- التفاصيل
- كتب بواسطة: عبدالعزيز مرزوق المطيري
- الزيارات: 3
بسم الله الرحمن الرحيم
الحياة مودة ورحمة
المهندس / عبدالعزيز مرزوق المطيري
قال الشعبي :كنت جالساً عند شريح إذا دخلت علية امرأة تشتكي زوجها وتبكي بكاء شديداً.
فقلت : أصلحك الله ما أراها إلا مظلومة.
فقال له شريح : و ما أدراك ؟
قلت : بكائها.
قال: لا تفعل فإن أخوة يوسف جاءوا أباهم عشاءا يبكون وهم له ظالمون.
ما أريد قوله هو وإن بدأ لك من الوهلة الأولى أيها القارئ / القارئة انه ديدن بنات حواء وأنهن على كل صغيرة وكبيرة يذهبن ويشتكين وعلى أتفه الأمور وتأخذ شنطتها لتجمع أشياءها وتذهب حيث بيت أهلها . أقول قد يكون فيه شي من الصحة وللبعض وليس الكل ولكن ؟ انه ديدن بعض الرجال – تلك الثلة التي لم تعلم أن الزواج مودة ورحمة ولم يدركوا حقيقة العلاقة الزوجية السامية بل اعتقدوا أن الزوجة (شر لابد منه ) فتجده يدقق على أتفه الأمور ويقف عندها ويتصيد الأخطاء ويتلمس الزلات والعثرات وقد يكافئها في أواخر عمرها بزوجة ثانية تحرق ما تبقى من أمل في قلبها باستعادة علاقتها مع زوجها بعد ما تقدم به العمر وظنت انه قد كبر على تصرفاته التي تدل على ضيق تفكيره و محدوديته.
إن ما يحدث اليوم في كثير من الشعوب العربية والإسلامية من ارتفاع نسب الطلاق وكثرتها في جميع الأقطار العربية والإسلامية لهو شي جدير بالكتابة عنه بمداد من دم , والمتابع الدقيق لإحصائيات وزارت العدل والمحاكم ليرى أن نسب الطلاق اقرب ما تكون إلى أرقام فلكية مقارنة بوقت ما قبل الثورة الصناعية .
فأين يكمن الخلل والمشكلة ؟ لأن أتكلم عن الجنس الآخر لان لها نصيب الأسد من المشكلة وبمقدورها مجاراة الحياة الزوجية والسير بسفينة الحياة إلى بر الأمان إلا انه في حالات لا يمكن بأي حال من الأحوال للزوجة أن تقود هذه السفينة لان الزوج هو من يعمل على غرقها ويبحر بها إلى الهاوية وهم من سأتكلم عنهم .
إن التدقيق في صغائر الأمور والوقوف على توافهها لهو من اقوي الأسباب التي تنزع حب الرجل من قلب المرأة وتشعل نار الفتنة بينهما و كذلك كثرة استفزازها وجرح مشاعرها دون عذر يذكر أو كلمة لطيفة تندمل بها ولو قليلا من جراحها لهو مثل سكب البنزين على النار .
فلو أن الرجل إذا أخطاء في حق زوجته اعتذر منها في حينه لقضي على نسبة كبيرة من المشاكل الزوجية ولكن الرجل وخصوصا الرجل الشرقي يكابر وتأخذه العزة بالإثم معتقداً أنها تمس شيئا من كرامته ورجولته فتجده عندما يؤنبه ضميره على خطأه لا يفكر في الاعتذار ويترك الأمور عائمة حتى ترجع الحياة إلى نصابها بفعل الزمن وهذا ما يقتل العلاقة الزوجية مع مرور الوقت فلو اعتذر لكان خيراً له ولأولاده ولزوجته ولبيته ولمستقبله ولا يشترط أن يكون الاعتذار شفـــــهياً بكلمة (أنا آسف) فهذه الكلمة قد تكون على بعض الرجال أثقل من جبال السروات فإذا كنت من أصحاب النفوس الثقيلة التي لا تطيعه نفسه الأمارة بالسوء ويعجز لسانه عن نطق هذه الكلمة فليكن اعتذارك فعلياً بهدية أو رحلة محببة للنفس وسوف تفهم المرأة انه اعتذار بلغة أخرى وهو أسلوب اثبت فعاليته بالرغم من أهمية وجود الكلام المعسول ومداعبة العواطف والمشاعر .
فلقد أصبح الطلاق ظاهرة متفشية في المجتمعات العربية إلى درجة تؤرق كل ذي لب وفكر ولقد أضحى شبحا يهدد بيوت كثيرة لا تفه الأسباب والسبب الرئيسي هو عدم تفهم الزوجين لظروف الآخر فكل منهم يخضع لضغوط وتغيرات نفسية واجتماعية واقتصادية قد تؤثر كثيرا في مجرى حياتهم ومع ذلك لا تجد من يقدرها من الزوجين.
وعند وجود خلاف لابد من اختيار الوقت والمكان المناسبين للنقاش واستخدام الأسلوب المحبب للطرف الآخر للقضاء على المشكلة في مهدها ولا نجعلها تراكمات قد تنفجر يوما ما مخلفة دمار شامل لأسرة كاملة.
- التفاصيل
- كتب بواسطة: علياء المالكي
- الزيارات: 3
"القاهرة بيروت باريس" لممدوح الشيخ
سرد مختلف.. ..حدث مثير.. ..ورؤية جديدة للذات والآخر
علياء المالكي ناقدة مصرية
"القاهرة..بيروت..باريس" رواية للكاتب المصري ممدوح الشيخ الصادرة حديثا (2006) عن الدار العربية للعلوم ببيروت رواية صغيرة الحجم كثيفة المحتوى فيها جديد على المستويين، وأول ما يوحي به العنوان أنها رواية من أدب الرحلات لكن أحداثها في الحقيقة محصورة بين القاهرة وبيروت أما باريس فتحتل خلفية المشهد، وقد حاولت بناء صورة عن المبدع قبل الشروع في الكتابة عن الرواية فلفت نظري أنها جزء من رؤية معرفية وسياسية يتبناها الكاتب الذي يكتب عبر المسرحية والقصيدة والمقال السياسي والعمل البحثي، واهتمامه بباريس يتجاوز صفحات الرواية لينعكس في مدونة يحررها على الانترنت تحمل اسم "شؤون فرنسية"( ) يمكن وصفها بأنها "هجائية" منظمة لكل ما هو فرنسي! الرواية من روايات الجوائز إذ فازت بجائزة إبداعية مصرية هي "جائزة أحمد فتحي عامر" ورغم أن الكاتب يذكر أنها الأولى لكاتبها إلا أن النضج الذي تتسم به يجعل قارئها يرحج أنه قد سبقتها محاولات أخرى أو أعمال أخرى غير لكن غير منشورة.
على مستوى السرد استخدم ممدوح الشيخ آلية روائية جديدة تشبه سباقات التتابع وهي آلية تجعل الفكرة هي البطل الحقيقي للرواية فهي أشبه بالشعلة التي يسلمها متسابق لآخر فيختفي السابق ويحل اللاحق صدارة المشهد. الجزء من الرواية يتمركز حول شخصيات: فؤاد عبد القادر تاجر اللحوم المستوردة والعم شفيق الخطاط اللذين يدفعان الحدث الروائي إلى نقطة الذروة عبر خطأ غير مقصود يرتكبه عم شفيق عندما يكتب على المنتج الذي يستورده فؤاد عبد القادر "لحم بشري طازج" بدلا من "لحم بقري طازج" ليختفي كل منهما بطريقة مختلفة ويحتل واجهة المشهد بلا منهما بهي الأحمدي الصحافي الفضولي الذي يقرر تتبع القصة في بيروت بعد أن يكشف الخطأ غير المقصود عن وجود لحم بشري فعلا في المنتج، فيما يشبه زوالا مفاجئا وصادما للخيط الفاصل بين الحقيقة والخيال. في الوقت نفسه يظهر "البطل الشبح" شهاب علم الدين صديق بهي الأحمدي المختفي ليلعب رغم غيابه دورا رئيسا فغي الرواية عبر آلية التذكر. وبهذا التتابع فإن أيضا من الشخصيات الرئيسة في الرواية لا يمكن وصفه بأنه "البطل". من ناحية أخرى فإن شخصيتي العم شفيق "الخطاط" وشهاب علم الدين يقفان على تخوم الأسطورة رغم أن الكاتب أفلح في رسم ملامح شخصيتهما كشخصيات إنسانية من لحم ودم، فالأول خطاط من طراز نادر تكشف حواراته مع محسن الموظف بشركة فؤاد عبد القادر عن وعي ثقافي عميق، فمن بين حوارتهما الملفتة: . "ألم تجرب الكتابة بالكومبيوتر يا عم شفيق؟" فقال شفيق وهو يرشف فنجان القهوة: "جربت .. عندما ظهر كنت من أوائل من تعاملوا معه، وحاولت استخدامه في إنتاج لوحات تجمع بين دقة الآلة ورقة الإنسان، لكنني اكتشفت في النهاية أنه آلة .. .. آلة بلا روح".
اتسعت عينا محسن الجامعي نصف المثقف من الدهشة وهو يسمع هذا العجوز البسيط المظهر يتحدث عن الرقة والدقة والإنسان والآلة. وقطع العم شفيق دهشته: "لا تندهش يا بني .. .. أم أقول لك يا أستاذ محسن؟" واكتست ملامح محسن، رغم إحساسه المفرط بالانشغال وضيق الوقت، ببشاشة واضحة: "لا يا عم شفيق بل أنت الذي يستحق عن جدارة وصف الأستاذ .. .. تفضل أكمل كلامك". رشف شفيق رشفة أخرى من فنجان القهوة وأشار إلى لوحة معلقة على جدر المكتب خلف محسن وقال: "انظر إلى هذه اللوحة" والتفت محسن إليها، وشعر وهو الذي يقضي شطر النهار في المكتب يوميا لسنوات أنه للمرة الأولى يراها بوصفها لوحة، كانت نبرات عم شفيق في حد ذاتها دعوة يصعب رفضها للتأمل والتأني. وقبل أن يكمل شفيق كلامه دق جرس الهاتف.. . .. وفي حوار ثالث نقرأ: اندهش محسن وهو يسمع كلمات الرجل العجوز والدفء الغامر في أحرفها والعمق الشديد في معانيها: "ألهذه الدرجة تحب الفن يا عم شفيق؟" "الفن شيء نبيل يا أستاذ محسن، والنبل أجدر الأشياء بالاحتفاء في هذا العالم .. .. وهو من نتائج تكريم الله للإنسان .. .. وفي حدود علمنا فليس للكائنات الأخرى فنون".
وفي مونولوج داخلي للعم شفيق نقرأ: "الفن أنبل ما في التاريخ البشري" هذه العبارة التي سمعها شفيق من مُدرِّسه يوم التحق للمرة الأولى بمدرسة الخطوط العربية بشارع نوبار شابا صغيرا يبحث عمن يعلمه كيف يصبح خطه الجميل مصدر دخل يرتزق منه. ومرت السنوات قبل أن يعرف شفيق أن هذا الـمُدرِّس العجوز فنان عظيم أعطى عمره لفن الخط والزخرفة وأدرك في نهاية رحلته أن الزمن ليس زمنه فوهب عمره للحبر وقنع بأن ينقل شيئا من النبل للأجيال القادمة .. .. تحسست يده الخطوط والنقاط المتشابكة وتمتم: "الله يرحمك يا أستاذ حامد .. .. الله يرحمك ويسامحك".
وبدأ صوت داخلي ينساب في أعماقه مستعرضا رحلة العمر: "كان هدفك يا أستاذ حامد أن تضع على كاهل كل تلميذ من تلاميذك مسئولية الدفاع عن النبل في هذا العالم .. .. لكنك دون أن تقصد وضعت على كواهلنا الضعيفة كل التاريخ البشري .. .. ربما لم تتخيل أن يأتي يوم يتحول فيه الناس من جهل النبل أو تجاهله أو الاستخفاف به إلى كراهيته .. بل إلى الرغبة في قتله .. هذه هي الحقيقة يا أستاذ حامد . . . البشري أصبح كل طموحه أن يقتل بشريته ويؤكد حيوانيته" وفي حوار ثان بين الخطاط ومحسن نقرأ: "الآن أحسست بالبعد الإنساني فيه .. .. لأنه بشري، فيه قبس إلهي" هذا التزاوج بين الإلهي والإنساني يرتبط بالتقابل الواضح بين ما هو فطري و ما هو صناعي في حياة بهي الأحمدي، يقول ممدوح الشيخ على لسان الراوي: شخصية بهي الحقيقية تبدو أكثر في وضوحا في شقته فهي ممتلئة بالأشياء الثمينة لكن دون معنى، فهو مغرم بالأشياء العابرة .. .. الأصدقاء .. .. الأفكار .... النساء .. حتى علاقته بالصحافة التي تبدو الشيء الوحيد الثابت هي الأخرى بدأت بصدفة وما زالت علاقة هاو بهواية ممتعة. .. ..اتجه نحو المطبخ متثاقلا .. وقف أمام الحوض المعدني نصف الممتلئ بالأواني المستخدمة .. أمسك إناءً صغيرا .. .. سكب ما فيه من بقايا قهوة اليوم السابق .. وضع الإناء تحت الصنبور وأضاف البن والسكر دون حاجة إلى تركيز فقد اعتادت يده هذا الطقس اليومي .. .. وضع الإناء على النار ووقف ينتظر غليانه، فالقهوة بالذات لا تحتمل أي سهو في إعدادها حتى يكون لها "وش" يكمل تأثيرها البيولوجي في الجسد بالتأثير النفسي لطعم هذا الوش وسمكه. ويصف علاقة بهي بحياته قائلا: عندما قرر أن يعيشها كما هي وكما هو .. .. علاقات عابرة .. .. منبه يوقظ الجسد .. قهوة تركية غليظة القوام توقظ المخ .. ضوء صناعي للعمل ليلا .. .. ستائر كثيفة ليستطيع النوم نهارا . . . "ما بالنا نهرب من كل شيء طبيعي ونفرح بهذا الهرب فرحا أبله ؟". مد يده إلى فنجان من الخزف صب فيه القهوة وعلى وجهه علامات مزاج معتكر .. وضع القهوة على منضدة أنيقة عليها زخارف إسلامية محفورة حفرا غائرا. كانت القهوة بلونها البني القاتم تجعل الفنجان الأبيض يبدو كما لو كان حلقة بيضاء موضوعة على المنضدة، فاللون واحد تماما كأن المنضدة غمست في فنجان قهوة ضخم .
ترك فنجان القهوة وخرج من المطبخ إلى الحمام . . وفعلت "العكننة" الأثر نفسه الذي تفعله القهوة، فهي أيضا منبه قوي المفعول. .. ... ..استسلم بسعادة غامرة .. .. .. ..أغلق الدش وخرج من حوض الاستحمام ونظر في المرآة وقال بصوت مسموع لصورته في المرآة: "وما عيب الطقوس اليومية ؟.. ..إن هذا الحمام أروع طقس يومي عرفه الإنسان" وللحلم في الرواية دور مركزي رغم أنه يمر كالطيف فالصحافي الفضولي يزداد اهتمامه بالقضية بعد أن رأى في الحلم صديقه الغائب منذ سنوات والرجل الأعمال تملكه الرعب قبل أن يكتشف مثل كل الأطراف وجود لحم بشري في المنتج الذي يستورده بسبب حلم مخيف طارده قبل القضية بفترة.
الدور الفرنسي في الرواية يتكثف بالتدريج عبر لعبة اسدتعاء لا تخلو من مراوغة للقارئ فالصحافي الذي أصبح فجأة في قلب عاصفة من المفاجآت المربكة يقول مستسلما لحضور طيف صديق الغائب: "يبدو أنه لا مفر" .. اتجه إلى الدولاب وأخرج منه حقيبة قديمة تركها شهاب يوم غادر منزلهما المشترك لآخر مرة متجها لبيروت .. .. أوراق كثيرة لم يفكر بهي أن يقرأها أبدا، كان يخاف أن تتبدل نظرته للعالم بفعل أفكار شهاب التي كانت .. أحيانا تبدو غريبة .. وأحيانا متشائمة .. وأحيانا حادة .. وغالبا ما تكون خليطا من هذا كله. فتح بهي الحقيبة .. .. .. ..وبدأ يتصفح الأوراق لا بحثا عن شيء بعينه بل بحثا عن شيء لا يعرفه .... .. .. .. وبدأ يبحث في أوراق الشركة الفرنسية التي استورد منها فؤاد عبد القادر صفقته المشئومة، اسم الشركة: سامبل إتش كي (SAMBL.HK.) أسسها عام 1890 مجموعة من الشركاء بينهم الجنرال سانت أرنو أحد قادة الجيش الفرنسي المتقاعدين. تولى رئاستها عام 1911 ابنه بيير، وتحت رئاسته توسعت أعمالها خارج فرنسا.
ومنذ تولى رئاستها جورج بيير دي سانت أرنو عام 1955 وهي تدار من بيروت حيث اختار جورج أن يعيش. "ليس مجرد قائد عسكري متقاعد ضمن مجموعة مستثمرين إذن" تمتم بهي الذي أصبح دون أن يشعر يرى العالم بعيون شهاب علم الدين: "إنها ثكنة عسكرية فرنسية واصل قادة الاستعمار الفرنسي في الجزائر من خلالها حربهم لكن بطريقة أخرى وفضلوا التوقيع بالأحرف الأولى، فاسم الشركة مكون من الحروف الأولى من أسمائهم"، ومرت أصابعه على الأسماء: جي بليسيه سانت أرنو دي شانجارنييه إم هيريسيون جي مونتانياك إي لاموريسيير أر كافينياك .
شعر بهي أنه أمام جبل جليد عائم لم تكن تبدو منه إلا قمته الطافية على وجه الماء .. .. جبل جليد ضخم يكتسح كل ما يواجهه بلا رحمة .. .. ألقى الأوراق وفتح حقيبة شهاب كالمجنون .. أزاح الصور وقصائد الشعر بعيدا، وبدأ يقلب في مسودة كتاب كان شهاب مشغولا بإعداده قبل أن يتخذ قرار السفر لبيروت "فرنسا في الجزائر: رسائل الجنرالات والجنود" .. لم يكن في حاجة للبحث كثيرا فشهاب كان يعرفهم ويطاردهم ويجمع أدلة إدانتهم، حتى قبل أن يرتكب العم شفيق خطأه الذي نزعت صدفته القناع عن عالم بأكمله .. إنهم جنرالات الحرب الفرنسية السابقين في الجزائر. وهنا يلجأ ممدوح الشيخ لآلية سردية أخرى هي التوثيق التاريخي فكما تثير ملاحظة في نهاية الرواية فإن خطابات الجنرالات الفرنسيين الواردة في الرواية هي رسائل حقيقية منقولة بنصها نم مصادرها التاريخية: تسمر بهي على السرير وجاءه صوت شهاب مختنقا بعبرة بكاء حار: "كتب الكونت ديريسيون في خطاب إلى ذويه : لقد كان الزوج من آذان الوطنيين يساوي عشرة فرنكات .. لقد عدنا ومعنا برميل مليء بآذانهم التي قطعناها من الأسرى" .. .. وكتب مونتانياك: "لقد قطعت رأسه ومعصمه الأيسر ووصلت برأسه مثبتا على رمحي ومعصمه عالق ببندقيتي وقد أرسلته إلى الجنرال باراجوي الذي كان يعسكر بالقرب منا وإنك لا تتخيل كيف كان ابتهاجه بذلك، وكنت أحيانا أفرج همومي بقطع الرؤوس لا رؤوس الصبار بل رؤوس الرجال".
وكتب الجنرال سانت أرنو في خطاب إلى زوجته "إن بلاد بني منصر بديعة وهي من أجمل ما رأيت في أفريقيا فقراها متقاربة وأهلها متحابون، ولقد أحرقنا كل شئ ودمرنا كل شئ، .. الحرب !! الحرب !! أواه منها ما أكثر من هلك فيها من نساء وأطفال هاجروا إلى جبال الأطلسي فقضوا نحبهم فيها بين ثلوجها وبتأثير البرد والبؤس. .. .. إني أفكر فيكم جميعا وأكتب إليكِ يحيط بي أفق من النيران والدخان، لقد مررنا عند قبيلة اليراز فأحرقت أفرادها جميعا ونشرت حولهم الخراب، وأنا الآن عند السنجاد أعيد فيهم الشئ نفسه ولكن على نطاق أوسع. لكأني في سرداب تكثر فيه الخيرات, وفي رسالة أخرى يقول "ما أجمل أشجار البرتقال التي سأعمل الآن على اقتلاعها إني أنشر اليوم الحرائق في ممتلكات ابن سالم وقراه".
ومن "البراني" إلى الجوانبي لا يهمل ممدوح الشيخ التحولات النفسية التي يمر بها بهي الأحمدي يالتوازي مع تطور الحداث، يقول على لسان الراوي: أصبح الفراش الوثير أقرب إلى قفنذ ضخم . . . تقلب بهي. . . وتزاحمت الأفكار والمشاعر واستسلم لعالم الدم الذي دخله على غير موعد، هو الذي فر من عالم البزنس مع أبيه بحثا عن مهنة أكثر بريقا وإنسانية قادته تداعيات هذا اليوم العجيب إلى عالم من الأساطير المرعبة يقود بعضها إلى بعض. ورغم أن عالمه كصحفي هو ما يحدث الآن إلا أنه لم يستطع منع نفسه من الإمساك بالخيط الذي عثر عليه في أوراق شهاب ومن الواضح الآن أنه خيط متصل يجمع سانت أرنو وحفيده جورج بيير دي سانت أرنو. .. .. .. ..أصبح أكثر انشغالا لكن أكثر سكينة ويقينا. وفي موضع آخر يقول: غرق بهي الأحمدي في أوراق شهاب علم الدين فابتلعته وفتحت مسام عقله لشبق ضخم للمعرفة.
كان السفر مغامرة مهنية للبحث عن المتاعب والمال والشهرة وأصبح لفحة نارية من الحنين أحرقت العاشق الذي دخل عالم العشق ببراءة ساذجة كبراءة الفراش. اختار بهي في لحظة واحدة أن يحرق جسر التنهدات الذي التهم أكثر من عشرة أعوام من عمره وأن يعبر جسر القلق الذي فتح بابا للمجهول والخطر وربما الموت .. .. وفي موضع آخر يقول واصفا ما مر به بهي من معاناة: "كيف يفقد العالم بهجته وجماله هكذا في لحظة .. .. كيف يبدو وحشيا قاسيا هكذا بلا أقنعة؟" اصطدمت عيناه بفتاة جميلة شقراء جلست بجواره دون أن يشعر وهو في شروده القصير .. .. استيقظت حواسه فشم العطر الأنثوي المثير .. .. وجال ببصره من خصرها الذي يحيط به حزام الأمان إلى ساقيها البيضاوين المشربين بلون وردي شفيف، واستدار كأن شيئا لم يكن. كانت مثل هذه المصادفة في وقت آخر كفيلة بأن توقظ القناص القابع في أعماقه .. .. لكنه فجأة فقد كل مواهبه في القنص والصيد ونسي نصب الفخاخ .. وهكذا الإنسان إذا زهد فلم ير في فريسته إلا قطعة لحم: "أه كم أصبحت هذه الكلمة مرة !!" كان مشهد الأنثى يبعث في نفسه بهجة ونشوة سحريتين .. .. ولأول مرة يشعر أن النزال حُسم لصالح شهاب علم الدين .. حسمه وهو غائب عن ميدان العركة بالضربة القاضية. لكن المهزوم هذه المرة لم يشعر للهزيمة بمرارة، بل كانت ميلادا جديدا .. ولكل ميلاد مخاض .. ولكل مخاض ألم. وفي نقلة أخرى يستخدم الروائي الشعر لتهيئة القارئ لمرحة انتقال الأحداث من القاهرة إلى بيروت فيورد جوءا من قصية له عنوانها "بيروت": بيروت سيدةٌ تعطر مفردات قصيدتي وتنام فوق دفاتر الذكرى إذا ملت عيون الثاكلات من البكاء .. .. بيروت يا أجمل الأحلام في صحو وفي نوم ويا شرف القبيلة يا جرحنا الدامي وطفلتنا الجميلة أحرقت أطفال المخيم كلهم من أجل من ؟ وسرقة خارطة البلاد وشارة اللقيا وأغنية الوطن وتركتنا جزرا مشتتة وأحرقت السفن . ومرة أخرى يستحضر شخصية – يشير في نهاية الرواية إلأى أنها شخصية حقيقية – هي شخصية الشاعر المصري صلاح الدين عبد الله مستخدما إحدى براعياته الشعرية استخداما موفقا يقول الشاعر: أنا عمري ما شربت الخمرة هاتقوللي عفة؟ ها أقولك لأ لكن أخاف اسكر مرة أغلط وأنطق كلمة حق".
ويعقب ممدوح الشيخ بعد هذه الأبيات: اختلطت الأزمنة والأشياء وصارت الأفكار خارج نطاق السيطرة فاستسلم بهي لحالته وتمتم: "أكيد يا عم شفيق أنت أيضا تخليت عن حذرك وشربت خمرا فأخطأت ونطقت كلمة حق .. .. لكن كلمتك لم تتسبب إلا في شقائي أنا". وإذا كان الكشف عن حقيقة اللحم البشري الذي يتم تعليبه الذروة السردية في الرواية فإن الذروة المعرفية تكون عند لقاء الصحافي الفضولي بهي الأحجمي مسئول من الشركة الفرنسية في بيروت، وهو ما يصفه قائلا: قاده السائق إلى مكتب الاستقبال فاستمهله الموظف لدقائق.. ..جلس على مقعد جلدي أسود فاحم مريح بجانبه منضدة صغيرة عليها منفضة سجائر وشعار معدني للشركة وكتيب تعريفي معد بعناية.. كانت الدقائق التي قضاها كافية لأن يتأمل التناقض بين البريق الأخاذ للأشياء ومعانيها، وتذكر ذلك الشيخ الجزائري الذي قيل له إن الفرنسيين جاءوا الجزائر لنشر الحضارة فقال في عفوية مذهلة: "ولماذا أتوا بكل هذا البارود؟". وفي لغة باردة تحدث الموظف اللبناني المتفرنس فقال: "الذي حدث مسيو بهي خطأ إداري واجهناه بكل حسم ، والذي حدث أن منظمات إغاثية عديدة دخلت مخيم صابرا وشاتيلا بعد الكارثة وكانت الحالة مأساوية" وفي إدانة واضحة للحرب الأهلية اللبنانية يقول الروائي ممدوح الشيخ على لسان الموظف المتفرنس: "الحرب نحن لم نصنعها .. بل صنعها اللبنانيون مدعومين بأطراف عربية وغير عربية" وتحدث الرجل بتحد: "أرجو ألا تنسى أنهم في حرب المخيمات كان هناك لبنانيون يحاصرون إخوانهم اللبنانيين وأن المحاصرين أكلوا لحوم الكلاب والقطط ،.. وفي آخر الشوط استصدروا فتوى دينية للموجودين تحت الحصار في حرب المخيمات تجيز لهم أكل لحوم البشر". .. .. .. .. .. .
عادت لهجة الفرنسي المتعرب إلى هدوئها وبدأ يبني على المقدمة السابقة موجها كلامه لبهي بلهجة تقريرية لا تخلو من تودد: "نحن شركة تجارية، وقد اكتوينا بالحرب ربما أكثر من غيرنا، دورنا في المخيمات كان إنسانيا محضا لم تكن وراءه أية أبعاد سياسية أو تجارية". "أكمل" قالها بهي وهو يجلس متأهبا لسماع كارثة أبشع من كل ما سمع وكل ما تخيل. "الحالة في المخيم كانت بالغة البشاعة والجثث كانت أكواما .. طلب منا ، كشركة تعمل في مجال حفظ اللحوم ونقلها أن نقدم معاونة لم نتأخر فيها .. وخلال أيام كانت الجثث تملأ ثلاجاتنا .. كانت هناك ضرورة بيئية في المقام الأول".. .. .. .. .. .. .. "بعض الجثث استخدمت في تجارب تتصل بحفظ اللحوم دون علم إدارة الشركة .. .. تجاوز في استخدام الصلاحيات من إحدى الإدارات الفرعية". وبشكل لا شعوري تقلصت معدة بهي وانعكست حالته على ملامح وجهه الذي اكتسى بلون الدم واحتقن احتقانا شديدا .. .. وبدأ بهي يتقيأ بعنف. .. .. .. .. بقي في غرفة مجاورة حتى انتهت الإسعافات الأولية .. أفاق بهي وجاءه بعد قليل الفرنسي المتعرب يرمقه بنظرة هي خليط من الإشفاق والازدراء، وبادره قائلا: "نحن ندرك شعوركم الطاغي بالاختلاف عنا .. . . ولهذا فضلنا أن نصدر الجزء الأكبر من هذه اللحوم الناتجة عن مشروع تجريبي إلى الدول الأوروبية كمعلبات مخصصة لتغذية الحيوانات الأليفة . . . . والجزء القليل الذي صدر إلى بلادكم جاء إليها عبر مافيا معروفة تشتري منتجات مماثلة من الأسواق الأوروبية بأسعار زهيدة وتعيد تغليفها وتصديرها" استدار الفرنسي المتعرب وأطلق عينيه خارج النافذة مستطردا: ".. وفي النهاية، هذا الخطأ الذي أثارك لدرجة القيء يا مسيو ثمن طبيعي للتقدم .. .. فلا تقدم دون ثمن وتضحية وقسوة. . . طبيعتكم العاطفية من أهم أسباب رؤيتكم السلبية لنا . . . نحن نجرب فنصيب ونخطئ . . . وبالتالي نتقدم .." ثم حدق في عينيه متحديا: ".. أما أنتم فالزمن يتجاوزكم وأنتم مقيدون بقيود العاطفة والقداسة. . . .إنني أحدثك باعتبارك مثقفا سيعي معنى ما أقول" .. وصمت بهي للحظات .. .. ثم بصق في وجهه !! عند هذه الذروة انتهت الرواية فعليا عندما رأى بهي الأحمدي الوجه القبيح للعلمانية الأوروبية دون أقنعة!
- التفاصيل
- كتب بواسطة: سامي الأخرس
- الزيارات: 3
اضرب الفخار يبان عيبه
سامي الأخرس
علمتني جدتي رحمها الله مثلاً شعبياً وتركتني أسيراً في قيده" اضرب على الفخار يبان عيبه" ومنذ ان سمعت هذا المثل وفسرت مايحتويه من معان وأهداف، تملكتني اليقظة بأن كل وطننا العربي مصنوع من فخار، عندما تضرب على جانب منه يبان عيبه، وينكشف ضعفه وهشاشة بنائه الاجتماعي والسياسي، والاقتصادي، حيث تفسخ النسيج الاجتماعي العربي عامة، ذلك النسيج الذي كان يشكل كلاً واحداً، إذا اشتكى منه عضو تداعت له سائر الأعضاء، فأضحى الحال في الوقت الحاضر يبتر العضو تلو الآخر، وباقي الأعضاء لا تشعر ولا تحس، كمن انقطع عنها وريد الدم المشترك، وتلاشت بين أشعة الشمس روابط الدم والعقيدة واللغة والانتماء. كما تفكك النسيج الاجتماعي في البلد الواحد، فالأخ لا يشعر بأخيه، والصديق لا يبالي بصديقه والابن يدير ظهره لأبيه، قال عليه أفضل الصلاة والسلام ( مازال جبريل يوصيني بالجار ، حتى ظننت أنه سيورثه ) أما الحاضر المعاش فالأخوة يتنكرون لبعضهم البعض في الميراث الشرعي وروابط الدم..
أما سياستنا فالحال أسوأ من الحالة الاجتماعية، حيث تقوقع كل بلد عربي خلف حاكمه والسياسة التي يتبعها شارداً مهموماً لا حول ولا قوة له، وطغت اللامبالاة، وتبلدت المشاعر وانتشر وباء الجراد البشري ليلتهم قطع الخريطة الجغرافية العربية واحدة تلو الأخرى والأمة العربية تتقوقع وتتكدس خلف حدودها الصناعية بلا إحساس أو مشاعر، وتحولنا كالشاة التي تنتظر دورها على مذبح الموت لاتملك سوى التنديد والاستنكار والشجب.. وطنُ بجغرافيته ومقوماته الحضاريه والعلميه والتاريخية، تحول لمادة فخارية نخرتها الهشاشة،فإن هويت عليها بكف اليد تهشمت وتحولت لرمال مفتته تتبعثر ذراتها بين النسيان والموت . فما سبق تناوله نتاج حقيقي وفعلي لجيوش الفقراء والمقهورين والمظلومين والمتسكعين بغياهب البطالة من شباب هذه الأمة، في الوقت الذي تنهب خيرات الامه بعمليات مبرمجة تحت مرأى ومسمع أمة المليون وأمة المليار معاً.. كلام مكرر، أصابنا بالرتابة والملل لدرجه الشعور بالغثيان والتقيؤ مما نحن نعيش في أعماقه، وبين مخالبه... نستذكر الحالة فنعيد تنميق الكلمات وصياغتها بقالب جديد، ونضفي عليها جماليات اللغه لنخدع أنفسنا وشعوبنا، ونواصل السقوط والخضوع لإرادة الموت الغير طبيعي.. تتأمل جموع الشباب العربي من المحيط إلى الخليج تجد شباب متحمس مؤمن بقضاياه، يتفجر حماسة وانتماء يبحث عن تفريغ شحناته الوطنية والعقائدية فيصطدم بصخرة الواقع العربي، وتتقوقع أحلامه وآماله، وتتبخر حماسته، فيهرع لأحضان الغرب والهجرة كملاذ واق من الموت النفسي.. أمة انقسمت إلى احزاب وطوائف تنهش باعراض بعضها البعض، وتتسابق لممارسه انواع الدجل والنفاق السياسي والديني والعقائدي، استباحوا حرمه النفس الإنسانية التي نقف أمام أرقام الموت اليومية دون اهتزاز شعرة في جسد أحدنا، في الوقت الذي نتباكى فيه على من ينتقد موقف او سياسة وتزلزل الأرض تحت الأقدام.. إنها صناعه التحديث الفكري والثقافي المستوردة من معلّبات الزمن الجاهلي، ولا نتنازل عن مقولة للبيت رب يحميه، فإن كان رب البيت قد حماه فهل سيحمي البيت دوماً والأمة المسؤولة عن البيت لاتبالي بالبيت، فاليوم للأقصى ربُّ يحميه وللبيت ربّ يحميه، فمن سيحمي أهل البيت؟؟ الخطاب السياسي أضحى سلعه استوزاريه او سلطوية يستعمله أولئك ممن أغواهم الجاه والسلطان ليدعموا به جبروتهم السلطوي، يمتلكون المال ويدعموه بالخطاب السياسي، مستغلين جوع وفقر الأمة وحالتها.. يبيعون الأوهام بزجاجات عطر فرنسيه ساحرة.. فما ان يتدارك المواطن العربي خيبته حتى يكون قد سقط فريسة لكرسي الحكم.. انها الرتابه المملة، لغة عصرنا، اغتصاب فلسطين وانشغال أهلها في تشكيل حكومه كرتونيه لاتملك سوى اضطهاد وتجويع شعبها، وعراق يصارع الموت في الطائفية والموت ، والصومال حيث تكدست به الأسلحة وأطفاله يتساقطون صرعى الجوع، والسودان ولبنان واليمن وليبيا، والجزائر ووووو الخ... من حبات اللؤلؤ.. ويتحدثون عن اسباب تفجير شاب مغربي نفسه بمقهى انترنت دون سبب أو مبرر، ويتحدثون عن تطرف أو انحراف... الخ.. والجواب لدى هذه الأمة التي لازالت تبحث عن طوق النجاة، وهو بأيديها وتستطيع العبور به إلى الحرية والكرامة والشرف وتعيد أمجادها...
- التفاصيل
- كتب بواسطة: سيد يوسف
- الزيارات: 3
فى التعديلات الدستورية : مشاركة أم مقاطعة؟
سيد يوسف
بعد أن تأكد للناس فى مصر أن التعديلات الدستورية المرتقبة هى مؤامرة يتدبر أمرها لجنة سرية تسمى لجنة السياسات وتهدف إلى التوريث وكأنه العقد المكتوب بين الشعب وبين الرئيس الجديد ، ويصرخ منها الأحرار فى مصر، ولا يعرف عنها شيئا عامة الناس فى بلادى اللهم إلا أنها بهدف التوريث وبأنها لتكريس الاستبداد وبأنها تمهيد للصوص أن يسرقوا بالقانون وبأن يحتموا بالقانون دون معرفة بتفصيلات المواد المقترحة ... نقول بعد أن تأكد للناس كل حسب فئته بعض ذلك فإن ما يشغل بال كثير من الناس فى مصر الآن الموقف من الاستفتاء حول هذه التعديلات...هل يشاركون فيها أم يقاطعونها؟هل نكفر ما أعطانا الله من نعم كاليد والعقل فنعطيها للمزورين يزورون إرادتنا بأنفسهم فيزورون أصواتنا حين نقاطع الاستفتاء؟وهل من الحكمة أن أكون أداة لمزوري الإعلام حين يقولون إن الناس قد أقبلت على المشاركة ووافقت على التعديلات ويُظهرون للناس إقبالا منقطع النظير وهم فى الحقيقة يزورون إرادة الأمة؟ ولماذا قاطع الناس الاستفتاء حول المادة 76 من قبل ثم هم يقبلون على المشاركة فى التعديلات المرتقبة؟! المقاطعة... لماذا؟؟والمشاركة... لماذا؟من أين يبدأ الطريق؟؟
المقاطعة ....لماذا؟
يحسن أن نجمل آراء المقاطعين للمشاركة فى التعديلات الدستورية المرتقبة فيما يلى بلا شرح لدواعى الاختصار:
1/ لدى معظم المصريين قناعة بان التعديلات الدستورية المرتقبة لا يمكنها أن تغير من الأوضاع... وهذا حس شعبى عام، والحس الشعبى قانون قلما يخطئ...ومن ثم فالمشاركة هى بمثابة تعزيز لصورة النظام أمام الإعلام الدولى وكاميرات الفضائيات...وبهذا فالمشاركة هى فرصة لتجميل وجه النظام ...وكأننا بهذا نعطى العريان كرافتة يتجمل بها.
2/ فى المقاطعة فوائد عدة منها: تفعيل الإجماع الوطنى الذى تبنته معظم حركات التغيير الناشئة، ومنها تعرية للنظام أمام نفسه وأمام العالم، ومنها تعرية لمؤيدى النظام وإظهارهم وكأنهم صوت نشاز وسط جمهور الأمة.
3/ تعد المقاطعة بمثابة رفض سلبى للتعديلات الدستورية.
الخلاصة إن المقاطعة تهدف إلى تعرية النظام وعدم إضفاء الشرعية المزعومة له أمام المجتمع الدولى، هذا بالإضافة طبعا لعوامل أخرى تقدر حسب كل اتجاه أو حركة أو حتى بعض الأفراد.
وماذا عن المشاركة؟
كان صوت المقاطعة هو النغمة التى تتسق مع موقف يوم الاستفتاء على المادة 76 من قبل،
ويعلل المؤيدون للمشاركة مع رفض الاستفتاء بما يلى:
1/ العجز عن إيجاد البديل المناسب ومن ثم فإن رفض التعديلات هو بمثابة رفض ايجابى ولماذا نلجأ للرفض السلبى طالما كان بمقدورنا الرفض الايجابى؟!!
2/ حتى لا يكون المقاطعون عونا للمزورين على التزوير فغياب الناس مدعاة لتزوير أصواتهم.
3/ المشاركة ايجابية بخلاف المقاطعة فهى سلبية.
والخلاصة تهدف فكرة المشاركة إلى التفعيل وعدم السلبية، وإن كانت هناك آراء أخرى تقدر بحسب الأفراد والحركات والاتجاهات .
ملاحظات وخاتمة
1/ نلاحظ أن هدف المؤيدين والمشاركين واحد إلى حد ما، وهو تعرية النظام غالبا، وإن اختلفت وسيلة كلٍ وهذا مقبول لكن الأفضل أن يتفق المعظم على خط واحد ثابت وكيف يتحقق ذلك والحركات لم تتحد؟!!
2/ هناك روح عامة بأن تحقّق التغيير عبر التعديلات الدستورية هو بمثابة حلم أو ترف لا نملك ثمنا له... ولقد يأس كثير من الأفراد والأحزاب من وقف تلك التعديلات عبر المناقشات وإقناع نظام الحكم عندنا.
4/أين تكمن مشكلتنا؟هل فى الاختلاف؟هل فى المصالح ولو على حساب الوطن؟هل فى غياب الضمير؟هل فى غياب العقل المفكر والمشخص لمشاكلنا؟هل فى أمراض القلوب التى تحول دون اتحاد بعض الحركات من أجل وحدة ومصلحة الأمة؟هل فى النقص الحاد فى وعى جمهور الأمة؟
لا شك أن الإجابات متنوعة تحمل فى طياتها بعض ما سبق ولكن التغيير الحقيقى ينبع من قاعدة الهرم لا من قمته...علينا بتوعية الناس المطحونة والتى سوف يشارك كثير/ أو قليل منهم فى تلك التعديلات كل على حسب مزاجه ساعتئذ، وهذا الوعى يحتاج إلى سنين وعقول وبرامج واتحاد وضمير وأحزاب فاعلة وأخلاق تعلى من مصلحة الوطن ولو على مصالحها الشخصية...ومن ثم نقول إن الطريق طويلة لكن من هنا يبدأ الحل ولا يستعجل البعض فالأمة أمامها عوائق كثيرة لا تقوى على تحملها إلا بوعى جيد وأخلاق فاضلة وضمير حى وعقل يقظ.
5/ من هاهنا فإني أرى( وهى وجهة نظر خاصة) أن مجهودنا ليس أمام صناديق الاقتراع فالنتائج الآن محسومة سلفا... لكن حين يوجد وعى بصير فإن النتائج ستكون محسومة سلفا فى اتجاه مصلحة الوطن...ولكن لا مناص من عمل ما ينبغى عمله قدر الاستطاعة ومن هنا نوصى بدراسة اتخاذ تلك التدابير
* استقالة أعضاء مجلس الشعب والمستقلين والغيورين على مصلحة البلاد قبل التصويت على تلك التعديلات كإشارة إلى رفض تلك التعديلات المشبوهة.
* التوحد حول رفض المشاركة فى الاستفتاء على هذه التعديلات عبر مقاطعة الاستفتاء على تلك التعديلات.
* تشكيل لجان مراقبة من منظمات المجتمع المدنى وبعض الأحزاب لفضح التزوير المرتقب
( ونحن لا نحاكم النيات لكن تاريخ النظام فى التزوير لا يشى باحتمالية غير ذلك)
* على القضاة الامتناع عن الإشراف على تلك التعديلات المشبوهة وعلى حركات المجتمع المدنى أن تؤيد مطالبهم...مع حث الناس على ذلك.
* رفع قضايا ضد التزوير حين حدوثه والاستمرار فى تفعيل هذه القضية حتى يفصل القضاء فيها...الخ
سيد يوسف
- التفاصيل
- كتب بواسطة: م. زياد صيدم
- الزيارات: 4
تناقلت مؤخرا كثيرا من الصحف المكتوبة والمقروءة أخبارا محزنة ومبكية عن سوق فراس خاصة بعد الحادثة الفريدة التى عرض فيه أحد المحتاجين من الآباء أولاده للبيع ؟!، فلم تكن الحادثة تمثل واقعة جدية بالمعنى الذي تناقلته وسائل الإعلام المختلفة، ولكنه بالجزم كان تعبيرا صادقا على تردى الوضع الإقتصادى العام في القطاع ....هذا السوق القديم الواقع في قلب مدينة غزة ، غرب مبنى البلدية مباشرة يبعد مسافة 300 متر عن المحطة المركزية لسيارات الأجرة التي تنقل الركاب إلى باقى مناطق قطاع غزة...وهو يحاذى شارع عمرالمختار من ناحية الجنوب وهو أكبر شوارع مدينة غزة وشريانها التجارى الرئيسى الذي يخترقها من الشرق إلى أن ينتهى غربا حيث شارع الرشيد على البحر. لا يختلف كثيرا عن الأسواق الشعبية التخصصية في عالمنا العربى عامة من حيث تنوع المعروضات ورخص أثمانها ، إنه سوق تخصصى بمعنى الكلمة بتفرعاته المختلفة كل منها يحتوى على أصناف متشابهة فنجد فيه سوق الأقمشة والسجاد والملابس وسوق للأخشاب والأثاث...وسوق للأسماك المثلجة والطازجة وسوق للخضار والفاكهة وسوق للروبابيكيا بأنواعها ،ونجد أيضا سوق للخراف واللحوم والدواجن وأسماك الزينة والطيور و سوق آخر لجميع الأجهزة الكهربائية و...الخ. إلا ما ندر وتميز عن أقرانه من الأسواق الشعبية في عالمنا العربى !! كما سنرى لاحقا. المهم قطعنا أنا وصديقى أقساما من السوق للوصول إلى قسم نبحث عنه فريد من نوعه حقا ألا وهو ناحية متخصصة في بيع أجهزة الجوال (الموبايل) المستخدمه فأصحابها إما يرغبون في تجديدها بأنواع أحدث منها أو بيعها نتيجة الحاجة والعوز، فقد ادخر إبنى يوسف( 13 عام) مبلغا وأكملت له الباقى وأراد شراء جوال الباندا بكاميرا فكان له ما أراد فهو متفوق بمدرسته وعنده وعى واضح وطموح أشجعه عليه. أكملنا جولتنا وإذ بصديقى يهمس لي لنذهب من هنا لأريك قسما آخر مستحدثا !! فقلت هيا بنا واخترقنا جموع من الناس والبائعين حتى انتهى بنا المطاف إلى شباب متزنرين بأسلحة رشاشة منهم الجالس قرفصاء ومنهم على كرسى ومنهم من انزوى على ناحية ملقيا ظهره على حائط فقلت لصديقى وهل نحن مشتاقون لرؤية المسلحين يا محمد ألا بكفينا..!! وأدرت وجهى قاصدا العودة وإذ به يوقفنى قائلا تمهل يا أبو يوسف هؤلاء ليسوا ممن تعرفهم... كلهم هنا لبيع ما بحوزتهم انظر جيدا وأنت تعرف ذلك...فتوقفت متمسمرا مذهولا، وقلت هل تمزح؟ كان سؤالا سخيفا له ...مشيت متفحصا ما بأيديهم وكأنى أبحث عن شيىء ما غير ما بحوزتهم من رشاشات متنوعة تلمع بزيتها فهي مهيئة للبيع حقا...وإذ بأحدهم يرقبنا وقد اهتم لنا فاقترب قائلا تريدون مسدسات أجبته لا وماذا عندكم غير هذا الذي تقول والذي أراه فتبسم ابتسامة الفصيح وكأنه عرف ما نريد فقال تعالوا إلى ناحية وأخرج من شوال كان قد تركه مع أحدهم بضع أنابيب ( أكواع ) وهى قنابل محلية الصنع فضحكت وأنا أقول لصديقى مازحا قد تكون هذه من صناعة أخيك علاء، أشعلت سيجارتى بعد أن فهم الفصيح أن هذا ليس بطلبنا فأخرج من كيس آخر قنابل وقال ضاحكا هذه مستورده فضحكنا سويا وبدأت بتفحصها ...نعم كانت صناعة إسرائيلية وروسية الصنع شيىء لا يصدقه عقل..... فأجبته متداركا للموقف فالوضع أصبح جديا وليس مزاحا...قائلا الحقيقة أننا نبحث عن تلسكوب قناص بمواصفات كذا وكذا...هل نجده عندكم؟؟؟ هز رأسه مقتنعا فأجاب لا يوجد الآن أما في الأسبوع القادم مثل هذا اليوم تستطيع أن تجده معى وسأكون بانتظاركم...وتركناه عائدين وقبل مغادرة هذا القسم العجيب توقفت بجانب أحدهم كان يحمل ضمة من( ليس ببقدونس أو جرجير) وإنما من طلقات الكلاشنكوف فتفحصتها وفعلا أغلبها جديدة من إنتاج التسعينيات وكانت خليط من صناعة مصرية وروسية وسودانية.... فأخذت منها ما تيسر عوضا عن الطلقات المحسوبة التي أهدرها إبنى أحمد (12 عام) في الهواء ابتهاجا وفرحة بليلة توقيع صلح مكة ،عندما أصر أن يكون البادىء الأول بالعزف احتفالا في الحى قبل أن يتبعه الآخرين، وتلحق بهم دموعنا إلى الشوارع فيما بعد نحن الكبار سويا من مختلف الاتجاهات والتيارات السياسية. تابعت التجوال مع صديقى وأنا وللحقيقة لست مذهولا مما رأيته فهذا أمر يحدث بشكل عادى في زمن الحروب وعدم الاستقرار الذي تعودنا عليه ولكن تحديث وتجديد أقسام الأسواق حسب مقتضيات الزمن هو ما يلفت نظرك حقيقة فصدق المثل القائل " الحاجة أم الاختراع " ....خرجت و قد ارتسمت على وجهى ابتسامة لم أتبين طبيعتها حتى اللحظة..!!! فقد كانت جولة ما بين الحقيقة والخيال.
- التفاصيل
- كتب بواسطة: معمر منير العاني
- الزيارات: 4
كلامنا بين الفصحى والعامية
معمر العاني
من المعلوم أن في كل أمة، بل في كل دولة من الدول لغة فصحى وبجانبها لهجات عامية محلية (إن لم يكن العكس) والتي يجري التعبير عنها مجازاً بأنها (اللغة الثانية) إلى جوار اللغة الفصحى، وهناك خلاف بين اللغويين والإعلاميين والأدباء والأكاديميين والشعراء حول موقع كل من الفصحى والعامية في العصر الحاضر في ظل العولمة وسيطرة القنوات الفضائية واستخدام لهجات متنوِّعة، مما أدى إلى ظهور نوع جديد من اللغة ليست عامية ولا فصحى، بل هي وسط بين هذه وتلك.
وتساءل البعض: هل الصحيح أن تكون الفصحى وحدها لغة الإعلام؟ فرأى فريق من المختصين ضرورة الرجوع إلى الفصحى وتدريب العاملين في الإعلام وإعدادهم إعداداً جيداً لاستخدم الفصحى دائماً في الإعلام، نظراً لأنها اللغة التي يفهمها كل الشعوب العربية من المحيط إلى الخليج، وطالب أن تتخذ الحكومات موقفاً حاسماً في طريق ذلك للحفاظ على هويتنا وقوميتنا والواقع أن هذه الازدواجية اللغوية أمر بالغ الخطر، إذ إن الاهتمام بالعامية ومحاولة الإكثار من استخدامها له مخاطر على الفصحى لسهولة العامية ومرونتها وقدرتها على استيعاب كل أجنبي دون تمحيص أو تدقيق، فأصبحت هناك لغة تتردد على ألسنة الشباب، لا هي عربية خالصة ولا أجنبية ولا شرقية ولا غربية أي لا هوية لها، لهذا فمن الخطورة بمكان أن يستخدمها بعض المثقفين من خلال إقحام بعض المصطلحات الأجنبية في أحاديثهم وكتاباتهم، حيث يلوكونها في أشداقهم متباهين بالانتماء لثقافاتها،
وما لا شك فيه أن هذه القضية ليست قضية سهلة، بل لها أبعاد كثيرة، فقد اهتم الغرب بدراسة العاميات أو اللهجات العربية منذ زمن قديم، وكان لذلك بواعث كثيرة لعل أبرز هذه البواعث من أهمها ما يتصل بالتبشير ويتعلق بالاستعمار والندوات والمؤتمرات التي تتناول العامية وتجعلها حيَّة متحركة غير جامدة وبذلك تفقد اللغة الأطر البلاغية والبيانية .
لذا نقول أن وجود اللغة الثالثة يعد من أهم وسائل التقريب بين الفصحى والعامية، لأنها اللغة العربية السهلة والميسرة التي يفهمها العامة والخاصة، ووجودها في المجتمع مع الالتزام بضرورة أن ترقى لتقترب من الفصحى ولا يندرج في مصطلحاتها وألفاظها مصطلحات أجنية إلا ما عرّب منها، سيساعد على استيعاب أشكال الحضارة الحديثة وجوانبها الاجتماعية والاقتصادية والفنية. ولكنني أرى في النهاية أن اللغة الثالثة التي أقصدها ليست لغة بجانب اللغتين الفصحى والعامية قائمة بذاتها، بل هي لغة تستند في أسسها وضوابطها على اللغة الفصحى، مما يؤدي إلى وجود فصحى واضحة ومبلغة لمضمون رسالتها، (فاللغة الثالثة) المقصودة عندي هي الفصحى في ثوبها السهل الجديد الذي يكون في متناول الجميع، فالواقع أن هناك لغة عربية فصحى واحدة ولهجات محلية وليست لغات محلية متعددة، لهذا يجب الارتقاء باللغة الفصحى باستعمالها وتبسيطها بعيداً عن التكلف .
وقد نتساءل بعد ذلك عن حقيقة (الفصحى) ما هي ؟ وغاية ما يمكن أن نقوله هو : أنها مستوى من الأداء اللغوي ملتزم بالنمط القرآني، حفاظاً على شكل الكلمة العربية وزناً ومعنى، ووصلاً ووقفاً وضبطاً والتزاماً بالمعجم الذي يشير إلى الجائز والممتنع، مع عدم تجاهل ما أوصت به المجامع العربية اللغوية.
ولعل من عجائب القرآن أن تقوم بحفظ وإتقان أدائه ألسنة أعجمية لم تذق حرفاً عربياً، ومع ذلك نجد أطفالاً وشباباً، ذكوراً وإناثاً يحفظون عن ظهر قلب، بل ويجيدون أداءه بأحكام التجويد، وهم لا يفهمون جملة واحدة من جمله، أو آية من آياته.
فاللغة كائن حي يتطور باستمرار، تموت منها ألفاظ وتتولد ألفاظ جديدة، و بالاحتكاك باللغات الأخرى يتم التلقيح وتوالد واستعارة ألفاظ أجنبية وتعريبها. واللغة العربية بالذات هي أقدم اللغات الحية التي لا تزال موجودة حتى الآن قبل وبعد ظهور الإسلام. و لا تزال اللغة العربية حية حتى الآن لسببين : القرآن الكريم و تأدية الصلاة اليومية. ولكن ديمومة اللغة العربية
واستمرارها جعل لها مستويين : اللغة الفصحى و اللهجات المحلية في كل قطر عربي، كما جعلها تختلف في ألفاظها من عصر إلى آخر، بل من مكان إلى آخر. وأدى الاتصال والتفاعل الحضاري بالآخرين و تكوين الفرق والطوائف الدينية والمذهبية إلى توليد الكثير من المصطلحات وتغيير معان كثير من الألفاظ و موت مئات الكلمات ليحل محلها آلاف الكلمات والتعبيرات الأخرى. هذا التغير الكمي والكيفي حدث ويحدث للغة العربية بينما يظل القرآن فريدا محتفظا بلغته ومصطلحاته التي لا يمكن فهمها إلا من خلال القرآن الكريم نفسه. ولولا القرآن الكريم لاندثرت اللغة العربية كما اندثرت الآرامية قبلها، وكما اندثرت السريانية واللاتينية بعدها.
ويمكن القول إن للغة العربية معاجمها المتميزة، و قد تم تدوينها بعد القرآن بقرون، وهى خير دليل على أن اللغة العربية كائن متحرك تختلف فيها معاني الألفاظ من عصر لأخر، ومن مكان لأخر. ومثال ذلك كلمة(عميد ) ظلت حتى العصر العباسي تعنى (المريض حبا )، وفى ذلك يقول الشاعر :" وإني من حبها لعميد.."، ويقول الفيروز آبادى، في معنى كلمة عميد هدّه العشق أي أمرضه العشق. فأصبحت كلمة ( عميد ) اليوم تعنى مرتبة عالية في الجيش أو في رئاسة الكليات الجامعية.
ومثال أخير يدلل اتصال الألفاظ السابقة بالدلالة الحاضرة فلفظة الدين في مفهوم القرآن يعنى الطريق، والسبيل، والصراط، والطريق قد يكون مستقيماً وقد يكون معوجاً. وقد يكون الدين أو الطريق معنوياً، أي العلاقة بالله تعالى. وقد يكون الدين أو الطريق حسياً مادياً كقوله تعالى عن أهل المدينة في عصر النبي يعلمهم فن القتال ?وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلّ فِرْقَةٍ مّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لّيَتَفَقّهُواْ فِي الدّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوَاْ إِلَيْهِمْ لَعَلّهُمْ يَحْذَرُونَ? (التوبة 122) فالآية سبقتها وتلتها آيات فدى سياق القتال وتتحدث هذه الآية الكريمة عن النفرة للقتال، وضرورة إرسال فرقة استطلاع تتعرف على الدين أو الطريق ثم تنذر الناس وتحذرهم. ومن الخبل أن نفهمها على أن يترك المؤمنون رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة ثم يذهبوا للتعليم خارج المدينة، وهى موطن العلم بالإسلام، وكان غيرها مواطن الشرك في ذلك الوقت ولكن مصطلحات التراث جعلت التفقه قصراً على العلم بالشرع، مع أن مفهوم التفقه في القرآن يعنى العلم والبحث العقلي والمادي في كل شيء.
- التفاصيل
- كتب بواسطة: كريم الاسدي
- الزيارات: 4
رؤىً سيابية في مفهوم الخيانة
كريم الأسدي
إني لأعجب كيف يمكن أن يخون الخائنون..!
من قصيدة "غريب على الخليج" لشاعر العراق الكبير بدر شاكر السياب نقتطف هذا المقطع لنتوقف عنده، نفكر فيه، ونعلق عليه:
إني لأعجب كيف يمكن أن يخون الخائنون
أيخون إنسان بلاده؟
إن خان معنى أن يكون فكيف يمكن أن يكون؟
هذا المقطع السيابي يتوسط تماما قصيدة أبي غيلان "غريب على الخليج"، فكان هذا المقطع روحها ومضمونها، وهو بالفعل كذلك، بل انه من أكثر المقاطع السيابية فتنة وخلودا.
لغة شعرية ثرة وهائلة رغم خطابها المباشرـ أو الذي قد يبدو مباشراً ـ تضمر مضمونا فلسفيا كبيراً هو السؤال عن الكنيونة الإنسانية التي يربطها السياب بالانتماء لكينونة المكان ولزمان المكان. هناك تعريف فلسفي مضمر لمكان الكائن الوطن، لا باعتباره البيت الكبير للإنسان فقط، بل باعتباره كينونة.
انه إعادة طرح السؤال الكبير: ماهو الوطن؟
وبعد طرح السؤال، تأتي الإجابة عليه: الوطن هو معنى كون الإنسان. انه الإنسان نفسه.
من يقدم على خيانة الوطن فهو خائن لنفسه وناكرٌ لوجوده وكينونته. انه صفر وعدم، وإذا كان فهو مسخ من المسوخ.
يمهد السياب لهذا المقطع بمقطع آخر لا يقل جمالا وروعة، إذ يقول:
لو جئتِ في البلد الغريب إلي ما كمل اللقاء
الملتقى بك والعراق على يدي... هو اللقاء!
شوق يخض دمي إليه كأن كل دمي اشتهاء
جوع إليه.. كجوع كل دم الغريق إلى الهواء
شوق الجنين إذا اشرأب من الظلام إلى الولادة!
هناك مسالة فلسفية جمالية تخص تذوق الإنسان للجمال وتمتع الإنسان بالحب في آن واحد.
يربط السّياب هنا مسألة تذوق الإنسان لجمال الحياة والإحساس به بمسألة وجود الحبيب في المكان الجميل، فيقول:
لو جئت في البلد الغريب إلى ما كمل اللقاء
الملتقى بك والعراق على يدي... هو اللقاء!
لماذا لا يكتمل اللقاء رغم أن المحبوبة قادمة له؟!
لا يكتمل اللقاء لان المحبوبة ليس في المكان الذي يعشق، ليس قي المكان الذي هو جزء من كينونة الشاعر، والشاعر جزء من كينونته.
اللقاء المفترض سيتم في الغربة، لذا فهو لا يتم ولا يكتمل!
أما اللقاء المؤمل والمتمنى فهو في الوطن، في العراق.
يتداخل الحب بالجمال، والجمال بالحب هنا في أروع صورة و أبهى شكل.....إنه تلاحم جوهري.
فالشاعر والمحب والحبيب يريد أن يلتقي بحبيبته في المكان الأجمل لديه،وهو يعتبره الأجمل على الإطلاق،إذ يقول مباشرة بعد انتهاء المقطع الذي يتضمن البيت" إن خان معنى أن يكون فكيف يمكن أن يكون؟ "ما يلي
الشمس أجمل في بلادي من سواها، والظلام ـ حتى الظلام ـ هناك أجمل فهو يحتضن العراق.
إن أروع مدن العالم و أماكنه تبدوا مقفرة خالية من الجمال دون حب، ودون وجود حبيب. ولكن عند الشاعر أيضا حتى لحظات وجود الحبيب لا تعوض عن المكان الجميل، والمكان الجميل الذي يتوج الحب ويمنحه ماهيته عند الشاعر "العراق".
نحن ـ مع شاعرنا السياب ـ بإزاء حالتين من الحب، حب الحبيبة وحب الوطن وهما يكتملان إلا معاً. اكتمالها يشكل ذروة الحب وجوهر الحب، وعرس الحب.
لم يكن حنين السياب إلى العراق حنينا إلى المكان فقط، إنه حنين مركب:
فهو حنين إلى المكان وحنين إلى الزمان الذي ارتبط بالمكان، أي حنين إلى الزمان المكاني إن صح التعبير، وهو حنين إلى ما احتواه المكان وزمانه من ماء وضياء وتراب وهواء، من أُناس وعلاقات وأحاديث وجلسات سمر، من جداول وأنهار وبساتين، من همسات وبسمات ودموع ووصايا، من نخيل وأشجار وحشائش وحيوانات، من سهول وسهوب وحقول مزارع ...إنه حنين إلى التفاصيل الكلية التي تشكل كينونة الإنسان .
حب المكان الذي ينشأ فيه الإنسان بتفاصيل هذا المكان جميعها هو حب ضروري كي يكون الإنسان إنساناً. إنه حب يؤنسن الكائن البشري. لو لم يكن هذا الحب لفقد الإنسان القدرة على الحب نهائيا وأصبح مسخا من المسوخ، أو لأصبح مجرما، ولذا اقترنت الخيانة بالجريمة.
ففي خيانة الوطن خيانة للحب وكفر بأسمى آياته.
أما السياب فيضيف إلى تعريف الخيانة شيئا آخر :اعني كونها تخل بالكينونة الإنسانية.
لمن ينتمي الإنسان إذا خان بلاده؟!
السؤال هنا لم يكن على صعيد المكان فقط، بل على صعيد الزمان أيضا. إن خيانة الإنسان لبلاده تتضمن خيانته للطفولة باعتبارها مرحلة زمانية متعلقة بالمكان وأناسه وحيثياته، ولا يخفي على العراف دور الطفولة في التكوين الإنساني عامة والتكوين الإبداعي خاصة.
وخيانة الإنسان لبلده تعني خيانة لأسرته،لامه وأبيه وإخوته وأخواته وأقاربه،وهذه الخيانة،خيانة البلاد تعني خيانة الإنسان لمحلته ومدينته والأماكن التي نشأ وعاش فيها، فالأسرة والمحلة والمدينة هي صور مصغرة من البلاد ـ الوطن، فإذا اخل الإنسان بالإخلاص لبلده ومصائر أهله، أخل لهذه الصور المصغرة جميعاً، إذ لا يمكن أن يحدث الخراب الشامل للكل وتبقى الأجزاء سالمة، وأدراك هذه المسألة وفهمها يتعلق باستيعاب ابسط قواعد المنطق: فالكل يساوي مجموع أجزائه. والوطن هو الكل، العراق يعني لنا نحن العراقيين الكل. هو النخلة والبستان ومجموعة البساتين. هو الساقية والجدول والنهر ودجلة والفرات. هو القرية والناحية والقضاء والمحافظة..... هو بغداد والبصرة والموصل وكركوك وديالى والنجف والناصرية وكربلاء والرمادي ودهوك و السليمانية. هو الإنسان العربي والكردي والتركماني والآشوري والكلداني والأرمني. هو المسلم والمسيحي والصابئي والايزيدي. و هو السني والشيعي والمسيحي الكاثوليكي و الارثدوكسي. هو أشجار النخيل والجوز والبرتقال والتين والرمان والتفاح والمشمش.هو حقول الرز والحنطة والشعير والذرة والدخن والتبغ. هو لقاءات الأحبة وسمر السامرين ومجالس الندماء و أماسي الشعر والشعراء وأغاني الصيادين في أعماق البحيرات وعلى ضفاف الأنهار ومواويل الفلاحين ذاهبين إلى الحقول والبساتين، منهمكين في العمل فيها أو عائدين منها. العراق هو حفلات الأعراس وأهازيج النسوة و"هوسات" الرجال وسحر الابوذية والدارمي والميمر والعتابة في الاماسي المسحورة بنور الكواكب والنجوم والقمر. العراق هو أور وأوروك وبابل ونينوى وبغداد وما أنجبت هذه المدن من حقبات رائعة جعلت العالم كله يقف على رؤوس أصابعه مبهوراً محبوس الأنفاس. العراق هو البلاد الذي يسميه الآخرون قبل العراقيين بـ "مهد الحضارات" أو "مهد البشرية" أو" مهد الإنسانية" أو" حدائق عدن ".
هذا هو العراق الذي يحترق الآن، عراق السياب والجواهري، عراق المتنبي والشريف الرضي وهارون الرشيد وأبو جعفر المنصور،عراق ككامش و اينانا،عراق الأشعار والملاحم والأساطير والذي كلما تحدثت عن أفضاله على العالم والإنسانية كان حديثك ناقصا وبحاجة إلى تتمة. هذا هو العراق الذي يحترق الآن هنا كرداء قديم ويذوي هناك كزهرة ذابلة وتدور عليه الدوائر وتجتمع عليه الدنيا وكان علوم الخليقة كلها لم تنشأ يوما في دارته، ولم تنبت على ضفافه: اختراع الكتابة الذي مهد إلى الصعود إلى الكواكب، إرساء أسس الرياضيات والفلك والفيزياء والكيمياء والطب والعمارة والموسيقى والري والزراعة والاقتصاد وتخطيط المدن. إنه العراق مؤسس الشعر ومجترحه ومهد الموسيقى ووحيها والبدّاء في المسرح والرسم والنحت.
انه عراق العباسيين وعراق ألف ليلة وليلة حيث مجلس علم يجاور مجلس أدب يجاور مجلس موسيقى. من أين تتأمل هذا المكان، ومن أين تقرأ هذا الزمان، ستتوه بك الخطى في الآفاق الرحيبة المديدة اللانهائية. أمثل هذه البلاد جدير بالتقديس أم جدير بالخيانة؟!
أمثل هذا الوطن خليق بالحب أم خليق بالكره؟!
فإلى أين يريد بك الخونة من بنيك الذين رافقوا الحاقدين على مجدك وعزك وثرائك ليقطعوا وتين قلبك وهو وتين قلوب أهلهم وأجدادهم.
وإلى أين يريد بك الخونة الذين يرمون توزيعك حصصاً في المزاد وتقطيع أوصالك، يا عراق!!!
إني إلى لأعجب كيف يمكن أن يخون الخائنون
هكذا تساءل أبو غيلان قبل أكثر من خمسين سنة فماذا عساه يقول الآن ؟
كريم الأسدي
شاعر عراقي/ برلين
- التفاصيل
- كتب بواسطة: سليمان عباسي
- الزيارات: 4
أحذروا القمة العربية
سليمان عباسي
أربعون عاماّ انقضت مابين قمة الخرطوم ( 29/ آب / 1967) ولاءاتها الثلاث المشهورة ( لا صلح – لا تفاوض – لا اعتراف ) وما بين القمة المزمع عقدها في نهاية الشهر الحالي في ظل إذعان عربي لم يسبق له مثيل للهجمة الإسرائيلية- الأمريكية لتدمير ما تبقى من الممانعة العربية تجاه المشروع الأمريكي – الصهيوني المعروف بالشرق الأوسط الكبير.
إن القراءة المتأنية لما تنشره وتبثه بعض وسائل الأعلام العربية هذه الأيام على لسان بعض القادة والمسؤولين العرب يوحي أن هناك محوراّ عربياّ قيد التنشيط تدعمه واشنطن يستعد لسلسلة جديدة من التنازلات لصالح العدو الصهيوني يتمثل في السعي خلال تلك القمة إلى تعديل مبادرة السلام العربية بحيث تتوافق مع الرغبة الإسرائيلية التي أعلنتها وزيرة الخارجية الإسرائيلية تسيفي ليفني بكل صراحة ووقاحة بما يشبه إصدار الأوامر الموجهة للعرب بأن إسرائيل تريد من قمة الرياض إعادة النظر في مبادرة السلام العربية وذلك بإدخال تعديلات عليها تتعلق على وجه الخصوص بالبند الخاص بعودة اللاجئين الفلسطينيين إضافة إلى أوامر أخرى تعبر عن العنجهية الإسرائيلية ومدى الاستهتار بمجموع قرارات الشرعية الدولية الصادرة عن هيئة الأمم المتحدة . هكذا وبكل بساطة تعطي وزيرة الخارجية الإسرائيلية أوامرها غير قابلة للنقاش لكل العرب .
هكذا وبكل بساطة تلغي وزيرة الخارجية الإسرائيلية أهم قرارات الشرعية الدولية المتمثل بالقرار (194) وتلغي حق العودة لست ملايين لاجئ فلسطيني يعانون ما يعانون في الشتات . والأمر الإسرائيلي الثاني الموجه للعرب هو إبداء المرونة حول الترتيبات الجديدة التي فرضتها إسرائيل على الأرض آي الاعتراف بالجدار العنصري وبالمستوطنات السرطانية في الضفة الغربية وبالإجراءات التهويدية في القدس العاصمة الفلسطينية الموعودة ، وما الطرح الإسرائيلي حول الدولة الفلسطينية المؤقتة والتي رفضتها الفصائل الفلسطينية إلا تعبيراّ سافراّ عن تلك الرغبة الإسرائيلية .
والآمر الإسرائيلي الثالث الموجه للعرب هو أن لايتم الربط بين التطبيع مع إسرائيل والانسحاب الكامل من الأراضي العربية فلم يعد يكفي إسرائيل إن وزراءها يصولون ويجولون في العواصم العربية يصدرون تصريحاتهم بكل صلافة ووقاحة وعلى يمينهم يقف هذا الوزير العربي أو ذاك . إن إسرائيل لم يعد يغريها التنازلات العربية المجزأة والتي يعتبرها العدو الصهيوني حق له بل هي تريد تنازلات كاملة من مجموع الأنظمة العربية الحاكمة .
إن ما يحز في النفس ويبعث المرارة والألم إن الخطأ العربي مستمر بالسير باتجاه الهاوية رغم إن المشهد شديد الوضوح والحقيقة بينة لا لبس فيها مما يدفعنا للقول وبكل آسف إن الاستراتيجية الإسرائيلية المتمثلة في الاغتصاب الجغرافي والاقتصادي والسياسي للحقوق الفلسطينية والعربية لم يكن ليكتب لها النجاح لولا دعم بعض الأنظمة العربية لها عن طريق سوق تبريرات لا يفقها العقل ولا المنطق وأخرها المشاركة في الحصار الاقتصادي الجائر المستمر منذ عام واكثر على الشعب الفلسطيني تحت دعوى وجوب الاعتراف ونبذ العنف ليتناسب مع شروط المجتمع الدولي وكأن إسرائيل اعترفت بمجمل قرارات الشرعية الدولية وبمبادرة السلام العربية أو حتى بخارطة الطريق رغم اشتراطاتها الأربعة عشر عليها .
إن قمة المهزلة والاستهتار بالعقول التصوير بأن حجر العثرة الوحيد في طريق السلام والاستقرار في منطقة الشرق الأوسط هو الممانعة الفلسطينية وعدم الاعتراف الفلسطيني بالدولة المسخ إسرائيل . بعيداّ عن عمليات التجميل وتطييب الخواطر التي تقوم بها بعض الأنظمة العربية نقول بان الوزيرة الصهيونية لم تكن لتجرؤ على التصريح بما صرحت به لو لم تكن متأكدة بأن هناك كثيراّ من الأصابع العربية المؤثرة تلعب في جدول أعمال القمة بشكل مباشر لتأتي القرارات منسجمة مع المصالح الإسرائيلية ومتعارضة بالمطلق مع اتجاه الريح العربية التي تمثل شعبنا العربي من محيطه إلى خليجه ونضيف أيضا إن الوزيرة الصهيونية لم تكن تجرؤ أيضا على التصريح بما صرحت به لولا الدعم الأمريكي اللامحدود لكيانها العنصري ، ولولا الالتفاف الأمريكي على مبادرة السلام العربية عبر استبعادها عن أي تحرك ديبلوماسي وسعت بدلاّ عن ذلك بالتعامل مع ما يسمى باللجنة الرباعية لاستنباط ما أطلق عليه ( خارطة الطريق )بهدف تجزئة الحل الشامل ولتمكين إسرائيل من تكريس اكبر قدر ممكن من المخطط الصهيوني وهو ما يلحظه أي متتبع للشان الفلسطيني في القدس والمسجد الأقصى والجدار العنصري والمستوطنات وما إلى ذلك من عمليات القتل والهدم والحصار والاعتقالات ومصادرة الآمال الفلسطينية .
حتى لا نكثر من التوقعات والتحليلات التي يغلب عليها وللآسف الطابع السوداوي وحتى لا يتم اتهامنا بالإحباط واليأس من أي قمة عربية نقول : هناك تصريحات الأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى وهناك تصريحات وزيرة الخارجية الصهيونية وسننتظر انعقاد القمة العربية في أواخر الشهر الحالي وصدور البيان الختامي لنرى لمن الغلبه.
سليمان عباسي --- دمشق
- التفاصيل
- كتب بواسطة: محمود الباتع
- الزيارات: 4
التطرف ومنهجية التقديس
محمود الباتع
لا يوجد إجماع على تحديد مقومات التطرف كما أنه ليس هناك تعريف مطلق له، فالتطرف صفة تطلق غالباً على بعض الناس من قبل البعض الآخر دائماً ولا يوجد بين المتطرفين من يعرف أو من يعترف بأنه شخص متطرف كما أنه من الصعب أن تجد بين الأشخاص أو الأحزاب أو الحكومات من يصف نفسه بالمتطرف، فالتطرف إذن مسألة نسبية تخضع في التقييم إلى المنظومة الاجتماعية بكاملها وما تنطوي عليه من بنود العقد الاجتماعي المعتمد لديها، وربما تجد أمراً قد يعد تطرفاً في مجتمع ما يكون في مجتمع آخر اعتدالاً محبباً ومرحباً به وذلك بحسب اقترابه أو ابتعاده من مجموعة القيم الاجتماعية المتعارف عليها ضمن مجتمع بعينه.
والتطرف كما لا يخفى صفة عامة تتخذ أشكالاً عدة ويمكن أن تنسحب على كل الميادين، فهناك التطرف السياسي والتطرف الاجتماعي وكذلك التطرف الديني وحتى التطرف الاقتصادي. وفي الواقع فإن استخدام هذا الوصف ضد جهة ما تجعل من هذه الجهة موضوعا للشبهة والارتياب كون هذه الصفة لا تشير إلى شيء محسوس يمكن تلمسه ورؤيته بالعين لدى أولئك المتهمين به ولكن ما يظهر جلياً عليهم هو انعكاس هذه الصفة على تصرفتهم تجاه غيرهم من هنا يأتي الحكم على المتطرفين بالتطرف من الآخرين فقط، لذلك يسود الاعتقاد بأن تهمة التطرف تطلق على البعض جزافاً ومن باب محاكمة مغرضة لنوايا الخصوم وغالباً لأغراض سياسية بحتة من أجل إقصاء أو الحط من قدر المنافسين الذين يرفضون بدورهم هذه التهمة. وعموماً فإن التطرف أمر غير جميل كما ينطوي على أمورٍ غير محببة ومهما كان ميدانه فهو كله ملة واحدة خصوصاً عندما يقترن بانتهاج العنف أسلوباً لترويج أو لفرض ما يعتقد المتطرف أنه صحيح. وفي هذا الصدد يقودنا الشاعر والفيلسوف العربي الأكثر إثارة للجدل أدونيس إلى بيت القصيد عندما يقول "أن البشر برغم كل ما أنجزوه من تقدم يبدون وكأنهم يعيشون في تجمعات وحشية يريدُ كل منهم أن يستولي على هذا العالم ويتملكه مدخلاً إياه في خرم عقيدته !" في تعبير واقعي لسلوك المتطرفين جميعاً حيث لا يرى الواحد منهم بقية العالم إلا من خلال نفسه وعبر ما يعتقد بصحته وبحيث يكون الحكم عليه من خلال هذا المعتقد دون غيره، حيث ينظر المتطرف الأيديولوجي إلى العالم من حوله نظرة أحادية استعلائية فيها الكثير من الازدراء والتحقير إلى لآخرين كما تنحصر رؤيته لغيره في أولئك الذين يعتنقون فكره دون غيرهم وترفض بل وتعجز بصيرته عن إدراك من عداهم ويكون عنوانه في ذلك "نحن أو لا أحد" وأيضاً "من ليس معي فهو ضدي" وما إلى هنالك من التعبيرات المشابهة.
الحقيقة أن المتطرف هو شخص يصدق بشدة ما يقول وشديد الإيمان بما يعتقد بل ويتناوله فوق ذلك بكثير من التقديس ويبدو على استعداد لبذل الغالي والنفيس في سبيل فرض عقيدته تلك أو الدفاعِ عنها، وأخطر ما في الأمر هو اعتبار ما يظن أنه صحيح حقيقةً مطلقة ومسلمة لا تقبل النقاش وأنه لا مناص للجميع من أن يعتنقوها ويؤمنوا بها إن طائعين أو صاغرين وبشكل دوغمائي أعمى لا يقبل مجادلة أو نقاش، ويتخذ المتطرف من هذا النهج دستوراً لنفسه وللآخرين يقيّمهم ويحاسبهم ويدينهم أو يبرؤهم على أساسه، وليس صدفة أن نجد أن الأنظمة الاستبدادية القمعية على مر التاريخ كانت جميعها وبشكل أو بآخر أنظمة تتبنى أيديولوجيا متطرفة لا فرق في استبدادها بين نظام ديني أو إلحادي أو قومي أو علماني، فالاستبداد والديكتاتورية هما الوليد الشرعي للتطرف ولا جدال، فالدول الثيوقراطية المأدلجة والأنظمة الديكتاتورية المنبثقة عنها تعمل على الإطاحة بكل المقدسات لصالح مقدسها الخاص بها وهنا مكمن الخطر، فاختزال المقدس الاجتماعي في شخص الزعيم أو الحزب أو الجماعة أو النظرية سيؤدي بالضرورة إلى أن تلتصق أخطاء وربما جرائم ذلك الزعيم أو الحزب أو الجماعة أو النظرية بتلك القيمة التي أريد لها أن تكون مقدسة وستكون في نهاية المطاف الضحية الأولى لذلك الاستبداد والقمع الذي أقيم باسمها ومن أجلها وفي سبيلها.
توجد في علم النفس نظرية تقول أن الإدراك البصري للأشياء ينبع من الاحتياج الوجداني لها فالجائع مثلاً لا يرى في الأسواق إلا الأطعمة وكذلك المتطرف فهو لا يرى في من حوله إلا من هم على شاكلته فيقع في حسبانه أن الناس جميعاً قد آمنوا بما يؤمن واعتقدوا بما يعتقد مما يبرهن له أن أيديولوجيته قد أصبحت هي الحقيقة المطلقة وأن من تبقى من البشر إنما هي حثالة ضئيلة لا بأس من تهميشها أو تجاهلها أو حتى التطهر من أرجاسها بالقضاء عليها، ولا تلبث أن تستبد الفرحة العارمة بذلك المتطرف سواءً كان شخصاً أو منظومة، ليذهب في ما يشبه الخدر اللذيذ الذي يعميه عن إدراك الأخطاء التي يأتي بها ويرتكبها مشايعوه بل ويزينها له باعتبارها إنجازات خارقة للعادة ! كما تأبى عليه القدسية التي يخلعها على نفسه وأفكاره من المراجعة والمحاسبة وتصحيح الأخطاء وبهذا الشكل تتراكم الأخطاء والأمراض دون علاج لتؤدي في الختام إلى انهيار منظومة التطرف تلك بشكل تلقائي ودراماتيكي، وقد رأينا كيف أن إمبراطورية الاتحاد السوفييتي العظيمة لم تتمكن وهي على ما كانت عليه من الصمود في وجه التاريخ لأكثر من ثمانين عاما وهي مدة لا تتعدى سن الفطام الحضاري للدول العظمى، وأزعم أن الفضل يعود في ذلك إلى استبداد التطرف الذي استشرى فيها منذ نشأتها فحملت في ثناياها بذور فنائها.
لقد أفرز واقع الحال لدينا شبكة واسعة من المقدسات الجديدة التي أفرزتها الممارسة الاستبدادية على غرار ما تقدم، فاختلط الديني بالاجتماعي والفكري بالسياسي وأصبح التطرف سمة غالبة لكل هذه المعاني مما أدى إلى تطرفها وبالتالي إلى إنشاء كم من المقدسات الفكرية التي تحولت مع الوقت إلى تابوهات محظورة، انشغلت أمتنا بها ومن خلالها في صراعات ثقافية وفكرية عقيمة بل وحتى حروب عسكرية أدت بنا إلى أن نتأخر عن الركب الإنساني أشواطاً طويلة، الأمر الذي يدعونا بكل جدية إلى مناقشة ونقد وإعادة اكتشاف مقدساتنا حتى نتمكن من فرز الأصيل منها عن الدخيل وصولاً إلى تحديد هويتنا واكتشاف ذواتنا من جديد لنستطيع مواكبة المسيرة الإنسانية في قطارها الذي فاتنا منه الشيء الكثير. والحقيقة أن أزمة القيم التي نعيشها اليوم هي أزمة أضحت تطال كل المجالات فمن الشأن الاجتماعي وموضوع حقوق المرأة إلى الاقتصادي في ظل تغول رأس المال وتزايد الفقراء والعاطلين إلى السياسي ومسألة الديمقراطية والحريات العامة وصولا إلى الديني واستفحال التكفير والطائفية وهوية الدولة والمجتمع والفتاوى والفتاوى المضادة، تقف مسائل جدلية شائكة تستنزفنا كل يوم حضارياً وفكرياً بكل ما تنطوي عليه من معاني وقيم كثيراً ما نعتبرها مقدسة وهي ليست من القدسية في شيء.
لقد أصبح نقد المقدسات ولا أقول انتقادها ضرورة ملحة حفاظاً عليها من الوقوع بين براثن التطرف والمتطرفين الأمر الذي سيؤدي بها حتماً إلى الضياع، فعندما نتحول إلى متسولين تحت شعار حرية رأس المال واقتصاد السوق وعندما نعامل كعبيد حفاظاً على مكتسبات الثورة والتحرير مثلاً وعندما تكتم أنفاس المرأة وتحرم من الحياة الطبيعية باسم الحفاظ على التقاليد وعندما تجبر على السفور باسم التحرر والحداثة وعندما نذبح على الهوية باسم أهل السنة والجماعة أو تقرباً لأهل البيت فأية قداسة تبقى لكل هذه المعاني وأي قيمة أبقاها لنا المتطرفون لنعمل على تقديسها؟ وكذلك فعندما يقدم متطرفوا القومية العربية على الإمساك بتلابيب مواطنيهم والتنكيل بهم في سراديب التحقيق هل ينتظر من هؤلاء المواطنين إلا أن يكفروا بالعرب وبالعروبة معاً ؟ وعندما يقدم متطرفون دينيون على الإجهاز على كل القيم الدينية باسم الدين، ألا نخشى أن يأتي علينا يوم نجد فيه أنفسنا بلا دين ؟ حدث هذا فعلاً وكم أخشى أن يحدث أكثر منه لو لم نقف وقفة جادة مسئولة قبل أن نصبح بأدياننا ومقدساتنا جميعاً في خبر كان. وتقبلوا مودتي،
- التفاصيل
- كتب بواسطة: م. زياد صيدم
- الزيارات: 3
بمناسبة عيد المرأة العالمى 8/ مارس...
زياد صيدم
لو أردنا المرور على هذا اليوم مرور الكرام لفعلنا، ولكن يعز على الأقلام الحرة والثائرة أن تفعل ذلك حرصا منا على مبدأ الشراكة في الحياة وتقديرا لدورها الرائد والبناء في بناء الإنسان والأوطان.... فهى نصف المجتمع بالتصنيف الجنسى للسكان، هي المعلمة والطبيبة ،هي المهندسة والطيار، هي المخترعة والمفكرة، هي الكاتبة والأديبة، هي الأم والأخت والأبنة والزوجة ، هي الحبيبة والمحبوبة ، هي أم الشهداء ، هي الجندى والفدائية والاستشهادية، هي المقاتلة وأخت الرجال في ساحات الفداء والبذل والعطاء ، في التشييد والبناء والعمل ....... ***
لو نظرنا سريعا عبر التاريخ ( قبل الميلاد وبعده ) وتوقفنا بمحطات عابرة على ما ألم بها من إجحاف وإذلال ومهانة ، لتعجبنا فعلا مقارنة بما وصلت له من مكانة متقدمة في القرن الحالى . لقد امتهنتها وحطت من قدرها تلك الحضارات القديمة التي نتغنى بها ، مثل اليونانية والرومانية ، فنجد في كلمات مفكريها وفلاسفتهم كأفلاطون حين قال " نتداول المرأة كحاجة وكشيىء عادى لنا !!" ونجد قول سقراط " عند تقييم وفاء الصديق فهذا ينحسر في مدى إعارته لزوجته للآخرين !!"، وأرسطو الذي أنقص من عقلها واستعدادها الذهنى وقابليتها للفهم والاستيعاب ؟؟.
حتى ذهب الإغريق حدا إلى جعلها وتحويلها لجسم للشهوة الحيوانية فأمعنوا في التماثيل العارية لها والصور الخليعة لتثبيت قولهم بأنها خلقت للغرائز ليس إلا . ونجد بأن القوانين التي يفتخرون بكونهم أول الشعوب في سنها ( وهذا مخالف للحقيقة فحامورابى قد سبقهم بذلك في الحضارة المسمارية ) التي نظمت الحياة في المجتمع كانت نفسها جائرة وغير منصفة بحقها فكونها إمرأة كان سهلا حجر المال والإرث عنها... حتى أنهم ذهبوا في التعسف بعدا فلسفيا إذ شككوا في امتلاكها لروح بشر أم حيوان ؟؟ وكان القانون الروماني يجعل من جملة أسباب الحجر على المال كون الوارث أو المالك إمرأة .
وفى حضارات أقصى الشرق ( الهند والصين ) فكانت تعد كل من الأوبئة القاتلة والنار والأفاعى والسم الزعاف خيرا منها وأقل شرا !! ، وكان الحق للزوج بيع زوجته، وحرم عليها الزواج بعد موته ؟؟ وكانت بمثابة المعتوهة بلا عقل وعدم قدرتها على تدبر أمرها بمفردها ، وكان التعسف يصل إلى ذروته بتقديمها قرابين للآلهة ، وتحرم من العمل. وفى آسيا الوسطى مثال الحضارات البابلية والسومارية العظيمة كانت المرأة غاية في الاضهاد والقمع والتعسف والمعاملة الوضيعة. وفى الحضارة الفرعونية تزوجوا من بناتهم وأخواتهم حفاظا على عدم تغريب الإرث والأملاك وتعرضت لعمليات الختان بطرق بشعة وقاسية، وتحولت إلى قرابين للنيل فيما سميت بعرائس النيل لاستمرار فيضانه !!. في عصور الجاهلية العربية قبل الإسلام يكفى ذكر حالات وأد البنات خوفا من الفقر والعار.!! وتعدد الزوجات بلا عدد وانتشار الجوارى وأسواق النخاسة لبيعها!!... ***
نظرة سريعة إلى المرأة حاليا والتى تعيش في مجتمعات إسلامية نجد أن الدين الإسلامى الذي حرص على أخذ حقوقها كاملة في شتى المجالات والحفاظ على طهارتها وكرامتها وصون أعراضها من الاعتداء عليه بعقوبات صارمة ،على حين في المجتمعات الغربية عامة نجدها كسلعة غالية الثمن أحيانا ورخيصة أحيانا أخرى حسب قانون العرض والطلب وفى أغلب الأحيان تعرض مفاتنها للجميع فالمبدأ العام يقول مفاتن المرأة للجميع وغير مقصور على فرد معين مهما كانت صفته ولا يعقل إخفائه عن عيون الجميع ؟؟ وعندما يتقدم بها العمر وتفقد رونقها الجمالى المادى فنجدها قد تحولت إلى عالة على المجتمع وانتهت فى بيوت الرعاية التي تشرف عليها الكنيسة في وضع تحاول فيه التكفير عما ألحقته بها من أذى عبر القرون الماضية... فكل عام وأنتن بخير يا نساء امتنا العربية والاسلامية، ورفقا بالقوارير.
- التفاصيل
- كتب بواسطة: طه الفتياني
- الزيارات: 4
ألا ليت بلاد العرب كانت حقاً أوطاني
طه الفتياني
يتملكني حزن شديد عندما أسمع أو أقرأ عن ممارسات عربية فظة اتجاه أحد الفلسطينيين؛ أحزن و أشعر بالقرف لكني لا أغضب ولا أعتب؛ فالغضب والعتب يكون اتجاه إنسان أساء إليك بعد أن فكر واختار, إنسان يملك إرادته ليفعل ذلك.
ما يحصل للفلسطينيين في ربوع العالم العربي من رفض وسوء معاملة يصل إلى درجة العنصرية المقيتة يدعونا للتساؤل: هل هذه سياسة عربية تمت بالتنسيق بين أجهزة الأمن العربية وبموافقة الحكومات؟ أم هي إملاءات أمريكية يتم تنفيذها بأمانة وإخلاص تقرباً من سيد البيت الأبيض ومن إسرائيل ؟؟!!
هل يعقل أن يولد إنسان في بلد ما, يدرس في مدارسها ينشأ في حضن تقاليدها وثقافتها, يكبر ويشب في ربوعها ويتزوج وينجب فيها, ثم يخرج ليزور أخاه في بلد مجاور فيجد نفسه ممنوعاً من دخولها بحجة أن كفيله سحب كفالته ؟!!
هذه ليس مصادفة, إنها خطة مرسومة للالتفاف على حق العودة؛ ضغوط عربية شديدة ومضايقات معيشية تصل إلى حد السجن والقتل مع إقفال الحدود العربية بإحكام ثم إغراءات وتسهيلات الهجرة إلى كندا واستراليا والمحصلة غربة وتيه وفقدان هوية.
إن ما يحصل للفلسطينيين في العراق من قتل وتهجير, وما حصل و يحصل في لبنان من مضايقات في المعيشة والعمل يدخل ضمن هذا السياق, كما أن حاملي وثائق السفر المصرية جميعاً من مواطني قطاع غزة لا يجدون مكاناً لهم على الخريطة العربية؛ فما إن انتهت إقامة أحدهم في مكان ما في بلد عربي حتى يجد نفسه مشرداً بين المطارات العربية, يرفض الجميع إدخاله, حتى أن أحدهم بقي في هذه الحالة لمدة ثلاثة شهور.
تآمرت علينا الأنظمة العربية في حرب النكبة فأضاعت بلادنا, ثم سلمت ما تبقى من أرض فلسطين في حرب النكسة, وها هي الآن تناصبنا العداء فقط لأننا فلسطينيون و نصر على كوننا فلسطينيين و نرفض التخلي عن حقنا في العودة و التحرير.
إن ما حصل لعائلة الحداد بين مطارات السعودية والسودان والأردن واليمن لا يمكن أن يكون بعيداً عن اجتماع كونداليزا رايس مع رؤساء أجهزة المخابرات العربية في عمان وربما كان بداية سياسة جديدة للتعامل مع الفلسطينيين في دول الخليج.
لا نعول كثيراً على الجامعة العربية أو على منظمة التحرير الفلسطينية و السفارات الفلسطينية, هذا إذا لم تكن جميعها جزءاً من هذه اللعبة الدنيئة, لكن أملنا كبير في وسائل الإعلام العربية الشريفة وفي منظمات حقوق الإنسان ومنظمات المجتمع المدني في أرجاء الوطن العربي كلها؛ فمن العار أن لا يجد الفلسطيني ملاذاً له في وطنه العربي, مع كل الخدمات التي قدمها ويقدمها لبلدان هذا الوطن الكبير.
- التفاصيل
- كتب بواسطة: زياد صيدم
- الزيارات: 6
السيناريو السابق لأوانه ، للخروج من مهازل الأمة .
بقلم م. زياد صيدم
لا شك بأن المخاض ما زال على أشده وسواء كان فى بداياته أو شارف على نهاياته... لكنه شديد وسيشتد شيئا فشيئا، فالوضع في فلسطين ليس بجديد فالحصار مستمر والتجويع امتد منذ عام مضى وما يزال...ومن الظاهر بأن من يخطط لشعوب العرب واحد فالتخطيط مشابه لما حدث فى العراق قبل الانهيار الكبير والتى تداعياته ستستمر إلى ما شاء الله، فالأيدى التى رسمت معالم الخطة هى نفسها التى وضعت السيناريو المحكم لفلسطين..
فإدخال الشعب الفلسطينى فى النفق المظلم ليس بالمفاجأة علينا، فلنتذكر جميعا (وكلما اشتد الظلم والقهر ) كلمات القائد الحى أبو عمار عندما كان يتحدث عن النفق المظلم ،لكنه كان يهتدى إلى الطريق من خلال رؤيته لضوء فى آخره، لقد كان أمل الثائر بحتمية الانتصار، فقبل أن يعم الظلام وحينها لا نستطيع تحسس المسير خلاله، يجب أن نتوقع الأسوأ ونستعد له ذهنيا بمعنى ألا نفرط في التفاؤل فيكون الإحباط والتخبط، فالمطلوب قليل من التفاؤل وكثير من الحذر... حتى لا يكون قد فات الأوان كما حدث فى العراق وأماكن أخرى!!. لقد تحدثنا كثيرا على أن موضوع الرواتب سيكون المدخل الاقتصادى إلى الضغط الشديد وقد نجحوا مرة ثانية وسينجحون أيضا فى المرات القادمة فى أماكن أخرى فى منطقتنا فى الشرق الأوسط، أقول سينجحون طالما نرتهن إلى هذا النظام العربى المتقاعص لأمته ولشعبه ولا يمكن وصفه بأقل من ذلك.
إن الحلول المطروحة بمجملها تتلخص فى عدة سناريوهات معظمها يتناول الحل بشكل سطحى وآنى ومؤقت وهو فى رأييى لا يكون بحل دائم وشامل وليس من باب الحلول النهائية ولكنها تبقى ضمن السناريوهات المطروحة والتى لن أتطرق لها هنا من باب التقليل من أهميتها فهى أصلا لا تنفع ولا تثمر ولا تجدى فى الحالة الفلسطينية كثيرا.
أما السيناريو الذى أجده ملائما كحل للخروج من هذا النفق الذى شُيد من نفاق ودجل دولى معتمدا كما أشرنا إلى حالة التراخى الشعبى والتراجع والهزل للنظام العربى الرسمى ، حد الوصول لابتزاز الشعب فى لقمة عيش كهوله ونسائه وحليب أطفاله ومستقبل شبابه من ناحية ومن ناحية أخرى يبتز مستقبله السياسى وهويته الوطنية المستقلة وفى مقدساته ورمزها مدينة القدس، وإيجاد حل عادل لقضية اللآجئين فانه يتلخص فى : الكف عن مطالبة المجتمع الدولى بالمساعدات لدفع الرواتب أومناشدته التوسط إلى دولة الاحتلال لإعطائنا وإرجاعنا شيئا من حقوقنا وكأنها منة منهم إلينا ؟؟!!
ومطالبته فورا بإيجاد حل لقضية اليهود المتواجدين بالقوة فى فلسطين (بعد سلسلة من الاعتداءات والحروب ) وليس قضية الشعب الفلسطينى على أرضه. والعودة إلى المصطلحات التي تعكس المفاهيم الحقيقية والغير معكوسة قبل تحريفها وتغيير مضامينها في دهاليز السياسة والسياسات التابعة !! . والانتقال التدريجى الثابت والمدروس وفى خضم الجوع والحصار الشديد والهجوم على المقدسات والخطر الداهم على المسجد الأقصى من الانهيار جراء أعمال حفر الأنفاق أسفله بحثا عن الهيكل المزعوم!! إلى فتح باب النفير العام والجهاد المقدس على أرض فلسطين كل فلسطين وفرض هذا الطرح كنهج ثابت وحازم على الأجيال القادمة لتتحمل مسئوليتها ولتفرز قيادات شابة تنتهج ما تراه ملائما ومناسبا لشعوبها العربية والوطن الكبير ككل. وللحقيقة أن منطقتنا العربية التى لا تستند إلى شرعية الشعوب فحاكميها ضعاف يتمترسون وراء كراسيهم التى ضربها السوس فانهارت على عروشها، وما يبقيها واقفة ليس إلا أجهزتها المتسلطة والقامعة للحريات وللأحرار والمبدعين من الأمة .أو تلك الباقية ببقاء الاحتلال سندا لها سيسجله التاريخ بسطور من عار وخيانة ، فالشعوب المؤمنة المسلمة قد انفضت من حولها بعد أن طفح الكيل وقربت الساعة لسيما وبعد أن بدأوا فى مطالبة اليهود والمسيحيين من الزواج بالمسلمات والطواف بالكعبة ، وعدم المبالاة فيما يحدث من مجازر وانتهاك للمقدسات والأعراض ،وفتاوى إباحة الترقيع بشكل رسمى علما بوجوده منذ زمن طويل ولكنه كان في الخفاء وبسرية كاملة دون فضائح إعلامية ومجتمعية تثير الاحتجاج والاستهجان بشكل سافر يتلاعب بالمشاعر العاطفية وقدسيتها في المجتمع. فهذا السيناريو الوحيد والسابق لأوانه ، يدخل حيز العمل في حال استمرار المجتمع الدولى على حاله تجاه قضية فلسطين، وينطبق على مناطق ودول عربية أخرى فالمخططات مصدرها واحد، والمعتدين هم من الأغراب عن بلادنا، وعتادهم وتسليحهم واحد، وأهدافهم القذرة واحدة، وأطماعهم واحدة.