القصة والرواية
- التفاصيل
- كتب بواسطة: أيمن جعفر
- المجموعة: القصة والرواية
- الزيارات: 7
" عَـوَاصِــفٌ خـَــــاسِــرَة ٌ "
قصـــة قصــــيرة
أيـمـن جعـفـر ـ البحرين
*******
تصدير :
" ثمَّـــــة عواصفٌ تعصفُ بأرواحنا .. تعصفُ من وجعنا .. لكنها
خاسرة ٌ .. لا تجني سوى الخسائر ، إذ ما مِنْ شيء ٍ تفعله \ تقتلعه .
كذا يكونُ حينما تكونُ أوجاعنا أكبرَ منّـــا أو نحنُ أصغرُ منها بكثير !!"
أ.ج
********
تصهلُ : " لا .. لا .. لا ..!!"
يزورها طيفٌ ُقــدَّ من أمانيها .. تحتفي به .. ترمقُ الأشياءَ من حولها ، مذهولة ً .
تصهلُ من جديد ٍ . تجتذبها الأيدي .. يسكبُ البعضُ على مسامعها كلمات ٍ ترفضها .
تتمنى لو ُتحِــيلُــها إلى أشلاء ٍ . لو تدمِّــرُها بصواريخ ِ الغضب ِ . ما فتئتْ جاثية ً ..
ترى بعينيْــن احترقتْ فيهما السعادة ُ ، و تسمّـمتْ عصافيرُ الأماني ـ كذلك ـ فيهما .
غيرُ مصدِّقة ٍ ما ترى .
بهستيريَّــة ٍ جَـلِـيَّــة ٍ تهزُّ رأسَـها و تلفظ ُ لاءاتها مثنى ً مثنى . شالهَـا
يهوي ـ تماما ً ـ مثلما تهوي أحلامها في قيعان ِ المستحيل ِ . تجفلُ فيما اللآلئ
قوافل ٌ منتظمة ٌ تتحادرُ من وجنتيْــها .
وجعها يصرخ ُ فيها . تذهلُ عمَّـــا حولها . تسمعُ ـ دون انتباه ٍـ ما يقوله
المحيطونَ بها .
تظلُّ جاثية ً ، في الوقت ذاته الذي فيه تجثمُ الأحزانُ على صدرها .
مَـشَـــاهِـدُ اليوم ِ تعبرها . تستفهمُ في ذاتها أنْ كيفَ في اللحظة ِ
التي كانتْ تعدِّها لحظة الفرح العظيم ، تنقلبُ إلى لحظة التَـرَح العظيم ؟؟!!
كيفَ يحدثُ ذلك و هي التي ظلَّــتْ لأعوام ٍ خمسة ٍ تهدهدُ حلمها ، تترقبُ
متأجِّــجة ً تلك اللحظة التي تتمناها ؟؟
عيدها الذي خالتهُ حينما يأتي سيأتيها مكتحلا ً بشذى الفرحة ، فإذا به موؤدٌ !!
لمِنَ المُمِـضِّ ـ حقا ً ـ أنْ تغدوَ السَّــاعة ُ التي نهيِّــأ فيها أنفسنا لعيد ٍ
و بهجة ٍ باذخة ٍ ، مأتما ً و ألما ً لا يكتفي بنسْـفِ ذلكم العيدُ و حَسْـب ، بل يوغلُ
في ذلك و يحطِّــمُ أيَّـامنا و أفراحنا كلها!
هل هذا ما تشعرُ به أمُّ محمَّـد ٍ الآن ؟؟
أبكاؤها \ ذهولها \ هستيريّـتها \ لاءاتها جرَّاءَ ذلك ؟؟
ربما لا يعلمُ أولئكَ الذين يحيطونَ بها هذه الحقيقة . لا يعلمونَ أيَّ شيء ٍ يعنيه
الفقدُ الشامل ، الفجيعة ُ الكبرى التي لا يمكنُ إلاّ الوقوف عندها و الذهول من شدَّةِ وقعها .
أمُّ محمَّــد ٍ الآن جافلة ٌ .الدموعُ تنهمر . تحدِّقُ في اللاشيء .. يطغى عليها
الصمتُ المخيف . تفكِّــرُ . تتذكَّــرُ . بغتة ً تلتفتُ .. تلمحُ مَـنْ حولها ، يتهشَّــمُ
شيءٌ ما بداخلها ، و وحدها تسمعُ صوته . تخفضُ رأسها .. تنتفضُ ..
لا شعوريَّــا ً ـ مجدَّدا ً ـ تصهلُ !!
بالقربِ من بيتها ، و تحتَ شمس ٍ جهنميَّــة ٍ ، تكسرُ أنفاسُها
الحارَّة كبرياءَ الريح ِ و هي تتذكرُ . صباحَ هذا اليوم ، أحرقتْ أفلامَ
الأحزان ِ التالفة ِ ، و فقأتْ مشاعرَ الأسى . تقلَّــدت السعادة َ ، و اختالتْ بها .
ربّـما لا تكونُ أمنيتها التي حسبتها ستتحقق اليوم من تلك الأماني
العِــظام ، و التي تجهدُ أصحابها في سعيهم لتحقيقها ، لكنها أمنية ٌ عزيزة
ٌ ضنَّ بها الدهرُ عليها . ففي زمن ِ الحروب ِ يرتفعُ سعرُ الأماني و الرغبات ِ
البسيطة ِ ـ فضلا ً عن الأماني العظام ـ إلى ما لا طاقة َ لنا به ، كلما ازدادَ
سعرُ دم ِ الإنسان رخصا ً !!
كذا كانَ من أمرها ، إذ كانت تهفو إلى السَّــاعة ِ التي يلتمُّ شملُ عائلتها
فيها ، فبعدَ مقتل زوجها لم يتبقَّ لها سوى ابنيْـن ِ و ابنة ٌ واحدة ٌ يعانقها
الربيعُ الثالث عشر لها .
أما ابنها الأكبرُ فقد سافرَ مع عمّــه قبلَ مقتل أبيه ، و بقيَ هنالكَ في غربته .
فيما ابنها الآخرُ و الذي اختفى في ظروف ٍ غريبة ٍ مُريبة ٍ هاهو قد ظهرَ
أخيرا ً ، و عادَ إليها .
أمنيتها الغالية كانت في اجتماع أبنائها بعد الشتات ِ ، و هي تدركُ حاجتها
إلى ابنيْـها و هي التي ظلّت طيلة خمسة أعوام ٍ تنوء بأحمال ِ و تكاليفِ
بيتها الهَرِم ، المتخم بالنتوءات .
كم زقزقت الفرحة ُ في جوانحها ، و هي ترى ابنها محمَّــد ٌ حين فتحتْ
له الباب . كم كانت على أهبَــة التحليق في مجرَّاتِ الكوْن ِ حينما عادَ
إليها ابنها الآخر أحمد .
حينَ قالا لها بأنهما ذاهبان ِ لإحضار ِ أختيْـهما زهراء ، أزْهرَ
وجهها بهجة ً ، و بدت أنَّ سفينة َ حلمها سترسو أخيرا ً ، لتلقيَ بأعذبِ
اللحظات ِ لها . فليسَ سوى أنْ يعودوا جميعا ً ،ويعود الفرحُ مزدانا ً
بساعات ٍ حريريّـة .
هكذا نحن ، حينما نستشعرُ اقترابَ المسافة ِ الموصلة ِ إيَّــانا
إلى مدن الفرح ِ ، نستعجلُ الخطى. ربما عن حمق ٍ و ربما عن
حسن نيّــة أو سذاجة ٍ .نخالُ أنّ كلَّ شيءٍ انتهى ، و لا احتماليَّــة
ممكنة للحيلولة دون الوصول إلى ما نرومه . بغتة ً نتعثرُ أو
ربما يرمي لنا القدرُ بورقته الرابحة ف تتهاوى أبراجُ آمالنا ، ثم نغنمُ
الهواءَ و حزنا ً شرسا ً !!
هي التي ركلتِ الحزنَ خارجا ً و أوصدتْ أبوابَ قلبها ، انقضَّ
عليها الحزنُ و دمَّـرَ أسلحة آمالها كلها ، فركعتْ . أصبحتْ مثلَ
السياساتِ العربيَّــة ِ ، هزيلة ً و هشَّـــة .
*******************
تجيلُ النظرَ فيمَـنْ حولها ، تنظرُ و في عينيْـها يئنُّ السؤال ُ عن الفاعل .
مَـنْ الذي وَأدَ حلمها ؟؟!!
مَـنْ الذي افترسَ أفراحها ؟؟!!
مَـنْ الذي زوَّدَ حزنها بقوَّة ٍ جبَّــارة ٍ لمْ تقوَ عليها ؟؟!!
ليست ثمَّـة َ اجابة ٌ ، ربما لعدم جدواها . إذ ما الذي يمكن أنْ يفيدَ ذلك
و هي التي في الحالتيْـن ـ سواء أكانت القوّات المحتلّـة أم
المقاومة ـ قد خسرتْ أولادها جميعا ً !!
تصرخُ مستفهمة ً عمَّــا فعلوه ليلقوا حتفهم . أهي الضريبة
التي تفرضها الحربُ ، و التي لا تكتفي بقتلى الطرفيْـن
المتحاربيْـن ، فيطالُ الموت ُ الأبرياء لا لشيء ٍ سوى دفع تلك الضريبة ؟
كانت قبلَ الفجيعة بساعة انتظار ، قد سمعت صوتَ انفجار ٍ
مدمّـر ٍ ، فجَّــرَ فيها هلعا ً . خرجتْ .. اخترقت الصفوفَ المتراصَّــة .
تنظرُ في جثث الصرعى . لم تجد أيَّــا ً من أولادها .
و بينما هي تهمُّ بالعودة لمحتْ حقيبة زهراء المدرسيَّــة ِ . تكهربت ..
انقضَّـت نظراتها على الجثث مجدَّدا ً . وجدتهم جميعا ً صرعى .
الآن هي تطلقُ الصرخة َ اثرَ الصرخةَ ، ربما ألما ً و ربما بكاءا ً
على ما ينتظرها
في مُقــبـِــل ِ الأيَّـام ِ . إذ ما مِنْ أحد ٍ تبقى لها ليؤنسها أو ليعينها
في المستقبل . تتمنى
في سرِّها لو يفتِكُ بها الموتُ هي أيضا ً . يهمُّ البعضُ بمحاولة ِ
ابعادها عن المكان .
تجتاحها عواصفٌ غضبى ، لا ترأفُ ، لكنها خاسرة ٌ ؛ إذ لا شيءَ
تغنمه . ثمَّ تهدأ فيما العواصفُ مستمرّة ٌ . يتمُّ ابعادها أخيرا ً
و هي تصرخُ : " عودوا .. عودوا .. عودوا "!!
(( تمَّــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــت ))
- التفاصيل
- كتب بواسطة: أسد محمد
- المجموعة: القصة والرواية
- الزيارات: 7
خصام زوجين
أغلق النوافذ ، وابتعد عن غرفة الجلوس إلى غرفة قصية من
شقته ، بلغ الزاوية البعيدة التي لا تصلها عادة ثعالب آخر
ليلهم ، صم أذنيه بإصبعيه، ونزلت تشنجاته إلى أسفل
بطنه ، وتحرك غضبه في قبو صدره المتعب ، فتل في
البيت ، وانزعج على نومه اللذيذ الذي ذاب مثل السم
في الدم، أحدث ضجيجا ، وأشعل آلة التسجيل إلى
أعلاها ، ترك أوراقه محشوة في الظرف ، والتي أحضرها
معه من العمل لإنجازها بعد قيلولته ، اضطر للخروج إلى المقهى
المجاور ، جلس وحيدا يتفرج إلى القهوة ذي الوجه
المحروق ، ويقارنها بحاله الذي بلغ ذروة التوتر ، تحرش
بممسكة الفنجان ، دوره في مكانه ، وفجأة انطلق منه صوت
فتركه يهتز في صحنه مع سائله الذي تبعثر في كل اتجاه ، بدأت
آذانه الداخلية تزن وتطن ، وحكاك حاد مثل أنصال يخرمش
قشرة دماغه لم يتمكن من هرشه ، دخن سيجارة
لعله يهدأ ، تركها تحرق نفسها ، وترك فنجان القهوة
يتقيأ في بطنه ، ومضى إلى صديقه رغم الوقت غير
المناسب للزيارة ، قرع الباب باستعجال ، دخل دون
أن يحييه ، فبادر الصديق ، وألقى عليه السلام ، وظن
أنه في كربة من كربات الدهر اليومية ، وبعد
أن جلس ، ابتسم الصديق ، وسأل : " هربت منهما ؟ "
لم يجبه ، هون عليه الأمر ، استأذنه ، و ذهب لتحضير
القهوة ، عاد وهو يحمل الصينية ، فلم يجده ، فقال في نفسه :
" اقترحت عليه أن يبيع شقته ، لكنه لم يقتنع بعد .."
***
- هه ، أخبرني كيف نمت البارحة ؟
نظر إليه نظرة ازدراء ، وظل طي عبوسه المتخم بتعابير
وجه جنائزية .فتابع يتكلم من وراء ابتسامة ماكرة :
- " حسنا ، لقد شربت القهوة ليلة أمس وحدي ، وكنت
أتمنى أن تبقى وتنام عندي".
هزَّ رأسه باستنكار ، ناوله مظروفه ، وطلب منه أن
يساعده في استكمال الجداول ، ثم تثاءب ، دعك عينيه ، و
وضع رأسه على طرف الطاولة فوق الأوراق الأخرى ..
مازحه صديقه بجمل عديدة ، وقال : كالعادة ، زوجان
سيئان ، يتخانقان طوال الليل، و ..
رفع رأسه عن ساعديه الملفوفين فوق بعضهما
البعض كوسادة ، رمقه بنظرة متهالكة "
لا تكمل ، أنا لن أبيع الشقة وحسب ، بل لن
أتزوج إكراما لهما أبداً " .
* كاتب روائي ومسرحي سوري
- التفاصيل
- كتب بواسطة: رشا فاضل
- المجموعة: القصة والرواية
- الزيارات: 5
المشهد الأول
ترتفع الستارة .. وحدها على الخشبة .. تختفي اصواتهم .. تمتزج وجوههم
لتصبح وجها واحدا .. تتلاشى ملامحه فيما بعد .. لا ضوضاء .. ولا احد ابدا .
تحمل منديلا .. بحنان تلثمه وهي تتنفس اخر لحظاتها معه .. تغيب في دفئه
الذي لم يفارقه بعد .. تنتبه الى ان الجميع يرقبها .. وان ثمة من يعطيها
التعليمات من خلفها ويذكرها بالكلمة الاولى التي يجب ان تقال .. لا
بالمنديل المخبئ بين ثنايا ثوبها ..
تستيقظ من دفء حلمها لتغيب في الكلام المحفوظ عن ظهر قلب ..
تسترق السمع الى دقات قلبها المتسارعة .. انه يخفق .. يخفق بقوة ..
تعاود اخراج المنديل المختبئ بين ثنايا ثوبها .. تلثمه بحنان ..
ترفع وجهها نحو السماء فاتحة صدرها .. يبتهل قلبها للاله الماثل في كل
ذرة كونية ان يحفظه .. ان يغفر لها انها نسيت ان تعفر
خطاه بقدح ماء ككل مرة .
تشعر ان اقدامها لا تستطيع حملها .. تجلس على مقعد من الخيزران ..
تحاول ان تتجاهل دقات الخافق الصغير .. ثمة من يعطيها الاشارات لتكف
عما تفعله ، وان تعتذر وتنسحب .. لكنها لا ترى احدا .. لا تكترث ..
تستسلم للمقعد الهزاز الذي يحتضنها وهي تضم كفيها الى صدرها بقوة ..
( مازالت قبلته .. كجسد طفل ولد للتو .. غضة .. وطرية ..)
يعاود قلبها الخفقان .. يخفق .. يخفق .. تقفز الى مخيلتها ساعته اليدوية ..
واعقاب السجائر التي سحقها .. تتلمس عيناها أشياءه الصغرى بحنان ..
لا تريد الانصات اكثر .. تنهض .. تحاول الانشغال بتذكر دورها الذي مازالت
تتذكره جيدا .. ولم تنسه كما يجدر بها ان تدعي .. تحاول ان تستر توترها
بالصمت .. بترديد الكلمات التي حفظتها عن ظهر قلب . تشعر وللمرة الاولى
ان دورها مضحك .. وان كلماتها هزيلة .. كسيحة لا معنى لها ..
فجاءة يخرج صوتها صدى لاجراس الحزن .. ( كل شيء عداه
باطل .. وقبض ريح ..) ليس ثمة من يصفق اذ لم ينتبه احد من
الجمهور .. ان تلك الجملة ، التي حملها صدى تردد في ارجاء
المسرح .. تعني نهاية المشهد .
المشهد الثاني
تمتلئ القاعة بالضجيج ..
يستغرب الحضور من هذا الضجيج .. المنبعث من خلف الكواليس ..
من كل الذين يمسكون اوراقهم بايديهم .. وهم يلوحون لها ان تكف
عن المهزلة التي تقوم بها .. وتنسحب بهدوء .. ثمة الكثير ممن
حفظوا دورها ، ويستعدون لاخذ مكانها على المسرح .. لكنها مازالت
تنظر اليهم ولا تراهم ..
لا ترى سوى تلك الابتسامة النبوية التي ارتسمت على وجهه ، وهو
يراها تجهز اغراضه في كل ذهاب له لساحة المعركة .. كانت ملامحه
تشي بامر لا تريد معرفته .. طردت من راسها الافكار السوداوية ..
وهمت بمغادرة الرقعة ..
المشهد الثالث
لم يعودوا يتحدثون بالتلميح .. بل اخذوا يصرخون بها ان تتوقف
عن هذه المهزلة وهذه النكبة التي نكبتهم بها .. تلتفت اليهم
ولا تراهم .. لا تراهم ..!
المشهد الرابع
تفشل في اخفاء ولعها الصعب به ... تتحدث مع نفسها بصوت
عال .. كلماتها متقطعة .. غير مفهومة .. وثمة من يوشك على
الجنون يقف خلفها يائسا من انقاذ ما يمكن انقاذه من مسرحيته المنتظرة .
تنظر الى الوجوه .. تتطلع اليها الواحد تلو الاخر ، تبحث عن وجه
حبيب مالوف .. عبثا تحاول ان تجده . يخرج صوتها غاضبا خائبا ..
( لا شيء ! لا شيء ! الجدران عارية .. والوجوه غبار ! )
تخرج المنديل بعصبية .. ( لن اغفر لك تلك الابتسامة .. لن
اغفر لنفسي اني نسيت قدح الماء .. ) يتابع الجميع كلماتها بتمعن ..
( الحرب .. تلك المواجهة الخرقاء .. وحش بلا قلب ، غبي
وأبله ، هدفه الاول والاخير هو القتل لا يهم لصالح من .. القتل هو القتل .. ) .
ينفجر قلبها ببكاء حار لا تعرف سببه ..
تجثو على ركبتيها .. ترفع يدها نحو السماء .. تدعو .. وفي حنجرتها
تجمع ادعية كل من حولها .. بصوتها المخنوق بالدمع .. ( يارب ..
احفظه من الرصاص الغادر .. من محرقة الموت التي ابتلعت اباه ذات يوم ..
اباه الذي لم يترك لي سوى ضحكة نبوية اخرى ..)
يحتدم الصراع .. يركض مع رفاقه .. صوت امه المعاتب الحزين يعلو
على صوت القنابل والعيارات النارية .. يركض بسرعة نحو ضفة الامان ..
تكبر ابتسامته .. سيصل .. سيصل .. يضم سلاحه الى صدره ليتمكن
من الركض بسرعة اكبر .. يخفق قلبه بشدة .. يرى وجه ابيه وقد علته
الابتسامة ذاتها .. يمد له يده .. فجأة تتعثر خطاه .. ! يسقط سلاحه
من يده .. ينظر الى صدره .. ثمة رصاصة استقرت في قلبه .. بين صورة
امه .. وابيه .. يهوي على الارض المفروشة بدمائه .. يستقر راسه على
السلاح .. وقد ارتسمت على وجهه تلك الابتسامة النبوية .. بينما تحمل المرأة
على الايادي غارقة في بحار دهشتها وغيبوبتها وهي تمسك قلبها الذي اجفل
اثر صرخة في اعماقها .. وسط تصفيق الحضور وهتافهم لها ودهشتهم بهذا
الاثر الفيزيائي الذي اعترى جسدها .
- التفاصيل
- كتب بواسطة: متعب بن عبدالله
- المجموعة: القصة والرواية
- الزيارات: 6
1
"بعد زمن طويل، يلوذ المفتاح بقفله،
تنفرج أسارير الخزانة.عنكبوت وحيد و هرم..
يندب خيوطه الممزقة أسفل القفل.".
2.
"وضع الكاتب قلمه، والتحف الشخير.
بدأت الرياح تغني، رقصت الأوراق..
و انطفأت الشمعة.".
*
3
"أول ورقة سقطت في الخريف،
حطمت القمر المكتمل..
الذي يسكن قلب الغدير.".
*
4
"أطل البدر من بين ندف السحب،
نظر لوجهه في مرآته، أول موجة شوهت صورته..
الثانية ابتلعته."
5
"ولجت غرفتها، الغبار يلعب تحت فرجة النافذة، الصمت يفترش أثاثها، عصفت بالصمت:
"أنا عدت.".
قفز الصدى فوق أرجوحة معلقة في سقف الشقة، وطفق يردد كلامي، يسخر مني، سقطتُ في يدي، ولم أستطع النهوض.".
- التفاصيل
- كتب بواسطة: محمد المغربى
- المجموعة: القصة والرواية
- الزيارات: 6
أول ما يبحث عنه قبل أن يقرر الجلوس فى أى مكان، حائط يستند إليه ومساحة ينظر منها الى السماء. يضع كرسيه (صفيحة جبن فارغة) ويجلس مستندا بظهره الى الحائط، يبدأ فى ترتيب أدواته معلنا بعد دقائق استعداده للعمل فى هدوء وثقة. زجاجة الصبغة السوداء على اليمين دائما وأمامه مباشرة صندوق التلميع وعلى يساره فرشاة المسح وسفنجة التلميع، أمام الصندوق من الجانب الأخر وعلى اليسار كرتونة تبدو أنظف ما فى هذه الأدوات، قبل أن يعطى أول طرقة بالفرشاة على الجانب الأيسر للصندوق يرفع لافتة (سعر اليوم 50 قرش). مع أول زبون يضع قدمه أعلى الصندوق يتذكر أنه لم يخرج علبة الورنيش الأسود بعد من جيبه الأيمن، حيث يعبث بها طوال الطريق أثناء تنقله بين الميادين، المقاهى، المصالح الحكومية والأرصفة.
بمرور أربع دقائق ينتهى من أى زبون/ حذاء اة كان نوعه، يؤمن تماما أن الرزق يحب الخفية وفى نفس الوقت لا يحب جرى الوحوش لأنه غير رزقك لن تحوش. كلما شعر أنه أصبح معروفا فى مكان ما أو مصلحة ما لا يعود إليها ثانية، وهكذا حتى أنه جاب ميادين العاصمة كلها بل وبعض البلدان المجاورة.
أكثر ما يزعجه حين يدخل الى المساجد للصلاة هو نظرات المتوضئين إليه حين تتساقط الصبغة السوداء من وجهه وهو يغسله كاشفة عن بشرته البيضاء النقية، فى بداية عمله هذا لاحظ أن الزبائن تتشكك فى مظهره المهذب وسترته الأنيقة ، ومن ثم لا يحقق حصيلة مجزية مما اضطره لأن يصبغ وجهه ويتعمد الجلوس فى مواجهة أشعة الشمس حتى يتلون بما لا يجعله غريبا مستهجنامن الزبائن. مع مرور الصباحات الحارقة والليالى الباردة، تغيرت هيئته كثيرا حتى أصبح مألوفا لا يثير أى ريبة او لفت للأنظار.بالرغم من أنه تأقلم على هذا الوضع إلا أن يديه فى كل مرة يمسك بزجاجة الصبغة تسترجع تلقائيا خبراتها السابقة مع أنابيب الإختبار الزجاجية.
إحساسه بالمعاناة والألم تلاشى مع كثرة الأحذية التي مرت به فكم تعانى تلك الأحذية من أثقال البغال من فوقها وحركاتهم غير المدروسة اللاهثة وراء لا شيء ذا قيمة، تحولت حركاته مع الأيام إلى نوع من الحنان على الأحذية ولمسات صديقة تحمل نوعا من المواساة والرفق.
في أوقات انتظار الحذاء التالي يرفع عينيه إلى السماء باحثا عن الصقور التي يتابع تناقص أعدادها يوما بعد الأخر في سماء هذه العاصمة.
الصفيحة مع الوقت أصبحت جزءا من مقعدته فهو لا يطيق الجلوس إلى الأرض مباشرة، حتى انه كنوع من التغيير حاول التخلي عنها لكنه أصيب بالآم في المفاصل ومن ثم عاد إليها مرة أخرى بعد إضافة وسادة قديمة من القش وبقايا القماش.
اعتاد أن يرصد تزايد الفارق بين الأحذية الغالية الثمن والأخرى الشعبية، حيث اكتشف مع الوقت أن الأخيرة آخذة في الانقراض وأصبح قلما يلقى الأحذية التي تحتاج بالفعل إلى التلميع والصيانة(الرفق والمواساة). فقد إحساسه بالألفة مع الأحذية خاصة أن أغلبها لا يحتاج لمجهود حقيقي يشعر معه بأنه أنجز عملا ذا فائدة.
في يوم هو اليوم قال لأحد الزبائن أن الحذاء لا يحتاج على تلميع، نهره الزبون ورفع قدمه على الصندوق في عنف طالبا تلميعها، لم يرفع رأسه مطلقا بل بدأ في جمع أدواته في هدوء وسط استغراب الزبون وحنقه المتزايد. نهض حاملا صندوقه واضعا اللافتة في باطن الصفيحة مستديرا ليغادر المكان.
... محمد المغربي...