو كونها محاولات فردية – وإن كنا نرجو لها التعميم لكنها- لا تصب فى تأصيل قضية التعريف العام بمنهج تفكيرنا كعرب وكمسلمين، ولم تتسع لتشكل مجرى ثقافيا عاما في الأمة؟

وهل يمكننا القول بان العقل العربي والمسلم ذو تشكيلة خاصة لم تتجاوز بعد مرحلة الاستنباط حتى فى تعاطيها فى السنن الكونية والاجتماعية ؟

حول هذى المفردات تدور هذى المقالة .

 

يرى د/ عمر عبيد حسنة أن هناك قوانين وسنناً، تحكم حركة التاريخ والاجتماع البشري، لا تتخلف ولا تحابي أحداً، ونحن - المسلمين - نخضع للقوانين نفسها، حيث لا يكفي النظر في النتائج بل لابد من النظر في المقدمات والأسباب التي أنتجتها، حتى يتمكن المسلمون من التحكم بها، وأخذ الحذر من الوقوع فيها، وحتى لا ينتهوا النهاية نفسها. . فالمقدمات نملكها ، والنتائج تملكنا. وقد تكون إحدى آفات العقل المسلم اليوم ، أننا ندع ما نملكه إلى ما يملكنا.

ونذكر أن القاعدة القرآنية والتي لها دقة القوانين الرياضية تقول: (وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ ) محمد 38‏

ولعل هذه صرخة تحذير لأمتنا حتى تستيقظ قبل فوات الأوان فلقد قاد الركب المجرمون الذين يعيثون فى الأرض فساداً وما فعل الأمريكان بأفغانستان والعراق وببعض عالمنا العربي عنا ببعيد .

 

نقصد بالمنهج الاستنباطى (بشكل مبسط):

تلك الطريقة من التفكير التى بموجبها يحكم العقل فى قضية ما بناء على قانون سابق فهو عقل محكوم ومكبل دائماً بأصل يقيس عليه أو بنص ما فهو دائما فرع لأصل، يدور في إطار سابق، وهو ينتقل من القاعدة السابقة إلى إثبات المشاهدة أو التجربة .

ومن المجالات التى يصلح لها هذا المنهج :

قضايا الفقه التشريعي، في إطار الحلال والحرام، وذلك عند إعمال العقل في النص الديني الموحى به لإدراك أبعاده ومقاصده وتحديد علته، ويتعدى الأمر إلى الأدوات الأخرى مثل  القياس ( الاجتهاد الفردي)، والاستحسان، والاستصلاح، والاستصحاب، والخلاصة ههنا أن العقل إنما يتحرك في إطار سابق محكوم ببعض الضوابط التي جاء بها الوحي .

 

نقصد بالمنهج الاستقرائي (بشكل مبسط):

تلك الطريقة من التفكير التى بموجبها يحكم العقل فى قضية ما بناء على التجربة والمشاهدة ومن ثم ينتقل من التجربة إلى صياغة القاعدة ، فهو منهج  يحرر العقل من القيود المسبقة أو المثال.

ومن المجالات التى يصلح لها هذا المنهج :

قوانين السير فى الأرض ، واكتشاف السنن الحاكمة لحركة الحياة أوفقه الحياة من علوم مادية وكشف حضارى سواء فى مجال العلوم الاجتماعية أو التربوية أو العلمية .

 

ملاحظات مهمة

عرض بعضها د/عمر عبيد حسنة ومنها :

1/ فى كلا المنهجين إبداع وإنتاج جميل ولكن لكل مجال وميدان يحقق السبق .

2/ فالفقه التشريعي في الإسلام يخضع للمنهج الاستنباطى القياسي  بيد أن  الفقه الاجتماعي والحضاري يخضع للمنهج الاستقرائي..وقد يكون من بعض عيوب العقل المسلم المعاصر ، الخلط بين المنهجين وعدم القدرة على استخدام كل في مجاله .

3/ إن سنن التداول الحضاري ،استيحاء من قوله تعالى :( وتلك الأيام نداولها بين الناس) آل عمران : 140 لا تتأتى إلا من السير في الأرض، الذى فرضه الله على المسلم بقوله:

(قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة الذين من قبل) الروم30 فلنتعرف على القوانين التى حكمت حركه البشر للإفادة منها للحاضر والمستقبل فقد يكون الحاضر نتيجة لمقدمه فى الماضى وقد يكون مقدمه لنتيجة لا تظهر إلا فى المستقبل .

4/ لقد كان جيل القرون الأولى يتعامل مع السنن بشكل عملى وتلقائي لأنهم فقهوا الوحى أما نحن فلم نزل نبحث فيها وننظر فى مدى أهميتها في إعادة تشكيل العقل وتصميم الذهنية الإسلامية، التي لا نزال تعاني من التخلف، بسبب الغفلة عن السير في الأرض والكشف عن سنن الله في الأنفس والآفاق، وأهمية ذلك في معرفة قيام المجتمعات، وسقوط ونهوض الأمم .

5/ لاشك أن معطيات الوحي ، في الكتاب والسنة ، تضمنت خلاصة السنن التي تحكم الحياة والأحياء، بما عرضت له من القصص القرآني، عن نهوض الأمم والحضارات وسقوطها، وربط الأسباب بالمسببات، والمقدمات بالنتائج، بشكل أشبه ما يكون بالمعادلات الرياضية التي تحكم عالم المادة، ليعتبر أولوا الأبصار.

6/ اكتشاف السنن والتوصل إلى الدليل الذى يبين الحق إنما يتأتى من استقراء التاريخ والواقع وآيات الأنفس والآفاق لكن المشكلة جاءت من الامتداد بأحد المنهجين وتعطيل الآخر خاصة عندما توقف العقل المسلم عن السير في الأرض وتعطل عن النظر فى الأنفس والآفاق ، في العصور المتأخرة ، الأمر الذي أدى به إلى الانحسار الحضاري .

 

تطبيق عملي

وجميل أن نسوق ههنا فكرة عملية نرجو لها أن تتسع لها عقول الناشطين وإسهاماتهم فى خدمة قضايا أمتنا..هذه الفكرة عرضها د/عمر عبيد بشكل عام ونركز الضوء عليها بعرض التساؤل الآتي: ما قيمة القصص القرآني الخالد، إذا لم يشكل عقلاً مدركاً للقوانين والسنن، التي تحكم التجمع الإنساني، وتتحكم بقيام وسقوط الحضارات هل هى حكايات لتزجية الوقت أسقطها الزمن وطواها التاريخ ؟!

المطلوب اليوم، أكثر من أي وقت مضى، في مجال الدراسات الإنسانية التي بلغت عند غيرنا شأواً بعيداً، أن نتوجه صوب فقه القصص القرآني، بالقدر نفسه الذي توجهنا به نحو آيات الأحكام، واستنبطنا منها هذه الكنوز العظيمة في مجال التشريع، لنكتشف فقهاً حضارياً في إطار علوم الإنسان، والقوانين الاجتماعية، التي تحكم مسيرة الحياة والأحياء، والتي تخلفنا فيها إلى درجة لا نحسد عليها .

 

فى النهاية

هذه بداية نرجو لها الدراسة وإعمال العقل لعل وعسى..

 

مفهوم الخطاب كوسيلة اتصالية

التفاصيل
كتب بواسطة: د. محمّد ناصر
نشر بتاريخ: 04 يناير 2001
انشأ بتاريخ: 04 يناير 2001
الزيارات: 13
 

مفهوم الخطاب  (Discourse) كوسيلة اتصالية :

د. محمد ناصر  

 

 

تؤكد جميع الدراسات أن مفهوم الخطاب – وهو مصطلح حديث –غير متفق عليه لتعدد الموضوعات التي يطرحها([1][1])،لذلك فقد بدأتُ بتوضيح معنى هذا المصطلح اعتماداً على معاجمنا العربية،ثم انتقلت إلى توضيح معناه عند أوائل من درسه من أعلام الغرب، وأنهيت هذه الزاوية بتعريف بعض الدارسين العرب لهذا المصطلح.

فالخطاب لغة هو مراجعة الكلام([2][2])، وهو الكلام والرسالة([3][3])،وهو المواجهة بالكلام، أو ما يخاطب به الرجل صاحبه ونقيضه الجواب([4][4])، وهو مقطع كلامي يحمل معلومات يريد المرسل (المتكلم أو الكاتب) أن ينقلها إلى المرسل إليه (أو السامع أو القارئ)،ويكتب الأول رسالة ويفهمها الآخر بناءً على نظام لغوي مشترك بينهما([5][5]).

وبذلك يكون المعنى الذي تُوصلُنا إليه المعاجم متمثلا ًفي"الحوار"، الذي يرتبط بدوره بوجود ثلاثة عناصر:.المرسل،المستقبل، الرسالة.

أما بالنسبة لأوائل الغربيين الذين حاولوا دراسة هذا المصطلح وتعريفه،فيكاد"يجمع كل المتحدثين عن الخطاب،وتحليل الخطاب على ريادة ز. هاريس (1952) في هذا المضمار من خلال بحثه المعنون بـ"تحليل الخطاب"،فهو أول لساني حاول توسيع حدود موضوع البحث اللساني بجعله يتعدى الجملة إلى الخطاب.

وببقائه ضمن حدود المجال اللساني،عرّف الخطاب بأنه"ملفوظ طويل أو هو متتالية من الجمل تكون منغلقة، يمكن من خلالها معاينة سلسلة من العناصر، بواسطة المنهجيّة التوزيعيّة، وبشكل يجعلنا نظل في مجال لساني محض"([6][6]).

أمّا الفرنسي" إميل بنفنست" فقد عرّف الخطاب من منظور مختلف له أبلغ الأثر في الدراسات الأدبيّة التي تقوم على دعائم لسانية فهو عنده"الملفوظ منظوراً إليه من وجهة آليات وعمليات اشتغاله في التواصل، وبمعنى آخر هو كلّ تلفظ يفرض متكلماً ومستمعاً، وعند الأوّل هدف التأثير على الثاني بطريقة ما"([7][7]).

وانطلاقاً من هذا التعريف تتنوع الخطابات الشفوية، التي تمتد من المخاطبة اليوميّة إلى الخطبة الأكثر صنعة وزخرفة، والى جانب الخطابات الشفويّة نجد أيضاً كتلة من الخطابات المكتوبة التي تعيد إنتاج الخطابات الشفويّة، وتستعيد أدوارها، ومراميها من المذكرات والمسرح، وباختصار كل الأنواع الأدبية التي يتوجه فيها متكلّم إلى متلق، وينظم ما يقوله من خلال مقولة الضمير([8][8]).

وقد طرح "ميشيل فوكو" نظرة متميّزة للخطاب حين ربطه بالسلطة،فهو عنده شيء بين الأشياء، وهو ككلّ الأشياء موضوع صراع من أجل الحصول على السلطة، فهو ليس فقط انعكاساً للصراعات السياسية بل هو المسرح الذي يتم فيه استثمار الرغبة فهو ذاته مدار الرغبة والسلطة([9][9]).

إنّ خطورة الوسائل القمعيّة التي تمارسها السلطة بواسطة الخطاب، ليست راجعة في نظر فوكو، وكما نتصّور لأوّل وهله"، إلى وسائل التحكم الخارجية التي عرفتها الكلمة المكتوبة عبر تاريخها العصيب منذ عهود الظلام، وحتى بدايات عصر الديمقراطية الحديثة، وإنما إلى عملية التنظيمات الداخلية للخطاب نفسه، التي تقتضي في ظل ضروب من الإقصاء والاستبعاد بإقامة مساحات من الصمت، والإضمار، ومساحات من الإفصاح والإعلان، تحكم ما يجب أن يقال، وما يخضع للتحديد والكشف والابتكار، وما يتبع نظم التعقيب والتبرير، والتكرار، وذلك وفقاً لمعايير ضمنية من الخطأ والصواب والحقيقة والزيف، لعل أبرزها ما يتجلى من التحريات التي تنصّب على موضوعات السلطة والجنس"([10][10]).

وإذا كان هناك ارتباط وثيق بين السلطة والخطاب، كما يذهب فوكو، فإنّ ذلك ليس مجرّد تخطيط، وتنظيم من قبل السلطة فحسب، وإنما علاقة انطولوجيّة إن صحّ هذا التعبير يجمع بين اللغة وأنماط الهيمنة الاجتماعية([11][11]).

وفي  عام 1985 عرّف" موشلر" الخطاب على أنه"الحوار" ثم قام بإجراء تحليلاته للخطاب (الحوار)، وكانت توحي بتأثره بآراء مدرسة بيرفكام التي حصرت الخطاب في "الحوار"، والتي أثرت في تعريفات العديد من اللسانيين الذين يكتبون بالإنجليزية مثال ذلك مايكل هوو في كتابه" حول ظاهر الخطاب" الذي أكد بأنه سيتعامل مع الخطاب باعتباره "المونولوج" شفوياً كان أم كتابيّاً([12][12]).

ومن الجدير بالذكر أنّ هذا المصطلح (الخطاب) قد دخل مجالاً آخر من  مجالات الفكر الإنساني، وهو المسرح، فهذا مارك لوبو يقول: إنّ النص والصورة في الثقافة الغربية منفصلان منذ الأزل؛ حيث تتبع الصور النص، وتخضع له عادة، ولكن هل يمكننا حقاً فصل الصورة عن الخطاب؟ يجيب المسرح بالنفي، فالصورة والخطاب في المسرح متصلان([13][13])، هما جسد الممثل، هما تكوينه الحي، أو "الهيروغليفي" .

وهكذا يمكننا القول أنّ الدلالات والمفاهيم الخاصة بـ (الخطاب) قد تعددت عند الدارسين الغربيين، بتعدد مجالاتهم واختصاصاتهم هذا مع ضرورة الإشارة إلى تداخل العديد من هذه التعريفات([14][14]).

وكما انتقل إلينا عدد من المصطلحات الغربيّة، كالبنيوية، والتفكيكية، أو التشريحية… إلخ، انتقل إلى ساحتنا العربيّة، مصطلح الخطاب مؤكداّ أثناء عملية انتقاله فروقات واضحة في الفهم والتعريف من دارس إلى آخر.

فقد فهم عبد السلام المسدي"الخطاب" على انّه الكلام أو المقال، وعدّه "كياناً أفرزته علاقات معينة بموجبها التأمت أجزاؤه، وقد تولّد عن ذلك تيار يعرّف الملفوظ الأدبي بكونه جهازاً خاصاً من القيم طالما أنه محيط ألسني مستقل بذاته، وهو ما أفضى إلى القول بأن الأثر الأدبي بنيه ألسنية تتحاور مع السياق المضموني تحاوراً خاصاً([15][15]).

وأما "الخطاب" عند جابر عصفور فهو" الطريقة التي تشكل بها الجمل نظاماً متتابعاً تسهم به في نسق كلي متغيّر ومتحد الخواص، أو على نحو يمكن معه أَنْ تتآلف الجمل في خطاب بعينه لتشكّل خطاباً أوسع ينطوي على أكثر من نصٍّ مفرد، وقد يوصف الخطاب بأنّه مجموعة دالة من أشكال الأداء اللفظي تنتجها مجموعة من العلاقات أو يوصف بأنّه مساق العلاقات المتعينة التي تستخدم لتحقيق أغراض معينة([16][16]).

وليس الخطاب عند سعيد يقطين" غير الطريقة التي تُقدَّم بها المادة الحكائية في الرواية، قد تكون المادة الحكائية واحدة، لكن ما يتغيّر هو الخطاب في محاولته كتابتها ونظمها، فلو أعطينا لمجموعة من الكتاب الروائيين مادة قابلة لأن تحكى، وحددنا لهم سلفاً شخصياتها وأحداثها المركزية، وزمانها وفضاءها لوجدناهم يقدمون لنا خطابات تختلف باختلاف اتجاهاتهم، ومواقفهم وإن كانت القصة التي يعالجون واحدة([17][17]).

وقد وسع مصطفى ناصف نطاق الخطاب، حين أشار إلى "وجود خطابات كثيرة، وطرق مختلفة لدراستها" ([18][18])مؤكداً أنّ العلاقات الاجتماعية لا يستوعبها خطاب واحد، ولا يمكن أن يعتبر الخطاب الأدبي خلاصة واقعية لنشاط اللغة الكثيف المتقاطع([19][19]).

وتعد دراسة محمد عابد الجابري، للخطاب إحدى الدراسات التي نقلت هذا المفهوم من دائرة الدراسات النقديّة إلى حيّز الدراسات الاجتماعية والأيديولوجيّة.

فالخطاب عنده، باعتباره مقولة الكاتب أو أقاويله –بتعبير الفلاسفة العرب القدماء-، هو بناء من الأفكار إذا تعلّق الأمر بوجهة نظر يعبّر عنها تعبيراً استدلاليّاً، وإلا فهو أحاسيس ومشاعر، فن أو شعر يحمل وجهة نظر، أو هو هذه الوجهة من النظر مصوغة في بناء استدلالي أي استعمال مواد (مفاهيم) ولا بد من إقامة علاقات معينة بين تلك المواد حتى يصبح بناء يشد بعضه بعضاً ("الاستدلال" أو "المحاكمة العقلية")، وسواء تعلّق الأمر بالمواد أو بطريقة البناء فلا بد من تقديم أو تأخير، ولا بد من تضخيم أو بتر… إلخ، فالخطاب من هذه الزاوية، إذا كان يعبّر عن فكرة صاحبه فهو يعكس أيضا مدى قدرته على البناء، وبعبارة أخرى لما كان كل بناء يخضع لقواعد معينة تجعله قادراً، على أداء وظيفته، فإن الخطاب يعكس كذلك مدى قدرة صاحبه على احترام تلك القواعد، أي على مدى استثماره لها لتقديم وجهة نظره إلى القارئ بالصورة التي تجعلها تؤدي مهمتها لدى هذا الأخير، مهمة الإخبار والإقناع… إلخ([20][20]).

أما الخطاب باعتباره مقروء القارئ -أو مقول القوْل بتعبير المناطقة القدماء- فهو ذلك البناء نفسه، وقد أصبح موضوعاً لعملية إعادة البناء، أي نصاً للقراءة، وكيفما كانت درجة وعي القارئ، بما يفعل فإنه ولا بد أن يمارس في ذلك النص ما يمارسه صاحب الخطاب عند بناء خطابه (إبراز أشياء والسكوت عن أشياء، تقديم أشياء وتأخير أشياء) فيسهم القارئ هكذا في إنتاج وجهة النظر، بل إحدى وجهات النظر، التي يحملها الخطاب صراحة أو ضمناً، والقارئ عندما يسهم في إنتاج وجهة نظر معينة من الخطاب، يستعمل هو الآخر أدوات من عنده هي في جملتها وجهة نظر أو جزء منها عناصر صالحة لتكوينها ومن هنا يأتي اختلاف القراءات وتعدّد مستوياتها([21][21])

فالخطاب الشعري نصٌ مثقلٌ بالرموز، متعدّد الأبعاد ينهض بفعل الإيحاء وطاقات اللغة التعبيرية، وقدرتها على إنتاج المدلولات لذلك ظل "بول فاليرى" يردد أن الشعر لون من الرقص بالكلمات " ونظام من الأفعال لها هدفها في حد ذاته" وفعل ينزع إلى البقاء في ذاكرتنا بما يثيره من انفعالات على خلاف الكلام العادي الذي يذهب إلى التلاشي بمجرد تحقق الإبلاغ([22][22]).

وعلى حين يبقى النثر- في أغلب تجليّاته- موصولاً إلى مرجعه، فإن الخطاب الشعري غالباً ما يذهب في اتجاه مفارق للواقع بفعل اللغة التي يجعلها مادة أساسية في تشكيل عالمه، ويضيف عليها حياةً جديدة([23][23]).

وبما أن النص الشعري فعل كلامي بالأساس فإنّه يتجه إلى توظيف العلاقة اللغويّة في مستوياتها الصوتية، والمعجمية، والتركيبية والرمزّية المختلفة، وبهذا يغدو النص نسيج كلام وحوار بين العلاقة والعلاقة، وتصبح اللغة الأداة والجوهر، فهي أداة لتبليغ الرسالة شأنها في ذلك شأن الكلام المألوف بيننا، أو الخطاب العلمي، أو الخطاب القضائي الذي من المفروض أن يُفهم دون لبس، ولكنها أيضا تتمتع بوظيفة في ذاتها بما تنتجه من تراكيب وصور وأخيله([24][24]).

فالشعر- إذن- خطاب متميّز يُضمر أكثر مما يصرّح، يوحي، يأبى أن يفصح عن ظاهره أو حقيقته للوهلة الأولى، بل تراه يمعن في التخفي والتحكم والخداع وراء شعريّة الكلمات([25][25]).

فالخطاب رسالة من مرسل إلى مستقبل لغاية التأثير عليه، لغاية إقناعه بها عن طريق التأثير عليه بوسائل  متعددة  .

 

 

 



([1][1])فوزي، نوريّة صالح. الخطاب المسرحي في النقد الأدبي في الخليج العربي فصول.مج(16).ع(3).1997.ص189. 

([2][2]) جمال الدين، ابن منظور، لسان العرب.دار صادر:بيروت.مادة خطب.

([3][3])مجمع اللغة العربية.المعجم الوسيط.أخرجه إبراهيم مصطفى و آخرون. طهران: المكتبة العلمية.ج1.مادة خطب 

([4][4])العدناني، محمد.معجم الأخطاء الشائعة. بيروت: مكتبه لبنان. ط(2).1980مادة(خطب)

([5][5])يعقوب، إميل.قاموس المصطلحات اللغوية والأدبية.ط(1) بيروت: دار العلم للملايين. 1987.مادة(خطب) 

([6][6])يقطين سعيد. تحليل الخطاب الروائي. بيروت: المركز الثقافي العربي. ط1. 1989. ص17.

([7][7])المصدر نفسه.

([8][8])المصدر نفسه.

([9][9])الكردي، محمد علي، الخطاب والسلطة عند ميشيل فوكو، فصول، مج (11). ع(1) 1992. ص38.

 

([10][10])المصدر نفسه.

([11][11])المصدر نفسه.

([12][12]) يقطين سعيد ، تحليل الخطاب الروائي، ص24-25.

([13][13])اوبرسفيلد، آن. خطاب الممثل: الايماء. فصول. مج (13) ع(4). 1995. ص128.

([14][14])يقطين سعيد ، تحليل الخطاب الروائي. ص26.

([15][15])المسدي، عبد السلام. الأسلوبية والأسلوب. ليبيا: الدار العربية للكتاب. 1997. ص110.

([16][16])عصفور، جابر. عصر البنيويّة. من ليفي شتراوس إلى فوكو. بغداد: دار الأفاق العربية، 1985،
ص269.

([17][17])يقطين، سعيد ، تحليل الخطاب الروائي، ص7.

([18][18])ناصف، مصطفى ، اللغة والتفسير والتواصل، سلسة عالم المعرفة، 193، 1995. ص332.

([19][19])المصدر السابق نفسه

([20][20])الجابري، محمّد عابد. الخطاب العربي المعاصر: دراسة تحليلية نقديّة، الدار البيضاء: المركز الثقافي الغربي-. بيروت: دار الطليعة، 1982. ص17 وما بعدها.

([21][21])المصدر السابق نفسه.

([22][22])حميد، رضا. الخطاب الشعري من اللغوي إلى التشكّل البصري. فصول مج(15). ع(2). 1996،
ص95.

([23][23])المصدر السابق، ص96.

([24][24])المصدر نفسه.

([25][25])المصدر نفسه.

الصفحة 11 من 15

  • 6
  • 7
  • 8
  • 9
  • 10
  • 11
  • 12
  • 13
  • 14
  • 15

المتواجدون الآن

157 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

البحث

اشترك في نشرتنا البريدية

انضم إلى مجموعتنا على Google لتصلك آخر الأخبار عبر بريدك الإلكتروني.

اشترك في نشرتنا البريدية

منطقة الأعضاء

  • تسجيل الدخول
  • كاتب جديد؟
  • نسيت كلمة المرور؟
  • نسيت اسم المستخدم؟
  • أرسل مشاركة

مهارات حياتية

  • الثقة بحكمك الخاص حين يكون الدليل غير مكتمل
  • لماذا لا يعني الأمان النفسي أن تكون مرتاحاً
  • طرح قلق حول نبرة شخص دون أن يصبح الأمر شخصياً
  • تطوير وعي ذاتي حول كيفية تأثير مزاجك على فريقك
  • التعرف على متى تُسقِط مشاعرك الخاصة على الآخرين
  • حين تشعر مبادرة الرفاهية بأنها استعراضية لا حقيقية
  • حين يتشابه الإنجاز العالي والإرهاق
  • إعادة بناء الثقافة بعد فترة نمو سريع ومربك
  • حين يبالغ عضو فريق في الوعود ويقصّر في التنفيذ باستمرار
  • إدارة الطاقة، لا الوقت فقط

مواقع شقيقة

  • منتديات مجلة أقلام
  • المرشد في الإداراة
  • الشاعر سامر سكيك