- التفاصيل
- كتب بواسطة: حسام أبو حامد
- الزيارات: 4
شكل النص الإسلامي (قرآنا وسنة) سلطة فكرية وثقافية حكمت، ومنذ البداية، مجمل عملية الإنتاج المعرفي العربي الإسلامي في العصرين الأول والوسيط، وحددت أبعاده وهيمنت على توجهاته. ومثل القران الإطار المرجعي العام للفكر العربي الإسلامي، إذ كان للنص القرآني من حيث الشكل(البنية) والمضمون ( الموضوعات والأحكام والتصورات العامة) دور محوري في توجيه التطور اللاحق لهذا الفكر. لم ينطلق القران من فراغ تاريخي وسيوسثقافي، بل يبني على ما سبق "تصحيحاً" وإغناءاً وتطويراً (( وما كان هذا القران أن يفترى من دون الله ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين)) (يونس:37). وإن كان القران يقطع مع ما سبق، فإن هذه القطيعة هي قطيعة نسبية، بمعنى النقلة النوعية من إطار معرفي إلى آخر. فلم يخاطب القران المجتمع المكي بلغة غريبة، فما أن صدع به النبي، حتى قالت العرب((أساطير الأولين)). والأسطورة من (سَطَرَ) بمعنى صف ورتب ونظم، فهي الكلام المنظم سطر وراء سطر بحيث يسهل حفظه وتداوله مشافهة أو كتابة. فراجح أن المجتمع المكي كان منفتحاً على جملة معارف مختلفة هي حصيلة لمختلف الديانات والمعتقدات السائدة في شبه الجزيرة العربية ذات التأثر بالحضارات الشرقية القديمة التي طبعتها الحياة البدوية بطابعها الخاص(1). فالموضوعات المختلفة التي تضمنها الخطاب القرآني كالبعث والنشور والقيامة وقصص الأنبياء من بني إسرائيل…، لم تكن غريبة كلياً عنهم، بل حتى الفكرة التوحيدية والمحورية في القران كانت منتشرة أو مطرحة على الأقل لاسيما من خلال ما عرف بظاهرة الحنفاء. وقد حفظ العرب تلك المعتقدات على شكل نظم وكلام مسطور شعراً تارة، وسجعاً تارة أخرى كسجع الكهان المنتشرون حول الكعبة. فإن كانت موضوعات الخطاب القرآني قد تقاطعت مع كثير من تلك المعارف ورأى فيها المشركون مدخلاً للتشكيك في البعثة المحمدية، فإنها بالنسبة للقران وللوعي الإسلامي عامة دليل على استمرار الرسالة الإلهية لبني الإنسان والتي ختمت بالنبي محمد. وحسب الاعتقاد الإسلامي، فالقران بأكمله وحي مباشر من الله، على خلاف الأناجيل الأربعة التي هي وحي غير مباشر لآباء الكنيسة الأربع، أما الاعتقاد السائد في اليهودية فهو أن الإصحاحات العشر الأولى من العهد القديم منزلة أما الباقي فهو تاريخ. مع ذلك فالقران كان مشروطاً بالظروف الاجتماعية والتاريخية التي عاصرت نزوله، وهو في الوقت الذي يمثل امتداداً معرفياً لما سبقه، فإنه يصادر على ما سيأتي حين ُيقدم على أنه الفصل الأخير في التاريخ الروحي للبشر، والذي تتحقق فيه المشيئة الإلهية الكونية والاجتماعية: (( …اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً…الآية)) (المائدة:3) . نحن هنا أمام عملية من طرفين متعاكسين ومتكاملين في آن واحد: الاستحواذ على ما سبق واستيعابه وممارسة التعديلات اللازمة عليه بما يتناسب والمرحلة التاريخية المعاصرة للبعثة، ومن طرف آخر، المصادرة على ما سيأتي وإخضاعه للحظة الدينية الأولى باعتبارها أصلاً(2)، وأما نتائج هذه العملية فهي حقل دلالي ومعرفي وقيمي جديد وإشكاليات ميتافيزيقية واجتماعية ومعرفية جديدة. وإذا كان المسيح في النصرانية يملأ المسح بشخصه، فإن القران- حسب تعبير هيغل- هو البحث عن الواحد. فخلافاً للارتباط الأنطولوجي بين الاب والابن والروح القدس في المسيحية، يقيم الإسلام هوة أنطولوجية لا يمكن تجاوزها أو ردمها بين الله والإنسان(3). ومقارنة باليهودية، فإن الإسلام يستبدل عالمية الإله بالفكرة الأقوامية اليهودية. فالله في التصور الإسلامي هو " رب العالمين" وليس إله لشعب مختار. والإسلام يقدم نفسه على أنه دين ودنيا، و"الخطيئة الأصلية" التي يمكن تجاوزها مسيحياً بتضحية ذاتية جوانية، وباختزال الخلاص في تضحية المسيح وحده، فإنها في الإسلام يتم تجاوزها عبر "الكفاحية الدنيوية" والنهوض بأعباء "الجماعة" في سياق التشريع لها ضمن حاكمية مدنية. يعرض القران ميتافيزيقاه الخاصة بطريق تبدو أكثر مطابقة للعقل. فدعا القران للتأمل والتفكر في ملكوت السموات والأرض وعبر تكرارها في مواضع عدة، فتكررت كلمة "عقل" في تسع وأربعين آية، ومادة "فكر" في نحو ثمانين آية، ومادة "علم" في حوالي تسعمائة آية. لكن هذا الإلحاح على أهمية العلم والعقل في الخطاب القرآني قد ارتبط بوظيفة محددة، فدلالة العقل هنا أقرب إلى التأمل والتدبر في الكون ومظاهره من حيث دلالتها على الخالق، أي أننا هنا أمام عقل التعرف على الشيء كما هو معطى، فتحددت وظيفة العقل في استخلاص العظة والعبرة من خلال الدهشة الناتجة عن فعل التأمل، هنا يبقى العقل داخل دائرة النص والاعتقاد. ستبرز هنا صيغتان متعارضتان، أرادت الأولى أن تبقي العقل داخل هذه الدائرة، دائرة النص والاعتقاد، والاكتفاء بوظيفته التسويغية التأملية عبر الإلحاح على النص بوصفه ماضياً وحاضراً ومستقبلاً والذي تجسد في مقولة "القران صالح لكل زمان ومكان"، بينما حاولت الثانية تحرير العقل من تلك الوظيفة التسويغية ومنحه حركته الذاتية من حيث هو أداة المعرفة بدل أن تكون حركته مفروضة عليه من خارجه أي من دائرة النص والاعتقاد وبتوجيه منه. واستطاعت هذه الصيغة الأخيرة أن تحقق نجاحاً متفاوتاً ونسبياً، لكن عبر كثير من التعرجات والانحناءات بل والتحولات التاريخية، وعبر تطوير آليات وأدوات جديدة في التعاطي مع "النص" كان من أبرزها التأويل العقلي. ولكن كلا الصيغتين كانتا بحاجة إلى الاستناد إلى النص لتبرير مشروعيتها النظرية والأيديولوجية. إن إحدى الخصائص الكبرى للنص القرآني تمثلت في بنيته المفتوحة على صعيد القراءة(البنية اللغوية) وعلى صعيد الموضوعات. إن انفتاح البنية اللغوية سيجعل من القران "حمال أوجه"، بينما سيكسب الانفتاح على صعيد الموضوعات واتساعها القران مرونة عالية لمواكبة الواقع المتطور بدءً بلحظة "النزول" الأولى. فالمعروف أن القران قد"نزل" منجماً خلال ثلاثة وعشرين عاماً، الأمر الذي أكسبه اتساعاً في الموضوعات والقدرة على مواكبة كل جديد ومستجد في حياة المسلمين( ولو أن القران نزل جملة واحدة، لتحول سريعا إلى كلمة مجردة خامدة، وإلى فكرة ميتة، وإلى مجرد وثيقة دينية، لا مصدراً يبعث على الحياة في حضارة وليدة)(4)، لذا كانت الدعوة الإسلامية متطورة ونامية واكتسبت تشريعاتها مرونة عالية، بل تغيرت التشريعات من فترة إلى أخرى عبر ما عرف بعملية" النسخ"، وسيصبح العلم بالناسخ والمنسوخ أحد الشروط الواجب توافرها في المفسرين والمجتهدين والفقهاء. وكان الرسول يشرح لأصحابه ما خفي عليهم من معنى ويفصل الأحكام الواردة في القران ويبين ناسخه من منسوخه. لكن مع مرور الزمن وتقادم العهد سيختلط ناسخ القران بمنسوخه وسيصعب العثور على اتفاق عام بين المسلمين على الآيات الناسخة والمنسوخة، لاسيما إذا أخذنا بعين الاعتبار فترة العلم الشفاهي الممتدة منذ وفاة النبي وحتى عصر التدوين في القرن الثاني الهجري. وسيؤدي هذا بدوره إلى الاختلاف في التشريع وتعدد وجهات النظر الفقهية. وألح بعض المفسرين الذين تحلوا بحس تاريخي بحدود قليلة أو كثيرة، على أسباب النزول واعتباره حاسماً في تفسير القران واستنباط الأحكام الشرعية. فالآية- الحكم كانت تشرع عقب الحادثة المشرع لها، لكن هذا الوضع سيتغير بعد وفاة الرسول وانقطاع الوحي، حيث ستسير العملية في الاتجاه المعاكس ليتقدم التشريع أو الحكم الحادثة المشرع لها. وسيتضح هذا التوجه أكثر عند "الارأيتيون" كما يحلو لخصومهم تسميتهم، وهم أصحاب المذهب الفقهي الحنبلي وبعض أصحاب المدرسة الفقهية التي ستعرف بأهل الرأي، وكان أبرزهم الإمام أبو حنيفة النعمان وعبد الله بن مسعود. فقد استطاع الأحناف تطوير نوع من الفقه الافتراضي عبر اقتراح حوادث مفترضة والتشريع لها. وربما تمثلت ردة الفعل على هذا الفقه الافتراضي في عملية تقعيد القواعد وتأصيل الأصول العامة التي قام بها الشافعي، وهدفت أساساً إلى رد المسائل الجزئية الكثيرة التي نجم كثير منها عن الفقه الافتراضي إلى أصول عامة. وبالرغم من المنهج العقلي الذي يبرز عند الشافعي بحدود كثيرة أو قليلة فإنه انتهى إلى تضييق حدود الاجتهاد في الرأي واختزله في القياس ملحاً على إعطاء النص (قراناً وسنة) وحده الأولية التشريعية. يأتي إعلان علي بن أبي طالب أثناء موقعة " صفين" بأن القران ((إنما هو خط مسطور بين دفتي المصحف لا ينطق وإنما يتكلم به الرجال))(5) ليؤكد أن القران حمال أوجه. يقول الماوردي في "نصيحة الملوك": (( كلام كل كتاب وأخبار كل نبي لا يخلو من احتمال تأويلات مختلفة، لأن ذلك موجود في الكلام بنفس طباعه ولا كلام أولى بهذه الصفة من كلام الله جل ذكره، إذ كان أفصح الكلام وأوفره وأكثره رموزاً وأجمله للمعاني الكثيرة(…) ولابد في الدين من وقوع الحوادث التي يحتاج إلى النظر فيها والنوازل التي لا يستغني العلماء عن استخراجها، ولذلك صار لكل رأي تبع ومشرعون ومأتمون، وكان سبباً لاختلاف الأمم وانشقاق عصاها))(6)، وإذا كان قراء النص المقدس يفترضون أن هناك وحدة على المستويين: وحدة النص ووحدة المعنى فإن الواقع يشير على (( أن هناك تعدداً فعلياً في القراءة، هو الذي أنتج مختلف الاتجاهات والمذاهب إزاء النص الواحد، وهناك بالمقابل رفض لتعدد المعنى من كل اتجاه أو مذهب مادام يدعي أن قراءته هي القراءة الوحيدة الممكنة))(6). تشترك السنة النبوية من حيث كونها "نصاً" مع القران في إشكالية القراءة، وتنفرد بإشكالياتها الخاصة، التي ربما يتمثل أهمها في عملية التوثيق، ففي خضم الصراع السياسي والأيديولوجي والفكري ستكثر الأحاديث الموضوعة وسيحدث التضخم في رواية الحديث، حتى ليصح القول مع غولدتسيهر أن الحديث (( يعتبر وثيقة ثمينة للتطور اللاحق الذي حدث في الإسلام وليست مصدراً تاريخياً لنشأة الدين))(7). ويعلل ابن خلدون ظهور الخلاف في الأحكام الشرعية بقوله: (( وكان السلف يستخرجونها [ الأحكام الشرعية] من تلك الأدلة على اختلاف فيما بينهم. ولابد من وقوعه [الاختلاف] ضرورة أن الأدلة غالبها من النصوص وهي بلغة العرب وفي اقتضاءات ألفاظها لكثير من معانيها اختلاف بينهم معروف وأيضاً فالسنة مختلفة الطرق في الثبوت وتتعارض في أكثر أحكامها فتحتاج إلى الترجيح، وهو يختلف أيضاً فالأدلة من غير النصوص مختلف فيها، أيضاً قالوقائع المتجددة لا توفي بها النصوص وما كان غير ظاهر في النصوص فيحمل على النصوص المتشابهة بينهما وهذه كلها إشارات للخلاف ضرورية الوقوع من هنا وقع الخلاف بين السلف والأئمة من بعدهم))(8). إذا كان الخلاف قد وقع حول الأحكام الشرعية ،أي في الجانب العملي، فإن الخلاف في الجانب النظري (العقائد) هو من باب أولى. يقول صاحب "المقدمة" مفسرا نشأة علم الكلام: (( عرض بعد ذلك خلاف في تفاصيل العقائد أكثر مثارها الآيات المتشابهات فدعا ذلك إلى الخصام والتناظر والاستدلال بالعقل زيادة إلى النقل فحدث بذلك علم الكلام))(9). إن القران نفسه يميز بين المحكم والمتشابه ((هو الذي أنزل إليك الكتاب فيه آيات محكمات وأخر متشابهات… الآية))(آل عمران:7)، ولكن الإلحاح على هذا التمايز بين المحكم والمتشابه هو مقدمة للتمييز بين ظاهر وباطن للنص القرآني، ومقدمة لإعطاء العقل دوراً أساسياً ليكون حكماً على النصوص كي يفصل في صحتها، ويفتح الباب أمام التأويل العقلي ليلعب دوره في النفاذ إلى باطن النص ليفض كنهه ويستنطقه بما سكت عنه والذي لم ينطق به ظاهره. وبالتالي أن يخرج هذا العقل من دائرة النص ليكون أداة إنتاج معرفي مستقل عن النص وعن الوظيفة التسويغية التي أنيطت به مبكراً أي ليتحول من "عقل التعرف على الشيء" على "عقل معرفة الشيء".
- التفاصيل
- كتب بواسطة: حسام أبو حامد
- الزيارات: 3
شكل النص الإسلامي (قرآنا وسنة) سلطة فكرية وثقافية حكمت، ومنذ البداية، مجمل عملية الإنتاج المعرفي العربي الإسلامي في العصرين الأول والوسيط، وحددت أبعاده وهيمنت على توجهاته. ومثل القران الإطار المرجعي العام للفكر العربي الإسلامي، إذ كان للنص القرآني من حيث الشكل(البنية) والمضمون ( الموضوعات والأحكام والتصورات العامة) دور محوري في توجيه التطور اللاحق لهذا الفكر. لم ينطلق القران من فراغ تاريخي وسيوسثقافي، بل يبني على ما سبق "تصحيحاً" وإغناءاً وتطويراً (( وما كان هذا القران أن يفترى من دون الله ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين)) (يونس:37). وإن كان القران يقطع مع ما سبق، فإن هذه القطيعة هي قطيعة نسبية، بمعنى النقلة النوعية من إطار معرفي إلى آخر. فلم يخاطب القران المجتمع المكي بلغة غريبة، فما أن صدع به النبي، حتى قالت العرب((أساطير الأولين)). والأسطورة من (سَطَرَ) بمعنى صف ورتب ونظم، فهي الكلام المنظم سطر وراء سطر بحيث يسهل حفظه وتداوله مشافهة أو كتابة. فراجح أن المجتمع المكي كان منفتحاً على جملة معارف مختلفة هي حصيلة لمختلف الديانات والمعتقدات السائدة في شبه الجزيرة العربية ذات التأثر بالحضارات الشرقية القديمة التي طبعتها الحياة البدوية بطابعها الخاص(1). فالموضوعات المختلفة التي تضمنها الخطاب القرآني كالبعث والنشور والقيامة وقصص الأنبياء من بني إسرائيل…، لم تكن غريبة كلياً عنهم، بل حتى الفكرة التوحيدية والمحورية في القران كانت منتشرة أو مطرحة على الأقل لاسيما من خلال ما عرف بظاهرة الحنفاء. وقد حفظ العرب تلك المعتقدات على شكل نظم وكلام مسطور شعراً تارة، وسجعاً تارة أخرى كسجع الكهان المنتشرون حول الكعبة. فإن كانت موضوعات الخطاب القرآني قد تقاطعت مع كثير من تلك المعارف ورأى فيها المشركون مدخلاً للتشكيك في البعثة المحمدية، فإنها بالنسبة للقران وللوعي الإسلامي عامة دليل على استمرار الرسالة الإلهية لبني الإنسان والتي ختمت بالنبي محمد. وحسب الاعتقاد الإسلامي، فالقران بأكمله وحي مباشر من الله، على خلاف الأناجيل الأربعة التي هي وحي غير مباشر لآباء الكنيسة الأربع، أما الاعتقاد السائد في اليهودية فهو أن الإصحاحات العشر الأولى من العهد القديم منزلة أما الباقي فهو تاريخ. مع ذلك فالقران كان مشروطاً بالظروف الاجتماعية والتاريخية التي عاصرت نزوله، وهو في الوقت الذي يمثل امتداداً معرفياً لما سبقه، فإنه يصادر على ما سيأتي حين ُيقدم على أنه الفصل الأخير في التاريخ الروحي للبشر، والذي تتحقق فيه المشيئة الإلهية الكونية والاجتماعية: (( …اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً…الآية)) (المائدة:3) . نحن هنا أمام عملية من طرفين متعاكسين ومتكاملين في آن واحد: الاستحواذ على ما سبق واستيعابه وممارسة التعديلات اللازمة عليه بما يتناسب والمرحلة التاريخية المعاصرة للبعثة، ومن طرف آخر، المصادرة على ما سيأتي وإخضاعه للحظة الدينية الأولى باعتبارها أصلاً(2)، وأما نتائج هذه العملية فهي حقل دلالي ومعرفي وقيمي جديد وإشكاليات ميتافيزيقية واجتماعية ومعرفية جديدة. وإذا كان المسيح في النصرانية يملأ المسح بشخصه، فإن القران- حسب تعبير هيغل- هو البحث عن الواحد. فخلافاً للارتباط الأنطولوجي بين الاب والابن والروح القدس في المسيحية، يقيم الإسلام هوة أنطولوجية لا يمكن تجاوزها أو ردمها بين الله والإنسان(3). ومقارنة باليهودية، فإن الإسلام يستبدل عالمية الإله بالفكرة الأقوامية اليهودية. فالله في التصور الإسلامي هو " رب العالمين" وليس إله لشعب مختار. والإسلام يقدم نفسه على أنه دين ودنيا، و"الخطيئة الأصلية" التي يمكن تجاوزها مسيحياً بتضحية ذاتية جوانية، وباختزال الخلاص في تضحية المسيح وحده، فإنها في الإسلام يتم تجاوزها عبر "الكفاحية الدنيوية" والنهوض بأعباء "الجماعة" في سياق التشريع لها ضمن حاكمية مدنية. يعرض القران ميتافيزيقاه الخاصة بطريق تبدو أكثر مطابقة للعقل. فدعا القران للتأمل والتفكر في ملكوت السموات والأرض وعبر تكرارها في مواضع عدة، فتكررت كلمة "عقل" في تسع وأربعين آية، ومادة "فكر" في نحو ثمانين آية، ومادة "علم" في حوالي تسعمائة آية. لكن هذا الإلحاح على أهمية العلم والعقل في الخطاب القرآني قد ارتبط بوظيفة محددة، فدلالة العقل هنا أقرب إلى التأمل والتدبر في الكون ومظاهره من حيث دلالتها على الخالق، أي أننا هنا أمام عقل التعرف على الشيء كما هو معطى، فتحددت وظيفة العقل في استخلاص العظة والعبرة من خلال الدهشة الناتجة عن فعل التأمل، هنا يبقى العقل داخل دائرة النص والاعتقاد. ستبرز هنا صيغتان متعارضتان، أرادت الأولى أن تبقي العقل داخل هذه الدائرة، دائرة النص والاعتقاد، والاكتفاء بوظيفته التسويغية التأملية عبر الإلحاح على النص بوصفه ماضياً وحاضراً ومستقبلاً والذي تجسد في مقولة "القران صالح لكل زمان ومكان"، بينما حاولت الثانية تحرير العقل من تلك الوظيفة التسويغية ومنحه حركته الذاتية من حيث هو أداة المعرفة بدل أن تكون حركته مفروضة عليه من خارجه أي من دائرة النص والاعتقاد وبتوجيه منه. واستطاعت هذه الصيغة الأخيرة أن تحقق نجاحاً متفاوتاً ونسبياً، لكن عبر كثير من التعرجات والانحناءات بل والتحولات التاريخية، وعبر تطوير آليات وأدوات جديدة في التعاطي مع "النص" كان من أبرزها التأويل العقلي. ولكن كلا الصيغتين كانتا بحاجة إلى الاستناد إلى النص لتبرير مشروعيتها النظرية والأيديولوجية. إن إحدى الخصائص الكبرى للنص القرآني تمثلت في بنيته المفتوحة على صعيد القراءة(البنية اللغوية) وعلى صعيد الموضوعات. إن انفتاح البنية اللغوية سيجعل من القران "حمال أوجه"، بينما سيكسب الانفتاح على صعيد الموضوعات واتساعها القران مرونة عالية لمواكبة الواقع المتطور بدءً بلحظة "النزول" الأولى. فالمعروف أن القران قد"نزل" منجماً خلال ثلاثة وعشرين عاماً، الأمر الذي أكسبه اتساعاً في الموضوعات والقدرة على مواكبة كل جديد ومستجد في حياة المسلمين( ولو أن القران نزل جملة واحدة، لتحول سريعا إلى كلمة مجردة خامدة، وإلى فكرة ميتة، وإلى مجرد وثيقة دينية، لا مصدراً يبعث على الحياة في حضارة وليدة)(4)، لذا كانت الدعوة الإسلامية متطورة ونامية واكتسبت تشريعاتها مرونة عالية، بل تغيرت التشريعات من فترة إلى أخرى عبر ما عرف بعملية" النسخ"، وسيصبح العلم بالناسخ والمنسوخ أحد الشروط الواجب توافرها في المفسرين والمجتهدين والفقهاء. وكان الرسول يشرح لأصحابه ما خفي عليهم من معنى ويفصل الأحكام الواردة في القران ويبين ناسخه من منسوخه. لكن مع مرور الزمن وتقادم العهد سيختلط ناسخ القران بمنسوخه وسيصعب العثور على اتفاق عام بين المسلمين على الآيات الناسخة والمنسوخة، لاسيما إذا أخذنا بعين الاعتبار فترة العلم الشفاهي الممتدة منذ وفاة النبي وحتى عصر التدوين في القرن الثاني الهجري. وسيؤدي هذا بدوره إلى الاختلاف في التشريع وتعدد وجهات النظر الفقهية. وألح بعض المفسرين الذين تحلوا بحس تاريخي بحدود قليلة أو كثيرة، على أسباب النزول واعتباره حاسماً في تفسير القران واستنباط الأحكام الشرعية. فالآية- الحكم كانت تشرع عقب الحادثة المشرع لها، لكن هذا الوضع سيتغير بعد وفاة الرسول وانقطاع الوحي، حيث ستسير العملية في الاتجاه المعاكس ليتقدم التشريع أو الحكم الحادثة المشرع لها. وسيتضح هذا التوجه أكثر عند "الارأيتيون" كما يحلو لخصومهم تسميتهم، وهم أصحاب المذهب الفقهي الحنبلي وبعض أصحاب المدرسة الفقهية التي ستعرف بأهل الرأي، وكان أبرزهم الإمام أبو حنيفة النعمان وعبد الله بن مسعود. فقد استطاع الأحناف تطوير نوع من الفقه الافتراضي عبر اقتراح حوادث مفترضة والتشريع لها. وربما تمثلت ردة الفعل على هذا الفقه الافتراضي في عملية تقعيد القواعد وتأصيل الأصول العامة التي قام بها الشافعي، وهدفت أساساً إلى رد المسائل الجزئية الكثيرة التي نجم كثير منها عن الفقه الافتراضي إلى أصول عامة. وبالرغم من المنهج العقلي الذي يبرز عند الشافعي بحدود كثيرة أو قليلة فإنه انتهى إلى تضييق حدود الاجتهاد في الرأي واختزله في القياس ملحاً على إعطاء النص (قراناً وسنة) وحده الأولية التشريعية. يأتي إعلان علي بن أبي طالب أثناء موقعة " صفين" بأن القران ((إنما هو خط مسطور بين دفتي المصحف لا ينطق وإنما يتكلم به الرجال))(5) ليؤكد أن القران حمال أوجه. يقول الماوردي في "نصيحة الملوك": (( كلام كل كتاب وأخبار كل نبي لا يخلو من احتمال تأويلات مختلفة، لأن ذلك موجود في الكلام بنفس طباعه ولا كلام أولى بهذه الصفة من كلام الله جل ذكره، إذ كان أفصح الكلام وأوفره وأكثره رموزاً وأجمله للمعاني الكثيرة(…) ولابد في الدين من وقوع الحوادث التي يحتاج إلى النظر فيها والنوازل التي لا يستغني العلماء عن استخراجها، ولذلك صار لكل رأي تبع ومشرعون ومأتمون، وكان سبباً لاختلاف الأمم وانشقاق عصاها))(6)، وإذا كان قراء النص المقدس يفترضون أن هناك وحدة على المستويين: وحدة النص ووحدة المعنى فإن الواقع يشير على (( أن هناك تعدداً فعلياً في القراءة، هو الذي أنتج مختلف الاتجاهات والمذاهب إزاء النص الواحد، وهناك بالمقابل رفض لتعدد المعنى من كل اتجاه أو مذهب مادام يدعي أن قراءته هي القراءة الوحيدة الممكنة))(6). تشترك السنة النبوية من حيث كونها "نصاً" مع القران في إشكالية القراءة، وتنفرد بإشكالياتها الخاصة، التي ربما يتمثل أهمها في عملية التوثيق، ففي خضم الصراع السياسي والأيديولوجي والفكري ستكثر الأحاديث الموضوعة وسيحدث التضخم في رواية الحديث، حتى ليصح القول مع غولدتسيهر أن الحديث (( يعتبر وثيقة ثمينة للتطور اللاحق الذي حدث في الإسلام وليست مصدراً تاريخياً لنشأة الدين))(7). ويعلل ابن خلدون ظهور الخلاف في الأحكام الشرعية بقوله: (( وكان السلف يستخرجونها [ الأحكام الشرعية] من تلك الأدلة على اختلاف فيما بينهم. ولابد من وقوعه [الاختلاف] ضرورة أن الأدلة غالبها من النصوص وهي بلغة العرب وفي اقتضاءات ألفاظها لكثير من معانيها اختلاف بينهم معروف وأيضاً فالسنة مختلفة الطرق في الثبوت وتتعارض في أكثر أحكامها فتحتاج إلى الترجيح، وهو يختلف أيضاً فالأدلة من غير النصوص مختلف فيها، أيضاً قالوقائع المتجددة لا توفي بها النصوص وما كان غير ظاهر في النصوص فيحمل على النصوص المتشابهة بينهما وهذه كلها إشارات للخلاف ضرورية الوقوع من هنا وقع الخلاف بين السلف والأئمة من بعدهم))(8). إذا كان الخلاف قد وقع حول الأحكام الشرعية ،أي في الجانب العملي، فإن الخلاف في الجانب النظري (العقائد) هو من باب أولى. يقول صاحب "المقدمة" مفسرا نشأة علم الكلام: (( عرض بعد ذلك خلاف في تفاصيل العقائد أكثر مثارها الآيات المتشابهات فدعا ذلك إلى الخصام والتناظر والاستدلال بالعقل زيادة إلى النقل فحدث بذلك علم الكلام))(9). إن القران نفسه يميز بين المحكم والمتشابه ((هو الذي أنزل إليك الكتاب فيه آيات محكمات وأخر متشابهات… الآية))(آل عمران:7)، ولكن الإلحاح على هذا التمايز بين المحكم والمتشابه هو مقدمة للتمييز بين ظاهر وباطن للنص القرآني، ومقدمة لإعطاء العقل دوراً أساسياً ليكون حكماً على النصوص كي يفصل في صحتها، ويفتح الباب أمام التأويل العقلي ليلعب دوره في النفاذ إلى باطن النص ليفض كنهه ويستنطقه بما سكت عنه والذي لم ينطق به ظاهره. وبالتالي أن يخرج هذا العقل من دائرة النص ليكون أداة إنتاج معرفي مستقل عن النص وعن الوظيفة التسويغية التي أنيطت به مبكراً أي ليتحول من "عقل التعرف على الشيء" على "عقل معرفة الشيء".
- التفاصيل
- كتب بواسطة: الطاهر مرابعي
- الزيارات: 3
المؤسسة مصطلح بروتوكولي شديد الحساسية لدى كثير من الناس، فهو غالبا رهين جهات رسمية لها أطرها القانونية وأدواتها العملية التي تخوّل لها تنفيذ مهام بعينها في إطار من المشروعية التي لا تحتاج إلى نقاش، كما أنها غالبا تصورات لصيقة بالسياسة ومفهوم الدولة.. وشاع بين الناس إطلاق مصطلحات "مؤسسات الدولة"، "المؤسسة العسكرية".. وغيرهما وهي على كلّ مؤسسات فِعلية تستحقّ بجدارة ما علِق بها من ألقاب القوّة، غير أن ثمة مفهوما أصدق وأوكد لهذه الكلمة وهو حقيقة المدلول الخفي للمعنى المُوارَى؛ ذلك أن المؤسسة في إطارها العام وبعيدا عن أي تسييس هي تلك "النظم والأعراف، ومجموع العادات والتقاليد التي تفرض وجودها وهيمنتها على الفرد والجماعة بكم من طريقة وأنه يقتضي الأمر بإزائها التحايل والتهرب للتملص من التزاماتها المشروعة أو غير المشروعة في نظرنا"، فبهذا المفهوم تتحدّد معالم المؤسسة بوصفها قوة خارجية تنبع من الداخل وتمارس نفوذها على الجميع إلى درجة التي يمكن من ورائها تحديد التهم وضبط خيانة الخارجين عنها وإعلان إفلاسهم وبالتالي استحقاقهم العقاب وبالمثل يمكن العكس، أي إثابة المحترمين لحدودها والملتزمين بضوابطها، وإلى هذا الحدّ لَمّا يزل كلامنا بعيدا عن إجراءات الاستدعاء والتنفيذ التي تمارسها المحاكم ودور الشرطة وغيرها.
يصطبغ مفهوم المؤسسة في حقيقته بمعنى "المحافظة" على القيم المتداولة التي تمارسها الجماعة وبمعنى أوضح "بعث فرص الانسجام في ظل هيمنة أطراف الاختلاف وتنادي المصالح الفردية"، لذلك يمكن الحديث عن قانون لهذه المؤسسة يفرز كل تصور بما في ذلك تصور العقاب وحتى تصور الممارسة التي تمت المعاقبة عليها.
ويظل مفهوم المؤسسة مرِنا إلى الحدّ الذي يمكن ملاحظته به سرابيا، بعيدا عن أي إمكانية للضبط، فهو محكوم بقانون المصلحة البشرية الآنية ونظرتها المستقبلية الاحتمالية، وداخل هذا النظام يمكننا أن نتحدث عن نُظم، بل وأكثر أن نتحدث عن تشكيل لمؤسسات صغيرة تمارس سيطرتها على مجموعة أفرادها الصغيرة في ظل القانون العام للمؤسسة الكبرى "الأم" وهي المؤسسة التي تتشكل بقوة خطيرة من منابعها الروحية الدينية إضافة إلى مجالها الحيوي الدنيوي، وهاهنا يمكن للأفراد والجماعات القليلة - بشيء من الحرية- تشكيل مؤسساتهم الخاصة التي تفرز بدورها أنموذج العقاب والثواب على التابعين لها.
فمن جملة هذه الممارسات يمكن إيراد تصورات معينة في هذا المفهوم وليكن "النظم الدينية المذهبية شبه المُمنهجة" التي يلتزم بها أفراد بعينهم، فبالنسبة للعقيدة الدينية يمكن لأفراد مسلمين مثلا أن يتفقوا على أمور في العبادة والتوحيد وغير ذلك مع تفاوت ممارساتهم وحتى فهمهم للنص الجوهر إضافة إلى قدراتهم على تنفيذ هذه القناعات، وتحت مسؤولية هؤلاء الأفراد عينات من الأبناء - كنموذج مبسط - نتوقع أنهم سينهلون منذ طفولتهم من ينابيع هذا الدين بهذه المفاهيم الخاصة من الوالدين والتي تختلف جزئيا عن مفاهيم أخرى لقريبين جدا لهم، كاختلاف تصور هيئة حجاب المرأة أو اختلاف تصور الأخذ بمظاهر العصر الوافدة من الثقافات الغربية في الملبس والمأكل، وإذا كانت مثل هذه الاختلافات في بعض الأحيان اجتهادات فإنها في أحيان أخرى نماذج لمؤسسات تمارس سلطة على المنضوين تحت لوائها وتحشرهم على أساس ما أتيحت من أدوات - بما أننا في حديث عن الأسرة- تحت ضغوط نفسية واجتماعية من داخل المؤسسة وخارجها تفرض عليهم الالتزام بهذا النمط من الحياة، في حين تعتبر المخالفة بداية نقطة عقاب تكون بالهجر أو الضرب أو القدح الاجتماعي "الغيبة" أو غير ذلك، وتمارس هذه المؤسسة المحدثة هيمنتها بالمثل على الهيئات التي شرّعتها، بل وتكون المعاقبة أشدّ لو حصلت مخالفة لضوابطها، ولا يشترط طبعا في هذه المخالفة قرارات المحاكم بل إن المؤسسة تحمي ذاتها بنفسها ولو تتبعنا الأمر لأدركنا بأن طرق عقابها أشد وطأ من العقاب القانوني، فما الهجر والشتم والإعراض عن الحديث والاتهام وسقوط قيمة الأفراد بين أقرانهم إلا صور من العقاب "الطبيعي" "البدائي" "الاجتماعي".
* * *
تحمي المؤسسة نفسها بصورة تلقائية وما على المنضوين تحت لوائها إلا الاستسلام لأمرها، والخروج عنها لا يعني إلا بداية ثورة من السخط والنقم، وحتى الخروج من المؤسسة "المميزة" إلى أخرى - ولو كانت قريبة- يبدو أمرا غير ممكن، وفي حال حصوله لا بدّ أن يعني الدخول في نظام مؤسسة أخرى "معترف بها" وإلا لعدّ ظلما صارخا، وأكبر نموذج يمكن الاستشهاد به هنا هو فكرة "تعدّد الزوجات" التي تعني بالنسبة للمسلمين سُنّة من السنن المهجورة، ولسوف يستحيل الأمر إلى بدعة وجريمة قانونية وأخلاقية لو حصل الأمر من رجل غير منخرط في المؤسسات الدينية، بل وسيكون الرجل ذاته فردا مجرما شرعا وقانونا لو فعل ذلك؛ فهو أوّل المبادرين بدخول المؤسسة التي لم ينتم إليها على شيء من القناعة، ومنخرطٌ متطفل على قيم لا يعترف بها إلا أن اعترف بها اعتراف مفتون أو مجنون، وحينها يبدأ - هو- فعليا بتكريس جنونه من خلال التلاعب بقيم لا يؤمن بها مما يجعل من عقله وادًا من الأفكار التي تصبّ في بحرين؛ بحر مصالحه التي يبحث لها عن تبرير وبالتالي استغلال كل المؤسسات والقوانين لذلك وانشغاله بذاته وإهماله لمتطلبات الالتزام الجديد، وبحر الاستهتار بالقيم المختلفة والتلاعب بها.
وجدير أن يكون تعدد الزوجات قضية تمثل "حلا" لا أزمة مضافة إلى الأسرة؛ فهي من المتطلبات التي تفترض قناعة لا إجبارا في الممارسة لذلك كان للمؤسسة الدور الأوّل في تثبيت ذلك أو كسره، فهي التي بَنَت أسرتها على أساس الوقوف عند حدود الشرع والعمل بها والتي ظلت تنبذ كل سلوك دخيل عن أعرافها وهي بذلك أقرب المؤسسات إلى هذا التوفيق، فالمنتمون إليها من طبقات تحترم مصادر تشريعها وفي أسوء الحالات تستحي أن تعارضه في حين المؤسسات التي بنت أرصدتها على قناعات مادية ولم تُول الحدود أهمية هي الأقرب لعمليات الهدم والردّ المفزع، فلا أفرادها منهمكون تحت خطاب التحريم والتحليل ولا هم مستعدون لقبول تغيير على هذا النمط.
ويبقى أن الهروب من مؤسسة إلى أخرى أكثر أمنا وإن كان لا يخلو من مغامرة فالذين يجمعهم إيمان بشيء لن يفرقهم ضرر تبعه ولو كان غير مسنن في تقاليدهم إلا أن الهارب إلى المؤسسة الأخرى غالبا رجل سطوة لا رجل قناعة يملي عليه قلبه ما لا يمليه عليه عقله، وعلى أساس ذلك يتشكل سلوكه كخليط من العبث والانتقاء المصلحي من عدد من الجهات والمؤسسات التي يَتوقع أن توفر له الحماية وفي هذه الحالة بالذات ينشغل لا شعوريا بتكريس الظلم المقنع والاعتداء المبرر كبداية تليها مرحلة الانغلاق على الذات والاحتماء من أي خطاب خارجي يكون غالبا هادما لسلوكاته.
حين قرأ المسلمون الآية الكريمة "إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم" انهالوا جميعا على ولاة أمورهم وعدّوا تبعات كل المحن أخطاء تسيير يتحمل أوزارها القائمون على السلطة وحدهم وتصوروا التغيير مجرد "اتخاذ قرارات" ونسوا أن المؤسسة الاجتماعية هي من يفرز الحكّام أنفسهم كما أنها من يفرز نظم المجتمع، حتى تلك النظم التي ينبذونها، ذلك أن طبيعة وعيهم ومنتهى قناعاتهم تَخلُص إلى تصفية طبقة من المواقف التي تغطي نشاط المجتمع سلبا أو إيجابا، ولو أن أمة وَعَت بكامل القناعة مسؤولياتها وحرصت اعتقادا وعملا على تجنب مسالك بعينها لصعب وعُدّ شذوذا كل تصرف لا ينتمي إليها غير أن الأمور إن اختلفت تحولت المؤسسة ومن ورائها المجتمع إلى مكرّس وحام لهذه المظالم.
وليس غريبا أن يكون الشرّ شرا أينما حلّ وعند كل الناس، لكنه غريب جدا أن يتحول الشرّ إلى خير ما كان مصلحةً لصاحبه وهو هنا بالذات التكريس الفعلي له، وفي مثل هؤلاء القوم قال الله تعالى "يقولون مالا يفعلون"، وليس من تفسير نفسي ولا منطقي لهذه الآية إلا أن تكون المصلحة بالنسبة إليهم فيما يفعلون مع علمهم بعِظم تخطيهم للحدود، وهاهنا يصلح فيهم وصف أن يكونوا ممن قالوا "سمعنا وعصينا" وجميع هذه السلوكات لا تزال حتى الآن مفصولة عن المؤسسات السياسية والرسمية في حين أنها تنتمي إلى "العقلية" التي تؤسس للمجتمع.
المجتمع إذا هو الجهة التي تفرز الضوابط والنظم كما أنه من يتحمل مسؤولية هذه الإفرازات خصوصا في جانبها السلبي الذي يجعله يعيش متهافتا على أنقاض بعضه ويتركه عرضة للمرض الداخلي الذي يستنزفه، وهنا بالضبط تحضر الآية من جديد "إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم" أي حتى يغيروا من قناعاتهم السيئة التي صنعت واقعهم السلبي، وبحصول التغيير في قناعاتهم سيحصل التغيير في نتائج أعمالهم التي يعدّ الواقع المشترك جزء منها.
الطاهر مرابعي، كاتب جزائري
- التفاصيل
- كتب بواسطة: رشيد شاهين
- الزيارات: 2
رشيد شاهين
لا نعتقد بأن الحرب الدائرة في القوقاز هي بين جورجيا وروسيا أو محاولة من جورجيا للسيطرة على اوسيتيا الجنوبية أو استعادتها إلى الحضن الجورجي كما تم التداول على نطاق واسع أو ما حاولت الدوائر الجورجية وكذلك الغربية الترويج له، حيث إن ما يجري هناك له علاقة أو امتداد للحرب الباردة التي جرت على مدار عقود من الزمن بين الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد السوفييتي ومنظومة الدول الاشتراكية التي كانت تدور في فلكه في السابق، صحيح أن البعض لا يحبذ استخدام هذا المصطلح "الحرب الباردة" بعد مرور عقدين من الزمان على تفكك الاتحاد السوفييتي، إلا أن ما يجري في تلك المنطقة من العالم لا يمكن فصله عن تلك الحقبة واستمرار أميركا في محاولاتها الإبقاء على "الاتحاد الروسي" و روسيا تحديدا في حالة من الضعف والتردي والتخلف حتى لا تقوم لها قائمة من جديد بحيث تظل الولايات المتحدة الأميركية سيدة هذا الكون بدون منازع.
إن ما حدث مؤخرا في منطقة القوقاز لم يكن سوى محاولة فاشلة للرغبة الأميركية والإسرائيلية والغربية بعامة للتوغل بنفوذها وهيمنتها بشكل مفضوح وفج على المنطقة في محاولة للإبقاء على ضعف روسيا وإبقاؤها عاجزة ضعيفة وغير قادرة على استعادة أي جزء من "أمجادها" السابقة كقوة عظمى لها وزنها ودورها الفاعل في الأحداث والشؤون العالمية.
لقد أثبتت تلك "الحرب أو المعارك " بأن الولايات المتحدة الأميركية بشكل خاص لا تزال تتخوف من استعادة روسيا لدورها كقوة عظمى يحسب حسابها ويمكن أن يكون لها تأثيرها في الساحة العالمية،وهي على هذا الأساس ذهبت في تماديها بعيدا خاصة بعد أن نجحت في نشر الدرع الصاروخي على تخوم روسيا من خلال دولة التشيك ومن خلال بولندا التي منها بدأت عمليا ملامح تفكك المنظومة الاشتراكية عندما قامت التظاهرات النقابية بداية الثمانينات من القرن الماضي.
لقد بدت الأصابع الأميركية والإسرائيلية عدا الغربية واضحة جلية في تلك "الحرب" التي لم تدم طويلا والتي لم تستطع خلالها الدولة الجورجية التي تحاول أن تكون النموذج الأمثل للقيم والمفاهيم الغربية في منطقة القوقاز الصمود أمام رد الفعل العنيف الذي أبدته روسيا تجاه ما قامت به جورجيا من عدوان على اوسيتيا الجنوبية وذلك عندما قامت القوات الجورجية بالاعتداء على القوات الروسية التي تعمل في المنطقة كقوات لحفظ السلام والتي تم نشرها منذ بداية التسعينات من القرن الماضي.
من الواضح أن جورجيا في ظل رئيسها ساكاشفيلي الذي قاد الثورة التي تسمى "الوردية" والذي عملت أميركا على دعمه بشكل كبير من اجل الوصول إلى رأس السلطة في البلاد اتجهت بدون تردد إلى الحضن الأميركي، وقد عمل ساكاشفيلي على ربط بلاده بالولايات المتحدة الأميركية ودولة الكيان العبري كما استوزر وزيرا للدفاع جورجي الأصل يحمل الجنسية الإسرائيلية ودفع ببلاده بشكل مريب بالاتجاه الأميركي من خلال تحالف مع أميركا لا يمكن فكاكه عدا عن إرسال اكبر القوات عددا بعد قوات أميركا وبريطانيا للمساهمة في احتلال العراق، وكذلك تسليح الجيش الجورجي بكل أنواع الأسلحة الأميركية والإسرائيلية عدا عن استقدام مدربين إسرائيليين لتدريب القوات الجورجية وهذا ما دفع احد الوزراء الجورجيين "يهودي متصهين" بالقول أن القوات الجورجية سوف تقاتل مثل الأسود لأنه تم تدريبها على أيدي خبراء من إسرائيل وهو "الرئيس الجورجي" لم يتردد عن تحويل البلاد إلى قاعدة متقدمة للاستخبارات الأميركية والإسرائيلية في منطقة القوقاز.
لقد كانت محاولات ساكاشفيلي التعاون مع الغرب واضحة وجلية في إبقاء روسيا ضعيفة وغير قادرة على استرجاع "أمجادها" كدولة عظمى مؤثرة في محاولة منها لاستعادة ولو القليل من التوازن و"فرملة" الاندفاع الأميركي للسيطرة على العالم والبقاء كقوة واحدة وحيدة تتحكم في هذا الكوكب.
الموقف الأميركي مما حدث في القوقاز لم يكن بعيدا عن المواقف الأميركية التي تعود عليها العالم من تزوير وقلب للحقائق، فهي حاولت قلب الحقائق من خلال القول إن روسيا واوسيتيا هي من اعتدى على جورجيا في محاولة فجة ووقحة للتزوير والدجل، وقد كان ذلك نتيجة للهزيمة الساحقة التي تلقتها القوات الجورجية في ساحات القتال، وقد كان من الممكن لأي مراقب أن يلاحظ آثار تلك الهزيمة بادية تماما ليس فقط على وجه الرئيس الجورجي الذي خرج يخاطب الجماهير الجورجية، بل هي كانت كذلك وربما أكثر وضوحا على وجه الرئيس الأميركي الذي كان أكثر تجهما وربما مصابا بالصدمة عندما خرج على شاشات التلفزة يلقي خطابه مطالبا القوات الروسية بالانسحاب وهو يعلم علم اليقين أن هذه القوات تعرضت للهجوم عليها وأنها كانت في مهمة لحفظ السلام في المنطقة.
الهزيمة التي منيت بها القوات الجورجية كانت هزيمة بكل المقاييس للتواجد الأميركي والأسلحة الأميركية والتوجهات الأميركية، كما كانت كذلك بالنسبة للدولة العبرية التي تحاول التدخل في شؤون تلك المنطقة من خلال بيع الأسلحة وتحويل الأنظمة التسليحية إلى أنظمة غربية وإسرائيلية ومن خلال إرسال الخبراء العسكريين ورجال المخابرات إلى تلك الدول للتدخل في شؤونها والعبث بسياساتها ومساعدة الولايات المتحدة على تحقيق غاياتها في تلك المنطقة.
الهزيمة الإسرائيلية والأميركية في القوقاز ليست الأولى التي تمنى بها هاتان الدولتان خلال السنوات الأخيرة، فهاهي أميركا وبرغم مرور أكثر من خمس سنوات على احتلالها للعراق لم تستطع أن تحقق سوى الخيبة والفشل، وهي لا تزال تفشل حتى بتوفير الخدمات الضرورية للعراقيين برغم كل الفائض المالي الذي تحقق نتيجة ارتفاع أسعار النفط في الأسواق العالمية، وهي كذلك فشلت حتى اللحظة في أفغانستان، وهي فشلت ومعها إسرائيل في أن تحول لبنان إلى محمية إسرائيلية، وفشلت في ما دعت إليه رايس من خلق الشرق الأوسط الجديد، وهي كذلك تفشل في تجنيد العالم من اجل توجيه ضربة لدولة إيران بحجة البرنامج النووي عدا عن فشلها في مواقع أخرى في العالم.
إن ما يحصل في القوقاز هو جزء من الإستراتيجية الأميركية في رغبتها السيطرة على العالم، وهو كذلك جزء من مخططاتها السيطرة على ما 40 إلى 50 دولة من دول العالم كانت تحدثت عنه الدوائر الأميركية نهاية الثمانينات من القرن الماضي، إلا أن ما حدث في العراق من مقاومة لم تتوقعها الولايات المتحدة - وهذا ربما أجل مؤقتا تلك الخطط- كذلك فان الهزيمة التي تلقتها الدولة العبرية في لبنان وما حدث أخيرا في القوقاز قد يكون من بين الأسباب التي قد تقنع أميركا بأن مخططاتها ليست "قدر" العالم.
بيت لحم
15-3-2008
- التفاصيل
- كتب بواسطة: سيد يوسف
- الزيارات: 4
خصائص نفسية مريضة
سيد يوسف
من نكد الحياة المؤلم أن تضطرك أن تتعامل مع أصحاب العمى والحول الفكرى أو أولئك الذين يضمرون كرها ومعاداة لأي شيء يمت بصلة للدين لا سيما إذا كان مصدره نفوسا لا يرتاح إليها أصحاب ذلك الحول الفكري.
ويمكنك أن تتبين ذلك الفكر المعوج من خلال أهله فهم يظهرون بلسان مقالهم اعتناقهم لمبادئ الحق والدين لكنهم بمواقفهم يثيرون فتنا بين مسلمين ومسيحيين أو بين مقاومين للاحتلال فى فلسطين والعراق أو بين أبناء الوطن الواحد ذوى الانتماءات والاتجاهات الوطنية المختلفة.
والغريب أنهم يرفعون شعار الاتحاد ويبدو فى بعض كلامهم الوسامة، لكنك حين تنظر إلى مواقفهم هنا أو هناك تجدها متشابهة أو متطابقة، يثيرون فتنة ثم يذهبون وأينما حلوا أثاروا فتنا أسوتهم عبد الله بن سبأ (ومن عجائب القدر أن ذلك الاسم يميت بعضهم غيظا)...فقبلتهم
هناك فى الغرب.
خصائص نفسية مريضة
من خصائصهم النفسية أنهم يتعمدون لى الحقائق ، ويعتمدون الروايات الضعيفة لبث الفتنة، ويتحدثون فى الشكل ، ويتركون المضمون...وما كان الاعتماد بالشكل فى شىء إلا ضر بالمضمون فكم من رسم جميل خلا من معنى رفيع.
يعتمدون لغة الخطاب اللفظية لا لغة التطبيق والتنفيذ، يجتزئون قضاياهم ، ولديهم جهل تام بمقاصد دينهم وبطبيعة مجتمعهم النفسية والثقافية، ومن خصائصهم أيضا العجز عن استقبال الحقائق بقلب نقى ولا عجب فقلوبهم مريضة وعقولهم مشبعة بمعاداة هذا الحق، قصور العقل وقلة زاده، قسوة فى القلب، تهوين العظائم، وتعظيم التوافه، إثارة الجدل والخلافات فى أى مكان حلوا فيه، غمط العظماء حقهم وقدرهم، الاعتماد على تفريق الناس لا تجميعهم، تصيد الشبهات ولا عجب فهذا ميدانهم الذى يحسنون الغمز واللمز فيه،والاهتمام بالهدم لا بالبناء، التعريض بالآخرين فى كل ميدان يمكن أن يصلوا إليه، ينتصرون للأشخاص لا للمبادئ، أخرى.
إنهم لا يملكون أدوات البحث فى العلوم الدينية وتراهم يتنطعون يتحدثون فيه تحدث العالم الخبير ولو ساءلت أحدهم عن علوم الحديث وأصول الفقه والبديع والاشتقاق والناسخ والمنسوخ فى الحديث والقرآن وغيرها من أدوات البحث الفقهى ما وجدت لديهم بضاعة تذكر .
إن هؤلاء يتحصلون على ثقافتهم من وريقات للجرائد من هنا وهناك.
يتعامون عن رؤية البرامج التى طرحها مفكرو الإسلام لرؤية الإسلام لمناحى الحياة فى حين لم يقدم جلهم وأتباعهم حلولا يمكن أن ننظر إليها بإكبار...وحين تعرضها عليهم يتعامون عن رؤيتها ويحاكمون نيات مقدميها فى حين يمكن لأي امرىء أن يحاكم النيات لكن ذلك مسلك الحمقى ينأى عنه ذو المروءة لدناءته.
يقولون إن العدو الأول للإسلام هو الأصولية دون أن يتعرفوا على حقيقة دينهم أو حتى مفهوم ما يسمى بالأصولية ويدعون إلى مقولة حق يراد بها باطل يدعون إلى فتح الباب للعلماء لإعادة تأويل القرآن وغربلة الأحاديث من كل ما هو منسوب خطأ للرسول...ويدعون إلى الأخذ بما يتفق مع مزاجهم قائلين هذا ما نقتنع به،وهى دعوة صادرة من أناس مشهود لهم بإثارة الخلافات ومعاداة هذا الدين ،هى دعوة من أناس ينقضون على التاريخ مشوهين معالمه ذلك أنهم يستقون ثقافتهم من مصادر وروايات ضعيفة وهم ينادون بغربلة الأحاديث.!
يحاكمون النيات بطريقة تثير القرف من منطقهم فأي أحد يتحدث فى الدين غيرهم يعنى إنه يتطلع إلى الحكم والمتاجرة بالدين ،وإذا حكم فلان فسوف يقوم بكذا ويلغى كذا ويدع كذا، واحترام النبى محمد صلى الله عليه وسلم هو جعله لله ندا،وتقدير الصحابة هو تقديس لهم بل
وتأليه بعضهم.
نتيجة
من هذه المقدمات يمكنني أن أصل إلى نتيجة قلما يختلف عليها الغُيُر(الغيورون): هؤلاء يريدونها معوجة حتى يبثوا سموما تفتك بوحدة الصف وبهذه الأمة ولا عجب فلقد وجدت لبعضهم غيرة على انتهاك حرمات غير المسلمين فى حين وجدت برودا يدعو إلى الغيظ من إهمال الاهتمام بقضايا المسلمين ولا سيما فى فلسطين والعراق والصومال.
فى النهاية
* فطرت النفوس على كره الغباء و الأغبياء الذين لا يفهمون إلا ما لديهم من أفكار مسبقة ،
الذين يحاكمون نيات الآخرين ....الذين يرسلون كلاما فضفاضا بانفعال حاد ولسان سليط تحس معه وكأنه يتميز غيظا على غباء الآخرين ،وهذه المشاهد نصادفها كثيرا فى حواراتنا السياسية والاجتماعية أرجو الانتباه لها بعقل يقظ .
* لن يموت هذا الدين حتى وإن فنى المسلمون لن يموت ...ديننا يمرض بوجود أمثالكم بين صفوفنا- لكنه لا يموت مهما زاد ضعفنا.
وثمة أمر أخير أعرضه متسائلا :هل تتحسن صورتك لو شوهت صورة الحق ؟
وماذا يفيدك إذا اتسخت ملابسك أن ينظف الآخرون ملابسهم؟ سوف تبقى متسخا بأفكارك هذى
* إن الفطرة السليمة تستوجب رؤية الحق بطريق سهلة لا تكلف فيها وإن أى تعامى عن رؤية ذلك الحق إنما مبعثه آفة فى العقل ورذيلة فى النفس...نرجو لصاحبها توبة صادقة.
سيد يوسف
- التفاصيل
- كتب بواسطة: سيد يوسف
- الزيارات: 2
التحصين الثقافي
سيد يوسف
الاختلاف بين الأمم أمر ضروري حتمته الطبيعة البشرية والقوانين الاجتماعية التى تتحرك الشعوب فى فلكها أفرادا وجماعات ...والاختلاف الايجابي يدعو إلى التجديد والإبداع والابتكار ويدفع الحياة الإنسانية إلى التطور والتقدم...ولا يتم ذلك إلا بضوابط لا تخطئها عيون الفاقهين منها الانفتاح المحسوب على الأمم الأخرى أخذا وعطاء دون تذاوب أو اندماج يلغى خصائصنا بحيث نأخذ من الأمم الأخرى ما يروق لعيوننا لا ما يراد لنا أن نراه، وبحيث يكون تعاطينا مع الأمم الأخرى تعاطى من يأخذ منها فى يسر ما لا يتحرج منه، وتعاطى من يعطيها شاعرا بالندية...فما بال أمتنا صارت تفكر بطريقة الدخول فى جحور الضباب؟!
فحين نتلفت نبحث عن الأمم الأخرى من حولنا نجد كثيرا من الأمم أبقت على خصائصها الثقافية متحصنين بتراثهم وقيمهم وغالبا ما تكون تلك القيم قيم إنسانية فالهند والصين واليابان ما تزال متحصنة ببعض تراثهم رغم قسوة الحملات التغريبية شأنها شأن بلادنا العربية إلا قليلا، وحين ندعو قومنا للمحافظة على تراثهم محافظة بصيرة واعية فإننا لسنا بدعا بين الأمم، وحينما ننفتح على الأمم الأخرى فإننا نرجو أن يكون انفتاحنا محسوب بضوابط دقيقة بحيث نأخذ من الأمم الأخرى ما يروق لعيوننا لا ما يراد لنا أن نراه، وبحيث يكون تعاطينا مع الأمم الأخرى تعاطى من يأخذ منها فى يسر ما لا يتحرج منه، وتعاطى من يعطيها شاعرا بالندية كما ذكرنا آنفا.
وحين نتلفت ننظر ما أصاب أمتنا نجد عجبا ويكفى أن نلقى نظرة لأحوالنا الداخلية فى مصر على سبيل المثال سوف نجد أخلاطا لا رابط بينها ففى مصر كما يقول توفيق الحكيم تعليم أجنبى وحكومى وأزهرى ودرعمى وجامعى وخارجى، ولدينا أحياء أوربية وأحياء وطنية وأحياء مختلطة ولدينا مطربشون ومعممون وحفاة ومحتذون ومقبقبون ولابسو الزى الإفرنجى والزى البلدى والزى المختلط أى طربوش ومعطف وجلباب أو طاقية وبيجامة وقبقاب ...كل هذا الخلط فى الأوضاع والتعليم والتربية والإطار الذى يعيش داخله الناس فى بلادنا جعل لهم بالضرورة عقليات مختلفة كل عقلية تفكر تفكيرا خاصا وترى الدنيا من زاوية منفردة.
صرنا نجتهد فى التشبه بالغرب تشبها أعمى لا بصيرا ويا ليت قومى تشبهوا بهم فى الإبداع والابتكار وفى كسب الدنيا وفى اكتساب المعارف والعلوم وفى تحصيل أسباب التكنولوجيا إلا أنهم تفننوا فى تقليد الغرب فى كل شيء سوى ذلك وصاروا يتتبعون سنن الغرب حتى إنهم لو دخلوا جحر ضب لدخلوه عن عمى وتقليد غبى ومما يغيظ النفس أن ترى بعضهم يرى التقدم فى الشكل لا المضمون ويرى الأخذ عن الغرب فى المظاهر لا فى التكنولوجيا والمعارف!!
وفى هذا الصدد نتفهم تحذير النبى صلى الله عليه وسلم لنا من هذا السير حين قال: " لا تقوم الساعة حتى تأخذ أمتي بأخذ القرون قبلها شبراً بشبرٍ وذراعاً بذراعٍ، فقيل: يا رسول الله كفارس والروم ؟ فقال: ومن الناس إلا أولئك ؟ " رواه البخاري.
مقترحات لتفعيل التحصين الثقافى
وقد يقول قائل: حسنا، قد علمنا فماذا نفعل؟ وهو تساؤل واع نرجو له جوابا عمليا تتصدر المشهد فيه أمتنا بمجموع مفكريها المخلصين لا أدعياء التفكير البلهاء وهم للأسف كثر فى مياديننا الإعلامية، وهذى مقترحات عساها تسهم فى تحصين ثقافى ايجابي مستمر:
1/ دراسة الخطاب الإلهى كما هو فى منابعه الصافية وأقصد بذلك الوحى القرآنى فى التعرف على معرفة تاريخ الحضارات وأسباب قيامها وسقوطها والتعرف على أسباب نهضتها...وفى هذا الصدد نتفهم قوله تعالى {قُلْ سِيرُواْ فِي الأَرْضِ ثُمَّ انظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ} الأنعام11، وقوله تعالى {قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ }النمل69، وقوله تعالى {قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }العنكبوت20
2/ إنشاء فرع من فروع الثقافة الإسلامية يسمى مرحليا بفقه السنن الحضارية يهتم بدراسة الخصائص المكينة لأمتنا، سواء الخصائص النفسية أو الحضارية أو الثقافية أو الاجتماعية...وههنا دور للمفكرين بتزويد مكتبتنا العربية بمثل هذه الدراسات وتجميعها فى مؤلف واحد تفيد منه الأجيال القادمة.
3/ إنشاء مراكز للبحوث والمعلومات على غرار المركز القومى للبحوث الجنائية والاجتماعية بحيث تهدف إلى جمع المعلومات وإجراء البحوث فيما يتعلق بدراسة الظواهر الطارئة على مجتمعاتنا وتقدير مكاسبها ومضارها، وتحديد المصطلحات الحضارية المستحدثة وتوحيدها بحيث يسهل دراستها والبحث عن بدائلها فى تراثنا وتفعيل ذلك حتى تصير مرتكزا من مرتكزات المنظومة المعرفية التى يفيد منها المربون والمعلمون والاجتماعيون والأكاديميون كل فى ميدانه وتخصصه.
4/ حصر أهم القيم الإنسانية (كالحرية واحترام حقوق الإنسان والعدل والتسامح...وغير ذلك) وتوريث تلك القيم لأجيالنا الحالية والقادمة عبر وسائل فعالة كمناهج التعليم مثلا بحيث تتعدد ميادينها من الأسرة إلى المسجد إلى النادى إلى المدرسة ووسائط الإعلام المرئية والمقروءة والمسموعة ...
5/ الحفاظ على لغتنا العربية وحمايتها من حملات التغريب المتعمدة عبر وسائل يعرفها المتخصصون نذكر ههنا بعضا منها على سبيل المثال لا الحصر:
فى الجانب التشريعي والقانوني نوصى بتجريم أى استخدام للغات الأخرى فى حياتنا العامة سواء المهنية أو الإنتاجية كتجريم استخدام الأسماء الأجنبية وبكتابة أجنبية عند إنشاء مصانع أو محلات تجارية...
وفى الجانب التعليمي نوصى بتدريس العلوم باللغة العربية وتعريب بقية العلوم التى ما تزال تدرس بلغة أجنبية مع قيام الفاقهين بتعريب تلك العلوم من الآن وليس مستقبلا فضلا عن توجيه عناية المدرسين بالمدارس والجامعات على ضبط اللسان عند الشرح والتدريس باللغة العربية السليمة، والعمل على تصدير برامج تعليم العربية لغير الناطقين بها بطريق سهلة وشائقة...
وفى الجانب الإعلامي نوصى بالتزام الحديث بالفصحى السهلة دون تقعر فى الصحافة المحترمة والإعلام المرئي والمسموع وحظر استخدام العامية...
وفى الجانب الإنتاجي وأقصد به الإنتاج المادي والاقتصادي باستحداث منتجات صناعية ذات أسماء عربية سهلة ومعبرة لا سيما الإنتاج التقنى فلقد أحيت الصين واليابان والكيان الصهيونى لغاتهم بإنتاجهم المادي ...ولعمري إن هذا هو الجانب الأهم.
وفى الجانب الأدبي والإبداعي ونقصد به التأليف والإبداع القصصي والشعري والفني بصفة عامة للفت أنظار العالم إلى لغتنا الجميلة وتصدير ذلك للعالم أجمعين...ونريد لذلك الإبداع أن يكون بلساننا نحن بقيمنا نحن بثوبنا نحن بتاريخنا وإرهاصاته الخاصة بنا بمعاييرنا الشرقية لا بمعايير الغرب بعيوننا نحن لا بعيون الغرب...ألا إنه لا قيمة لنا حين نتحدث بالعربية ولا نفكر إلا بعقول غربية!!
وكم نرجو لهذا الإنتاج أن يكون معبرا عنا بلغتنا ومفرداتنا بعيدا عن مصطلحات الغرب وعقوله والمسألة ليست اعتسافا وفرض العربية بالقوة لكنها محاولة بصيرة لوضع الأمر فى نصابه وفى مكانه بعقل يقظ ومرن يصحبه وجدان وتقدير بصير لمكانة هذه اللغة ودورها فى الحفاظ على الهوية والتعبير عن ذاتنا تواصلا مع الآخرين من منطلق هانحن ذا وليس التقليد والتفكير بعقول الآخرين.
6/ فضح أذناب الاستخراب المسمى كذبا الاستعمار أولئك الذين يشيعون أن ما تعلموه هو معيار عام لكل إنجاز حضاري يصلح لكل أمة مهما كانت عقيدتها ومعادلتها الاجتماعية وتبيان أن أولئك الأذناب مهزومون نفسيا وداخليا بتبعيتهم للغرب، وعماهم عن رؤية ما هو نافع وجميل من تراثنا، أولئك الذين نرى أقلامهم ونسمع - كارهين - حناجرهم حين تصيب أمتنا نصرا بالتهوين من نصرنا، وحين تصيب أمتنا كبوة بإعلاء قيم بنى صهيون علينا...والمعركة ههنا ليست يسيرة فأولئك تفتح لهم المنابر، وما يزالون يتبوءون مراكز قيادية فى منابر إعلامية متعددة...ونحذر ألا تستغرقنا المواقف الدفاعية في معركتنا الثقافية مع هؤلاء فيصير كل جهدنا فى الرد على شبهاتهم دون وعي بآلية الصراع، والتحكم بإدارته، فنتحول من أن نكون أحد أطراف الحوار المستخدمين لأدواته إلى أداة للحوار وميدان له، ونخضع لتحكم الآخر بتفكيرنا، ونشاطنا، بحيث يصبح الزمام بيده، فيكفي أن يلقي إلينا بالتهم التي يريد ويحدد الزمان الذي يختار، ومكان المعركة التي تناسبه، ونحن ما علينا إلا رد الفعل، والاستجابة المرسومة مسبقاً، وبذلك يتحكم بساحة تفكيرنا، وبنوع نشاطنا، ومجال فعلنا، ويفقدنا زمام المبادرة، وتصير حياتنا، رد فعل عفوي بعيداً عن الفعل المختار على حد قول د/ عمر عبيد حسنة
7/ التحول إلى الهجوم على الذين يحاربون قيمنا وتراثنا مرة باسم الإرهاب، وأخرى باسم الأصولية دون انفعال بغيض ينسينا هدفنا من إدارة الصراع لتحصين ثقافتنا وتراثنا وقيمنا مع محاولة إبراز قيمنا الإنسانية الجميلة ومدى مواءمتها للاستقرار فى الأرض.
8/ تشجيع أبنائنا ومعارفنا وطلابنا على دراسة العلوم التطبيقية، والإنسانية لخدمة تراثنا وقيمنا وأمتنا وترسيخ قيمة حاجة الأمة إلى مثل هذه العلوم للبناء والنهوض.
9/ تبيان موقف الساسة الغربيين من القيم الإنسانية حين تتعلق بنا فهى قيم تكيل بمكيالين وهاهو موقفهم من حكومة حماس المنتخبة، وهاهو موقفهم من علمائنا فى بلادهم إذا أرادوا أن يفيدوا بعلمهم بنى قومهم، ويعجبنى قول د/ عمر عبيد حسنة إن اليد التي تمنح المسلم الحرية هناك، هي اليد نفسها التي تمنعها هنا، ليتم الاستقطاب، والتحكم من جانب، ولإعطاء دليل عملي واقعي على أن حضارة الغرب بعطائها تتميز عن حضارة المسلمين فتهفو النفوس إليها وتهاجر الأجنة إلى بلادها.
سيد يوسف
- التفاصيل
- كتب بواسطة: خليل مزهر الغالبي
- الزيارات: 2
=ماو تسي تونغ. ..هذه الكلمة النبيلة= ................................................. يقول –محمد علي مهاتير-رئس الحكومة الماليزية السابق وباني مؤسساتها والرجل المهم في تاريخ البلاد ،بأن الصينين والملاوين من الشعب الماليزي هم من وقف بهمة معهودة وراء بناء ماليزيا وليس مسلميها مؤكداأن الأخيرين تغلب عليهم عدم الهمة وقلت الأهتمام لذلك...هذا ماصرح به أمام أحد الفضائيات العربية... الرجل الماليزي و القائد بجدارة للمشروع الناجح في بناء ماليزيا الحديثة وهو المسلم والمؤمن بأسلامة بقوة وأذا ماتذكرنا شجبه( لليهودية الأسرائيلية)وتحميلها مسؤولية عدم الأستقرارالعالمي...وما ترتب من ردود فعل من الدوائر العالمية ذات العلاقة لربما سيكون هذا مدخلا كوثيقه فيها الكثير من الدلالات المهمة، فلشخصية هذا الرجل وشجاعتة في مهمته وصراحته أذا تفحصنا ماهو وكيف قال بموضوع مهما كان يمس أنتمائة ... في موضوع نشر في جريدة (الصباح)وعددها 983)(الناطقة بأسم الدولة العراقية على ما أضن وليس بأسم حكومتها أو أحد أطرافها وهي صحيفة تأسست في مرحلة الأنبثاق الديمقراطي الجديد في البلد ،تناول فيه الكاتب(أنور ناظم) والذي كان معتقلا في أحد السجون الماليزيه موضوعة الدييمقراطيقة في الأسلام وبعض متعلقاتها وتحت عنوان(قيم الحرية والديمقراطية في الدول الأسلامية) شاجبا في جانب من موضوعه الفاشية والنازية وأزلامها من هتلر وووحتى (ماو تسي تونغ) ومن باب النظرة العلماأنسانية الشريفة أرى أن هناك نظرة حولاء سلطها هذا الناظم على رمز الصين الاول(ماو تسي تونغ) هذا الرجل الثوري ورجل التغير الأنساني رقم واحدفي التاريخ وفق الحسابت المحصلية وفي أعتباريتها الكمية والنوعية للعطاء في لغة التناول الدقيق والحسابي التأريخي والتي أوردها ..أولا أن المجتمع الصيني هو أكبر التجمعات البشرية وهو من أكثرها أستغلاليةفي فترة ما قبل التغير الشيوعي والذي قاده(ماو)...وتقول الدراسات التي تناولت هذا الموضوع أن هنالك أمتلاك للفرد من قبل أصحاب الأملاك وهم_ أوليغاركية- المجتمع والذين يملكون الأراضي والأطيان والأبل وكذلك الأنسان رجلا أو أمرأة...فهو يشتريهم مثلما يشتري حاجاته الأخرى ...ولعلم الكاتب والناشر أن أب (ماو)هذا كان ضمن مجموعة النخب الأوليغالكية المستغلة للأنسان الصيني وبهذه الطريقة البشعة هكذا أذن كم من النبل والشجاعة (للأبن المترف)حينما تخلى عن كل مايملك أبيه لأحساسه بلا عدلية الحالة الملكية لابية وامثالة وما الحقت هذه الحلة من ضيم لقومة وتجويعهم... ويقود تغيرا أول مايقع الضررمنه على أملاكة بالحسابات المعروفة ..ويقوم بعدها بتوزيع مملكة أبية الهائلة على رعايا أبيه ومملوكية ليعمل بعدها لبناء علاقات أجتماعية قائمة على العدل ألاشتراكي والتي مال اليها اجمل رموز الاسلام واعدلهم وادهاهم وعلى رأسهم ابو ذر الغفاري وعلي بن ابي طالب وكل اليسار الجميل في تاريخ الحقبة الاسلامية ولولا هؤلاء لما قلبنا شي من شخصيات اسلام 0انور ناضم ) لان الرائحة الامومروانية ومابعدها لاتطاق (هل ينسى كاتب بمثلة ان خمس خراج(مايسلب)من شمال افريقيا يذهب للحارث بن مروان و و والخ أن هذه المسؤولية التي قادها(ماو) لم تكن هينة المهام لخصوصية المجتمع الصيني وطبيعتة الانثروبولجية ووالطوبغرافية واشياء اخرى تحيط بهذا المارد البشري،وخاصة مع أول سنوات التغير حيث بقاء القوة المناهظة للثورة وهذا من ثوابت التغيرات الأنسانية الثورية والتي تأتي من بعد ضيم ثقيل وهذا ماحصل للدعوة الأسلامية بردة الفعل القريشية وتجميع القبائل لسحق المسلمين كما حصل في أخر محاولاتهم في معركة- الأحزاب-(الخندق) هل تعرف كيف أن خلفاء هذا الرجل ممن قادوا المجتمع الملياري لم تظهر عليهم شائبة سرقة(غنائم اوخراج) أو أستهتار سلطو ي ولربما في تفكيرهم أن البناء القوي للقانون المحاسبي الصيني هو بناء مناقض للديمقراطية والتي يريدها السيد(ناظم) ومترجمه(نفس النفس) على طريقة ديمقراطية رأس المال والترف الأمريكي ليتحول جرائها الشعب الصيني الى أكبر مؤسسة للشحاذين تطرق أبواب دول العالم وهم منحنين بلا كرامة كما هول حال المسلمين البنغال والباكستانين والاندنسين في دول الخليج ...هل تصدق اذن لو كان النظام في الصين على طريقتك اسلاديمقراطية اذن لقرأنا على الامة الصينية المثابره السلام ...فهم دولة لا تملك خيرات مثل أمريكا وبالأخص بترولها ولكنها بهول سكانها قياسا لبقيت البلدان لايأكلون وجبات غذائم من صنع الأخرين كما يفعل المجتمع المسلم العربي النفطي خاصة من طحين ورز ولحوم ووو..أنه يأكل من يده وبجهده هذا الكم البشري يصدر منتجاته الى كل شعوب الأرض بعد أن ملأبيته منها . على المثقف المسلم ك(أنور ناظم)وغيره ومن ترجم للموضوع أن لايبخس فضل الأخريين وخاصة تاريخهم الشريف الشجاع وعلية تقع مسؤولية نقل وقول الحقيقة الناضجة والصحية والثورية بما يفيد واقعنا هذا الواقع الملىء بالخنوع و الظلم والخوف ليمدنا بعدها بالخنوع وهو حجر الاساس في صناعة حكامنا الطغات وعلى الموديل المفزع من امثال (صدام وصكبا ولطام ,,,,,وقبل يزيد والمنصور ان كان لي بمثل هؤلاء لطمست راسي في .... أن الثقافة الأسلامية بخست حقوق رجالاتها العظام وطمسوها وراح الغير بأضهارها للبشرية كمعالم مضيئة في حركة النهوض الأنساني ويقف الأمام (علي بن أبي طالب )أول هؤلاء ليقر ألأخرون من مفكرين وكتاب مسيحين وعلمانين وماركسين وحتى عدمين ووفق منظار علمي يتقبله الأخر عظمة هذا الرجل مثلا بعد أن قتلته أختلافات الأسلام وماعملوا به من طائفية ليمحوا تراثه ... ماذا قلتم للأخرين عن صرخة(أبو ذر) ضد أستغلال مخلفات الأسلام الرسمية وظلمتهم ,,,هذه الصرخة التي ستشق غطاء محنتكم وعجرفتكم ...وانتم تكفروه من( أزهركم) لأنه شيوعي الفكره،وكأن الشيوعية حكرا على الماركسين مئة بالمئة وتشتموه بديمقراطية معاوية وووتطردوه ماذا قلتم للعالم عن ثورة(الحسين)وأبن نبيكم ...هل تمرد على الخلافة الأسلامية وتفهموا الأخرين بخروجه عن الأسلام...أو يكون قائد لمعركة وتألمتم على النهاية المفجعة لة ولعائلة نبيكم...والأدهى من هذا أن حوله أحبائه أو من المحسوبين عليه الى مناسبة لأيذاء الجسد ويصغروا ثورته العظيمة بفم باكي....ماكان حظ أئمة المسلمين وعلى رأسهم الأمام الفذ (أبوحنيفة النعمان) هل أسعفتنا المؤسسات الأسلامية بنموذج او حدث فيها للديمقراطية مأثرة واضحة تلك المؤسسات التي يتغنا الكل بمأثرها بفتح البلدان على طريقة القتل والسبي و وو والتي أستبشعها الدكتور العالم الراحل الفذ(علي الوردي). (على هونك) ..أن أمتلأت بديمقراطية بلد أسلامي واحد لتكبر وتشتم رجل ك(ماو)يكن الشعب الصيني له كل الأحترام...وبالتالي تقع شتيمتك هذه على شعب بأكمله بتأريخ وثورة وخصوصيات أنت ابعد ماتكون عن روحيتها والنظر اليها بأسبابها ونتائجها وبالتالي فهما الفهم المتوان مع عمقها ......أخيرا هل يعرف ان الهاربين من رجل الحملة الايمانية عبدالله المؤمن(صدام حسين) يرحمون على روح المطران (بولص الثاني) ولايرحمون لمرجعية مكة او قم او الازهر ولالخادم الحرمين ..لان هذا الرجل وقف بكل شجاعة واقنع الدول الغربية الا اسلامية في التعجيل بأستقبال هؤلاءالملايين منحهم لجوء انساني تحت ذلك الصمت المخزي لجميع رجال الامر الاسلامي بكل طوائفة وانظمتة عن محنة اخوانهم في الاسلام كماهو العرق وفلسطين والصومال ووو ................................................ محرر صحيفة المرسى الثقافية لمنتدى الشطرة الابداعي
- التفاصيل
- كتب بواسطة: زهير الخويلدي
- الزيارات: 3
القرار العربي في مصيدة
اللاعقلانية والسياسوية
زهير الخويلدي
جاء في كتاب "المستطرف في كل فن مستظرف" للأبشيهي:"أيها الناس قوموا الى نيرانكم فاطفئوها" ونجد فيه أيضا أن الله قد أوحى الى داود:"يا داود كذب من ادعى محبتي واذا جن عليه الليل نام عني".
ان التذكير بهاتين القولتين ضروري هذه الأيام لأن الجميع يذهبون الى النوم ويؤثرون مصلحتهم الخاصة تاركين مصلحة أوطانهم وشعوبهم وراء ظهورهم أو يقفون منها موقف عدم اكتراث وكذلك ان النيران مشتعلة هذه الأيام في العديد من المناطق والدول في العالم العربي الإسلامي وتحتاج الى من يطفئها وهذه الحرائق والحروب ليست بفعل الطبيعة ونتيجة الأعاصير والبراكين وغضب السماء بل نتيجة قرارات ساسة هذا الزمان وبسبب سوء تفاهم بني البشر وجنوحهم الى غريزة الطغيان وسيطرة انفعالات الكره والبغضاء والحقد على النفوس وتكالبهم على شيطنة الآخر والقول بفردوسية الأنا.
انه من المعلوم أن وضع كهذا هو أمر لا يطاق وينذر بالكارثة في ظل سياسة دولية متقلبة وعولمة ملتهبة وتقتضي التريث والحصافة وحسن التدبير في السياسة لأن البيت المحترق لا يقوم ولا يسمح بالآدمي بأن يستمر بالحياة فيه ونحن نرى أن الخلافات لم يقع تخطيها على الرغم من عقد العديد من جلسات الحوار وأن المفاوضات دائما تنتهي بتكريس الفرقة وتعميق التباعد وكأن الشخصية الشرقية ميالة الى الفوضى والنزاع وفاقدة لشروط التفاهم ومبادئ التوحد وكأن العقل العربي محكوم بالفشل والهزيمة وفاقد لمقومات النجاح والانتصار.
ثمة عدة أسباب تمنع من رأب الصدع في الساحة السياسية الشرقية وتؤجل مشروع المصالحة والتوحد وتقف حجرة عثرة أمام اصطفاف عدة قوى هامة وراء مشروع واحد مناهض للعولمة الامبريالية والشمولية السياسية والرجعية الدينية والفكر العنصري المغلق يمكن أن نذكر منها ما يلي:
*سيطرة الريع النفطي على السياسة :
المقصود أن الطفرة النفطية جعلت من بعض الدول الصغيرة في حجمها والتي لم تكن تلعب دورا كبيرا أو تحتل موقعا استراتيجيا تصعد الى السطح وتشرف على عدة ملفات حساسة وقضايا ساخنة مثل قطر وتعتمد منهجا برغماتيا وتغلب المنفعة والبيترودولار على حساب القيم والثوابت.
*انحراف الممارسة نحو السياسوية:
لا يمكن أن نسمي الأداء اليومي للأنظمة العربية بالفعل السياسي لأن هذه الكلمة تشير الى الإبداع والتخطيط والبرمجة والانجاز والإتمام والإتقان بينما ما نراه هو الارتجال والتردد والتذبذب وفقدان البوصلة وغياب النظرة الاستشرافية وسيطرة نزعة أنانية ضيقة وانتشار ذرائعية عشائرية مقيتة لم ترتقي الى مستوى التنظير السياسي البراغماتي الذي ينشد إحراز المنفعة للجميع وتمتع فئة قليلة بالنفوذ والقدرة على ممارسة السلطة وتحكم أقلية في مصائر الأغلبية.
ويسمى هذا الداء بالسياسوية وهو مرض عضال تعاني منه السياسة العربية ويؤدي الى اتخاذ قرارات غير أخلاقية وغير إنسانية في الفضاء العمومي وإتباع سلوك سلطوي لا يرحم ولا يشفق على الضعفاء والأجيال المقبلة لأن الغرض هو احتكار السلطة وتراكم الثروة وتحقيق الرغبة حتى وان كان ذلك بتخليف الضحايا وحرمان الآخر وتخريب الأوطان والوقوع في الاستبداد والطغيان لأن الغاية تبرر الوسيلة ومادامت الأهداف غير مشروعة وأنانية فلا يهم تستعمل جميع الوسائل غير المشروعة للوصول الى هذه الغايات القذرة والعنف وإشهار السلاح والفساد والجوسسة والسرقة وغسل الأموال والمتاجرة بالبشر هو من بين هذه الوسائل المتبعة في الأزمة اللبنانية، فهذا يقدم معلومات خطيرة عن فريق منافس له لوكالة مخابرات أجنبية وذاك يرد عليه بقوة السلاح ويكتسح المدينة ويحسم الأمر بمنطق غير مبرر وكلا الفريقين يمارس السياسوية وليس السياسة الحكيمة والإنسانية لأن جوهر السياسة هو الحق وليس القوة ، السلم وليس الحرب، التسامح وليس التعصب، الاتفاق وليس الخلاف، العدالة وليس الظلم، الصداقة وليس العداوة.
هيمنة البترودولار ورجال المال وتراجع دور الساسة وعدم الاحتكام الى المبادئ والثوابت في اتخاذ القرارات المصيرية وإتباع الهوى والانفعالات والابتعاد عن صوت الضمير وعدم الاهتداء بنور العقل كل ذلك أدى الى انقلاب السياسة العربية الى سياسوية وظهور مجموعة من المتزلفين المتعطشين الى السلطة وممارسة الطغيان وقلة احترام للتقاليد والرموز الحضارية.
*انتصار الوهم والخرافة على العلوم السياسية:
السياسة هي على تدبير شؤون المجتمع تدبيرا عقلانيا وهي أيضا فن الممكن وهذا الممكن اتسع معناه ليفيد الخيالي والافتراضي والوهم وليعانق ميدان السياسة من جديد مجال التطير والتدجيل والشعوذة وطلب الحظ واقتناص الفرص من أجل الفوز بالمواقع وإحراز منافع آنية عاجلة حتى وان كانت ستخلف مآسي جماعية مقبلة.
ان انتصار السياسوية وشهوة الحكم وعودة الخرافة وسيطرة رجال المال ومضاربي السوق على الساحة الاجتماعية والدولية هي أمارة على هيمنة لاعقلانية السوق على السياسة العربية وهذه اللاعقلانية الاقتصادوية جعلت كل تجارب الحوار بين الغرب والشرق تفشل وتصل الى طريق مسدود لأن لا أحد يقدم تنازلات للأخر ولا أحد يريد أن يحتضن الآخر ويرفض أن يكون هو الخاسر والمخدوع الطيب زائد على اللزوم وكأن الاعتماد على النية الحسنة والطيبة والسلوك العادل الخير هي من السموم والطفيليات التي ينبغي اقتلاعها من الممارسة والتفكير والقول العربي.
المدهش أن الاحتكام الى العقلانية بشقيها العقلانية الأداتية الحسابية والعقلانية التواصلية التفاعلية يمثل العلاج المناسب والدواء الحقيقي لهذه الأمراض لأن العقل الحساب يؤدي الى تحديد حجم الخطر ويعمل على حساب النتائج الكارثية فيتوجه على الفور الى توفير وسائط ضرورية لتخطي هذا الخطر أما العقل التواصلي فانه يؤدي الى التوافق والإجماع على نوع من الحكم الصالح ينهي الخلاف ويجعل الأغلبية تصون حقوق الأقليات ويدفع الأقليات الى احترام الأغلبية.
بيد أن العقل العربي التي تحكم بنيته على حد تعبير الجابري العقيدة والقبيلة والغنيمة يرفض في نفس الوقت الاحتكام الى العقلانية التداولية والعقلانية التواصلية ويعتمد فقط على الفوضى ويتبع هواه بل انه يعيش حالة من النكوص والاستقالة تجعله يلغي نفسه ليترك المجال مفتوحا للسحر والأسطورة والخرافة،ويصر على العناد ويرفض التنازل عما هو طبيعي لكسب ماهو مدني ويرفض احتضان الآخر والإنصات الى همومه ومشاكله.
ان العرب يقعون في الخلاف ولا يصلون الى اتفاق ويفشلون كل حوار اذا ما حكموا اختلافهم حول العقيدة وبجلوا الانتماء الى القبيلة على حساب الوطن وفضلوا تحقيق المصلحة الضيقة على حساب قيم الانسان الكونية. ان المطلوب هو أن نتعلم التنازل والتفهم والاحتضان ، تفهم الأخر والتنازل عن القوة وليس عن الحق والحرية واحتضان المشارك لنا في الهوية والإنسانية.
فما معنى أن يتساءل فيلسوف عربي اليوم عن ماهية السياسي وطبيعة الحكم الصالح وينادي بضرورة الاحتكام الى العقلانية التواصلية والديمقراطية التوافقية في السياسة العربية والتخلص من السياسوية والذرائعية الأنانوية الضيقة بينما يرافق كل سياسي منجم ويقف عراف وراء كل زعيم طائفة يقرأ له الحظ ويميز له بين أيام السعادة وأيام النحس ؟ فمتى يحكم رجال السياسة ضمائرهم في قراراتهم ويهتدون بالحكمة والعقلانية ويضعون مصير أوطانهم نصب أعينهم ويجنحون الى التفاهم والصلح ويبتعدون عن الخلاف والعداوة؟ وأليس الوقت مناسبا لكي نلعن اللاعقلانية ونلطم السياسوية حتى يعود الناس الى رشدهم وتتجه كل ممارسة إنسانية نحو مقاصدها الحقيقية ؟ ألا يجب أن يعمل القرار العربي على" تقوية نفسه في مراكز الضعف" كما يقول ميكيافيلي"؟
* كاتب فلسفي
- التفاصيل
- كتب بواسطة: أحمد دعدوش
- الزيارات: 2
القومية العربية.. إلى أين؟
أحمد دعدوش
كما كان متوقعا، فقد أعلنت القمة العربية العشرون بيانها الختامي دون أي مفاجآت، وطويت صفحتها لتضاف إلى صفحات تاريخ العرب المعاصر المليء بالانتكاسات. إلا أن الظروف التي جرت فيها هذه القمة بما في ذلك توقيتها ومكان انعقادها، أدت بمجموعها إلى عدّها نقطة فاصلة في هذا التاريخ المأسوف عليه. فقد شاءت الحكمة الإلهية أن يقع الدور على سورية حسب ترتيبها الأبجدي بين الدول العربية لتستضيف قمة العرب عام 2008، وكأن إرادة الله أبت إلا أن تضع الحكام العرب جميعا في اختبار محرج لمواقفهم، ولتكشف لعامة الناس وبسطائهم حقيقة نوايا وولاءات حكامهم، وذلك بمعيار في غاية الوضوح، إذ ليس هناك ما هو أبسط من اكتشاف درجة تمثيل الحكام في هذه القمة، فضلا عن قرارهم بالمشاركة من عدمها!
اتضح الآن لرجل الشارع الذي حُرّم عليه فهم السياسة من قبل، أن الحكام العرب قد انقسموا إلى فريقين، أما الأول، فقد اختار لنفسه اسم "الاعتدال"، مجاهراً بولائه للغرب عموما وللولايات المتحدة خصوصاً، ومعلناً براءته من الحركات الإسلامية والقومية، ومتخذا لنفسه نهجا يدعي أنه ليبرالي. وأما الثاني، فهو المتشبث بما تبقى مما كان يسمى بـ"المقاومة"، وهو يجاهر في المقابل بولائه لإيران، أو بعدم عدائه لها على الأقلـ، وببراءته من العولمة وقطبها الأوحد، متمسكاً بنهجه القومي ـ بعد ما طرأ عليه من تعديلات ـ أو بتوجهه الإسلامي، بما فيه من تشعبات.
هذا الانقسام ليس جديدا بطبيعة الحال، فقد وُلد منذ ولادة ما يسمى بالدول العربية، والتي رسم حدودها كل من سايكس وبيكو على الخريطة قبيل انسحاب الأوربيين من المنطقة، وبعد أن اطمأن كل منهما على نجاح اقتسامهما للكعكة العثمانية، والإغداق على العرب بنعمة الاستقلال من "الاحتلال" الإسلامي العثماني.
انقسم العرب بمجرد خروج السيد الأبيض، ولم تنجح الطلائع الديمقراطية التي حاولت بكل إخلاص وسذاجة نقل تجربة الغرب العريقة في هذا المجال وكأنها سلعة مستوردة، لتبدأ مرحلة طويلة من الانقلابات والقلاقل، إلى أن استقر الأمر أخيرا على الصورة المألوفة للعالم العربي، والتي اعتاد على مشاهدتها رجل الشارع طوال عقود في نشرات أخبار التلفزيون الوطني، إذ لم يكن استقلالا كما هو مُعلن، بل تبعية مقنّعة لأحد قطبي العالم الشيوعي والرأسمالي، ولكن غريزة حب البقاء كانت تدفع هذا المخلوق البسيط للتصديق بأن العرب كتلة واحدة.
طوال هذه المرحلة، كانت القومية العربية هي الكلمة المفتاحية لكل سياسات هذه الدول، فقد حُذفت كلمة الإسلام من مُعجم المفردات الذي تفرضه السلطة، أو تم نقلها إلى الصفحة الأخيرة. وبهذا فقد حُرم الإسلاميون من المشاركة، وأحيانا من الحق في الحياة. وبحكم التخلف والانحطاط الحضاري الذي استشرى منذ ثلاثة قرون، فقد عجز الإسلاميون عن الدفاع عن أنفسهم ولو نظريا بتقديم مشاريع مُحكمة وقادرة على الإقناع فضلا عن التطبيق.
وتحوّلت رسالة الإسلام لدى الكثير منهم من رسالة إنسانية عالمية إلى مشروع شخصي، ومن وسيلة هداية ورحمة إلى مجرد نظام أيديولوجي، يوظَّف في المعارك السياسية أو وعد إلهي بالتمكين يستحق الثقة المطلقة، ومن ثم القتال بكل سذاجة أو حتى التضحية بالنفس إذا استلزم الأمر.
في البداية، أخفقت "إسرائيل" في تفريق العرب، بل كانت عامل وحدة غير مقصودة، فاجتمعوا على حربها صفا واحدا، في وقت لم يكن يجرؤ فيه أحد على خرق الإجماع على وصفها بالعدو، بينما لم تكن هناك أي مشكلة في الالتفاف على هذا الإجماع بوصف رعاتها أصدقاءً وحلفاء.
خرجوا إلى الحرب بأحلام عريضة وخطابات رنانة، فوجدوا عدوا يقاتل باستماتة من أجل "حق" يظن أنه قد سُلب منه ثلاثين قرناً. وفي الحرب التالية، رفعوا شعار التكبير فاستعادوا شيئا من حقوقهم، ولكنهم أدركوا مجددا أن طريق النصر أكثر وعورة مما تخيلوا. وبدأت مرحلة جديدة من تاريخهم، أسماها البعض فيما بعد "نكسة"، ولكن النكسة لم تتبعها نهضة، فسماها رجل الشارع "هزيمة"، ثم دخلت في اللاشعور تحت مسمى "انهزامية".
أما تلك الوحدة الشكلية، فلم تدم طويلا، فبعد أن خسر الجميع المعركة، قرر السادات أن ينهض على طريقته، فأعلن عن فتح صفحة جديدة، وذهب وحيداً إلى القدس ليصافح قادة "إسرائيل"، وليفتح سفارة "إسرائيلية" في وسط القاهرة، ثم ليستعيض بالمساعدات الأمريكية عن المقاطعة العربية الهزيلة.
منذ ذلك الحين، خفتت روح المقاومة شيئا فشيئا، ووجد الفلسطينيون أنفسهم وحيدين على أرض المعركة فلم يجدوا بدا من الانتفاضة، وانشغل العرب بخطط التنمية الفاشلة، فوقع بعضهم أسرى الديون للبنوك والحكومات الغربية، وارتمى البعض الآخر في أحضان الاتحاد السوفييتي الذي انتهز فرصة النفاذ إلى قلب المنطقة. أما الخليج النفطي فلم يكن شيئا يقلقه أكثر من عيون الحاسدين، فرفع أسواره عاليا، وانكفأ على نفسه متخذا لنفسه أشد أنواع الحيطة من "أشقائه" المتربصين.
انتهز "الأصدقاء" على الطرف الآخر من الأرض هذه الفرصة، فسمحوا للخميني بالعودة من منفاه وإعلان الثورة الشيعية على ضفاف الخليج الملتهب، إذ لا شك في أن إحلال سلطة دينية متعصبة في وسط طائفي أفضل من الإبقاء على الشاه العلماني، فكانت النتيجة أكثر جدوى مما توقعوا، وأعلن كسنجر أن حرب الخليج الأولى هي "الحرب الوحيدة التي لا يتمنى النصر فيها لأحد"، فالكل هنا أعداء، والكل مستعد للقتال أو "الجهاد" ثمانية سنوات أو أكثر.
على المستوى الشعبي، بلغ الانقسام درجة غير مسبوقة، فتحول الخلاف من السياسة والأيديولوجيا إلى الانتماء الديني، وصعدت السلفية السنية التي وسّعت دائرة حربها التكفيرية ضد القوميين والاشتراكيين لتشمل الروافض والباطنيين والشيعة، وحذرت من فتنة ابن سبأ الجديدة، حتى وصل العنف بين الطرفين إلى شوارع مكة المكرمة.
وظّف الحكام الخليجيون هذه العاطفة الدينية لدعم صدّام العربي السني بالرغم من علمانيته الفجة ضد الخميني المتدين الشيعي، خوفا من انتشار روح الثورة الإسلامية، فأيدت الشعوب هذه الحرب، واقتنعت بأن الخميني الرافضي أشد كفراً من صدام العلماني.
خرج العرب منتصرون، وفرحوا بتوحد موقفهم مجددا ضد العدو الجديد، ولكن صدّام المنتشي بنصره في "قادسية صدام"، لم يلبث أن وجه سلاحه إلى حلفائه، فدخل الكويت "فاتحا"، معلنا أن طريقه إلى "إسرائيل" يبدأ من الكويت. وكانت مرحلة فاصلة بكل معنى الكلمة، إذ أصبحت الفرقة بين العرب أشد وضوحا وأكثر جرأة، فأعلن البعض انحيازه إلى صدام، واختار البقية الانضمام إلى جيوش عاصفة الصحراء بقيادة أمريكية!
وسرعان ما تحولت الدعاية في الإعلام الخليجي إلى النقيض، فلم يعد صدام العربي السني حليفاً كما كان بالأمس في حربه ضد "الكفر" الباطني، بل هو اليوم نموذج لـ"الكفر" البعثي القومي العلماني، فأيدت الشعوب الحرب من جديد، وأُعلن الجهاد ضد الكفر تحت راية "الأصدقاء" القادمين من الغرب.
في الوقت نفسه، سقطت الشيوعية من تلقاء نفسها، ووجد الاشتراكيون العرب أنفسهم في مهب الريح. استسلم صدام، وسقطت شعارات عبد الناصر، وحوصرت سورية وليبيا، أما عرب الخليج فاحتفلوا بالنصر على الخميني وصدام، وانطلقت الألسنة والأقلام بالشتائم ضد القوميين العرب، وبدؤوا بمساءلتهم عن كل ما وقعت فيه المنطقة من أزمات وتخلف.
أدرك العرب حينئذ فشلهم الذريع في الوحدة، وحاولت الأبحاث الإستراتيجية والأكاديمية التأكيد على استحالة قيام الوحدة بعد اليوم، وأن البراجماتية تستلزم البحث عن بديل واقعي قابل للتطبيق والاستمرار، فكل ما يمكن البحث فيه اليوم هو السعي لإيجاد صيغة للتعاون القطري بين الدول العربية المشتتة. أما القضية الفلسطينية التي كانت بمثابة الرمق الأخير للوحدة العربية، فقد وجد أصحابها المعنيون أنفسهم في العراء، وتحولت من قضية للعرب والمسلمين عامة إلى مسألة حياة أو موت لدول المواجهة فقط، فبدأ كل منهم التحرك على طريقته، فانضم الأردن إلى مصر في التطبيع، ثم لحقت به موريتانيا، وتمسكت سورية بموقفها مع دخولها مسلسل مفاوضات السلام، وظل لبنان تابعا للموقف السوري.
أما الفلسطينيون، فانقسموا كغيرهم من العرب إلى فريقين، إذ تخلت فتح عن المقاومة بمباركة الحكام العرب الذين وجدوه خيارا مريحا، وذهب رمزها عرفات إلى الولايات المتحدة وأوسلو مصافحا قادة "إسرائيل" بابتسامة عريضة، واحتفل بزواجه من مستشارته الشابة بعد عقود من الرهبنة، أما حماس فانكفأت في غزة واختارت المقاومة لوحدها، دون أن تتوقع شيئا من الدعم الشعبي العربي العريض الذي لم يتجاوز حدود الكلام.
أما في الخليج العربي، فقد انقسم الشعب نفسه إلى قسمين، إذ تركت هزيمة كل من الثورة الإسلامية والقومية العربية- تحت راية الغرب- في المجتمع بذورا سريعة النمو للتيار الليبرالي، فبدأت تنمو في الظل، وتزامن ذلك مع يقظة سلفيي الخليج- أو ما كان يسمى بجيل الصحوة- لإدراك حجم الأزمة التي وقعت بها المنطقة، إذ لاحظوا تضخم الديون التي أُجبرت الشعوب على تحمّلها ودخول مرحلة التقشف، وآلمهم على نحو أكبر تحوّل بلادهم المقدسة إلى قواعد عسكرية للأمريكيين، فبدأت روح التمرد فيهم بالظهور، ووضعت حكوماتهم قدمها على طريق الاستبداد الذي انتقدته من قبل في الحكومات القومية، فاعتقلت بعض الرموز للتأديب، وفضلت في الوقت نفسه عدم الصدام مع الشعب فسمحت للسلفية بإحكام السيطرة على الإعلام والتربية طوال عقد التسعينيات دون منازع.
في الوقت نفسه، عاد العرب الأفغان إلى بلادهم منتشين بالنصر على إحدى أقوى دول العالم، وفي قلوب الكثيرين منهم رغبة عارمة في العودة إلى الجهاد. فضُيّق على البعض وطُرد البعض الآخر من بلادهم ليلجؤوا إلى أفغانستان مجدداً، وليعلنوا قيام أول "دولة إسلامية سنية" في العصر الحديث تحت راية "أمير المؤمنين" الملا عمر، ثم لم يلبثوا أن أعلنوا الجهاد على جميع الأعداء، بدءا من الغرب الرأسمالي المسيحي حكومةً وشعباً، حتى المسلمين منهم لاشتراكهم بتمويل الحروب ضد الإسلام عن طريق الضرائب، ومرورا بالسلطات العربية المتواطئة، وانتهاء بعامة المسلمين الذين يُصادف وجودُهم تفجيرَ إحدى مرافق العدو على أرضهم.
ودخل العرب مرحلة جديدة من الصراع، كان الغرب فيها بأمس الحاجة إلى البحث عن عدو جديد بعد سقوط الشيوعية، فبعد أن نسي العالم أمة اسمها العرب، اعتادت على النوم اللذيذ خلف أسوار مجتمعاتها القبلية المنغلقة طوال عقود، استيقظ العرب من سباتهم على أجهزة الإنذار التي أطلقتها القوة الأمريكية المحتشدة على أسوارهم، ووجدوا أنفسهم فجأة أبطال الإعلام العالمي الذي بدأ بالتدخل في أدق شؤونهم الخاصة.
وفي الحادي عشر من سبتمبر عام 2001 ترسخ الانقسام على أشده بين العرب، فأعلن القطب الأوحد أن من لم يقف معه فهو ضده، وبات من الضروري إعلان الولاء الصريح دون مواربة. فخرج الحكام العرب عن صمتهم، ووجد السلفيون أنفسهم يحاربون في العراء، إذ حمّلتهم شعوبهم مسؤولية نبذ العالم للعرب والمسلمين، فتخلت عنهم السلطة بعد أن اتكأت عليهم في الماضي لاستقطاب الرأي العام، وصعدت للمرة الأولى في السعودية ـ على وجه الخصوص ـ أصوات الليبرالية، فاصطبغ الإعلام بلون الليبرالية السافر، وانقسم الشعب بين ليبرالي صاعد مفعم بالنشاط ومثقل بالكراهية والحقد، وبين سلفي محبط عاجز عن مجاراة العصر واستقطاب التأييد الشعبي، أما الوسطية ـ أو الإسلامية المعتدلة ـ فلم تُحقق ما كان يُرجى لها من تأييد كبديل عن التزمت السلفي.
بالتزامن مع هذه التحولات، كان اليمين المتطرف الإنجيلي في أمريكا يخطط للحرب الشاملة قبل أن يتذرع بهجمات القاعدة، فأزاح "الدولة الإسلامية" في أفغانستان، وأحل فيها حكومة علمانية، ثم أعلن الحرب على العراق غير آبه باعتراض العالم، وصُعق العرب مجددا بما لم يكن في الحسبان، وسقطت آخر أوهام الصداقة مع الغرب، وتجسد صراع الحضارات على أرض الواقع مع القبض على صدام الذي كان صديقا للأمريكيين في ما مضى ثم إعدامه، وأدرك الحكام العرب أن الخيارات باتت محصورة بين اثنين: إما المقاومة التي تؤدي إلى حبل المشنقة، أو التسليم بكل الشروط دون اعتراض. فوقع الاختيار على الثاني بكل بساطة، مع بعض الاختلاف في درجة الوضوح والتعبير.
بعد وقوع بغداد في يد الاحتلال، وجد العرب أنفسهم أمام مرحلة جديدة من الصراع، فقد خسر الإصلاحيون في إيران، وسقطت معهم محاولات خاتمي المستميتة للحوار مع الغرب، فصعد المحافظون بعنترياتهم النجادية، وفاجؤوا العرب بنهوض قوة إقليمية عظمى، تمتلك صناعة ثقيلة وسلاحا متقدما وبرنامجا نوويا، فضلا عن كل مقومات النهوض كأمة متماسكة كما كان عليه الحال منذ آلاف السنين. ولم تُفلح الأخوة الإسلامية في رأب الصدع، بل تحولت العراق إلى ساحة صراع بين الفرس والعرب، أو بين النواصب والروافض، أو بين الصفويين والعثمانيين (!)..
وتخلف الوعي الإستراتيجي لدى الجميع عقودا إلى الوراء، بعد أن كان "الأشقاء" قادرين على التوحد ضد عدوهم "إسرائيل" في الستينيات، ليعجزوا اليوم عن التوحد ضد المحتل الأمريكي، بل ويتسابقوا إلى التواطؤ معه.
فبعد أن فشل الأمريكيون بكل المقاييس في إنجاز أي نجاح واقعي بعد سقوط صدام، أدركوا أن وسيلتهم الوحيدة للتحكم بالمنطقة هي إذكاء روح الطائفية من جديد، واكتشف القوميون من جديد فشلهم في إحلال الروح العلمانية والاشتراكية في الوعي العربي - الإسلامي، وأن عقودا طويلة من القمع والتربية والإعلام الموجه لم تلفح في القضاء على الروح العشائرية والطائفية في نفوس الناس، فاستبدل الأمريكيون بحكومة علاوي العلمانية حكوماتٍ طائفية، كما استبدلوا من قبل بالشاه ثورة الخميني الشيعية، وحرضوا الكرد على بعث قوميتهم النائمة ضد قوميات الترك والعرب والفرس للمزيد من التقسيم والتهييج، واختفت أسماء أقطاب المعارضة العراقية العلمانية السابقة التي توقع الجميع أن تستأثر بتركة صدام، مع أنها دخلت جميعا على دبابات أمريكية، وعاد العراق ليصفي حسابات القرن الهجري الأول.
بالرغم من كل هذه الإنجازات، فقد أدرك الغرب أن ثمة روح للمقاومة ما زالت حية في المنطقة، فكانت حادثة اغتيال الحريري، وما تلاها من اغتيالات وثورات شعبية في لبنان، فتحول الاهتمام العربي على الفور من دارفور والصومال والعراق وفلسطين إلى هذا البلد الصغير، وأصبح "الاحتلال" السوري له أخطر بكثير من أي قضية أخرى، فأجبر السوريون على الانسحاب العسكري والسياسي، وخرج سمير جعجع من السجن قبل أن تنتهي مدة حبسه التي أقرها القضاء اللبناني، وعاد ميشيل عون من المنفى في باريس، بينما قرر سعد الحريري التحرك دون مغادرة باريس، وسقطت حكومة الحص، وضُيق على لحود حتى لم يعد يُسمع صوته، وتكرر مشهد الانقسام بين فريقي موالاة لسورية ومعارضة لها، حتى ربحت المعارضة معركة الوصول إلى السلطة مع تصعيد التدخل الخارجي.
ثم جاءت حرب تموز عام 26، وهاجمت "إسرائيل" لبنان تحت ذريعة تحرير جنديين تم أسرهما على الحدود اللبنانية، ولم يشك أحد في أن الهدف هو القضاء على الرمق الأخير للمقاومة، ممثلة بالحزب الشيعي "حزب الله"، فأمعن العرب في الانقسام، وأظهرت بعض الشعوب العربية تأييدها للمقاومة، حتى تشيّع البعض حباً لها. بينما رأى السلفيون في الأمر خدعة، وتمويهًا لخطة إيرانية صفوية تسعى لتشييع المنطقة وصرفِ الأنظار عن مشروعها النووي، فبالرغم من أنها الحرب الإسلامية الأولى ضد "إسرائيل" والتي لم تُرفع فيها شعارات القومية العربية ولا غيرها من القوميات، وبالرغم مما حققته من هزيمة نفسية للجيش والشعب "الإسرائيليين"، إلا أن الإسلاميين السلفيين لم يجدوا فيها إلا لعبة مجوسية باطنية.
ومع خروج الرئيس اللبناني إميل لحود من قصر الرئاسة وترك كرسيه شاغرا في نهاية عام 2007، اكتشف العرب أنه لم تعد هناك أي جدوى من التمويه والتظاهر، فقد أصبحت الولاءات مكشوفة، وبات من الممكن للغرب و"الإسرائيليين" التحدث بصوت عال عن أصدقائهم وحلفائهم، بل وعن مخططاتهم الاستراتيجية لاحتواء المنطقة دون تورية.
الإعلام الليبرالي ـ الخليجي واللبناني على الأخص ـ يجاهر اليوم بشتم القومية العربية، ويسمي أصحابها بالقومجيين إمعانا في الإهانة، ثم يضع معه الإسلاميين في سلة واحدة، من شيعة وسلفية ووسطية، ويتباهى بالطفرة الاقتصادية التي حققتها عائدات الفائض النفطي والودائع الخليجية الهاربة من التضييق الأمريكي بعد الحادي عشر من سبتمبر، مع أنها قاصرة في معظمها على بناء المجمعات السكنية والفنادق وناطحات السحاب، مفاخرا بأنه قد حقق ما عجز عنه "القومجيون" والإسلاميون.
ولم يعد ـ والحال هذه ـ من المعيب الحديث عن انقسام "الوطن العربي" إلى فريقين واضحين، أما الأول فسُمي بدول "الاعتدال"، لأنه اختار طريق "الحوار" مع الغرب والتخلي عن المقاومة التي أصبحت من الماضي، وينضم إليه شعبيا وإعلاميا الموارنة في لبنان بنفوذهم الإعلامي، وبعض السنة بحكم الخوف على هويتهم من الامتداد الشيعي، والكثير من السلفية بدافع العداء المعلن للشيعة. وأما الثاني فهو ما يسمى بفريق "المقاومة" والذي لم تبق فيه إلا سورية كتوجه معلن، وليبيا مع بعض التردد خصوصا بعد أن أعلن زعيمها فشل مشروعه للوحدة الذي تمسك به طويلا وتوجهه صوب أفريقيا، كما يضم هذا الفريق الحركات الإسلامية الوسطية والأحزاب الاشتراكية وحزب الله وحماس.
وبين الفريقين قوى يصعب ضمها، فالشيعة في العراق موالون للغرب في حربهم مع السنة، ومعادون للاحتلال في الوقت نفسه، والإسلاميون الوسطيون موالون للقوميين العرب في المقاومة ضد الغرب والصهيونية، ومعادون للقومية والعلمانية في الوقت نفسه أيضا.
إلا أن ولاء الشعوب العربية على اختلاف أطيافها يظل أبسط من هذه التعقيدات، فبالرغم من الموقف المناهض للاستبداد الداخلي من قبل السلطات العربية، إلا أن العادة جرت على تعاطف الشعب مع قيادته في سياسته الخارجية، وخصوصا عندما لا يفرّق التهديدُ الخارجي بين السلطة والشعب.
لقد نجح الدعاة الإسلاميون الوسطيون في هذه المرحلة بسحب البساط جزئيا من تحت أقدام السلفية، خصوصا مع تصاعد مشاعر الكراهية ضد التزمت والتطرف، ولعب الدعاة الجدد دورا واضحا في استقطاب الرأي العام مع تزايد الوعي الجماهيري وانفتاحه على العالم في عصر الفضائيات والإنترنت، فتحولت دعوتهم إلى حركة إصلاح اجتماعية واقتصادية وعلمية شاملة. وعلى الجانب الآخر، ومع تزايد مشاعر النفور نفسها من التزمت السلفي، وانفتاح المجتمعات العربية- والخليجية على الأخص- على الحياة الغربية أكثر من ذي قبل، وجد الليبراليون سوقا رائجة في الإعلام، فنادوا بعدم الصمت عن عورات المجتمع- بدلا من إصلاحها- وخلع الكثير من النساء الخليجيات الحجاب، وظهر الإلحاد والشذوذ والإباحية على السطح، وتغيرت الكثير من المفاهيم.
ولكي يحقق وعوده بالحرية والانفتاح، دعا الإعلام الليبرالي إلى ضرورة تحرير الإعلام من قبضة وزارات الإعلام "القومجية"، فأُعلن عن تحويل الإعلام من إرشاد قومي يخضع للرقابة والتوجيه إلى لعبة تتحرك وفقاً لآلية السوق، بينما لم يكن خروج الإعلام من سيطرة الوزارات الرسمية إلا تمويهًا، فالفضائيات والصحف السياسية والإخبارية تُمول كليا من قبل حكومات عربية مختلفة، أما آلية السوق فقد تُركت للإعلام الترفيهي، مع أن هذا الأخير نفسه يتحرك في بعض الحالات وفقاً لترتيبات سياسية معينة، وانتشر العري من شاشات السينما التي كانت في الماضي حبيسة جدران دور العرض ليدخل البيوت ويصل إلى الصغار قبل الكبار دون أدنى محاسبة.
وعلى الصعيد العملي، يلعب هذا الإعلام الليبرالي دور الشرطي الرقيب على أي فكر قومي أو إسلامي لينعته بالتخلف، تماما كما فعل القوميون الاشتراكيون في الماضي عندما وصموا الإسلاميين والليبراليين بالرجعية.
أما العدو الوحيد في نظر هذا الإعلام فلم يعد الغرب، ولا الصهيونية العالمية، ولا حتى المسيحية- اليهودية وصنيعتها "إسرائيل"، بل هو الحلف القائم بطريقة أو بأخرى بين إيران الصفوية والقومجيين العرب والإسلاميين بكافة أطيافهم وطوائفهم. والوسائل المتبعة في هذا الإعلام لتحقيق غاياته تتنوع بين السخرية اللاذعة من أي صوت يفكر في التذكير بأن الغرب ما زال عدواً، ووصمه على الفور بوقوعه ضحية "نظرية المؤامرة" التي تعطل عقله عن التفكير، وتذكير الجميع بأن المشكلة ليست في الغرب أو الصهيونية بل في العرب والمسلمين أنفسهم، وصولا إلى ترسيخ الشعور باليأس التام من عدم جدوى أي محاولة للإصلاح.. إلا في حال السير على خطا الغرب، هذا إلى جانب التطبيع مع الثقافة الغربية في الذوق والأخلاق والعلاقات الجنسية، وكسر الحاجز النفسي الذي يعوق الانحلال الأخلاقي تحت ذريعة الحرية في الحوار وسقوط القداسة عن كل شيء إلا "العقل".
وسط هذا الصراع، يقف رجل الشارع العربي اليوم مثقلا بهموم تجعله عاجزا عن الفهم فضلا عن التحرك، فتداخل الأوراق والولاءات يدفع المثقفين أنفسهم للتخبط في محاولتهم لوضع اليد على الجرح، وتوسع الهوة الفاصلة بين طبقات المجتمع والتضخم السكاني وفشل برامج التنمية أدت بمجموعها إلى تراجع الروح القومية والحس الوطني لدى عامة الناس، حتى بات تأمين لقمة العيش هو الهمّ الأول للشباب الفلسطيني نفسه- سواء في مخيمات الشتات التي تحولت إلى أحياء كاملة أو في فلسطين نفسها- فضلا عن بقية الشباب العرب، ولم تعد "إسرائيل" تخشى مظاهرات الملايين في العواصم العربية منددة بالمجازر إبان الانتفاضة الثانية، كما لم تعد أخبار لقاءات عباس بشارون وأولمرت تلفت الانتباه بعد مضي سنوات قليلة فقط على اللقاء التاريخي بين عرفات ورابين.
لقد خسرت الوحدة العربية كامل مصداقيتها في الشارع العربي، بل أصبحت وصمة عار يلاحقها الإعلام الليبرالي للتندّر، وموضوعا جيدا للسخرية في الأعمال الكوميدية بكافة انتماءاتها السياسية، فبعد أن دعت
القمة العربية عام 1964 إلى تحويل مياه نهر الأردن لمنع "إسرائيل" من الشرب، أصبح القادة العرب في قمم اليوم يتوسلون إلى إسرائيل لتقبل مبادرتهم بالسلام والتطبيع الكامل، بل أصبحت هذه القمم معرضا لتبادل الشتائم بين القادة أنفسهم.
لقد تمكن الصهاينة خلال قرن واحد من تحقيق حلمهم الذي كان أشبه بالخيال، فتحالفوا مع الجميع، حتى مع الشيطان، وأقاموا الأحلاف والعلاقات واشتروا الضمائر ليستصدروا قرارا من الأمم المتحدة بتأسيس دولتهم، ثم أحيوا لغتهم العبرية المنقرضة وجعلوها لغة محكية في القرن العشرين، وزوروا التاريخ وأخرجوا أساطير التوراة التي لا يؤمن الكثير منهم بها ليجعلوا من شتاتهم شعبا وجيشا لدولة عصرية. أما العرب فقد صفقوا لوعود لورنس العرب في تحرير الإنجليز لهم من قبضة العثمانيين المسلمين، وأقاموا دويلاتهم على أساس القومية العربية نكاية بالقومية التركية، ثم انكفؤوا على التاريخ ليبحثوا عن هويتهم لدى الكنعانيين والفينيقيين والفراعنة، وليجعلوا من صلاح الدين الكردي بطلا عربيا.
الصهاينة حددوا عدوهم بوضوح، فصوبوا كل أسلحتهم تجاهه، وأقاموا العلاقات والأحلاف مع كل من يؤيدهم في موقفه من العدو حتى لو اختلفوا معه في أمور أخرى، ولم ينشغلوا بتحديد هويتهم وتاريخهم وصدق ادعائهم بالحق في الأرض لإقناع العالم به. أما العرب فلم ينتهوا بعد من الاتفاق على الهوية، ولا حتى على معايير البحث فيها، ولم يقبلوا بعدُ فكرة الاتفاق فيما بينهم على القضايا المشتركة الكبرى طالما ظل الخلاف قائما على التفاصيل، فالتخلص من العدو الداخلي أولى عندهم من مواجهة العدو الخارجي المشترك لهم جميعا، وعقيدة الولاء والبراء عند السلفيين منهم تستدعي التخلص من القوميين والعلمانيين والروافض قبل أي شيء آخر، مما يعني حتمية انتظار حلّ هذه المشاكل الداخلية- التي لم تزدد إلا تضخماً- قبل البحث عن حل للقضايا المصيرية التي تهم الجميع.
القومية العربية التي تأسست عليها هذه الدول كلها، أصبحت اليوم محل سخرية، وشعوبُ المنطقة لم تعد مهتمة كما في الماضي بهويتها القومية قدر اهتمامها بلقمة العيش، أما الانتماء الفكري فبات مقصورا على خيارين: إما الإسلامية بكافة أطيافها وبما تمتلكه من مقومات النهوض والحماس، وإحياء روح الكرامة المفقودة وموافقة الفطرة الإنسانية في التدين، وإما الليبرالية بما تملكه من زخم إعلامي ودعم غربي ومظاهر مغرية بالحرية والإباحية الأخلاقية، وعلى القوميين الآن إعادة حساباتهم في عالم بات العمل فيه يتحقق بسرعة الخاطرة نفسها، كما يقول بيل غيتس.
- التفاصيل
- كتب بواسطة: ثامر الزغلامي
- الزيارات: 4
في الذكرى الستين لقيام دولة اسرائيل حملنا الخيال الصحفي الغربي في رحلة اسطورية مع اليهود المضطهدين على متن سفينة -الرحيل – في اتجاه ارض الميعاد من خلال اشرطة وثائقية تحكي القصة من البداية ....
رحلة صاغها الصحفيون الغربيون بمهنية عالية و تقنية دقيقة و خيال خلاق حتى تخال و انت العارف بحقيقة الاحداث انك اخطات كثيرا في ظلم اليهود الذين تكبدوا المشاق و عبروا البحار وصولا الى ارضهم الموعودة .
ان المتتبع للبرامج الوثائقية التي عرضت بهذه المناسبة على القنوات الفرنسية يدرك حجم المشروع الاعلامي الصهيوني الذي نجحت اسرائيل في تسويقه وفق فكرة مركزية تقوم على فضاعة الجرائم المرتكبة في حق يهود اوروبا و رومنسية الرحلة التي قادتهم الى فلسطين حيث قامت دولة اسرائيل .
ادركت بعد متابعة هذا السرد الصحفي على الشاشات الغربية اننا مجندون متاخرون بمعارك كثيرة في صراع اعلامي ادارته اسرائيل بحرفية عالية , فاسرت العالم بقصة خبرية تحكي ملحمة اليهودي الذي استمات في الدفاع عن حقه في البقاء .
قصة مقنعة تفاعل معها الغرب و اضاف الى عناصرها وسائل الابهار و الاشهار تكفيرا عن الاخطاء التي ارتكبها و درء للعار الذي لحق حضارته الصاعدة التي اضطهدت اليهود .
في حين بقي المشروع الاعلامي العربي يتخبط بين التكذيب السطحي احيانا و الدعاية الفارغة احيانا اخرى ففشل في تسويق قصته و لفت انظار العالم لها على موضوعيتها و صدقيتها .
لقد فشلنا حقا في طرح مشروع اعلامي بديل يثبت حجم ماساة المهجرين و جرائم الهاجانا و الشتيرن في كفر قاسم و دير ياسين .... فشلنا في الترويج لمستوى الاحترام و التعايش السلمي و التبجيل الذي حظي به اليهود على مر العصور في بلداننا العربية.... فشلنا ايضا في اثبات مسؤولية الغرب المتحضر في محرقة اليهود و التنكيل بهم .
فشل تزامن مع نجاح باهر لالة اعلامية غربية استطاعت تغيير وجهة الاحداث من معسكرات الابادة الجماعية في المانيا الى حقول الزيتون في فلسطين .
- التفاصيل
- كتب بواسطة: خليل مزهرالغالبي
- الزيارات: 3
|
أنسنة الاقتصاد وإيقاف الجوع البشري | ||||||
| ||||||
|
- التفاصيل
- كتب بواسطة: زهير الخويلدي
- الزيارات: 2
تأييد جيل دولوز لحق الفلسطينيين في الوجود
زهير الخويلدي
" أبدا لن يقدر الاسرائليين أن يدفعوا الفلسطينيين أبعد أو يقذفوا بهم الى الليل، الى النسيان"
جيل دولوز
مواقف بعض الفلاسفة الموالية لأوطانهم والمنتصرة لبعض الأنظمة الشمولية على حساب القضايا العادلة وبالتصادم مع المبادئ الكونية الانسانية مشهورة ومعروفة ولا تحتاج الى تعليق وذلك لخضوعهم الى عقدة التفوق العرقي والتمركز على الذات ولنا في قصة ماركس مع الاستعمار الفرنسي في الجزائر والاستعمار الانجليزي في الهند الذي اعتبره نوع من التنوير ومساعدة على التحديث وكذلك حادثة هيدجر مع الحكم النازي خير مثال. ولكن مواقف فلاسفة آخرين وكتاب وفنانين ورجال سياسة وقانون كانت مشرفة وجديرة بالاحترام وضد التمييز العنصري وضد الشمولية والاستعمار وهي ما يجب التوقف عنده وقراءتها بتمعن خاصة وأنها جاءت على حساب المصالح القومية لأوطانهم وضد مجرى الرأي العام الغربي ولنا في بعض مثقفي الولايات المتحدة الأمريكية أثناء حربها على الفيتنام وفي روجي غارودي وتكذيبها لحجم المحرقة وتفكيكه أساطير الصهيونية وفي نعوم شومسكي أثناء عدوانها على العراق أحسن برهان قاطع على صدقية هؤلاء الأحرار. ولعل فيلسوف الاختلاف الفرنسي جيل دولوز أحد منظري فكر1968 الى جانب ميشيل فوكو هو واحد من الذين ناصروا القضايا العادلة في العالم ودافعوا على حقوق الشعوب وحريتها في تقرير مصيرها حتى وان تناقض ذلك مع الموقف الرسمي للنظام السياسي القائم في بلده. إذ تمثل مناصرته لقيام دولة فلسطينية وإعجابه الكبير بالانتفاضة الأولى والمنزع السلمي الكوني أمرا ملفتا للانتباه ومشجعا على قيمة الشخصيات الفلسفية وتأثيرها على مجرى الأحداث التاريخية وهو ما ينبغي الإشادة به والاعتبار منه خاصة هذه الأيام بعد تحول الحوار بين الشرق والغرب الى لغة التهديد والوعيد وحلت لغة العسكر والسلاح والحرب محل لغة التواصل والتفاهم والحكمة، فما الذي دفع فيلسوف غربي مثل دولوز الى مناصرة القضية الفلسطينية في ظل ثقافة اخترقتها الدعاية الصهيونية؟ أليس المبادئ الكونية التي تناضل من أجل الانتفاضة الفلسطينية الأولى والوسائل المشروعة التي اعتمدتها وكسبها التعاطف الدولي خير مثال على نزاهتها؟ لماذا فقدت النخب الفلسطينية البوصلة وتقلص التعاطف الفكري والإعلامي معهم؟ أليس ذلك ناتج عن تخليهم عن مطالبتهم البسيطة في حق الحياة والأمن والتعلم والصحة والاعتراف الدولي بهم ككيان قائم الذات؟
من الواضح أن النص الذي كتبه دولوز حول أطفال الانتفاضة فيه انبهار كبير بالملحمة السلمية التي خطها المناضلين دون ضجيج وفي صمت مع مجموعة من الأشبال الذين أرادوا لوطنهم فلسطين أن يكون حرا ولكن الأمور بعد ذلك جرت بما لا يرغب أحد وحب التسلط فاق كل تقدير وفوت الأبناء في ما كسبه الآباء بعرق الجبين فهل يستوعب قادة الكفاح الفلسطيني هذا الدرس الرائع الذي قدمه جيل دولوز في هذا النص الشهير الذي ترجمته على ما أظن مجلة الكرمل بعنوان:"حيثما يستطيعون رؤيتها" والذي عثرت عليه بالصدفة بعد أن خلت أنني فقدته.
يقول جيل دولوز:
"لم تشرع أوروبا بتسديد الدين اللامتناهي الذي تدين به لليهود وانما جعلت شعبا آخر بريئا –الفلسطينيين- يسدده عنها. لقد بنى الصهاينة دولة إسرائيل بالماضي الحديث لعذابهم وعلى الرعب الأوروبي المتعذر على النسيان- ولكن كذلك على معاناة هذا الشعب الآخر وبأحجار هذا الشعب الآخر. لقد سمي "الأرغون" إرهابا لا لأنه كان يفجر مراكز القيادة الأنكليزية العامة فحسب وانما لأنه كان يدمر قرى كاملة ويزيل "دير ياسين" من الوجود أيضا. صنع الأمريكان منها إسرائيل صناعة كبرى على الطريقة الهوليودية: كانوا يعتبرون أن دولة إسرائيل ستقوم على أرض خالية تنتظر منذ زمن بعيد الشعب العبري العريق مع أشباح بعض العرب الآتين من أماكن أخرى حرسا للأحجار النائمة. كانوا يقذفون بالفلسطينيين الى النسيان. يأمرونهم بالاعتراف قانونا بدولة إسرائيل، في حين لا يكف الإسرائيليون عن أن ينكروا على الشعب الفلسطيني واقعه المشخص. وحده خاض الشعب الفلسطيني حربا لم تنته الى الآن ليدافع عن أرضه عن أحجاره وعن حياته: هذه الحرب التي لا يتحدث أحد عنها لفرط ما يهم الإيهام بأن الفلسطينيين هم عرب آتون من أماكن أخرى ويمكنهم الرجوع إليها. فمن يفصل بين جميع هذه الأردنيات؟ ومن سيقول لهم ان الوشائج بين فلسطيني وعربي آخر يمكن أن تكون قوية لكن ليس أكثر ما بين بلدين أوروبيين؟ وأي فلسطيني سينسى ما كبده إياه عرب آخرون الى جانب إسرائيل؟ ما عقدة هذا الدين الجديد؟
مطرودين من أرضهم يقيم الفلسطينيون حيثما يستطيعون مواصلة روايتها على الأقل والاحتفاظ برؤيتها كصلة أخيرة مع كيانهم المغيب في الأحلام. أبدا لن يقدر الاسرائليين أن يدفعوهم أبعد أو يقذفوا بهم الى الليل، الى النسيان.
تدمير القرى، نسف المنازل، طرد السكان واغتيال الأشخاص: كان تاريخ مرعب يبدأ التشكل على حساب أبرياء جدد. يقال ان الاستخبارات الإسرائيلية تستحوذ على إعجاب العالم كله ولكن ماهي هذه الديمقراطية التي تمتزج سياستها بأكثر مما يلزم معه نشاط استخباراتها؟ كيف ستخرج إسرائيل من هذا ومن الأراضي المحتلة ومن مستوطنيها ومستوطناتها ومن حاخاماتها الموتورين؟
احتلال، احتلال الى ما لانهاية له: ان الأحجار المقذوفة لهي آتية من الداخل، آتية من الشعب الفلسطيني للتذكير بأنه في مكان من العالم، مهما كان صغره، قد انقلب الدين. ان ما يقذفه الفلسطينيون هو أحجارهم، الأحجار الحية لبلادهم. ان رجالا يولدون منها. لا أحد يقدر أن يسدد الدين بجرائم القتل،1، 2، 3، 7، 10 يوميا ولا بالتفاهم مع آخرين. ان الآخرين يتخلصون ولكن كل ميت يستدعي أحياء ولقد توغل الفلسطينيون في روح إسرائيل وهم يشتغلون على هذه الروح كشيء يسبر غوره ويخترق كل يوم."
يثبت دولوز في هذا النص رؤية استراتيجية بارعة يحول فيه الصراع بين الاسرائليين والفلسطينيين من تصادم خارجي الى اختراق داخلي لواحد للآخر وينصف فيه الفلسطينيين لأن الغرب أراد أن يكفر عن ذنبه فارتكب حماقة جديدة وساهم في ظلم وتشريد شعبا آخر لا ذنب له وبالتالي فانه حاول أن يصلح خطأ بارتكاب خطأ آخر أشد فظاعة. فهل قدر للفلسطينيين ومن ورائهم العرب أن يتحولوا الى يهود التاريخ أم أن حركة التاريخ نفسه هي التي ستقود الفلسطينيين الى استرداد حقوقهم المشروعة؟
* كاتب فلسفي