خصام زوجين
أغلق النوافذ ، وابتعد عن غرفة الجلوس إلى غرفة قصية من
شقته ، بلغ الزاوية البعيدة التي لا تصلها عادة ثعالب آخر
ليلهم ، صم أذنيه بإصبعيه، ونزلت تشنجاته إلى أسفل
بطنه ، وتحرك غضبه في قبو صدره المتعب ، فتل في
البيت ، وانزعج على نومه اللذيذ الذي ذاب مثل السم
في الدم، أحدث ضجيجا ، وأشعل آلة التسجيل إلى
أعلاها ، ترك أوراقه محشوة في الظرف ، والتي أحضرها
معه من العمل لإنجازها بعد قيلولته ، اضطر للخروج إلى المقهى
المجاور ، جلس وحيدا يتفرج إلى القهوة ذي الوجه
المحروق ، ويقارنها بحاله الذي بلغ ذروة التوتر ، تحرش
بممسكة الفنجان ، دوره في مكانه ، وفجأة انطلق منه صوت
فتركه يهتز في صحنه مع سائله الذي تبعثر في كل اتجاه ، بدأت
آذانه الداخلية تزن وتطن ، وحكاك حاد مثل أنصال يخرمش
قشرة دماغه لم يتمكن من هرشه ، دخن سيجارة
لعله يهدأ ، تركها تحرق نفسها ، وترك فنجان القهوة
يتقيأ في بطنه ، ومضى إلى صديقه رغم الوقت غير
المناسب للزيارة ، قرع الباب باستعجال ، دخل دون
أن يحييه ، فبادر الصديق ، وألقى عليه السلام ، وظن
أنه في كربة من كربات الدهر اليومية ، وبعد
أن جلس ، ابتسم الصديق ، وسأل : " هربت منهما ؟ "
لم يجبه ، هون عليه الأمر ، استأذنه ، و ذهب لتحضير
القهوة ، عاد وهو يحمل الصينية ، فلم يجده ، فقال في نفسه :
" اقترحت عليه أن يبيع شقته ، لكنه لم يقتنع بعد .."
***
- هه ، أخبرني كيف نمت البارحة ؟
نظر إليه نظرة ازدراء ، وظل طي عبوسه المتخم بتعابير
وجه جنائزية .فتابع يتكلم من وراء ابتسامة ماكرة :
- " حسنا ، لقد شربت القهوة ليلة أمس وحدي ، وكنت
أتمنى أن تبقى وتنام عندي".
هزَّ رأسه باستنكار ، ناوله مظروفه ، وطلب منه أن
يساعده في استكمال الجداول ، ثم تثاءب ، دعك عينيه ، و
وضع رأسه على طرف الطاولة فوق الأوراق الأخرى ..
مازحه صديقه بجمل عديدة ، وقال : كالعادة ، زوجان
سيئان ، يتخانقان طوال الليل، و ..
رفع رأسه عن ساعديه الملفوفين فوق بعضهما
البعض كوسادة ، رمقه بنظرة متهالكة "
لا تكمل ، أنا لن أبيع الشقة وحسب ، بل لن
أتزوج إكراما لهما أبداً " .
* كاتب روائي ومسرحي سوري