- التفاصيل
- كتب بواسطة: محسن الندوي
- الزيارات: 4
رؤية في مشروع تنموي لحقوق الشباب العربي
محسن الندوي*
إنني ابادر برؤيتي الإبداعية التنموية الشبابية في محاولة إيجاد حلول لمشكلات الشباب المختلفة من خلال اقتراح مشروع تنموي على جامعة الدول العربية والذي يمكن تلخيصه في النقط الايجابية التالية :
على المستوى المفاهيمي :
- أدعو جامعة الدول العربية للرفع من سن مرحلة الشباب إلى غاية 35 سنة، بدل 30 سنة، نظرا لان هناك من الشباب من يحرم من المشاركة في المؤتمرات والمنتديات العربية نظرا لان سنه تجاوز 30 سنة في حين أن أفكاره تكون جد ايجابية وتخدم قضايا الشباب العربي.
على المستوى الوطني :
- تأسيس المجلس الأعلى للشباب في مختلف البلاد العربية يهتم المجلس بقضايا الشباب في مختلف مجالات التنمية.
على المستوى العربي :
- تأسيس مجلس عربي للشباب يكون تابعا لجامعة الدول العربية يضم مختلف الشباب من البلاد العربية المختلفة ويجتمع مرة في السنة في كل دولة عربية بالتناوب.
على المستوى الإعلامي :
- إحداث برامج تلفزيونية وقنوات فضائية خاصة بالشباب بحيث تناقش المشاكل الحقيقية للشباب.
- خلق موقع على الانترنت في كل بلد عربي يهتم فقط بالشباب عموما وبالطلبة ومستجداتهم العلمية والعملية خصوصا.
- إحداث موقع على الانترنت يكون تابعا لجامعة الدول العربية يهتم بقضايا كل الشباب العربي عموما، على غرار "صوت الشباب العربي". وينقل للشباب العربي مختلف المؤتمرات والندوات والدراسات والأبحاث والدورات التكوينية والورشات التي تهتم بالشباب.
على المستوى العملي :
- تأهيل وتكوين الشباب خريجي الجامعات لملاءمة تكوينهم مع سوق الشغل.
- دعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة للشباب مادام أن القطاع العام لم يعد يستوعب كل الخريجين من الجامعات في مختلف البلاد العربية.
- تأسيس مؤسسة وطنية في مختلف البلاد العربية تهتم بقضايا الشباب العاطل على وجه الخصوص، بحيث تكون هذه المؤسسة الوطنية الشبابية كبنك وخزان للمعلومات ودلك فيما يتعلق بآخر المستجدات في عالم الشغل، والمباريات المقترحة من قبل مختلف الوزارات، والدورات التكوينية، وغيرها. بحيث تكون هده المؤسسة الوطنية بمثابة صلة وصل بين الشباب عموما والعاطل خصوصا وبين جميع المؤسسات الوزارية ودلك من اجل اطلاعهم على آخر المستجدات التي تهم الشباب والعمل والتعليم وغير دلك.
- تأسيس صندوق عربي يدعم المشاريع الصغرى والمتوسطة للشباب العربي.
- تأسيس صندوق للشباب العربي على مستوى كل دولة عربية يدعم المشاريع الصغرى والمتوسطة للشباب.
- تأسيس صندوق مغاربي يدعم المشاريع الصغرى والمتوسطة للشباب العربي المغاربي.
- تأسيس صندوق خليجي يدعم المشاريع الصغرى والمتوسطة للشباب العربي الخليجي .
على المستوى الحقوقي:
- تأسيس مؤسسة حقوقية أهلية عربية تعنى بالدفاع عن حقوق الشباب العربي وكنت قد اقترحتها في ورشة تدريبية بتونس حول حقوق الإنسان على "مجموعة شباب حقوق الإنسان" العرب واقترحت تسميتها " المنظمة العربية لحقوق الشباب" .
على المستوى الأخلاقي :
- تشجيع الشباب العربي على التنمية الأخلاقية وذلك عن طريق برامج ومناهج دراسية ومعرفية تدعو إلى الجمع بين الأخلاق والعمل الايجابي الدي يفيد المجتمع والاستفادة الدائمة من العلم والتعلم مع التحلي بمبدأ احترام الآخرين ودعم الحوار البناء وفقا للاحترام المتبادل بين الشباب العربي والشباب في مختلف بلدان العالم.
على المستوى العلمي :
- تأسيس مؤسسة عربية تعنى بالبحث العلمي والرفع من نسبة دعم البحث العلمي في مختلف البلاد العربية.
- الرفع من منح الطلبة في الجامعات العربية.
- تأسيس مراكز تربوية وجامعية وطنية تساعد الطلبة على اختيار التوجه والتخصص العلمي المطلوب.
- تدريس مادة حقوق الإنسان في المستوى الثانوي والتاهيلي كمادة مستقلة وان يكون المترشح لتدريسها حاصل على الباكالوريوس في القانون.
- تعريب التدريس في الجامعات العربية في التخصصات العامة، مع الاهتمام بتدريس اللغات الحية.مع احترام اللهجات المحلية .
- خلق جوائز عربية تخص الطلبة المتفوقين في مختلف التخصصات .
- تشجيع الطاقات الإبداعية الشبابية العربية في مختلف مجالات التنمية.
- تشجيع الشباب العربي على القراءة من خلال تخفيض سعر الكتب وخاصة للطلبة، وتقريب المكتبات إلى الشباب، بحيث تكون في كل حي مكتبة.
على المستوى السياسي:
- تأسيس برلمان للشباب العربي يهتم بقضايا الشباب في مجالات التنمية المختلفة.
- تشجيع الشباب على المشاركة السياسية وذلك بإتاحة الفرصة لهم للمشاركة في صنع القرار السياسي وبالتالي المشاركة في تدبير الشأن العام.
-خلق لجن خاصة بالشباب في كل برلمان عربي.
على المستوى الثقافي :
- تعزيز الانتماء الوطني والعربي والإسلامي للشباب العربي.
- تشجيع الحوار العربي شباب – شباب من خلال تنظيم مؤتمرات ومنتديات للشباب العربي في مختلف البلاد العربية بالتناوب.
- تحديد يوم وطني في كل البلاد العربية خاص بالشباب اقترح تسميته"اليوم الوطني للشباب" يجتمع فيه الشباب لمناقشة ما تم تحقيقه لصالحهم فيما يتعلق بالتعليم والمنح والحوافز والصحة والشغل والتشجيع على القراءة والتشجيع على المشاركة السياسية والتشجيع على الزواج وغيرها..
- تحديد يوم عربي للشباب على غرار اليوم العالمي للشباب (12 غشت من كل سنة) اقتراح تسميته"اليوم العربي للشباب"
- تشجيع الحوار بين الأجيال عن طريق موائد مستديرة في اوراش وطنية أو عربية يستمع فيها الجيل السابق للشباب ويستفيد الشباب من الجيل السابق وخبراتهم.
- تشجيع الحوار الشبابي بين الحضارات والثقافات للاستفادة من تقدم الآخرين والاطلاع على ثقافتهم وحضارتهم وتعريف الاخرين بالمقابل بحضارتنا الغنية بعلمائها وتاريخها وبلغتنا العربية الرائعة.
على المستوى الرياضي :
- تشجيع المواهب العربية الرياضية الشابة .
- تأسيس مراكز ومدارس رياضية وطنية وعربية لتأهيل هذه المواهب الرياضية الشابة.
- منح جوائز وطنية وعربية لأحسن المواهب الرياضية الشابة في مختلف الأنشطة الرياضية.
- تشجيع المنافسات الرياضية بين الشباب العربي في مختلف الرياضات على صعيد النوادي الرياضية والجمعيات والمؤسسات التعليمية والجامعية.
*كاتب من المغرب
- التفاصيل
- كتب بواسطة: زهير الخويلدي
- الزيارات: 5
علاقة الإسلام بالغرب
من وجهة نظر صاموال هنتغنتون :
زهير الخويلدي
" الوعي بدون تماسك هو مصدر ضعف في الإسلام ومصدر تهديد للحضارات الأخرى"
صاموال هنتغنتون/ صدام الحضارات
استهلال:
من حيث المبدأ ينبغي أن يقوم حوار بين الثقافات وتفاعل بين الشعوب وتسامح بين الأديان والتقاء بين المجتمعات وترجمة ونقل بين اللغات من أجل بناء مشترك انساني كوني قيمي ولكن من حيث الواقع وبكل أسف ثمة تصادم بين الدول وسوء تفاهم بين الخصوصيات وحروب ونزاعات بين الجماعات الكبرى في كافة أرجاء المعمورة ولعل العلاقة بين الغرب والإسلام لم تشذ عن هذه القاعدة حيث لم تبارح الأزمة مكانها منذ تشكل هذه العلاقة بالرغم من تقاسم الانتماء الروحي والجغرافي للطرفين
و التشارك والاحتكاك الطويل بينهما. ان مظاهر هذه الأزمة كانت في ما عرف بالانتشار الإسلامي أو الفتح والتي رد عليها الغرب بما يسمى الحروب الصليبية والاسترجاع والتي خفت حدتها مع الحداثة والتنوير وبروز الدولة الأمة لتعاود الظهور بشكل أكثر حدة مع الاستعمار السياسي والهيمنة العسكرية المباشرة في عصر الإمبراطوريات وحتى نيل بعض الدول لاستقلالها وتمتعها بحق تقرير مصيرها من الجانب الإسلامي و رغم تقيد الدول الغربية بمنظومة حقوقية إنسانية فانه لم ينه حالة الاحتقان والتشنج البادية على المعسكرين والتي تجلت في تبادل مشاعر الكراهية والحقد والاعتداء على الرموز الحضارية للطرفين وممارسة الإقصاء والتهميش.
في هذا الإطار تبدو مهمة العلماء والمثقفين من الجانبين حاسمة وضرورية من أجل إزالة حالة الالتباس وتنقية الأجواء وتحكيم العقل وتقديم صورة مقبولة للآخر بالنسبة للأنا ولكن البعض منهم انساق وراء الدعايات المغرضة ونذر نفسه من أجل تغذية هذه الصراعات والمدافعة عن الهوية ومعاداة كل ماهو غيري، ومن بين هؤلاء المنظرين نذكر صاموال هنتغتون في كتابه "صدام الحضارات" والذي تناول في مواضع ثلاثة منه ظاهرة الإسلام بالنقد والتشريح والتفكيك لا لشيء الا للتهويل والتخويف والتحامل ومن أجل تحضير الأرضية الفكرية للقضاء على هذه الحضارة التي أفادت البشرية ونهل من معينها الغرب نفسه،لكن ماهي نظرة صاموال هنتغتون الى الإسلام؟ والى أي مدى كانت وجهة نظره عن العلاقة بين الغرب والإسلام صحيحة؟ ألا يمكن أن نتجاوز صدام الحضارات وتأسيس تحالف وحوار بينها ؟
ما نراهن عليه هو تفكيك الأحكام المسبقة والصور المشوهة التي تحملها المجتمعات عن بعضها البعض للتخلص من الميراث في نظرة الى الآخر والعمل على بناء جسور التواصل مع الانسانية بغية إفادتها والاستفادة منها في المعارف والقيم والتقنيات التي تسهل الحياة وتشجع الإقبال على الوجود.
1- أسباب انبعاث الإسلام السياسي:
" الانبعاث أثر في المسلمين في كل دولة وفي معظم مظاهر المجتمع والسياسة في معظم الدول الإسلامية"[1]
يرصد هنتغنتون حالة التشدد التي يبدو عليها الشرقيون ويفسر ذلك بالتطور الاقتصادي وبمحاولتهم التكيف مع التأثيرات التي أحدثها الغرب فيهم وبحثهم عن حل للمشاكل المطروحة في الساحة الدولية.
يربط بين الانبعاث الإسلامي والأصولية والصحوة والإحياء ويعتبرها حركة ثقافية وفكرية ذات قاعدة اجتماعية عريضة وتحمل مشروعا سياسيا ويؤكد أن هذا التيار ليس متطرفا ولا معزولا بل هو معتدل ومنتشر مستعد لتكريم الإسلام والالتزام به واستعادته كمرشد في الحياة. ويكشف هنتغتون عن وجود مفارقات بخصوص علاقة الإسلام السياسي بالغرب، المفارقة الأولى تتمثل في قبول الشرقيين للحداثة والمنتجات التقنية وفي رفضهم الغربنة والأفكار السياسية والأخلاقية التي تبشر بها هذه الحداثة، المفارقة الثانية تتمثل في الانبعاث هو محاولة للتكيف مع العالم الغربي من جهة والبحث عن حل لمواكبة العصر بالاعتماد على الإسلام لوحده والتخلي عن الحلول التي يوفرها العالم الغربي. يقول في هذا السياق:" ان المسلمين بأعدادهم الهائلة كانوا في نفس الوقت يتجهون نحو الإسلام كمصدر للهوية والمعنى والاستقرار والشرعية والتطور والقوة والأمل".[2] ويعرج هذا الكاتب على أهم قسمين يتحكمان في الشرق وهما ايران والسعودية ويشير الى شعار"الإسلام هو الحل" ويفسره بأنه دعوة الى اعتبار الإسلام ليس مجرد دين يعبد بل ينبغي تحويله الى وسيلة للتقدم ونهج في الحياة. فهل نفهم من هذه القراءة للانبعاث أن الكاتب يعتبرها ظاهرة تضاهي من حيث قيمتها الإصلاح الديني في أوروبا في العصر قبل الحديث والثورات الفرنسية والأمريكية والبلشفية في روسيا؟
لقد تجلى الانبعاث الإسلامي حسب هنتغنتون في الحرص على أداء الشعائر الدينية والتشبث بما يعتقد أنه الزي الديني مثل الحجاب عند المرأة والقميص عند الرجل وتكاثر الفضائيات والبرامج الإعلامية الإيمانية والعودة المكثفة الى التصوف والروحانيات وتبني بعض الدول شعارات دينية من أجل تقوية مشروعيتها وظهور نظم تربوية واقتصادية واجتماعية ذات منحى إسلامي. لقد أدرك الجميع القوة الكامنة في الدين بحيث أن الأنظمة الحاكمة والحركات السياسية المعارضة أصبحت تستمد منه سلطتها لتحافظ على بقائها ولتضمن التأييد الشعبي، وبالتالي طرحت الشريعة الإسلامية كبديل عن القانون الوضعي الغربي والتحالف بين الدول الإسلامية مكان الانتماء الى المنظومة الدولية.
يفسر الأصولي ظاهرة فساد الوجود وانحدار الخلق نحو المهالك بأنه غضب الهي نتيجة الابتعاد عن الصراط المستقيم ويعلق هنتغنتون:"ان انتقام الآلهة ظاهرة عالمية ولكن الله قد جعل انتقامه أكثر انتشارا وتحققا في الأمة جماعة الإسلام".[3] ولذلك فانه يدعو الى أخذ هذه الظاهرة بعين الاعتبار ودراستها دراسة جدية لأنها تشبه من حيث القيمة حركة الإصلاح الديني وتأثيرها على الفكر السياسي الحديث وتشبه كذلك تأثير الفلسفة الماركسية على السياسة الدولية المعاصرة .
يرى هنتغنتون أن الانبعاث الإسلامي الذي أثر تقريبا في كل مجتمع إسلامي ليس مجرد إصلاحا حقق تقدما بسيطا في بعض المجالات في مجتمع دون آخر بل هو تيار رئيسي ذو حركة معقدة تتكون من مجموعة من النصوص المؤسسة وتنطلق من نظرة متكاملة عن المجتمع المثالي ترد الفعل ضد ركود وفساد المؤسسات القائمة عن طريق العنف الثوري وترفض التنوع العقائدي والقوى المهيمنة وتسعى الى التغيير الجذري بالتوجه نحو الطبقة الصاعدة وتدافع عن العودة الى شكل نقي وطاهر من التدين.
يعترف هنتغتون بأن مظاهر الانبعاث هي اجتماعية وتربوية وثقافية أكثر منها سياسية لأن اعتبار معظم الدول الإسلام كعنصر مركزي ليس مرده اعتماده كنظام في الحكم بل النظر اليه كعنصر أساسي في التحديث والتطوير وتمكينه لشرائح شبابية صاعدة من المشاركة الفعالة في هذا التحديث إذ يقول في هذا السياق:" المظاهر السياسية للانبعاث هي أقل انتشارا من المظاهر الاجتماعية والثقافية ولكن ما زالت تعتبر التطور السياسي الوحيد الأكثر أهمية في المجتمعات الإسلامية في الربع الأخير من القرن العشرين"[4].
لقد أقر هذا الكاتب توجه الإسلام السياسي نحو العمل الخيري الطوعي ومساعدة المجتمع عند حصول الكوارث الطبيعية والأزمات الاجتماعية من أجل توفير الرعاية الصحية المجانية أو بعض المساعدات التموينية للفئات التي تعاني من الخصاصة. المجالات الثلاث التي ركز عليها الإسلام السياسي شغله وانتباهه هي النساء والشباب والمهاجرين فقد أولى عناية فائقة بحقوق النساء وركز على العرض والدين والأخلاق واهتم بالطلبة والجامعات عبر الدعوة والتبشير والكتب المبسطة التي تركز على تربية الشباب وتوجيههم نحو الصلاح أما المهاجرون فقد هيئت لهم مركز عبادة تنحت هويتهم بمعزل عن المجتمعات الغربية وقدمت لهم مساعدات من حيث الشغل والتعليم.
يهتم هنتغنتون بوصول الإسلاميين الى الحكم في كل من ايران والسودان وتركيا والباكستان والمغرب والسعودية ويشير الى وقوع في خلط بين النظام الإسلامي والنظام غير الديمقراطي ويستنكر ممارسة هذه الأنظمة للسلطة بطريقة فردية وتسييرها للمجتمع السياسي على أسس عائلية عشائرية واستمرارها بتلقي الدعم الأجنبي وجنوحها النسبي نحو الشمولية والاستبداد ويستخلص ما يلي:" معظم هذه الحكومات مع ذلك افتقدت أي أساس لتبرير حكمها في شكل قيم إسلامية ديمقراطية أو وطنية"[5]. وعن سؤال من سيخلف هؤلاء على سدة الحكم بعد رحيلهم؟ يجيب هنتغتون بأنه نظام الحكم الإسلامي ويبرر ذلك ب"نجاح الحركات الاسلاموية في الهيمنة على المعارضة وبناء أنفسهم كبديل حيوي وحيد للنظم العاجزة ساهمت فيه أيضا سياسات تلك النظم".[6]
ان عوامل نجاح الانبعاث الإسلامي حسب الكاتب هو الانفجار الديموغرافي في البلدان الإسلامية بحيث أن الفئة العمرية الشابة هي من الأعلى في العالم ومن المعلوم أن "الشباب هم المؤيدون دائما للاحتجاج وعدم الاستقرار والإصلاح والثورة تاريخيا وجود شرائح واسعة من الشباب كان يميل الى التزامن مع مثل تلك الحركات."[7]
السبب الثاني هو إخفاق الديمقراطية الليبرالية في ترسيخ موطن قدم لها في محيط عربي إسلامي وتراجع الاتجاهات العقلانية والوضعية وتمكن الحكومات من إضعاف المعارضات التي تنهل من مرجعيات علمانية.في حين يتمثل السبب الثالث في لعب الإسلاميون دورا بارزا في معارضة الأنظمة الاستبدادية ودفاعهم عن الثقافة الوطنية لبلدانهم في وجه كل التهديدات الخارجية.
السبب الرابع هو مساهمة الأنظمة في تعزيز موجة التدين وتشجيعها ثقافة الانتماء والدفاع عن الهوية وهو ما أضعف التيار العلماني وزاد من قوة التيار الإسلامي في الشارع يقول هنتغنتون في هذا الأمر:"ان قوة الانبعاث وجاذبية الحركات الاسلاموية حفزت الحكومات على تعزيز الممارسات والمؤسسات الإسلامية وأن تدمج في نظامها الممارسات والرموز الإسلامية."[8]
أما السبب الخامس الذي قوى ظاهرة الانبعاث الإسلامي فهو تراجع الثقافة الغربية وانحسار تأثيرها في الشريحة الشابة بحكم سياسة المكيالين والتناقض بين الوعود والانجازات وبين الشعارات والممارسات وبحكم رغبة بعض الأنظمة الغربية فرضها عليهم بالقوة،حول هذه الرأي يقول هنتغتون:"كان الإحياء الإسلامي نتاجا لاضمحلال قوة ومكانة الغرب...فعندما تخلى الغرب عن سطوته فقدت مثالياته ومؤسساته بريقها"[9]، وخاصة كونية حقوق الانسان والديمقراطية التي شوهها الغرب بالتدخل بالقوة في شؤون الآخرين وميله الى العدوان والاحتكار والاستغلال.
لكن هذا الانبعاث الإسلامي واقترانه بالشباب والتعليم والهجرة سيطرح عدة تحديات تضغط نحو الداخل من أجل الاندماج والمشاركة ونحو الخارج من أجل البحث عن فرص أفضل للحياة قد لا يقدر أي نظام سياسي على مجابهتها ويذكر هنتغنتون واحدة منها:" التوسع السريع في محو الأمية في المجتمعات العربية أيضا يخلق فجوة بين الجيل الأصغر المتعلم والجيل الأكبر غير المتعلم في معظمه وبالتالي فان انفصالا بين المعرفة والسلطة يميل الى أن يضع توترا على النظام السياسي".[10]
2- صورة الإسلام عند هنتغنتون:
اذا سئلت هنتغنتون عن فهمه للإسلام فانه سيجيبك على التو بأنه "وعي بلا تماسك" ويقصد بذلك أن أساس الوحدة بين العرب والمسلمين هما الدين والعرق لأنهما يلعبان دورا هاما وحاسما في تمتين الروابط الاجتماعية والصلات الروحية بين الأفراد والمجموعات وهو عكس الولاء في الغرب الذي يكون عادة للدولة القومية وبمعزل عن العرق والدين بل تكون جميع الولاءات الأخرى خاضعة للسلطة السياسية.يقول هنتغنتون حول هذا الموضوع:" الجماعات الممتدة فيما وراء الدول القومية – الجماعات اللغوية أو الدينية أو الحضارتية – كانت قد طالبت بولاء والتزام أقل حدة. على طول سلسلة من الكيانات الممتدة من الأضيق الى الأوسع، الولاءات الغربية بالتالي تميل الى أن تظهر بارزة في وسط تلك السلسلة ومنحنى شدة الولاء يشكل الى حد ما منحنى على شكل حرف U معكوسا أو مقلوبا. في العالم الإسلامي تركيبة الولاء كانت قريبا على العكس من ذلك تماما. الإسلام توجد به ثغرة في الوسط في نظامه التراتبي للولاءات...ان التركيبتين الجوهرتين الأصليتين المستمرتين كانت العائلة والعشيرة والقبيلة من ناحية وتوحدات الثقافة والدين والإمبراطورية الممتدة على نطاق واسع من ناحية أخرى".[11]
يقر هنتغنتون أن الإسلام يهمش الشعور القومي السياسي لأن " الهويات القومية لم يكتب لها وجود" ولأن " طوال الإسلام كانت الجماعة الصغيرة والإيمان العظيم والأمة هي بؤر التركيز الأساسية للولاء والالتزام وكانت الدولة القومية أقل أهمية".[12]
يحمل هنتغنتون الامبريالية الأوروبية مسؤولية تقسيم الأمة العربية ووضع حدودا وهمية ومنع تكون دولة عربية واحدة تشمل كل العرب وتتجسد على أرض الواقع ويرى أن الدولة القطرية القائمة تعاني من مشاكل في الشرعية لوجود عدة أقليات مضطهدة ولكونها نتاج تعسفي لمصالح غربية وللتناقض بين مبدأ سيادة الشعب و الحاكمية لله . ويرجع ضعف الدولة القومية في الإسلام الى انتصار الانبعاث الإسلامي على دولة الخلافة الدينية وتفضيل التيار الماركسي الأممية العمالية ودفاعه عن مصالح العمال أينما كانوا وتفجر نزاعات حدودية بين عدة دول عربية.
هكذا بدأ الحديث عن التقارب الإسلامي بدل التمسك بمبدأ الوحدة العربية وقد ساعد الاستقلال من الاستعمار والنزوح نحو المدن وتصنيع الحياة والطفرة النفطية وثورة الاتصالات على هذا التحول نحو تعزيز الروابط بين المجتمعات على أساس رابطة الدين والإيمان على حساب اللغة والعرق والتاريخ.
يكشف هنتغنتون عن وجود تناقضين في فكرة حركة الإسلام من الوعي الى التماسك:
التناقض الأول هو وجود مراكز قوى متنافسة على تحقيق هذه الوحدة المنشودة من أجل تحقيق أقصى المصالح القطرية الممكنة وبالتالي فان كل دولة تحاول الهيمنة على الهوية الإسلامية من أجل القيادة.
التناقض الثاني يظهر بين فكرة الأمة الجامعة واللامحدودة وفكرة القومية الحصرية والمحدودة ومن المعلوم أن الجماعة في الإسلام موحدة دينيا وسياسيا وأنها تجسدت في الماضي عندما وقع الجمع بين السلطان الروحي والسلطان الزمني وأنه وقع إلغاء الخلافة وضياع السلطان الروحي بعد انهيار الإمبراطورية العثمانية وبالتالي يصعب إعادة الربط بين البعدين مجددا.
النتيجة التي يخلص إليها هنتغنتون أن الدول العربية والإسلامية ضعيفة وليس لها أي وزن استراتيجي في العلاقات الدولية وذلك لعدم وجود دولة واحدة تمتلك موارد القوة العسكرية والاقتصادية والتنظيمية يجعلها تكون إقليم قاعدة للوحدة المنشودة وحتى إندونيسيا وتركيا وإيران فهي على هامش المحيط العربي الإسلامي وليس في قلبه أو أحد نقاط مركزه. في هذا السياق يصرح:" ان غياب دولة إسلامية هو عامل رئيسي في الصراعات السائدة الداخلية والخارجية التي تميز الإسلام. الوعي بدون تماسك هو مصدر ضعف في الإسلام ومصدر تهديد للحضارات الأخرى"[13]. ويقصد أن المسلمين واعون بضرورة أن يتوحدوا ولكن حالة التشرذم والتفرق والضعف التي هم فيها بسب غياب قوة جاذبة الى المركز يجعلهم في حالة دفع مستمرة لكل من جاورهم. فهل هذه الظروف ستبقى مستمرة؟ وهل يمكن لأحد الدول الصاعدة مثل ايران أو تركيا أن تقوم بهذه المهمة؟
ايران لديها الموقع المركزي والشعب والتقاليد التاريخية والمصادر النفطية والاقتصاد المستقر محترم وهو ما يؤهلها لتكون دولة أساسية، كذلك السعودية فهي الموطن الأصلي للإسلام ويوجد فيها الحرمين الشريفين مكة والمدينة ولغتها العربية لغة القرآن وفيها أكبر احتياطي للنفط في العالم والباكستان لديها قوة عسكرية ضاربة وتمتلك حجما وسكانا ولها نفوذ وروابط مع بلدان أخرى وأخيرا تركيا تحوز على مجموعة من المؤهلات مثل الجغرافيا والسكان والتاريخ والتمدن والقدرات العسكرية والنمو الاقتصادي السريع والنظام الإداري العلماني المتطور والتحالفات مع أوروبا والعالم الغربي مما يؤهلها لتكون الدولة الأساسية في الإسلام، فماذا لو أعادت ايران مشروع تصدير الثورة في ظل غياب عراق صدام حسين القوي؟ ألا يستقيم الأمر أكثر مع تركيا خاصة عندما تقوم بإعادة تحديد نفسها في علاقة بالاتحاد الأوروبي وآسيا الوسطى والجامعة العربية وإفريقيا والعالم الهندي؟
3- من الصدام الى الحوار بين الإسلام والغرب:
" الحضارة الإسلامية والحضارة الصينية تختلفان أساسا في إطار الدين والثقافة والبناء الاجتماعي والتقاليد السياسية والفرضيات الأساسية لأصل الحياة وطريقها وربما من المحتمل أن يكون بينهما القليل من القواسم المشتركة أكثر لكل واحد منهما مع الحضارات الغربية".[14]
يرى هنتغنتون أن العالمية ستشهد تصدعا كبيرا واندلاع صراع بين الغرب والشرق وأكثر خطوط الصراع عنفا تلك التي ستكون بين الإسلام وجيرانه ويفسر ذلك بأن العجرفة الغربية التي تعتقد بضرورة التزام الشعوب غير الغربية بالقيم الديمقراطية الغربية والإصرار الصيني وانهيار الشيوعية وتخلي المسلمين عن تسامحهم بسبب انبعاث الإسلام السياسي وصعود الأصولية الاسلاموية الى السلطة عن طريق الانتخابات والالتزام بحكم القانون، إذ يقول في هذا الإطار:"ان الطموحات العالمية للحضارة الغربية وانخفاض القوة النسبية للغرب وتزايد الإصرار الثقافي للحضارات الأخرى يؤكد بشكل عام صعوبة العلاقات بين الغرب وباقي العالم"[15]. ويعترف أن الغرب ستكون له علاقات متوترة مع العالم ولكن هذا التوتر سيكون أقل حدة مع الحضارة الموجودة في أمريكا اللاتينية وأفريقيا ولكنها ستصل مرحلة العداوة مع الحضارة الصينية والإسلامية لكونها حضارة متحدية لكونها تتضمن تقاليد عريقة وقيم ثقافية أفضل في عيون معتنقيها من الثقافة الغربية ولتناقض المصالح والأهداف بين الطرفين وكلما ازداد الإصرار والتصميم ازداد الصراع بين القيم والمصالح.
سبب الصراع بين الغرب والشرق هو افتقاد الإسلام لدولة أساسية يمكن للغرب أن يتفاهم معها ويقيم معها علاقات حسن جوار وتعاون وثيق حسب نظر الكاتب الذي يقسم دول العالم الى صنفين دول شقيقة للغرب ويمكن التواصل معها ودول الشتات وهي التي تمثل مصدر إزعاج للغرب ومن بينها الدول الإسلامية والعربية ولذلك ينصح بأن يحافظ الغرب على تفوقه العسكري بمنع انتشار أسلحة الدمار الشامل لدى الدول المعادية وأن يعزز الغرب ويعمق في الدول الأخرى قيمه السياسية الكونية وأن يحمل على حماية الوحدة الاثنية الثقافية والاجتماعية الغربية بتقييد الهجرة ومكافحتها.
يرفض هنتغتون فكرة كلينتون التي ترى أن العلاقة بين الغرب والإسلام ليست عدائية من حيث الجوهر وأن البعض من المتشددين الاسلامويين هم الذين أفسدوا هذه العلاقة عندما دعوا الى العنف ويرى عكس ذلك بقوله:"العلاقات بين الإسلام والمسيحية كانت غالبا عاصفة، كل واحد كان آخر للآخر"[16]. ويقصد كل الصراعات التي حدثت بين الاتجاهات والتيارات هي مجرد إفراز للصراع الأبدي القائم بين الإسلام والمسيحية ويذكر الكاتب الانتشار الإسلامي الذي بدأ في منتصف القرن الثامن والذي انقلب مع القرن الخامس عشر لفائدة المسيحيين الذين استعادوا زمام المبادرة وتوجوا ذلك بتفوقهم في الحرب العالمية الأولى على الرجل المريض والسيطرة على ولاياته العربية الإسلامية عبر الانتداب والحماية والاستعمار المباشر والتي انتهت باستقلال هذه البلدان كل على حدة.
يستخلص أيضا أن العلاقة بين الشرق والغرب تميزت على مر العصور بالطبيعة العنيفة ويفسر هذا العنف ليس بحدوث تحولات في دائرة المقدس وبالرجوع الى التناقض بين العقيدتين والخلافات حول علاقة الدين بالسياسة بل بالتطرق الى أوجه التشابه بينهما وخاصة الإيمان باله واحد ونفيهم الشرك والإيمان بأن الحياة الدنيا هي مجرد وقفة عبور وأن الآخرة هي الوجود الأبقى وأن دعوتهم الدينية هي دعوة عالمية وأن الإيمان الحقيقي يجيب أن تعتنقه كل الانسانية وبالتالي يرى كل من المسلم نفسه ملزم بأن ينشر رسالته عند غير المؤمنين، لكن لئن ربط المسيحي التبشير بعلبة الدواء ورغيف الخبز فان المسلم أراد ذلك بحد السيف وبمفهوم الجهاد.
لقد تأثرت العلاقة بين الإسلام والمسيحية بعدة عوامل أهمها التطورات الاقتصادية والثورة التكنولوجية وشيخوخة الهرم السكاني في الغرب والانفجار الديموغرافي الهائل في الشرق مما خلق ضغطا هائلا من طرف العاطلين وولد ظاهرة الهجرة غير الشرعية وأدى ذلك الى اندلاع موجة من الصراع العنيف بين المعسكرين غذتها إيديولوجيا الإحياء الإسلامي التي أعادت الثقة للمسلمين بأن بينت لهم أهمية هويتهم وثقافتهم بالمقارنة مع الحضارة الغربية المادية الفاسدة في نظرهم، وحتى السياسة التي اتبعتها الدول الغربية فإنها قد زادت من حدة سوء التفاهم لأنها انصبت حول جعل القيم الغربية قيما كونية وحول المحافظة على التفوق العسكري والهيمنة الغربية على العالم.
تجدد الصراع بين الإسلام والغرب هو حول من يحكم العالم؟ ومن يمتلك المقومات الأساسية للقوة والثقافة لأن كلاهما رؤيتين مختلفتين عن الحقيقة وعن القيمة حيث أن الغرب سيبقى غربا والإسلام سيبقى إسلاما والصراع بينهما سيظل أبد الدهر مادمت العوامل المؤدية الى الصراع موجودة.
المشكلة ليس في غياب العلاقات الديبلوماسية بين الطرفين أو في وجودها بل في الصورة التي يحملها الواحد عن الآخر فهي لم تخلو من فردوسية الأنا وشيطنة الآخر إذ يرى المسلمون الغرب متكبرا متعسفا ،وحشيا وماديا ويرى الغربيون المسلمين همج وسفاكي دماء وباحثين عن اللذة وهنا مربط الفرس وبيت القصيد لأن جميع المشاكل والتوترات نابعة من هذه الصورة المشوهة والمتعاكسة.
ما الذي يجب فعله حتى لا تتحول حدود الإسلام الى مسرح للحرب الدامية مع الغرب؟
الحل يوجد في تغيير الصورة والاعتراف المتبادل وإتباع سياسة الاحترام للآخر والإقرار بالاختلاف بين الإسلام والغرب وتنظيم الهجرة والتشجيع على التقارب والتعاون بتكثيف زيارات التعارف وأواصر الصداقة والقيام بتنوير ديني من الجانبين تنقد فيه الأحكام المسبقة عن الغير ويتخلى بمقتضاه عن فكرة أفضل الملل وينظر من خلاله الى تعظيم كل المقدسات والأنبياء على وجه المساواة والدخول في وضعية تفهمية حضارية شاملة تتمثل في:"إعطاء فهم المسلمين والغربيين واحد للآخر".[17]
يمكن أن نناقش تحليل هنتغنتون من عدة جوانب وخاصة ربطه بين العنف والإسلام وقراءته للانبعاث الاسلاموي على أنه حدث هام يشبه حركة الإصلاح الديني ودعوته الى ضرورة قيام دولة إسلامية قوية يمكن للغرب أن يتعامل معها كشريك فعلي وتضبط الاستقرار في المجال الحضاري الإسلامي وكذلك اعتباره الدول الإسلامية دول شتات وليست دول جوار وتنبيهه على أن حروب خط الصدع ستكون على حدود الإسلام الدامية زيادة على دعوته الى نهوض الوعي الحضاري الغربي عبر الصدام وتقليم أظافر الثقافات المعادية ونشر القيم الغربية في العالم وخاصة حقوق الانسان والديمقراطية.
ان مستقبل البشرية متوقف على قيام تحالف بين الثقافات وليس مرتبط بما سماه هنتغنتون صدام الحضارات لأن مثل هذا الصدام قد يشرع للعنف ويؤدي الى القتل العشوائي ويخلف ضحايا أبرياء ويهدد النوع البشري بالاندثار ويكرس منطق الهيمنة والتفوق ويبرر السلوكات العنصرية والنزعات العدوانية أما منطق التخاصب والاندماج والتلاقح بين الخصوصيات من أجل الدفاع عن الهوية الانسانية الواحدة فانه يحاول جاهدا تقييد الطبيعة بالثقافة وإلجام الأهواء بالعقل وإرساء قيم التسامح والسلام الدائم بين الشعوب، ربما تكون نظرة صاموال هنغنتون واقعية تاريخية ولكنها نظرة متشائمة ومتحاملة على الإسلام لأنه نظر اليه من زاوية استشراقية ضيقة وأهمل فيه عدة تيارات معتدلة تنادي بالوسطية وتنبذ الحرب وتقبل فكرة الديمقراطية وتحترم الأبعاد الكونية والقيم المدنية العظيمة التي تدعو الى المحبة والتعايش وحسن الضيافة وترفض العنف والتعصب للرأي وتنأى عن منطق الإقصاء والتفوق وتطمح الى الشراكة والاندماج وتسعى نحو الحوار وإقامة سلم دائمة في المعمورة.
ما رأيه فيما قاله أدريان رولاند في رسالته الدين المحمدي:" لو كان الإسلام كما وصفه هؤلاء المهاجمين الأوروبيين المسيحيين فليس من المعقول أن كثيرا من الناس يمكن أن يعتنقوا دينا عبثيا ولا يمكن أن يفهم أن أتباع محمد كلهم أغبياء وحمقى ، كما أنه ليس مسموحا لنا أن نشك ونحن نرجع الى آثار وكتابات هذه الملة والتي أخرجت عبقريات وعظماء لم ير العالم مثيلا لها في أي شعب آخر ان لم نقل أن العرب ولدوا بفضل هذا الدين امتلكوا ناصية العلم والفنون الجميلة لقرون عديدة لاسيما القرن العاشر بينما ترك المسيحيون كل شيء يذبل ويموت ويتبلد في غربنا"؟
خاتمة:
لقد دعا بعض العلماء من الجهتين الى حوار الحضارات وخاصة الفيلسوف الفرنسي روجي غارودي الذي أكد على ضرورة صنع المستقبل المشترك عبر انجاز المشروع الكوني الذي يرتكز على اللقاءات القديمة والتحالفات الحديثة وتشجع عليه التربية غير القمعية وتبرزه الثورة الثقافية ،إذ يقول حول هذا الموضوع:" ان حوار الحضارات الملمع اليه يكافح عزلة أنا الصغيرة المتبجحة ويبرز واقع الأنا الحقيقي الذي هو بالدرجة الأولى علاقة بالآخر وعلاقة بالكل. وهو يعلمنا ألا نتصور المستقبل في شكل إيمان ساذج بالتقدم ولا في صورة فيض من انجاز مشاريعنا انجازا تقنيا بل على هيأة طفو حياة جديدة جدة بنسك اللاأنا واللاعمل واللامعرفة. ان حوار الحضارات هذا يساعدنا على أن ننفتح على الصعيد الثقافي على آفاق لا نهاية لها في المنظور الذي توحي به في جميع المجالات أحدثت تجددات الثقافة الغربية"[18].
لقد ارتبط حوار الحضارات عند غارودي بالحلف الثالث الذي يقول عنه:" ان الحلف الثالث هو الوعي الذي ما يزال في حالة مخاض على السلم العالمي بأن علاقة جديدة بين الإيمان والتاريخ، بين الإيمان والعمل، بين الإيمان والعالم. انه وعي بأن كل إنسان قد لقي لقاح الإلهي في ما وراء جميع تخوم الطبقة والعرق والثقافة وأنه بهذا الاعتبار مسؤول مسؤولية تامة عن مصيره الخاص. وان إيمانه سيكون إيمانا خادعا اذا لم يكن باعث عمله اليومي أنه سيكون أفيونا اذا اعتبر أن ثقة بالإنسان وبكل إنسان أمر يتهدد الإيمان بالله. ان الحلف الثالث هو الإيمان الذي يعثر من جديد على جذوره في صميم الشعوب، والشعوب تمنح من إيمانها القوة والأمل بتغيير العالم والحياة."[19]فماهي الشروط التي ينبغي أن تتوفر لكي يقوم حوار بين الحضارات جدي ومثمر؟ أليس الفرق بين من يقول بالصدام بين الحضارات و بين من يقوم بالحوار والتحالف كالفرق بين الواقعي المتشائم والطوباوي الحالم؟
ثم متى يفهم البعض من علماء الغرب أن نظرتهم للإسلام ورموزه الحضارية خاطئة ومجحفة في حق إسهاماته الكبيرة في صنع الحضارة الكونية وأن النور ينبعث دائما من الشرق وليس من الغرب؟ أليس من الضروري الآن أن يتم حوار أكثر واقعية ومباشرة بين بناءين يشتغلان في تشييد عمارة واحدة وحتى يحصل كول بناء على قدرة لاستيعاب الآخر وتفهمه؟
المراجع:
روجي غارودي في سبيل حوار الحضارات تعريب عادل العوا عويدات للنشر والطباعة بيروت لبنان الطبعة الرابعة1999
صاموال هنتغتون صدام الحضارات وإعادة بناء النظام العالمي ترجمة مالك عبيد أبو شهيوة ومحمود محمد خلف الدار الجماهيرية للنشر والتوزيع لبيا 1999
* كاتب فلسفي
[1] صاموال هنتغتون صدام الحضارات وإعادة بناء النظام العالمي ترجمة مالك عبيد أبو شهيوة ومحمود محمد خلف الدار الجماهيرية للنشر والتوزيع لبيا 1999 ص215
[2] صاموال هنتغتون صدام الحضارات وإعادة بناء النظام العالمي ترجمة مالك عبيد أبو شهيوة ومحمود محمد خلف الدار الجماهيرية للنشر والتوزيع لبيا 1999 ص215
[3] صاموال هنتغتون صدام الحضارات وإعادة بناء النظام العالمي ترجمة مالك عبيد أبو شهيوة ومحمود محمد خلف الدار الجماهيرية للنشر والتوزيع لبيا 1999 ص216
[4] صاموال هنتغتون صدام الحضارات وإعادة بناء النظام العالمي ترجمة مالك عبيد أبو شهيوة ومحمود محمد خلف الدار الجماهيرية للنشر والتوزيع لبيا 1999 ص219
[5] صاموال هنتغتون صدام الحضارات وإعادة بناء النظام العالمي ترجمة مالك عبيد أبو شهيوة ومحمود محمد خلف الدار الجماهيرية للنشر والتوزيع لبيا 1999 ص221/222
[6] صاموال هنتغتون صدام الحضارات وإعادة بناء النظام العالمي ترجمة مالك عبيد أبو شهيوة ومحمود محمد خلف الدار الجماهيرية للنشر والتوزيع لبيا 1999 ص223
[7] صاموال هنتغتون صدام الحضارات وإعادة بناء النظام العالمي ترجمة مالك عبيد أبو شهيوة ومحمود محمد خلف الدار الجماهيرية للنشر والتوزيع لبيا 1999 ص228
[8] صاموال هنتغتون صدام الحضارات وإعادة بناء النظام العالمي ترجمة مالك عبيد أبو شهيوة ومحمود محمد خلف الدار الجماهيرية للنشر والتوزيع لبيا 1999 ص224
[9] صاموال هنتغتون صدام الحضارات وإعادة بناء النظام العالمي ترجمة مالك عبيد أبو شهيوة ومحمود محمد خلف الدار الجماهيرية للنشر والتوزيع لبيا 1999 ص226
[10] صاموال هنتغتون صدام الحضارات وإعادة بناء النظام العالمي ترجمة مالك عبيد أبو شهيوة ومحمود محمد خلف الدار الجماهيرية للنشر والتوزيع لبيا 1999 ص231
[11] صاموال هنتغتون صدام الحضارات وإعادة بناء النظام العالمي ترجمة مالك عبيد أبو شهيوة ومحمود محمد خلف الدار الجماهيرية للنشر والتوزيع لبيا 1999 ص322
[12] صاموال هنتغتون صدام الحضارات وإعادة بناء النظام العالمي ترجمة مالك عبيد أبو شهيوة ومحمود محمد خلف الدار الجماهيرية للنشر والتوزيع لبيا 1999 ص
[13] صاموال هنتغتون صدام الحضارات وإعادة بناء النظام العالمي ترجمة مالك عبيد أبو شهيوة ومحمود محمد خلف الدار الجماهيرية للنشر والتوزيع لبيا 1999 ص327
[14] صاموال هنتغتون صدام الحضارات وإعادة بناء النظام العالمي ترجمة مالك عبيد أبو شهيوة ومحمود محمد خلف الدار الجماهيرية للنشر والتوزيع لبيا 1999 ص336
[15] صاموال هنتغتون صدام الحضارات وإعادة بناء النظام العالمي ترجمة مالك عبيد أبو شهيوة ومحمود محمد خلف الدار الجماهيرية للنشر والتوزيع لبيا 1999 ص335
- التفاصيل
- كتب بواسطة: د.فضل طلال العامري
- الزيارات: 4
ثقافـة الأفكـار النمطية
د.فضل طلال العامري
تقوم مصادر التثقيف والتوجيه الإعلامي في أي مجتمع بوظيفة أساسية هي صنع وتشكيل الصور الذهنية لأفراد المجتمع وفق نهج معين، والترويج له وترسيخه في الأذهان، وتساهم بذات الوقت في تشكيل صورة نمطية عن الاخرين بين افراد المجتمع ذاته، ولثقافة النمطية صور وافكار ، فالصور تعني التصورات العقلية الشائعة بين أفراد جماعة معينة تجاه شخصية أو مجتمع أو شعب أو معتقد أو غير ذلك، وعندما تتكرر هذه الصور الذهنية تترسخ في أذهان الناس وتصبح صوراً يغلب عليها الجمود، وتنطوي على أوصاف ثابتة تتسم في معظم الأحيان بالتبسيط والتسطيح المفرط والتعميم الواسع والتهميش المتدني. أما الأفكارُ النمطية فهي الصيّغ التي تجري اشاعتها بين الناسِ بحيث يرددها كثيرون ويقبلون بها دون فحصها وتمحيصها ، وهي ظاهرةٌ إنسانيةٌ توجد (بدرجات مختلفة) في كل المجتمعات ، لكنها ظاهرة سلبية.
الحقيقة ان الثقافة الغربية تختزن صورة نمطية سلبية عن المجتمعات الشرقية، اذ ان جهات عديدة وعلى اساس خلفيات عدائية بغض النظر عن الاسباب، عملت على تأطير ثقافة مجتمعاتها بصورة سيئة عن الشعوب او الحضارات الشرقية التي تعدها معادية ، وقد استمرت هذه الصورة وتراكمت سلبيتها في اذهان تلك المجتمع الغربي الى يومنا هذا ، فعلى سبيل المثال لا الحصر عندما تذكر كلمة الشرق في المجتمعات الغربية والاوروبية ، تجد ان العامة قد اختزن في تفكيرهم الصحراء والجمل والبدوي المتخلف الذي لا يفقه من المدنية شيء، وهذا يعود في تقديرنا الى ضعف الجانب المعرفي لهذه الشعوب عن الاخرين والاستسلام الى المعلومات كما يتم تصويرها لهم. كما يعود ايضاً الى عدم وجود ثقافة للحوار فالحوار هو أداةُ تحجيم فرص شيوع الأفكار النمطية . وان وجدت ثقافة الحوار على مر التاريخ عبر وسائل مختلفة، فانها كانت على الارجح من اجل ان يقدم كل طرف نفسه للاخر في محاولة لاقناعه بوجهة نظره وليس من اجل قبول الاخر والتمازج بالافكار، وهذا ديدن الصراع التاريخي بين الشرق والغرب.
لقد ادى الاعلام دورياً محورياً في ارساء دعائم الثقافة النمطية في الغرب تجاه الشرق ، لاسيما السينما فصورة العربي مثلا على الشاشة الهوليوودية لن تخرج في احسن الاحوال عن صورة أعرابي من البدو الرحل وبجواره ناقة وخيمة ومن حوله الصحراء ، أو صورة العربي المنغمس في اللهو والملذات والمجون وتعاطي الخمر، أو صورة العربي الذي لا يمت بصلة للحضارة وآداب السلوك ومعاملة الآخرين، او حتى آداب الطعام والنظافة، أو صورة المسلم المتشدد الذي يسوق خلفه زمرة من الحريم المتشحات بالسواد، أو صورة العربي الأبله المندهش أو المنبهر دائماً بالحضارة الغربية، ناهيك عن صورة الإرهابي المجرم مفجر المباني وقاتل الأبرياء. المهم ان تظهر الصورة لتثبت إن العرب قوم سوء بكل ما تعنيه هذه الكلمة من إيحاءات سلبية. والهدف في النهاية فيما يقدمه الاعلام الغربي من فنون وإبداعات، إن تبقى صورة العرب والمسلمين ألاشرار والمتخلفين راسخة في ذهن المشاهد.
وحيث اننا هنا لا نريد التجني على الشعوب الغربية لانها تتعاطى صورا نمطية سيئة عنا ، لاننا ندرك ان الافكار النمطية التي اشرنا لها قد تم تصنيعها وترسيخها تلبية لاهداف معروفة من اجل النيل من الحضارة العربية والشخصية العربية، كما اننا نتحمل مسؤولية استمرار هذه الافكار، لاننا لم نبادر بجدية لتقديم النمط الايجابي الذي من شأنه محو تلك الصورة، من خلال توظيف الاعلام في التعاطي مع هذه الشعوب بلغاتها، وتنقية مداركها من الافكار السيئة التي زرعت في اذهانهم عن مجتمعاتنا.
وهنا لابد ان نعي جيداً ان الافكار النمطية التي يختزنها المجتمع الغربي عن الشرق راسخة وعملية تغييرها من المهمات الشاقة جداً ، كما ينبغي ان ندرك انها لا زالت تغذى حتى يومنا هذا وما الصور السيئة التي نشرت عن الرسول محمد صلى الله عليه وسلم في الدنمارك ، وما قاله البابا بنديكيت مؤخرا من اساءة للرسول والاسلام في محاضرته في المانيا ، الا ادلة واضحة عما ذهبنا اليه ، وفي هذا السياق فقد قام باحثون مختصون في علوم الإجتماع في الآونة الأخيرة بالكشف عن نتائج أبحاث واسعة تناولت مسألة وتأثير الآراء الشائعة والأحكام المسبقة المنتشرة بين الشعوب وخصوصاً في الغرب. استخلصوا منها أن الخصائص الإقليمية السائدة لهذه الشعوب قد تكون من صنع المجتمع نفسه، وربما ما توظف في خدمة المحافظة على هويته القومية، وإن هذه الآراء الشائعة والأحكام المسبقة قد تثبت وترسخ في عقول الناس من خلال ميولهم المختلفة في معالجة المعلومات والتعامل معها، وبمعنى آخر، إن الناس ينسون الأشياء التي تخالف وتناقض آراءهم وتصوراتهم بشكل أسرع من تلك الآراء الشائعة والراسخة في العقول. واكد هؤلاء الباحثون على أن الآراء الشائعة والأحكام المسبقة أصبحت ظواهر ثقافية يتم تناقلها عبر وسائل الإعلام والتربية .
- التفاصيل
- كتب بواسطة: Magumba
- الزيارات: 3
buy phentermine online
generic viagra
generic cialis
buy valium
buy tramadol online
buy xanax online
buy viagra online
buy cialis online
- التفاصيل
-
كتب بواسطة:
- الزيارات: 1
Generic viagra online generic viagra http://www.stickam.com/viagra_generic [url=http://www.stickam.com/viagra_generic]generic viagra[/url]
- التفاصيل
- كتب بواسطة: جمعية التجديد الثقافية الاجتماعية
- الزيارات: 1
أضلال اعتقادات أم أزمة علاقات ؟
الحديث عن الطائفية الدينية ليس حديثا عن مجهول أو مفقود بل موجود وبقوة، ولن يختفي طالما قبلنا أن يكون الوصفة السحرية لشرذمة من الطامعين لتحقيق مآربهم ومصالحهم السياسية، باسم الدين تارة وبالسم الطائفة تارة أخرى، عجزت عن تحقيقها بالعدل والإنصاف، والنصيحة والاحترام والمحبة والسلام.
هذا أمر إن لم ينتبه له المتعشقون للحديث الطائفي، المنفقون سواد أيامهم فيه، قولاً مشفوهاً ومحبراً، في صحائف الكتب وصفحات المواقع الالكترونية، فإنهم سيجدون أنفسهم غداً بين يدي الله قد حشروا في الأخسرين أعمالاً، الذين ضل سعيهم وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً. وسيوقفون للسؤال عما تسببوا فيه من تمزيق أمة محمد(ص)، وما أسدوه للطامعين فيها من حكامها الجائرين وأعدائها الغاصبين من خدمة جليلة. علموا أنهم يفعلون ذلك أم لم يعلموا.
إن الأزمة الأم بين أتباع المذاهب والطوائف الدينية خاصة في الإسلام، هي أزمة علاقات لا أزمة ضلالات. فإنك لو فتشت في صفحات كتب كل فريق، لوجدت فيها ما يقترب أو يبرر أو يجوز شيئاً مما ينكره على الفريق الآخر، ولكنه في مذهب هنا مُبرز مُفعّل معمول به، وهناك من المتواري المتروك، لكنه مذكور.
إن المسلمين لم يختلفوا في شيء من أمهات العقائد التي قام عليها الإسلام أصولاً ولا فروعاً. فهم جميعاً موحدون خالصون يؤمنون بالله وحده لا شريك له، وبالنبي محمد (ص) نبياً خاتماً قد انقطع بعده إرسال الرسل، وبالقرآن الكريم كتاباً محفوظاً لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. ويؤمنون بسائر الكتب المنزلة، وبجميع النبيين، وبالملائكة واليوم الآخر، والجنة والنار، وفي أركان الدين يؤمنون بالصلاة المكتوبة وأنها 5 صلوات 17 ركعة، تؤدى نحو القبلة الكعبة المشرفة. ويؤمنون بوجوب صيام شهر رمضان، وحج البيت والعمرة، وبالزكاة والصدقة والخمس، ولو تواجد مسلم شيعي وآخر سني وآخر زيدي وآخر إباضي في وسط مجتمع كافر أو كتابي لاكتشفوا كم هم متشابهون، ولكنهم عند ما يعودون لديارهم ويتحيزون لفئاتهم، ينسون كل هذه الأمور الجليلة الجامعة، ليعودوا في تعظيم وتضخيم نقاط الاختلاف بينهم، وكأنهم أبناء ملل ونحل لا ملة واحدة.
إن أول ما اختلف فيه المسلمون؛ وهو المبدأ الأم للاختلافات بينهم هي الإمامة، وهي شأن سياسي اجتماعي، سار فيه عليٌ عليه السلام بسيرة، وهو قطب الرحى في اختلاف المسلمين فيها، عليه دارت ولا تزال، فحسب المنظور الشيعي للأمر أنه (ع) ظل يطالب بحقه الذي يراه لنفسه على هذه الأمة، إلاّ أنه لم يشق لها عصاً ولا صفاً، وكان متعاوناً مع من اختلف معهم في نفس حقه أبي بكر وعمر، وفضّل وحدة الأمة على تمزقها وإن كان فيه جور عليه، وقد عبر عن ذلك بواضح العبارة فقال في الخطبة 74 من نهج البلاغة لما عزموا على بيعة عثمان " لقد علمتم أني أحق الناس بها من غيري، ووالله لأسلّمنَّ ما سلمت أمور المسلمين، ولم يكن فيها جور إلاّ عليّ خاصة، التماساً لأجر ذلك وفضله، وزهداً فيما تنافستموه من زخرفه وزبرجه". فأين المدعون أنهم عن حق عليّ يدافعون، وبه يطالبون؟ كيف يفضلون ما يمزق الأمة من إثارة الخلاف اللامجدي، لا بل المضر بالمسلمين؟ أو ليس علياً(ع) يقولها صراحة أن في الصبر على ضياع الحق الشخصي، مع بقاء أمور المسلمين سالمة؛ فضلاً وأجراً أعظم؟ فهلا استن الشيعة المذهبيون بنسبة إمامهم فانشغلوا عن أمر الخلافة الذي مات، بسلامة أمور المسلمين التي كانت ولا زالت أولى بالرعاية عند أمير المؤمنين؟ وهلا توقف السنة المذهبيون استناناً بسنة علي (ع)؛ وهم لا ينكرونه، فتركوا التنازع الأجوف واشتغلوا بسلامة أمور المسلمين التي هي اليوم أبعد ما تكون عن السلامة؟
إننا اليوم وقد ابتلينا بالمذهبيّة والطائفية لأحوج ما نكون إلى انتهاج منهج سليم في العلاقات، فإنا قد وجدنا أن جوهر المشكلة هو أخطاء في العلاقات ليست من الدين في شيء، ولو تبدل هذا النهج الخاطئ بنهج سليم موافق للدين والأخلاق، لما كان للمذاهب والطوائف ذلك الضرر، لقد أسس الدين الحنيف منهجاً سليماً للتعامل مع الآخر المختلف، ألا وهو:
ü الجدال بالتي هي أحسن،
ü مع الامتناع عن السب،
ü وعدم ادعاء امتلاك كل الحق والحقيقة قبل ثبوتها عند الطرفين المتجادلين،
ü وعدم الدخول في الجدل الجماعي الجماهيري لأنه أبعد ما يكون عن التفكر المنطقي،
ü ثم عدم اعتبار النتيجة ( نتيجة الجدل) ميزاناً للمعاملة في الدنيا لأن الحكم الأخير في مثل هذه الأمور مؤجل للآخرة حيث يحكم فيها الله سبحانه بين عباده.
هذه موازين خمس مدونة في القرآن الكريم بوضوح:
الأول في قوله تعالى ( ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ)(النحل: من الآية125) وفي قوله تعالى )َلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ)(العنكبوت: من الآية46)
الثانية: في قوله تعالى (وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ)(الأنعام: من الآية108)، (وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ)(الأنعام: من الآية108)، فالسباب قفل للقلوب عن سماع الحق مهما كان جليّاً وهو أقصر طريق لإحضار شح النفس.
الثالثة: (وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ)(سـبأ: من الآية24، فالدخول في الجدل ينبغي أن يكون قائماً على افتراض أن الحق يمكن أن يكون عند أحد الطرفين دون الآخر، كما يمكن أن يكون بعيداً عن كلا الطرفين، كما يمكن أيضاً أن يكون متجزئا عندهما كما هو غالب الأحوال.
الرابعة: ( قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ)(سـبأ: من الآية46) فالجدال الجماهيري هو أخذ للنفس بعزة الإثم، عند الغالب والمغلوب، بل إن تصور الغلبة في الجدال يبعده أشواطاً عن الله والهدى ويجعله مجرد مباراة في ساحة الشيطان.
الخامسة: (وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ )(الشورى: من الآية10)،( اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ) (الحج:69)، فمهما كان الاختلاف بين الناس فإنه لا يسقط كرامتهم وحقوقهم، أناس قد أكرمهم الله، ولهم الحق في كامل الفرصة الدنيوية أن يُعمّروا ما يتذكر فيه من تذكر، ثم حسابهم على الله، أما في الدنيا فالناس سواسية أمام القانون، مؤمنهم وكافرهم سنيهم وشيعيهم، هكذا وإلاّ فهي الفتنة والفساد والكبير.
هذا هو منهاج القرآن في الجدل أو هذه بعض قواعده، وقد أوضح جانباً مهماً منه الإمام الصادق (ع) في خصوص الجدل المذهبي، فقد قيل له يا بن رسول الله (ص) فما الجدال بالتي هي أحسن وبالتي ليست بأحسن؟ فقال: أما الجدال بغير التي هي أحسن فأن تجادل به مبطلاً، فيورد عليك باطلاً فلا ترده بحجة قد نصبها الله، ولكن تجحد قوله، أو تجحد حقاً يريد بذلك الحق أن يعين به باطله، فتجحد ذلك الحق مخافة أن يكون له عليك فيه حجة، لأنك لا تدري كيف المخلص منه... ، أما المبطلون فيجعلون ضعف الضعيف منكم إذا تعاطا مجادلته وضعف في يده حجة له على باطله، وأما الضعفاء منكم فتغم قلوبهم لما يرون من ضعف المحق في يد المبطل.
إن الجدال بغير التي هي أحسن هو أن تجحد حقاً لا يمكنك أن تفرق بينه وبين باطل من تجادله، وإنما تدفعه عن باطله بأن تجحد الحق، فهذا هو المحرم، لأنك مثله جحد هو حقاً وجحدت أنت حقاً آخر، ....[ الاحتجاج ص 14 ص 15 بتصرف].
وسنضرب مثالاً من المجادلات الباطلة والتي لا يراد بها وجه الله من خلال مجادلة على موقع شبكة الدفاع عن السنة كتبها " ساجد لله " بتاريخ 31/7/2006 حول عنوان " الرافضة وطواف الرسول (ص) على نسائه " كتب ساجد لله يقول: كتب علامة الرافضة الخبيث العاملي:
" فقد أخرجوا هذه الأحاديث وصححوها للمسلمين حتى لا يكون عليهم حجة فهم يعتدون بالرسول(ص) فهو بشر مثلهم يحب الشهوات!! حاشى الرسول (ص) من هذه الاتهامات وهذه الأحاديث التي وضعها الوضاعون!! أخرج البخاري عن أنس بن مالك قال كان النبي (ص) يدور على نسائه في الساعة الواحدة من الليل والنهار وهن إحدى عشرة، قال قلت لأنس: أو كان يطيقه؟ قال كنا نتحدث أنه أعطى قوة ثلاثين، وقال سعيد عن قتادة أن أنساً حدثهم تسع نسوة.
وحدثنا الحسن بن أحمد بن أبي شعيب الحراني، حدثنا مسكين يعني ابن بكير الحذاء عن شعبة عن هشام بن زيد عن أنس أن النبي (ص) كان يطوف على نسائه بغسل واحد.
إلى أن قال الخبيث (العاملي): هذه الأحاديث وفظاعتها أيها المسلم العزيز لا تليق بالنبي (ص) ولا بأزواجه وعرضه، فكيف يكتبون ويخرجون ما يحلو لهم؟ إلى آخر ما كتبه.
ويتابع " ساجد لله " قائلاً: والغريب أننا نجد في كل كتبهم من هذه الأقوال وسواها رغم أن حاخامات الرافضة يعلمون جيداً أن كتبهم ومن أعطوهم العصمة قد نقلوا هذه الأحاديث بل وصححوها واستنبطوا منها الأحكام الفقهية.... وتعالوا معا لنقرأ ما ورد في كتب الرافضة حول هذه المسألة وسأترك لكم الحكم بإذن الله.
عن محمد بن يعقوب، عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم عن هشام بن سالم عن أبي عبد الله (عليه السلام ) قال: إن أبا بكر وعمر أتيا أم سلمة فقالا لها يا أم سلمة إنك كنت عند رجل؛ فكيف رسول الله (ص) من ذاك؟ فقالت ما هو إلاّ كسائر الرجال – إلى أن قال: فغضب رسول الله (ص) ثم قال: فلما كان في السحر هبط جبريل بصفحة من الجنة كان فيها هريسة، فقال يا محمد هذه عملها لك الحور العين فكلها أنت وعلي وذريتكما فإنه لا يصلح أن يأكلها غيركم، فجلس رسول الله (ص) وعلي وفاطمة والحسن والحسين (ع)، فأعطي رسول الله (ص) في المباضعة من تلك الأكلة قوة أربعين رجلاً، فكان إذا شاء غشى نساءه كلهن في ليلة واحدة" الكافي 5: 565 – 41 .
ثم يورد أمثال هذه الرواية من مصادر شيعية مختلفة وعلي ألسن فقهاء متعددين مع تحلية الأسماء بمثل لفظ الرافضي، الحاخام .... إلخ.
ثم تبدأ التعقيبات مزينة بالشتائم والسباب، الذي سنعرض عن مساقه ونكتفي بذكر نماذج منه معتذرين للقارئ عن عدم تنزيه سمعه عنه نظرا لحاجتنا في بيانه:
- "الروافض."
- " يبدو أن الروافض انقرضوا "
- "وسؤالنا لمعصومي الرافضة: هل كان الرسول (ص) يطوف علانية كما يقول حاخاماتكم لتنقلوا عنه هذا الفعل أم كنتم تتجسسون على جدكم صلوات ربي وسلامه عليه.. ياراااااااا ففضة اقرأو اا اا اا اا اا اا اا اا اا اا اا اا ا كتبكم !!"
- :" كيف يستطيع الرافضة القراءة فهم مشغولون بالبدع وبالشركيات وبمواسمهم التي لا نهاية لها، فهم لديهم في كل يوم مناسبة، كيف يتفرغون للقراءة..."
- : "بارك الله فيكم يا أسود السنة."
- "مواضيعك سم وشوكة في حلوق اليهود الرافضة".
- "قاتلكم الله السميع العليم أيها الرافضة الماجنون."
- "ساجد لله: ارتفاع نسبة الإيدز في إيران وأعداد عاهرات قم والنجف في زيادة مستمرة، والأطفال والأجنة على قارعة الطرق نتيجة الانحلال والعقاب الرباني، ولا يكاد بيت من بيوت الرافضة يخلو من الزنا وإن جملوا اسمه وغلفوه!!"
ونهدف من بيان مثل هذا الاقتباس إلى:
1. أن نظهر للقارئ الكريم مدى مخالفة الجدال عندنا لمنهاج الجدال القرآني، فهو حرام من أوله إلى آخره، وفيه ما فيه من مخالفات لكل قواعد منهاج الجدل التي رسمها الله في كتابه من جحود حق الآخر، وسبه وقذفه وحربه وتكفيره، ومن الجمهرة والتحزب، ومن التمسك الأزلي من كل فريق بأن الحق كله عنده أولاً وأخيراً، وإنك لتعجب من طهارة الأسماء دون الأفعال، ولا تحسبن أن هذا موجود عند طرف دون آخر، فهذه الزبالة تخرج من كل الألسنة، تزداد كلما زاد التعصب، وما عليك إلا أن تدخل " بيوت خلاء" الدردشة – مع اعتذارنا - فتزكم أنفك بنتن الفرق كلها.
2. أن نبين للقارئ الكريم أن أصحاب هذا الجدل مشكوك في ولائهم وانتمائهم وحميتهم للإسلام، فإن أمثال هذه العبارات الدينية المذهبيّة أو الطائفية لا يراد منها إلاّ جرُّ الأمة للغواية، وإلاّ فقل لنا بربك ما الذي تغير في رجل الدين الشيعي العاملي الذي جمع كتاباً من 6 أجزاء سماه الانتصار، كلها من مجادلاته على مواقع الانترنت، حينما علم أن ما بكّت عليه رواة السنة في زعمهم أن رسول الله (ص) قد أوتي قوة 40 رجلاً في المباضعة وأنه كان يطوف على نسائه كلهن في ساعة واحدة، ما الذي تغير منه حينما علم أن مثل هذا الذي ينكره هو موجود في كتب مذهبه أيضاً؟ ( على افتراض صحة ما نقله ساجد وأمانته)، هل سيظل العاملي على أن يد الوضاعين قد امتدت لسائر كتب الحديث الإسلامية سنيها وشيعيها؟ أم سيتحول عنده ما استقبحه عن النبي إلى شيء جميل لمجرد أنه وجده في كتبه؟ ثم انظر إلى " ساجد لله " هذا ومن والاه، واسأله هل أن ورود الروايات عند الشيعة أيضاً يجعل القبيح على رسول الله حسناً؟ وهل سقط القبح حينما أصبح المسلمون شركاء فيه؟!
لو كانت هناك غيرة عند العاملي وفريقه، و " ساجد لله " وفريقه على الدين، وكانت حميتهم إليه، وغيرتهم عليه لا على رجالهم ومذاهبهم وأنفسهم، لكان جديراً بهم أن يتعاضدوا جميعاً في مشروع لمحاكمة الروايات غير اللائقة بالنبي (ص) والدين، ولكنهم جميعاً أبعد ما يكونون عن ذلك، فما هي إلاّ العصبيّة وحمية النفس، وسيذهب العاملي ليفتش عن عورة أخرى، ويذهب " ساجد لله " كذلك يفعل فعله، فما دام الأمر مشتركا عند الطرفين فلابد أنه صحيح وحسن، ولم تكن ردة فعلهما الأولى واستنكارهم الباده إلا غفلة منهم عن وجه الصواب والجمال في الأمر! هكذا ستحدثهم أنفسهم، ولا عجب فالكل أسير معتقده.
3. نريد أن نبين للقارئ الكريم كيف ترسخت أسس مذهبيّة ظالمة للآخر عند كل فريق، فانظر إلى الشيخ " ساجد لله " كيف ورط نفسه في اتهامات جاهلية لأعراض المسلمين، مع كونها حرام عليه بحسب الدين وبحسب وصية سيد المرسلين. وما هو إلاّ مثال لأمثاله من الطائفيين المذهبيين من كل المذاهب، لا نستثني جاهلا عن جاهل أينما كانوا وحلوا وانتموا، فكلهم يقول في الآخر ما لا يرضاه الله ورسوله حينما صرخا فينا أن كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه.
4. نريد أن نظهر للقارئ الكريم مدى الخطر الذي بلغناه، فتحت هذه الأسماء المرمزة يمكن أن يندس كل غريب ومدسوس وجاسوس ومفتن، وتحتها يمكن الكلام بغير حياء ولا خجل ولا تلبّث وتريّث، وتحتها يمكن لبراكين الحقد والكراهية أن تتفجر حمماً، وتنفث سموماً تحرق وتخنق وتقتل. إنها كبيوت الخلاء العامة يقال فيها ما لا يُتجّرّأ على قوله علانية، علما بأن هذه الرموز قد تكون لرجال دين مبرزين وممن يتحدثون في الفضائيات ويستضافون في المؤتمرات ويساهمون في صياغة الرأي العام، فهذا الشيخ العاملي إن صدق الظن هو من المرموقين عند طائفته وهو يحسب أنه يحسن صنعا، ولعل "ساجد لله" هو الآخر كذلك.
هل كان مثل هذا القبح ضرورياً للجدال؟ الم يكن ممكناً الرد علميا بأسلوب مهذب؟ ولكن لعمرك إنما يفعل ذلك من هو صادق الولاء للإسلام أما هؤلاء فولاؤهم لأنفسهم يخالفون في سبيله قول ربهم وأئمتهم.
قد سقنا مثلاً للجدال بغير التي هي أحسن فلنسق مثالاً للجدال بالتي هي أحسن، بين عالمين جليلين من أرفع علماء الإسلام، لا نريد من ذلك أن نصحح مقولة أحدهما دون الآخر، فلقد كان لكل منهما وجهٌ من حق، ولكن لنأخذهما مثلاً للجدال بالتي هي أحسن أدباً واحتراماً وبرهاناً وعلماً، إنهما الشيخ عبد الحسين شرف الدين والشيخ سليم البشري شيخ الأزهر يومها، ولا يهمنا محتوى الكتاب فاعتقادنا أن الجدال المذهبي حتى بالتي هي أحسن لا جدوى منه، فعقيدتنا أنه لن يدخل مسلما الجنة ولن يخرجه من النار إذا كانت أعماله تسوقه إلى أحدهما، بل لعل إثم الجدال اليوم أكبر من ، فالهم اليوم ينبغي أن يكون التعاون على البر أو البر والتقوى ، ولكن لعل عشاق الجدال المذهبي أن يتأسوا بهما على الأقل في أدبهما وتوقيرهما لبعضهما واحترام كل طرف لفكر الآخر واعتقاده ، فلم نعد نرى من بعدهما اليوم إلاّ التبجح.
يقول الشيخ سليم في رسالته الأولى:
سلام على الشريف العلامة الشيخ عبد الحسين شرف الدين الموسوي ورحمة الله وبركاته.
إني لم أتعرف فيما مضى من أيامي على دخائل الشيعة، ولم أبل أخلاقهم، إذ لم أجالس آحادهم، ولم أستبطن سوادهم. وكنت متلعلعاً إلى محاضرة أعلامهم، حران الجوانح إلى تخلل عوامهم، بحثاً عن آرائهم، وتنقيباً عن أهوائهم، فلما قدر الله وقوفي على ساحل عيلمك المحيط، وأرشفتني ثغر كأسك المعين، شفى الله بسائغ فراتك أوامي، ونضح عطشي، وألية بمدينة علم الله ـ جدك المصطفى ـ وبابها ـ أبيك المرتضى ـ إني لم أذق شربة أنقع لغليل، ولا أنجح لعليل، من سلسال منهلك السلسبيل، وكنت أسمع أن من رأيكم ـ معشر الشيعة ـ مجانبة إخوانكم ـ أهل السنّة ـ وانقباضكم عنهم، وأنكم تأنسون بالوحشة وتخلدون إلى العزلة، وأنكم. وأنكم. لكني رأيت منك شخصاً رقيق المنافثة، دقيق المباحثة، شهي المجاملة، قوي المجادلة، لطيف المفاكهة، شريف المعاركة، مشكور الملابسة، مبرور المنافسة، فإذا الشيعي ريحانة الجليس، ومنية كل أديب.
وإني لواقف على ساحل بحرك اللجي، استأذنك في خوض عبابه والغوص على درره، فإن أذنت غصنا على دقائق وغوامض تحوك في صدري منذ أمد بعيد، وإلا فالأمر إليك وما أنا فيما أرفعه بباحث عن عثرة، أو متتبع عورة، ولا بمفند أو مندد، وإنما أنا نشّاد ضالة، وبحّاث عن حقيقة، فإن تبين الحق، فإن الحق أحق أن يتبع وإلا فإنّا كما قال القائل:
نحن بما عندنا وأنت بما عنـ * ـدك راضٍ والرأي مختلف
وسأقتصر ـ إن أذنت ـ في مراجعتي إياك على مبحثين، أحدهما في إمامة المذهب أصولاً وفروعاً، وثانيهما في الإمامة العامة، وهي الخلافة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وسيكون توقيعي في أسفل مراجعاتي كلها (س) فيكن توقيعك (ش) وأسلفك رجاء العفو عن كل هفو والسلام.
فيرد عليه الشيخ شرف الدين:
السلام على مولانا شيخ الإسلام ورحمة الله وبركاته.
خولتني بكتابك العطوف من النعم، وأوليتني به من المنن ما يعجز عن أداء حقه لسان الشكر، ولا يستوفي بعض فرائضه عمر الدهر.
رميتني بآمالك ونزعت إلي برجائك، وأنت قبلة الراجي، وعصمة اللاجي، وقد ركبت من سوريا إليك ظهور الآمال، وحططت بفنائك ما شددت من الرحال، منتجعاً علمك، مستمطراً فضلك، وسأنقلب عنك حي الرجاء قوي الأمل، إلا أن يشاء الله تعالى.
استأذنت في الكلام ـ ولك الأمر والنهي ـ فسل عما أردت، وقل ما شئت، ولك الفضل، بقولك الفصل، وحكمك العدل وعليك السلام.
تُرى ما الذي يحبس ألسنة المسلمين عن أن يقولوا التي هي أحسن، ألم يأمرهم الله بذلك حين قال ( قُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوّاً مُبِيناً) (الإسراء:53) فأين هم من تحذير الرحمن لهم عن نزغ الشيطان، ثم يقولون أنهم يريدون بذلك وجه الله، وما سواه صفعوا، وخدمة دين الله وما سوى أعدائهم خدموا، قد أعمتهم العصبيّة عن التبصر فيما فيه صالح أمتهم.
والداهية الداهية هي أن كتب التراث المذهبي قد قعّدت لمثل هذا الجدال الآثم، وجعلته من أعظم المثوبات، وعن مثله انطلق رجل الدين الشيعي وهو يحسب أنه يحسن صنعا، ولسنا نراه إلا سعيا ضالا، ولا ثمرة له إلا الخسران . فقد روى صاحب كتاب الاحتجاج الشيخ الطبرسي في ج1 ص 14 – 15 أحاديث لا نراها إلا مكذوبة على أهل البيت يستحث فيها الشيعة على الخصومة مع مخالفيهم من المسلمين، قال:
قال أبو محمد عليه السلام: قال الحسن بن علي بن أبي طالب عليه السلام وقد حمل إليه رجل هدية فقال له: أيما أحب إليك أن أرد عليك بدلها عشرين ضعفا أو أفتح لك بابا من العلم تقهر فلانا الناصبي في قريتك تنقذ به ضعفاء أهل قريتك؟ أن أحسنت الاختيار جمعت لك الأمرين، وإن أسأت الاختيار خيرتك لتأخذ أيهما شئت. فقال: يا بن رسول الله فثوابي في قهري ذلك الناصب واستنقاذي لأولئك الضعفاء من يده قدره عشرون ألف درهم؟ قال: بل أكثر من الدنيا عشرين ألف ألف مرة. قال:
يا بن رسول الله فكيف أختار الأدون بل أختار الأفضل، الكلمة التي أقهر بها عدو الله وأذوده عن أوليائه. فقال الحسن بن علي عليهما السلام: قد أحسنت الاختيار، وعلمه الكلمة وأعطاه عشرين ألف درهم، فذهب فأفحم الرجل، فاتصل خبره به فقال له حين حضر معه: يا عبد الله ما ربح أحد مثل ربحك ولا اكتسب أحد من الأوداء مثل ما اكتسبت مودة الله أولا ومودة محمد وعلي ثانيا ومودة الطيبين من آلهما ثالثا ومودة ملائكة الله تعالى المقربين رابعا ومودة إخوانك المؤمنين خامسا، واكتسبت بعدد كل مؤمن وكافر ما هو أفضل من الدنيا ألف مرة، فهنيئا لك هنيئا.
وقال أبو محمد عليه السلام: قال جعفر بن محمد عليهما السلام: من كان همه في كسر النواصب عن المساكين من شيعتنا الموالين حمية لنا أهل البيت يكسرهم عنهم ويكشف عن مخازيهم ويبين عوارهم ويفخم أمر محمد وآله جعل الله تعالى همة أملاك الجنان في بناء قصوره ودوره، يستعمل بكل حرف من حروف حججه على أعداء الله أكثر من عدد أهل الدنيا أملاكا، قوة كل واحد يفضل عن حمل السماوات والأرضين، فكم من بناء وكم من نعمة وكم من قصور لا يعرف قدرها إلا رب العالمين.
وقال أبو محمد عليه السلام: قال علي بن موسى الرضا عليهما السلام:
أفضل ما يقدمه العالم من محبينا وموالينا أمامه ليوم فقره وفاقته وذله ومسكنته أن يغيث في الدنيا مسكينا من محبينا من يد ناصب عدو لله ولرسوله، يقوم من قبره والملائكة صفوف من شفير قبره إلى موضع محله من جنان الله، فيحملونه على أجنحتهم يقولون له: مرحبا طوباك طوباك يا دافع الكلاب عن الأبرار ويا أيها المتعصب للأئمة الأخيار.
وقال أبو محمد لبعض تلامذته - لما اجتمع إليه قوم من مواليه والمحبين لآل محمد رسول الله بحضرته وقالوا: يا بن رسول الله صلى الله عليه وآله إن لنا جارا من النصاب يؤذينا ويحتج علينا في تفضيل الأول والثاني والثالث على أمير المؤمنين عليه السلام ويورد علينا حججا لا ندري كيف الجواب عنها والخروج منها -: مر بهؤلاء إذا كانوا مجتمعين يتكلمون فتستمع عليهم فسيستدعون منك الكلام فتكلم وأفحم صاحبهم واكسر عربه وفل حده ولا تبق له باقية، فذهب الرجل وحضر الموضع وحضروا وكلم الرجل فأفحمه وصيره لا يدري في السماء هو أو في الأرض.
قالوا: ووقع علينا من الفرح والسرور ما لا يعلمه إلا الله تعالى، وعلى الرجل والمتعصبين له من الغم والحزن مثل ما لحقنا من السرور. فلما رجعنا إلى الإمام قال لنا: إن الذين في السماوات لحقهم من الفرح والطرب بكسر هذا العدو لله كان أكثر مما كان بحضرتكم، والذي كان بحضرة إبليس وعتاة مردته من الشياطين من الحزن والغم أشد مما كان بحضرتهم، ولقد صلى على هذا العبد الكاسر له ملائكة السماء والحجب والعرش والكرسي، وقابلهما الله تعالى بالإجابة فأكرم إيابه وعظم ثوابه، ولقد لعنت تلك الأملاك عدو الله المكسور وقابلها الله بالإجابة فشدد حسابه وأطال عذابه.
فانظر إلى علامات الوضع في أمثال هذه الروايات، فلسانها لسان العوام، وأشخاصها بلا تشخيص( جار، صاحب، رجل، فلان، قوم...)، كما يقولون إذا أردت الكذب فاكذب على غائب أو ميت، وقد عرف علم الحديث أمثال هؤلاء وسماهم المحتسبين الذين يضعون الحديث في خدمة الدين بحسب نظرهم ، ولسانها أبعد ما يكون عن لسان الأئمة والعلماء فهو بلا أدب ( يا دافع الكلاب).
هذه الروايات قد وضعها عشاق الجدل المذهبي على ألسنة أهل البيت ليشرعوا لأنفسهم الدخول في الجدل الباطل الممزق المفرق، بل وضعها أعداء أهل البيت ليقبحوا صورتهم عند سائر المسلمين.
والأمر الخطير هنا، وكما هو الحال مع أحاديث السنة المروية عند المسلمين أنها أشد أثرا في تكوين الوعي، وصياغة توجهات الرأي العام، من آيات الذكر الحكيم، حيث تستخدم الروايات في توجيه العقل وصياغة التوجهات الدائمة، وهنا تكمن خطورتها:
ü فهي تجعل الجدل لأجل كسر الخصوم هدفا مقدسا،
ü وله من الثواب ما لا يحصيه إلا الله،
ü والبارع فيه هو مع النبيين والصالحين من أهل السموات والأرضين،
ü مع تسليح المجادل بإجازة السب واللعن والكسر والفلّ.
فهل تنتظر أن تنجلي المعركة إلا عن النار والدمار.
ومن الغريب أنك تجد صاحب كتاب الاحتجاج نفسه يخالف مثل هذه الروايات التي أوردها في الصفحة 14 ومباشرة في الفصل الذي يليها في الصفحة 15، فيورد ما ينافيها ويمنعها ويحرمها على لسان الرضا عليه السلام، والتي أوردناها سابقا، ولكن من الناحية العملية يمارس المجادلون منهاج الجدل في الصفحة الرابعة عشرة مدعين أنهم من أهل الخامسة عشرة، وكذلك هي خطوات الشيطان مضللة للإنسان.
إن عشاق الجدل قد دسوا أمثال هذه الروايات ليجعلوا عملهم عملا مندوبا وواجبا يثاب عليه جزيلا، وتفرح به ملائكة السماء، وما هو إلا خناجر تمزق جسد الأمة وتقطّع أوصال المشروع النبوي تقطيعا،إنه جدال عقيم حقود، لا ولاء فيه للإسلام، ولا حمية فيه للدين، ولا يثمر أبدا عن اتفاق على حق، ولو كان الحق كالشمس الطالعة.
إن الجدال الحق هو الذي يسلم للحق إذا تبين مهما كانت جهته ومقتضاه، أما إذا كان الاختيار لمذهب دون آخر على أنه هو الحق، فمتى ما حدث ذلك كان التنكر للآخر بأنه لا حق فيه، فوقعنا فيما حذرنا منه القرآن من متابعة أقوال اليهود والنصارى في بعضهم أن ليس الآخر على شيء مع تلاوتهم لنفس الكتاب، وقد وبخ الله القائلين مثل قولهم بأنهم لا يعلمون، وما ترانا نقول إلا نفس مقالتهم وننهج إلا منهجهم، وكأننا لم نحذر ولم ننذر (وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ) (البقرة:113)
إن الجدل المذهبي يمارس على عقول الناس تضليلا يعميها عن الأكثر المشترك، ويضخم في عينها القليل المختلف، حتى لتعود مواضع الاختلاف تستحوذ على الدين كله، لتكون هي الدين، فلا ترى أعين الناس سواها، تماما كم لو كان عندك بالونٌ فعقدته في موضع لتمنع الهواء عما وراءه، ثم نفخت فيما قبل العقدة فضخمتها وعظمتها، فالناظر لا يرى البالون إلا ما نفخ، حتى لو كان ما بعد العقدة أعظمه.
فالعقل المضلَل يعمى عن رؤية أن المختلف يصلي، وهو جوهر الأمر، ليبصر أنه يُسبل أو يتكتف؟ يجمع أو يفرق؟ يجهر أو يخفت؟ ويعمى عن حقيقة الصوم في الصيام، ليبصر أنه يفطر مع غياب القرص أم بعد غياب الحمرة المشرقية؟ ويعمى عن حقيقة الوضوء ليبصر أغسلتان ومسحتان، أم ثلاث غسلات ومسحة؟! مع أن منهاج الدين صريح في احترام كل صلاة يتعبد بها العبد لله، وأنها تحت الحفظ الرباني بالتدافع الإنساني ( وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً )(الحج: من الآية40).
إن الاستفزاز المذهبي الذي يسيطر على عقول وقلوب المذهبيين ما هو إلا رعونة أخلاقية، وليس كفاءة علمية، ولن تلبث أن تجد أحدهم مهما تصنع العلمية أن ينقلب نحو الفظاظة والسباب واللعن والتكفير، وستجدهم يلجؤون للكذب والبهت والإعراض والاستهزاء كلما دعت الحاجة بل ابتداءً، فهم أبعد ما يكونون عن سمت النبوة وهدي القرآن.
إن التبجح الطائفي والتخبط المذهبي الذي يملأ الميادين، قد فتح للشيطان ثغرات لا تحصى، وقد حظي فينا بامتيازات خاصة، فهو يقلبنا كيف يشاء، إن شاء أوقد وإن شاء أخمد، لا لشياطين الجن فحسب بل هم اليوم أقل ضررا من شياطين الإنس، الذين يوقدون وينفخون يبتغون بنا الفتنة وفينا سماعون لهم، فلا غرو فهذه وسائل إعلامهم تفتأ تذكر شيعية المقتول وسنية القاتل ، وسنية المهجَّر وشيعية المهجِّر، وتستقبل خوار المذاهب وتسميه حوارا، سبحان الله فجأة تمخض جملهم عن كل هذا ثم يقولون أن نظرية المؤامرة أوهام!
إن السقوط في الحبائل الطائفية والمذهبية سقوط في مرمى الأهداف الخاطئة، فما جعل الله الفرقة هدفا محمودا حتى يرتضيه لأمة أرادها خير أمة أخرجت للناس، فأين هي الأمة إذا تمزقت مذاهب وطوائف عن أهدافها الحقة التي كلفت بها؟ لقد صدع القرآن فينا بالتحذير منها فقال:( وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) (آل عمران:105)
إن أكثر أيام الأمة ضياعا هي التي نضخم فيها وهج المذهبية على حساب شمس القيم والمبادئ، فحيث تفترق الأمة تفقد عالميتها وتضل عن رسالتها، وتتغيب عن إنسانيتها، فما الذي يفهمه العالم من أمة تتكافر إلا أنها كلها في ضلال مبين؟ وأن ادعاءاتها مهما كانت فهي كاذبة في التمسك بها؟ العالم اليوم والأمس يبحث عن القيم العليا والمبادئ الجامعة للناس كل الناس، ونحن لا نقدم إلا الدم والجرم، والرفض والعزلة، فلا شك أن تبور بضاعتنا في سوق الأفكار.
إن الأهداف الربانية من هذه الأمة حينما شرفها بآخر نسخة من دينه الإسلام، لا تتحقق إلا بوحدتها على عموم مبادئها، والحمد لله أن الأمة لا تختلف في هذه المبادئ، وليس عليها سوى ترتيبها في سلم أولوياتها، فتجعل صغائر اختلافاتها في موضعها الحقيقي من الأهمية، وتتمسك بمقاصدها الكبرى النبيلة، ولكن عقل الأمة اليوم يبعد أشواطا عن ذلك بسبب الانقلاب على القيم الحقيقية واستبدالها بقضايا هي في الحق لا تستحق أن نمزق الأمة من أجلها، فهي لن تدخل جنة ولن تعصم من نار، فالجنة لكل عبد مؤمن قد عمل الصالحات وليكن مذهبه مايكون.
جمعية التجديد الثقافية الاجتماعية
- التفاصيل
- كتب بواسطة: جمعية التجديد الثقافية الاجتماعية
- الزيارات: 2
الدين والتميز الطائفي
من يجرؤ على القول بأن العداء والخصام الطائفي، أو استعلاء طائفة على أخرى، وظلم طائفة لأخرى هي روح الدين في قرآنه وأن هذه هي تعالم الدين السمح؟
أول ما يتنافى من الدين مع التمييز الطائفي هو التعميم في الحكم، فالقرآن حين يستعرض أوجه الاختلاف مع الآخر ، يحرص دائماً على تدوين حالات الاستثناء ، فإذا كان الاختلاف والخصام مع القبائل العربيّة المشركة استثنى الذين لم يمارسوا العدوان منهم على المسلمين، ليجعل موضع الاختلاف والخصام محدداً بإطاره المتصف بالعدوان، مبعداً له عن التلبس بصفات التنازع المحتملة الأخرى، كالعشائرية، أو عدم الإيمان ولكن دون تكذيب وحرب وعدوان، وهذا مما لا يزال ملتبساً على الفكر الإسلامي حتى اليوم، فلم يميزوا بين خصومات المسلمين الدينية مع المخالفين المحاربين، عن المخالفين غير المحاربين، بل جعلوا الخلاف عقائديّاً بحتاً، وذلك لدواعي سياسية في الغالب، ولهذا فهم يطمسون بعض الحقائق التاريخية من مثل تحالفه (ص) بعد الحديبيّة ( أو قل إعلان تحالفه بعد الحديبيّة مع قبائل مشركة لا تزال، وإلاّ فإن تحالفه معها كان سابقاً على الصلح ولكنه كان مكتوماً، خاصة تلك القبائل التي كانت في حلف مع جده عبدالمطلب أيام قبل البعثة).
وإذا تحدث عن خصومات اليهود والنصارى، فلا بد أن تجد استثناءً إذا كان هناك من يستحق الاستثناء، من الفئات التي تشترك مع الخصم في الموقف الثقافي والنظري والعقائدي، ولكنها تختلف معه في الموقف السياسي والسلوكي من المسلمين، وقد جرى طمس هذه الحقيقة أيضاً لينظر للخلاف مع أهل الكتاب على أنه خصومة فطرية أبدية عقائدية، لا سلوكية سياسية طارئة على الموقف الأصل، ولأغراض سياسية أيضاً هنا كما هناك مع المشركين، ولهذا فإنك لا تجد عند المسلمين تقديراً لأمثال قوله تعالى(لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ) (آل عمران:113) ولن تقدر على فهم الموقف الحقيقي في الإسلام من أهل الكتاب، وكيف يمكن الجمع بين " ونساء أهل الكتاب حل لكم " و" طعامهم حل لكم " وقبولهم في الدولة على دينهم، ودين كونهم أعداءً دون عدوان، وخصوماً ولو لم يُبدوا خصومة.
لعلك لا تجد نصوصاً دينية في كل العالم شغوفة بالعدل كما تجدها عند المسلمين في كتاب الله، فالعدل في الإسلام المحمدي قيمة لا يُعلى عليها، يتصف الله بها أولاً، ثم دينه ونبيه، وهي منهاج للمؤمن ولو على حساب النفس، فالعدل قيمة معياريّة توزن بها الرجال والمواقف والأفكار، فيكفي لوصف شيء ما بالفساد أن يكون متصفاً بالظلم، أو مريداً له، ولو كان في الظلم والكذب مصلحة النفس والأهل والأقربين، وينبغي التمسك به ولو مع العدو الشانئ الذي لا يستحق في نفسه العدالة، ولكن لأن المؤمن هو أهل للعدل الذي هو من صفاته التي لا ينبغي له أن يغادرها، وإلاّ غادر حقيقة كبرى من حقائق الإيمان .
ولك أن تشرق في القرآن وأن تغرب لتقرأ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) (المائدة:8)
)يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً) (النساء:135)
(لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) (الممتحنة:8)
إلى غير ذلك الكثير الواضح المسلّم به عند الجميع فلا نطيل فيه، وعليه فإن أول ما يصطدم التمييز الطائفي مع الثوابت من الدين هو التعميم في الحكم على طائفة بعينها، وبكل أفرادها، وأنها مستحقة للاعتداء عليها والتميز عليها لمجرد كونها طائفة أخرى مغايرة، لا لأجل أن فئة منهم أو كلهم قد مارسوا علينا العدوان، وحينها ليس لنا الحق إلاّ في رد العدوان بمثل العدوان لا يزيد عنه، فإن كان تنازعنا معهم حول مال وحقوق ظل هذا العنوان هو موضوع التنازع لا ينبغي تعديه لأسباب عرقية أو ثقافية، ولا ينبغي إلباسه لباس الدين كما يفعل السياسيون على مرّ العصور.
هذا والحال متعلق بغير فئات المسلمين، من طوائف الأديان الأخرى، وأعراق الناس ومللهم ونحلهم، فلا بد أن يكون الحال أجلى وأوضح وأمتن بين طوائف المسلمين ومذاهبهم، ولو كان الاستعلاء بالظلم جائزاً على أحد من مكونات المسلمين لجاز على المنافقين، والذين كان كيانهم في مجمل مجموعه معروفاً ومشخصاً، حيث كانوا يتحلقون حول عبد الله بن سلول الشيخ الأعظم لقبيلتي الأوس والخزرج في الجاهلية، والذي لعظم شخصيّتة فيهم قبلوه عليهم وهما الحيان الخصمان سيداً ومتوجاً مسموع الرأي، فكانت له مجالسه وكان له أتباعه ومريدوه، وكم قد شاقّوا الله ورسوله باتخاذ المواقف الخاذلة والموهنة والمشككة والمفرقة بين جماعة المسلمين، ويخطئ من يظن أن الكتلة العظمى منهم لم تكن معروفة، اعتماداً على قول القائل أنهم كانوا يظهرون الإيمان، فليس هذا صحيحاً فهم كأي كتلة أخرى لهم سمات ومواقف مرصودة ومتوقعة، وكان عامة المسلمين واعين لأفرادهم ومواقفهم، ويتوقعونها منهم، فهم يسيرون على نمط من السلوك والحركة الاجتماعية مميزة ومتوقعة ، ومع كل هذا لم يعاملهم النبي (ص) بالظلم، بل حفظ لهم حقوقهم فيما لم يخالفوا فيه الحق، وحاسب أو تجاوز فيما خالفوا فيه، وبشكل فردي لا جماعي، وبهذا الوعي نجح في أن لا يبرزهم طائفة خارجة عن نسيج المسلمين، بل أذاب خصوصيتهم في نهر المسلمين، مع كل التميز الذي كان متجليّاً فيهم، واستطاع أن يحتّ منهم وينقص، بحيث تحول النفاق في المآل إلى مواقف فرديّة، فلم تعد تسمع بكتلة له متميزة ومترابطة كما كانت أيام ابن سلول، ومن بقي منهم اضطر للعمل على الفساد ضمن المسلمين ، ولكنه كان مضطرا في أكثر الحالات للقيام بواجبه تجاه الإسلام ولو على حساب نفسه وماله، فكم من منافق كان في صفوف المسلمين يقاتل رغما عن نفسه، وكم منهم من بذل ماله وهو كاره ، وهكذا سخروا للخدمة وبلا أجر!.
ولو أن النبي (ص) تشدد وتصلب في التعامل معهم كطائفة متماثلة آخذاً البريء منهم بالمذنب، والضعيف بالقوى، لما زادهم إلاّ تكتلاً وتراصاً، ولبقيت فئتهم مع الوقت لتشكل قطاعاً مستمراً يتآزر ويتكاتف ويحاول أن يفلسف موقفه فكريّاً، ويمارس صناعة القول والتنظير ليؤطر له مذهباً في المذاهب، كما فعل اللاحقون من الزنادقة والدهريين، الذين اتصلوا بثقافات فارس واليونان.
لقد ارتكب المنافقون جنايات وأطلقوا كلمات ذكرها القرآن، ووصفها بأنها كلمات كفر، ومع هذا رفض النبي (ص) أن يقتلهم كما أشار عليه أصحابه في أكثر من مرة، وقال قولته المشهورة " اكره أن تتحدث العرب أن محمداً يقتل أصحابه "، بمعنى أنه كره أن يسمع العرب " الأعداء " أن في المسلمين فتنة داخلية وانشقاقا على الرسول (ص)، وأنهم افترقوا عليه فرقاً فقام بقتل من خالفه، فيكون الفساد في هذا أشد من الفساد في ذاك الذي خشيه المسلمون من وجود منافقين واربوا بكلمات الكفر، فالحفاظ على الوحدة ظاهراً، خير من هتك غلالتها الحافظة لجماعة مجتمع المسلمين عن الفرقة والتشتت فالهوان في أعين الأعداء.
ولعلك تفهم في هذا الإطار المبرر الأخلاقي في اصطناع المعروف عند طائفة المؤلفة قلوبهم الذين لم يكونوا قد آمنوا على الحقيقة، ولم يدخل الإيمان في قلوبهم، ولكنهم أسلموا كما أسلم الناس، وكان من الطبيعي أن تحتاج فئات كثيرة من الناس، وقد دخلوا في دين الله أفواجاً حينما تحقق الانتصار للمسلمين على خصومهم، أن تحتاج إلى زمن من السكينة والروية والمعايشة، لتألف قلوبهم الدين الجديد ويكتشفوا محاسنه، ومن الطبيعي أن السبيل الأنسب لذلك هو توفير حياة كريمة لهم، ومدهم بما يشعرهم بالأمان والخير، فإن القلوب ألين ما تكون تجاه من أحسن إليها، وهذه طبيعة إنسانية، فإذا ما وجدوا الاحترام والمعونة، وتوفرت لهم سبل العيش الكريم في الجماعة الجديدة، انفتحت قلوبهم لسماع ذكرها، وانشرحت صدورهم له، فآمنوا عن قناعة ورضا، بعد ما كانوا مجرد مسلمين يتحسسون مواضع أقدامهم في الأمر الجديد، وهذا حال أكثر مسلمة الفتح وما بعده.
ولكن المسلمين بعد ما اغتروا بأنفسهم، وأنهم أصحاب الإيمان، وفيهم العدد والعدة، ظنوا أن معالجة النبي (ص) لأهل النفاق، ومعالجته للمؤلفة قلوبهم، كانت معالجة المضطر مرحليّاً، وأنهم ليسوا الآن كما كانوا بالأمس، يخافون أن يتخطفهم الناس من حولهم، فكاشفوا المنافقين بالحرب والاحتقار، مما أسهم في فرز كل فئة استجدت في الإسلام، متخذة موقفاً سياسيّاً أو عقائديّاً مغايراً ولو جزئياً، وحوّلها إلى مذهب ثم طائفة، وحجب كل من يستحق قلبه أن يؤلف ليؤمن بوعي عن هذه الفرصة، لأنه لم توجد في المسلمين حكمة رسولهم في التعامل مع الآخر، ولو أن المسلمين لم يتعاملوا فيما بينهم بطريقة العزل والحرب والتفسيق والتدابر حينما يختلفون في الفكر أو في السياسة، لما تحولت مذاهب الرجال إلى طوائف، و لما اجتمع كل أتباع مذهب حول بعضهم ليكوّنوا خطاً دفاعياً، كما يتمترس الجنود خلف خطوط الدفاع، فلا يتزاوجون ولا يتساكنون إلا مع أنفسهم فقط ولا يعطون السمع إلاّ لرجالهم، ولكن مخالفة الحكمة النبوية، واتخاذ نهج التعصب الديني والسياسي جرَّ المسلمين لكل هذا التمزق من الفرق والطوائف.
سياسة الاعتزال والعزل:
كانت المشيئة الربانية قد حكمت لأهل الأديان الإبراهيمية، أن تظل أمماً مختلفة في الشرائع، متوحدة في أصل الاعتقاد بالله والنبوات والكتب السماوية والملائكة واليوم الآخر، ولكنها لم تأذن لأبناء كل أمة أن يختلفوا أمماً، بل أن تظل كل أمة على ما يحفظ أصولها كأمة لها شريعتها ومناسكها، ولكن لتشكل طيفاً من أطياف الإيمان، يجمعها جامع واحد في أمة أوسع هي أمة التوحيد، أما أن تتحول الموسويّة إلى أمم، والنصرانية العيسوية إلى أمم، فهذا مذموم مرفوض خاصة إذا بلغ بها إلى حد التلاعن، فإذا كان الأمر كذلك في غير أمة الإسلام المحمدي من أمم الأديان فإنه بالضرورة أولى تأكيداً في أمة الإسلام الخاتمة، فلا يحق لأحد أن يتخذ غير سبيل التوحد والوحدة الجامعة مع سائر مكونات أمة الإسلام، وهذا لا يعني بطبيعة الحال أن لا يختلف المسلمون في آرائهم ومواقفهم، لأن الاختلاف سنة الحياة، ولكن أن لا يعتبر الاختلاف إذا حدث خروجاً عن إطار الوحدة، فهناك إطار عام يجتمع فيه كل المختلفين وهو الإيمان بالله وحده وبرسالة محمد (ص) الخاتمة وبالقرآن كتاباً هادياً، ثم مهما كان هناك من اختلاف في فهم هذه الأصول أو فروعها فهو لا يخرج عن إطار الوحدة أو هكذا ينبغي أن نفهم ونتعامل.
إن الذين يخرجون المخالف لهم عن الدين والملة بدعوى أنهم يمثلون الأمة في نقائها وكما أراد لها الله، هم خنجر يمزق جسد هذه الأمة ويوزعها أشلاء، والذين يعتزلون جماعة المسلمين لأنهم قد رأوا أن الأمة قد فارقت الحق، وأنهم روح الأمة الصافي بزعمهم، هم أيضاً يمزقون الأمة فرقا، ويمارسون عملاً لم يأذن به الله لأحد من المؤمنين أن يعتزل المؤمنين، فلا اعتزال ولا عزل إلاّ عن الأعداء المناوئين المخالفين للأمة في أصول تكوينها، فأما أن تقول فئة نحن خوارج شُراة خرجنا لله وشرينا أنفسنا له نعتزل الأمة الضالة، أو تقول فئة نحن نعتزل الناس ذهابا عن ضلالهم فليس لهم ذلك، وليس لأحد أن يعزلهم عن الجسد الكبير للأمة، بل الواجب والحق أن لكل طرف الحق وعليه الواجب، أن يظل ضمن إطار الوحدة يمارس خلافه واختلافه، لأن هذا هو الأسلم والأبقى والأنفع لكل الأطراف، فمع الاستمرار والتلاقي يزيل كل طرف متطرف موقفه الفكري والسلوكي ويعود التقارب والتفهم بين الجميع ممكناً.
إن القرآن الكريم يؤكد أن إمكانية حدوث الاختلاف بين المؤمنين هو فرض واقعي، لا بل قد يصل الأمر إلى التقاتل، فأوجب على المسلمين السعي بينهم بالصلح ثم قتال الباغي حتى يعود إلى جسد الجماعة، إن لم ينفع معه الصلح والإصلاح، وقد يقع في سبيل ذلك قتال وتزهق نفوس من المؤمنين، ولكن هذا على ما فيه من المضرة والألم هو أحسن عاقبة من استشراء العداوات والانقسامات، وشيوع البغي بين المؤمنين على أنفسهم، (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) (الحجرات:9)
وقرر القرآن الكريم أن الاختلاف في تقييم المواقف إلى حد التناقض هو أمر محتمل وفرضية واقعية، تحدث حتى بين الأنبياء كما سرد من خبر أخذ موسى عليه السلام برأس أخيه هارون يجره إليه لائما على عدم تركه بني إسرائيل واللحاق به لما رآهم قد ضلوا، فاعتذر له هارون بأنه كانت له خشية أخرى، وهي أن يكون الأسلم عدم تركهم للسامري يزيدهم ضلالاً، هذا على مستوى الأنبياء فما بالك بغيرهم.
دعوى النقاء الفكري والفرقة الناجية:
وحدهما الغرور والتعصب يدفعان لاعتقاد كل طرف من المسلمين بامتلاك كل الحقيقة وأن الآخر ليس على شيء، وهذا هو الموجه الأكبر ذاتياً نحو الميل للانعزال والتكتل في طائفة، ومن ثم النظر باستعلاء وازدراء للآخرين الذين لا يملكون الحقيقة من المغضوب عليهم أو الضالين.
أول عتبات الانفصال والتطيف هو دعوى النقاء الفكري وأن ما ذهب إليه فلان وفلان هو خروج عن ربقة الإيمان والدين، وأنه مستحق للعذاب في الدنيا والآخرة، وهذا الإدعاء هو في الحقيقة خروج عن القرآن في أدبه وسمته العام مع المختلفين غير المعتدين، فليس هناك اختلاف يمكن تصوره في دائرة أهل الأديان هو أشد من الاختلاف مع أهل الكتاب، فيما خالفوا فيه شرعتهم الصحيحة على ما ذكر القرآن عنهم، ولكن مع كل ذلك التنكير عليهم فيما حرفوا وستروا وغيروا، إلا أنه لم يخرجهم بها عن دائرة أحكام أهل الكتاب، شركاء المسلمين في الاعتقاد الأوسع الشامل للإيمان بالله وأصل إرسال الرسل وبعث الأنبياء وإنزال الكتب السماوية والبعث والنشور في اليوم الآخر، وهي تمثل الخط العريض الجامع لكل أهل الأديان السماوية، وعلى أساسها قبلهم الإسلام على دينهم وشريعتهم، وأذن بالزواج منهم، والأكل من طعامهم، والإحسان إليهم، واعتبرهم قسماً مقبولاً في مجتمع المسلمين، فإذا كان الأمر كذلك مع أهل الكتاب فما هو المدى الذي يختلف فيه مسلمان حول حقائق الإسلام والإيمان يبلغ ما بلغوه؟ فلماذا يتسارع المسلمون إما إلى العزل أو الاعتزال، اللذين هما مفتاح التمذهب والتطيف، فليكن باب قبول الاختلاف بيننا واسعاً دون التطاول بدعوى الخروج عن الدين والإيمان، والمناداة بالطرد والعزل والتكفير، فكل فكرة إذا بقيت ضمن تدافع الحواضر ولم ينعزل أهلها أكاديمياً أو جغرافياً، فإنها لا تلبث أن تأكل من غيرها وتتآكل به، لتتحول عبر الجدل والحوار إلى شيء آخر غير ما بدأت به، فما أكثر ما تقارب علماء الكلام المتأخرون عن علماء الكلام المتقدمين، حتى يكاد أن يكون الاختلاف في النهاية شكلياً أكثر منه موضوعيّاً.
قد ركن المسلمون إلى مقولة أن مرتكب الكبيرة ليس كافراً ولا ينقض إيمانه، على خلاف من قال بذلك من المسلمين واعتبروا مقالته شاذة عن الحق، ولكنهم قصروا تعريف الكبيرة على ذنوب الجوارح كالكذب والخيانة والزنى والسرقة، ولم يصطحبوا حكمها ويسحبوه على ما تصوروه من مخالفة أحدهم لصريح الدين في مخالفته لهم رأيهم، ففي مجال العلم والفكر والثقافة نرى تشدداً في التفسيق والتكفير بين أصحاب المذاهب المختلفة، لا نجده قبالة أصحاب الكبائر، مع أن وجوه الحمل على الخير وأنه خطأ في الاجتهاد أو إرادة مخطئة للحق في مجال العلم والفكر متاحة ومتعقلة، ويعامل على أساسها الشريك المذهبي دون الضديد، فليكن المخالف عندنا على الأقل كمرتكب الكبيرة، مؤمن مخطئ إذا لم نقو على تحمل أنه مجتهد قصد الحق فأخطأه من وجهة نظرنا، مع احتمال أنه هو المصيب ونحن المخطئون.
يقال أن النبي (ص) قد أعطى للمسلمين جردة حساب ختامية فقال إن أمته ستفترق على 73 فرقة كلها في النار إلاّ واحدة، ومنذ ذلك وكل فرقة تفترق عن جسد الجماعة ( الأمة ) لتدعى أنها هي الفرقة الناجية، وأن سواها في النار، فيسلون أنفسهم بمثل هذا الذي يقولون، وكأن هذا الحديث هو تشجيع على التفرق لا تحذير منه على فرض صحته، وكأن النبي (ص) قد قال لكل مسلم انج بنفسك واترك أخاك للنار، وهذا لعمرك من خيانة حقوق الأخوة، فمن هي الفرق الناجية؟ ومن هم الفرق الهالكة؟ هل الخوارج من الهالكين، وهم الفئة التي تكاثر من يعتبرهم كذلك، فانظر إلى قول أمير المؤمنين فيهم، أنهم أرادوا الحق فأخطئوه، على عكس الذي أراد الباطل فأدركه، فهل يحق لنا أن نخرج الخوارج عن دائرة الإسلام والإيمان وهم يؤمنون بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر لمجرد أنهم قد فارقونا في فهم نقاط في الدين قلّت أو كثرت؟ وهل خلافهم هذا يسقط حقوقهم كمسلمين حرام دمهم ومالهم وعرضهم؟ كلا وألف كلا، فإن أي فرقة من فرق المسلمين هي أعظم شرفاً من المنافقين، أولئك الأعداء، ومع كل هذا حفظ لهم الإسلام حقوقهم المدنية وقبل حتى إنكارهم الكاذب لقولهم مقولات الكفر، رغم تصريح القرآن بكذبهم وتأكيده على قولهم كلمة الكفر، فاكتفى معهم بالتهديد والوعيد دون أن يوصد باب الرجوع، مع أن هذا هو آخر الخطوط الحمر في الدين والدولة في أيام الرسول(ص): أن تقول كلمة الكفر وتقاتل المسلمين وتخونهم، قال:
(يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا وَمَا نَقَمُوا إِلّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْراً لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَاباً أَلِيماً فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ) (التوبة:74) فإذا كان هذا هو الموقف مع الخائن المتواري خلف مظاهر الإسلام فهل يجوز لأحدٍ أن يكفر أو يخون أو يزعم استحقاق النار لفئة من المسلمين اختلفت أو اشتبهت أو أخطأت أو ضلت عما هو حق في الإسلام؟ عوضاً عن أن يكون اختلافها إنما هو عن فهم فرقاء آخرين ؟
إن القرآن قد أجلى الموقف من الاختلاف في الأديان، فجعل الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن هو المنهاج في الدنيا، ثم الحكم بين الناس في الآخرة هو شأن ربوبي، ولم يجز العدوان إلاّ لرد العدوان، فانظر إلى أهل الأديان والمذاهب ملتزماً بهذا المنهاج، و ما عليك إلاّ أن تقرأ كتب الخلاف أو تتصفح مواقع " الشجار" لا "الحوار" لترى مدى التزام المسلمين بمنهاج القرآن الكريم في ذلك، وستعرف حينها متى ومن أين تبدأ الحروب الأهلية!
- التفاصيل
-
كتب بواسطة:
- الزيارات: 1
Generic viagra online generic viagra http://www.librarything.com/profile/LOWEST-VIAGRA-PRICES [url=http://www.librarything.com/profile/LOWEST-VIAGRA-PRICES]generic viagra[/url]