- التفاصيل
- كتب بواسطة: خالد العلوي
- الزيارات: 5
عند كتابتي لذات (( ذات)) قهرت نفسي عندما وضعتها (( أنا)) هناك وجذبت قلمي (( هنا )) لاكتب لكم ما ترونه جنونا مني وأراه حقا وعقلا تعقلون به ما لم اعقله ؟؟؟!!
=================
بعد موتي حرام أن تلمسوا كرسي ّ الوثير ، وفراشي وفرشاة أسناني وخصلاتي الساقطة أسفل الوسادة فأنا الميت كانت حياتي مكرّسة في حفظ المكان في الذاكرة كما تحفظ المساجد وتحفظ الكنائس ، لهذا لم أضع حارس على باب الذاكرة لعلني ذات (( ذات)) أرى الاطلاع يحج الى مكاني الخاص !!
ذات (( ذات )) الورقة ستخبركم وتتعجبون لأنها تكلمت!! إن فعلت فهي ورقتي وعلى الرف مسطرتي ضعوها على الورقة وقيسوا كم سنتيمتراً ابعد أنا عنها؟؟ وكم في العشرين سنتمترا ً قربي منها؟؟ الفرق ستجدوه في أدراجي المهملة .!!
ذات (( ذات)) سيكون صوتي هو الأقرب احتمالا كما لن يحدث موتي إزعاجا لكم !! وانتم تحجون بين مدرجاتي دون ان تخالفوا النظام أرجوكم لا داعي لاصطحاب الكـلاب لاقتفاء آثاري فالمخلفات المقدسة تزكم أنوف الفئران لا داعي للكـلاب ستصرخ بكم الرائحة ما أن تبدأو،، رائحة غريبة ستسود أنوفكم لا تندهشوا تلك رائحة الفهم !!
ذات (( ذات )) وانتم تحجون ذاكرتي سيهتز كرسيّ الوثير محدثا زلزالاً في الأدمغة الخائرة .؟!!
ذات (( ذات )) سأضحك كثيرا على افرشتكم أيها النائمون في الحرير ففراش الميت احسن حالا منكم واكثر سعة واكثر جزئيات فعليه نامت حقيقة ==== (( حقيقتي ))
ذات (( ذات )) ستغزو البكتيريا أسنانكم وعيونكم وسيستعصي عليكم ان تزيلوها فقد تفشت في أجسادكم وأذهانكم وصادفت حتى الأماكن الجميلة فيكم فأكلتها فأصبحتم اكثر هزيمة وأكثر فشلا عما أنتم به !!
ذات (( ذات)) ستعقدون الندوات عن خصلاتي الساقطة وتحاولون ربطها بالذاكرة والكرسي والفراش والفرشاة وتجتهدون في تجميع أشلائي المتناثرة دون لمس وإحساس ذريع بالخيبة يوجه أياديكم نحو قناعي لا وجهي ، قناعي الذي أصابني لا زال معلقا على السطح لم البسه يوما كما اعتقدتم رغم موتي المبكر لن تفلحوا في تجميع خيوطي في مملكات العناكب فالخصلات عندي تختلف في اللغة والتكوين والتعبير شخص واحد من عشرة سيجيد ترجمتي !!شخص عاش ومات قبل أن يترجم ذاكرتي .!
ذات ( ذات ) ستخلدون إلى النوم وستكتشفون بأن لا وسادة أسفل رؤوسكم فيصطدم الرأس بالحديد وبالأحجار وبأرجل السرير!! فينهمر السقف عليكم ثم النجوم فالسماء وسترون بشاعة المعنى في أنفسكم وستحتاجون إلى الراحة؟؟
تأخر الوقت لا خبث لا عواطف كل الأفكار الرائقة والغير ... لن تجدي!! ولن تنفعكم أي حماية لا بالبيت ولا بالباب ولا بالشجر ولا بالورقة و سيبقى الرأس معلقا في النص غير ثابت فيسأل الحرف .. السبيل السبيل ؟؟ فيرد الحرف : لا سبيل ( ضع مخدرا أو افهم أو مت ) !!
وسادتي تبتسم .. : )
سيخبرني حرس النص كيف بتم !!
ذات (( ذات)) سيسأل كل فرد ٍ على حدة كم مرة غطس في الدنيا ؟
فيجيب بأنه صدق وينسى انه سرق !! فتقوم الدلائل عليه فيعي ثبة العلة فلا يستطيع ان يغطس ويعيد تشكيل البداية (( ببساطة(( الأمر غير مجدي)) كل الأماكن باتت للغرق !!
ذات (( ذات)) سيخرج شخص ويتمرد على ضعفه فيسجن نفسه ويمشي على الطبيعة ويستمع لخلجات الجبال والأشجار والرياح فيوألهوه كبوذا ويمشون على تعالميه ويخرجون عن النص فيحرفونه ثم يحرقونه ثم يتخذونه نبيا ويسمون فلسفته دينا كزرادشت ويغلقون أبواب الذاكرة والحج عليه ويكتفون بالإتباع وينسون أن هناك خلف السماء رب وكعبة وجنة ونار وقرآن وضع للموتى !!
ذات (( ذات)) سينتهكون محارمي وسترفض الفرشاة ان تسلّم فيتبعها الفراش فالوسادة فخصلاتي وسيقاومون وينتهكون ما حرّم الرب عليهم ان ينتهكوه فيقتلون من وضعته حارسا على الذاكرة ثم سيلمسون أجزائي ليعفنوها في أيديهم !!
سيخرجوني خارج القفص وسيجلسوا على كرسيّ الوثير وسيزعمون انهم (( أنا )) وأن هذا الكرسي ّ والفراش والأوراق وكل ملكي كانوا هم وأني أنا لست أنا ؟ !!
وهذا مكانهم الخاص سيزعمون أنه مكانهم وأنا الميت الحي سيقولون عني أنا أني لم أكن إلا حارسا للمكان فسرقته منهم !! وها هم يستعيدوا المكان !! سيكون عليهم حينئذ ان يثبتوا انهم الأقرب احتمالا مني الى الحق فرائحتي تملأ المكان !!.
ذات (( ذات )) ستثور العناصر الأربعة وتخلق إنسانا قادر على فهم الخصائص اكثر من علماء الأحياء ، إنسان باستطاعته ان يرى العالم لا على انه ضيف غبي بل على انه من يوجه نحوكم أسوأ ما فيكم وعيناه مغرورقتين بالدموع الى أن تقع أعينكم على ما وقع فتنجحون في تحطيم طبقات العمى التي تراكمت طمعا في نيل ِ الشفاء !!
ذات (( ذات)) سنذهب الى مضاجعنا نقرأ المصاحف والأناجيل وتقرأ كل طائفة نبيها ورسولها ،، فتتوحد التساؤلات مع أنواع الخيبة والغباء في(( أمة محمد عندما ينهض المصحف يقبل جبين محمد ويفوز من تلاه !!
ستسخر الأناجيل منكم لأنها خدعتكم وانتم في مضاجع الفناء وسنرى الله بوضوح متجسدا حينها في كل شيء ابتداءً من فيك حتى (أنا ) ويديك وساعتك والشجرة والسماء والأرض وستعلمون حينها كم كذب المبشرون والبطاركة عليكم حينما جعلوكم في أقاليم الظلام !!
ذات (( ذات )) ستفقدون القدرة على التأثير وعلى السير وستضطرون أن تسيروا على أنوفكم وستسخر الثمار منكم وتشير الكـلاب إليكم بأصابع الاتهام والتآمر وخيانة الله ولن ترسم العاصفة لكم طريقا آخر للهلاك نحو العدالة الحق بل ستتدهور إهانتكم وحالتكم وتبدون أغراب حتى على دارون بعد ان زاد عدد الأذيال فيكم وعندها ستتساوى المشاعر مع التألم !!
ذات ((ذات)) ستستهوينا العبارات والإيحاءات المريبة والقريبة وبمضي الوقت وتقدم الجمل والعبارات والتعاريف نحو البلوغ سنقع خارج التعريف والإيحاء وسنبدو كهمزة غير متصلة لا بألف ولا حتى بنبرة!! فنكتشف أننا سذج وحمقى وان اللغة كانت لعبة يفصل بيننا وبينها التفوق الكبير!! فتتمرد الأحرف فالأرقام وهكذا دواليك حتى تتمرد الأقلام والصحف فنكتشف أننا خدعنا لأننا لم نكن نكتب أنفسنا بل كنا نكتب ظلها !!
ذات (( ذات )) على قدر الإمكان وقدر الذات والتظاهر سنجازي العدل باعتباره علاج ولن نشفى ولن نستطيع أن نقاوم الحافز والإيحاء فنكذب عليهم ببساطة ونجرف معنا خيوط الحركة والتحديد والتجديد فنكوّن خرافة ونكون نحن على قدر الإمكان قذارة لا تحتاج لعامل نظافة !!
ذات (( ذات )) سيتساقط الزمان فينا !! الغابات والبحار والأشجار والمحيطات وسنأكل في وجبة الغداء كهف!! وفي العشاء ثلاث ساعات!! وحين نضطر للتقيؤ سنتقيأ التذوق!! بعد ان انفتحت الشهية للأكل !!
ذات (( ذات)) سنحدث في المستقبل فجوة فنتوهم أننا عرفناه وبتنا لا نحتاج لنبي ولا لعرافة ولا لمعجزة!!
فقد كشفنا الحركات والسكنات وصعدنا القمر واحتللنا القدر والفهم اصبح سريعا فنسقط عشرات السنين بعبقريتنا في المجهول ثم تبدأ الجلسات بالانعقاد!! ولن نتعاطف مع أنفسنا عندما تحين لحظة الانتقام والاستجماع
(( قبحنا الله )) المجهول أعطانا الفرصة فقط ،، ولكننا تمادينا في الانحلال العلمي والخلقي من كل النواحي حتى أغضبناه !!
ذات (( ذات )) الماء ،، ذات ليل ،، سيتساقط صبحاً من أعلى القمة جارفا معه حبيبات النهار وكريات الوهم ليتفتت شمساً في الأسفل !!
سيصعد الدخان الى رئتي سالكا طريق المدفأة في شتاء جسدي !!
سأنتبه أنني نسيت السيجارة مشتعلة فأنتبه عليها فأدخن الافلاطونيات وجوته فيتساقط الرماد مع شعر الفروة حتى تصبح رؤوس المعاني صلعاء فيبتسم حلاق الماء !!
ذات (( ذات)) ستهتز المرايا وتتبعثر الصور في أجزاء الساعة ويموت العقرب فتشهق الشظايا فيصاب إصبع حرفي فتنزف المرايا صورة ، اثنتين ، عشرة ، حتى يتكوّن شلال الدماء !!
ذات (( ذات )) ستمضي العربة وتدور العجلات حتى تضغط بحوافرها عظامي وعظام القطط فلكي يهرب الحقد لابد من ضغط شديد على الانتقام!!
يجب أن يطير الدخان ويموت الحصان !!
وتتطاير جسيمات المعرفة في شواطئ البغت!! فتهتز العربة فالشارع فالمارة فتنطلق الصفارة ويبدأ العد : حرف ، 2، 3، 4، 5 حتى تنفجر الأشلاء الى حقائق !!
ذات (( ذات)) سأسمع صوت صريري يهتف (( أرجوك دعني )) !! فأسكبه خارج عظامي واغلق خارجي عليه !!
ذات (( ذات )) ستهرب اللغة من المعجم والقاموس والأفواه وتصبح المكتبات ماء زلازل غير مشوب بالقواعد والنظريات المقترحة فكل الحروف ستكون هي !! وانا و(( أنت )) لن نكون سوى مظلة لها !! عندما يبللها الماء !!
ذات (( ذات)) سأسكب في اسمي ناراً وارقب اشتعال الخاء ثم الألف فتبتسم النوافذ وتنفتح الأبواب على ناري فأعلم أنني عدت هذه داري وهذه مرّآتي وتلك هي نوافذ الحقد وتلك ابتساماتي الصفراء تهيئ نفسها لمأدبة قذارة عندها تبدأ النار بالاضطرام فيهرب الألف ويتبعه الخاء وأبقى أنا لأحترق !!
ذات (( ذات )) عندما يسقط الماء ستدرك الحداثة هلع وسيصاب العالم باللعنة وتغدو المتطورات عمياء وصماء وبكماء !!وسيرى الناس المباني والمقاعد والصفوف والأواني ترقص في محابر السين !! سيتخلى التطور عنا وسينحاز الظلام إلينا وسترفضنا الطبيعة ؟ !!
ذات (( ذات )) ستحمل أمك وتلدك!! فتغار الجارة فتلدك !! فتحمل أمي فتلدني !! فيحكم الرحم العالم ليلد الجريمة والشك !! عندها ستهرب المعدة ثم الرحم ليطلبون من الله أن يرزقهم بجنين رحمة !!
(( في كل ظلمة لابد من إشراق نهار )) !!
ذات (( ذات )) ستمضي الساعة وستنفجر الثواني مخلفة ضجة فيصاب العالم بداء الوقت وسعال الزمن وغبار الجزء فتقع قرنية العين أثر اتساخ نظراتها ولن ينفع أن نزيل المتكدسات بموشحات ٍ مائية ، ستنبح الأرض وستعوي السماء و وسترغو الشمس وستموء الرياح وستفح الجبال وسينتهي كل شيء .. كل شيءٍ في لحظة ..
خالد العلوي
- التفاصيل
- كتب بواسطة: خالد العلوي
- الزيارات: 5
مقدار من الجنون لابد منه من أجل مقدار من العقل .
عند كتابتي لذات (( ذات)) قهرت نفسي عندما وضعتها (( أنا)) هناك وجذبت قلمي (( هنا )) لاكتب لكم ما ترونه جنونا مني وأراه حقا وعقلا تعقلون به ما لم اعقله ؟؟؟!!
=================
بعد موتي حرام أن تلمسوا كرسي ّ الوثير ، وفراشي وفرشاة أسناني وخصلاتي الساقطة أسفل الوسادة فأنا الميت كانت حياتي مكرّسة في حفظ المكان في الذاكرة كما تحفظ المساجد وتحفظ الكنائس ، لهذا لم أضع حارس على باب الذاكرة لعلني ذات (( ذات)) أرى الاطلاع يحج الى مكاني الخاص !!
ذات (( ذات )) الورقة ستخبركم وتتعجبون لأنها تكلمت!! إن فعلت فهي ورقتي وعلى الرف مسطرتي ضعوها على الورقة وقيسوا كم سنتيمتراً ابعد أنا عنها؟؟ وكم في العشرين سنتمترا ً قربي منها؟؟ الفرق ستجدوه في أدراجي المهملة .!!
ذات (( ذات)) سيكون صوتي هو الأقرب احتمالا كما لن يحدث موتي إزعاجا لكم !! وانتم تحجون بين مدرجاتي دون ان تخالفوا النظام أرجوكم لا داعي لاصطحاب الكـلاب لاقتفاء آثاري فالمخلفات المقدسة تزكم أنوف الفئران لا داعي للكـلاب ستصرخ بكم الرائحة ما أن تبدأو،، رائحة غريبة ستسود أنوفكم لا تندهشوا تلك رائحة الفهم !!
ذات (( ذات )) وانتم تحجون ذاكرتي سيهتز كرسيّ الوثير محدثا زلزالاً في الأدمغة الخائرة .؟!!
ذات (( ذات )) سأضحك كثيرا على افرشتكم أيها النائمون في الحرير ففراش الميت احسن حالا منكم واكثر سعة واكثر جزئيات فعليه نامت حقيقة ==== (( حقيقتي ))
ذات (( ذات )) ستغزو البكتيريا أسنانكم وعيونكم وسيستعصي عليكم ان تزيلوها فقد تفشت في أجسادكم وأذهانكم وصادفت حتى الأماكن الجميلة فيكم فأكلتها فأصبحتم اكثر هزيمة وأكثر فشلا عما أنتم به !!
ذات (( ذات)) ستعقدون الندوات عن خصلاتي الساقطة وتحاولون ربطها بالذاكرة والكرسي والفراش والفرشاة وتجتهدون في تجميع أشلائي المتناثرة دون لمس وإحساس ذريع بالخيبة يوجه أياديكم نحو قناعي لا وجهي ، قناعي الذي أصابني لا زال معلقا على السطح لم البسه يوما كما اعتقدتم رغم موتي المبكر لن تفلحوا في تجميع خيوطي في مملكات العناكب فالخصلات عندي تختلف في اللغة والتكوين والتعبير شخص واحد من عشرة سيجيد ترجمتي !!شخص عاش ومات قبل أن يترجم ذاكرتي .!
ذات ( ذات ) ستخلدون إلى النوم وستكتشفون بأن لا وسادة أسفل رؤوسكم فيصطدم الرأس بالحديد وبالأحجار وبأرجل السرير!! فينهمر السقف عليكم ثم النجوم فالسماء وسترون بشاعة المعنى في أنفسكم وستحتاجون إلى الراحة؟؟
تأخر الوقت لا خبث لا عواطف كل الأفكار الرائقة والغير ... لن تجدي!! ولن تنفعكم أي حماية لا بالبيت ولا بالباب ولا بالشجر ولا بالورقة و سيبقى الرأس معلقا في النص غير ثابت فيسأل الحرف .. السبيل السبيل ؟؟ فيرد الحرف : لا سبيل ( ضع مخدرا أو افهم أو مت ) !!
وسادتي تبتسم .. : )
سيخبرني حرس النص كيف بتم !!
ذات (( ذات)) سيسأل كل فرد ٍ على حدة كم مرة غطس في الدنيا ؟
فيجيب بأنه صدق وينسى انه سرق !! فتقوم الدلائل عليه فيعي ثبة العلة فلا يستطيع ان يغطس ويعيد تشكيل البداية (( ببساطة(( الأمر غير مجدي)) كل الأماكن باتت للغرق !!
ذات (( ذات)) سيخرج شخص ويتمرد على ضعفه فيسجن نفسه ويمشي على الطبيعة ويستمع لخلجات الجبال والأشجار والرياح فيوألهوه كبوذا ويمشون على تعالميه ويخرجون عن النص فيحرفونه ثم يحرقونه ثم يتخذونه نبيا ويسمون فلسفته دينا كزرادشت ويغلقون أبواب الذاكرة والحج عليه ويكتفون بالإتباع وينسون أن هناك خلف السماء رب وكعبة وجنة ونار وقرآن وضع للموتى !!
ذات (( ذات)) سينتهكون محارمي وسترفض الفرشاة ان تسلّم فيتبعها الفراش فالوسادة فخصلاتي وسيقاومون وينتهكون ما حرّم الرب عليهم ان ينتهكوه فيقتلون من وضعته حارسا على الذاكرة ثم سيلمسون أجزائي ليعفنوها في أيديهم !!
سيخرجوني خارج القفص وسيجلسوا على كرسيّ الوثير وسيزعمون انهم (( أنا )) وأن هذا الكرسي ّ والفراش والأوراق وكل ملكي كانوا هم وأني أنا لست أنا ؟ !!
وهذا مكانهم الخاص سيزعمون أنه مكانهم وأنا الميت الحي سيقولون عني أنا أني لم أكن إلا حارسا للمكان فسرقته منهم !! وها هم يستعيدوا المكان !! سيكون عليهم حينئذ ان يثبتوا انهم الأقرب احتمالا مني الى الحق فرائحتي تملأ المكان !!.
ذات (( ذات )) ستثور العناصر الأربعة وتخلق إنسانا قادر على فهم الخصائص اكثر من علماء الأحياء ، إنسان باستطاعته ان يرى العالم لا على انه ضيف غبي بل على انه من يوجه نحوكم أسوأ ما فيكم وعيناه مغرورقتين بالدموع الى أن تقع أعينكم على ما وقع فتنجحون في تحطيم طبقات العمى التي تراكمت طمعا في نيل ِ الشفاء !!
ذات (( ذات)) سنذهب الى مضاجعنا نقرأ المصاحف والأناجيل وتقرأ كل طائفة نبيها ورسولها ،، فتتوحد التساؤلات مع أنواع الخيبة والغباء في(( أمة محمد عندما ينهض المصحف يقبل جبين محمد ويفوز من تلاه !!
ستسخر الأناجيل منكم لأنها خدعتكم وانتم في مضاجع الفناء وسنرى الله بوضوح متجسدا حينها في كل شيء ابتداءً من فيك حتى (أنا ) ويديك وساعتك والشجرة والسماء والأرض وستعلمون حينها كم كذب المبشرون والبطاركة عليكم حينما جعلوكم في أقاليم الظلام !!
ذات (( ذات )) ستفقدون القدرة على التأثير وعلى السير وستضطرون أن تسيروا على أنوفكم وستسخر الثمار منكم وتشير الكـلاب إليكم بأصابع الاتهام والتآمر وخيانة الله ولن ترسم العاصفة لكم طريقا آخر للهلاك نحو العدالة الحق بل ستتدهور إهانتكم وحالتكم وتبدون أغراب حتى على دارون بعد ان زاد عدد الأذيال فيكم وعندها ستتساوى المشاعر مع التألم !!
ذات ((ذات)) ستستهوينا العبارات والإيحاءات المريبة والقريبة وبمضي الوقت وتقدم الجمل والعبارات والتعاريف نحو البلوغ سنقع خارج التعريف والإيحاء وسنبدو كهمزة غير متصلة لا بألف ولا حتى بنبرة!! فنكتشف أننا سذج وحمقى وان اللغة كانت لعبة يفصل بيننا وبينها التفوق الكبير!! فتتمرد الأحرف فالأرقام وهكذا دواليك حتى تتمرد الأقلام والصحف فنكتشف أننا خدعنا لأننا لم نكن نكتب أنفسنا بل كنا نكتب ظلها !!
ذات (( ذات )) على قدر الإمكان وقدر الذات والتظاهر سنجازي العدل باعتباره علاج ولن نشفى ولن نستطيع أن نقاوم الحافز والإيحاء فنكذب عليهم ببساطة ونجرف معنا خيوط الحركة والتحديد والتجديد فنكوّن خرافة ونكون نحن على قدر الإمكان قذارة لا تحتاج لعامل نظافة !!
ذات (( ذات )) سيتساقط الزمان فينا !! الغابات والبحار والأشجار والمحيطات وسنأكل في وجبة الغداء كهف!! وفي العشاء ثلاث ساعات!! وحين نضطر للتقيؤ سنتقيأ التذوق!! بعد ان انفتحت الشهية للأكل !!
ذات (( ذات)) سنحدث في المستقبل فجوة فنتوهم أننا عرفناه وبتنا لا نحتاج لنبي ولا لعرافة ولا لمعجزة!!
فقد كشفنا الحركات والسكنات وصعدنا القمر واحتللنا القدر والفهم اصبح سريعا فنسقط عشرات السنين بعبقريتنا في المجهول ثم تبدأ الجلسات بالانعقاد!! ولن نتعاطف مع أنفسنا عندما تحين لحظة الانتقام والاستجماع
(( قبحنا الله )) المجهول أعطانا الفرصة فقط ،، ولكننا تمادينا في الانحلال العلمي والخلقي من كل النواحي حتى أغضبناه !!
ذات (( ذات )) الماء ،، ذات ليل ،، سيتساقط صبحاً من أعلى القمة جارفا معه حبيبات النهار وكريات الوهم ليتفتت شمساً في الأسفل !!
سيصعد الدخان الى رئتي سالكا طريق المدفأة في شتاء جسدي !!
سأنتبه أنني نسيت السيجارة مشتعلة فأنتبه عليها فأدخن الافلاطونيات وجوته فيتساقط الرماد مع شعر الفروة حتى تصبح رؤوس المعاني صلعاء فيبتسم حلاق الماء !!
ذات (( ذات)) ستهتز المرايا وتتبعثر الصور في أجزاء الساعة ويموت العقرب فتشهق الشظايا فيصاب إصبع حرفي فتنزف المرايا صورة ، اثنتين ، عشرة ، حتى يتكوّن شلال الدماء !!
ذات (( ذات )) ستمضي العربة وتدور العجلات حتى تضغط بحوافرها عظامي وعظام القطط فلكي يهرب الحقد لابد من ضغط شديد على الانتقام!!
يجب أن يطير الدخان ويموت الحصان !!
وتتطاير جسيمات المعرفة في شواطئ البغت!! فتهتز العربة فالشارع فالمارة فتنطلق الصفارة ويبدأ العد : حرف ، 2، 3، 4، 5 حتى تنفجر الأشلاء الى حقائق !!
ذات (( ذات)) سأسمع صوت صريري يهتف (( أرجوك دعني )) !! فأسكبه خارج عظامي واغلق خارجي عليه !!
ذات (( ذات )) ستهرب اللغة من المعجم والقاموس والأفواه وتصبح المكتبات ماء زلازل غير مشوب بالقواعد والنظريات المقترحة فكل الحروف ستكون هي !! وانا و(( أنت )) لن نكون سوى مظلة لها !! عندما يبللها الماء !!
ذات (( ذات)) سأسكب في اسمي ناراً وارقب اشتعال الخاء ثم الألف فتبتسم النوافذ وتنفتح الأبواب على ناري فأعلم أنني عدت هذه داري وهذه مرّآتي وتلك هي نوافذ الحقد وتلك ابتساماتي الصفراء تهيئ نفسها لمأدبة قذارة عندها تبدأ النار بالاضطرام فيهرب الألف ويتبعه الخاء وأبقى أنا لأحترق !!
ذات (( ذات )) عندما يسقط الماء ستدرك الحداثة هلع وسيصاب العالم باللعنة وتغدو المتطورات عمياء وصماء وبكماء !!وسيرى الناس المباني والمقاعد والصفوف والأواني ترقص في محابر السين !! سيتخلى التطور عنا وسينحاز الظلام إلينا وسترفضنا الطبيعة ؟ !!
ذات (( ذات )) ستحمل أمك وتلدك!! فتغار الجارة فتلدك !! فتحمل أمي فتلدني !! فيحكم الرحم العالم ليلد الجريمة والشك !! عندها ستهرب المعدة ثم الرحم ليطلبون من الله أن يرزقهم بجنين رحمة !!
(( في كل ظلمة لابد من إشراق نهار )) !!
ذات (( ذات )) ستمضي الساعة وستنفجر الثواني مخلفة ضجة فيصاب العالم بداء الوقت وسعال الزمن وغبار الجزء فتقع قرنية العين أثر اتساخ نظراتها ولن ينفع أن نزيل المتكدسات بموشحات ٍ مائية ، ستنبح الأرض وستعوي السماء و وسترغو الشمس وستموء الرياح وستفح الجبال وسينتهي كل شيء .. كل شيء ٍ في لحظة ..
خالد العلوي
- التفاصيل
- كتب بواسطة: خالد العلوي
- الزيارات: 3
عندما أمسكت يدي ووضعت القلم أشارت إلى الورقة وقالت اكتب هنا ( احُبكِ ) اكتبها ضمن شروطي وحدودي ....
لم تفهم أنها ما أن همست بهذه الأخيرة حتى أحدثت شرخاً في أذني فأهتزت يدي تريد الكتابة والقلم يرفض أن يكتب فما تعود إلا أن يكون حراً فأجبرته أن يكتب فكتب
( أكرهك) –
+ ظلت واقفة فوق رأسي وأنا اكتب تحاول أن تنبهني أنها جنبي وأنا أحاول أن لا انتبه لذلك مررت يدها وخطفت الورقة عني قائلة " هل ما تكتبه أهم عني " ؟
لم اغضب وأجبتها :
" طبعا لا "
فأنتبهت على قلمي وهو يخربش الطاولة ( نعم ما اكتبه أهم ) –
+ قلتها لقلمي ذات مرة لولاي أنا ما كنت إلا نكرة فضحك قائلا: " لا زلت نكرة فأنت ستموت وأنا سأجف أينا النكرة ؟؟؟ ( قلم قليل أدب صحيح ) –
+ انتشرت الأقلام صائحة هذا صاحبي وذاك صاحبي إلا قلمي لم يقل هذا كاتبي بل نزع الغطاء وكتبني –
+ دائما يكتب اسمها دائما يرسم شكلها إلى أن جاءت غاضبة وامسكته بين كفوفها وعصرته وخنقته ثم صرخت ورمته فشطبها
( قلم حساس )
================
2-
*" أنا الملعون في هذه الأرض أنا الذي لا حظ يلازمني أنا المنبوذ من قصرك أنا الملعون في شِعرك كُفي عن الاعتناء بنبات الظل واعتني بالظل لأنه مثلي ظلا أبقى تحت شمسك ظلا أبقى تحت همسك أنا المطرود من الجنة ولا شيء معي سوى شتاتي وحلم كان يراودني بأن تجمعيه وتجمعيني و "
==================
3-
* * في الحين الذي تعتقد فيه أنك نابغة عصرك وأن لا أحد يقدر عليك تجد في الجهة المقابلة نسخة أخرى من نوعك تتكوّن وتنمو ثمَّ تعلو منتظرة برهة كثيرا ما أسميناها بالمواجهة التي يعقبها نتاج أطلقنا عليه " تسوية مذلة "
• حبك الخيوط ، وتكوين الشبكات ، وطول الأذرع الأخطبوطية كلها تصب في قالب الخبث لتخلق مضاداً فعّال لقتل الفطرة ليجد المرء نفسه بعدها لا تعرفه ؟!
• لا ألوم من قام ذات مرةٍ بسرقة ِ محتويات صديق أو قام بصنع محاورات زنديق ثم جاء بها لتكون مقصلة تجتث عنق الصديق لا ألومه بل ألوم أباه الذي لم يحسن تربيته بحيث جعل من هذا الشاب يعتقد أن من الأدب تقديم الصديق أضحية لا بد أن تقدّم إن وقفت في طريق مصالحه .
• جرب أن تقول لنفسك " أنا قذر " لمدة عشر دقائق ثم أستمر في التجربة لتجد نفسك أخيرا في المستنقع .
• الآن أنت تقرأني ولا أقرئُك ! تعرُفني ولا أعرفُك ! الفرق يا قارئي أنك لا تكتُبني وأنا أكتُبك .
• أحيانا يلعب الاحترام دور السجان الوضيع يوم يحبسك عن رد الصفعات المتوالية على الخد لأن الصافع إما من فئة كبار السن وإما من فئة قدمت لها معروف وقدمت لك ثم نست ما قدمت ولم تنسى أنت ؟ هنا يقوم الاحترام بدورٍ وضيع جاعلا منك مداسا للفئة تحترمها ولا تحترمك ؟ تقدّرها ولا تقدّرك .. ما أبشع كل صيغ الاحترام في هذه اللحظة .
• أن أقول : " إنني هالكٌ لا محالة " هذا لا يعني أنني هالكٌ فعلاً فقولي هذا قد يكون إشارة الى المخرج الدنيء .
• لا يؤرق مضجعي سوى ديكين يبدأ الأول بالصياح ليليه الآخر بالصياح أيضا ، كثيراً ما فكرت بقتلهما لأني اكره الإزعاج ، ويوم نويت قفزت الجملة الى عقلي :" إن قتلتهما لن تنتهي المشكلة ، مشكلة الإزعاج فمشكلة التعود أكبر من مشكلة الإزعاج
فحينها الهدوء سيقض مضجعك ؟؟؟؟!!
• لا تقل للسارق أبداً : ( أنت سارق ) لا تقلها فلولاك أنت لما كان سارق فأنت من علمته السرقة يوم رآك تسلب محفظته وماله وقوته وصحته وشبابه ثمَّ توحشت وسرقت أحلامه بفضل أياديك الطويلة . نعم قلها هكذا :" إني أنا السارق ".
• عندما تعض الفتاة شفّتها السفلى يُخيّل إليَّ لحظتها أن السماوات تعض الأرض بصورةٍ جذابة / مقيتة / قلما تتكرر .؟!
• كثيراً ما أخبرني إنه إذا ما تعب جعل أفكاره مع قصاصاتها في المرحاض ثمَّ يسحب السيفون عليها تاركاً إياه تهوي الى العميق وتفنى ؟
حاولت أن أجرب طريقته فسحبت السيفون لأجد أفكاري تنهمر الى الأعلى ..!!.
• يدخن صاحبي عادةً ليحرق فكرة أقضت مضجعه وأدخن أنا عادةً لأُشعُل فكرة استهوت مضجعي يا سبحان الله يساعدني هو في التخلص منها وأساعده أنا في التمكن منها .. عظيم .!!
• لا أنصحكم بتناول كُتب الفلسفة والإطلاع على أقاويل فلاسفة الغرب والشرق فحتى أولئك الذين لا ينعمون بنعمة ِ العقل نجدهم حكماء وفلاسفة كل ما عليكم فعله هو التأمل في عظمة الله لتجدوا أنفسكم أحكم من الأول والأخير
• لا يوجد فيلسوفاً على وجهِ الدنيا مارس فلسفته بشكلٍ يجعل منه نبياً نمشي على تعاليمه الى يومنا هذا إلا وكان فقيراً معدم ..
قولي هذا لا ينطبق على أنبياء الله أبدا فهم حالات خاصة وأسباب خاصة وضعت ليكونوا على ما كانوا عليه وليصلوا الى الناس بطريقة ارتضاها الرب ( عليهم الصلاة والسلام ) .
فَشلُ بوذا في إرساء وتوصيل رؤيته الفلسفية يوم كان في القصر يرجع الى القصر ونجاحه في توصيلها يوم كان في القفر مرده الى القفر والفقر.. حتى جاءت لحظة غلبته فيها الفلسفة والرؤية والفقر فأكل الروث .
• إذا قلت : لون الجدار أبيض ثمَّ جاء بعدك أربعة أشخاص يشهدون بأن الجدار مفرط الزرقة فلا تبتئس كل ما عليك فعله أن تخرج بنقطة قل :" حسنٌ على الأقل نتفق على أنه مصبوغ ".
قصاصة قديمة
2004م
خالد العلوي
- التفاصيل
- كتب بواسطة: عبد القادر مصطفى
- الزيارات: 7
أهواء النفس، ونزعاتها، ونزغاتها مثل الشرانق الغليظة التي تضرب بخيوطها المحكمة حول عقل الإنسان وفكره، فلا يرى في الكون إلا نفسه، ولا يسعى إلا لخدمة ذاته، مرتدياً ثوب النرجسية، متوشحاً بوشاح الأنانية، دائراً في حلقة متصلة من العزلة والانكفاء على الذات، وبذا فليس عجيباً أن تتسع المسافات البينة بين لبنات المجتمع في ظل صراع محموم على إبراز " الأنا " بكل طريق ممكن، ومن ثم تقل قوة التجاذب والترابط فيما بين تلك اللبنات حتى يأتي وقت وتتلاشى فيه!!.
هذه الأنانية، أو الذاتية، أو النرجسية هي في حقيقة الأمر سجن يضربه الناس حول أنفسهم وهم لا يشعرون، ولذلك تجيء الأعياد لتحرر الإنسان من سجن ذاته.. تحرره من عزلته إلى اندماجه بأفراد مجتمعه.. تحرره من شحه وبخله إلى واحة عطائه وكرمه.. تحرره من قيود خصوماته وعداواته إلى رحاب تصافيه وتآخيه مع أهله وناسه ومجتمعه... وهكذا تمثل الأعياد ثورة على التقوقع والتشرنق، بحيث تُطلق ملكات الفرد الاجتماعية نحو التفعيل والتأثير بما يضمن اتصالاً وثيقاً وإيجابياً بين عناصر المجتمع.
يأتي عيد الأضحى في مثل هذا الوقت من كل عام ليقذف في قلوبنا قبسات من معاني إنكار الذات من خلاله وقائعه وأحداثه وذكرياته، التي تتوارد إلى عقولنا حين نتكلم عن موقف الخليل إبراهيم "عليه السلام" مع ولده إسماعيل وزوجته هاجر حين تركهما بواد قحل لا زرع فيه ولا ماء ولا ظل.. نتذكر ذلك حين نتحاكى قصة إسماعيل الشاب اليافع الذي تتملكه طموحات الشباب في الحياة، ثم يأتيه أبيه إبراهيم يعرض عليه رؤيته بالمنام والتي تقضى بذبحه وإنهاء حياته.. وتأملوا معي - أعزائي - جمال وروعة الموقفين بشيء من التريث.....
( الأول ) بطفل رضيع تُركت هاجر في أرض قاحلة قاسية، فلما عرفت من زوجها إبراهيم "عليه السلام" أن ذلك أمر من الله هدأت، واطمأنت، ثم قالت في يقين: إذاً لن يضيعنا، ثم بدأ الاختبار الذي أماط اللثام عن حقائق جمة وجليلة، التقط منها واحدة هي محل كلماتي المتواضعة، وهى " إنكار الذات" !!.
ليس بخافٍ على أحد أن المرء إنْ تعرض لخوف شديد، أو لخطر شديد، أو لجوع شيء، أو لعطش شديد نسى كل من حوله ولو كانوا من المقربين، ولا يتذكر في هذا المقام إلا نفسه، ولا ينجو من ذلك إلا من نال قسطاً كبيراً من التربية على معاني التضحية والإيثار والعطاء.. وهنا تعطينا هاجر نموذجاً فريداً في الحب وإنكار النفس.. ربما يقول قائل: لقد فعلت هذا مع طفلها، ولكن قسوة الظرف تفوق كل عاطفة.. الطفل يبكى من شدة العطش، والأم تسعى بين جبلين فوق رمال ملتهبة وشمس حارقة ووحشة مخيفة.. تبحث عن بارقة أمل، وتكرر ذلك سبعاً، حتى عجزت الأسباب، فتدخل مسببها سبحانه، فأرسل الفرج.
وهنا أطرح سؤالاً: أليس في موقف هاجر ما يدعو كل أم إلى إنكار ذاتها، والتخلي عن طلب الشهرة، وذيوع الصيت، وذلك من أجل أولادها؟.. إني أسأل ولكم الإجابة !!.
( الثاني ) إسماعيل "عليه السلام" تنقل إليه أمه عبر حنانها وعبر لبنها ذاك الخلق النبيل فينمو كما نما حتى يصبح طبعاً ولازمة لا تتركه ولا يتركها.. يتجلى ذلك وقت أن جاءه أباه الخليل "عليه السلام" يقُص عليه رؤية رآها في المنام تقضى بذبحه.. الأب الشفوق الحنون يقول كما حكي القرآن الكريم { فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى}، ورؤية الأنبياء وحى من الله.. يَرد إسماعيل بلسان الطاعة.. لأمر من؟ لأمر الله.. انظر إلى دقة الرد { قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ } وهنا يتجلى الاستعلاء على حب النفس في أبهى صوره على الإطلاق، انبعاثاً من اليقين في أمر الله.. فلما استسلما لأمر الله.. جاء الفرج من الله { فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ }.
وهنا أطرح سؤالاً آخر: أليس في حوار الخليل إبراهيم مع ولده إسماعيل "عليهما السلام" ما يدعو إلى سمو المناقشة وأدب الحوار بإلغاء كلمة "أنا" وما تشي به من نرجسية مفرطة تفسد جل حلقات الحوار في صغائر الأشياء، ناهيك عن الكبير منها؟.. إني أسأل ولكم الإجابة!!.
وبعد.. فإن الحياة لا تصلح بفرد، أو أفراد متفرقين، وما أسمى أن تقرأ آيات الحج لتعرف أن القرآن قد تحدث عن أداءه بصيغة الجمع في دلالة مضيئة على دعوة القرآن إلى التحرر من قيود وسلاسل الذات.
عبد القادر مصطفى عبد القادر
- التفاصيل
- كتب بواسطة: زهير الخويلدي
- الزيارات: 5
اتيقا الإحساس بالغير
زهير الخويلدي
جاء في المأثور:
"لا يحب المرء لنفسه إلا ما يحب لغيره"
وقد عبر الراحل محمود درويش عن واجب الانفتاح على الغير من خلال هذه الأبيات النبيلة:
"فكر بغيرك
وأنت تعد فطورك فكر بغيرك
لا تنسى قوت الحمام
و أنت تخوض حروبك فكر بغيرك
لا تنسى من يطلبون السلام
وأنت تسدد فاتورة الماء فكر بغيرك
لا تنسى من يرضعون الغمام
و أنت تعود لبيتك فكر بغيرك
لا تنسى شعب الخيام
و أنت تنام و تحصي الكوكب
فكر بغيرك
ثمة من لم يجد خيرا للمنام
وأنت تحرر نفسك بالاستعارات
فكر بغيرك
من فقدوا حقهم في الكلام
وأنت تفكر في الآخرين البعيدين
فكر بغيرك
قل ليتني شمعة في الظلام "
محمود درويش
ماهي الأفكار الأساسية والقضايا الفلسفية التي تثيرها هذه القصيدة؟
الوضع السائد بالنسبة للإنسان أنه لا يفكر إلا في نفسه:
فكر في ذاتك:
هنا نجد انية منغلقة على ذاتها وتزعم قدرتها على تأسيس ذاتها بذاتها.
الإنسان يتصور وجوده من منظور نفسه فقط ويعتبر طموحه نحو إثبات الانية هو طموح مطلق ويكون بإلغاء اية غيرية وعدم إشراكها في الوجود لكونها عقبة أمام هذا الإثبات.
فكر في ذاتك هو خطاب أبولوجي مدحي مصاب بمرض الوله الذاتي والافتخارية النرجسية ويرتكز على مبدأ:
انقذ نفسك بنفسك ولا يهمك في غيرك.
فكر بغيرك لها معنى سلبي:
إذا بقينا نتحرك داخل فلسفة الانية وتعني أن الأنا المفكر موجود في منزلة متعالية وينظر إلى الآخر كموضوع ومجال لبحثه وبالتالي يكون هو ذات عارفة ويكون الآخر مجرد موضوع لمعرفته والتفكير فيه يعني القبض عليه بواسطة المفهوم والسيطرة عليه وإخضاعه عن طريق العلم والتقنية وعقلنته عقلنة تامة بإخراجه من دائرة المجهول إلى دائرة المعروف واستعماله في أغراض منفعية أخرى.
التمركز حول العقل الغربي : تنوير وحداثة – استشراق- استعمار.
الحرب نتيجة منطقية لفلسفة الانية المنغلقة على ذاتها ورفضها للغيرية
أنا أفكر إذن أنا موجود عند ديكارت تؤدي إلى أن نصبح سادة ومالكين للعالم
العلاقة مع الغير هي علاقة عدائية صدامية قوامها النفي المتبادل والتي تتجلى في أرقى أشكالها في الحروب والعنف.
فكر بغيرك له معنى ايجابي:
هناك فرق بين التفكير بالغير من أجل معرفته والسيطرة عليه والتفكير بالغير من أجل الإحساس به والتعاطف معه ومعرفة نقائصه وحاجياته من أجل الانفتاح عليه والإصغاء إليه.
الغير كان طي الكتمان ومحل النسيان ووراء الظل وينبغي تسليط الأضواء عليه وتذكره ونفض الغبار عنه وإخراجه إلى دائرة الاهتمام.
التذكر ليس شغل الذاكرة فقط بل هو شغل الوجدان والإحساس وفعل ينطلق من الماضي ويرتبط بالمستقبل.
الغير ليس دائما سيدا مسيطرا وفاعلا بل يمكن أن يكون ضحية ومحتاج ويعاني من العديد من النقائص وفاقدا للحد الأدنى من الحقوق الأساسية ويحتاج إلى المساعدة ويتطلب التدخل العاجل لإنقاذه.
فكر بغيرك تعني افتح نوافذك وأبوابك، على الإنسان أن يفتح قلبه وأن ينصت للآخر ليحس بما يحس به الآخر ويشعر بما يشعر به.
التفكير في الغير يمكن أن تكون دعوة إلى يقظة الضمير وصحوة العقل قصد الاعتراف بالغير واحترام حق الاختلاف والتشريع للتعددية والتنوع ورفض النهج العنيف والجنوح الى المسالمة والعيش السوي.
فكر بغيرك : لا يعني انتصاب ذات عارفة في موقع متعالي وطرح الآخر كموضوع لتفكيرها ومعرفتها خاصة تلك المتجسدة في النظرة الاستعلائية التي تمارسها فلسفة الانية المنغلقة على ذاتها كالديكارتية وورثتها من المتحصنين بفكرة السيطرة والتحكم بل التواضع وتنسيب المعارف والتخلي عن الميراث والعودة إلى الغير كما هو في الواقع دون إصدار أحكام مسبقة حوله.
المعنى الإيجابي الذي يقصده الشاعر للتفكير بالغير هو أن التفكير بالغير يعني الإحساس به واحترامه والانفتاح عليه و حسن معاملته .
فالتفكير بالغير ليس عرضي ومؤقت بل هو دائم ومستمر بمعنى إن الاهتمام بالغير هو جوهري وأساسي .
أما التطرق إلى الحرب فالغرض منه إدانتها ورفضها والتنبيه على أنها نتيجة منطقية لفلسفة الانية بما هي فلسفة تلفظ الآخر عبر لامبالاتها بوجوده وفرض طوق الانعزال الذي تسيج بها نفسه .
معرفة الغير ناقصة وغامضة وذاتية ومجحفة
العلاقة بالغير عدائية وتصادمية
وجود الغير هو ضد وليس مع ومن أجل.
أما عندما تسلك الانية سبيل " التفكير بالغير " فإنها ستنتهي حتما إلى حالة السلم والتعايش مع الآخر لكن يجب التنبه أن مجرد إدعاء السلام يمكن أن يستخدم كإيديولوجيها لتمرير السيطرة على الآخر وحرمانه من أبسط حقوقه .
تراهن فلسفة الانية على العودة إلى الذات والإقامة فيها دون أن تعرف أو تبحث في مكان إقامة الآخر ودون أن تترك له مجالا "للوجود مع" .
التفكير في الغير هي دعوة لإيقاظ الضمير والتعالي عن المصالح الآنية المادية والتركيز على إشباع الروحي والإنساني عبر محاسبة النفس .
"التفكير بالغير" يؤدي إلى اكتشاف الآخر المحتاج المهمش الذي يعيش وضعيات قاسية لا إنسانية
إن إقصاء الانية للغيرية لا يمكن أن يحمل سوى دلالة على الانحطاط والسقوط في اللاإنسانية والعنصرية .
فكر بنفسك يعني الربط بين تحرير الذات من أسر المجتمع والطبيعة والغرائز وبين مساعدة الآخرين على اكتساب حريتهم الفردية.
التفكير في الغير ينقسم إلى نوعين : تفكير في الغير البعيد
إن تفكير في الغير القريب ينتج عنه اكتشاف غيرية إيجابية مختلفة ومتميزة
ضرورة انفتاح الانية على الغيرية لكن يجب الأخذ في الاعتبار أن الغيرية نوعان: قريبة وبعيدة والمقصود بالقريبة تلك التي تقيم داخل الذات أما البعيدة فهي الغيرية الجذرية الموجودة خارج الذات والتي تظل محاطة بالغرابة والاختلاف التام والتميز والتنوع بالمقارنة مع الذات.
الغيرية تلعب وظيفة أساسية في إطار علاقتها بالانية:
إما سلبية تحطيمية تكون تهديدا لها ومنعا من تحقيقها،
أو إيجابية بناءة حيث تساعد الغيرية على إثبات إنية أكثر أصالة واكتمال.
فكرفي غيرك = فكر في ذاتك = في انسانيتك
تحويل الوجود ضد إلى وجود مع ووجود من أجل
هنا التفكير في الغير هو في الحقيقة تفكير في الأنا على نحو جوهري وإنساني.
الرهان:
ضرورة انفتاح الأنا على الغير من أجل إثبات انيته بشكل أصيل وتجاوز وضع النزاع والعدوان والارتقاء إلى مقام وجودي أساسه التفاهم والصداقة.
أسئلة تقتضي المعالجة:
ماذا نعني بالغير ؟ وما الفرق بينه وبين الآخر؟ هل الغير محل اتهام وإدانة وعداوة أم يجب أن يكون محل ترحيب واستضافة وصداقة؟ ألا ينبغي أن ينتقل الأنا من رفض للغير وتهميش له إلى احترام وتعايش معه؟ فكيف يكون الاعتراف بالغير هو الطريق الملكي للإقامة في الذات؟
كاتب فلسفي
- التفاصيل
- كتب بواسطة: زهير الخويلدي
- الزيارات: 4
الزمن ضد الحقيقة
جيل دولوز
ترجمة زهير الخويلدي
السؤال عن الحقيقة هو السؤال الحقيقي في الفلسفة ولذلك يطرح بشكل حقيقي إذا ما ربطناه بالسؤال عن الزمن وقلبناه على جميع وجوهه وشرعنا في البحث عن نقيضه أي السؤال عن الخطأ وإذا ما عرضناه وشرحناه على مشرحة التاريخ والزمن ولكن تشريح السؤال عن الحقيقة على محك الزمن هو الذي يوقعه في أزمة ويحوله إلى مفارقة ليس لنا منها مخرج، فكيف سيعمل دولوز على إيجاد حل لمفارقة الحقيقة عندما يستنجد بمفاهيم لايبنتز عن الممكن واللامتجانس واللاتمايزية ويرجها بواسطة المطرقة النتشوية؟
"إذا ما اعتبرنا التاريخ الفكري فإننا نلاحظ أن الزمن كان دائما وأبدا مصدر أزمة تصور الحقيقة.. وما يوقع الحقيقة في أزمة ليست الحقيقة التي تتنوع عبر العصور وليس المضمون التجريبي البسيط بل الشكل أو بالأحرى القوة المحضة للزمن .
تتفجر هذه الأزمة منذ القديم في مفارقة أشكال المستقبل الحدثي. إذ لو كان صحيحا أن معركة بحرية يمكن أن تحدث غدا فكيف نتجنب أحد النتيجتين الآتيتين: إما أن ينبثق المستحيل من الممكن( لأن المعرفة لو حدثت فانه لا يمكن أن تحدث) وإما ألا يكون الماضي ضروريا ( لأن المعركة يمكن ألا تحدث).
انه من اليسير أن نعالج هذه المفارقة معالجة جدلية: إذا لم نبين على الأقل صعوبة التفكير في العلاقة المباشرة بين الحقيقة وشكل الزمن فإننا نكون محل اتهام لكوننا أسكنا الحق بعيدا عن الموجود أي في الأبد أو ما يحاكي الأبد. ينبغي أن ننتظر لايبنتز حتى تجد هذه المفارقة الحل الأكثر براعة ولكنه أيضا الأكثر غرابة والتفافا.
لقد ذكر لايبنتز أن المعركة البحرية يمكن أن تحدث أو لا يمكن حدوثها ، غير أن هذا لا يحدث في عالم واحد، أي يمكن حدوثها في عالم ولا يمكن حدوثها في عالم آخر، وهذان العالمان هما ممكنان ولكنهما لامتجانسان مع بعضهما البعض. ينبغي أن نختلق التصور الرائع عن اللامتجانس (المختلف عن المتناقض) لكي نحل المفارقة التي تنقذ الحقيقة.
إن الذي ينبثق منه الممكن حسب هذا المعنى هو اللامتجانس وليس المستحيل، وان الماضي يمكن أن يكون حقيقيا دون أن يكون حقيقيا بشكل ضروري. غير أن تصور الحقيقة سيعرف حينئذ هدنة بدل أن يجد حلا. انه لا شيء يمنعنا أن نثبت أن اللامتجانسات تنتمي إلى نفس الكون:" يحتفظ فانغ مثلا بسر، ثم يطرق بابه مجهول. يمكنك لفانغ أن يقتل الدخيل ويمكن للدخيل أن يقتل فانغ. لكن يمكن للاثنين أن ينجوا من الخطر ويمكن لهما أن يلقيا حتفهما والخ... يمكن أن تصل إلي ولكن في واحد من ممكنات الماضي كنت عدوي وفي عالم آخر صديقي.." هذا هو جواب برجس إلى لايبنتز:"إن الخط المستقيم بوصفه قوة في الزمن وبوصفه متاهة في الزمن هو أيضا خط يتشعب وما ينفك يواصل هذا التشعب بالمرور من أشكال لامتجانسات حاضرة والعودة إلى أشكال ماضية غير صحيحة ضروريا.
تنجم منزلة جديدة للسرد أي أن السرد يكف أن يكون سردا محقا بمعنى أن يطمح إلى الحق من أن يكون من حيث الماهية كاذبا. لا يتعلق الأمر أبدا بأن يكون لكل واحد حقيقته بل التنوعية هي المتعلقة بالمضمون. إنها قدرة الخطأ التي تعوض وتشوه شكل الحق بما أنها تطرح تزامن أشكال اللامتجانسة من الحاضر أو تعايش أشكال من الحاضر ليست حقيقية ضرورة.
يبلغ الوصف البلوري من الآن فصاعدا إلى لاتمايزية الواقعي عن الخيالي، لكن السرد الكاذب الذي يناسبه يقوم بخطوة إلى الأمام ويطرح في الحاضر فروقات غير قابلة للتفسير ويطرح في الماضي بدائل غير قابلة للحسم بين الحق والخطأ.
إن الإنسان المحق قد مات وكل نموذج من الحقيقة ينساب من أجل منفعة السرد الجديد. إننا لم نتكلم عن المؤلف الأول في هذا المجال: إن نيتشه هو الذي جمع تحت اسم إرادة القوة القدرة على الخطأ إلى شكل الحق ووجد حلا لأزمة الحقيقة عندما سعى إلى تحديدها مرة واحدة إلى الأبد ولكن بشكل متعارض مع لايبنتز من أجل منفعة الخطأ وتحت اسم القدرة الفنية الخلاقة..."[1]
لكن أليست الحقيقة إذا كانت بالفعل حقيقية ضرورة أن تصمد أمام الزمن ولا تنخرها حركة الصيرورة؟ ومن يعطي للزمن ديمومته وتميز حاضره عن ماضيه ومستقبله غير الحقيقة الحقيقية ؟ وهل هذه الحقيقة الحقيقية زمنية أم متعالية عن الزمن؟ بأي معنى إذن نتحدث عن زمن للحقيقة وزمن حقيقي وزمن للخطأ وزمن خاطئ؟ فهل أن الحقيقة بنت الزمن أم أن الزمن أب وأم كل شيء حقيقي في الوجود؟ ذلك هو السؤال الأهم في الفلسفة أكثر حتى من سؤال ما الحقيقة نفسه. ألا ينبغي عندئذ أن نتحدث عن حقيقة ضد الزمن عوض أن نتحدث عن زمن ضد الحقيقة ؟ ألم يصدق كارل ياسبرس القول عندما أقر أن الحقيقة تمتلكنا ولسنا نحن الذين نمتلك الحقيقة؟
من كتاب الصورة- الزمن
كاتب فلسفي
- التفاصيل
- كتب بواسطة: بوقفة رؤوف
- الزيارات: 5
متلازمة فرعوقارونية : ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ بوقفة رؤوف
ظاهرة فرعون وقارون تتكرر كل زمان وفي كل مكان كمتلازمة ,باعتبار أن فرعون متسلط سياسيا وقارون متسلط اقتصاديا, والسياسة والاقتصاد كقدمين لجسد الدولة لا يمكن أن تتم المشية السوية إلا بهما معا , والتسلط مرض خطير معد ينخر جسم الدولة إذا أصيب جزء منها سرعان ما ينتقل لباقي الأجزاء , السيد فرعون والسيد قارون رغم أنهما شخصيتين ,كل واحد منهما برز في ميدان مختلف عن الآخر إلا أنهما مكملتين لبعضهما البعض تكامل حتمي إذا أرادا الاستمرارية وزيادة على هذا يملكان قواسم مشتركة يمكن توضيحها كالتالي :
- غياب الوازع الديني الداخلي والذي قد نسميه ضمير أو النفس اللوامة أو الأنا وهو الذي يراقب تصرفات الإنسان ويقيمها بمقياس الدين أو الأخلاق أو العادات والتقاليد حسب البيئة .فيقوّم ما فسد منها لذلك نجد أن قلب فرعون وقارون قد أصابه عمه وختم بل ران على قلبيهما...
- بطانة السوء وحاشية الهلاك من الملأ و الأشراف وأكابر القوم ووجهاؤهم حيث يسارعون لتأييد قراراتهما وتصرفاتهما لا بناءا على عدلها وصحتها بل يؤيدون ما وافق هواهما حتى ينالون بذلك الحظوة ...
وأمام هذين العاملين فانه مهما علا صوت خارجي ناصح أمين يدعو إلى التعقل وإحقاق الحق وبسط العدل فهو يبقى غير مسموع لأن الحاشية تشوش عليه وتحرف وتؤول الكلام وتشوه النوايا وان وصل هذا الصوت لقلب الحاكم بعد كل تلك الحواجز يجد قلوبا عليها أقفالها فهو كالبذرة الجيدة التي غرست في صحراء لا تربتها صالحة للزراعة ولا الأمطار موجودة علها تحي بها ...
ومن هنا يتضح أن هناك نوعان رئيسيان من الفساد : فساد سياسي وفساد اقتصادي فأيهما الأصل ؟
الأصل هو لون ثالث من الفساد وان كان غير جلي وهو الفساد الديني فان أثاره واضحة وتأثيره وخيم , الفساد الديني جاء نتيجة تعطيل المؤسسة الدينية والاعتداء على صلاحيات الرب ,حيث ادعى فرعون أنه هو الله الذي ما يريهم إلا ما يرى وما يهديهم إلا سبيل الرشاد, والكهنة إما خوفا من بطشه أو طمعا في ملكه انقادوا له بل أصبحوا المعين على غيه وفساده بعد تسمم الوسط الديني بهذه الأفكار المميتة والتي تحولت إلى أفكار قاتلة (حيث قسم بن نبي رحمه الله الأفكار إلى ثلاثة أنواع أفكار ميتة كحال الأفكار المسيطرة على أمتنا وأفكار قاتلة كالسموم الفكرية الغربية التي اجتاحتنا وأفكار ّفاعلة وهي الفكرة الدينية التي تحي الأمة وتزيل الغمة بعد أن تشحذ فينا الهمة, لكن هذا التقسيم في جوهره غير ثابت فقد تتحول الفكرة من فكرة ميتة بالية منتهية صلاحيتها كالزردة مثلا الى فكرة قاتلة وذلك بالعبث ببعض جيناتها الفكرية في مختبرات ومعامل صناعة الأفكار ...)
وهكذا تحول الفكر الفرعوني من فكر ميت في بدايته لأن جثته لم تحرق ويطّهر مكان الحرق إلى فكر مميت يقارب هذه الصورة شخصية السيد مصاص الدماء ,فانه حين يهجم على ضحيته ليمتص منها الدم لا يقتلها بل يتركها ,يتلوث دمها وتسقط أرضا (فكرة ميتة)نتيجة عوامل خارجية أقوى منها ولضعف تحصينها ولتقصير في حماية نفسها ,فهذه الضحية لا تصبح شخص ميت وتنتهي المسألة بل بعد مدة تبدأ في التحول إلى مصاص دماء (فكرة قاتلة أو مميتة) لن الضحية كانت في الأساس حاملة لفيروس القابلية للشر وبالتالي فكل فكرة ميتة تحمل في طياتها بذور فكرة قاتلة ,أما التحول أو الانتقال من طور الفكر الميت إلى فكر قاتل فالأمر يعتمد على أنتاش البذور الداخلية وهي قابلة للإنتاج لكن تنتظر توفر العوامل الخارجية الملائمة فقط.
وبالتالي فأساس العلاقة هو علاقة الإنسان بربه فإذا فسدت هذه العلاقة وبطبيعة الحال من الجانب البشري فان هذا الفساد سيتسلل إلى علاقة البشر مع بعضهم البعض في جميع الميادين ,هذا الفساد تشكل في شخصية فرعون في الميدان السياسي فصادر إرادة الشعب وكان هو الدولة والقانون بل ادعى انه هو الرب وتمثل في شخص قارون فكان أنموذجا للرأسمالية المتوحشة التي تنمو بعرق الكادحين وجهد البسطاء من العاملين...
وكما قلنا سالفا فلكل زمن ومكان فرعونه وقارونه وهما متلازمين إذا حظر احدهما استدل به على وجود الثاني على مقربة منه على سبيل اليقين وان لم يشاهد ,لكن يبقى أمر آخر وهو نسبية جلاؤهما للعيان فقد نجدهما كالشمس بازغة في هذه الدولة بينما في دولة أخرى يظهر أحدهما فقط دون ذكر الآخر بينما في دولة أخرى لا تسمع لهما حس وغياب الشيء لا يعني عدمه فالولايات المتحدة الأمريكية مثلا نرى تجسد الظاهرة القارونية في الشركات المتعددة الجنسيات والكارتلات المحتكرة الممتدة حول العالم كإخطبوط متجذر مكتسح جميع المناطق ولكن يضرب بها المثل الأروع في الديمقراطية التي هي في حقيقة الأمر شكلية لوجود حكومة خفية جسدت الظاهرة الفرعونية تسمى الماسونية العالمية في مناطق أخرى تعرف بحكومة الظل أو القوى الضاغطة
وربما يبقى السؤال الأخير هو ما الحل؟
إن ثار شخص وقتل فرعون أو اغتال قارون كفرد فيظهر فرعون آخر أشد تفرعنا من الأول وقارونا بديل أشد بأسا وأكثر نحسا وبالتالي التركيز ليس على الشخص كذات لأن غالبية البشر حاملين لفيروس متلازمة الفرعوقارونية منتظرين الظروف الملائمة فقط للتفريخ بل الواجب التركيز على الفكرة في حد ذاتها والأفكار بخلاف البشر حية لا تموت نعم قد يصيبها الضعف والانحسار وقد تتوارى على الأنظار في مكان مظلم بعيد تنتظر الفرصة لتضرب من جديد فالحل إذن هو محاولة تحييد متلازمة الفرعوقارونية بتفعيل السياج الأمن من الأفكار والقوانين الاجتماعية والوضعية حتى لا تتضخم الفرعوقارونية في نفوس حامليها فتتجسد على ارض الواقع ويعاني الجميع من ويلاتها وتبقى الفكرة الدينية هي المضاد الحيوي والترياق والضربة الاستباقية لكل فكرة ميتة أو قاتلة تحاول تسميم المجتمع .
بوقفة رؤوف
- التفاصيل
- كتب بواسطة: عبد العزيز كحيل
- الزيارات: 5
الفنانون التائبون والبديل المرجو
لا يختلف عاقلان في انسحاب الاهتمام الإسلامي عن الميدان الفني حتى غدا حكرا على العلمانيين واليساريين وأمثالهم يعربدون فيه،يبثون أفكارهم ويفسدون الأخلاق ويعادون القيم ويمجدون العفن،ومازال رد الفعل الإسلامي يقتصر عموما على التنديد والتحريم مما كرس واقعا سلبيا مأساويا تتطلب معالجته تجديدا فكريا جذريا وتخطيطا علميا وعملا مؤسساتيا ناجحا،ومما لا شك فيه أن هجر السينما والمسرح خطأ فادح حرم المشروع الإسلامي من وسائل فعالة خطيرة أحسن غيرها استعمالها في باطل كثير حين تقاعسنا عن توظيفها لخدمة الحق،وقد انتبهت التيارات الإسلامية المستنيرة في نهاية المطاف إلى مكمن الخطإ وما فتئت تدعو إلى تداركه،لكن ظروفنا المتدهورة على أكثر من صعيد مازالت تحول دون اقتحامنا للميدان الفني،ولا تكمن المشكلة في الصيغ الملائمة لاستخدام السينما والمسرح مثلا،ولكن في الغياب الكلي للعنصر الإسلامي فيهما إنتاجا وإخراجا وتمثيلا.
وتشاء الأقدار أن تهب ريح التوبة على الساحة العربية منذ مدة قصيرة نسبيا،وتبرز ظاهرة جديدة عرفت بظاهرة الفنانين التائبين والفنانات المعتزلات،وهذا يعد في حد ذاته حدثا ضخما بإمكانه أن يفتح الباب لتسلل الإسلاميين إلى الميدان التمثيلي والتمكين للفضيلة إلى جانب كونه انقلابا واعيا ينقذ الفنانين ومعجبيهم من الرذيلة والخطايا ويخدم الإسلام أخلاقا ومشروعا حضاريا،والغريب أن رد فعل الساحة الإسلامية لم يتعد الشعور الفياض والعاطفة الجياشة،حيث استحسن تحجب الممثلات واحتجابهن عن الأضواء،لكننا نظن أن التوبة تكتمل ليس بالانسحاب من المجال الفني وإنما بالمكث فيه من أجل الإصلاح بعد الفساد والدعاية إلى الخير والفضيلة بعد نشر الشر والرذيلة.
إننا – كما قلنا – نشكو من غياب تام ونقص فاحش في الميدان التمثيلي،وهذا انعكس سلبا على شمولية مشروعنا،و لن يتأتى لنا الحضور والتدارك إذا ابتدأنا من الصفر في معترك لا يسمح بذلك ألبتة،وهؤلاء الفنانون الذين استردوا وعيهم وثابوا إلى رشدهم وتابوا ويريدون أن يصلحوا ينبغي أن يعملوا،ونعلم جميعا أن إصلاحهم غير ذي جدوى-بل ليس من قبيل الإصلاح أصلا-إذا أثروا الانعزال والقبوع في البيوت مع دموع الندم وأخبار الاستهزاء والغمز التي تصلهم(ونحن نقدر بكاء كل مذنب على نفسه) بل يجب أن يكون إصلاحا ميدانيا،تتبع الممثلة خطى التضييع التي خطتها فتمحوها بإنتاج جديد يرضي الله ويريح ضميرها وينفع أمتها،ويهجر المخرج قصص العفن ويستبدلها بمواضيع تاريخية وواقعية وخيالية هادفة فيكون بإخراجه لفيلم بديل أو مسرحية بديلة جنديا حاذقا نشيطا يصلح ذوق المجتمع ويقدم بذكاء النماذج الإسلامية للاقتداء،ويعمد كاتب السيناريو إلى تراثنا الغني من جهة،وإلى واقعنا بالأمه وأماله من جهة أخرى فيجد معينا لا ينضب من المواضيع،فإذا أدركت الساحة الفنية وجود الفنان الملتزم –سواء كان ممثلا أو مخرجا أو كاتب سيناريو- فسيخرج منها منتجون ينبتون الفن النظيف،وهذا لا يتم طبعا بسهولة.
غير أنه ممكن بشرط واحد هو أن تحظى هذه الفكرة ذاتها بالقبول في الوسط الإسلامي العلمي والشعبي لأننا لانعاني في أزمنة الانحطاط من عقبة أضخم من أنفسنا،لقد طغت على قطاعات إسلامية عريضة حرفية نصوصية قاتلة وروح بدوية أعرابية غليظة تعادي الحس الجمالي ولا تعير اهتماما للبعد الحضاري،بل تحسبه رجسا من عمل الشيطان،تفرح إذا كسر غزال مغزله وتحزن اذاترك مسلم حصيف مباحث الضوء وأحاديث الصفات ليشتغل بالفن الرفيع والإبداع المنعش.هؤلاء هم العقبة،غير أن التيار المستنير -جيل النصر المنشود كما يسميه الدكتور القرضاوي- سيقوى إن شاء الله على تخطي العقبة واحتضان التائبين والتائبات والسير معهم في برنامج يجعلهم يحسون أنهم يريحون ضمائرهم ويكفرون عن أعمالهم السابقة،ويضعون اللبنات الأولى لفن أصيل نظيف يدخل القلوب فيحمل إليها دفء الإيمان وبشاشة الرجاء وبشرى الفوز كما يصل إلى العقول فيفرغها من الشبهات والأوهام،ويطعمها باليقين والحقيقة...إن الذي سبق يحثنا على تكثيف العمل الدعوي في اتجاه نجوم الوسط الفني في بلادنا،فكثير منهم يصلي ويصوم ويحب الله ورسوله ويرجو الإقلاع عما هو فيه،وعلينا أن نقترح عليهم الخلاص لا في صورة اعتزال وتقوقع ولكن في شكل توظيف المواهب في أعمال يبيحها الشرع وتمكن للشرع...إن شياطين الإنس يحتضون أصحاب الفن ويزينون لهم الرذيلة ويسحرونهم بالشهوة والمال ويغدقون عليهم الألقاب ويسخرون لهم جرائد ومجلات ومحطات،وعلينا أن ننازل هؤلاء الشياطين في الميدان ليس بالفتاوى الجاهزة وإنما بالبديل الجذاب،فإذا صدقنا وبذلنا كل الوسع تولى الله الأمر ورجح كفة الطهر والعفة والخير.
نحن نشكو من فراغ ساحتنا من الفن الرفيع وننسى أن ممثلين وممثلات ومطربين ومطربات ونجوما كثيرة يعيشون في حيرة وقلق،يترقبون من ينقذهم،أفلسنا نحمل رسالة الخلاص ونبحث عن البديل؟فإلى العمل بثقة وحسن وظن بالناس وفق المرحلية والتدرج مؤثرين البناء على الهدم عارضين على الناس فرص العمل لا أوامر القعود.
عبد العزيز كحيل / الجزائر
- التفاصيل
- كتب بواسطة: التجاني بولعوالي
- الزيارات: 5
الإسلام بين الغرب الأيديولوجي والغرب الحضاري
بقلم/التجاني بولعوالي
باحث مغربي مقيم بهولندا
توطئة
تحاول هذه الورقة تقريب كتاب (الإسلام والغرب الحاضر والمستقبل)، الذي يندرج في نطاق الإسهامات، التي تتعرض لثنائية الإسلام والغرب، وذلك عبر قراءة تركز على أهم مضامين الكتاب المبثوثة هنا وهناك، في شكل أفكار أو أسئلة أو تفسيرات أو طروح... وقبل الشروع في هذا الأمر يقتضي منا المقام، تعريفا ولو خفيفا بهذا العمل الفكري.
إن مؤلف (الإسلام والغرب الحاضر والمستقبل)، يندرج في سلسلة (حوارات لقرن جديد) التي تنظمها دار الفكر بدمشق - سوريا، وهو كما يلخص محرر مقدمة الكتاب الأستاذ عبد الواحد علواني، ينتظم "في إطار فكري حواري يتيح التبادل النقدي على عدة مستويات كمحاولة جادة ورصينة وهادئة لقراءة العلاقة بين الإسلام والغرب!" ص 10 وقد شارك في نسج صفحاته وفصوله باحثان عرفا باهتمامهما بقضايا الإسلام والغرب، أولهما الأستاذ تركي علي الربيعو وهو سوري الأصل، من مواليد القامشلي عام 1951، له إسهامات جيدة ومتنوعة في الفكرين العربي والإسلامي المعاصرين، نذكر منها كتبه: الإسلام وملحمة الخلق والأسطورة، أزمة الخطاب التقدمي العربي، خيارات المثقف، وغيرها. أما الثاني فهو الأستاذ زكي الميلاد، وهو سعودي الأصل، من مواليد القطيف عام 1965، له كذلك إضافات قيمة ومتعددة في الفكرين العربي والإسلامي المعاصرين، أهمها كتبه: الفكر الإسلامي بين التأصيل والتجديد، المسألة الحضارية: كيف نبتكر مستقبلنا في عالم متغير، محنة المثقف الديني مع العصر، وغيرها كثير.
وتجدر الإشارة إلى أن هذا الكتاب كان فاتحة صداقة فكرية متميزة جمعت بين الباحثين، يروي الأستاذ زكي الميلاد جوانب من هذه الصداقة، من خلال مقالة، خصها لرحيل صديقة تركي علي الربيعو، الذي توفي في يناير 2007، وقد عنونها بـ (مع رحيل الصديق تركي على الربيعو)، ونشرت في جريدة عكاظ، يقول: "بدأت معرفتي بالصديق الفقيد الأستاذ تركي علي الربيعو، حين جمعتنا «دار الفكر» للنشر بدمشق للمساهمة في إنجاز كتاب ثنائي العمل، حول موضوع الإسلام والغرب، في إطار مشروع ثقافي جديد أعلنت عنه «دار الفكر» عام 1997م، بعنوان: (حوارات لقرن جديد). ويرتكز هذا المشروع على فكرة الحوار النقدي بين شخصين حول موضوع مشترك، من الموضوعات الحيوية والمعاصرة، التي يكثر فيها الجدل، وتتعدد فيها وتتباين المواقف واتجاهات النظر".
وقد قسم الكتاب إلى محورين، أولهما خصص لبحث الأستاذ الربيعو، وهو بعنوان: الخواف من الإسلام في موقف الغرب من الإسلام، وثانيهما عقد لبحث الأستاذ الميلاد، وقد عنونه بـ: الإسلام والغرب – هل من منظور معرفي جديد لعلاقات مستقبلية جديدة؟ ويبدو كل محور بمثابة كتاب أو كتيب مستقل بذاته، وقد ألحق بهذين المحورين تعقيب كل كاتب على ما طرحه صاحبه في الشق الخاص به. هذا بالإضافة إلى أن الكتاب يتضمن مقدمة قصيرة، وفهرس عام وتحديدات لمختلف المصطلحات الفكرية. وهو يحتوي على 208 صفحة، وقد صدرت طبعته الأولى عام 1998، أما طبعته الثانية المعتمدة في هذه القراءة، فقد ظهرت عام 2001.
الخواف من الإسلام في موقف الغرب من الإسلام
في حقيقة الأمر، إن بحث الأستاذ الربيعو على أهميته الفكرية والنقدية، هو عبارة عن مزيج من القراءات خص بها طروح بعض المفكرين العرب، الذين انشغلوا بقضايا الإسلام والغرب، وقد نجح في سبر أغوار تلك الطروح واستيعاب أبعادها المختلفة، لكنه قبل أن ينطلق إلى تناول أولئك المفكرين، مهد لذلك بمقدمة ركز فيها على النزعة الاستعلائية للغرب في علاقته، ليس مع الإسلام فحسب، وإنما كذلك مع غيره من الشعوب والثقافات. ودعما لهذه الرؤية استمد العديد من الشواهد والتفسيرات من الفكر الغربي نفسه، حيث يتساءل الناقد الأدبي تزفيتان تودوروف، وهو يقصد الغرب: "لماذا يقود فهمنا للآخر إلى الاستيلاء عليه، والاستيلاء إلى التدمير، التدمير الذي لا يصبح ممكنا إلا بفضل ذلك الفهم على وجه التحديد". ص 13، أما تشومسكي فـ "هو الآخر لا يمل الحفر في تاريخ الثقافة الغربية المعاصرة على نهج التاريخ، لذلك فهو يسوق لنا آلاف الوثائق التي تؤكد على أن الغزو ما زال مستمرا". ص14، حيث إن الأوروبيين، كما ورد في كتاب تشومسكي (الغزو مستمر)، كانوا "يحاربون بهدف القتل، وكان لديهم من الوسائل ما مكنهم من إرضاء شهوة الدم عندهم". ص 15، هكذا فإن الطريقة التي تؤسس لحكم (العرق السيد في العالم) خطها أوائل الفاتحين النهابين، وما زالت نموذجا يحتذي به أسياد النظام العالمي الجديد. ص 15 في حين ذهب كافين رالي في كتابه (الغرب والعالم) إلى "أن العنف يمثل بنية أساسية في الثقافة الغربية وأنه ومن بين كل الحضارات لا توجد حضارة تمادت في طريق العنصرية والعنف مثل الحضارة الغربية". ص 16
بعد هذا التمهيد سوف يشرع الباحث في تناول رؤى بعض المفكرين العرب المعاصرين، الذين عرفوا بانشغالهم بثنائية الإسلام والغرب، ولم يوضح الأستاذ الربيعو المعايير التي أسس عليها اختياره للنماذج التي تعرض إليها، دون غيرها وهي كثيرة! ومع ذلك فإن الأفيد في قراءته هذه، أنه تمكن من النفاذ إلى جوهر هذه الرؤى، مما أهله لأن يستكشف منطلقاتها، ويستجلي آلياتها، ويستوعب أبعادها الفكرية والأيديولوجية والذاتية، حيث تختلف كل رؤية أو طرح عن الأخرى، رغم أنها كلها تشترك في تناول قضية واحدة، هي الإسلام والغرب.
هكذا وتتحدد النماذج المتناولة في أربعة، ينبني كل واحد منها على طرح ما حول علاقة الإسلام مع الغرب، وكل طرح مستمد من كتاب أو دراسة خاصة بهذه العلاقة. وسوف أحاول التريث، في عجالة، عند ما يميز هذه الطروح، بعضها عن البعض، وهذه النماذج هي كالآتي:
1. هشام جعيط من خلال كتابه: أوروبا والإسلام: صدام الثقافة والحداثة.
2. محمد عابد الجابري من خلال كتابه: مسألة الهوية: العروبة والإسلام... والغرب.
3. محمد أركون من خلال كتابه: الإسلام، أوروبا، الغرب: رهانات المعنى وإرادات الهيمنة.
4. إدوارد سعيد من خلال كتابه: الاستشراق.
أوروبا والإسلام: صدام الثقافة والحداثة
إن تناول هشام جعيط لثنائية الإسلام والغرب من خلال كتابه: أوروبا والإسلام: صدام الثقافة والحداثة، لا يمكن استيعابها إلا باستيعاب أهم منطلق يؤسس عليه الباحث رؤيته، وهو بمثابة البؤرة التي تتفرع عنها مختلف أفكار ومعاني وتصورات الكتاب، وهذا المنطلق هو أن علاقة الإسلام والغرب في العصر الحديث محكومة بظاهرة الخوف من الإسلام، وهو ما يطلق عليه الإسلام – فوبيا، وهي ظاهرة ذات جذور تاريخية تمتد إلى القرون الوسطى، التي شهدت أشرس مواجهة حربية نشبت بين المسلمين والمسحيين، وهي ما يصطلح عليها الحروب الصليبية، التي أشعل فتيلها البابا أوربان الثاني في نوفمبر 1095، لتستمر إلى حدود 1444 حيث حدثت آخر حملة صليبية ضد الإمبراطورية العثمانية. يقول الأستاذ الربيعو: "في بحثه عن ظاهرة الخوف من الإسلام، يؤثر جعيط العودة إلى التاريخ القريب والبعيد عله يكتشف السر، فهو يركز أولا على الأحكام القروسطية. فمن هذه التجربة الأصلية للعداء الغربي للعرب سيستمد الوعي الغربي القروسطي الأسس الانفعالية لتمثله الإسلام، التمثل المجبول بالعداوة". ص 24
ورغم أنه مرت حوالي ستة قرون على آخر حملة صليبية، فإن الوعي الغربي الحديث يظل مسكونا بذلك المعطى التاريخي، حيث إنه "على طول العصر الحديث جسدت المسيحية وبكل قوتها في الغرب، الاتجاه المعادي للإسلام وذلك على الرغم من تحرر الفكرة العلمانية من الضغط المسيحي على التأمل العقلاني والذي كان من شأنه أن يقدم إسهاما إيجابيا يرى في الدين الإسلامي جزءا متمما من التاريخ الإنساني". ص 25
وقد تأمل هشام جعيط مختلف آراء المفكرين الغربيين بخصوص علاقة الإسلام بالغرب، فأدرك أنها لا تخرج على دائرة علم الاستشراق المحشو بالنظرة الإمبريالية، المجبولة على سرقة الآخر واضطهاده واستعماره! حيث إنه إذا كان المؤرخ الاستشراقي رينان يختزل الإسلام في أنه عالم فاسد بحد ذاته، فإن الإتنولوجي المشهور كلود ليفي ستراوش يجعل من الإسلام بنية للعداء والعنف والاستعباد! على هذا الأساس، كما يستخلص الأستاذ الربيعو، "يتوحد المستشرق بالإتنولوجي في نظرتهما إلى الإسلام. ويستعير الإثنان بواعث التعبير عن نظرتيهما من سيكولوجيا جماعية وقروسطية بقيت بمثابة الأساس الصلب للنظرة المؤدلجة للإسلام، وظلت تغذي عند الجميع حالة من الخواف غير المبرر". ص29
مسألة الهوية: العروبة والإسلام... والغرب
أما الكتاب الثاني الذي تناوله الأستاذ الربيعو، فهو كتاب مسألة الهوية: العروبة والإسلام... والغرب، للمفكر المغربي محمد عابد الجابري، الذي يمكن تلخيص رؤيته، في أن الامتداد الإسلامي المعاصر في عقر دار الغرب، بات يبث الهواجس والمخاوف في نفوس الكثير من الغربيين، وقد ساهمت وسائط الإعلام كما السياسيون بقسط وافر، في زرع وعي مغلوط حول أن الإسلام يشكل خطرا على الحضارة الغربية، ويرى الأستاذ الربيعو أن "الجابري لا يمل من التأكيد على أن الغرب يشن حربا حضارية باردة على الإسلام، فثمة خواف من الإسلام غير مبرر، حيث يجري تصوير الإسلام على أنه الخطر الأخضر والذي حل محل الخطر الأحمر بعد غياب الاتحاد السوفياتي ومجموع ما كان يسمى بالدول الاشتراكية". ص 31
في الحقيقة، إن هذا التفسير ليس جديدا، فهو يحضر لدى العديد من السياسيين والإعلاميين الغربيين، وتحديدا دعاة التيار اليميني المتطرف، غير أن الجديد في رؤية الجابري هي إشارته إلى أن الخوف من الإسلام غير مبرر، وهذا كلام صحيح! إلا أنه لن يقتنع به الإنسان الغربي العادي، الذي يحيى تحت وقع الإعلام الغربي المتصهين، الذي لا يقدم له إلا ذلك الوجه الدموي العبوس من الإسلام، وهو وجه لا يعكس حقيقة الإسلام، بقدر ما يعكس مواقف لأشخاص أو تيارات لا حيز لها في الإسلام الحقيقي الوسطي المعتدل. بيد أن الإعلام الغربي لا يتعامل مع الإسلام إلا كـ "كلّ يتصف بالجمود والانغلاق والتخلف". ص32
ودعما لطرحه قام الجابري بتقديم تحليلين لكاتبين أمريكيين نشرتهما الواشنطن بوست عام 1992، يرى الأول "أن الإسلام مناسب لملء دور الشرير بعد زوال الحرب الباردة، فهو ضخم ومخيف وضد الغرب ويتغذى على الفقر والسخط، كما أنه ينتشر في بقاع عديدة من العالم، لذلك يمكن إظهار خرائط العالم الإسلامي على شاشة التلفزيون باللون الأخضر كما كان العالم الشيوعي يظهر باللون الأحمر". ص 32 و33، أما الثاني فيعتبر "أن الأصولية الإسلامية هي حركة ثورية عدائية يماثل عنفها وتشددها الحركات البلشفية والفاشية والنازية في الماضي، وهي حركة استبدادية وضد الديمقراطية وضد العلمانية، لذلك لا يمكن استيعابها في العالم المسيحي العلماني، وبما أن هدفها إنشاء الدولة الإسلامية المستبدة فلا بد من أن تقوم الولايات المتحدة بوأدها عند الولادة". ص33
على هذا الأساس، فإن الخلاصة الجوهرية التي يثبتها الجابري، هي أن الإسلام غير مقبول في الغرب، فهو منفي ومستبعد، حيث يتم الخلط في بوتقة واحدة، بين العربي الذي يشكل تهديدا اقتصاديا بقطع النفط، وبين المهاجر الذي يشكل تهديدا ديموغرافيا، وبين الإسلامي الذي يختزل في لفظة الإرهاب باعتبارها التهديد الأكبر لمصالح الغرب! غير أن هذه الخلاصة، حسب رأيي، تظل نسبية، لأن الغرب كذلك مثل الإسلام ليس كلاًّ يتصف بالخوف والكراهية والمواجهة، وقد لاحظ ذلك الأستاذ الربيعو الذي أنهى حديثه عن الجابري بعبارته: "من يقرأ الجابري يجد أن فكره مضمر بالمواجهة مع الغرب وعلى جميع الأصعدة الفكرية والأيديولوجية والإعلامية". ص 37
الإسلام، أوروبا، الغرب: رهانات المعنى وإرادات الهيمنة
أما الكتاب الثالث الذي حظي بقراءة الأستاذ الربيعو، فهو كتاب المفكر الجزائري الأصل محمد أركون، الذي يحمل عنوان الإسلام، أوروبا، الغرب: رهانات المعنى وإرادات الهيمنة، حيث العتبة الأولى لفهم طرحه، هي استيعاب هذه المصطلحات الثلاثة: الإسلام، أوروبا والغرب، التي يرى أركون أنها "تعرضت لأدلجة مهووسة ومبالغ فيها، وأن ثمة صورة سميكة تغلف الخطاب الإعلامي والاستشراقي والسياسي في الغرب، وتدفع إلى مزيد من الهوس والأيديولوجيا والنظرة البدائية والاختزالية للإسلام بآن". ص 37 و38
هكذا فإن أركون يرفض رفضا باتا هذا الخطاب الاختزالي والبدائي لوسائل الإعلام الغربية ضد الإسلام والمسلمين، لذلك يسعى جاهدا إلى أن يكون وسيطا بين هاتين البنيتين التاريخيتين والثقافيتين، أي بين الغرب والإسلام. غير أنه إذا كان أركون يرى نفسه مؤهلا لتأدية هذا الدور في الغرب، فهل تساءل يوما حول مدى استجابة الطرف الإسلامي لذلك، لا سيما وأن أغلب قراءات وطروح الرجل بخصوص الإسلام مرفوضة في أغلب الأوساط الدينية والثقافية والأكاديمية والإعلامية الإسلامية! ثم إن المصطلحات الثلاثة المشار إليها آنفا، ليست وحدها التي تعرضت للأدلجة، حيث ثمة مصطلحات عدة تمت بصلة وطيدة إلى تناوله، تعرضت بدورها للأدلجة، مثل: العرب، الشرق، الأجانب، المهاجرون، الاندماج، وغيرها كثير.
إن أركون يلتقي مع الطرحين السابقين، لكل من جعيط والجابري، في أن الإعلاميين والسياسيين الغربيين، "يضخمون الإسلام حتى ليكاد يصبح غولا مرعبا أو وحشا أيديولوجيا". ص41 وقد جمّع الأستاذ الربيعو أهم التساؤلات التي يتضمنها كتاب أركون، وأغلبها ينزع منزعا إشكاليا، وقد بدأها بالسؤال المحوري الآتي: إلى أي مدى نظل تحت رحمة التصور الأيديولوجي السائد والذي يحكم علاقة الشرق بالغرب؟
في اعتقادي، إن استمرار هذا التصور الأيديولوجي مترتب عن تضافر مجموعة من العوامل التاريخية والسياسية والثقافية والدينية، قد أشار أركون إلى بعضها وأغفل البعض الآخر، ويتولد عن هذا التصور فهم منحرف لدى الغرب، يربط الإسلام دوما بالعنف وعدائه للديمقراطية ورفضه لليهود، وهي كلها أحكام جاهزة، "تؤكد غياب الأنتلجنسيا الغربية عن فهم الآخر/المسلم وعن عجزها عن الحوار معه، وعن أن الحقيقة في شمال حوض المتوسط غير الحقيقة في جنوبه. إنها إرادة الهيمنة التي تلغي الحوار وتطلب من الآخر الانكفاء على نفسه". ص 43
الاستشراق
أما الكتاب الرابع فهو للمفكر الفلسطيني إدوارد سعيد، وهو يحمل عنوان: الاستشراق، وقد كتبه بين عامي 1975 و1976، حيث أحدث أثناء ظهوره ضجة كبيرة في الغرب عامة، وأمريكا خاصة، سواء على المستوى الإعلامي أم السياسي أم الأكاديمي، في حين أنه لم يلق ما يستحقه على الساحة الفكرية العربية، وقد فسر الجابري ذلك بسيادة النزعة الاستشراقية في صفوف التقدميين العرب. ص 20 ومرد هذه الضجة الكبيرة التي أحدثها كتاب إدوار سعيد، إلى أنه يطرح أسلوبا جديدا في تناول علاقة الغرب بالشرق والإسلام، أسلوبا ينبني على النقد الموضوعي المسنود بالحجج العلمية والتاريخية للكيفية التي تغطي به الإسلام، ليس فقط وسائل الإعلام، وإنما كذلك الخبراء الأكاديميون والاستراتيجيون والجغراسيون والمفكرون وغيرهم، حيث "قامت، كما يقول إدوارد سعيد، بعرضه، وبسطه وتصويره، وتحديد خصائصه، وتحليله وتوفير مساقات فورية حوله. ولكن هذه التغطية، زاخرة بالمغالطات". ص 45
وفيما يتعلق بوسائل الإعلام الغربية، ومدى تحكمها في تشكيل وعي الآخرين وفهمهم بخصوص الإسلام، فإن إدوارد سعيد يدرك أنها تجمع على إيجاد أو خلق كبش فداء، أو ضحية ما، على اعتبار أن الإسلام هو ذلك الكبش لكل ما لا يروق للغربيين من أنماط سياسية واجتماعية واقتصادية جديدة في العالم، حيث إنه بالنسبة لليمين يمثل الإسلام الهمجية، وبالنسبة لليسار الثيوقراطية في العصر الوسيط، أما بالنسبة للوسط فإنه يمثل نوعا من الغرائبية الممجوجة. ص 44 غير أنه هل ما زال هذا الإجماع مستمرا، لا سيما وأننا في زمن بدأت تتغير فيه نظرة العديد من المثقفين الغربيين إلى الإسلام، لما اكتشفوا أن الأدبيات السياسية والإعلامية التقليدية حوله محشوة بالكثير من المغالطات والمزايدات، مما دفع بعضهم إلى الانتظام في بوتقته، إما إيمانا به، أو تعاطفا معه، أو تناولا موضوعيا له.
إن إدوارد سعيد يطرح معادلة جديدة في قراءته لإشكالية الإسلام والغرب، فهي تلتقي مع ما سلف من الطروح وغيرها، في التركيز على التعامل الأيديولوجي للغرب مع الإسلام، غير أنها تختلف معها، بشكل أو بآخر، في بعض الأمور، كعدم اهتمامه بالعامل التاريخي المحدد بالحروب الصليبية، ويميز بين الغرب والمسيحية، على أن الصراع قائم بين الإسلام والغرب، لا الإسلام والمسيحية، وغيرها من الرؤى الجديدة المبتكرة. يقول الأستاذ الربيعو: "إن سعيد في قراءته لإشكالية الإسلام والغرب، يوجه اهتمامه إلى نظام الاستشراق وارتباطه بالقوة وإلى أجهزة الإعلام وارتباطها بالهيمنة والغزو. إنه لا يلتفت إلى الحروب الصليبية والتي يكثر الحديث عنها هذه الأيام. إنه يركز على الغرب. فالغرب من وجهة نظره، لا المسيحية، هو الذي بقي دائما في موقع التنافس والعداء مع الإسلام. فالغرب ظل يرقب باستمرار قوة الإسلام والمؤهلة لإزعاجه المرة تلو المرة". ص 48
خلاصة القول
هكذا يمكن أن نخلص من هذه القراءة التي انصبت على المحور الأول الخاص ببحث الأستاذ الربيعو، إلى ثبت المحصلات الثلاث الآتية:
1. إن بحث الأستاذ الربيعو لا يعدو أن يكون إلا تجميعا لقراءات تناول من خلالها، بعض الكتب التي اهتمت بثنائية الإسلام والغرب، حيث حاول بواسطتها جس نبض بعض ممثلي النخبة الفكرية العربية، وكيف يفهمون علاقة الإسلام بالغرب، وهو في الحقيقة فهم ينطلق من مرجعيات متعددة، ويوظف آليات متنوعة، غير أنه ينظمه خيط رفيع، وهو إجماع هذه النخبة على أن ثمة فجوة عميقة بين الإسلام والغرب، تتسع يوما بعد يوم، غير أن الباحث لا يطرح البدائل الممكنة، لردم هذه الفجوة، بقدر ما يختم بحثه بالتساؤل عما إذا كانت ثمة إمكانية للحوار بين الإسلام والغرب!
2. ثم إن أهم هاجس يحكم هذا البحث بدءا من عنوانه (الخواف من الإسلام في موقف الغرب من الإسلام) وعبر أغلب فقراته ومباحثه، هو التعامل الأيديولوجي للغرب مع الإسلام، كما أنه ليس ثمة في الغرب مثقفون ومفكرون وكتاب ومواطنون عاديون يتعاملون بشكل موضوعي وطبيعي مع الإسلام، وهذا ما سوف يلتفت إليه البحث القادم للأستاذ زكي الميلاد، الذي يدعو المسلمين إلى التعامل الإيجابي مع الحضارة الغربية، التي لا يمكن اختزال علاقتها بالإسلام فيما هو صراعي وعدائي فحسب، ويسوق لنا عشرات الشواهد التي تثبت أنه إلى جانب النظرة الأيديولوجية للغرب إلى الإسلام، تسود نظرة حضارية تعترف بخصوصية الإسلام وإسهامه التاريخي والإنساني.
3. كما أن تناول الأستاذ الربيعو يبدو أكثر ارتباطا بعلاقة الإسلام مع الغرب، إما في بعدها الماضوي، حيث نشأت الحروب الصليبية التي أثرت سلبا على هذه العلاقة، ثم تلتها الكثير من المواجهات والحروب والاستعمارات، أو في بعدها الحالي، حيث تتخذ هذه العلاقة مناحي متنوعة، وتتلاقى في مواطن كثيرة، أما البعد المستقبلي، فيظل مغيبا في هذا البحث، لا يحضر إلا على مستوى الأسئلة المعلقة، التي لم تحظ بالإجابة عنها، مما يقوض العنوان الرئيس للكتاب، الذي يعد القارئ بتناول لثنائية الإسلام والغرب في الحاضر والمستقبل!
الإسلام والغرب، هل من منظور معرفي جديد لعلاقات مستقبلية إيجابية؟
تجدر الإشارة بدءا إلى أن بحث الأستاذ زكي الميلاد الموسوم بـ (الإسلام والغرب، هل من منظور معرفي جديد لعلاقات مستقبلية إيجابية؟)، ولو أنه يلتقي مع البحث السابق للأستاذ تركي علي الربيعو من حيث الموضوع المتناول، الذي هو ثنائية الإسلام والغرب، إلا أنه يختلف عنه في أمور كثيرة، ارتأيت أن أعرج عليها في هذا الموضع، قبل الشروع في معالجة البحث وقراءته.
· إذا كان بحث الأستاذ الربيعو عبارة عن تركيب لقراءات انصبت على نماذج من الفكر العربي المعاصر، التي اهتمت بعلاقة الإسلام بالغرب، فإن بحث الأستاذ الميلاد يحاول الانطلاق من رؤية الكاتب نفسه حول ثنائية الإسلام والغرب وما ينضوي تحت لوائها من قضايا، بمعنى أنه يسعى حثيثا إلى طرح منظور خاص به، يجتهد من خلاله في قراءة علاقة الإسلام بالغرب.
· إن قراءة الأستاذ الميلاد لهذه العلاقة تتأسس على آلية النقد للذات والآخر، غير أن النقد الذاتي الذي يوجهه لمواقف المسلمين الانفعالية من الغرب، يظل الأهم، لا سيما وأن تلك المواقف غالبا ما تنظر إلى ما هو غربي من زاوية ضيقة، وهي زاوية العداء والصراع والماضي المظلم، وبعبارة أوضح، إنها تتعامل مع الغرب الأيديولوجي، الذي تناوله الأستاذ الربيعو في بحثه، في حين تقصي الغرب الحضاري والإنساني، الذي يمكن أن يتعلم منه المسلمون الكثير، وهذا ما يركز عليه الأستاذ الميلاد عبر أغلب مباحث دراسته.
· ثم إنه إذا كان بحث الأستاذ الربيعو لا يتعدى إثارة مجموعة من الأسئلة الإشكالية، دون إيجاد تفسيرات شافية لها، حتى لدى المفكرين الذين تناول أفكارهم بالقراءة، فإن بحث صديقه الميلاد يقدم تشخيصا واقعيا للحالة التي عليها علاقة الإسلام والغرب، وهو ينقب في كل مكان عن الصيغة المناسبة، التي ينبغي أن تكون فيها هذه العلاقة، وهذه الصيغة لا أثر لها إلا في دواخلنا، فهي لا تنبع إلا من طبيعة فهمنا الآخر، حيث إنه كلما كان هذا الفهم صحيحا ومتوازنا، كلما تأتى لنا استيعاب حقيقة الآخر؛ كيف ينظر إلينا؟ وماذا يريد منا؟ وكيف ينبغي التعامل معه؟
· كما تجدر الإشارة إلى أن البعد المستقبلي لعلاقة الإسلام بالغرب، الذي غاب من بحث الأستاذ الربيعو، يحضر بقوة وكثافة في تناول الأستاذ الميلاد، الذي يدعو إلى الانفتاح على المستقبل برؤية إيجابية.
على أساس هذه الأمور الأربعة، التي يختلف أو يتميز بها بحث الأستاذ الميلاد عن بحث صديقه الأستاذ الربيعو، تتشكل عناصر القراءة التي سوف أعقدها لهذا الشق من الكتاب الذي أنا بصدد دراسته، وهي على التوالي:
1. الخيار الإسلامي
2. بين الغرب السياسي والغرب الحضاري
3. بين نقد الذات ونقد الآخر
4. المستقبل الذي نريده
الخيار الإسلامي
يحاول الأستاذ الميلاد في تمهيد بحثه تحديد مفاهيم بعض المصطلحات، التي سوف يستأنس بها في قراءته لثنائية الإسلام والغرب، وهو يبحث لها عن أصل أو معادل في المعرفة الإسلامية، وتجدر الإشارة في هذا الموضع إلى مصطلحين هما:
- فلسفة التاريخ: وهو علم ذو قيمة عظيمة "جاء لكي يطور من نظرة الإنسان إلى التاريخ بحيث ينتقل من حال إلى حال، ومن زمن إلى زمن آخر، لا أن يصبح واقفا وجامدا أمام الأحداث والوقائع، ولا يستطيع أن يتخطاها إلى بناء جديد، ويربط التاريخ بالحاضر والمستقبل، لا بالماضي والانغلاق عليه". ص 55 وقد لاحظ الباحث أن القرآن الكريم يرشدنا إلى هذه الحقيقة، وعضد ملاحظته هذه، بقوله سبحانه وتعالى: (تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون) البقرة: 2/134.
- الحداثة: حيث يرى الأستاذ الميلاد أن "الحداثة ليست مفهوما أيديولوجيا غربيا، وإنما هي مفهوم إنساني عام يرتبط بعلاقة كل أمة بالزمن والعصر الذي تعيشه، ومدى ما حققته من تقدم وتطور يتناسب وحركة الزمن والعصر كما هو في وعيها". ص 55 و56 وعلى هذا الأساس فإنه يستخلص فكرة لافتة، وهي ازدواجية الغرب في تعامله مع مفهوم الحداثة، حيث إنها "تعني في فهمه القطيعة مع الماضي، وأن التراث لا يمثل مرجعية معرفية في حاضره في قراءة الأفكار والمواقف والمناهج والنظم والأحداث، إلا أنه في علاقته بالإسلام لا زال مسكونا بالماضي إلى حد كبير"! ص 56 و57
بعد ذلك، ينطلق الأستاذ الميلاد لينسج صورة تقريبية حول حالة الإنسان والعالم في العصر الحديث، وهي حالة تنطوي على أزمة شاملة وعميقة، تعتري مختلف بنى الحياة وأنساقها، وهذه الأزمة تفرخ أزمات شتى، تمس النفس والمجتمع والاقتصاد والسياسة والثقافة وغير ذلك، وقد تولد لدى الإنسان جراء ذلك في كل حيز من العالم "شعور عميق بضرورة الإصلاح والتغيير في البنية العالمية، فقد تعالت الأصوات التي تطالب بهذا الإصلاح، وكأننا أمام صحوة عالمية متنامية في دول الشمال والجنوب، تتلمس ثقل الاختناق الذي يطوق العالم". ص 63 وهكذا يبدو أن الإسلام من شأنه أن يؤدي دورا رياديا في هذه الحركة الإصلاحية، لاسيما وأن الإسلام يملك إمكانات مختلفة تاريخية وأخلاقية وعلمية، ما أحوج الإنسان المعاصر إليها، وهو يجد نفسه في وضعية مثخنة بالمشاكل النفسية والاجتماعية والاقتصادية والصحية، وهي مشاكل قد حسم الإسلام في أغلبها منذ حوالي خمسة عشر قرنا، وقد أدرك ذلك العديد من الخبراء النفسيين والاجتماعيين والتربويين الغربيين، الذين بدءوا ينفتحون على الدين الإسلامي، ليس فقط لمعالجة مرضاهم من المهاجرين المسلمين، القابعين في السجون والمستشفيات، وإنما ليعالجوا به كذلك المشاكل النفسية والسلوكية التي يتخبطون فيها، كالكآبة والعزلة والتفتت الأسري والإدمان وغيرها.
هذا إن دل على شيء، فإنما يدل "على أن العالم أخذ يقف على أزماته الحضارية التي تضيق بالمجتمع الإنساني وتدمر الإنسان والبيئة، والتفكير عن مخرج لهذه الأزمات الحضارية، لا بد أن يكون نابعا من رؤية حضارية إنسانية عالمية، وهذه المرة وفي هذا الظرف لا بد أن يكون الإسلام شريكا في هذا التفكير الحضاري لأزمات العالم الكبرى". ص 65 هكذا فإن "الإسلام اليوم يفرض نفسه كأحد الخيارات الحضارية الكبرى في هذا العالم في مواجهة الأزمات الحضارية". ص 65.
غير أن مثل هذا الكلام الجميل قد يعتبره الإنسان العادي من باب المستحيلات، ليس لأن الإسلام غير مؤهل للمشاركة في الحركة الإصلاحية لوضعية العالم المتردية، وإنما لأن الظرف التاريخي الحالي غير مهيأ له، خصوصا وأننا نشهد رفضا علنيا من الغرب؛ إعلاميين وسياسيين ومثقفين وأناسا عاديين، لما هو إسلامي، ولو أنه معتدل ومتسامح، لذلك يحق لنا أن نتساءل حول الكيفية التي تتأتى بها للإسلام المشاركة في مواجهة الأزمات الحضارية التي يتخبط فيها العالم، والعلاقة التي تجمعه بالغرب مرتجة وغير متكافئة؟ ثم هل حقا أن الإسلام يفرض نفسه كأحد الخيارات الحضارية الكبرى في العالم، أم أن هذا مجرد كلام إنشائي جميل؟!
بين الغرب السياسي والغرب الحضاري
إن الأسئلة الإشكالية التي تم طرحها قبل قليل، نجد لها صدى في بعض الدعوات التي تطلقها جهات غربية غير معادية للإسلام، غير أن هذا الصدى سرعان ما يندثر ويصبح في خبر كان! إن الأستاذ الميلاد تعرض إلى آراء ومبادرات ومواقف مهمة تحفز على التعامل الحضاري الإيجابي مع الإسلام، وأهمها مواقف كل من السفير الألماني بالمغرب فيلفرد مراد هوفمان الذي يفضح الحملات العدائية الغربية ضد الإسلام، والمستشرقة الألمانية آني ماري شميل التي ترفض مساواة الإسلام بالتطرف والإرهاب، والأمير تشارلز الذي دعا إلى المصالحة بين الإسلام والغرب، والرئيس الألماني رومان هرتزوغ الذي يرى ضرورة الحوار مع الإسلام لتجاوز الخوف وعدم الثقة، والمفكر السويدي أنغمار كارلسون الذي يطرح في كتابه (الإسلام وأوروبا تعايش أم مجابهة)، رؤية إيجابية يدعو من خلالها إلى تفهم الإسلام والحوار مع المسلمين، وغيرها من المواقف والمبادرات.
إن مثل هذه المبادرات الإيجابية التي تحث على إنعاش علاقة الغرب مع الإسلام، تندرج في خطاب الغرب الحضاري، وقد سبق لي مرة أن ميزت، في حوار أجرته معي جريدة الوقت البحرينية، بين الغرب الأيديولوجي والغرب الحضاري والإنساني(1)[1]، بقولي: "وحتى تتضّح الصّورة أكثر، فيلزمنا أن نفرّق بين نوعين من الغرب؛ أولهما ما نطلق عليه الغرب الأيديولوجي، الذي يوحي بمفاهيم الاستعمار والهيمنة والاستعلاء والقوة وغير ذلك، وعلى هذا الصعيد يمكن الحديث عن العلاقة (الأكثر من دموية)، وهي محكومة بالمناخ الدّولي العام، وهذا لا ينفي وجود غرب آخر، يمكن نعته بالغرب الحضاري والإنساني، الذي يقدّم للإنسان شتى القيم الإيجابية والإنجازات المفيدة ونحو ذلك، وهو ذلك الغرب الذي هيّأ ملاذاً دافئاً لملايين المسلمين والأجانب، في الوقت الذي أقفلت الدول الإسلامية الغنية أبوابها في وجوههم!"(2)[2].
في اعتقادي، رغم أن تلك المواقف والمبادرات ذات أهمية قصوى، بالنسبة إلى صورة الإسلام في الغرب، إلا أنها غير كافية، لتصحيح التصور الغربي المغلوط حول الدين والثقافة الإسلاميين، ليس فقط لدى المواطنين العاديين، وإنما كذلك لدى النخب الثقافية والإعلامية والسياسية، التي تستمد رؤاها تارة من الفكر اليميني المتطرف الذي يرفض الوجود الإسلامي في الغرب، وتارة أخرى من الفكر الصهيوني المسكون بعقدة العداء للعرب والمسلمين. على هذا الأساس يبدو أن دائرة خطاب الغرب الحضاري والإنساني في علاقته مع الإسلام جد ضيقة، ولا نلفى لها وجودا إلا في بعض الندوات واللقاءات العلمية المتخصصة، أو من خلال مبادرات شخصية يقوم بها بعض المثقفين الغربيين، مما يعني أنها تظل قصرا على بعض نخب المثقفين، لا يكتب لها التسلل إلى الأوساط الشعبية، لاسيما عبر وسائل الإعلام الذي تتحكم فيها الجهات المعادية للإسلام، وهي التي تمثل خطاب الغرب الأيديولوجي أو السياسي.
من هذا المنطلق، فإن الأستاذ الربيعو، قد أسهب في إيراد شتى المواقف الغربية المعادية للإسلام، وهي تحيل بذلك على الغرب الأيديولوجي، أما صاحبه الأستاذ الميلاد فقد تفادى التقوقع في تلك المواقف السلبية، التي لا تجدي في شيء، عدا تعميق الفجوة بين الإسلام والغرب، غير أنه أشار إشارات خفيفة إلى تجليات خطاب الغرب الأيديولوجي، وهي تتحدد في عناصر ثلاثة:
· الحروب الصليبية: حيث الغرب، كما يشير الباحث، عوض ما يستعيد ذاكرة المكتسبات الكبيرة التي أخذها عن الحضارة الإسلامية، فإنه يعيد نتاج ذاكرة الحروب الصليبية لأجياله. ص 57 و56
· الدراسات الاستشراقية: يرى الباحث أن الرؤية الرافضة والصدامية للغرب في الخطابات الإسلامية الحديثة، قد ساهم بها الغرب نفسه، الذي كان يتقدم للعالم الإسلامي بخطاب يعلن فيه صراحة عداوته للإسلام، الصورة التي تكونت في معامل المستشرقين! ص 79 و80
· وسائل الإعلام: حيث أنها تؤدي دورا خطيرا في تشويه صورة الإسلام للرأي العام الغربي والعالمي، من خلال وصم الإسلام بالإرهاب والتطرف والأصولية. ص 58
بين نقد الذات ونقد الآخر
في الحقيقة، تعتبر آلية النقد أهم مرتكز يبني عليه الأستاذ الميلاد تفكيره وتصوره لثنائية الإسلام والغرب، وهو لا يمارس النقد من أجل النقد في حد ذاته، وإنما يعتمده لأجل غاية أسمى، وهي الكشف عن حقيقة علاقة الإسلام مع الغرب، ثم إنه لا ينتقد جهة معينة على حساب جهة أخرى، بقدر ما يوازن في نقده بين مختلف أطراف المعادلة، فهو ينتقد الإعلام الغربي، كما الإسلامي، وينتقد الفكر الغربي كما الإسلامي كذلك، لذلك نجده وقد خصص حوالي خمسة مباحث من دراسته للنقد.
وسوف أحاول في هذا الموضع التركيز على النقد الذي وجهه الباحث لقراءة الخطابات الإسلامية للغرب، وهو يرى أن "الخطاب الإسلامي اليوم هو أكثر نضجا وإدراكا لحاجاته الحقيقية، وأكثر تفهما للواقع الإسلامي والعالمي". ص 85 فما مدى مصداقية هذا الرأي، وسريانه على هذا الخطاب؟ وقد انصب هذا النقد على ستة جوانب، ألخصها عبر العناصر الآتية:
1. التركيز على التدهور الأخلاقي في الغرب: ويعتقد الباحث أنه من القصور والخطأ، النظر إلى هذه الحضارة من هذه الزاوية فحسب، "ونحن في العالم العربي والإسلامي الذين نأخذ على الغرب هذه الظواهر المريضة والقاتلة، هي ذاتها الظواهر التي نقلناها عنه إلى بلداننا ومجتمعاتنا، وهي التي نأخذها عنه حتى حين ذهبنا إلى هناك للدراسة والتعلم". ص 86 و87
2. التبشير باقتراب سقوط الحضارة الغربية: فالباحث يفند هذا الرأي ويرى أن هذه الحضارة لا زالت تحتفظ لنفسها بأسباب بقائها وتفوقها، وأهم هذه الأسباب هي الأخذ بقانون العلم وتسخيره فيما يخدم رفاه وتقدم تلك المجتمعات، ويورد الأستاذ الميلاد تفسيرا فريدا من نوعه، يقول فيه: "كما أن التبشير بسقوط الغرب وحضارته، هل يحل لنا المشكلة، ويرفع عنا التخلف المكثف والشامل، مع أني أحتفظ لنفسي برأي أعتقد فيه أن ليس من مصلحة الإنسانية سقوط الحضارة الغربية؛ لأن وراء هذا السقوط دمار كبير للبشرية، وكل ما نريده من هذه الحضارة هو أن ترشد نفسها، وأن تغير نظرتها إلى الأمم الأخرى، وأن لا تقف في طريق نمو وتقدم باقي الأمم غير العربية". ص 88 و89
3. منهجية الهجوم: وهو يتحدد في وصم الحضارة الغربية بالجاهلية والعنصرية والمادية والاستكبارية والشر والكفر، وهذا الأسلوب، كما يذهب الباحث، لا يجدي أمتنا في شيء، ولا يكشف لنا أسرار الحضارة الغربية، وكيف وصلت ما وصلت إليه من تقدم وتطور مذهل، وما دامت أن غايتنا هي النهوض حضاريا بأمتنا، فبهذا الوعي والإدراك والأفق ينبغي أن ننظر إلى حضارة، كالحضارة الغربية. ص 89
- التفاصيل
- كتب بواسطة: الرأي الآخر للدراسات – لندن
- الزيارات: 6
الحرية والعبودية من منظور الشرع والوضع
د. نضير الخزرجي*
من المقطوع به أن عبادة الأصنام والخضوع لها مادية كانت أم بشرية، وعدم إطاعة سنن السماء وشرع الله، إنما هي عبادة وطاعة سلبية يترتب عليها آثار سلبية، ونتائجها وخيمة، والعكس صحيح، قال تعالى: (ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض) الأعراف:96، فعموم الطاعة ترتب أثرا من سنخ الطاعة، من هنا ورد عن الإمام موسى بن جعفر الكاظم (ع): "من أصغى إلى ناطق فقد عبده، فان كان الناطق يؤدي عن الله عز وجل فقد عبد الله، وان كان الناطق يؤدي عن الشيطان فقد عبد الشيطان"(1).
ولا تنحصر الطاعة في التشريعات السماوية، وإنما هي ماضية في التشريعات الأرضية أيضا، فاحترام القوانين الوضعية وتطبيق بنودها وموادها والخضوع لمبانيها، تعتبر طاعة إيجابية، تترتب عليها سلامة المجتمع وفق نظرة الواضعين لها، وهو ما عبر عنها الفيلسوف السويسري جان جاك روسو (Jean Jacques Rousseau) (ت 1778م) بقوله: "إن الحرية من دون العدالة هي تناقض حقيقي، فلا حرية بغير قوانين، ولا حرية عندما يكون أي شخص فوق القانون .. والشعب الحر يطيع، لكنه لا يخدم، لديه قضاة لكن ليس فيه سادة، هو لا يطيع شيئا سوى القوانين، وبفضل قوة القوانين فانه لا يطيع البشر"(2)، ولهذا فان روسو دافع بشدة عن رأيه بأنَّ: "دافع الشهوة المجرد هو عين العبودية في حين أن طاعة القانون الذي نسنّه بأنفسنا هي الحرية بعينها".(3)
فالعبودية بذاتها حقيقة مجردة من الصفات كما يقول الصفار وهو فقيه عراقي: "فذات العبودية ليست حسنة ولا سيئة وإنما هي حقيقة مجردة من الصفات ولا تتصف بالحسن والقبح إلا إذا طرأت عليها ألوان خارجية فتكتسب حسنها وقبحها منها، فالعبودية لله محبوبة لأنها عبودية واقعة لا يستطيع أي مخلوق فكاكا عنها: )ولله يسجد مَن في السماوات والأرض طوعا وكرها وظلالهم بالغدوّ والآصال( الرعد:15، )وإن مِن شيء إلاّ يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم( الإسراء:44، )الذي بيده ملكوت كل شيء( يس:38،... وأما العبودية للسلطان الجائر فإنها عبودية مبغوضة، لأنها ليست حقيقة ولأنها تضر ولا تنفع، والعبودية للنفس كتلك مبغوضة، لأنها تكبت الإنسان وتحبسه في بركة ضيقة من الرذائل والإنحطاط المعنوي"(4).
العبودية السلبية
والعبودية لشهوات النفس غير المحمودة عبودية سلبية، بل أنها مندكة في السلبية، لان شهوات النفس تقود الإنسان إلى ما لا يحمد عقباه، ولهذا اعتبر الإسلام أن جهاد النفس هو الجهاد الأعظم وفوق جهاد العدو الخارجي، فقد ورد عن الإمام علي (ع): "إن النبي صلى الله عليه واله وسلم بعث سرية فلما رجعوا قال: مرحبا بقوم قضوا الجهاد الأصغر وبقي عليهم الجهاد الأكبر. قيل: يا رسول الله ما الجهاد الأكبر؟ فقال: جهاد النفس. وقال صلى الله عليه واله وسلم: إن أفضل الجهاد من جاهد نفسه التي بين جنبيه"(5). ومن الواضح أن جهاد العدو ينتهي بانتهاء المعركة حتى إذا حطت الحرب أوزارها عاد كل جيش إلى ثغوره، لكن النفس البشرية كالهواء الذي يتنفسه الإنسان تصاحبه ما قدّر الله له أن يعيش، فجهادها عملية دائمة ما طلع الليل والنهار، وكما يقول العيناثي (المتوفى بعد 1088هـ): "والحازم من الناس من سدّ ثغور الهوى، ورابط جيوش الحِجى"(6)، وقد عبر بعض العارفين، عن النفس بقوله: "إن هذه النفس في نهاية الخساسة والدنائة، ونهاية الجهل والغباوة وينبهك على ذلك أنها إذا همّت بمعصية أو انبعثت لشهوة لو تشفعت إليها بالله سبحانه ثم برسوله وبجميع أنبيائه، ثم بكتبه والسلف الصالح من عباده، وعرضت عليها الموت والقبر والقيامة والجنة والنار، لا تكاد تعطي القياد، ولا تترك الشهوة، ثم إن منحتها رغيفا سكنت وذلّت ولانت بعد الصعوبة والجماح وتركت الشهوة".(7)
من هنا كان جهاد النفس أعظم الجهاد، وقد ورد عن النبي الأكرم محمد (ص) قوله: "المجاهد من جاهد نفسه في طاعة الله"(8)، وقال ابن الجوزي (ت 597هـ) في تفسير قوله تعالى: (وجاهدوا في الله حقّ جهاده) الحج:78، أن هناك: "ثلاثة أقوال: احدها انه: (فعل جميع الطاعات)، هذا قول الأكثرين، والثاني انه: (جهاد الكفار)، قاله الضحاك (ت 102هـ)، والثالث انه: (جهاد النفس والهوى)، قاله عبد الله بن المبارك (ت 181هـ)"(9)، وجاء في وصية الإمام علي لنجله الإمام الحسن (ع): "من ترك الشهوات كان حرا"(10)، ومن وصايا الإمام علي (ع) إلى الناس: "ألا حر يدع هذه اللُماظة - بضم اللام وتعني الدنيا- لأهلها؟ أنه ليس لأنفسكم ثمن إلا الجنة فلا تبيعوها إلا بها".(11)
ولقد وردت أحاديث كثيرة تعتبر السلوك المغلوط في حياة الإنسان عبودية بمعنى الرق، وأن الإنسان قادر على الفكاك من هذا الرق إن هو غيّر من سلوكه نحو مدارج الكمال الخلقي، فمثلا الطمع مظهر سلبي من مظاهر السلوك البشري، ولهذا: "قيل أغبط الناس من اقتصد فقنع، ومن قنع فك رقبته من عبودية الدنيا وذل المطامع"(12)، وقد ورد عن الإمام علي (ع): "الحر عبد ما طمع، والعبد حر ما قنع"(13)، وعنه (ع): "أزرى بنفسه من استشعر الطمـع"(14)، وعنه (ع): "الطمع رق مؤبد .. والطامع في وثاق الذل:"(15)، بل إن الطمع مفتاح الذل كما في وصايا الإمام موسى بن جعفر الكاظم (ع)، لهشام بن الحكم الشيباني الكوفي (ت 199هـ)، فمما أوصاه: "يا هشام: إياك والطمع، وعليك باليأس مما في أيدي الناس، وأمت الطمع من المخلوقين، فان الطمع مفتاح الذل، واختلاس العقل، واختلاف المروات، وتدنيس العرض، وبيّن بالعلم، وعليك بالاعتصام بربك والتوكل عليه"(16).
ولعل من أهم الأمور التي يمكن استيحاؤها من هذا الحديث، أن الاستئثار والطمع والجشع (مال أو سلطة أو جاه، وغيرها) هو نقيض الحرية، فمن الحرية على سبيل المثال أن يستشير المرء ذوي الحِجى، ومن الحرية أن لا يستأثر ذو سلطة بسلطته، فالطاغية على عكس ما يصوره الإعلام إنما هو عبد للسلطة، وعلى مذبح العبودية يهتك الحرمات، فيكون أسير الدم الذي أراقه والحرمة التي انتهكها، في الدنيا والآخرة، وهو في الوقت نفسه أسير شهوته ونزواته.
ذاتية الحرية
فالحرية والعبودية تنسحب على جميع مناحي الحياة، ولكن هذا لا ينافي فضيلة الدفاع عن الكرامة والعرض والمال، فالموت دون هذه الحرمات شهادة، وليس من الطمع أو الحرص من يدافع عن حقه وماله، فالطمع هو النظر إلى ما في أيدي الناس، فمن الحرية أن يدافع الإنسان عن ما يقع في حوزة ملكه الشرعي، ومن العبودية التنازل عنها، إلا إذا اُجبر الإنسان على ذلك في وضع لا حول له فيه ولا قوة، فقد ورد عن الإمام جعفر بن محمد الصادق (ع) قوله: "إن الحر حر على جميع أحواله، وان نابته نائبة صبر لها، وإن تداكت عليه المصائب لم تسكره، وان أُسر وقُهر واُستبدل باليسر عسرا، كما كان يوسف الصدّيق الأمين (صلوات الله عليه) لم يضرر حريته إن اُستعبد وقُهر ولم تضرره ظلمة الجب ووحشته وما ناله، أن مَنّ الله عليه فجعل الجبار العاتي له عبدا بعد إذ كان (له) مالكا، فأرسله ورحم به أمّة، وكذلك الصبر يعقب خيرا، فاصبروا ووطنوا أنفسكم على الصبر توجروا"(17).
فالإنعتاق عن ذلك الطمع والشهوات والرغبات الحيوانية هي عبودية وحرية في آن واحد، عبودية لله وحرية لنفس الإنسان، ويرى المجلسي (ت 1111هـ) وجود علاقة مباشرة للحرية مع عبودية الشهوات، فالحرية عنده: "تحتمل المعنى الظاهر فإنها كمال في الدنيا وضدها غالبا يكون مانعا عن تحصيل الكمالات الأخروية، ويحتمل أن يكون المراد بها الإنعتاق عن عبودية الشهوات النفسانية والانطلاق عن اسر الوساوس"(18).
والحرية في واقع الحال اصل الفضائل وسنامها، يقول مصباح يزدي وهو فقيه إيراني: "كلمة الحرية تستعمل في الأخلاق بمعان متعددة، ولكن متقاربة، في كتبنا الأخلاقية الفلسفية، عند الكلام على خصائص النفس الإنسانية وملكاتها، وينظر إلى الحرية على أنها أصل الفضائل"(19)، ولهذا يعتبر قلم نسوي مثل قلم القاصة السورية ابتسام شاكوش: "إن إطلاق النساء من القيود الأخلاقية، ليس من الحرية أو التحرر بشيء، بل هو عبودية للجسد وشهوات الجسد، وهو أمر يثير القرف والاشمئزاز"(20).
ويعتبر الصدر (ت 1980م) إن الإنعتاق عن عبودية الشهوات أصل الحرية، فليس من الحرية أن يُقال للإنسان: "هذا الطريق قد أخليناه لك فسر بسلام، وإنما يصبح الإنسان حرا حقيقة حين يستطيع أن يتحكم في طريقه ويحتفظ لإنسانيته بالرأي في تحديد الطريق السليم ورسم معالمه واتجاهاته، وهذا يتوقف على تحرير الإنسان قبل كل شيء من عبودية الشهوات التي تعتلج في نفسه"(21).
ومثل هذا يقول به الشيخ القرضاوي: "فقد ولدت الناس أمهاتهم أحرارا، فلا يجوز أن يُستعبدوا لأمثالهم من الخلق، ولسنا نعني بالحرية إتباع الشهوات، وبلبلة الأفكار، وإثارة الفتن، فهذه فوضى لا حرية، إنما نعني بحرية المواطن أو الإنسان هنا، خلاصه من كل سيطرة تتحكم في تفكيره أو وجدانه أو حركته، سواء كانت سيطرة حاكم مستبد، أم كاهن متسلط، أم إقطاعي ورأسمالي متجبر"(22)، وما أجمل عبارة بقراط الحكيم الذي عاش 95 عاما وظهر سنة 96 لتاريخ بختنصر: "لأن يكون الحر عبدا لعبيده خير له من أن يكون عبدا لشهواته"(23).
الحرية عين العبودية
فنحن أمام مفردة تتوزع معانيها على العبودية لله، والعبودية لشهوات النفس، والعبودية للطاغوت، والعبودية لكل من أو ما يتم الخضوع والإنقياد إليه أو طاعته حتى لو كان المطاع صنما من تمر يؤكل عند المجاعة، أو من خشب يستعمل حطبا عند البرد القارص أو دجال يغري الناس بقراءة الطالع والمستقبل عن بعد، عندما تجف النفوس عن تلمس برد الحقيقة والطمأنينة!
وكما إن الحرية أصيلة في كينونة الإنسان، فان الأصل في الإنسان العبودية، ولكن العبودية للخالق، لان: "الأصل في الإنسان الحرية في قبال الإنسان الآخر، بجميع أقسام الحرية إذ لا وجه لتسلط إنسان على آخر وهو مثله، كما إن الأصل في الإنسان العبودية لله سبحانه، فانه هو الذي خلقه وكل أموره بيده، لا تصرفا فقط، بل بقاءاً أيضا حيث إن الإنسان باق بإرادة الله تعالى، فان اقل لحظة صرف الله لطفه عن الإنسان يلحقه بالعدم، وقد مثل الحكماء لذلك – والأمثال تضرب يقرب من جهة ويبعد من جهة- بالصورة الذهنية، فإنها موجودة في الذهن، مادام اللاحظ يعيرها الانتباه، فإذا صرف ذهنه عنها لم تكن شيئا"(24).
وهذا المعنى ربما اُخذ من حديث الإمام جعفر الصادق (ع) الذي جاء فيه: "التشهد ثناء على الله، فكن عبدا له بالسر خاضعا له بالفعل كما انك عبد له بالقول والدعوى، وصل صدق لسانك بصفاء صدق سرك فانه خلقك عبدا وأمرك أن تعبده بقلبك ولسانك وجوارحك وان تحقق عبوديتك له وربوبيته لك وتعلم أن نواصي الخلق بيده فليس لهم نفس ولا لحظة إلا بقدرته ومشيته وهم عاجزون عن إتيان أقل شيء في مملكته إلا بإذنه وإرادته، قال الله عز وجل: (وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة سبحان الله وتعالى عمّا يشركون) القصص:68، فكن له عبدا شاكرا بالقول والدعوى وصل صدق لسانك بصفاء سرك فانه خلقك، فعز وجل أن تكون إرادة ومشية لأحد إلا بسابق إرادته ومشيته، فاستعمل العبودية في الرضا بحكمته والعبادة في أداء أوامره"(25)، فالسنّة الإلهية كما يقول الطباطبائي (ت 1982م) في تفسير قوله تعالى في قصة نوح بن لمك بن متوشلخ بن إدريس (ع) (5824 ق.هـ -3322 ق.هـ): (إنه كان عبدا شكورا) الإسراء:3: "جرت على هدايتهم إلى طريق العبودية وسبيل التوحيد وأمكنهم من الوصول إلى ذلك باختيارهم"(26).
والحرية مفهوم مرادف لمفهوم العبادة المطلقة لله سبحانه وتعالى، ذلك إن معنى أن تكون عبدا لله هو أن تكون حرا إزاء غيره سواء كان هذا الغير حاكما أم غيره، من هنا وقف الصحابي ربعي بن عامر التميمي (ولي مقاطعة طخارستان وعاصمتها بلخ العام 31هـ) في مجلس قائد الفرس رستم، في معركة القادسية العام 15هجرية، قائلا له: "الله ابتعثنا والله جاء بنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام"(27)، ويذهب الميلاد وهو باحث سعودي إلى أن: "العلاقة بين العبودية لله سبحانه وتعالى والحرية، علاقة جوهرية، فالعبودية إلى الله ترشد الحرية وتصوبها، وتحميها بإرادة صلبة هي الخشية من الله ولا خشية من الناس، وتطهر الإنسان من الأغلال والشهوات والأهواء كافة"(28)، ولهذا يرى التسخيري: "إن الإسلام يعتقد إن أي خروج عن طاعة الله يعني – أول ما يعني- القضاء على الكرامة الإنسانية والفسق عن السبيل المعد للوصول إلى الهدف، أي يعني القضاء على الحرية الإنسانية نفسها"(29).
قيود مشروعة
ولكن هل تعتبر المحرمات التي يحدها الإسلام على تصرفات الإنسان، مثل حرمة البهتان والغيبة والكذب، ويعاقب عليها، هل تعتبر هذه المحرمات قيودا على حرية الإنسان، كما يبدو من ظاهر الأمر؟ يقول الدكتور عبد المجيد، إن هذا السؤال: "يقودنا إلى البحث عن نقيض الحرية، وهو العبودية، لنجد أن كمال الحرية في الإسلام يبدو في أن عبودية الإنسان لله وحده، تحرره من كافة أنواع العبودية"(30).
ومن هنا يقع الاختلاف بين النظرة الإسلامية للعبودية، ونظرة الليبراليين، يقول باروت وهو باحث سوري، إن : "النظرية الليبرالية تترجم مفهوم الحق الطبيعي بحق الفرد المستقل بقدر ما تترجمه النظرية الإسلامية بعبودية الفرد لله، إن هذه العبودية هي التي تضمن حريته، ويتلخص مفهوم الحاكمية هنا في أن الله خلق الإنسان حرا وانه لا سيادة لأحد على أحد بل يخضع الجميع لسيادة الله العادل"(31)، فعبادة الله والخضوع التام إلى سيادته كما يقول أبو الأعلى المودودي (ت 1979م) هو: "صك للحرية البشرية الحقيقية"(32).
ربما كان استدلال الشيرازي (ت 1980م)، اقرب الاستدلالات إلى الواقعية لبيان أهمية العبودية وعلاقتها بالحرية، حيث يقول: "ومن الحقائق أن الإنسان أبدا يكون خاضعا لاثنين من هذه العبوديات الاربع – الله، العقل، السلطان الجائر، والنفس – ولا يستطيع التحرر من اثنين منها إلا ليرضخ لأخريين، فإما يكون الإنسان خاضعا لله والعقل، وإما أن يستعبده السلطان الجائر والنفس، ولا يمكن أن يتحرر من عبودية السلطان الجائر والنفس، إلا إذا رضي بعبودية الله والعقل.
ولا ريب أن عبودية الله والعقل، خير من عبودية السلطان الجائر والنفس، بل العبودية الأولى، شرف لا يدانيه شرف، وفوق النبوة والرسالة، كما نقرأ في الصلاة: اشهد أن محمدا عبده ورسوله، ولولا أن العبودية لله أشرف من رسالة السماء، لما قدمت عليها، بينما تكون العبودية للسلطان الجائر والنفس جريمة لا تدانيها جريمة، حتى جعلها الله أول جريمة يحاسب عليها الإنسان قبل الموت، كما في قوله تعالى: (إن َّ الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن ارض الله واسعة فتهاجروا فيها) النساء: 97."(33)
ويخلص الشيرازي إلى النتيجة التالية: "وإذا كان الإنسان مخيرا بين آن يختار أي نوع من هذه العبوديات الاربع، فالذي يرضى بعبودية الله والعقل يكون حرا بأكمل معاني الحرية وأنبلها، فيما يكون الذين يجدون حريتهم في مخالفة الله والعقل، قوما مستعبدين، قد استعبدهم سلطان جائر بأفكار مزيفة، واستعبدتهم شهواتهم، فانجرفوا في تيارها المسعور، وهم حينما يعيبون على المؤمنين عبوديتهم لله والعقل، يعبدون أتفه ما في الحياة من أفكار وغايات، وها هي صورتهم تظهر في القران – بكل وضوح-: (أرأيت من اتخذ إلهه هواه) الفرقان: 43، فمن يتمرد على عبودية الله تعالى، يكون قد استسلم – سلفا- لعبودية الهوى، وما أجمل قول ابن خضرويه (أبو حامد احمد البلخي المتوفى 240هـ): في الحرية تمام العبودية، وفي تحقيق العبودية تمام الحرية"(34). وجاء في كتاب منهاج الكرامة أن الإمام موسى بن جعفر الكاظم (ع) اجتاز على باب دار بشر الحافي (بن الحارث المروزي المتوفى 227هـ) فسمع منها الغناء واللهو – في أول شباب بشر وهو ببغداد – ورأى على باب الدار جارية، فقال لها: أيتها الجارية مولاك حر أو عبد؟
فقالت: حر
فقال لها: صدقت! لو كان مولاك عبدا لعمل بمقتضى العبودية وخاف الله تعالى.
فذهبت الجارية إلى داخل الدار وأخبرت بِشراً بذلك، فأثر فيه هذا الكلام وكان سبب هدايته، وخرج حافيا إلى خارج الدار وجعل يركض خلف الإمام حتى وصل إليه فوقع على قدميه وتاب على يده وأناب وبقي حافيا طوال عمره(35).
أقول إذا كانت كلمة الحر لغة هي نقيض العبد، والحرية نقيض العبودية، فان العبودية لله، من حيث الاصطلاح والممارسة هي عين الحرية لا نقيضها، لان العبودية لله رفعة وسمو وكمال إنساني، بل هي أعلى مراتب الكمال، وكما قال رسول الإنسانية محمد (ص): "لا ترفعوني فوق حقي فإن الله اتخذني عبداً قبل أن يتخذني نبياً"(36)، ونص الرسول (ص) هو مصداق قوله تعالى: (سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام الى المسجد الأقصى ..) الإسراء:1، باعتبار ان النبوة لاحقة على العبودية، وحسب تعبير الحيدري وهو استاذ فلسفة عراقي، ان الله خاطب نبيه (ص) في سورة الاسراء بالعبودية: (لأن العبودية هي منشأ النبوة والرسالة ومبدأ الولاية)(37).
والى جانب ذلك فان العبودية في ذاتها منفعة تقود الإنسان إلى خير الدنيا والآخرة، لأن الله غني عن عباده، ومن حاز المنافع والخيرات حاز الحريات جميعها من مصادرها السليمة، لان من معاني الحرية السامية هي تمتع الإنسان بما تحت يديه وإعمال إرادته في نيل المنافع.
.......................
(1) الحر العاملي، محمد بن الحسن، وسائل الشيعة (قم إيران، مؤسسة آل البيت): 17/317.
(2) J.J.Rousseau, the Social Contract, Eng Tran, by: Maurice Cranston, Penguin Book, New York (USA), p32.
(3) Stephen D.Tansy, POLITICS THE BASICS, Roultedge Ltd, London, First Published 1995, p65.
(4) الصفار، فاضل، ضد الاستبداد (بيروت، دار الخليج العربي للطباعة والنشر، ط1، 1418هـ/1997م):129-130.
(5) وسائل الشيعة (مصدر سابق): 15/161.
(6) (7) العيناثي، محمد، آداب النفس ج2 (طهران, منشورات المكتبة المرتضوية لإحياء الآثار الجعفرية، 1380هـ) :2/53، 2/46-47.
(8) السيوطي، عبد الرحمان بن أبي بكر، الدر المنثور في التفسير بالمأثور (بيروت، دار الفكر، 1993م) :6/78.
(9) إبن الجوزي، عبد الرحمن بن علي، زاد المسير في علم التفسير (بيروت، المكتب الإسلامي، ط1، 1384هـ/1964م) :5/455.
(10) المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار (بيروت، مؤسسة الوفاء، ط2، 1403هـ/1983م) :77/239.
(11) عبده، محمد، شرح نهج البلاغة (بيروت، دار البلاغة للطباعة والنشر والتوزيع، ط4، 1409هـ/1989م) ص766.
(12) بحار الأنوار (مصدر سابق) :78/454.
(13) (14) إبن أبي الحديد، عبد الحميد بن محمد المعتزلي، شرح نهج البلاغة (بيروت، دار الجيل) :20/293، :18/84.
(15) (15) (17) النوري، حسين بن محمد تقي، مستدرك وسائل الشيعة (بيروت، مؤسسة آل البيت) :12/67، :2/427، :12:68.
(18) بحار الأنوار (مصدر سابق) :1/83.
(19) مصباح يزدي، محمد تقي، "حق الحرية في المنظور الإسلامي" كتاب: حقوق الإنسان في الإسلام (طهران, العلاقات الدولية في منظمة الإعلام الإسلامي, 1408هـ/1988م) ص253.
(20) شاكوش، ابتسام، "في العنف الأسري.. حوار" صحيفة السلام (بيروت، تجمع المسلم الحر، السنة 2، العدد 24، 1421هـ) ص2.
(21) آل نجف، عبد الكريم، "الحرية من وجهة نظر السيد الشهيد الصدر" مجلة المنهاج (بيروت، مركز الغدير للدراسات الإسلامية، السنة 5، العدد 19، 1421هـ/2000م) ص174.
(22) القرضاوي، د. يوسف، الحل الإسلامي فريضة وضرورة (بيروت، مؤسسة الرسالة، ط11، 1405هـ/1985م) ص77.
(23) آداب النفس (مصدر سابق) :2/49.
(24) الشيرازي، محمد، السياسة (بيروت، دار العلوم للتحقيق والطباعة والنشر والتوزيع، ط6، 1407هـ/1987م):2/213.
(25) بحار الأنوار (مصدر سابق) :85/284.
(26) الطباطبائي، محمد حسين، الميزان في تفسير القران (بيروت، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، ط3، 1973م) :13/35.
(27) الطبري، محمد بن جرير (تاريخ الأمم والملوك، مطبعة الأعلمي، بيروت): 3/34.
(28) الميلاد، زكي، "التعددية الحزبية في الفكر الإسلامي" مجلة الكلمة (بيروت، منتدى الكلمة للدراسات والأبحاث، السنة 1، العدد 2، 1414هـ/1994م) ص35.
(29) التسخيري، محمد علي، التوازن في الإسلام (طهران، معاونية العلاقات الدولية في منظمة الإعلام الإسلامي, ط2، 1411هـ/1991م) ص86.
(30) عبد المجيد، د. احمد فؤاد عبد الجواد، البيعة عند مفكري أهل السنة والعقد الاجتماعي في الفكر السياسي الحديث (القاهرة، دار قباء للطباعة والنشر والتوزيع، ط1، 1998م) ص123.
(31) (32) باروت، محمد جمال، "نظرية الحاكمية في الخطاب الإسلامي المعاصر" كتاب: الأحزاب والحركات والجماعات الإسلامية (دمشق، المركز العربي للدراسات الإستراتيجية، ط3، 2000م) :2/8، 2/8.
(33)(34) الشيرازي، حسن، حديث رمضان (الكويت، هيئة محمد الأمين، ط3، 1415هـ/1995م):117:118.
(35) انظر: الأمين، محسن بن عبد الكريم، أعيان الشيعة (بيروت، دار التعارف):3/579.
(36) القزويني، محمد كاظم، موسوعة الإمام الصادق .. تاريخ الرسول الأعظم (قم إيران، مؤسسة نشر علوم الإمام الصادق، ط1، 1417هـ):6/175-176.
(37) الحيدري، كمال، التربية الروحية .. بحوث في جهاد النفس (بيروت، دار الخليج العربي للطباعة والنشر، ومؤسسة الثقلين الثقافية، الطبعة الثانية 1421هـ/2000م) ص258.
* إعلامي وباحث عراقي
الرأي الآخر للدراسات – لندن
- التفاصيل
- كتب بواسطة: تيسير الناشف
- الزيارات: 5
بإفقاد الشعوب النامية ثقتها بنفسها تسهل السيطرة عليها
د. تيسير الناشف
روجت في الغرب أفكار خاطئة كثيرة، منها حمل الغرب لرسالة إشاعة الحضارة في العالم غير الغربي، وفكرة أن أوروبا هي المنبع الوحيد للعلم والفلسفة، وفكرة أن العالم غير الغربي لم ينتج علما وفلسفة، رغم أن سجلات التاريخ والآثار التاريخية تبين نشوء العلم والفلسفة في كثير من البلدان غير الغربية مثل وادي النيل وبلاد ما بين الرافدين وبلاد الشام والصين والهند، وفكرة أن العنصر أو الجنس الأوروبي أفضل من الأجناس التي تنتمي الشعوب النامية اليها. وفي الغرب من شوهوا ثقافات وحضارات الشعوب النامية ولم يعرضوها عرضا دقيقا ولم يدرسوها دراسة صحيحة وافية. وتشيع لدى الغربيين صور خاطئة عن شعوب العالم الثالث، ومن هذه الصور صورة العربي العاجز عن كبح جماحه الجنسي والعاطفي. وأشيعت أفكار غربية تحقر حضارات الشعوب غير الغربية وتؤكد على العيوب فيها وتتجاهل جوانبها الإيجابية، متجاهلة أيضا الجوانب السلبية في الحضارة الغربية. ومن هذه الأفكار فكرة أن قسما كبيرا من حضارات العالم غير الغربي قام على الخزعبلات والخرافات.
وذلك عرض غير متوازن، فالحقيقة هي أن العلوم الطبيعية والرياضية والاجتماعية والإنسانية والفلسفة أدت دورا ذا شأن في إقامة صرح حضارات مثل الحضارة المصرية القديمة والحضارة الصينية والحضارة الهندية والحضارة العربية الإسلامية، وأن الفلسفة اليونانية تاثرت تأثرا بالغا بحضارة جنوب غرب آسيا، وكان للحضارة العربية الإسلامية اليد الطولى في حدوث التنوير والبعث اللذين انتشلا أوروبا من ظلمات العصور الوسطى. وكان لفلسفة ابن رشد اليد الطولى في بعث ونشر التفكير الفلسفي العقلاني في أوروبا العصور الوسطى. وليس أدل على عبقرية الفكر العربي السامي من الإتيان باللغة العربية بنحوها وصرفها واشتقاقها وأوزان أفعالها وأسمائها. عن طريق الاستعمال الصحيح لأوزان الأفعال والأسماء في اللغة العربية يمكن للإنسان أن يحقق التقدم في الفهم الصحيح لتطور الفكر البشري وللطبيعة المنطقية والعقلية للعلاقات بين الظواهر الاجتماعية والطبيعية.
ومن المؤسف، من المنظور القومي والإنساني، أن قسما لا يستهان به - على الأقل - من الشعوب النامية، بما في ذلك قسم من الشعب العربي، بات فعلا يقبل هذه الصور ويتبنى هذه الأفكار الخاطئة التي أشاعها غربيون بسياستهم عن شعوب العالم النامي. وبذلك القبول والتبني انطلى على كثير من أفراد هذه الشعوب الخطأ وأمسى كثيرون منهم ضحية لتلك الصور والأفكار. لقد باتوا يظنون، على سبيل المثال، أن العرب أمة متخلفة من جميع نواحي التخلف وأن العمل العربي غير متقن وأن الشخص العربي يفتقر إلى الحس بالوقت وأن العرب شعب عاطفي وأنه غير عقلاني وأن عقل الشخص غير الأوروبي أدنى من عقل الشخص الأوروبي وأن الساميين أدنى من الناحية العرقية من الآريين وغيرها من المقولات السخيفة التي يرفضها العقل والتي لا تقوم على أسس علمية موضوعية صحيحة والتي تنم عن وجود هذه الصفات أو قسم منها في الذين ينسبون وجودها الى الشعوب النامية.
ومن الأمثلة أيضا على تبني تلك الأفكار الخاطئة تلقين بعض هذه الأفكار في مدارس وجامعات في العالم النامي، وورود الجملة التالية في كتاب وضعه مفكر يعتبر من أكبر المفكرين العرب: "بدأت الفلسفة في اليونان، والحضارة المصرية قامت على الخرافات والخزعبلات". ولعل ذلك المفكر نسي أو تناسى أو جهل أن العالم الغربي لا يزال يستفيد من بعض جوانب الحضارة المصرية في الفلك والرياضيات والطب وغيرها.
ومن العيوب التي تعتور أبناء الشعوب النامية ما يمكن أن يسمى "عقدة" الأجنبي. وتتمثل هذه العقدة في جملة ما تتمثل فيه في أن منا من ينسب إلى الاجانب فضلا قد لا يكون فيهم، أو قدرا من الفضل أكبر مما هو متوفر لديهم. ومما يتصل بهذه العقدة شيوع ظاهرة مؤلمة من المنظور القومي ومن المنظور الإنساني، وهي إلغاء قسم من أبناء الشعوب النامية لشخصيتهم إزاء شخصية الغربي. وتتمثل هذه الظاهرة في جملة أمور منها اعتبار الغربي أفهم منا واعتبار طرق غربية في الحياة أنها طرق طيبة أو طرق مثالية تحتذى، والاستعداد للإسراع بقبول عادات وتقاليد وطرق غربية دون التساؤل والدراسة والتأني وكأنها العادات والتقاليد والطرق المثلى.
ولا حاجة بنا إلى القول إن هذا الإلغاء للشخصية خاطئ لأنه يجب ألا يلغي الفرد الإنسان، أي إنسان، شخصيته إزاء أي إنسان آخر، إذ يجب أن يعتز الإنسان بشخصيته. الشخصية العربية لا تستحق هذا الإلغاء إزاء شخصية الغربي. فلكل شخصية بشرية جوانبها القيمية والسلوكية والفكرية والعاطفية الإيجابية والسلبية. وقد توجد في شخصية العربي جوانب إيجابية لا توجد في شخصية الغربي وبالعكس، كما أنه يمكن أن توجد في شخصية العربي جوانب سلبية لا توجد في شخصية الغربي.
وللعرب حضارة شامخة وعريقة مودعة في عشرات الآلاف من الكتب المنشورة والمخطوطات العربية التي تتضمن الفكر الفلسفي والديني والعلمي والرياضي والإنساني والاجتماعي. والمثال على ذلك مؤسس علم الاجتماع الحديث وفيلسوف التاريخ عبد الرحمن بن خلدون التونسي العربي الحضرمي الذي استمد منه إميل دركهايم مفاهيم متعلقة بتفسير حركة التاريخ النشيطة.
وهذه النظرة إلى النفس وإلى الغربيين، النظرة المتمثلة في اعتبار النفس متدنية إزاء الغربي وفي إلغاء الذات أو الشخصية أمامه، نظرة لها أسباب، منها حالة التخلف التكنولوجي والاقتصادي والسياسي والاجتماعي التي عاشتها بلدان نامية وحالة التقدم التكنولوجي التي تسود المجتمعات الغربية. ومن هذه الأسباب أيضا الصورة التي أسهمت إسهاما كبيرا في إيجادها عن أنفسنا وعن الغربيين في أذهاننا وسائطُ مثل كتابات وضعها مستشرقون طيلة عقود كثيرة وحتى الوقت الحاضر والتي أسهمت في ترويج هذه الأفكار الخاطئة التي كان قسم منها مغرضا. لقد كان قسم من المستشرقين يكتب وهو واع أو غير واع بالتحيز الذي لديه ضد الشعوب التي كان يكتب عنها. لقد اتسم قسم من كتابات المستشرقين بقدر من الحيدة والموضوعية. وقد سخرت بلدان في الغرب كتابات المستشرقين في خدمة سياساتها إذ كان قسم كبير من تلك الكتابات معززا للرؤية الغربية للعالم الثالث، ووفر ذلك القسم بُعدا فكريا ونظريا وأيديولوجيا استندت إليه جوانب من تلك السياسة. وساعدت تلك الكتابات السياسيين في الغرب في الصياغة النظرية لتلك السياسات وفي تحديد كيفية التعامل مع شعوب العالم الثالث.
وأسهمت في إيجاد هذه الصورة أيضا وسائط الاتصال (ولا نقول وسائط الإعلام، لأنها ليست دائما وسيلة للإعلام) المقروءة والمسموعة والمرئية التي تنطق باسم مختلف الهيئات الحكومية وشبه الحكومية والعامة والخاصة. لقد أوجدت تلك الوسائط في صفوف الشعوب النامية صورة الحالة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية البراقة في الغرب، وهي الصورة التي بسببها تعتبر عادة تلك الحالة تدل على التقدم دون القيام بدراسة وافية لهذه الحالة لمعرفة خصائصها وحقيقتها.
ولعقدة الأجنبي هذه أضرار بالغة بنا. وأحد هذه الأضرار يتعلق بمسألة التقدم العلمي والاجتماعي والاقتصادي والسياسي الذي سيكون في مصلحة الشعب العربي والذي ينشده الناشدون منا. يتطلب تحقيق التقدم بجوانبه المختلفة هذه وسائل منها توفر الجامعات ومراكز البحوث والموارد المالية المخصصة للطلاب الجامعيين وإشاعة معرفة القراءة والكتابة والتصنيع ورفع مستوى المعيشة وإشاعة الديمقراطية وحرية التعبير عن الرأي وردم الفجوة المالية والمعيشية بين الأغنياء والفقراء. هذه كلها وسائل من شأنها أن تسهم إسهاما كبيرا في تحقيق التقدم. ومما من شأنه أيضا أن يسهم في تحقيق التقدم توفر صفات نفسية مثل الاعتزاز بالنفس والثقة بالنفس والميل إلى الإبداع والروح الخلاقة والشعور بعدم التدني عن الآخرين، إن لم يكن الشعور بالتفوق عليهم. الثقة بالنفس هي المحفز الرئيسي على التفكير المستقل والإبداع وتكوين الشخصية المستقلة المنطلقة فكريا وعاطفيا، وعلى محاولة الاكتشافات في مجالات الفنون والآداب والعلوم والتكنولوجيا. وتعين الثقة بالنفس على تأكيد الذات وعلى مجابهة التحديات وتذليل المشاكل. ولعقدة الأجنبي أثر كبير في إضعاف هذه الصفات أو إزالتها. فشعور المرء بأن آخرين أفضل منه من شأنه أن يضعف أو أن يزيل هذه الصفات وأن يدخل الوهن في النفس الذي ينال طبعا من القدرة على مواجهة التحديات ومن الحفز على التفكير المستقل والإبداع وتكوين الشخصية المستقلة المنطلقة فكريا وعاطفيا. وبالتالي لا يمكن أن نحقق التقدم ما لم نتخلص من هذه العقدة.
وفي الحقيقة أنه قد لا يكون من الممكن تصنيف بعض الشعوب حسب مقاييس عرقية وذلك لاختلاط الشعوب عبر القرون بعضها في بعض عن طريق الهجرة والتشرد والتزاوج. لقد اختلط الدم الإسباني في دم الهنود الحمر في أمريكا الجنوبية، واختلط الدم الإيراني في الدم العربي في العراق وشبه الجزيرة العربية منذ الأزمنة الغابرة واختلط الدم العربي من شبه الجزيرة العربية في الدم الأردني والفلسطيني والسوري. واختلط الدم الأردني والفلسطيني اختلاطا قويا جدا. وإذا افترضنا بأنه يمكن القيام بهذا التصنيف فإنه لا تقوم دلائل علمية موضوعية حقيقية على أن الساميين من الناحية العرقية أدنى من الآريين. والعرب لا يقولون بهذه المقولة. وإن عدم قول العرب بهذه المقولة وقول القائلين من الغربيين بها يدلان على رفعة العرب الإنسانية وعمق فكرهم وحكمتهم.
وفيما يتعلق بعاطفية وغير عقلانية شعب من الشعوب فإن لدى أي شعب قدرا من العاطفية وغير العقلانية. وليست العاطفية وغير العقلانية من الصفات العرقية فحسب ولكنهما نتاج الخلفية الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والتاريخية البنيوية والبيئة الثقافية اللتين يعيش الشعب فيهما. ومما يدل على قدر لا يستهان به من العاطفية وغير العقلانية في الغرب نشوب الحروب الكثيرة الطاحنة الدموية في الغرب واتباع سياسات تؤدي الى تردي بيئة الكوكب وتفضي إلى التلوث النووي والكيميائي ونشوء الأحزاب النازية والفاشية المتطرفة المحتقرة لشعوب أخرى. وتكثر الأمثلة على وجود النزعة العاطفية في الغرب.
وتشير دراسات إحصائية طبية إلى أن نسبة المصابين بأمراض الأعصاب والقلب والسرطان والمنتحرين في الغرب أعلى من نسبتهم في بلدان العالم الثالث. وللإصابة بهذه الأمراض أسباب. ومما لا شك فيه أن من تلك الأسباب وجود النظام الاجتماعي والسياسي والاقتصادي السائد في الغرب، وهو النظام الذي تركت النزعة النفسية العاطفية أثرها فيه.
وبإشاعة هذه الصور الزائفة والأفكار الخاطئة أسهمت جهات غربية إسهاما ذا شأن في الانتقاص من اعتزاز الشعوب النامية بنفسها وبهويتها وتراثها ووجودها وفي حرمانها من ثقتها بنفسها، مما يحرمها من الحوافز على الاستقلال الفكري والابتكار.
ولإشاعة هذه الأفكار والصور كانت ولا تزال أهداف منها تسهيل السيطرة على بلدان أجنبية وتسويغ الغزو الفكري والمادي لتلك البلدان، وتسهيل تبرير الدول المسيطرة أمام
شعوبها للسيطرة على البلدان الأجنبية وتسهيل التسويغ النفسي لهذه السيطرة، وتقوية موقف تلك الدول في حملتها لدحر الإرادة القومية والسياسية في البلدان الأجنبية، وهي الإرادة الرامية إلى تأكيد ذاتها وهويتها وإلى تحقيق التقدم السياسي والاجتماعي والاقتصادي وإلى رفع شأن شعوبها وتعزيز هيبتها للحفاظ على المصالح والقيم الحيوية لتلك الشعوب.
وعبر القرون أثرت الحضارات بعضها في بعض، وكان يمكن للحوار بين الحضارات القائمة أن يكون عاملا مفيدا للبشرية. بيد أن ما نشهده اليوم أن عددا من المفكرين الغربيين حريص على التمجيد ال
تتبدل الأحوال إذا تغيرت المعارف البشرية وتغيرت المفاهيم، وتتبدل النفوس و الطبائع إذا تغيرت الظروف والأحوال، حيث تواجه واقعا جديدا وأهدافا مختلفة، فيحتاج الإنسان إلى نفسية جديدة و مطامح مستحدثة، ومفاهيم مستأنفة كفيلة بصياغة إنسانية جديدة، تنسخ سلبيات الماضي وتتعظ بها. وكانت الرسالة الإسلامية تحولا عالميا فصل الحق عن الباطل، واستأصل شأفة الجاهلية، وبدَّدَ غيوم الظلم والأباطيل، فكانت بداية مستحدثة لواقع جديد، وكلما ظهرت دولة على أخرى و أجيال على أخرى تبدلت الأحوال، وتقدمت المعارف البشرية شوطا جديدا، وأَزْرَت بالأشواط السابقة، وفتحت صفحة جديدة لتجديد الأفكار وتغيير الآراء وولوج عالم جديد، وكلما ظلم الإنسان نفسه بإحقاق الباطل وإزهاق الحق، ظهر الفساد في البر والبحر، وأصبح الإنسان للحق خصيما مبينا، وتورَّطَ في رحى التشتت والمذاهب والفتن والشدائد، فتارة يكون الانقلاب والوضع الجديد لصالح الحق و إصلاح الفاسد، وتارة يكون لصالح الباطل وتثبيت الظلم، فتنتشر الفوضى وتسفك الدماء لأهون الأسباب، ويسري الفساد إلى النفوس، فتنذر الأحوال بالاحتضار ورجوع الحضارة القهقرى، إلى أن تبيد كأنما لم تَغْنَ بالأمس، فيبعث الله من بعدها سواعد جديدة وحضارة أخرى. وما يردي الحضاراتِ ويُضَيِّعُ الأممَ ويُقْبِرُ الدولَ إلا نسيانُها اللهَ حتى يُنْسِيَهَا نفسَها، ورغم تَبَدُّلِ الأفكار والأحوال باستمرارٍ لا تتغيَّرُ الحقيقة الأزلية أن اللهَ خالق كل شيء، وأن الله بيده مصير كل شيء، وأن من بعد الحياة الدنيا بعث ونشر و آخرة. إن التحولات التي يشهدها هذا الإبان أقوى وأشد مما شاهده مؤرخنا العربي الفذ عبد الرحمان بن خلدون في عصره، فعلق رحمه الله على ذلك بقوله: و إذا تبدلت الأحوال جملة فكأنما تبدَّل الخلق من أصله، وتحوَّلَ العالمُ بأسره، وكأنه خَلْقُ جديد، ونشأة مستَأنَفَة، وعالَمٌ مُحْدَث[1]. هذه النظرة الفاحصة تنطبق على عصرنا أكثر من عصر المؤرخ الفذ، فزماننا شَهِدَ انبعاث خليقةٍ جديدة ، وأفكار وآراء محدثة ترتبط بتغيُّر معاني الحياة وضياع كثير من معالم القيم والأخلاق الإنسانية،فضلا عن مظاهر حياتية لم تُعْهَدْ من قبل، وفي هذا العصر بَدَّلَتِ الدنيا أدوارَها، وغيَّر الإنسان دوره الذي كان متعلقا بعبادة الله وعمارة الأرض بالحق، فكأن الحق ما كان، وكأن الجهل بالله الذي اندثر قديما قد عاد إلى الوجود أوفر صحة وقدرة، متنكرا في ثياب الإيديولوجيات والفلسفات المادية والمذاهب والمعتقدات والشعارات الظرفية سريعة الانقشاع، والمذاهب العقلانية والتقدمية والحضارية والثقافية، والآراء السياسية والاقتصادية والاجتماعية، والمبادئ الفيزيائية والأفكار الفلسفية المتشائمة...، هذا الهول المائجُ الذي يَخْلُبُ العيونَ والألبابَ كفيل بإحداث ثورة على البيئة المحيطة به، وقد خلقها الله تعالى وفق نظام محكم لا يقبل التغيير و إساءة التعامل معه، مما وضع حدا للوجود الإنساني بتحطيم إنسانيته وربطه ببعض الظواهر البيولوجية الخسيسة أو بعض الماديات المحسوسة، حتى أصبح بذلك متنكرا لدوره متنصلا من أصله، وهل كان أصلُهُ إلا أَنْ كان خَلْقًا من خلق الله اصطفاه لعبادته واجتباه لحُسْنِ استخلافه في الأرض؟ إن هذا التبدلَ أيضا كفيل بتحويل العالم وتغيير مساره ومصيره، ولم تكن التغيرات التي شاهدها ابن خلدون على عصره إلا وقائعَ جديدةً قادت الأندلس المسلمة بعد الكثرة والعزة إلى القلة و الذلة، فتعلقت النفوس بالدنيا، وضاعت المعاني الإيمانية من القلوب بعد فراغها، وأسرف المتنافسون على مقاعد الحكم في تسخير ما بين أيديهم من سلطات لأهوائهم، حتى تربص بالأندلس الأعداء من كل جانب وخططوا لوضع حد للتواجد الإسلامي عليها، وكان لا بد لذلك أن ينعكس على الوضعية الاجتماعية، حيث ساد التشتت وعمت الفرقة، و تولَّعَ المغلوبُ بتقليد الغالب، وتعلقت الأذهان بالأمانيِّ والآمال الخرافية، مما جعل ابن خلدون رحمه الله يتنبأ بنهاية الأندلس رغم أنه لم يحضرها. لكن هذا التغيير لم يكن ذا انعكاس على العالم والخلق بأسره، حتى يبلغ التحول هذا المبلغ الذي يعبر عنه ابن خلدون، " تَبَدَّلَ الْخَلْقُ مِنْ أَصْلِه" " تَحَوَّلَ الْعَالَمُ بِأَسْرِه"، وإنما قال ذلك على سبيل المبالغة لجسامة ما شاهده، كما أن عباراته لا تَدُلُّ على التعلق بعصر من العصور، وإنما تتحدث عن نتيجةٍ لا مَفَرَّ منها إن تَحَوَّلَتِ النفوس عن الغاية التي خُلِقَتْ لأجلها، أو ذَهِلَتْ عن حقيقة معنى وُجُودِهَا وتَعَلُّقِها الكامل بعبادة مُصَرِّفِ شؤون الكون، وأنَّ نهاية الأمم والحضارات التي تَعَلَّقَتْ بغيرِ الله حَتْمٌ بَيَّنَتْهُ مواعظ التارِيخِ وأَثْبَتَتْهُ مشاهدةُ الواقع، والمهم من ذلك كله أن التحول والانقلاب السلبي لصالح الفساد السلوكي والضياع النفسي كان من أهم الأسباب التي أَوْدَتْ بالأندلس إلى تلك النهاية الأليمة، كما عَبَّرَ عنها شاعرُ رَنْدَةَ أبو البقاءِ رحمه الله: لِكُلِّ شَيءٍ إذا ما تمَّ نُقصَانُ فلا يغرُّ بطِيب العَيشِ إنسانُ وَهَذِهِ الدَّارُ لا تبقِي على أحدٍ ولا يدُومُ عَلَى حَالٍ لَهَا شانُ يا غافلا وله في الدهرِ موعظةٌ إن كنت في سنةٍ فالدهرُ يقظانُ لكن واقع التحول اليوم يشهد بأنه لم يَسْتَثْنِ من العالمِ مكانا، بل لقد غزاه بألوان الفساد من أقصاهُ إلى أقصاه، ومَكَّنَ لنفسه في الأرض لما ضَيَّعَتِ الإنسانيةُ معنى وُجُودِهَا ، وابتعدت عن مصادر الهداية الإلهية النورانية فأظلمت عليها الدنيا وما فيها، وظَنَّتْ أن عقلَها يُغنيها عما سواهُ فلم يُغْنِهَا عن فساد سلوكها شيئا. إن السلوكَ كما يَذْكُرُ علماء النفس تشغيلٌ لطاقة الإنسان، والفكرَ نتيجة لتشغيل العقل، ولقد خَلَقَ الله الإنسانَ لأجلِ تشغيل الطاقتين معا، فإذا كان الفكر أساسيا لاستمرار الإنسان فإن السلوك هو النتيجة العملية لهذا الفكر، وإذا كان ذلك الفكر فاسدا كان السلوك بدوره فاسدا، وقد تَحَدَّثَ علماؤنا عن ظاهرة * فساد العلم* عندما يصبح تابعا لأهواء العلماء، مبتعدا عن العقيدة والأخلاق المؤطرة له، حتى يَغْتَدِيَ مُتَعَلِّقًا بالمصالح الظرفية فتنحصرُ منفعته في آنٍ محدد. والنظرياتُ العالميةُ التي سَيَّدَتْهَا فلسفةُ هذا الآنِ نَشَدَتْ سعادةَ الإنسانِ المطلقةَ في المحسوسات الوقتية، نظرا لتبعيَّتِهَا للأهواء التي ترى السعادةَ في المادِّيِّ ولا تراها في غيرِ المادِّي، فعلْمُها فاسدٌ خَلَّفَ هذا السيلَ العارمَ من الغرائز والشهوات والسلوكيات الفاسدة، ومدَّ جذوره حتى اغتدتِ الأزمةُ السلوكيةُ أزمةً عالميَّةً سارت وتسير بالإنسان نحو الضياع، حتى إذا عَشَّشَ الداءُ فينا وفَرَّخَ وباضَ تسرَّبَ إلى المعالم العلمية الأصيلةِ فأصابها بالشلل، وأَحَلَّ محَلَّها مفاهيمَ عقيمةً شبه علمية، فارغةً من مقاصد العلم الرفيعة، قائمةً على الافتراضِ والظن التابع للهوى، منقطعةً عن أصلها وفصلها بتَهَرُّبها المستمر من ذِكْرِ حقيقة الخَلْقِ والخالِقِ ومصير الإنسان بعد الموت، كأنما المعرفةُ لم تُعَرِّفْ إلا بذَوَاتِ ومُيولاتِ الْمُنَسَّبِينَ إليها. إن فسادَ العلم وطغيانَ الماديات يفتحان الباب أمام فقدان الإنسان لإنسانيته وكرامته، ذلك لأن الإنسان فَطَرَهُ الله على العبادة، فإذا لم يعبد الله وقع في عبادة نفسه وهواها، أو في عبادة الأغيار، والذين تجاهلوا الخالقَ سبحانه عبدوا الأصنامَ وعبدوا النار والطبيعة، والذين استعلوا اليومَ على كل ما هو غير مادي وقعوا في عبادة المادة نفسها، وعبادة أنفسهم وشهواتهم المحسوسة ظنا منهم أنها سبيلهم إلى السعادة، ومنهم الذين تخلصوا من الدين والأخلاق بدعوى التحرر، فوقعوا في عبادة أدهى وأمر وفقدوا كل مزايا الاستقلال النفسي، فالإنسان بفطرته لا يستطيع الهروب من حقيقة عبوديته لله تعالى، وإلا تجرد من إنسانيته وانسلخ منها، والأخلاق التي يحاول التهربَ منها هي التي رفعته إلى المستوى الأرفع، وجعلته رائدا بحمله " أمانة القيم الفاضلة والمثل العليا"، فإن المعجزة الكبرى التي تحققها الأخلاق أنها تَرُدُّ للإنسان كرامته وتسمو به إلى مراتب الاحترام والإجلال، بينما يصبح عابد الملذات مجرد "كائن طبيعي" أسيرٍ لبعض الظواهر البيولوجية التي يشترك فيها مع الحيوان، فيضحي بالسعادة في سبيل الشقاء، وبالأعلى في سبيل الأدنى، فيعيش في فوضى واضطراب دائمين، ويصطدم أخيرا بواقع التفكك والتشتت النفسي والاجتماعي، وسرعان ما تنقشع اللذات الحسية فتنقطع الطمأنينة والراحة، ونموذج ذلك بَيِّنٌ عند عبيد الخمر والمخدرات والجنس وغيرها، ومن جهة أخرى فإن الإنسان يصبح مثل آلة من الآلات المخترعة إذا نَسِيَ اللهَ فأنساهُ اللهُ نفسَه، و نَسِيَ مصيره المحتومَ داخل القبر مهما اتخذ من أنفاق في الأرض أو سلالم في السماء، فلا شخصية ولا إرادة ولا تذوق ولا شعور حتى بحقيقة الانتماء إلى الحياة، فيصبح الإنسان تائها لا يجد الحقيقة التي تتحقق له بها السعادة الدنيوية والأخروية، فيقع في شَرَكِ " المعيشة الضنك " التي ذكرها الله سبحانه و تعالى في القرآن الكريم: " وَمَنَ اَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَّ نَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِِِ أَعْمَى " طه ـ الآية:124. وقد أحسن فخر الدين الرازي رحمه الله في تبيين ذلك أثناءَ مقدمة كتابه عن العلم الإلهي عندما قال: " والسعادات إما جسمانية وإما روحانية : وقد دلت الدلائل الفلسفية والمعالم الحقيقية على أن السعادات الجسمانية خسيسة، وأقل ما فيها: أن الحيوانات الخسيسة تشارك الإنسان فيها، بل إن الاستقراء يدل على أن تلك الحيوانات الخسيسة أقوى وأكمل في جانب تلك الملذات من الإنسان... وأما السعادات الروحانية فإنها باقية دائمة عالية شريفة تجذب النفس من حضيض البهيمية إلى أوج الملكية ومن ظلمات عالم الأجسام إلى أعالي عوالم المقدسات[2]. ويعتبر ابن خلدون رحمه الله الإنسان مَسْخًا على الحقيقة إذا انصرف عن الأخلاق والدين، حيث يقول رحمه الله:" إذا فَسَدَ الإنسان في قدرته على أخلاقه ودينه، فَسَدَتْ إنسانيته، وصار مَسْخًا على الحقيقة"[3]. إن الخطأ الذي يقع فيه أنصار النزعة العلمية والمادية المتطرفة أنهم يلتمسون السعادة التي تمثل المطلق الذي لا تحده حدود في شيء آني تحده أوقات محدودة، أو في شيء مادي محض سريع الزوال، ويغفلون عن العبادة الروحانية والسُّمُوِّ بالجسم و النشاط العقلي عن أدران الماديات، فتلك هي اللذات القادرة على إشباع مطالب الإرادة الإنسانية الروحانية وإشباعها، لأنها خالدة لا يَعْقُبُهَا زوال، فهي مرتبطة بالروح الخالدة خلودَ الوجود، وخاضعةٌ لخالِقِ الخَلْقِ وصاحبِ الأمرِ سبحانه، لا للمؤثرات المادية، وهؤلاء الذين ينصرفون إلى الإشباع الآني لا يشعرون بالانتماء إلى الحياة، ويُحِسُّونَ القساوةَ لأنهم غفلوا عن السعادة الحقيقية الصاعدة إلى مقامات الطهر والعبودية لله تعالى، فآثروا العاجلة على الآخرة، و باعوا السعادة الكاملة في الدنيا والآخرة بسعادة معجلة زائفة، ، كما يقول ابن القيم رحمه الله: فإن كنت لا تدري فتلك مصيبة وإن كنتَ تدري فالمصيبة أعظمُ فكيف بنا وقد هدانا الله إلى أقوم السبل وأعدَلِها نلتمس ما بأيدي غيرنا ونُضَيِّعُ أنفسَنا، وتجرفنا نحو الهاوية الفلسفاتُ والأفكارُ المتضاربة، إلا تَكُنِ الغايةُ الإيمانيةُ الإحسانيةُ المطلبَ ما أفلَحنا في شيء، ولا نَفَعَتْنَا ثقافةٌ ولا علمٌ إذا لم يكنِ الإيمانُ حَادِيَه، فليس يبني مستقبلَ الإنسانِ ويُصَحِّحُ مسارَهُ إلا توبتُهُ وعودتُه إلى الله.
هيَ الأمورُ كما شاهدتُها دُولٌ من سره زمنٌ ساءتهُ أزمانُ
فيـا بائعا هذا بِبَخْسٍ مُعجَّلٍ كأنك لا تدري، بلى سوف تعلمُ