بحوث و دراسات
- التفاصيل
- كتب بواسطة: محمد سلطان
- المجموعة: بحوث و دراسات
- الزيارات: 8
أبدع وأكثر العرب في ضرب الأمثال في مختلف المواقف والأحداث فلا يخلو موقف من حياتنا العامة الا ونجد مثل ضرب علية وأيضا لا تخلو خطبة مشهورة ولا قصيدة سائرة من مثل رائع مؤثر في حياتنا .
فالأمثال أصدق شئ يتحدث عن أخلاق الأمة وتفكيرها وعقليتها , و تقاليدها وعاداتها , ويصور المجتمع وحياته وشعوره أتم تصوير فهي مرآة للحياة الاجتماعية والعقلية والسياسية والدينية واللغوية , وهي أقوي دلالة من الشعر في ذلك لأنه لغة طائفة ممتازة , أما هي فلغة جميع الطبقات .
ولقيت هذه الأمثال شيوعا لخفتها وعمق ما فيها من حكمة وإصابتها للغرض المنشودة منها , وصدق تمثيلها للحياة العامة ولأخلاق الشعوب , قال النظام : يجتمع في المثل أربعة لا يجتمع في غيره من الكلام إيجاز اللفظ وإصابة المعني وحسن التشبية وجودة الكتابة فهو نهاية البلاغة (1) .
والأمثال في الغالب أصلها قصة أي الموقف الأصلي الذي ضرب فيه المثل يكون قصة أدت في النهاية إلي ضرب المثل , والفروق الزمنية التي تمتد لعدة قرون بين ظهور الأمثال ومحاولة شرحها أدت إلي احتفاظ الناس بالمثل لسهولتة وخفته وتركوا القصص التي أدت إلي ضربها .
وفي الغالب تغلب روح الأسطورة علي الأمثال التي تدور في القصص الجاهلية مثل الأمثال الواردة في قصة الزباء ومنها " لا يطاع لقصير أمر , ولأمر ما جمع قصير أنفه – بيدي لا بيد عمرو " .
وكذلك الأمثال الواردة في قصة ثأر امرئ القيس لأبية ومنها : " طيعني صغيرا وحملني ثأره كبيرا – لا صحو اليوم ولا سكر غدا – اليوم خمر وغدا أمر " .
وربما يستطيع المحققون بجهد أن يردوا بعض هذه الأمثال لأصحابها و مبدعيها فمن حكماء العرب عدد كبير اشتهر بابتكاره وإبداعه الأمثال بما فيها من عمق , وإيجاز , وسلاسة , يقول الجاحظ : " ومن الخطباء البلغاء والحكام الرؤساء أكثم بن صيفي وربيعة بن حذار وهرم بن قطيعة وعامر بن الظرب ولبيدبن ربيعة " (2) وأحكمهم أكثم بن صيفي التميمي وعامر بن الظرب العدواني , فأما أكثم فكان من المعمرين (3) , ويقال انه لحق الإسلام وحاول أن يعلن إسلامه فركب متوجها إلي الرسول صلي الله علية وسلم , غير أنه مات في الطريق , وتدور علي لسانه حكم وأمثال كثيرة , وقد ساق السيوطي في المزهر طائفة منها نقلا عن بن دريد في أماليه , وهي تجري علي هذا النسق (4) :
" رب عجلة تهب ريثا . ادرعوا الليل فان الليل أخفي للويل . المرء يعجز لا محالة . لا جماعة لمن اختلف . لكل امرئ سلطان علي أخيه حتى يأخذ السلاح , فانه كفي بالمشرفية واعظا . أسرع العقوبات عقوبة البغي " .
وعامر مثل أكثم يدخل في المعمرين (5) , ويقال انه " لما أسن واعتراه النسيان أمر ابنته ان تقرع بالعصا إذا هو فه (فه : حاد وجار وانحرف ) عن الحكم وجار عن القصد و بنته كانت من حكيمات العرب حتى جاوزت في ذلك مقدار صحر بنت لقمان وهند بنت الخس وقال المتلمس في ذلك :
لذي الحلم قبل اليوم ما تقرع العصا وما علم الإنسان إلا ليعلما "
ولكن أمثال العرب لم تأتي علي مثل هذه الدرجة من الرقي والانضباط الأسلوبي , مثل التي جاء بها أكثم وعامر , بل ان كثيرا من الأمثال الجاهلية تخلو من التفنن التصويري , وهذا بطبيعة الأمثال فأنها ترد علي الألسنة عفوا وتأتي علي ألسنة العامة لا محترفي الأدب , فلم يكن من الغريب أن يخرج بعضها علي القواعد الصرفية والنحوية دون أن يعيبها ذلك مثل أعط القوس باريها ( بتسكين الياء في باريها والأصل فتحها ) , وأيضا ( أجناؤها أبناؤها ) جمع جان وبان والقياس الصرفي جناتها بناتها لأن فاعلا لا يجمع علي أفعال وهذا يثبت أن المثل لا يتغير بل يجري كما جاء علي الألسنة وأن خالف النحو وقواعد التصريف (6) .
وبعض الأمثال يغلب عليها الغموض ويدل تركيبتها علي معني محدد لا تؤدي إليه الكلمات المفردة ومن ذلك قول العرب ( بعين ما أرينك ) أي أسرع . ولم يكن هذا النوع من الأمثال هو الوحيد بل هناك أمثال صدرت عن شعراء مبدعين وخطباء مرموقين فجاءت راغبة الأسلوب متألقة بما فيها من جماليات الفن والتصوير مثل أي الرجال المهذب فهذا المثل جزء من بيت للنابغة يضرب مثلا لاستحالة الكمال البشري والبت :
ولست بمستبق أخا لا تلمه علي شعث أي الرجال المهذب
والأمثال في الأدب الجاهلي يصعب تميزيها عن الإسلامي . لاختلاطهما ببعض عند الرواة والمؤلفين , ولكن ما يشير إليه من حادث أو قصة أو خبر مما يتصل بالجاهلية يساعد علي معرفه الجاهلي وتمييزه من الإسلامي مثل : ما يوم حليمة سر ( وحليمة بنت ملك غسان ويضرب هذا المثل للأمر المشهور الذي لا يكاد يجهل ) وقد يدل علي جاهلية المثل أن يكون مخالفا لتعاليم الإسلام ومبادئه مثل : انصر أخاك ظالما أو مظلوما , واليوم خمر وغدا أمر .
والأمثال إما حقيقية أو فرضية فالحقيقة : لها أصل وقائلها معروف غالبا والفرضية ما كانت من تخيل أديب ووضعها عل لسان طائر أو حيوان أو جماد أو نبات أو ما شاكل ذلك والفرضية تساعد علي النقد والتهكم والسخرية وخاصة في عصور الاستبداد وهي وسيلة ناجحة للوعظ والتهذيب والفكاهة والتسلية مثل كليلة ودمنة وسلوان المطاع , وفاكهة الخلفاء (7) .
* بعض القصص الحقيقية التي أدت في النهاية إلي ضرب مثل :
- ( رجع بخفي حنين ) كان حنين اسكافا فساومة أعرابي علي خفين فاختلفا , فأراد حنين أن يغيظ الأعرابي , فأخذ أحد الخفين وطرحه في الطريق , ثم ألقي الآخر في مكان آخر , فلما مر الأعرابي بأحدهما قال ما أشبه بخف حنين ولو كان معه الآخر لأخذته , ثم مشي فوجد الآخر , فترك راحلته وعاد ليأتي بالخف الأول , وكان حنين يكمن له فسرق راحلته ومتاعه . وعاد الأعرابي إلي قومه يقول لهم جئتكم بخفي حنين . ويضرب هذا المثل لمن خاب مسعاه .
- ( الصيف ضيعت اللبن ) قاله عمرو بن عمرو بن عدس وكان شيخا كبيرا تزوج بامرأة فضاقت به فطلقها فتزوجت فتي جميلا وأجدبت . فبعت تطلب من عمرو حلوبة أو لبنا , فقال ذلك المثل ,ويضرب هذا المثل لمن يطلب شيئا فوته علي نفسه .
- (علي أهلها تجني براقش ) وبراقش كلبه لقوم من العرب اختبأت مع أصحابها من غزاة , فلما عادوا خائبين لم يعثروا عليهم نبحت براقش فاستدلوا بنباحها علي مكان أهلها فاستباحوهم .
- ( وافق شن طبقة ) وشن رجل من العرب خرج ليبحث عن امرأة مثله يتزوجها , فرافقه رجل في الطريق إلي القرية التي يقصدها , ولم يكن يعرفه من قبل . قال شن : أتحملني أم أحملك ؟ فقال الرجل ياجاهل أنا راكب وأنت راكب فكيف تحملني أو أحملك ؟ فسكت شن حتى قابلتهما جنازة , فقال شن : أصاحب هذا النعش حي أم ميت ؟ فقال الرجل ما رأيت أجهل منك , تري جنازة وتسأل عن صاحبها أميت أم حي , فسكت شن , ثم أراد مفارقته , فأبي الرجل وأخذه إلي منزله , وكانت له بنت تسمي طبقة . فسألت أباها عن الضيف فأخبرها بما حدث منه , فقالت يا أبت ما هذا بجاهل انه أراد بقوله أتحملني أم أحملك : أتحدثني أم أحدثك . وأما قوله في الجنازة فانه أراد : هل ترك عقبا يحيا به ذكره ؟ فخرج الرجل وجلس مع شن وفسر له كلامه , فقال شن : ما هذا بكلامك , فصارحه بأنه قول ابنته طبقة , فتزوجها شن ويضرب مثلا للمتوافقين (8).
· قصص خرافية علي ألسنة الحيوانات :
هناك بعض القصص الخرافية علي ألسنة الحيوانات صارت أمثال , وبهذا لم يكن المثل كإبداع سريع كما سبق أن رأينا وإنما يكون جزءا من شكل إبداعي أوسع والصق بعمل الخيال الخلاق , ومن هذه القصص :
- قصة الغراب والديك :
" في الكثير من الروايات من أحاديث العرب أن الديك كان نديما للغراب , وأنهما شربا الخمر عند خمار ولم يعطياه شيئا , وذهب الغراب ليأتيه بالثمن حين شرب , ورهن الديك فخاس به فبقي محبوسا " (9) .
وربما لهذا الغدر تشاءمت العرب من الغراب ورأته نذيرا بالفرقة والخراب ربما لأنه تسبب في فقدان الديك حريته , واستئثاره لدي البشر حتى اليوم .
- الاحتكام إلي الضب :
أما القصة التي أبدعها العرب لتبرير عدد كبير من الأمثال فهي قصة احتكام الأرنب والثعلب إلي الضب , وتكاد كل جمل الحوار فيها تكون أمثالا وتميزت بالحيوية , ومرح الموقف , وقصر العبارة , وسلاستها , ودقة وعمق ما فيها من أمثال , إلي جانب تعدد شخوصها وصدق التعبير عن سماتها النفسية " هذا مما زعمت العرب علي السن البهائم , قالوا إن الأرنب التقط ثمره فاختلسها الثعلب فأكلها , فانطلقا يتخصمان إلي الضب .
فقال الأرنب : يا أبا الحسل ( كنية الضب)
فقال الضب : سميعا دعوت , فقال أتيناك لنختصم اليك .
قال : عادلا حكمتما .
قالت : فاخرج إلينا
قال : في بيته يؤتي الحكم .
قالت : إني وجدت ثمره .
قال : حلوة فكليها .
قالت : فاختلسها الثعلب .
قال : لنفسه بغي الخير .
قالت : فلطمته .
قال : بحقك أخذت .
قال : فلطمني .
قال : حر انتصف ( أي اقتص لنفسه )
قالت : فاقض بيننا .
قال : قد قضيت .
فذهبت أقواله كلها أمثالا ( 10 )
وهذه كانت نظرة سريعة للأمثال في الأدب الجاهلي , فرأينا كيف كانت الأمثال في ذلك العصر , وبما تميزت به الأمثال من خفه ودقة وسلاسة وإيجاز وعمق ما فيها من حكمه وصواب رأي , وكيف أبدعوا العرب قبل الإسلام في الأمثال , فحياتنا الآن لا تخلو من أمثالهم وحكمهم .
هوامش :
1- الأدب الجاهلي د/ محمد عبد المنعم خفاجي – دار الكتاب ص 145.
2- البيان والتبيان 1/365 .
3- المعمرين للسجستاني ص 10 والأغاني ( طبعة الساسي ) 15/70 ومجمع الأمثال 2/145. وجمهرة الأمثال للعسكري علي هامشه 1/120.
4- المزهر للسيوطي – طبعة الحلبي .
5- العصر الجاهلي – د/ شوقي ضيف – دار المعارف مصر ص 407 .
6- من تيارات الأدب الجاهلي د/ زينب فؤاد – ص 196 جامعة أسيوط .
7- الأدب الجاهلي د/ محمد عبد النعيم خفاجي – دار الكتاب - ص 146 .
8- راجع في هذه الأمثال مجمع الأمثال للميداني و الأدب الجاهلي د/ محمد عبد النعيم – مرجع سابق – ص 150 .
9- الجاحظ : الحيوان – ج2 – ص 125, 126 ( ط الحلبي – القاهرة .
10- الميداني – مجمع الأمثال – ج 2 – ص 72 – ط السنة المحمدية – القاهرة .
- التفاصيل
- كتب بواسطة: د. جميل الحمداوي
- المجموعة: بحوث و دراسات
- الزيارات: 7
القصة القصيرة جدا جنس أدبي جديد
الدكتور جميل حمداوي
تمهيـــد أولـــــي:
ظهرت القصة القصيرة جدا منذ التسعينيات من القرن الماضي استجابة لمجموعة من الظروف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية المعقدة والمتشابكة التي أقلقت الإنسان وما تزال تقلقه وتزعجه ولا تتركه يحس بنعيم التروي والاستقرار والتأمل، ناهيك عن عامل السرعة الذي يستوجب قراءة النصوص القصيرة جدا والابتعاد عن كل ما يتخذ حجما كبيرا أو مسهبا في الطول كالقصة القصيرة والرواية والمقالة والدراسة والأبحاث الأكاديمية.... كما لم تجعل المرحلة المعاصرة المعروفة بزمن العولمة والاستثمارات والتنافس الإنسان الحالي ولاسيما المثقف منه مستقرا في هدوئه وبطء وتيرة حياته ، بل دفعته إلى السباق المادي والحضاري والفكري والإبداعي قصد إثبات وجوده والحصول على رزقه؛ مما أثر كل هذا على مستوى التلقي والتقبل والإقبال على طلب المعرفة، فانتشرت لذلك ظاهرة العزوف عن القراءة ، وأصبح الكتاب يعاني من الكساد والركود لعدم إقبال الناس عليه، كما بدأت المكتبات الخاصة والعامة تشكو من الفراغ لغياب الراغبين في التعلم وطلبة القراءة والمحبين للعلم والثقافة.
هذا، ولقد تبلور هذا الجنس الأدبي الجديد- على حد علمي- في دول الشام وبالضبط في سورية وفلسطين، ودول المغرب العربي وخاصة في المغرب وتونس على حد سواء. إذاً، ماهو هذا الجنس الأدبي الجديد؟ وماهي خصائصه الدلالية والفنية والتداولية؟ وماهي أهم النماذج التي تمثل هذا المولود الجديد في عالمنا العربي؟ تلكم هي الأسئلة التي سوف نحاول رصدها في مقالنا هذا.
1- تعريف القصة القصيرة جدا:
القصة القصيرة جدا جنس أدبي حديث يمتاز بقصر الحجم والإيحاء المكثف والنزعة القصصية الموجزة والمقصدية الرمزية المباشرة وغير المباشرة، فضلا عن خاصية التلميح والاقتضاب والتجريب والنفس الجملي القصير الموسوم بالحركية والتوتر وتأزم المواقف والأحداث، بالإضافة إلى سمات الحذف والاختزال والإضمار. كما يتميز هذا الخطاب الفني الجديد بالتصوير البلاغي الذي يتجاوز السرد المباشر إلى ماهو بياني ومجازي ضمن بلاغة الانزياح والخرق الجمالي.
2- تعدد التسميات والمصطلحات:
أطلق الدارسون على هذا الجنس الأدبي الجديد عدة مصطلحات وتسميات لتطويق هذا المنتوج الأدبي تنظيرا وكتابة و الإحاطة بهذا المولود الجديد من كل جوانبه الفنية والدلالية، ومن بين هذه التسميات: القصة القصيرة جدا، ولوحات قصصية، وومضات قصصية، ومقطوعات قصيرة، وبورتريهات، وقصص، وقصص قصيرة، ومقاطع قصصية، ومشاهد قصصية، و فن الأقصوصة، وفقرات قصصية، وملامح قصصية، وخواطر قصصية، وقصص، وإيحاءات،والقصة القصيرة الخاطرة، و القصة القصيرة الشاعرية، والقصة القصيرة اللوحة....
وأحسن مصطلح أفضله لإجرائيته التطبيقية والنظرية، و أتمنى أن يتمسك به المبدعون لهذا الفن الجديد وكذلك النقاد والدارسون، هو مصطلح القصة القصيرة جدا لأنه يعبر عن المقصود بدقة مادام يركز على ملمحين لهذا الفن الأدبي الجديد وهما: قصر الحجم والنزعة القصصية.
3- موقف النقاد والدارسين من القصة القصيرة جدا:
يلاحظ المتتبع لمواقف النقاد والدارسين والمبدعين من جنس القصة القصيرة جدا أن هناك ثلاثة مواقف مختلفة وهي نفس المواقف التي أفرزها الشعر التفعيلي والقصيدة المنثورة و يفرضها كل مولود أدبي جديد وحداثي؛ مما يترتب عن ذلك ظهور مواقف محافظة تدافع عن الأصالة وتتخوف من كل ماهو حداثي وتجريبي جديد، ومواقف النقاد الحداثيين الذين يرحبون بكل الكتابات الثورية الجديدة التي تنزع نحو التغيير والتجريب والإبداع والتمرد عن كل ماهو ثابت، ومواقف متحفظة في آرائها وقراراتها التقويمية تشبه مواقف فرقة المرجئة في علم الكلام العربي القديم تترقب نتائج هذا الجنس الأدبي الجديد، وكيف سيستوي في الساحة الثقافية العربية ، وماذا سينتج عن ظهوره من ردود فعل، ولا تطرح رأيها بصراحة إلا بعد أن يتمكن هذا الجنس من فرض وجوده ويتمكن من إثبات نفسه داخل أرضية الأجناس الأدبية وحقل الإبداع والنقد.
وهكذا يتبين لنا أن هناك من يرفض فن القصة القصيرة جدا ولا يعترف بمشروعيته لأنه يعارض مقومات الجنس السردي بكل أنواعه وأنماطه، وهناك من يدافع عن هذا الفن الأدبي المستحدث تشجيعا وكتابة وتقريضا ونقدا وتقويما قصد أن يحل هذا المولود مكانه اللائق به بين كل الأجناس الأدبية الموجودة داخل شبكة نظرية الأدب. وهناك من يتريث ولا يريد أن يبدي رأيه بكل جرأة وشجاعة وينتظر الفرصة المناسبة ليعلن رأيه بكل صراحة سلبا أو إيجابا. وشخصيا ، إني أعترف بهذا الفن الأدبي الجديد وأعتبره مكسبا لاغنى عنه، وأنه من إفرازات الحياة المعاصرة المعقدة التي تتسم بالسرعة والطابع التنافسي المادي والمعنوي من أجل تحقيق كينونة الإنسان وإثباتها بكل السبل الكفيلة لذلك.
ولقد انصبت دراسات كثيرة على فن القصة القصيرة جدا بالتعريف والدراسة والتقويم والتوجيه، ومن أهمها كتاب أحمد جاسم الحسين\"القصة القصيرة جدا/1997م\"، وكتاب محمد محيي الدين مينو\" فن القصة القصيرة، مقاربات أولى/2000م\"، دون أن ننسى الدراسات الأدبية القيمة التي دبجها كثير من الدارسين العرب وخاصة الدكتور حسن المودن في مقاله القيم\" شعرية القصة القصيرة جدا\" المنشور في عدة مواقع رقمية الكترونية كدروب والفوانيس...ومحمد علي سعيد في دراسته \" حول القصة القصيرة جدا\" ، وحسين علي محمد في\" القصة القصيرة جدا، قراءة في التشكيل والرؤية\"،وعدنان كنفاني في\" القصة القصيرة جدا، إشكالية في النص أم جدلية حول المصطلح...!\"، والدكتور يوسف حطيني في\" القصة القصيرة جدا عند زكريا تامر\" ، علاوة على مقالات ودراسات أخرى منشورة هنا وهناك و التي تناولت القصة القصيرة جدا بمقاربات تجنيسية وتاريخية وفنية.
3- رواد القصة القصيرة جدا:
ومن أهم رواد القصة القصيرة جدا نستحضر من فلسطين الشاعر والقصاص فاروق مواسي، ومن سوريا المبدع زكريا تامر، ومحمد الحاج صالح، وعزت السيد أحمد، وعدنان محمد، ونور الدين الهاشمي، وجمانة طه، وانتصار بعلة ،ومحمد منصور، وإبراهيم خريط، وفوزية جمعة المرعي. ومن المغرب نذكر حسن برطال في مجموعة من أقاصيصه المتميزة بالروعة الفنية وهي منشورة في عدة مواقع رقمية وخاصة موقع دروب ، وسعيد منتسب في مجموعته القصصية ( جزيرة زرقاء 2003م)، وعبد الله المتقي في مجموعته القصصية( الكرسي الأزرق 2005م)، وفاطمة بوزيان في كثير من لياليها وكتاباتها الرقمية المتنوعة. ومن تونس لابد من ذكر الكاتب الروائي والقصاص المقتدر إبراهيم درغوثي. ومن السعودية لابد من ذكر فهد المصبح في مجموعته القصصية(الزجاج وحروف النافذة)...
4- الخصائص الفنية والشكلية:
تعرف القصة القصيرة جدا بمجموعة من المعايير الكمية والكيفية والدلالية والمقصدية والتي تحدد خصائصها التجنيسية والنوعية والنمطية:
أ- المعيار الكمــــــي:
يتميز فن القصة القصيرة جدا بقصر الحجم وطوله المحدد، ويبتدئ بأصغر وحدة وهي الجملة كما في قصة المغربي حسن برطال\"حب تعسفي\": \" كان ينتظر اعتقالهما معا...لتضع يدها في يده ولو مرة واحدة\"، إلى أكبر وحدة قد تكون بمثابة فقرة أو مقطع أو مشهد أو نص كما عند فاروق مواسي وسعيد منتسب وعبد الله المتقي وفاطمة بوزيان. وغالبا لا يتعدى هذا الفن الأدبي الجديد صفحة واحدة كما عند زكريا تامر وإبراهيم درغوثي وحسن برطال في \"ماسح الأدمغة\" و\"كلاب الگرنة\". وينتج قصر الحجم عن التكثيف والتركيز والتدقيق في اختيار الكلمات والجمل والمقاطع المناسبة واجتناب الحشو والاستطراد والوصف والمبالغة في الإسهاب والرصد السردي والتطويل في تشبيك الأحداث وتمطيطها تشويقا وتأثيرا ودغدغة للمتلقي. ونلاحظ في القصة القصيرة جدا الجمل القصيرة وظاهرة الإضمار الموحي والحذف الشديد مع الاحتفاظ بالأركان الأساسية للعناصر القصصية التي لايمكن أن تستغني عنها القصة إلا إذا دخلت باب التجريب والتثوير الحداثي والانزياح الفني.
ب- المعيار الكيفـــي أو الفنــي:
يستند فن القصة القصيرة جدا إلى الخاصية القصصية التي تتجسد في المقومات السردية الأساسية كالأحداث والشخصيات والفضاء والمنظور السردي والبنية الزمنية وصيغ الأسلوب، ولكن هذه الركائز القصصية توظف بشكل موجز ومكثف بالإيحاء والانزياح والخرق والترميز والتلميح المقصدي المطمعم بالأسلبة والتهجين والسخرية وتنويع الأشكال السردية تجنيسا وتجريبا وتأصيلا. وقد يتخذ هذا الشكل الجديد طابعا مختصرا في شكل أقصوصة موجزة بشكل دقيق في أحداثها كما في مقطع حسن برطال من نص:? حرب البسوس?:
\" السهام تنطلق...تضرب... الحناجر تصيح...? حبي ليك...يابلادي، حب فريد...? السهام تضرب... الأيادي تتشابك...? حبي ليك...يابلادي،حب عنيف...? السهام تضرب... الأجساد تتناطح...? الحب الغالي...ما تحجبو الأسوار...? انتهت المعركة...جثث هنا وهناك...صمت... جسد تحرك...لازالت فيه روح...حمل اللواء ثم قال:
- باسمكم جميعا نشكر مجموعة السهام...انه منظم الحفل...\".
يصور هذا المقطع القصصي القصير حدث الحرب بخاصية السخرية والتلوين الأسلوبي الكاريكاتوري والإيجاز المكثف بحمولات مرجعية انتقادية قوامها التهكم والأسلبة والتهجين والتكرار الساخر، وتوظيف مستويات لغوية مختلفة من أجل خلق باروديا نصية تفضح صيرورة التناقض والخلاف العربي. وعلى الرغم من هذا القصر الموجز، فالنص يحتوي على كل مقومات الحبكة السردية من أحداث وشخصيات وفضاء ومنظور سردي وكتابة أسلوبية متنوعة.
ويتخذ فن القصة القصيرة جدا عدة أشكال وأنماط كالخاطرة والأقصوصة واللوحة الشعرية واللغز والحكمة والمشهد الدرامي وطابع الحبكة السردية المقولبة في رؤوس أقلام كما في (ميركافا) لحسن برطال:\" كان يتكلم عن وقائع المعركة...صلبة المقاتلين...خيانة الجيش... ثم الهزيمة...\". ومن الأمثلة على اللوحة الشعرية قصة (في حوض الحمام) للكاتبة المتميزة فاطمة بوزيان التي كتبت بطريقة شاعرية تعتمد على التكرار وموسقة الحروف والانزياح البلاغي:
كان يشعر أن الماء الساخن يذيب كل شحمه الفائض...
يذيب كل تعبه...
يذيب شكوكه..
يذيب سوء التفاهم الذي بينه وبين البسكويت!
ي
ذ
و
ب
صار ماء لاطفولة له
فجأة تذكر مجرى الحوض
هب خائفا فعاد إليه
شحمه
تعبه
شكوكه
وسوء التفاهم الذي بينه وبين البسكويت
وتظهر هذه الشاعرية أيضا في( عروض خاصة) لفاطمة بوزيان:
في لحظات وحدته القصوى
كان يخرج هاتفه المحمول
ويضغط على أزرار الرقم المجاني
حيث الصوت الأنثوي الرخيم
يذكر بالعروض الخاصة
وكان يتذكر الأنثى والأمور الخاصة
وقد تتحول القصة القصيرة جدا إلى لوحة تشكيلية كما في( عولمة ) للكاتبة المغربية فاطمة بوزيان:
هم الأستاذ بالكتابة على السبورة تكسر الطبشور
حاول الكتابة بما تبقى في يده، خربش الطبشور
السبورة في صوت مزعج
اغتاظ . والتفت على يمينه قائلا
- اتفو على التخلف في زمن العولمة يسلموننا.
كما تتجسد القصة القصيرة جدا في عدة مظاهر أجناسية وأنماط تجنيسية كالقصة الرومانسية والقصة الواقعية والقصة الفانطاستيكية والقصة الرمزية والقصة الأسطورية، كما تتخذ أيضا طابعا تجنيسيا في إثبات قواعد الكتابة القصصية الكلاسيكية، وطابعا تجريبيا أثناء استلهام خصائص الكتابة القصصية والروائية المعروفة في القص الغربي الجديد والحداثي، وطابعا تأصيليا يستفيد من تقنيات التراث في الكتابة والأسلبة.
هذا، وتتميز الجمل الموظفة في معظم النصوص القصصية القصيرة جدا بالجمل الموجزة والبسيطة في وظائفها السردية والحكائية، حيث تتحول إلى وظائف وحوافز حرة بدون أن تلتصق بالإسهاب الوصفي والمشاهد المستطردة التي تعيق نمو الأحداث وصيرورتها الجدلية الديناميكية. وإذا وجدت جمل مركبة ومتداخلة فإنها تتخذ طابعا كميا محدودا في الأصوات و الكلمات والفواصل المتعاقبة امتدادا وتوازيا وتعاقبا. وتمتاز هذه الجمل بخاصية الحركة وسمة التوتر والإيحاء الناتج عن الإكثار من الجمل الفعلية على حساب الجمل الاسمية الدالة على الثبات والديمومة وبطء الإيقاع الوصفي والحالي والاسمي. ويتميز الإيقاع القصصي كذلك بحدة السرعة والإيجاز والاختصار والارتكان إلى الإضمار والحذف من أجل تنشيط ذاكرة المتلقي واستحضار خياله ومخيلته مادام النص يتحول إلى ومضات تخييلية درامية وقصصية تحتاج إلى تأويل وتفسير واستنتاج واستنباط مرجعي وإيديولوجي. ويتحول هذا النص القصصي الجديد إلى نص مفتوح مضمن بالتناص والحمولات الثقافية والواقعية والمستنسخات الإحالية خاصة عند الكاتب المغربي حسن برطال كما في( الثأر)،و( ماسح الأدمغة)، و( ثلاث زيارات لملاك الموت)،و(ميركافا)،و( الضمير المنفصل...لايستحق أن يكون كلمة)،و( مي شدياق)...، لذلك يحتاج هذا النص التفاعلي إلى قراءات عديدة وتأويلات مختلفة تختلف باختلاف القراء والسياقات الظرفية. ويساهم التدقيق والتركيز في خلق شاعرية النص عبر مجموعة من الروابط التي تضفي على النص الطابع القصصي والتراتبية المنطقية والكرونولوجية، بله عن خاصية الاختزال والتوازي والتشظي البنائي والانكسار التجريبي.
ومن حيث البلاغة ، يوظف الكاتب في نصه الأجناسي الجديد المجاز بكل أنواعه الاستعارية والرمزية من أجل بلورة صورة المشابهة وصورة المجاورة وصورة الرؤيا القائمة على الإغراب والإدهاش والومضات الموحية الخارقة بألفاظ إنشائية أو واقعية تتطلب تأويلات دلالية عدة لزئبقيتها وكثافتها التصويرية بالأنسنة والتشخيص والتجسيد الإحيائي والتضاد والانزياح والتخييل . ويمكن الحديث أيضا عن بلاغة البياض والفراغ بسبب الإضمار والاختزال والحذف . وكل هذا يستوجب قارئا ضمنيا متميزا ومتلقيا حقيقيا متمكنا من فن السرد وتقنيات الكتابة القصصية. كما ينبغي أن تكون القراءة عمودية وأفقية متأنية عالمة ومتمكنة من شروط هذا المولود الجديد، وألا يتسرع القارئ في قراءته وكتابته النقدية على الرغم من كون القصة القصيرة جدا هي كتابة سريعة أفرزتها ظروف العولمة وسرعة إيقاع العصر المعروف بالإنتاجية السريعة والتنافس في الإبداع وسرعة نقل المعلومات والخبرات والمعارف والفنون والآداب.
ج- المعيار التداولي:
تهدف القصة القصيرة جدا إلى إيصال رسائل مشفرة بالانتقادات الكاريكاتورية الساخرة الطافحة بالواقعية الدرامية المتأزمة إلى الإنسان العربي ومجتمعه الذي يعج بالتناقضات والتفاوت الاجتماعي، والذي يعاني أيضا من ويلات الحروب الدونكيشوتية والانقسامات الطائفية والنكبات المتوالية والنكسات المتكررة بنفس مآسيها ونتائجها الخطيرة والوخيمة التي تترك آثارها السلبية على الإنسان العربي ، فتجعله يتلذذ بالفشل والخيبة والهزيمة والفقر وتآكل الذات... كما ينتقد هذا الفن القصصي الجديد النظام العالمي الجديد وظاهرة العولمة التي جعلت الإنسان معطى بدون روح، وحولته إلى رقم من الأرقام، وبضاعة مادية لاقيمة لها، وسلعة كاسدة لاأهمية لها . وأصبح الإنسان- نتاج النظام الرأسمالي \"المغولم \" - ضائعا حائرا بدون فعل ولا كرامة، وبدون مروءة ولا أخلاق، وبدون عز ولا أنفة، معلبا في أفضية رقمية مقننة بالإنتاجية السريعة والاستهلاك المادي الفظيع ، كما صار مستلبا بالآلية الغربية الطاغية على كل مجتمعات العالم \"المعولمة\" اغترابا وانكسارا.
5- الخصائص الدلالية:
يتناول فن القصة القصيرة جدا نفس المواضيع التي تتناولها كل الأجناس الأدبية والإبداعية الأخرى، ولكن بطريقة أسلوبية بيانية رائعة تثير الإدهاش والإغراب والروعة الفنية، وتترك القارئ مشدوها حائرا أمام شاعرية النص المختزل إيجازا واختصارا يسبح في عوالم التخييل والتأويل، يفك طلاسم النص ويتيه في أدغاله الكثيفة، ويجتاز فراديسه الغناء الساحرة بتلويناتها الأسلوبية، يواجه بكل إصرار وعزم هضباته الوعرة وظلاله المتشابكة. ومن المواضيع التي يهتم بها هذا الفن القصصي القصير جدا تصوير الذات في صراعها مع كينونتها الداخلية وصراعها مع الواقع المتردي، والتقاط المجتمع بكل آفاته، ورصد الأبعاد الوطنية والقومية والإنسانية من خلال منظورات ووجهات نظر مختلفة،ناهيك عن تيمات أخرى كالحرب والاغتراب والهزيمة والضياع الوجودي والفساد والحب والسخرية و التغني بحقوق الإنسان...
استنتاج تركيبي:
وفي الأخير، نسجل ناصحين وموجهين أنه آن الأوان لتوسيع شبكة الأجناس الأدبية و تمديد رقعة نظرية الأدب بفنون جديدة أفرزتها ظروف العصر وسرعة إيقاع الحياة المعاصرة التي تفرض علينا شروطها ومتطلباتها التي لا يمكن الانسلاخ عنها أو تجنبها، فلا بد إذاً من التكيف والتأقلم مع مستجدات السياق الزمني الآني خاصة الفنية والأدبية منها، ولابد للمؤسسات التربوية الجامعية والثانوية والإعدادية والابتدائية والمؤسسات الثقافية الخاصة والعامة أن تعترف بكل المنتجات الجديدة في عالم الإبداع سواء أكان ذلك مستوردا من الحقل الغربي أم مستنبتا في الحقل العربي ، وذلك بالتعريف والدراسة والتشجيع وفرضها في المقررات والمناهج والبرامج البيداغوجية والديداكتيكية. ومن هذه الأشكال الأدبية التي نرى أنه من الضروري الاعتراف بها نستحضر أدب الخواطر وأدب اليوميات وأدب المذكرات وفن التراسل والأدب الرقمي وفن القصة القصيرة جدا و فن الزجل والقصيدة النثرية.
- التفاصيل
- كتب بواسطة: نضير الخزرجي
- المجموعة: بحوث و دراسات
- الزيارات: 9
التاريخ على حقيقته .. السيرة الحسينية مثالاً
نضير الخزرجي*
يمثل التاريخ محيطا كبيرا، عميقا في قاعه، عاليا في أمواجه، واسعا في سواحله، غزيرا في أحيائه، ولا يستطيع شق عبابه إلا من امتلك ناصية سفينة سريعة ترتكز الى سارية عالية تتهادى به الى حيث الكنوز.
وربان السفينة ليس كحاطب ليل، فهو يتقصى مواقع الخير والصيد الثمين، ومثله الباحث في التاريخ، يتلمس الحقيقة بين رقاع من المعلومات والقصص، يستبين الصدق من الكذب، والحقيقة من السراب، وقد ركب مركبا صعبا، لان التاريخ أمواج من الحوادث يتبع بعضه بعضا، تنسج عليها أقاويل قد تصدق وقد لا تصدق، ومن ملك باع التحقيق وفتح مغاليق البحث على كل الاتجاهات دون تعصب أو ميل وهوى، فقد ظفر بمضمار الحقيقة، وانتهى الى خط النجاح، تتساقط خلفه الحوادث الضعيفة السند وتتهاوى الموضوعات التي دسها عبيد الدنيا في ديوان التاريخ رغبة في مال هذا السلطان او حظوة هذا الوالي، أو تعصبا الى باطل، او كرها في حق.
والأمم الحضارية، لا تكتفي بحاضرها، لان الحاضر قطعة من الماضي، كما هو امتداد للمستقبل، والحاضر لا يكون حاضرا حضاريا، ما لم يكن سبيل التاريخ حقائق باهرة ووقائع زاهرة تتهاوى على جانبيه الأكاذيب والأقاويل والموضوعات، ولا يأتي هذا بالتمني وعدّ النجوم، وإنما بسهر الليالي وقوة التحقيق وفراسة البحث والتنقيب عن الماضي النظيف من بين ركام الكم الهائل من المعلومات والقصص والسير. ولا يتأتى هذا الأمر إلا لندرة نادرة من الرجال، لان قاع التاريخ عميق جدا.
الباحث العراقي عبد الزهرة محمد الأسدي، الذي قرأ الجزء الأول من كتاب (السيرة الحسينية)، يحاول أن يقنعنا بالأدلة الدامغة وعبر كتابه الموسوم "قراءات في الجزء الأول من السيرة الحسينية"، الصادر في بيروت عن بيت العلم للنابهين، في 168 صفحة من القطع المتوسط، إن مؤلفه العلامة الدكتور محمد صادق محمد الكرباسي، هو عيّنة بارزة من هذه الندرة، التي ركبت الصعاب لاستخراج حقائق التاريخ الاسلامي وبيان فلسفته، من خلال متابعة سيرة الامام الحسين بن علي (ع)، وبخاصة في الفترة التي سبقت ولادته (ع) والسنوات الأربع من حياته بين يدي جده الأكرم محمد رسول الله (ص)، وبأسلوب علمي حديث يعتمد الجداول والتاريخ الدقيق والخرائط لبيان تسلسل حركة التاريخ عبر الزمن وعلى الأرض.
وكتاب (السيرة الحسينية) الذي هو جزء من عشرة أجزاء لباب واحد في موسوعة تضم ستين بابا، جاء في كتب السير فريدا، وهذه حقيقة يقف عند بابها الباحث الأسدي، مؤكدا أن الموسوعة الحسينية: "أثبتت وجودا تجاوزت ساحاتها، وتأثيرا في النفوس فوق مساراتها، فاقت مثيلاتها كماً ونوعاً، واثقة في خطواتها"، وهي: "كتاب تقرأ فيه ما بين الجلدين، يشد بعضه بعضا، سِفر من سادة الأسفار، فاق زمانه ووسع مكانه" وهذا السِفر: "هو نتاج عالم أقل ما يوصف به شيخ الفلاسفة وفيلسوف الشيوخ".
ويقرأ الأسدي، المقدمة التمهيدية للسيرة الحسينية، التي تناولت "تاريخ الانسان"، و"مَن وراء التاريخ"، وهل "التاريخ فاعل أو مفعول"، و"كيف يتحدد التاريخ"، وما هي "قيمة التاريخ" وعن "الفرق بين التأريخ والتاريخ"، وعن "الفرق بين علم التاريخ وعلم الآثار"، و"هل يعيد التاريخ نفسه"، و"بماذا يؤرخ"، و"مَن المؤرخ"، و"هل يخضع التاريخ للتخصص"، وعن "مبدأ التاريخ الاسلامي" ومقومات "النهضة الحسينية ومقومات التأريخ"، ومدى "حجية التاريخ"، وبيان "السيرة لغة واصطلاحاً"، ثم الإشارة الى "الهدف والمضمون في السيرة"، وبيان معالم "هذه السيرة"، وتوضيح "الخصائص"، وتسليط الأضواء على "نشأة الطفل" وعلاقة ذلك بالوراثة والتربية والأسرة والبيئة.
ويناقش المؤلف الأيام الستة لخلق الكون التي ورد ذكرها في الآية 4 من سورة السجدة: (الله الذي خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش..)، واليومين الذين خلق فيهما الله الأرض، والأيام الأربعة التي أوجد فيها الحياة، كما في الآية 9 و10 من سورة فصلت: (قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين. وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواءاً للسائلين)، ويناقشهما بالاعتماد على علمي الفلك والجيولوجيا، وبما انتهت اليه استنتاجات المصنف الكرباسي لمبدأ الحياة البشرية على الأرض ومن منظور علمي الآثار والتاريخ، حيث يرى أن الحياة مرّت بأربعة عصور: من هبوط آدم (ع) وحتى طوفان نوح في الفترة الواقعة بين العام (6880 ق. هـ) والعام (3824 ق. هـ). ومن طوفان نوح (ع) وحتى البعثة النبوية الشريفة في العام 13 قبل الهجرة. ومن البعثة النبوية وحتى انتهاء الحكم العثماني في العام 1342 هجرية. ومن انتهاء العصر العثماني وحتى يومنا هذا.
بيد أن الأسدي له وجهة نظر أخرى لبداية التاريخ البشري، فعنده أن الحياة مرت بخمسة عصور: من هبوط آدم (ع) وحتى آخر نبي سبق النبي نوح (ع) وسماها بعصر النبوة ومدتها لا تقل عن 8000 سنة، وفيها كان متوسط عمر الانسان من 1500 سنة الى 2000 سنة. والعصر الثاني ويبدأ من بعث نوح (ع) لحين بعث النبي ابراهيم (ع)، ومدتها 4000 سنة، وفيها عمر الانسان من ألف الى 300 سنة. والثالث عصر الديانات الحنفية واليهودية والمسيحية، تبدأ من بعث النبي ابراهيم الخليل (ع) لحين بعثة النبي محمد (ص)، ومدتها 3000 سنة، ومتوسط عمر الانسان فيها بين 400 الى 100 سنة. والرابع عصر دول الإسلام، ويبدأ من البعثة النبوية الشريفة لحين النصف الثاني من القرن التاسع عشر الميلادي، وفيها متوسط عمر الانسان بين 85 و35 سنة. والعصر الخامس هو عصر الحضارة والاختراعات والاكتشافات، وهو قائم حتى يومنا هذا. وينتهي الأسدي الى أن عمر الحياة البشرية هي (16500) سنة، أي ضعف ما توصّل اليه المحقق الكرباسي، على إنني أميل الى ما ذهب اليه الكرباسي، بخاصة إن الجزء الأول من مجلد (الحسين والتشريع الاسلامي) الذي صدر في العام 2000، يتناول بشيء من التفصيل سلسلة حياة الأنبياء وشرائعهم، ما يجعلك تعتقد أن ما تفرد به المحقق الكرباسي، هو الأقرب الى الحقيقة، ولكن هذا لا يمنع من وجود هامش في تفاوت السنين.
في الواقع إن التاريخ الإنساني كما يذهب اليه الكرباسي ويؤيده الأسدي هو من صنع الحدث أو الشخص، وإذا كان الحدث من صنع الخالق، فلا دخل للإنسان في حركيته، ولكني اعتقد أن بعض الحوادث التي تبدو خارج إرادة الانسان مثل التغيرات الجوية والجيولوجية ذات التأثير المباشر على الحياة، فان للإنسان دخلا فيها وان بدا غير ظاهر، فالاحتباس الحراري على سبيل المثال، وهو في جانب منه من نتاج الانسان، يساعد بشكل مباشر على خلق التقلبات الجوية والعواصف والتيارات البحرية المهلكة والفيضانات.
ويستقرأ المؤلف نظرات المصنف في العلاقة بين التاريخ والزمن، والعلاقة بين الزمان والمكان، ليؤكد: "إن الزمان هو محور التأريخ وحركة التاريخ تابعة لحركة الزمن، فإذا توقف الزمان توقف التاريخ، وقد يكون كليا فيحصل الفناء المطلق فينتهي عنده التاريخ"، وهذه علاقة تلازمية قائمة ما قامت الأجرام التي بها يتحدد الزمن، وبالزمن يتحدد التاريخ، وبالإنسان محور الخلق في الأرض تتحدد حركة التاريخ.
ويناقش المؤلف ما أورده المصنف من الفرق بين التأريخ والتاريخ، والفرق بين علم التاريخ وعلم الآثار، وعن إعادة التاريخ لنفسه، فالتاريخ كما يرى المصنف يعود بأسبابه ومسبباته باعتبار أن المعطيات الأساسية للتاريخ واحدة والإنسان نسخة طبق الأصل من حيث المستودع وان اختلفت صوره ونسب غرائزه.
وعن بدء تاريخ المسلمين الهجري، فان المحقق الكرباسي له رأيه الخاص، فهو لا يؤمن بصحة الرأي الذي يتخذ من العام 16 هجرية كمبدأ لتحديد التاريخ الاسلامي، وإنما يعتبره العام الذي تم فيه إقرار التاريخ الهجري بشكل رسمي بناءاً على اقتراح من الامام علي (ع) للخليفة عمر بن الخطاب، في اتخاذ شهر محرم الحرام مبدءاً، لقطع الخلاف بين المسلمين حول تحديد بداية الشهر، بلحاظ أن هجرة النبي محمد (ص) الى المدينة المنورة تمت في شهر ربيع الأول، ويدعم رأيه باستشهادات عدة تقطع الشك باليقين.
ولما كانت السيرة هي من مصاديق التاريخ، فان المؤلف يناقش أفكار المصنف حول مفهوم السيرة، ليكون مدخلا الى بحث السيرة الحسينية التي تدور عليها حوادث هذا الجزء والأجزاء الأخرى، فالسيرة الحسينية: "هي بيان عن كل ما صدر عن الامام الحسين (ع) من قول أو فعل أو معايشة كان له دور فيها ولو لمجرد الحضور فيما نصت المصادر على ذلك"، وهذه السيرة قائمة على بيان حياة الامام الحسين (ع) قبل الولادة وأثناء حياته وبعدها، بوصفه من العظماء الذين خطوا في صفحة الدنيا أخاديد عميقة، تجري فيها مياه الحياة حتى يومنا هذا، وبوصفه من: "الاختيار الأعظم من الله العظيم أرادهم أن يكونوا رسلا وقادة أئمة هداة، فنزّههم من كل ما من شأنه النقص تكريما لهم بمقتضى الحكمة". فتقصى المصنف النشأة الأولى للإمام الحسين (ع)، قبل وبعد الولادة مستعينا بعلم الوراثة ودور الآباء بنقل المورثات، ومؤيدا بالروايات الدالة على طهارة المولد وراثيا، وبحث الجانب التربوي وتأثيره على نمو الطفل، باعتبار: "أن التربية وأسسها ترتبط ارتباطا وثيقا بالرؤية الفلسفية للحياة وكيفية التعامل معها وبما فيها"، وتأثير التربية على المورثات القابلة للضمور، سلبا أو إيجابا، بخاصة في محيط الأسرة والبيئة الذي له دور كبير في نشأة الطفل وتعيين مسار حركته في الحياة.
ويعتقد المؤلف أن المصنف هو: "فيلسوف التاريخ الحسيني الأوحد" لأنه استطاع أن يترجم الأحاديث الواردة في فضائل ومناقب الحسين (ع) على لسان جده الرسول الأعظم (ص) الى حوادث ووقائع تاريخية، ثبتها باليوم وربما بالساعة وحدد مكانها والأجواء المحيطة بها، وهذا ما يعبر عنه في علم التاريخ بفلسفة التاريخ، وبالتالي استطاع المصنف أن يرفع الكثير من اللبس حول الحوادث التاريخية ويعيد الأمور الى مجاريها الطبيعية، بخاصة وان المصنف في هذا الجزء اعتمد وضع الخرائط لبيان مسيرة الرسول (ص) وتحركاته في داخل المدينة المنورة وخارجها، في الفترة التي عاش فيها الامام الحسين (ع) في كنف جده صغيرا.
في الحقيقة إن عملية التثبت من الأحاديث والروايات المتعلقة بالإمام الحسين وتشخيص المناسبة، ودلالات فعاليات الرسول (ص) في داخل البيت العلوي وقريب منه، هي مادة الجزء الأول والثاني من سلسلة السيرة الحسينية، قسّمه المصنف الى تسعة مقاطع، استقل في الجزء الأول بخمسة مقاطع، وكل مقطع هو في حقيقته مقطع زمني، يجري فيه المصنف قراءة فاحصة للحوادث، حيث يؤرخ المقطع الأول للفترة من مبعث النبي محمد (ص) الى السنة الرابعة للهجرة، أي فترة "ما قبل الحمل"، والمقطع الثاني يتثبت المصنف من الحوادث التي وقعت في السنة الرابعة للهجرة ومنها ولادة الإمام الحسين (ع) في 5 شعبان، كما يؤرخ المقطع الثالث لحوادث السنة الخامسة الهجرية، والمقطع الرابع للسنة السادسة، والمقطع الخامس لحوادث السنة السابعة الهجرية.
وكما يؤكد الأسدي، فان المحقق الكرباسي بان قلمه عن إشراقات في التاريخ النبوي والحسيني، تدحض الكثير مما علق في أذهان الناس، فعلى سبيل، ينفي المصنف وبالدليل، حلول الخوف والارتباك في روع الرسول (ص) عند البعثة النبوية ونزول جبريل (ع) عليه بسورة اقرأ، أو استعانته بالآخرين بالوقوف على الحالة التي حصلت له في الغار، فجبريل (ع) كان يلازم الرسول الأكرم (ص) مذ كان فطيما، فلم يكن أمر النبوة مفاجأة على قلبه، حتى يحتاج الى من هو دونه لبيان نبوته.
ومن المفارقات التي نجدها في المقطع الزمني الأول، أن الحمزة بن عبد المطلب (ع) هو سيد الشهداء، استشهد بأمر هند أم معاوية وله من العمر 57 عاما، وان الحسين (ع) هو سيد الشهداء، استشهد بأمر يزيد بن معاوية حفيد هند وله من العمر 57 عاما.
ويرى الأسدي في قراءته للمقطع الزمني الثاني، أن التاريخ لم ينصف السيدة فاطمة بنت أسد والدة الامام علي (ع) التي وقفت مع النبي (ص) فتى وكبيرا، وأن : "تعتيما مقصودا قد نال هذه السيدة العظيمة بعطاياها نحو الرسول (ص) كما نال ما ناله سيدها أبو طالب من ظلم الرواة ودس الحاقدين على وصي الصادق الأمين في تشويه الحقائق ودس الأكاذيب لكل من له صلة بأمير المؤمنين (ع)، ولا عندي ما أضيفه إلا أنني أقول إنهم أول المظلومين من آل هاشم".
وينفي المصنف في المقطع الزمني الثالث، يؤيده في ذلك المؤلف، أن يكون الحسين (ع) او أخوه الحسن (ع) قد تعلما القرآن على يد معلم خارج إطار بيت النبوة، ويؤكد بالدليل القاطع أن النبي (ص) كان معلم القرآن الأول لسبطيه، ويضيف الأسدي: "إن الأنبياء والرسول منزهون من تعليم البشر، وإنما معلمهم هو الله وحده عن طريق وحيه الأمين، ويجوز أن يعلم النبيَّ نبيٌّ آخر، وبالأخير فآخر المعلمين مُعلّم من الله. والرسول والأنبياء يعلمون أوصياءهم، ولا معلم لأوصيائهم غيرهم، والوصي يعلم الوصي من بعده الى أن يشاء الله عز وجل".
ويستخلص المصنف في المقطع الزمني الرابع، من جملة حوادث، جرت في عهد النبي الأكرم (ص)،: "الأثر البالغ في تشيّع المنطقة الشرقية للجزيرة العربية والبحرين منذ أمد بعيد" حيث كان أهلها في ذلك الوقت على دين النصرانية ينتظرون بعثة النبي محمد (ص) الذين بشرهم به الإنجيل.
ويتوقف الأسدي في قراءته لهذا المقطع، عند مرض الحسن والحسين (ع) وعيادة النبي (ص) لهما وما جرى من حوار، فيرى أن الكرباسي بأسلوبه الجميل: "حوّل المسرح في حواره النثري الى مسرح شعري شبيه بما فعله شوقي في مسرحياته الشعرية، وما أن قرأت تلك اللوحات الشعرية الجميلة في تحاوراتها حتى تمنيت لو أن شاعرا مسرحيا من شعرائنا الذين أجادوا الشعر الملحمي كالمرحومين الشيخ الفرطوسي وبولس سلامة ومعهم الشرقاوي في صياغته المسرحية فيضع لنا مسرحية شعرية يتناول فيها الحسين في ظل جده الأكرم".
وفي المقطع الخامس والأخير من هذا الجزء الذي يغطي السنة السابعة للهجرة، يرى المصنف أن الدولة الاسلامية كانت قد أكملت جميع مقومات وجودها.
وفي خاتمة المطاف، لفتت انتباه المؤلف نقطتان:
الأولى: إن المحقق الكرباسي: "شابه في عمله في هذه الموسوعة وطريقة تبويبها طريقة العالم الكيمياوي الروسي مندلييف في وضع جدوله الكيمياوي والمسمى باسمه حيث ترك الفراغات في هذا الجدول للعناصر التي لم تكن معروفة في زمانه وغير المكتشفة، مما حدا بالعلماء الذين جاؤوا من بعده على اكتشافها ودراستها وإملاء جدوله وإكماله، والشيخ الفاضل الكرباسي تعامل مع موسوعته وتبويبها بالصيغة ذاتها لتكون كتابا مفتوحا لكل شاردة وواردة عن الحسين (ع) يمكن أن تكتشف مستقبلا فيتم تدوينها".
الثانية: إن المحقق الكرباسي: "شابه في عمله هذا العلامة الأميني صاحب الغدير في كثافة إطلاعاته ودراساته للألوف من المصادر والدراسات لغرض استخراج الآراء".
في الحقيقة ان قراءة الأسدي في كتاب السيرة الحسينية من دائر المعارف الحسينية تكشف عن قراءة جديدة للتاريخ ينتهجها المحقق الكرباسي، تضع الحوادث على سكة الحقيقة وجادة الصواب.
*إعلامي وباحث عراقي
الرأي الآخر للدراسات - لندن
- التفاصيل
- كتب بواسطة: د. عيسى الدودي
- المجموعة: بحوث و دراسات
- الزيارات: 12
الأمثال العربية في أزجال ابن قزمان.
د.عيسى الدودي
قبل أن يصل الأندلسيون مرحلة التجديد والابتكار والاستقلال الذاتي في المجال الأدبي، اهتموا بالكتب المشرقية عامة وكتب الأمثال خاصة، فأقبلوا عليها تدوينا ورواية وشرحا و دراسة، ومن أهم الكتب التي يمكن الرجوع إليها في باب الأمثال كتاب "فصل المقال في شرح كتاب الأمثال" لصاحبه أبي عبيد البكري، وابن عبد ربه في كتاب الجوهرة في الأمثال من كتاب "العقد الفريد"، و"الفهرسة" لابن خير الإشبيلي، وغير هؤلاء كثير.
وكان من الطبيعي أن تنتقل كثير من الأمثال العربية الفصيحة إلى الأدب الشعبي والتي أصبح يطلق عليها الأمثال العامية، وقد ارتبط ظهورها بالأقاليم والمناطق التي دخلها الإسلام، ونتج عن ذلك ظهور الأمثال العربية الإقليمية. وكثير من هذه الأمثال عربية فصيحة وقع فيها تغيير وتحوير لتنسجم مع العامية من جهة ومع البيئة الجديدة من جهة أخرى فجاءت في قالب جديد، وهذا يؤكد التقارب والتجاور بين الأمثال العربية الفصيحة والأمثال العربية العامية.
وعلى غرار باقي الأمصار التي دخلها الإسلام، ظهرت في الأندلس عدة كتب اعتنت بالأمثال العامية مثل "تقويم اللسان" لابن هشام اللخمي الأندلسي، و"رَيِّ الأوَام" لأبي يحيى الزجالي"1، و"قضاة قرطبة" للخشنى، و"المقتبس" لابن حيان، و"التبيان عن الحادثة الكائنة بدولة بني زيري في غرناطة" لعبد الله بن بلقين. وفي الوقت نفسه انتقل صدى هذه الأمثال إلى الأزجال، فنجدها في ثنايا أزجال الزجالين الأندلسيين كمدغليس والششتري وابن قزمان2، ويضم ديوان هذا الأخير مجموعة من الأمثال ذات الأصول العربية، وهذا نتيجة حتمية لتأثر الأندلسيين بالمشارقة في كثير من فنون القول. وهذه بعض هذه الأمثال القزمانية التي لها جذور في الأمثال العربية:
* ـ الْمَثَل قديم هُ فَالنَّاس، ? ثُم الا الثَّور الأبْلَق؟ (148ـ6ـ4)3
ويقول المثل العربي: أشهر من الفرس الأبلق، فقد جاء في المستقصى للزمخشري: "أشهر من الأبلق لقلة البلق في الغراب، ولأنه إذا كان في ضوء ظهر سواده، وإذا كان في ظلمة ظهر بياضه"4. وقيل كذلك: ""أكلت يوم أكلت الثور الأبلق": وهو من كلام الإمام علي رضي الله عنه..."5.
* ـ " قُلْ مَتَى تَجَينِ؟ قَال"غَدَا"
وَغَدَا لِلنَّاظِرِينَ قَرِيــب (58ـ5ـ4/5)
الشطر الثاني جاء من المثل العربي القائل "غدا لناظره قريب" و: "أول من قال هذا قراد بن أجدع، وحكايته كما رواها الرواة هي أن النعمان بن المنذر ملك الحيرة خرج ذات يوم لغرض الصيد، وضل في طريقه، فلجأ إلى بيت رجل من طيء يدعى حنظلة آواه وأكرمه؛ وهو لا يعرف أن ضيفه هو الملك النعمان، وبعد أن بات النعمان ليلته عنده وَهَمَّ بالرحيل قال: يا أخا طيء أطلب ما تشاء فأنا الملك النعمان، فقال الرجل: أفعل إن شاء الله، وظل حنظلة بعد ذلك زمنا لا يفارق داره، إلى أن أصابته نكبة وساءت أحواله، فقالت له امرأته: لماذا لا تذهب إلى الملك النعمان فيحسن إليك كما أحسنت إليه؟ فذهب حنظلة إلى النعمان، وتصادف وصوله قصر النعمان في يوم بؤسه، فلما رآه النعمان قال له: أأنت الطائي؟ قال: نعم. قال: أفلا جئت في غير هذا اليوم؟ قال: أبيت اللعن وكيف لي أن أعلم بهذا اليوم، فقال النعمان: والله لو رأيت في هذا اليوم ـ أول ما أرى ـ قابوس ابني ما ترددت في قتله، فهذا يوم بؤسي وأنت تجيئني فيه، فاطلب ما تشاء لك قبل أن أقتلك، فأنت مقتولا لا محالة. فقال حنظلة الطائي: وما أصنع بالدنيا بعد نفسي إن كان ولا بد من قتلي، فأمهلني حتى أذهب إلى أهلي فأوصي لهم وأهيئهم للأمر، ثم أعود إليك تفعل بي ما تشاء، فقال النعمان: فإذن أقم لي كفيلا يكفلك حتى تعود. فالتفت الطائي إلى الرجال الملتفين حول الملك عساه يجد بينهم من يعرفه فيكفله، فوجد شريك بن عمر الشيباني الذي كان يعرفه، وطلب منه أن يكفله وكنه أبى. وتلفت ثانية وكل يشيح بوجهه عنه، إلى أن وثب رجل يدعى قراد بن أجدع المنسوب إليه هذا المثل، وقال: أنا كفيله حتى يحول الحول ويرجع، وعندئذ أمر النعمان بخمسمائة ناقة يأخذها الطائي معه لأهله، وانصرف الطائي بعدما تأجل موته حولا كاملا بكفالة قراد بن الأجدع.
ولما حال الحول ولم يبق منه إلا يوم واحد قال النعمان لقراد: ما أراك إلا هالك غدا، فصاحبك لن يأتي، فقال قراد: وإن غدا لناظره قريب، يريد أن يقول له لا تستعجل الأمر ففي الغد ننظر الأمر ونرى، ولما أصبح الصباح ولم يأت الطائي أمر النعمان بقتل قراد، فقال له وزيره: ليس لك أن تقتله يا مولاي قبل أن يستوفي يومه، فتركه وكان النعمان يستعجل قتله حتى يفلت الطائي من القتل.
وبينما كانت الشمس تميل نحو الغروب إذا بشخص يلوح لهم من بعيد في نفس اللحظة التي كاد يقتل فيها قراد، ولما اقترب الشخص وتبين أنه الطائي ركب النعمان غم شديد وقال له: ما حملك على الرجوع يا رجل وقد أفلتَّ من القتل؟ فقال الطائي: الوفاء أيها الملك...فشعر النعمان أنه أمام رجل لا يستحق القتل، بل يجب أن توهب له الحياة فعفا عنه، كما عفا عن وكيله قائلا: والله ما أدري أيهما أوفى وأكرم من صاحبه، الذي نجا من القتل ثم عاد أم الذي ضمنه، والله لا أكون إلا ثالثهما. ويضرب هذا المثل في الحث على عدم التسرع أو استعجال النتائج قبل أوانها"6.
ويقول فديريكو كورينتي أن هذا المثل جاء من باب التقليد للقدامى: "ومن باب تقليد ابن قزمان للشعر المقصد مثلا اقتباسه لأشعار الأقدمين، إما حرفيا كما في خرجة زجله رقم 58 التي قال فيها [قل متى تجيني؟ قال غدا وغدا للناظرين قريب]، وهو مقتبس من قول مهيار الديلمي:
تَمُرُّ لكُم طيْـــرٌ يَمِينا يَزْجُـــرُها ? على مَشْهَدٍ مِنِّي وحين أغيبُ
نَشَدْتُكـُـم بالله كيــــــف رأيتـُـــمُ ? مناجِحَها والعائفاتُ تَخيــــبُ
فقولوا نعم وُفِّقْت وارْعَوا ذِمامها? غدًا وغدًا للنَّاظـرينَ قريبُ"7 .
* ـ فَطِعْ وَاسْمَعْ ? مَنْ اَنْذَرْ فَقَدْ اعْذَرْ (101ـ3ـ3)
وهو مثل عربي ورد في كتب الأمثال من ذلك ما جاء في المستقصى: "أعذر من أنذر، أي حذرك ما يحل بك فقد بالغ في العذر"8.
* ـ اِنَّ قََبْلَ الرَّمْيِ يُرَاش السَّهَمْ (9ـ21ـ4)
جاء في "العقد الفريد" لابن عبد ربه: "قبل الرماية تملأ الكنائن"9، وهناك صيغة أخرى لهذا المثل وردت في كتاب الأمثال للسدوسي وهي: "قبل الرماء تملأ الكنائن، يقال: أخذ أهبة الأمر قبل أن ينزل بك، قال الأعشى لمالك بن سعد بن صبيعة:
كَفَى قَوْمه شَيْبانَ إنَّ عَظيمَةً ? مَتَى تَحِنْ تُؤْخَذْ لها أهُباتُها"10.
* ـ لِسْ نَزَوَّج حَتَّى يَشِيب الْغُرَاب (21ـ0ـ2)
وهو مثل عربي صيغته الأصلية: "حتى يشيب الغراب، فقد قال النابغة الذبياني:
فإنَّكَ سوفَ تَحْلُمُ أوْ تَناهَى ? إذا شِبْتَ أو شابَ الغُرابُ
وقال بن جؤية:
شَابَ الغُرابُ ولا فُؤادُكَ تارِكٌ ? ذِكْرَى عَضُوبٍ ولا عِتَابُك تَعْتَبُ
وقيل: المراد بالغراب مؤخر الرأس وهو آخر ما يشيب"11.
* ـ فَإنْ مَكْتُوب هُ فِي التَّوْرَاة "اُطْلُب تَجَدْ" (60ـ7ـ3)
وهو مثل عربي ورد في المستقصى بهذه الصيغة:" أطلب تجد، ويضرب في التصميم على طلب الشيء وأن الحصول عليه يتبعه لا محالة"12.
وهناك أمثلة عديدة تتقاطع مع هذا المثل، كمن جد وجد ومن زرع حصد، وأطلب تجد، وما ضاع حق وراءه طالب. وفي كتاب المحاضرات لليوسي: "من طلب شيئا وَجَدَّ وَجَدَ، ومن قرع بابا ولَحَّ وَلَجَ"13.
* ـ الْوَلَد مِنْ قَرْضِ وِلْدُ ? وَالعَصَى مِنَ العُصَيَّ (11ـ10ـ4)
نحن هنا في هذا النموذج أمام مثالين يؤديان المعنى نفسه وإن اختلفا في الصياغة؛ فالأول: الولد من قرض ولد، أي: " الولد شبه أبيه"14، وكذلك: هذا الشبل من ذاك الأسد.
أما الثاني: العصى من العصي، فقد أورد له الميداني قصة نقتطف منها ما يلي: "أول من قال هذا المثل الأفعى الجرهمي، وذلك أن نزارا لما حضرته الوفاة جمع بنيه: مضر وإيادا وربيعة وأنمارا فقال: يا بني هذه القبة الحمراء ـ وكانت من أدم ـ لمضر، وهذا الفرس الأدهم والخباء الأسود لربيعة، وهذه الخادمة ـ وكانت شمطاء ـ لإياد، وهذه البدرة والمجلس لأنمار يجلس فيه، فإن أشكل عليكم كيف تقسمون فأتوا الأفعى الجرهمي ومنزله بنجران...
فخرج الأفعى فقصوا عليه قصتهم وأخبروه بما أوصى به أبوهم فحكم به فقال:" العصا من العصية" والمراد أنهم يشبهون أباهم في جودة الرأي"15.
* ـ مَنْ شَبَه وَلْدُ مَا ظَلَم (106ـ6ـ4)
وهو من المثل العربي القائل: من أشبه أباه فما ظلم، يقول الميداني في شرحه: "أي لم يوضع الشبه في غير موضعه لأنه ليس أحد أولى به منه بأن يشبهه، ويجوز أن يراد فما ظلم الأب أي لم يظلم حين وضع زرعه، حيث أدى إليه الشبه وكلا القولين حسن.
وكتب الشيخ علي أبو الحسن إلى الأديب البارع وقد وفد إليه ابنه الربيع بن البارع فقال: مرحبا بولده بل بولدي الظريف الربيع الوارد في الخريف.
كأنَّكَ قد قابَلْتَ منْهُ سَجَنْجَلا ? فَجاءَكَ مِنْهُ بالخَيالِ المُمَاثِلِ
وما ظلم إذا أشبه أباه وإنما ظلمه أن لو كان أباه"16.
ويقال هذا المثل بصيغة أخرى وهي: " من شابه أباه فما ظلم، أي وضع الشيء في غير موضعه، ومعنى المثل أن من كان فعله أو سلوكه شبيها بفعل أبيه كان كمن وضع الشيء في موضعه الصحيح، ولعل هذا المثل من قول الشاعر كعب بن زهير:
أنَا ابْنُ الذِّي قَدْ عَاشَ تسْعِينَ حِجَّةً ? فَلَمْ يُخْزَ يَوما فِي مَعَـــدَّ ولم يُلَمْ
أشْبَهْتُهُ مِنْ بَيْنِ مَنْ وَطِئَ الحَصـَا ? وَلَمْ يَنْبُ عَنِّي شِبْهُ خالٍ ولا ابْنُ عَمْ
فَقُلْتُ: شَبِيهاتٍ بِمَـا قَالَ عالِــمٌ ? بِهِـنَّ ومَنْ يُشْبِـهْ أبَاهُ فَمَا ظلـمْ "17
* ـ أرْسِلْ حَلِيمًا وَلا تُوصِهِ تَرَا مُنَاكْ (111ـ0ـ2)
وهو من المثل العربي القائل: "أرسل حكيما ولا توصه لأنه يعرف بحكمته ما فيه صلاحك، يضرب به في تخير الرسول"18.
* ـ ونَكُون ظَايَع بَحَل مَشْط أقْرَع (7ـ17ـ4)
ويقول المثل العربي: "أغنى عن الشيء من الأقرع عن المشط، وهذا قول سعيد بن عبد الرحمن بن حسان:
قد كُنْتُ أغْنَى ذِي غِنًى عَنْكُمْ كما?أغْنَى الرِّجالُ عنِ المِشَاطِ الأقْرَعِ"19.
* ـ والكَوَاكِب عَرَض لَهُم بِالنَّهار (38ـ8ـ2)
وفي العربية: رأى المواكب زهرا، و رأى الكواكب ظهرا،ويقال: "أظهر إذا دخل في وقت الظهيرة، ويضرب لمن دهي فأظلم عليه يومه"20.
* ـ ولا أكْذَب مِنْ أسِير (38ـ28ـ4)
وهو من المثل العربي القائل:" أكذب أحدوثة من الأسير، وهو مأخوذ من قول الشاعر:
وأكْذَبُ أحْدُوثَةً مِنْ أسِيرٍ? وأرْوَغُ يَوْمًا مِنَ الثَّعْلَبِ"21.
ويقال أيضا: "أكذب من أسير السند يزعم الخسيس منهم إذا أخذ أنه ابن ملك"22.
* ـ فَلِسْ لللأسَد الا مَا يَفْتَرِس (105ـ9ـ3)
يقول محمد بن شريفة عن هذا المثل: "في الأمثال العربية: الأسد ما يأكل إلا من الفريسة...وفي التمثيل: والليث ليس يسيغ إلا ما افترس"23.
* ـ فَالسَّبُع يَمَخْرَق وَحْدُ وَيَصُول
وتَرَاه يَخْرَس بِجَنْب الأسَد (49ـ5ـ3/4)
وهو من المثل العربي: " الذئب خاليا أسد"24.
* ـ يَذْكُر الانْسَان الشِّي اذا مَا اعْجَبُو (4ـ7ـ4)
ويقول المثل العربي: من أحب شيئا أكثر من ذكره.
* ـ مَع حَبِيب وَحْد الفَرَس
"بَعْثَر في ذَيْلُ اذا الْتَبَس"(70ـ7ـ1/2)
يتحدث هنا ابن قزمان عن الفرس الذي يتميز بطول ذيله، وهذا قريب من قول امرئ القيس في وصف الفرس:"
ضَلِيعٍ إذَا اسْتَدْبَرْتَهُ سَدَّ فَرْجَهُ ? بضَافٍ فُوَيْقَ الأرْضِ ليسَ بِأعْزَلِ
فهذا الفرس: عظيم الأضلع منتفخ الجنبين إذا نظرت إليه من خلفه رأيته قد سد الفضاء الذي بين رجليه بذنبه السابغ التام قرب الأرض، وهو غير مائل إلى أحد الشقين"25.
الهوامش:
1 ـ قام بتحقيق هذا الكتاب ودراسته العلامة المغربي محمد بن شريفة في كتاب سماه "أمثال العوام في الأندلس".
2 ـ هو أبو بكر محمد بن عيسى بن عبد الملك بن قزمان المعروف بابن قزمان الأصغر. عاش أصداء ما تبقى من عهد ملوك الطوائف، وكامل العهد المرابطي، وصدر العهد الموحدي بالأندلس، وتوفي عام (555هـ/1086م). ينتمي لأسرة حازت المجد والشرف في الثقافة والسياسة والدين، توزع إنتاجه الأدبي بين الشعر والنثر والموشح والزجل، وبرع في فن الزجل إلى حد وصفه بأنه زعيم الزجالين وإمامهم، وأن منزلته بين الزجالين بمنزلة المتنبي بين الشعراء، له ديوان ضخم سماه "إصابة الأغراض في ذكر الأعراض"، نال اهتمام المستشرقين والمستعربين الذين اعتبروه جسرا بين الشرق والغرب، وأصدروا بهذا الصدد عدة نشرات أهمها:
ـ نشرة المستشرق النرويجي "جونزبرج Gunzberg"، ونشرها ببرلين 1896م.
ـ نشرة المستشرق التشيكي "نيكل Nykl"1933م.
ـ نشرة المستشرق الفرنسي "كولان Colin"1933م.
ـ نشرة المستشرق الإسباني "إميليو غرسية غومسEmilio Garc?a G?mez" 1972م.
ـ نشرة المستعرب الإسباني "فيذيريكو كورينتي Federico Corriente" 1980م.
بالإضافة إلى الزجل له موشحة واحدة ذكرها صفي الدين الحلي في كتابه "العاطل الحالي والمرخص الغالي"، ومقطوعات شعرية وردت في مصادر مختلفة، وكتابات نثرية أهمها مقدمة الديوان، ورسالتان في "الذخيرة في محاسن الجزيرة" لابن بسام، ومثلهما في "الإحاطة في أخبار غرناطة" لابن الخطيب.
3 ـ الترقيم المعتمد في ترتيب أزجال الديوان: يمثل الأول رقم الزجل، والثاني المقطع، والثالث السطر داخل المقطع.
4 ـ المستقصى في أمثال العرب ـ أبو القاسم جار الله محمود بن عمر الزمخشري ـ دار الكتب العلمية بيروت/ لبنان ـ الطبعة الثانية 1397هـ/ 1977م ـ الجزء الأول، ص:240.
5 ـ أمثال العوام في الأندلس ـ أبو يحيى الزجالي (617،694هـ) ـ تحقيق ودراسة الدكتور محمد بن شريفة ـ طبع بمساعدة وزارة الدولة ـ القسم الثاني، ص:803 .
6 ـ موسوعة الأمثال العربية الفصحى ـ إعداد: مصطفى فتحي ـ دار أسامة للنشر والتوزيع، الأردن/عمان ـ الطبعة الأولى 2001م ـ ص:185،186.
7 ـ العلاقات اللغوية والأدبية بين الأندلس وسائر الدول في شبه الجزيرة الإيبيرية ـ فديريكو كوريينتي كوردوبا ـ دراسات مغاربية: عدد مزدوج 15،16 (2000) ـ ص:30.
8 ـ المستقصى في أمثال العرب ـ الزمخشري ـ الجزء الأول، ص:212.
9 ـ العقد الفريد ـ ـ أحمد بن محمد بن عبد ربه ـ تخقيق: الدكتور عبد الله المجيد الترحيني ـ دار الكتب العلمية، بيروت/ لبنان ـ الطبعة الثالثة 1407 هـ/1987م ـ الجزء الثالث، ص: 32.
10 ـ كتاب الأمثال للسدوسي ـ ص: 78.
11 ـ المستقصى في أمثال العرب ـ الزمخشري ـ الجزء الثاني، ص: 59.
12 ـ نفسه ـ الجزء الأول، ص:224.
13 ـ المحاضرات في اللغة والأدب ـ الحسن اليوسي ـ أعدها للطبع محمد حاجي ـ مطبوعات دار المغرب للتأليف والترجمة والنشر، الرباط 1396هـ/1976م ـ الجزء الثاني، ص: 280.
14 ـ أمثال العوام في الأندلس ـ أبو يحيى الزجالي ـ الجزء الأول، ص: 175.
15 ـ مجمع الأمثال ـ الميداني ـ حققه وفصله وضبط غرائبه وعلق على حواشيه: محمد محي الدين عبد الحميد ـ النشر: دار الكتب ـ الطبعة الثالثة: 1393هـ/1972 ـ الجزء الأول، ص: 15،17.
16 ـ نفسه ـ الجزء الثاني، ص:300،301.
17 ـ موسوعة الأمثال العربية الفصحى ـ إعداد : مصطفى فتحي ـ ص : 242 .
18 ـ المستقصى في أمثال العرب ـ الزمخشري ـ الجزء الأول، ص: 140.
19 ـ سوائر الأمثال على أفعل ـ حمزة بن الحسن الأصفهاني ـ دراسة وتحقيق الدكتور فهمي سعد ـ عالم الكتب ـ الطبعة الأولى 1409هـ/1988م ـ ص: 282.
20 ـ مجمع الأمثال ـ الميداني ـ الجزء الثاني، ص: 25.
21 ـ نفسه ـ الجزء الثاني، ص: 169.
22 ـ المستقصى في أمثال العرب ـ الزمخشري ـ الجزء الأول، ص: 290.
23 ـ أمثال العوام في الأندلس ـ أبو يحيى الزجالي ـ الجزء الأول، ص: 178.
24 ـ نفسه ـ القسم الأول، ص: 176.
25 ـ شرح المعلقات السبع ـ أبو عبد الله الحسين بن أحمد الزوزني ـ دار الجيل للنشر والتوزيع والطباعة، بيروت/ لبنان ـ ص: 45، 46.
- التفاصيل
- كتب بواسطة: نضير الخزرجي
- المجموعة: بحوث و دراسات
- الزيارات: 9
المراقد ودورها في النهوض الحضاري وإنماء الدخل القومي
نضير الخزرجي*
لا يمكن إدراك قيمة أية مدينة من مدن الأرض، إلا اذا تم النظر اليها من زاوية الحياة والتعامل معها ككائن حي، له روح ونفس، فالمدينة تتنفس بالعظام والكرام من أهلها الأحياء منهم والأموات، وتتغذى على مائدة تراثها، لتدر حليب البقاء والديمومة وتسقيه أبناءها، فيحيون ما حييت الأم ويموتون اذا ما ماتت.
وتنفرد بعض المدن بخواص، ينحصر وجودها في أرجائها وتستحيل في غيرها، تدول الدول وتنصرف الأيام بأهلها من حال الى حال، لكنها تبقى زاهية موردة، تشع قصورها بين مملكة المدن، وكلما حاول اللئام من الحكام محوها من الوجود وطمسها من درب تبانة الحياة ورميها بعيدا لتلتهما دوائر العدم السود، ما اندرست، بل وتعود ثانية أقوى على الهزاهز من سابقتها، فهي كالذهب كلما قربت منه النار ازداد صفاءاً، وكلما عرضته للصقل ازداد لمعاناً، ولأنها بهذه الخاصية الفريدة والنادرة، يتكالب عليها أرباب الظلم لطمر معالمها ما أمكنهم الى ذلك سبيلا.
وسهم الحقيقة ليس بنابٍ عن هدفه من كون المدن المقدسة التي تضم رفات المقدسين من الرجال والنساء أو مقاماتهم، هي من بنات المدن التي تشرأب بأعناقها وسط أكوام المدن الدانية والقاصية، وتقصّ من أنبائها جيلا بعد آخر، يستعذب القريب لحديثها، ويخطب البعيد ودّها، لما لها من أدوار محمودة في تقريب البعيد وتأليف القريب، ورفد الأمة بعناصر البقاء وكمياء الحياة، رغم الريح الصفراء التي تهب عليها بين الفينة والأخرى، تريد اجتثاث شجرتها، وليست بقادرة، لأنها منظورة بعين الله ومحروسة بدعوات الأولياء، وصبر أهلها، ومباركة بما تضمه من عظيم أو عظيمة، له عند الله كرامة وعند كرام الناس منزلة.
هذه الحقيقة، الحارة على قلوب اللئام والباردة على صدور الكرام، يتناولها كتاب "دور المراقد في حياة الشعوب" من إعداد المحقق والباحث عبد الحسين الصالحي، الذي وجد في مقدمة الجزء الأول من مجلد تاريخ المراقد، للمحقق الفقيه الدكتور الشيخ محمد صادق الكرباسي، مادة خصبة تستحق أن تظهر للقراء في كتاب مستقل، لاسيما وان الكتابة عن دور هذه المراقد في حياة الشعوب بمختلف تأثيراتها، كما يقول المعد الصالحي: "مما لم أجد ممن كتب عنها حسب اطلاعي"، فاجتزها من المجلد وتناولها بالدراسة والبحث ووضع عليها تعليقات هنا وهوامش هناك، وصدرت عن بيت العلم للنابهين في بيروت، في 208 صفحات من القطع المتوسط، تزينه العشرات من صور المراقد والمقامات والمساجد والمآذن والقبب، في دراسة تحليلية ومقارنة قلّ نظيرها، يجريها المحقق الكرباسي، لبيان العلاقة بين ثقافة البلد ومعتقدات أهله ونوعية البناء المقام على رفاة القديس، ودور المراقد والمقامات في البناء الحضاري والرقي السياسي والألفة الاجتماعية والتنوع الثقافي والتقدم الاقتصادي والتطور العمراني، وغيرها من مجالات المدنية.
وليس هذا بغريب على شخصية المصنف الذي يجتهد في كل مجلد من مجلدات دائرة المعارف الحسينية أن يأتي بالجديد من كل باب علم ومعرفة، ولم يكن الأمر مستغربا عند المعد، لأنه عرف: "الشيخ الكرباسي منذ أوائل شبابه جيد الانتباه شديد الذكاء حاد الذهن دقيق النظر عميق الفكر ... فنهض سماحته بالتأليف في هذا المضمار بأكبر موسوعة في مناقب أبي الأحرار وسيد الشهداء أبي عبد الله الحسين (ع) والتي لم يكتب من صدر الإسلام حتى يومنا هذا مثلها ... بحق إنها أعظم موسوعة عرفها التاريخ".
ويدخل المصنف الى صلب الموضوع، فيضع المائز بين المرقد والمقام وان اشترك اللفظان في كونهما ظرف مكان أو زمان، فالمرقد مكان رقود الولي والقديس وضجعته بالمرقد، وأما المقام فهو اسم مكان من الإقامة، ويطلق على المكان الذي أقام فيه القديس طالت المدة أو قصرت: "ويطلق في الغالب على أماكن تواجد الأنبياء والأئمة والأولياء كمقام أمير المؤمنين علي (ع) والنبي نوح (ع) في مسجد الكوفة أو مقام الامام الصادق (ع) والإمام الكاظم (ع) في كربلاء المقدسة". ثم يفصل المصنف القول في "المراقد" الخاصة بالهاشميين وقطب رحاها مرقد الامام الحسين (ع)، الذي تعرض الى محاولات حثيثة لدرسه مرات ومرات.
وتحت عنوان "بناء المراقد وقدسيتها"، يرى المحقق الكرباسي أن الروايات المانعة عن إقامة المراقد لا تنهض قبال الأدلة القاطعة والروايات الصحيحة القائلة بها، ووجد أن من الجفاء عدم زيارة قبور الأئمة، بخاصة وان هذه المراقد كانت ولا زالت تمتلك الدور الكبير في استنهاض الشعوب بوصفها مهوى قلوب الناس من الثوار والصلحاء. ولا تقتصر النهضة على جانب دون آخر، فهي عملية متكاملة، ولذلك فان الكتاب وتحت عنوان "الدور السياسي للمراقد" يستعرض جانبا من الدور السياسي لمرقد الامام الحسين (ع)، منذ اليوم الذي استشهد فيه (ع) على يد السلطة الأموية التي حولت حكم الخلافة الاسلامية الى ملكية وراثية وعضوا فيها على النواجذ باستخدام سياسة الترهيب والترغيب والإعلام المضلل، فكانت ثورة التوابين وثورة المختار وغيرهما.
وسار العباسيون حذو الأمويين في التعرض الى مرقد الامام الحسين (ع) بوصفه قبلة للأحرار: "فجاء المنصور العباسي ليأمر بهدم قبر الحسين (ع) ويمنع الموالين من زيارته وأعقبه هارون فنهج نهجه الى أن وصل المتوكل الى الحكم فحرث القبر أربع مرات أملا في محو أثره". وهذه السلسلة من محاولات التخريب للمرقد الشريف، جعلت رجال الساسة على معرفة بدوره وتأثيره الكبيرين، فحاول الكثير منهم التقرب الى الناس بزيارة القبر الشريف او تعميره، أو بيان احترامه وتعظيمه، فهذا السلطان العثماني الشهير سليمان القانوني (1495-1566م) عند زيارته لقبر الامام الحسين (ع) ترجّل من مسافة بعيدة، وحسب ما يقول عبد الجواد الكليدار مؤلف كتاب (كربلاء وحائر الحسين)، أن سليمان القانوني ما إن وقعت عيناه على القبة المنورة حتى ارتعشت أعضاؤه حتى انه لم يستطع الركوب على الفرس فأنشد يقول:
تزاحم تيجان الملوك ببابه ويكثر عند الإستلام ازدحامها
إذا ما رأته من بعيد ترجلت وإن هي لم تفعل ترجل هامها
ويرى المحقق الكرباسي: "إن ملوك ورؤساء وأمراء العالم وشخصياته البارزة كانوا لدى زيارتهم للعراق يقصدون زيارة الامام الحسين (ع) ليثبتوا لشعوبهم ومريديهم ولاءهم لصاحب القبر وليبرهنوا بأنهم على خطاه وخطى جده (ص) وأبيه (ع) علّ ذلك ينفعهم للبقاء أو الوصول الى الحكم"، كما إن السلطة الحاكمة في بغداد، كانت تأتي بالزعامات السياسية العربية والإسلامية الى كربلاء المقدسة ولأسباب عدة، وقد رأيت بنفسي في هذه المدينة المقدسة عددا من المسؤولين العراقيين وغير العراقيين، من قبيل الرئيس العراقي المخلوع صدام حسين، والرئيس السوداني المخلوع جعفر النميري، ووزير خارجية ايران المخلوع عباس خلعتبري، وزوجة شاه ايران المخلوع فرح ديبا.
ويتطرق المصنف الى عدد من النهضات والثورات التي انطلقت من كربلاء المقدسة او تأثرت بأهداف نهضة الامام الحسين (ع)، مثل ثورة العشرين بالضد من الاستعمار البريطاني في العام 1920م وانتفاضة شعبان في العام 1991م بالضد من نظام صدام. وكما كانت قيادة الثورة العشرين في كربلاء بقيادة الزعيم الديني الشيخ محمد تقي الشيرازي (ت 1920م)، فإن أول علم للحكومة الوطنية الملكية انتصب في هذه المدينة المقدسة في العام 1921م، ورفعه السياسي السني البارز علي البزركان، وذلك في مبنى بلدية كربلاء، وحسب قول المعد: "يذكر بعض المهتمين بالشؤون الاجتماعية أن العلم العراقي الأول والذي كان يحتوى على أربعة ألوان: الأبيض والأخضر والأسود والأحمر كان يرمز الى الدول الاسلامية الكبرى التي حكمته، والمهم أن الأخضر كان يرمز الى دولة العلويين، وكان أيضا يحتوى على نجمتين كل واحدة منهما لها سبعة شعاعات في إشارة الى عدد المعصومين الأربعة عشر (ع) والذي قسّم العراق يوم استقلاله الى أربعة عشر لواءً - محافظة-"
ولاشك أن المراقد المقدسة المنتشرة في أنحاء الأرض، تقرب القلوب، ولهذا يعاديها أصحاب النفوس الغليظة والرؤى الضيقة من أدعياء السياسة والدين، وهذا ما يبحثه المصنف تحت عنوان "دور المراقد المقدسة في ترسيخ العلاقات بين الشعوب"، إذ كانت ولازالت: "المراقد المقدسة في الجزيرة العربية والعراق وإيران ومصر وسوريا وفلسطين المغتصبة، وبالذات في المدينة المنورة والنجف الأشرف وكربلاء المقدسة والكاظمية المشرفة ومشهد المقدسة وسامراء المشرفة ودمشق والقاهرة والقدس الشريف، كانت سببا مباشرا في توثيق عرى الأخوة والمحبة بين الشعوب الاسلامية على اختلاف لغاتها وجنسياتها".
ولا يقتصر دور المراقد على الجانب السياسي، فلها دور ثقافي مشهود، يبرزه المصنف تحت عنوان "الدور الثقافي للمراقد"، ولهذا فان المراقد المنتشرة هنا وهناك هي في واقع الأمر حواضر علمية وصروح ثقافية، كما إن زيارة المحبين لهذه المراقد على طول السنة تساعد بشكل كبير على نشر الثقافة وانتشارها، بلحاظ أن الحواضر العلمية تتفرع اهتماماتها العلمية من النقلية الى العقلية والى الأدب وغيره، فهي مراكز إشعاع علمي وثقافي.
ومن الطبيعي أن يكون لهذه المراقد والمقامات دور روحي مباشر على الناس، وهو ما يبحثه المصنف تحت عنوان "الدور الديني للمراقد"، وهذا الدور له تأثيرات كبيرة ومباشرة على جوانب كثيرة من حياة الناس في هذه المدن وحواليها، في مجالات اقتصادية واجتماعية، فعلى سبيل المثال، يرى الباحث الكويتي الدكتور عبد الله فهد النفيسي، في كتابه (دور الشيعة في تطور العراق السياسي الحديث، ص75): "إن انتشار هذه المراقد عامل استقرار في حقل الاتفاقات التجارية والمعاهدات القبلية ويخلق جوا من الثقة المتبادلة في العلاقات الاجتماعية". وهذا الدور كان محل تأمل لدى الأديب والرحالة أبو بكر الخوارزمي (ت 393هـ)، كما يقول الباحث الفلسطيني البروفيسور حنّا بطاطو (1926-2000م)، ذلك: "قبل قرابة ألف سنة خلت كان أبو بكر الخوارزمي قد حسد شعب العراق لأنه كما قال يوجد بينهم مقاما أمير المؤمنين (ع) والحسين سيد الشهداء (ع) وفي تلك الأيام لم يكن اسم العراق يشير الى حدود العراق اليوم بل فقط الى ذلك الجزء من جنوب الخط الذي بين الأنبار على الفرات وتكريت على دجلة، أي أن عراق تلك الأيام كان يتطابق مع ما هو موطن الشيعة وكان قلب الطائفة يومها - كما هو اليوم - في الفرات الأوسط".
وليس بخاف على احد ما للمدن المقدسة من دور مباشر على اقتصاد الدخل القومي، وهو ما يبحثه المصنف تحت عنوان "الدور الاقتصادي للمراقد" و"الدور السياحي للمراقد"، ففي بعض الدول، تدخل المدن المقدسة كمصدر رئيس من مصادر الدخل القومي، مثل العراق والسعودية ومصر وإيران وسوريا، حيث تشهد هذه المدن حركة سياحية دينية واسعة على مدار السنة، فعلى سبيل المثال شهد مرقد الامام الحسين (ع) في العام 1996م زيارة نحو سبعة ملايين مسلم من داخل العراق وخارجه لإحياء زيارة الأربعين، ومثله لإحياء النصف من شعبان من العام نفسه، ومن الطبيعي فان الزائر يخلق تدويرا اقتصاديا يدر بالأرباح على المدينة المقدسة وعموم الاقتصاد الوطني.
وفي مجال الزخرفة والعمران والعمارة الاسلامية، يبحث المصنف تحت عنوان "الدور الفني للمراقد"، بوصفها: "تحف فنية رائعة وآثار قديمة ونفيسة تعتز بها الأمم والشعوب وتعتبرها ثروة وطنية وإنسانية تخص عموم البشرية ويجب المحافظة عليها لما تحتويه من فن معماري رائع ورصيد تاريخي وروحي وديني زاخر، ومن شأن ذلك أن يجعلها مركزا سياحيا مهما". فيتطرق الى "الريازة الزجاجية" و"الفسيفساء" و"التخاريم الخشبية" و"الصياغة" و"المرمر". وتحت عنوان "دور المراقد في العمران والبناء"، يؤكد على حقيقة: "حفظ المسجد والمرقد ملف تطور العمارة الاسلامية على مر العصور وكان شاهدا حياً وسِفراً خالداً ينطق بمراحل التطور العمراني والحضاري للمدن الاسلامية". وتحت عنوان "الزخرفة في العمارة الاسلامية"، يؤصّل المحقق الكرباسي لتاريخ ورود الزخرفة في المساجد والمراقد، ويرجعها الى عهد الفتوحات الاسلامية الأولى وتأثر البناء الاسلامي بعمارة الثقافات الأخرى في المدن المفتوحة، فكان الخليفة عثمان بن عفان (ت 35 هـ) أول من أدخل الزخرفة في المسجد النبوي، وعمد معاوية بن أبي سفيان (ت 60 هـ) الى زخرفة المساجد وتزيينها في الشام وغيرها، وبشكل عام: "وفي كثير من الأحيان دخلت الزخرفة في المباني الدينية في الإسلام بشكل عفوي حين كانت القصور والكنائس المزخرفة تتحول الى مساجد للعبادة".
ويستفيض الكاتب تحت عنوان "مفردات من العمارة الاسلامية"، في التعريف بالمفردات الداخلة في العمارة، باحثا في العلاقة بين العمارة الاسلامية والعمارة في الثقافات الأخرى ونقاط الإلتقاء والافتراق ونقاط التأثر والتأثير، مستفيدا من زخم من الصور في تقريب المعنى للقارئ، فيشرح مفردة "الرواق" التي اتخذها الخليفة عثمان بن عفان لأول مرة في المسجد النبوي أثناء حكومته، وشيئا فشيئا: "أصبحت الأروقة احد العناصر المعمارية التي يتألف منها المسجد والمرقد والبلاط فيزيدها بهاءً وجمالا وأدخل فيها الكثير من الفنون المعمارية حتى صارت روعة من الروائع الهندسية ومأثرة من المآثر المعمارية".
وشرح المصنف مفردة "الصحن" وهو المكان الرحب أو المتصل بالمرقد او المسجد وفيه تقام الصلوات والاحتفالات والمؤتمرات وحلقات الدرس. ويشرح مفردة "القبة" وهي: "نوع من البناء المحدودب الذي له شكل كرة أو بيضة مشطورة من وسطها أو على شكل مخروطي أو حلزوني"، والتي يصعب إرجاعها الى تاريخ محدد لاستخدامها في العمارة بشكل عام، غير أن المؤرخين يذكرون أن ابراهيم بن مالك الأشتر (ت 71 هـ) قائد قوات المختار بن أبي عبيدة الثقفي (ت 67 هـ) وبعد تولي الأخير الكوفة عام 66 هـ بنى على مرقد الامام الحسين (ع) قبة من الجص والآجر، وهذا التاريخ متقدم على العام 72 هجرية الذي يشير إليه البعض بأنه العام الذي شهد بناء أول قبة في الإسلام في مسجد الصخرة المشرفة في بيت المقدس.
ويتطرق المصنف الى مفردة "المئذنة"، وتاريخ دخولها مساجد المسلمين، وكان معاوية أول من أدخلها، ويرى: "إن المسلمين في الشام تأثروا بالكنائس، والمسلمين في ايران وما وراء النهرين تأثروا بالمنار -البرج- وهذا هو الذي جعل مآذنهم بشكل عام مبنية على شكل هندسيين مربع ومدور"، وينتهي به التحقيق: "إن المسلمين أخذوا فكرة المآذن من الحضارات التي سبقتهم وأضافوا اليها وطوروها حتى أصبحت فنا اسلاميا رائعا ومتفرداً".
ويبين الكتاب تحت عنوان "المقصورة" معالم المقصورة في المآذن والتي هي عبارة عن: "فسحة مسقفة في أعلى المئذنة مشرفة على الخارج يقف فيها المؤذن في العادة ليقيم الأذان فيسمعه أكبر عدد ممكن من الناس وهي بمثابة شرفة مستديرة تطوّق المئذنة"، وهي على أنواع: الدائرية والمربعة والمضلعة، وكل منها: مكشوفة ومسقفة، وكل منها: مضمورة وبارزة، وكل منها: أحادية ومتعددة. وفي أعلى المقصورة يوجد الجوسق الذي يمثل قمة المنارة، فمنها المخروطي والمسطح وما كانت على شكل ثمرة القرع، ومنها ما هي مضلعة وغير مضلعة. ويعلو قمة كل مأذنة رمانة مصنوعة من النحاس او البرونز غالبا، ويقرر المصنف في نهاية البحث في المأذنة وأركانها: "إن بناء المآذن (الأبراج) الى جانب القبب فكرة هندسية ابتكرها المسلمون في بناء مراكزهم الدينية وبالأخص في تشييد مراقد عظمائهم وقادتهم الروحيين"، كما: "إن أقدم مئذنة بقيت حتى هذا اليوم هي المئذنة القيروانية حيث يعود تاريخ بنائها الى عام 248 هـ على أكثر التقديرات". كما يحاول أن يتلمس العلاقة بين المآذن الاسلامية والمآذن المقامة في "كنيسة شارل" في فيينا، ومآذن "الفسطاط الملكي" في مدينة برايتون في المملكة المتحدة، وبرج "استرنج ويز" في مدينة مانجستر البريطانية، كما جاءت قبة مشفى "سانت جود" لأمراض سرطان الطفل في مدينة ممفس الاميركية شبيهة كليا بقبة الصخرة في القدس الشريف، بناءاً على رغبة باني المستشفى، اللبناني المسيحي داني توماس (ت 1991م)، الذي افتتح المشفى في العام 1962.
وتنتهي المقدمة بتشخيص المصنف لتاريخ كسوة المراقد بالذهب، حيث تم في العام 1207 هـ ولأول مرة تذهيب قبة المرقد الحسيني الشريف من قبل السلطان محمد خان القاجاري (ت 1212 هـ).
ولا يخالني الشك أن هذا المقدمة، أبرزت الكثير من معالم الفن المعماري، وأظهرت واقع المراقد والمقامات في حياة الشعوب ودورها في خلق نسيج اجتماعي قويم، رصين في ثقافته وقوي في اقتصاده، تستقطب فيه المدن المقدسة العلم والمال على حد سواء، فهي حاضرة علمية ومنتدى اقتصادي ومنتجع روحي.
* إعلامي وباحث عراقي
الرأي الآخر للدراسات - لندن