مجلة أقلام الثقافية
  • الرئيسية
  • هذه المجلة
  • المنتديات
  • الشاعر سامر سكيك
  • انضم إلينا

واحة الإبداع

  • الشعر الفصيح
  • القصة والرواية
  • الخاطرة والنثر
  • مقالات متنوعة
  • الفن التشكيلي
  • بحوث ودراسات
  • أدب عالمي

أقلام متخصصة

  • حديث أقلام
  • القلم الديني
  • القلم السياسي
  • القلم الفكري
  • القلم العلمي
  • القلم النقدي
  • القلم الاقتصادي
  • تحقيقات صحفية

اخترنا لك

  • أعلام ومشاهير
    • أرشيف
  • قراءة في كتاب
    • أرشيف
  • مختارات شعرية

زوايا متنوعة

  • إدارة وأعمال
  • مسرح ومسرحيون
  • شؤون فلسطينية
  • للنساء فقط
  • الصحة والناس
  • من هنا وهناك
  • علوم وتكنولوجيا
    • أرشيف
  • تربية وتعليم

موسوعات أقلام

  • أدباء ومثقفون
  • قصص الأنبياء
  • التاريخ الإسلامي
  • شعراء وقصائد
  • عقائد وأديان

تسالي وترفيه

  • شرح الأبراج
  • ابتسم مع أقلام
  • ألغاز سريعة
  • اختبر ثقافتك

بحوث و دراسات

عودة إلى ابن خلدون 1

التفاصيل
كتب بواسطة: د. عبد العزيز غوردو
المجموعة: بحوث و دراسات
انشأ بتاريخ: 23 أبريل 2002
الزيارات: 9

د. عبد العزيز غوردو
عودة* إلى ابن خلدون:
العصبية والارتزاق بالدولة المركزية المغربية الوسيطية.

بحلول سنة 2006م يكون قد مر على وفاة ابن خلدون ستة قرون، وهي محطة هامة تدعونا إلى إعادة التأمل والتفكَر في إنتاج هذا المفكر الكبير.

?- العصبية والارتزاق عند ابن خلدون: النظرية والتطبيق.
1) عرض النظرية من خلال المقدمة:
عند قراءتنا مقدمة ابن خلدون، يجب أن نتسلح بكثير من الحيطة والحذر، ذلك أن الجهاز المفاهيمي الخلدوني منتقى بعناية شديدة، ومرصوص إلى بعضه البعض بعناية أشد، وأي غفلة منا أو تهاون، قد توقعنا في خطأ نعتقد أن الكثيرين ? رغم حذرهم - وقعوا فيه، ونقصد بذلك الباحثين  الذين جعلوا من "العصبية" أساس قيام الدولة، و"الترف" سبب انهيارها. ولأهمية هذا الطرح عند هؤلاء الباحثين، نقدمه مختصرا كالتالي:
العصبية "رابطة اجتماعية سيكولوجية - شعورية أو لا شعورية - تربط أفراد جماعة معينة قائمة على القرابة المادية أو المعنوية ربطا مستمرا يبرز ويشتد عندما يكون هناك خطر يهدد أولئك الأفراد كأفراد أو كجماعة." . إلا أن العصبية  "الطبيعية" (أو الوحشية) لا توجد إلا في البوادي حيث تقتضي ظروف الحياة الخشنة القاسية تماسكا مستمرا بين أفراد القبيلة.  والقبيلة بالمعنى الخلدوني نموذجان: نموذج تنافسي من أجل الرياسة داخل القبيلة ، ونموذج تحالفي بين عصبيات متعددة ، وهو الذي ينشأ عنه الملك أو الدولة . فالمجموعة القبلية ذات الشكل التنظيمي العسكري تعمل على تحقيق "دفاعها الذاتي، أعضاؤها مسلحون، ويتقنون القتال بقيادة الرؤساء، أما القبيلة ذات الشكل التنظيمي السياسي، فهي تتضمن جنين دولة" . إلا أن العصبية وحدها ليست كافية لتحقيق الدولة، إذ يجب لهذا الغرض وجود دعوة دينية تزيد من الالتحام والتماسك . لكن بعد أن يصل الاتحاد القبلي للملك، تتسرب إليه الحضارة ورغد العيش والرفاهية المصحوبة بالانحلال "أي انحلال وتلاشي تلك العصبية الأولى التي كانت سببا للقوة السياسية وقيام الدولة، وفي هذه الحالة تتحرك قبيلة بدوية جديدة، لا زالت محافظة على عصبيتها، نحو الحكم والسلطة." .
تحليل منسجم، متماسك، مدعوم مع كل جملة أو عبارة بنصوص من مقدمة ابن خلدون... أي باختصار اجتمعت فيه كل العناصر التي تغري الباحثين للاقتناع به ومن ثم اعتناقه. لكنه ارتكب، في اعتقادنا، خطأ منهجيا فادحا عندما وضع "الترف" نقيضا "للعصبية" ونافيها.
فالذي ينفي المفهوم، يجب أن يكون من جنسه في التعريف العام، حتى ولو كان نقيضه في المعنى. وهذا ما يمكن طرحه عبر الصياغة الرياضية التالية:
الحضر?الترف # البداوة ? الخشونة: (مفاهيم ثقافية اجتماعية).
العصبية ? قيام الدولة # الارتزاق ? سقوطها: (مفاهيم سياسية عسكرية).
فالذي ينفي "العصبية" - في رأينا - ليس "الترف" (المفهوم الثقافي الاجتماعي الذي يشير إلى نمط في العيش زمن الدعة ورغد العيش...)، بل مفهوم من جنسه - العصبية - (المفهوم السياسي العسكري الذي يحيل على تجانس بين أفراد القبيلة الواحدة، المتوحدين ضد الآخرين من أجل تأسيس الدولة.)، وهذا المفهوم النقيض هو "الارتزاق"، أي استغناء الدولة عن العصبية التي أقامتها، ولجوؤها إلى الغرباء للدفاع عنها وحمايتها. وهذا ما يتضح فعلا عند متابعة الإشكالية في "المقدمة". فقد كتب ابن خلدون فصلا عن هذا التضاد بعنوان: "فصل في أنه إذا استقرت الدولة وتمهدت قد تستغني عن العصبية." ، فيكون استظهارها حينئذ "إما بالموالي والمصطنعين الذين نشؤوا في ظل العصبية وغيرها، وإما بالعصائب الخارجين عن نسبها الداخلين في ولايتها." ، ويقدم عن ذلك أمثلة من المشرق والمغرب الإسلاميين: "فمثل ذلك وقع لبني العباس، فإن عصبية العرب كانت فسدت لعهد دولة المعتصم وابنه الواثق، واستظهارهم بعد ذلك إنما كان بالموالي من العجم والترك والديلم والسلجوقية وغيرهم."  ، "وكذا صنهاجة بالمغرب فسدت عصبيتهم منذ المائة الخامسة أو ما قبلها..."  ، "وكذا دولة بني أمية بالأندلس لما فسدت عصبيتها من العرب، استولى ملوك الطوائف على أمرها... فاستظهروا على أمرهم بالموالي والمصطنعين والطراء  على الأندلس من أهل العدوة من قبائل البربر وزناتة وغيرهم، اقتداء بالدولة في آخر أمرها في الاستظهار بهم، حين ضعفت عصبية العرب، واستبد ابن أبي عامر على الدولة." . ومما يؤكد طرحنا أن ابن خلدون ينتقد بشدة وبصراحة من يعتقد غير ذلك، فيقول: "وقد ظن الطرطوشي أن حامية الدول بإطلاق هم الجند أهل العطاء المفروض مع الأهلة، ذكر ذلك في كتابه الذي سماه "سراج الملوك". وكلامه لا يتناول تأسيس الدول العامة في أولها، وإنما هو مخصوص بالدول الأخيرة بعد التمهيد واستقرار الملك في النصاب واستحكام الصبغة لأهله. فالرجل إنما أدرك الدولة عند هرمها وخلق جدتها ورجوعها إلى الاستظهار بالموالي والصنائع، ثم إلى المستخدمين من ورائهم بالأجر على المدافعة... وكان (الطرطوشي) في إيالة المستعين بن هود وابنه المظفر أهل سرقسطة، ولم يكن بقي لهم من أمر العصبية شيء لاستيلاء الترف على العرب منذ ثلاثمائة من السنين وهلاكهم، ولم ير إلا سلطانا مستبدا بالملك عن عشائره، قد استحكمت له صبغة الاستبداد منذ عهد الدولة وبقية العصبية، فهو لذلك لا ينازع فيه، ويستعين على أمره بالأجراء من المرتزقة، فأطلق الطرطوشي القول في ذلك، ولم يتفطن لكيفية الأمر منذ أول الدولة..." .
إن الملك لا يتم إلا بالعصبية ، والعصبية "متألفة من عصبات كثيرة تكون واحدة منها أقوى من الأخرى فتغلبها وتستولي عليها." ، وهكذا تتشكل عصبية كبرى تسند زمام أمرها "لقوم أهل بيت أو رياسة فيهم، ولا بد أن يكون واحد منهم رئيسا لهم غالبا عليهم، فيتعين رئيسا للعصبيات كلها لغلب منبته لجميعها."  .
ممارسة الحكم بهذا المعنى تعتمد منطقا عشائريا بالأساس أول الأمر، "ومعروف أن المنطق العشائري يعتمد بدوره التوزيع والإشراك والتقيد بمبدأ الحفاظ على التوازن بين مختلف الفصائل والمكونات العصبية." ، ويتحقق هذا التوازن اعتمادا على التفاهم والتراضي. لكن بعد قيام الدولة "والدخول في مرحلة التنظيم والتدبير المتعدد الواجهات، فالملاحظ أن الحاكم سرعان ما يتخلى عن منهجية التراضي ليجنح للانفراد بالبث في المهمات والاستئثار بالحكم." . ذلك أن السلطان، بعد أن يصبح رئيسا للعصبيات كلها، تفرض عليه "الطبيعة الحيوانية خلق الكبر والأنفة... فتجذع حينئذ أنوف العصبيات، وتفلج شكائمهم على أن يسموا إلى مشاركته في التحكم، وتقرع عصبيتهم عن ذلك، وينفرد به ما استطاع، حتى لا يترك لأحد منهم في الأمر لا ناقة ولا جملا." ، لهذا يلجأ صاحب الدولة إلى المرتزقة. وقد كتب ابن خلدون فصلا في استظهار صاحب الدولة على قومه وأهل عصبيته بالموالي والمصطنعين، قال فيه: "إن صاحب الدولة إنما يتم أمره كما قلناه بقومه، فهم عصابته وظهراؤه على شأنه." ، هذا "ما دام الطور الأول للدولة... فإذا جاء الطور الثاني وظهر الاستبداد عنهم... صاروا في حقيقة الأمر من بعض أعدائه، واحتاج في مدافعتهم عن الأمر وصدهم عن المشاركة إلى أولياء آخرين من غير جلدتهم يستظهر بهم عليهم، ويتولاهم دونهم... فيستخلصهم صاحب الدولة حينئذ، ويخصهم بمزيد من التكرمة والإيثار... ويقلدهم جليل الأعمال... لأنهم حينئذ أولياؤه الأقربون ونصحاؤه المخلصون. وذلك حينئذ مؤذن باهتضام الدولة، وعلامة على المرض المزمن فيها... ولا يطمع في برئها من هذا الداء." .

 2) مطابقة الخلدونية مع العبر:
لاحظ "فون سيفرز"  أن ابن خلدون، وهو يحلل الإمبراطوريات الغازية في تاريخ الإسلام وشمال أفريقيا، أشار إلى أن تقنية السلاح كانت دائما أكثر تقدما من تقنية الإنتاج والنقل. كما لاحظ بأنه في الوقت الذي كان فيه ابن خلدون يضع الكتابات الأولى لمقدمته، كانت الضفة الأخرى للمتوسط (أوربا) قد بدأت في وضع التجارب الأولى للسلاح الجديد المرتكز على البارود.  فهل أثر ذلك على الذهنية الخلدونية أثناء صياغة العصبية والارتزاق، خاصة وأن ابن خلدون عاصر دولا مغاربية استعانت - كلها وبدون استثناء - بعناصر مرتزقة (بما فيها المسيحية)، كما أنه من أقدم المصادر التي تحدثت عن استخدام المغاربة للسلاح الناري  الذي بدأ يرجح ميزان القوى - لأول مرة ومنذ عدة قرون - لصالح القوى المسيحية غرب المتوسط؟
في ظل هذه الظرفية، ولا نريد أن نفصل في ظروف نشأة وتكوين ابن خلدون،  نضجت النظرية في ذهن الرجل، فصاغها في المقدمة.
تنقسم المقدمة إلى أربعة محاور كبرى، يتعلق الأول منها بحرفة المؤرخ أو الصناعة التاريخية ، ويرتبط الثاني بتنظيم المجتمع داخل وسطه البيئي (الأقاليم الجغرافية، وأجيال البدو والحضر، وطبيعة الملك وأنواعه...)  أما المحور الثالث فيدور حول الحياة الاقتصادية، أي المعاش ووجوه اكتسابه (الفلاحة والحرف والتجارة) ، بينما يتكلم ابن خلدون في المحور الرابع والأخير عن المعارف والعلوم الإنسانية العامة التي انتشرت إلى حدود عصره.  ومن مجموع هذا النتاج يتكون العمران البشري.
لكن ابن خلدون لم يطرح المسألة بهذه البساطة، بل ربطها بطريقة جدلية مع المضمون الاجتماعي، أي محتوى المجتمع البشري أو الأنساق الاجتماعية من جهة، وتطور الجهاز الحاكم أو الدولة من جهة ثانية. لذلك فهو في "العبر" لا يتابع القبيلة في علاقات أفرادها اليومية: كيف يتعايشون؟ كيف يتزوجون؟ أو كيف يشتغلون وينتجون؟... وذلك ليس عن جهل منه بهذه القضايا والمواضيع، وإنما لأنه ركز كل اهتمامه على القبيلة في مشروعها السياسي. وبهذا يكون ابن خلدون من المؤرخين السياسيين المتطورين، وعظمته تكمن في أنه انتبه إلى الفعل الاجتماعي داخل الحدث السياسي.
هذه خطة ابن خلدون في العبر: متابعة المشروع السياسي لدى القبيلة، كما تصوره وصاغه في المقدمة، ومن يبحث عن شيء آخر غير ذلك في الإنتاج الخلدوني يكون واهما.  لذلك نعتقد بأن تاريخ ابن خلدون  فريد من نوعه في منهجه.
ففي حين قدمت الإسطوغرافيا الكلاسيكية المغربية، التي توجها الناصري، تاريخ المغرب على أنه تاريخ اتصال الإسلام به: فتاريخ المغرب يبدأ في الشرق مع فترة النبوة، ويتواصل مع الفتوحات الإسلامية لشمال أفريقيا وهكذا... وقدمت المدونات التاريخية الإسلامية الكبرى، التي وضع منهجها الطبري،  تاريخها بدء بالحديث عن الزمن وبدء الخليقة وقصة آدم، نزولا مع تاريخ الأنبياء والأمم التي عاصرتهم، ووصولا إلى الدعوة النبوية وتاريخ الإسلام، حيث يتحلل التاريخ في حوليات تنتهي بعصر المؤلف... نجد ابن خلدون يعرض علينا تصورا مختلفا خاصا يتفرد به.
فهو لا يبدأ تاريخه ببدء الخليقة وقصة آدم، كما فعل أصحاب التاريخ العام من المشارقة، ولا يبدأ تاريخ المغرب ببدء الدعوة النبوية ونزول الوحي كما فعل المغاربة، بل بدأ بتحديد أجيال العرب وأنساب الأمم ، ومنهجية حصر ذلك . وهكذا قسم  الأمم - بما فيها العرب - إلى طبقات، وتتبعها طبقة طبقة ، فقسم طبقات العرب أولا إلى ثلاث طبقات: العرب العاربة  والعرب المستعربة  والعرب التابعة ، وتتبع أصول كل واحدة منها وأخبارها إلى أن وصل إلى الدول التي أسستها. وفي أثناء ذلك عرض لطبقات الأمم الأخرى وأجناسها متتبعا نفس المنهج كما فعل مع الفرس  والروم  وغيرهم... في ذهنه خطة واضحة يتبعها ولا يحيد عنها حتى يفرغ تاريخ العالم، كما وعاه، فيها. طبقها على العرب والعجم، وطبقها على جميع الشعوب والأمم، فكيف كان تطبيقها على أمم البربر؟ أو بالأحرى كيف طبقها على الدولة المركزية المغربية الوسيطية؟
خصص لذلك الجزأين السادس والسابع من تاريخه ، وافتتح حديثه هنا أيضا بالحديث عن الطبقة الرابعة من طبقات العرب، وهم العرب المستعجمة،  فتتبع أصول بني هلال وبني سليم (من الاثبج ورياح وجشم وغيرها...) ، ثم انتقل إلى وصف البربر ، ففصل في ذكر البتر  والبرانس  وذكر منهم القبيلة الكبيرة صنهاجة ، فمهد بذلك الطريق ليدخل للفعل السياسي، حيث قسم صنهاجة إلى طبقات متحدثا عن الدول التي أقامتها كل طبقة، وجعل الملثمين في الطبقة الثانية من صنهاجة.
أ) صنهاجة والدولة المرابطية:
يبدو لن التنظير الذي وضعه ابن خلدون في "المقدمة" هنا واضحا جليا، حيث نلمس وجود "العصبية الوحشية" عندما يقول: "واعتاضوا (الملثمون) منها بألبان الأنعام ولحومها، انتباذا عن العمران واستئناسا بالانفراد وتوحشا بالعز عن الغلبة... وكان دينهم جميعا المجوسية شأن برابرة المغرب... حتى كان إسلامهم بعد فتح الأندلس، وكانت الرياسة فيهم للمتونة." . إلا أن إسلامهم - على ما يبدو - لم يكن عميقا، لهذا سوف يبرز دور "الدعوة الدينية" التي قادها عبد الله بن ياسين ببينهم ليجدد إسلامهم بتعليمهم القرآن وإقامة شعائر الدين ، لكنهم استصعبوا علمه، فأعرض عنهم وترهب. ثم قلب الحركة من "الدعوة" إلى "الدولة" عندما تسايل عليه الأتباع فاكتمل عددهم ألفا - سماهم بالمرابطين - وخرج بهم للقتال.
لا يذكر ابن خلدون في "العبر" صراحة متى انقلب الحكم من أسلوبه التشاركي إلى الأسلوب الانفرادي زمن المرابطين. لكننا سنحاول الاستفادة من عدة إشارات قوية وردت عنده بهذا الصدد:
· كان الحكم تشاركيا أول الأمر بين الفصائل الصنهاجية، فالزعامة السياسية انتقلت من يحي بن إبراهيم الكدالي (الذي جلب ابن ياسين للصحراء) إلى يحي بن عمر اللمتوني ثم إلى أخيه أبي بكر ثم إلى ابن عمه يوسف بن تاشفين، بينما انتقلت الزعامة الدينية بعد مقتل ابن ياسين إلى شخص غريب عنه هو سليمان بن عدو .
· يوسف بن تاشفين هو الذي مهد المغربين الأقصى والأوسط، وبنى العاصمة مراكش (سنة 454هـ حسب ابن خلدون)، وبإشارة من زوجته زينب استبد بأحوال المغرب، ورفض التنازل لأبي بكر بن عمر بعد عودته من الصحراء.
· أول إشارة صريحة بخصوص الاستجاشة بغير صنهاجة نجدها عند فتح المرابطين مدينة فاس: "واستدعى يوسف بن تاشفين مهدي بن يوسف صاحب مكناسة (وهو من كزناية) يستجيش به على فاس."
· في سنة 467هـ "قسم (يوسف) المغرب عمالات على بنيه وأمراء قومه وذويه." ، وبعد أن دانت له الأندلس (سنة 493هـ) و"انقرض ملك الطوائف منها... تسمى بأمير المسلمين، وخاطب المستنصر العباسي فعقد له (على المغرب والأندلس)." ، ومعروف أن الملك سيصبح متوارثا في عقبه بعد وفاته.
· الإشارات المباشرة الوحيدة إلى ابن الربرتير وجند الروم، أوردها ابن خلدون عندما تحدث عن صراع عبد المؤمن مع تاشفين بن علي بجهات تلمسان، والذي انتهى بمقتل الربرتير وصلبه ، وكذا في الصراع الموحدي مع بني غانية في جزر البليار ، أي أوردها عند الحديث عن ضعف الدولة المرابطية واحتضارها، أو بمعنى آخر زمن صعود عصبية أخرى هي عصبية مصمودة.
لم يكن ابن خلدون واضحا بما فيه الكفاية في "العبر"، والقارئ المتعجل أو الذي يبحث عن أحداث وتواريخ معينة، قد يلتقط فقط هذه الأحداث والتواريخ، ويتيه، خاصة، بين أسماء القبائل والعشائر التي يلح ابن خلدون على ذكرها في كل مناسبة. لكن من يحمل العدسة المكبرة ويتتبع أثر "المقدمة" في "العبر" يتأكد له أن المنهج الخلدوني هو تتبع المشروع السياسي للقبيلة، وأن الصراع الحقيقي - عنده - هو صراع القبائل حول الملك والسلطان ، وهذا ما حاولنا تلمسه مع أطوار الدولة المرابطية لإيجاد الخيط الرفيع بين النظرية والتطبيق، داخل أكوام من الأحداث والتواريخ وأسماء الأعلام والأماكن والقبائل وغيرها... ليتأكد لنا في النهاية أن الخلل، إن كان هناك من خلل، بخصوص العلاقة بين "المقدمة" و"العبر" هو خلل في أذهاننا وليس في ذهن ابن خلدون.
ب) مصمودة ودولة الموحدين:
يفتتح ابن خلدون حديثه عن الدولة المركزية الثانية (الموحدية)، بالحديث عن مجالها الجغرافي، وكأنه بصدد البدء بكتابة بحث مونغرافي. وهذه الافتتاحية "المونغرافية" لا يختص بها الدولة الموحدية دون غيرها، بل هي جزء من منهجه العام، المعقد والمركب، كما أشرنا لذلك سابقا. فقد جربه عند الحديث عن المرابطين: "هذه الطبقة من صنهاجة هم الملثمون الموطنون بالقفر وراء الرمال الصحراوية بالجنوب..." ، وطبقه قبل ذلك على الدولة الزيرية: "كان أهل هذه الطبقة بنو ملكان بن كرت، وكانت مواطنهم بالمسيلة إلى حمرة إلى الجزائر..." ، وطبقه في مناسبات أخرى عديدة على قبائل العرب ، كما سيطبقه لاحقا في مناسبات أخرى، تهمنا منها التجربة المرينية كما سنرى.
?سكنت مصمودة جبال درن، وهي جبال "بقاصية المغرب، من أعظم جبال المعمور بنا. أعرق في الثرى أصلها، وذهبت في السماء فروعها... تبتدئ من ساحل البحر المحيط عند آسفي وما إليها، وتذهب في?الشرق إلى غير نهاية... يسير الراكب فيها معترضا من تامسنا... إلى بلاد السوس... ثماني مراحل وأزيد.?تفجرت فيها الأنهار... وتكاثفت بينها ظلال الأدواح، وزكت فيها مواد الزرع والضرع، وانفسحت مسارح?الحيوان والصيد." . ومصمودة هاته، كصنهاجة، قبائل كثيرة، منها: هرغة وهنتاتة تينمل وكدميوة وكنفيسة?ووريكة وركراكة وهزميرة...  عاشت في جبالها حياة برية مستغنية بقطرها عن أقطار العالم ، أسلمت مع?صدر الإسلام وحسن إسلامها، إلا أنها ظلت مجزأة حتى اجتمعت على المهدي وقامت بدعوته.
هكذا تكتمل عناصر المنهج الخلدوني الخاصة بقيام الدولة: عصبية وحشية، فإسلام مهزوز أو مشتت، فدعوة دينية تصحيحية أو تعميقية. أما الانتقال من "الدعوة" إلى "الدولة" في التجربة الموحدية، فهو أوضح منه لدى تجربة المرابطين، لأن المهدي - حسب ابن خلدون - "كان يحدث نفسه بالدولة "  منذ البداية، أي منذ أن كان في رحلته إلى المشرق.
يبدو منطق الحكم خلال نشأة الدولة تشاركيا بشكل أوضح أيضا من التجربة المرابطية، رغم طبيعة ابن تومرت الاستبدادية والميالة إلى سفك الدماء، فهناك مجلس أهل العشرة وآيت خمسين... للاستشارة واقتسام المسؤوليات ، وفوق ذلك فانتقال السلطة لم يكن في عقب المهدي لأنه "كان حصورا لا يأتي النساء" ، ولا حتى في أحد أقربائه أو عشيرته، بل انتقل - وعبر وصيته - إلى صاحبه عبد المؤمن . فمتى حدث الانقلاب من الخلافة إلى الملك؟ أي متى انتقلت الدولة من مرحلتها الأولى "العصبوية" إلى مرحلتها الثانية "الارتزاقية"؟
ها هنا أيضا لا يجيبنا ابن خلدون صراحة، وكأنه يتعمد هذا الهامش من الغموض والقابلية للتأويل، لهذا علينا أن نتلمس موضوعنا بين ثنايا "العبر" من جديد.
دخل عبد المؤمن، بعد بيعته، في مغامرة طويلة لتمهيد المغرب الأقصى انتهت بفتح مراكش (سنة 541هـ حسب ابن خلدون) - رغم الثورات التي ستندلع عليه بعد ذلك -، خلالها دخلت عناصر كثيرة من زناتة وصنهاجة في طاعته، وأصبحت من بعض جنده . ثم خرج في رحلته الطويلة لإخضاع إفريقية "بعد أن شاور الشيخ أبا حفص وأبا إبراهيم وغيرهما من المشيخة فوافقوه." ، فمهد بعض أجزائها وانتصر على العرب الثائرين بها وعاد إلى مراكش سنة 547هـ . وهنا تبدأ التفاصيل المهمة في انقلاب الحكم زمن عبد المؤمن، إذ مباشرة بعد عودته إلى مراكش "وفد عليه كبراء العرب من أهل إفريقية طائعين فوصلهم ورجعهم إلى قومهم. وعقد على فاس لابنه السيد أبي الحسن واستوزر له يوسف بن سليمان. وعقد على تلمسان لابنه السيد أبي حفص، واستوزر له أبا محمد بن وانودين، وعلى سبتة للسيد أبي سعيد، واستوزر له يخلف بن الحسين، واختص ابنه عبد الله بولاية عهده. وتقلب بذلك كله ضمائر عبد العزيز ويحي أخوي المهدي، فلحقا بمراكش مضمرين الغدر." .

الهوامش
 نعود إلى ابن خلدون بنية المراجعة لا مجرد القراءة.*
   - مثلا: محمود إسماعيل، مقالات في الفكر والتاريخ، الدار البيضاء، 1979، ص. 74 وما بعدها. وعبد اللطيف أكنوش، تاريخ المؤسسات والوقائع الاجتماعية بالمغرب، دار أفريقيا الشرق، صص. 30-31. إضافة لأعمال كاملة مثل أطروحة الجابري وأومليل ولاكوست... (انظر البيبليوغرافيا كاملة مع: نقد النظرية الخلدونية).
   - الجابري، العصبية والدولة، ص.459. وعن التصنيفات القبلية المغاربية وارتباطاتها الجنيالوجية كعامل في نظرية السلطة، هناك إشارة عند:Houari Touati, En relisant les nawazil Mazouna-Marabouts et chorfa du Maghreb central au XVème siècle, In: Studia Islamica, LXIX,1989,p.83
بينما سحب كلود كاهن محتوى التضامن، الذي يحتويه مفهوم العصبية، على البدو والحضر والطوائف الحرفية والمذهبية وغيرها... لكن التضامن، في رأيه، يحمل دلالة خاصة لدى بعض المجتمعات عن الأخرى، تبعا للقدرة على تطوير مشروع حقيقي للدولة أو القانون العام. انظر: Claude Cahen, Mouvements populaires et autonomisme urbain dans l'Asie musulmane du moyen age, II, in: Arabica, T. 1. Fasc. 1, Janvier 1959, p. 25- 27
   - أكنوش، ص. 31، ولاكوست، صص. 35- 36. ويرى جوهانسن بأنه إذا كانت "العصبية" هي اللحمة الضرورية لتوحيد القبيلة، فإن "الانقسامية" تجتهد في الاتجاه المعاكس، أي إبراز المسببات التي تدعو القبيلة إلى الانقسام أكثر فأكثر. Baber Johansen, Des institutions religieuses du Maghreb, in:Arabica, T.XXXV,Fasc.3,1988, p.230.
ومعروف أن "الانقسامية" عرضت وانتقدت في عدة مناسبات أهمها: جماعة من الباحثين، الأنتربولوجيا والتاريخ - حالة المغرب العربي، ترجمة عبد الأحد السبتي وعبد اللطيف الفلق، سلسلة المعرفة التاريخية، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، 1988.  
   - المجلة المغربية لعلم الاجتماع السياسي، س. 1، ع.2، مارس 1987، ص. 10.
   - لاكوست، صص.35- 36. واضح أن الاستناد إلى العصبية يرتكز على النص الشهير: "وذلك أن الملك... إنما هو بالعصبية، والعصبية متألفة من عصبات كثيرة تكون واحدة منها أقوى من الأخرى كلها، فتغلبها وتستولي عليها حتى تصيرها جميعا في ضمنها... وتلك العصبية الكبرى إنما تكون لقوم أهل بيت ورئاسة فيهم، ولا بد من أن يكون واحد منهم رئيسا لهم غالبا عليهم، فيعين رئيسا للعصبيات كلها لغلب منبته لجميعها."
   - أكنوش، ص.31. النص الذي يتم الاستناد إليه هنا، من المقدمة، هو: "ذلك أن الصبغة الدينية تذهب بالتنافس والتحاسد الذي في أهل العصبية، وتفرد الوجهة إلى الحق. فإذا حصل لهم الاستبصار (الديني) في أمرهم لم يقف لهم شيء لأن الوجهة واحدة، والمطلوب مساو عندهم، وهم مستميتون عليه... واعتبر ذلك في دولة لمتونة ودولة الموحدين، فقد كان بالمغرب من القبائل كثير ممن يقاومهم في العدد والعصبية... إلا أن الاجتماع الديني ضاعف قوة عصبيتهم... فلم يقف لهم شيء."
   - أكنوش، ص. 31. لاكوست، ص. 116 وما بعدها.
   - تعرض المقدمة لهذه المفاهيم وغيرها (كمفهوم "الدعوة" ودوره في قيام الدولة، أو "الجباية" ودوره في انهيارها...) في تحليل متماسك ومتكامل - وربما هذا ما سبب الخلط لبعض دارسي ابن خلدون - لذا حذرنا من الجهاز المفاهيمي الخلدوني منذ البداية.
   - المقدمة، دار الكتاب اللبناني، بيروت، 1960، ص. 273 وما بعدها.
   - نفس المصدر والصفحة.
 -  المقدمة، الصفحة نفسها.    
- المقدمة، الصفحة نفسها.  
  - الطراء، أي الأجانب أو الغرباء عن البلد.
  - المقدمة، ص. ص.273-274.
  - المقدمة، ص.ص. 274-275.
  - رغم أن ابن خلدون يقر أنه "قد يحدث لبعض أهل النصاب الملكي دولة تستغني عن العصبية، وذلك أنه إذا كان لعصبيته غلب كثير على الأمم والأجيال، وفي نفوس القائمين بأمره من أهل القاصية إذعان لهم وانقياد، فإذا نزع إليهم هذا الخارج وانتبذ عن مقر ملكه ومنبت عزه، اشتملوا عليه وقاموا بأمره وظاهروه على شأنه، وعنوا بتمهيد دولته... وهذا كما وقع للأدارسة بالمغرب الأقصى، والعبيديين بإفريقية ومصر." المقدمة، ص.ص.275 - 276 . إلا أن هذا لا يعني الدولة المركزية المغربية الوسيطية، المثال المفضل عند ابن خلدون لبسط نظريته.
  - المقدمة، ص.293.
  - نفس المصدر والصفحة.
  - القبلي، الدولة والولاية والمجال في المغرب الوسيط- علائق وتفاعل، دار توبقال للنشر والتوزيع، الدار البيضاء، 1997، ص.80.
  - نفس المرجع والصفحة.
  - المقدمة، ص.293.
  - نفسه، ص.324.
  - نفسه، ص.325.
P.von Sivers, Back to the nature the agrarian foundations of society according to Ibn khaldun, in  Arabica, T. XXVII, Fasc.1,Fevrier,1980,p.70. -                  
ونعتقد بأن فون سيفرز لم يستوعب جيدا النظرية الخلدونية عن العصبية والارتزاق عندما قال بأن ابن خلدون لم يكن واعيا بهذه المسألة. (الصفحة نفسها).
  - نفسه، ص.68.
  - كان ذلك أثناء حصار يعقوب بن عبد الحق لسجلماسة سنة 673 هـ / 1274 م، وقد سجل ابن خلدون ذلك في العبر (ج.7، ص.223) عندما قال: "فنازلها وقد حشد عليها أهل المغرب أجمع، من زناتة والعرب والبربر، وكافة الجنود والعساكر، ونصب عليها آلات الحصار من المجانيق والعرادات، وهندام النفط القاذف بحصى الحديد ينبعث من خزانة أمام النار الموقدة في البارود بطريقة غريبة ترد الأفعال إلى قدرة باريها."
وقد لاحظ الأستاذ القبلي أن هذه الحادثة جاءت بعد فتح أبي يوسف يعقوب مدينة سبتة، فاستنتج أن قطع المدفعية، المشار إليها في نص ابن خلدون، حصل عليها بنو مرين بموجب اتفاقيتهم مع أراغون أثناء حصارهم لأبي القسم العزفي.(Société, pouvoir et religion au Maroc à la fin du moyen age, Maisonneuve et Larose, Paris,1986, p.77. ومعروف أن سبتة سوف تستقل بأمورها مرة أخرى قبل أن يخضعها أبو الربيع سليمان سنة 709هـ/ 1310م، ثم خلعت طاعة السلطان أبي سعيد مرة ثالثة سنة 716 هـ / 1317م - بقيادة يحي العزفي - قبل أن تعود لطاعة المرينيين، لكنها لم تلبث أن خرجت عليهم من جديد سنة 720 هـ / 1310م بقيادة محمد بن يحي العزفي، مما اضطر السلطان المريني أبا سعيد إلى إبعاد آل العزفي عن تسيير أمور المدينة بعد أن اقتحمها سنة 728 هـ / 1328م. (الناصري، الاستقصا، دار الكتاب، البضاء، 1954، ج.3، ص.115).     
  - يكفي أن نشير إلى البيبليوغرافيا الضخمة التي كتبت حول ابن خلدون.
  - المقدمة، دار الفكر، بيروت، ص.3-45.
  - نفسه، ص.46-423.
  - نفسه، ص.242-476.
  - نفسه، ص.476-651.
  - مثلا: القبلي، ما لم يرد في كتابات ابن خلدون، ضمن: مراجعات حول المجتمع والثقافة بالمغرب الوسيط، توبقال للنشر، 1987.
  - كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر، نعتمد هنا طبعة دار الكتب العلمية، بيروت، 1992.
  - انظر نموذج ذلك: الطبري، تاريخ الأمم والملوك، دار الكتب العلمية، بيروت، ط.3، 1991، ج.1.
  - العبر، ج.2، ص.3 وما بعدها.
 - نفسه، ص. 18.
 - نفسه، ص. 19 وما بعدها.
  - نفسه، ص. 23 .
  - نفسه، ص. 53 .
  - نفسه، ص. 275 .
  - نفسه، ص. 178 .
  - نفسه، ص. 228 .
  - من الطبعة التي اعتمدناها.
  - العبر، ج. 6، ص.3 وما يليها.
  - نفسه، ص.15 وما يليها.
  - نفسه، ص.15 وما يليها.
  - نفسه، ص. 104.
 - نفسه، ص.134-162.
 - نفسه، ص.163 وما بعدها.
 - نفسه، ص. 179.
 - نفسه، ص. 214 وما بعدها. أما الطبقة الأولى من صنهاجة فخصصها للحديث عن دول بني زيري وبني حماد وغيرها. (نفسه، ص. 183...).
 - نفسه، ص. 214.
 - نفسه، ص. 216.
 - نفسه، ص. 216.
  - نفسه، ص.215-217.
  - نفسه، ص. 218.
  - نفسه، ص. 219. رغم أن ابن خلدون ذكر سابقا، ومنذ عهد ابن ياسين، إخضاع المرابطين لمناطق درعة وسجلماسة وجبال درن، أي مناطق زناتة ومصمودة. ( ج. 6، صص.217 - 218 )، بل وقبل هذا التاريخ، عندما كانت صنهاجة ما زالت تتوسع في الصحراء، ذكر أنه لما "استفحل أمر الملثمين... عبروا على السودان، واستباحوا حماهم وبلادهم، واقتضوا منهم الإتاوات والجزى، وحملوا كثيرا منهم على الإسلام فدانوا به." ( ج. 6، ص.237.).
  - نفسه، ص. 219. واضح من العبارة أن استبداد ابن تاشفين بالأمر لم يكن فجائيا بل تم بالتدريج.
  - نفسه، ص. 222.
  - نفسه، ص. 272.
  - نفسه، ص. 225.
  - يلح ابن خلدون على ذكر أسماء القبائل عند كل حدث: "نازل أبو بكر لواتة... وقتل من بها من زناتة..." ( ج. 6، ص.217)، فتح يوسف فاس وقتل بها 3 آلاف من مغراوة وبني يفرن. (ج. 6، ص. 219). بنى مدينة مراكش للتمرس بقبائل المصامدة. (ج. 6، ص.218 )... هكذا يمضي أسلوبه في العبر كله.
  - معروف أن العلاقة بين "المقدمة" و"العبر" أثارت ضجة كبيرة بين الدارسين، حول منهج "المقدمة" العقلاني/ التنظيري، ومنهج "العبر" الإخباري/ التقليدي؟ وهل كتبت "المقدمة" قبل "العبر" أم بعده؟ وغير ذلك من الأسئلة والإشكالات...  
  - العبر، ج.6، ص.214.
  - نفسه، ص.180.
  - مثلا: ج.6، ص.7 - 15 - 49 - 59 ...
  - ج.6، ص.264 من نص طويل جدا.
  - نفس المصدر والصفحة.
  - نفس المصدر والصفحة.
  - نفسه، ص.265.
  - نفسه، صص.266 - 267.
 - نفسه، صص.269 - 270.
 - نفسه، ص.270.
  - نفس المصدر والصفحة.
  - انظر التفاصيل الغزيرة ضمن : ج.6، ص.270 - 276.
  - نفسه، ص.278.
  - نفسه، ص.279.
  - نفس المصدر والصفحة.

الفرق الغنائية الأمازيغية بمنطقة الريف ( مجموعة إصفظاون)

التفاصيل
كتب بواسطة: د. جميل حمداوي
المجموعة: بحوث و دراسات
انشأ بتاريخ: 16 أبريل 2002
الزيارات: 10

الفرق الغنائية الأمازيغية بمنطقة الريف ( مجموعة إصفظاون)

( الحلقة الأولى)

 

 


الدكتور جميل حمداوي

تعد فرقة \"إصفظاون\"( الفتائل المشتعلة أو المشاعل المتوهجة) من أهم الفرق الغنائية الأمازيغية بمنطقة الريف في المغرب الأقصى إلى جانب فرق غنائية أمازيغية أخرى كفرقة\" إيني أومازيغ\" وفرقة\" بنعمان\" و فرقة \"إيثران\" وفرقة\" رفروع\" وفرقة\"إيريزام\" بإقليم الناظور، وفرقة \"إثري نمريتش\" بمدينة مليلية المحتلة، وفرقة\" تواتو\" و\" ثيذرين\" بمدينة الحسيمة ... وتميزت فرقة \"إصفظاون\" بكونها أول فرقة غنائية أمازيغية بمنطقة الريف تعلن تشبثها بالهوية والقضية الريفية الأمازيغية ، كما أنها من الفرق الأولى التي أذاعت بين الجماهير الريفية الأغنية الملتزمة ذات الملمح الواقعي والثوري دون أن ننسى دفاعها المستميت عن اللغة المحلية وتصوير معاناة الإنسان الأمازيغي وكينونته الوجودية والحضارية .

1- سيــــاق نشــــأة فرقـــة إصفـــــظاون:

ظهرت فرقة إصفظاون الغنائية الأمازيغية في أزغنغان بمدينة الناظورالواقعة بين جبال الريف في المغرب الأقصى مابين سنتي 1976 و1977م،واستمرت إلى غاية 1984م لتلتجئ بعد ذلك إلى الصمت والتوقف النهائي مع الأحداث الدامية التي عرفتها مدينة الناظور بسبب المظاهرات والإضرابات التي خاضها أبناء المنطقة لأسباب اجتماعية وسياسية. وقد أثرت هذه الأحداث سلبا على هذه الفرقة وأودت بها إلى الجمود والعزلة والبحث عن لقمة الخبز إما بالهجرة إلى الخارج وإما بالحصول على وظيفة تحفظ ماء الوجه وتقي صاحبها من التشرد والفقر والبطالة. وفي هذه الفترة كان المغرب يمر بظروف صعبة وعصيبة تتمثل في كثرة الانقلابات العسكرية والإضرابات المتوالية والصراعات الحزبية والسياسية،وما سببته أيضا نفقات الصحراء من انعكاسات وخيمة على التنمية الاجتماعية والحركية الاقتصادية وآثار كل ذلك على الإنسان المغربي وخاصة غلاء المعيشة وتدني الأجور وكثرة البطالة وانتشار الفقر.
ولم تظهر الفرقة إلى ساحة الوجود الإبداعي إلا ضمن جمعية المسيرة الثقافية بأزغنغان. وكانت أول جمعية ثقافية بإقليم الناظور، وكانت تهتم بالمسرح والموسيقا والثقافة. ولم تنطلق إصفظاون في تفجير إبداعها الغنائي إلا بعد سماع أعضائها لمحاضرة حول الثقافة والإبداع ، طرحت فيها إشكالية اللغة وخاصة اللغة الأمازيغية التي ينبغي لمن سيحاضر داخل الإقليم أن يلتزم بها كتابة وخطابة وتلقينا. وقد حضر في قاعة المحاضرة مجموعة من الشخصيات التربوية والثقافية المحترمة كحسين القمري، وبشير القمري، و محمادي لمغاربي ، وأحمد لهراوي، وعبد القادر سلامة.....ومن هذه المحاضرة انطلقت الفرقة في ترديد أغانيها الملتزمة التي تتعلق بمشاكل الريفيين وأبنائهم التلاميذ والطلبة، ورصد معاناة الإنسان الأمازيغي من جراء الظلم والإقصاء والتهميش واللامبالاة التي انتهجتها الحكومة ضد الريفيين.
ومن القضايا التي كانت تؤرق الفرقة هي قضية الهوية واللغة الأمازيغية. وانطلقت الفرقة تقلد في تلك الفترة السياسية العصيبة فرقة \" ناس الغيوان\" و\" فرقة لمشاهب\" و\"فرقة جيل جيلالة\".... ولم يكن هذا التقليد إلا على المستوى الشكلي فحسب، أما على مستوى الألحان فقد كانت الفرقة متأثرة أشد التأثر بالمغنية ميمونت سلوان والمغنية ميلودة الحسيمية والمغنيين: فريد الناظوري و الشيخ شعطوف.... وساهمت الأحزاب السياسية في بلورة هذه الفرقة فنيا وإيديولوجيا كحزب التقدم والاشتراكية وحزب الاتحاد الاشتراكي، كما ساهمت جمعية البحر الأبيض المتوسط في شخصيتي محمادي لمغاربي و بنعلي المنصوري في دعم الفرقة ماديا ومعنويا علاوة على ماقام به حيمي زرياب الذي علم فن الموسيقا لبعض أعضاء هذه الفرقة بعد أن قدم لهم مقرا كانت تملكه جمعية زرياب للموسيقا والمسرح. ولا ننسى أيضا الأهمية الكبرى لجمعية الانطلاقة الثقافية التي سمحت لهذه الفرقة لكي تظهر قدراتها الغنائية وإمكانياتها الفنية وخاصة في أواخر السبعينيات وبداية الثمانينيات من القرن الماضي.
هذا، وقد كانت الفرقة تتكون من خمسة ذكور، وتتراوح أعمارهم ما بين 16 و17 سنة، وهم مازالوا تلاميذ التعليم الثانوي. ونذكر من هؤلاء المبدعين ناصر صالح ، وعبد الناصرأمحرف ، و أحمد معاشي ، و إلياس السنوسي ، و مصطفى هلهول وبوعزيز صالح الذي انسحب من الفرقة لأسباب ذاتية وموضوعية وسيؤسس فيما بعد فرقة \"بنعمان\". ولكن أعضاء الفرقة ستتغير حياتهم المستقبلية فيما بعد ، إذ أصبح ناصر صالح محاسبا في ميناء مدينة الناظور، وتولى أمحرف الحراسة العامة في مؤسسة إعدادية ، بينما تولى هلهول مصطفى الإدارة التربوية الابتدائية، أما أحمد معاشي وإلياس السنوسي فقد اختارا الهجرة إلى أوربا، فالأول إلى هولندة والثاني إلى إسبانيا.

2- مضاميـــن أغـــاني فرقـــة إصفـــظاون:

قدمت فرقة إصفظاون للجماهير المغربية بصفة عامة والريفية بصفة خاصة حوالي 12 أو13 أغنية أمازيغية ملتزمة، وكانت الكلمات تكتب بطريقة جماعية وتلحن أيضا بطريقة جماعية. ولكن على الرغم من ذلك إلا أننا نجد بعض الشعراء كانوا يمدون الفرقة بالقصائد الشعرية كالفنان المبدع حنكور الهواري، وهو شخص أمي يشتغل في مناجم الحديد بوكسان بمدينة الناظور، وكان يرتجل الشعر عن سليقة فطرية وعفوية طبيعية ، علاوة على الشاعر الأستاذ عبد الله الوليد الذي كان يعين الفرقة في بعض الأحيان ببعض النصوص الشعرية وسعيد مساوي الذي ساعدهم بقصيدته الشعرية\" تراغيغدخام\" بله عن المرحوم أنس محمد وعبد الغني بوحميدي.
هذا، وقد تناولت هذه الأغاني عدة مواضيع ذاتية ومحلية وقومية. ومن بين هذه المواضيع نستحضرتيمة الهجرة، والريف كما في أغنية مارو، ومعاناة العمال، ومشاكل التلاميذ والطلبة، وتمجيد المقاومة في صورتي البطلين محمد بن عبد الكريم الخطابي ومحمد الشريف أمزيان، واللغة ، والهوية، ومشاكل الإنسان الريفي، والهوية الحضارية، والمرأة، وأثر التطور الحضاري على أهل الريف، وقضية الوطن ، وقضية فلسطين....
ومن بين مطالع هذه الأغنيات الملتزمة المشهورة نذكر هذه الاستهلالات الشعرية المصرعة تقفية وإيقاعا:

1- وانيتي ذامحظـــــــار ذي ثمــــــزيذا يحظار

2- أياو أيــاو إيــــــزيم أياو أيـــــاو سوريزيم

3- أيا واصاف أوصاف إيــــــجــان تصــوارث

4- أوّانــي إيتغانـــــجان غنج إيـــــجن أوغانيج

5- الله إيعاون آوماينـو الله إيعاون أمـدوكـرإنو

وتعريب هذه المطالع هو:

1- هـــــــــــذا تلميذ في المدرسة يتعـــــلم

2- آه! آه! لقد جرح. آه! آه! بضربة معــول.

3- أيها الواصف صف صورة واحــــــــــــدة

4- أيهـــــــــــا المغني غن أغنيــــــــة واحدة

5- ليساعد الله أخـــي ليساعد اللـــــه صديقي!

ومن أحسن الأغاني التي اشتهرت بها الفرقة، ومازال الجمهور الريفي الأمازيغي يرددها نظرا لثوريتها وواقعيتها الوجودية قصيدة\"أغاربوناغ أثننداه سوفوس ناغ\"( سنقود سفينتنا بأنفسنا)، فأغنية\" سبحان الله العظيم\"، ثم\" إيذورار ناريف\"( جبال الريف) وقصيدة\" تراغيغدخام\" ( أنادي عليك).
وعليه، فالأغاني التي كانت تنشدها الفرقة كانت تتسم بالروح الواقعية الانتقادية والميسم الثوري والالتزام بالقضية الأمازيغية هوية ولغة وتراثا وإنسانا، ناهيك عن الطابع المأساوي الذي يطبع مجمل القصائد المغناة والتي تنفطر معاناة وهما وأسى وعذابا. كما أنها تصدر عن رؤية قوامها الألم والأمل والتشاؤم والتفاؤل.
وتبدو أغاني فرقة إصفظاون صرخات مدوية، ولسعات قاتلة،ورصاصات ثائرة تدك الظلم وترفض القهر، و تقول: لا للتهميش والإقصاء! وكانت تشبه هذه الفرقة نظيرتها الثورية في الدار البيضاء، وهي فرقة \" ناس الغيوان\" في التغني بهموم الإنسان المغربي ومعاناته من كثرة الفقر والتفاوت الطبقي والأمية واندلاع حروب الصحراء و تفشي ظاهرة البطالة....
وستشارك فرقة إصفظاون في عدة مناسبات احتفالية وغنائية، إذ عرضت أغانيها في ثانويات المدينة كثانوية عبد الكريم الخطابي وثانوية الشريف أمزيان وثانوية الكندي. كما شاركت في إمتاع الجماهير المتعطشة إلى الأغنية الأمازيغية في معظم مناطق إقليم الناظور والحسيمة وجامعة وجدة . وشاركت الفرقة في برنامج أضواء المدينة بمكناس، ذلك البرنامج التلفزي الذي كان يشرف عليه إدريس تادلي تنظيما وتقديما وتنشيطا. وبعد التصفيات انتقلت الفرقة إلى الرباط للمشاركة في التتويج النهائي على المستوى الوطني في العاصمة. وكانت هذه الفرقة أولى مجموعة غنائية ريفية تطأ أقدامها خشبة مسرح محمد الخامس. وكان ينافسها في التصفيات النهائية فرقة\" إزنزارن\" التي قدمت من أگادير، وفرقة \"إيمازيغن\" التي قدمت بدورها من الخميسات، وفرقة \" بوشناق\" التي جاءت تمثل مدينة وجدة . كما قدّمت الفرقة كثيرا من أغانيها ضمن مهرجانات الأغنية الأمازيغية التي كانت تشرف عليها جمعية الانطلاقة الثقافية بالناظور مابين 1979 و1983م.
وعلى الرغم من هذا النجاح الكبير، فإن الفرقة لم تسجل أغانيها ضمن ألبوم غنائي ماعدا ما يحفظه أرشيف الإذاعة والتلفزة المغربية ، وما سجله بعض الهواة والجمعيات الثقافية التي استضافت الفرقة لتشنف أسماع حاضريها وجماهيرها الذواقة إلى الفن الأصيل والثوري والملتزم. ومن الأسباب التي حالت دون تسجيل الأغاني في ألبوم نذكر غياب أستوديو غنائي لتسجيل الأشرطة والكاسيت في مدينة الناظور، وانعدام الإمكانيات المادية وخاصة أن جل عناصر الفرقة لم يكونوا سوى تلاميذ يعيشون في فقر مدقع ، ولا يمكن لهم – بالتالي- أن ينتجوا أشرطة غنائية بتكلفة مرتفعة جدا، بالإضافة إلى رفض الفرقة لأطماع المستغلين من منتجي الأشرطة وموزعيها .

3- الممـــيزات الفنية لأغـــــاني إسفـــــظاون:

إن الأغاني التي كانت تغنيها فرقة إسفظاون خاضعة للعروض الأمازيغي الطويل الذي يتكون من 12 مقطعا إيقاعيا، ينقسم إلى ستة مقاطع في الشطر الأول، وستة مقاطع في الشطر الثاني على الشكل التالي:

لايــــارا لايـــارا لايـــارا لا بـــويا

ويعني هذا أن الأغاني التي كانت تلحنها الفرقة ذات بناء كلاسيكي من حيث البناء العروضي وتلتزم بوحدة الإيزري أو البيت الشعري المستقل في الشعر العربي. كما التزمت الفرقة إيقاعيا وموسيقيا بالقافية الموحدة والروي، ولكن داخل البيت المفرد المستقل.
وكانت الفرقة تستمد معظم ألحان أغانيها من الأغنية الريفية المحترفة التي انتشرت بعد فترة الاستقلال وفترة الستينيات في الساحة الغنائية المحلية وخاصة ألحان المغني الشيخ شعطوف وفريد الناظوري وميمونت سلوان وميلودة الحسيمية ومليكة فرخانة. أما على مستوى الأدوات الموسيقية فقد تأثرت الفرقة في ذلك بفرقة \"ناس الغيوان\"، حيث كانت تستعين إسفظاون بالبانجو والقيثارة والدف والطامطام الصغير والكبير. كما كانت ألبسة عناصرها توحي بالأصالة والمعاصرة ولاسيما العباءة التي كانت تشبه عباءة \" ناس الغيوان\" و\" جيل جيلالة\". و كان كل هذا يأتيهم من مدينة فاس من قبل طلبة الجامعة الذين كانوا يشجعون كثيرا هذه الفرقة الغنائية الشابة الطموحة والتي بدأت في الصعود الفني وتحقيق الأمجاد. وكانت الرؤية الوجودية غالبة على أعضاء هذه الفرقة المتمردة، تلك الرؤية السارترية التي انتشرت في مغرب السبعينيات عبر الحقل الفلسفي الجامعي والثانوي، بينما انتشرت كتصور حياتي ووجودي في فرنسا بعد الحرب العالمية الثانية مباشرة. كما كان أعضاء الفرقة يسترسلون في شعورهم و يطوّلون في أطراف ألبستهم تكيفا مع موضة الهــيبـــيز.
واستندت فرقة إصفظاون إلى لغة موسيقية أصيلة وقحة ومعتقة بسيطة يفهمها الأمي والمثقف. وقد حققت الفرقة تواصلا جماهيريا كبيرا بين تلاميذ الثانويات وطلبة الجامعة. وقد استقطبت في تفاعلها الفني الغنائي الحميمي حشودا غفيرة، وكان الإقبال عليها بكثافة قل نظيرها، وكان العدد يبلغ في بعض الأحيان أكثر من ستة آلاف من المتلهفين على مقاعد قاعات السينما أوقاعات المؤسسات التربوية التعليمية من ثانويات وجامعات أو قاعة مسرح محمد الخامس. وعندما اكتسبت الفرقة جمهورها الكبير، بدأت السلطة تتخوف من عواقب هذا التواصل الجماهيري؛ مما جعل الشرطة دائما مستعدة لمحاصرة الحاضرين وأعضاء الفرقة في كل لحظة وفي كل مناسبة فنية تتبعا ومراقبة. و كانت الشرطة العلنية و السرية متأهبة للدخول في أي وقت يقع فيه الشغب أو التعاطف الثوري المبالغ فيه مع أغاني هذه الفرقة التي تستعيد بكل حماسية ذاكرة الريف بما فيها صفحات التاريخ ومقاومة أبطالها الشجعان ولاسيما محمد الشريف أمزيان وعبد الكريم الخطابي. كما كانت اللغة الملتزمة الثورية المتوهجة حماسة وبطولة وتضحية من الأسباب التي سهلت هذا التواصل الحميمي بين الفرقة والجماهير المتعطشة إلى لغتها وهويتها وتحقيق كينونتها الوجودية والحضارية.
ولم تقف التعابير الغنائية إلى المستويات السطحية والسجلات التقريرية المباشرة، بل كانت الفرقة تلتجئ إلى استخدام الرموز الشعرية والكنايات والتشابيه البلاغية لتحقيق الوظيفة الشعرية الجمالية والغنائية . وكانت المرأة قناعا رمزيا تتستر وراءه الفرقة للإحالة على الأرض والوطن والثورة، و تتحول الباخرة أيضا إلى رمز مكاني يقصد بها أهلية الأمازيغيين لتسيير أمورهم ودواليب حكمهم. أي إن الفرقة سبقت إلى طرح مفهوم الجهوية والحكم الذاتي قبل أن يطرحه مؤخرا الدكتور محمد الشامي على صفحات الجرائد وخاصة في جريدة العالم الأمازيغي مؤخرا.
وكانت الضمائر الشعرية والغنائية تتراوح بين ضمير المتكلم الجماعي الذي يعبر عن أبناء الريف الأشاوس الأبطال، والمخاطب المفرد أو الجماعي من أجل استنهاض هممهم وعزائمهم وتحريضهم على الدفاع عن الأرض واللغة الأمازيغية والتمسك بالهوية والوقوف في وجه كل مستجدات الحضارة الماسخة لكينونة الريفيين. وبذلك بقيت ظاهرة الالتفات الغنائي طابعا يتميز به الغناء الريفي الملتزم . وقد ابتعدت الفرقة عن المواضيع الرومانسية المستهلكة لكي لاتسقط فيما سقطت فيه الأغنية المحترفة مع فريد الناظوري وميمونت سلوان وميلودة الحسيمية. ولم تحضر المرأة في أغاني فرقة إصفظاون إلا رمزا للوجود الأمازيغي. كما أن حب الأرض هو الحب الحقيقي الذي ينبغي أن يتغنى به المثقف الأمازيغي من أجل الكرامة والعيش السعيد.

خلاصــة تركيبـــــية:

نقول في الأخير بكل اعتزاز وشكر يكفي أن تفتخر فرقة إصفظاون بكونها الفرقة الأمازيغية الأولى في منطقة الريف التي أعطت الانطلاقة الحقيقية للأغنية الأمازيغية الملتزمة، وأنها أيضا الفرقة الأولى التي صعدت إلى خشبة مسرح محمد الخامس لتشارك في الإقصائيات النهائية للبرنامج التلفزي \"أضواء المدينة\" مع فرق ذات شهرة كبيرة وصيت واسع محليا ودوليا. كما أنها الفرقة الأولى التي طرحت قضية الهوية واللغة في الأغنية الريفية بعد أن كان الحب الرومانسي هو السائد في الساحة الفنية الأمازيغية بعد استقلال المغرب. ولا ننسى فضل هذه الفرقة على الفرق الغنائية الأخرى التي ظهرت بالمنطقة، وهي تقلد فرقة إسفظاون سواء في الناظور أم مليلية أم الحسيمة على مستوى الألحان والكلمات أو على مستوى الأدوات الموسيقية. ونقول كذلك: إن هذه الفرقة هي البداية الفعالة لانبثاق الأغنية الثورية الواقعية ذات الطرح السياسي والاجتماعي والقومي التي ستبلغ أوجها مع المغني الملتزم والمبدع الكبير ميمون الوليد الذي لولا فرقة إصفظاون لما كان له وجود على الساحة الإبداعية في منطقة الريف.

 

إطلالة جديدة على فقه المذاهب الاسلامية

التفاصيل
كتب بواسطة: نضير خزرجي
المجموعة: بحوث و دراسات
انشأ بتاريخ: 15 أبريل 2002
الزيارات: 8

إطلالة جديدة على فقه المذاهب الاسلامية

نضير الخزرجي*

لا تخلو امة من شريعة تضبط إيقاع وسطها الاجتماعي وتنظم حياة أفرادها، تسلك بهم سبل الأمن والأمان والسعادة في الحياة الدنيا، فضلا عن سعادة الحياة الآخرة بالنسبة للشرائع السماوية الممتدة بحبل من الوحي ما بين الأرض والسماء. كما لا تخلو امة من قائد او قيادة تمسك بزمام الأمور، تجلب لها منفعة او تدفع عنها مضرة، فالأمم تقاس بشرائعها، كما تعرف برجالها، فكلما كانت الشريعة اقرب الى العقل والمنطق والفطرة، كانت الأمة او المجتمع اقرب الى الواقع الإنساني والحقيقة الإنسانية، وكانت اقرب الى السعادة البشرية، وإذا كانت الأمة تعيش تحت ظلال شريعة السماء وأفيائها، يصونها الخيار من الرجالات ترجو في الله رضاه وصلاح الأمة، فإنها تكون قاب قوسين من سعادة الدنيا أو أدنى من نعيم الآخرة.
والشريعة عنوان عام، له أن يتمثل بشريعة آدم (ع) او نوح (ع) او ابراهيم (ع) او موسى (ع) أو عيسى (ع) او محمد (ص)، كما له أن يتمثل بشريعة حمورابي او بوذا او زرادشت، كما له أن يتمثل بالرأسمالية والاشتراكية بوصفهما أسلوب تنظيم الحياة البشرية وفق رؤى خاصة بهما، قد يقتربان من العقل والفطرة وقد يبتعدان، كما له أن يتمثل بما يعرف بشريعة الغاب، وان كان اللانظام هو الصفة الغالبة على هذه الشريعة، لكنها في قبال العقل والفطرة هي شريعة أيضا، لأنها تنظم حياة من يؤمن بها وفق شريعة خاصة بها قائمة على الفوضى واللانظام ومضادة العقل والفطرة.
كما إن للشريعة تفاصيل تكثر او تقل وفقا لتطور المجتمعات ورقيها وتمدنها، تبدأ بخطوط عريضة قليلة تنسجم مع الحياة البدائية للأمة لتنتهي الى ما لا نهاية من التفاصيل والجزئيات تنشطر جزئياتها كلما استجد في حياة الأمة والبشرية جديد، وتذهب امة وتأتي أختها، ومثلها تنسخ الشريعة او تتجدد، كلها او بعضها.
هذه الدورة من الشرائع القديمة والحديثة بعامة، والشريعة الاسلامية بخاصة، يقرأها بأسلوب أكاديمي علمي، أستاذ الحضارة الاسلامية، الباحث العراقي الدكتور وليد سعيد البياتي، مطالعا فيها ما بثه قلم البحاثة المحقق آية الله الشيخ محمد صادق محمد الكرباسي من حقائق تاريخية متعلقة بالشرائع السماوية والأرضية منذ أن حطت قدم أبي البشرية الحالية النبي آدم وجه الأرض والى يومنا هذا، على صفحات كتاب "الحسين والتشريع الاسلامي" في القسم الأول من الجزء الأول، ليبحث في القسم الثاني مصادر التشريع الاسلامي، وقد صرف الدكتور البياتي جهده لدراسة الجزء الأول الذي هو واحد من عشرة أجزاء ضمن سلسلة دائرة المعارف الحسينية، وصدرت الدراسة عن بيت العلم للنابهين في بيروت، في 120 صفحة من القطع المتوسط، حملت عنوان "المنهاج: دراسة في الجزء الأول من كتاب الحسين والتشريع الاسلامي"، وهي دراسة تضع خطوطا مضيئة تحت عناوين الكتاب وهيكل البحث وأهم متونه، فجاءت عناوين الدراسة متماثلة مع عناوين الكتاب الأم.
يمهد المحقق الكرباسي في تناوله لدور الامام الحسين في التشريع الاسلامي، بمقدمة توغل في عمق التاريخ، متناولا الشرائع منذ بداياتها الأولى حتى شريعة الإسلام، استنفذت نصف الجزء الأول من الكتاب الذي صدر عن المركز الحسيني للدراسات في لندن، في 540 صفحة من القطع الوزيري، فالعلامة الكرباسي كما يؤكد الدكتور البياتي: "يقدم لنا منهجا جديدا في فهم التاريخ والتعامل معه، ويعرض تصوراً علميا وعقلانيا في آن واحد حول مفهوم التاريخ البشري والوجود البشري على هذه البسيطة"، وهو في الوقت الذي يؤرخ لهبوط آدم (ع) بنحو سبعة آلاف سنة قبل الهجرة النبوية، لا ينفي ما أكدته الحفريات الأثرية والانثروبولوجية عن اكتشاف عظام تعود لدهور طويلة قبل آدمنا (ع)، فهذا من ما ينسجم والأثر الاسلامي الوارد عن الامام جعفر بن محمد الصادق (ع) في قوله: (إن قبل عالمكم ألف ألف عالم، وإن قبل آدمكم ألف ألف آدم، فعالمكم آخر العوالم، وآدمكم آخر الآدميين).
ويقرأ البياتي ماهية التشريع وفلسفته ومنشأه وأهدافه وتاريخه، حيث إن المشرع إما أن يكون خالق البشر او الانسان نفسه او مجموع أفراد المجتمع الواحد، ولما كان من أهداف التشريع كما يذهب اليه الكرباسي تحقيق سعادة الانسان وتحقيق النظام، فان هذين الهدفين يقصر الانسان او عموم المجتمع عن تحقيقهما، وبالتالي فان المشرع الأول هو العالم باحتياجات البشر غير المحتاج اليهم، وهو الله جل تعالى، يبقى أن للفقهاء حرية الاجتهاد في دائرة المباحات او منطقة الفراغ الفقهي لمواكبة التطورات. وينفرد الفقيه الكرباسي في بيان بدء تاريخ التشريع، بان حدد تاريخ هبوط آدم (ع) راجعا به الى العام 6880 قبل الهجرة النبوية، كما استظهر من سير التاريخ ست مراحل، تبدأ الأولى بعام الهبوط وتنتهي السادسة بظهور الامام المنتظر الموعود محمد بن الحسن العسكري (ع).
وتختلف مصادر التشريع من دين لآخر ومن مدرسة عقائدية لأخرى، قد تفترق في مفاصل وقد تلتقي في أخرى، وهذا ما يقرأه البياتي في فكر الكرباسي تحت عنوان "نظرة الفقهاء الى مصادر التشريع"، فهناك المدرسة المثالية التي تتبنى أفكارها قيما عليا، لكنها لم تتمكن من تقديم نظرة شاملة للكون، وهناك المدرسة الواقعية التي ظهرت مع بدايات الثورة الصناعية في أوروبا وهي ذو نزعة مادية بحتة تتبنى فلسفة الاعتراف بالواقع القائم ومتجاهلة الماورائيات، وهناك المدرسة التعادلية او المدرسة التوفيقية وهي حالة وسطى بين المدرستين السابقتين.
ولما كانت الأنظمة السياسية هي مرآة للفلسفة التي تؤمن بها وتقوم عليها مؤسساتها، فان الكتاب يتابع مناقشات الكرباسي للنظامين الرأسمالي والاشتراكي، فوجد أن النظامين القائمين في عدد غير قليل من بلدان الأرض تجاهلت علاقة الفرد بخالقه وعلاقته بنفسه وعلاقته بالبيئة، وحصرت تركيزها وتعاملاتها على علاقة الفرد بالفرد وعلاقة الفرد بالمجتمع وعلاقة الفرد بالدولة، على خلاف النظام الاسلامي الذي اخذ العلاقات الست بنظر الاعتبار وتعامل معها على قدم المساواة، باعتبارها حلقات ست تشكل بمجموعها سلسلة سعادة الانسان في الدارين، بخاصة وان الإسلام لاحظ في تشريعه أمورا كثيرة أهمها: تكريم الانسان، العقل، العلم، المحبة، الاتحاد، الحرية، العدل، المساواة، النظم، الشورى، النزاهة والإخلاص، وتنمية المواهب والكفاءات. ولم يكن الفقيه الكرباسي متحاملا على هذا النظام او ذاك بروح العصبية، بل: "مما يحمد لشيخنا الباحث الكرباسي، وهو يبحث في تواريخ النظم وفلسفتها، هو ذلك التجرد العلمي والاحاطة الفكرية بمختلف الاتجاهات الفكرية والفلسفية ومدارسها، ولهذا نراه يتناول دراسة النظم، وهي من الدراسات التخصصية، بروحية الباحث المجد في طريقه الى الحقيقة".
وقبل أن يدخل الكتاب في تفاصيل مصادر التشريع الاسلامي، ينوه الى المرحلتين اللتين أفرزهما المحقق الكرباسي عند تناوله لمبحث "الشريعة الاسلامية تاريخها وتطورها"، فالمرحلة الأولى او "عصر الوحي" تبدأ من 27 رجب في العام 13 قبل الهجرة وحتى رحيل النبي محمد (ص) في 27 صفر العام 11 هجرية، وفي هذه المرحلة كان التشريع الاسلامي ينزل عبر الوحي القرآني، والوحي القدسي أي الأحاديث القدسية الربانية، والوحي التفسيري أي ما أملاه الرسول (ص) من سنته الشريفة على أئمة أهل البيت (ع)، والمرحلة الثانية او "عصر الإمامة" تبدأ برحيل النبي الأكرم (ص) حتى الغيبة الكبرى للإمام المهدي المنتظر في 14 شوال العام 329 هجرية، وضمت هذه المرحلة ثلاث فترات، وهي فترة الخلافة الراشدة وتبدأ برحيل النبي الأكرم (ص) وتنتهي برحيل الامام علي (ع) في 21 رمضان العام 40 هجرية، ثم تلتها فترة التابعين، ثم فترة نشوء المذاهب وحتى يومنا هذا.
أما مصادر التشريع الاسلامي، فان المحقق الكرباسي وبمتابعة كل المذاهب الاسلامية يجمعها في خمسة عشر مصدرا، الى جانب المصدرين المجمع عليهما وهما: القرآن الكريم، والسنة النبوية، وهي على التوالي: سنة أهل البيت (ع)، الإجماع، العقل، القياس، الاستحسان، المصالح المرسلة، فتح الذرائع، العُرف، شرع مَن قبلنا، مذهب الصحابي، القرعة، الحيل الشرعية، الشهرة، السيرة، وأخيرا الأصول العملية.
ويسترسل المؤلف مع المصنف في بيان حجية كل مصدر من مصادر التشريع، فالقرآن اثبت حجيته بنفسه، لأنه معجزة الله جل وعلا، فهو مصان من التحريف ولا اعتبار لبعض الروايات القائلة بتحريف القرآن، كما انه قابل للفهم وللناس الرجوع الى الراسخين في العلم لبيان مقاصده، كما إن الاقتصار على خمسمائة آية قرآنية من أصل (6342) آية في بيان آيات الأحكام يعد بنظر المصنف قصورا في فهم القرآن الكريم الذي هو دستور الحياة. أما السنّة فان العقل دليل حجيتها: "كأصل تشريعي وكضرورة من ضرورات الدين، فانه يحكم بأن قبولها يعني قبول القرآن، للتلازم الحادث بينهما"، كما إن السنة مؤيدة بالقران والإجماع. وينفي المصنف عن أهل بيت النبي (ص) فاطمة والأئمة الأثني عشر (ع)، شبهة الاجتهاد، ويثبت لهم العصمة كما هي ثابتة في النبي الأكرم محمد (ص)، ولذلك فهو يرى أن السنّة تتسع لسنة أهل البيت لحجية أفعالهم وأقوالهم وتقريراتهم، وان الاجتهاد يقع لما دون النبي (ص) وأهل بيته (ع) الذين خصهم الله بآية التطهير.
أما الإجماع فهو عنوان عام يحتمل احد عشر وجها، فهو: اتفاق الأمة، اتفاق أصحاب الرسول (ص)، اتفاق الخلفاء الراشدين، اتفاق الشيخين أبي بكر وعمر، اتفاق أهل المدينة، اتفاق أهل الحرمين مكة والمدينة، اتفاق أهل المصرين الكوفة والبصرة، اتفاق أهل الحل والعقد، اتفاق العلماء كافة، اتفاق علماء العصر، وأخيرا اتفاق مجتهدي المذهب الواحد، وقد انعكس هذا التشعب والتباين الواسع في معاني الإجماع وأهله على المنهج الفقهي وفتاوى الفقهاء.
ولما كان العقل حسب وصف الفقيه الكرباسي يعني: "القدرة التي يدرك بها الانسان ويحكم من خلالها على مدركاتها"، فان البحث فيه شائك للغاية، لأن العقل يدرك البديهيات ويعجز عن ما يفوقها، وهنا يتقدم المصنف خطوة جريئة الى الامام، ويدعو الفقيه الذي تنعقد عليه آمال الأمة في الفتيا أن ينزل من قصر الخلوة العاجي ويعايش البيئة الاجتماعية للأمة حتى يستطيع أن يُعمل عقله بما يتلاءم مع الفطرة الإنسانية والواقع المعاش والمذاق الاسلامي.
ثم يتناول الكتاب بشيء من الاقتضاب المفيد، مسألة القياس وحجيته، والاستحسان وحجيته، والمصالح المرسلة وحجيتها والمرتكزة أصلا على خلفية القياس والرأي، والذرائع وحجيتها، والعُرف وحجيته والذي مآله الى العقل أو السنّة فهو ليس أصلا برأسه ليضاهي الكتاب والسنّة، والشرائع السابقة ومدى حجيتها فهي منسوخة بالإسلام بالنسخ العام كما إن التصديق بها لا دخل له بالعمل بها فهي ليست أصلا قائما لوحده وإنما مرده الى الكتاب والسنة، والالتزام ببعض شرائع الأديان السماوية السابقة إنما جاء بتشريع ثان من الشريعة الاسلامية.
ويتوقف مؤلف "المنهاج" وكذا مصنف "الحسين والتشريع الاسلامي"، عند حجية مذهب الصحابي، لخلافية المسألة بين مدرستي النص والاجتهاد او مدرستي الإمامة والخلافة، بل خلافيتها بين أقطاب مدرسة الخلافة نفسها، فيناقش آراء رواة الحديث في بيان شخصية وماهية الصحابي ومدى حجيته وعلاقة الأخذ بمذهب الصحابي كمصدر للتشريع بعصمته من عدمها، وعند المصنف أن الصحابي الذي يجوز عليه الخطأ والسهو لا يعتد بقوله بل إن روايته للحديث لا تعد حجة إلا من باب التواتر وبعد التثبت من عدالته، وهو يقف موقف الامام الغزالي أبي حامد محمد بن محمد بن احمد (450-505 هـ) الذي يؤكد: "إن مَن يجوز عليه الغلط والسهو لم تثبت عصمته عنه، فلا حجة في قوله، فكيف تحتج بقولهم، مع جواز الخطأ، وكيف تدعي عصمتهم من غير حجة متواترة، وكيف يتصور عصمة قوم يجوز عليهم الاختلاف؟ وكيف يختلف المعصومان؟ وكيف اتفقت الصحابة على جواز مخالفة الصحابة؟ فلم ينكر أبو بكر وعمر على من خالفهما بالاجتهاد بل أوجبوا في مسائل الاجتهاد على كل مجتهد أن يتبع اجتهاد نفسه... فانتفاء الدليل على العصمة، ووقوع الاختلاف بينهم، وتصريحهم بجواز مخالفتهم فيه ثلاثة أدلة قاطعة"، ويتساءل المحقق الكرباسي في نهاية بحث المسألة: "كيف يقول بعصمة الصحابة من يرى أن السهو والخطأ وما الى ذلك جائز على رسول الله (ص)"، فإذا كان النبي (ص) في نظر هؤلاء غير معصوم وهو الذي لا ينطق عن الهوى بصريح كتاب الله، فكيف تصح العصمة لمن دونه وهم عيال على سنته والقرآن الذي جاء به والعترة التي تركها بين ظهراني المسلمين؟
ويناقش الكتاب حجية وشرعية كل من: الحيل الشرعية والشهرة والسيرة والقرعة والأصول العملية، فالحيل الشرعية او المخارج من المضايق او ما لا تبطل حقا ولا تحق باطلا، مما لا شبهة بالأخذ بها ولكن ليست كأصل وإنما في بعض الموارد، وكذا الأمر مع الشهرة الروائية والشهرة الفتوائية، وكذا السيرة بقسميها سيرة العقلاء وسيرة المتشرعة، وكذا القرعة او السهم والنصيب، وكذا الأصول العملية او الوسيلة المباشرة للحصول على الحكم الظاهري في قبال الحكم الواقعي.
وأرى كما يرى الدكتور وليد البياتي عبر دراسته "المنهاج" أن كتاب "الحسين والتشريع الاسلامي" في جزئه الأول يمثل: "دراسة تاريخية فكرية وفقهية، مقارنة في آن واحد"، فهو إضافة متميزة يؤصّل لتاريخ التشريع الاسلامي ويمنهج أصول الفقه المقارن.

*إعلامي وباحث عراقي
الرأي الآخر للدراسات - لندن
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

سر الحركة المفقودة في حركة الإحياء الإسلامي

التفاصيل
كتب بواسطة: نضير الخزرجي
المجموعة: بحوث و دراسات
انشأ بتاريخ: 30 مارس 2002
الزيارات: 11

سرّ الحلقة المفقودة في حركة الإحياء الإسلامي

نضير الخزرجي*

سجّلت واقعة الطف في كربلاء المقدسة في العام 61 هجرية، كأكبر حدث في تاريخ البشرية، ميّز بين فترتين وأفرز جبهتين، وأماط اللثام عن حقبة ظلامية أرادت أن تصبغ الإسلام بصبغتها، وأعاد الأمة الى صوابها بعد أن كاد أن ينفلت منها عقالها بفعل مفاهيم جاهلية ما قبل الإسلام، حاولت أن تجعل القرآن مجرد قراطيس صماء، وتصادر النصوص النبوية، وتضيف عليها بما ينسجم مع عقلية الحاكم الذي جعل عباد الله خولا ومال الله دولا، حتى نطق بالكفر يزيدهم، قائلا:
 لعبت هاشم بالملك فلا         خبر جاء ولا وحي نزل
ولم تكن هذه الصراحة الواعية بذي عجب، من حاكم كيزيد بن معاوية، لأن الأب قد جعل الخلافة ملكاً عضوضا يقفز على منبر رسول الله صبيان بني أمية، وكان الحفيد وفيا للجد الذي تنادى في قومه بعد أن أخلد نبي الأمة محمد (ص) الى الراحة الأبدية عند مليك مقتدر، فقام فيهم خاطبا وقد فقد بصره، ولم يفقد عدسة جاهليته: (يا بني أمية تلاقفوها - السلطة - تلاقف الصبيان للكرة فوالذي يحلف به أبو سفيان لا جنة ولا نار)؟!
كان هذا شعار جبهة الجاهلية، وصية تناقلها الحفيد عن الأب عن الجد بأمانة حرفية وعملية، وكان شعار جبهة النور والحق، وصية كتبها حفيد رسول الإسلام وسبطه وسيد شباب أهل الجنة الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب (ع) الى أخيه محمد بن الحنفية، عمل بها الموصي بكل أمانة حرفية وعملية عن أبيه (ع) عن جده (ص): (وإني لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا مفسداً ولا ظالماً، وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي (ص) أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر وأسير بسيرة جدي وأبي علي بن أبي طالب، فمن قبلني بقبول الحق فالله أولى بالحق، ومن ردَّ عليَ هذا أصبر حتى يقضي الله بيني وبين القوم وهو خير الحاكمين).
هذه الصورة الثنائية المتشاكلة مع صورتي الحق والباطل حبّرتها دواة الفقيه البحاثة الدكتور محمد صادق الكرباسي، في نحو ستمائة مجلد، صدر منها 32 جزءاً، عكفت دائرة المعارف الحسينية على بسط راحتي النهضة الحسينية ليكتشف كل قارئ تفاصيل خطوطها، فضلا عن أكثر من عشرين كتابا تناولت بالدراسة والقراءة العلمية والنقد المعرفي، أحد مجلدات الموسوعة أو بعض فصولها، لأقلام علمية وأكاديمية وأدبية من جنسيات ومذاهب مختلفة.
وهذا الجهد الكبير، حرت فيه يوم كنت قريبا من صاحبه لسنوات طوال، وعدت أطرق بابه بين الفينة والأخرى، أبحث عن جديد أقدمه للقارئ الكريم قراءة وعرضا ونقدا، عرفانا بالجميل لصاحب الموسوعة، وخشوعا على عتبة قطب رحاها وإمامها وسيدها وذبيحها في كربلاء، فكيف بالبعيد، أو الذي اطلع على مجلد من مجلدات الموسوعة الحسينية، او الذي تسللت أنظاره الى إبداع الأديب والإعلامي العراقي الأستاذ علاء الزيدي، في كتابه القيم "معالم دائرة المعارف الحسينية" الذي يقدم للقارئ خارطة بيانية عن الموسوعة الحسينية التي نهضت لبيان نهضة الامام الحسين (ع).
هذه الحيرة المصاحبة للانبهار، بموسوعة عقمت أمات الموسوعات أن تلد بمثلها حتى يومنا هذا، انعقدت عليها قرائح الشعراء، فترجموا أحاسيسهم ومشاعرهم الى قصائد تتنقل قوافي أبياتها وقبائن أوزانها على أوتار دائرة المعارف الحسينية، فينبعث صداها تقاريظ، تهز معها زنبقة هنا وزنبقة هناك، لتتراقص الزنابق في لوحة شعرية معلقة على باب كعبة الحسين (ع)، تحكي عظيم الملحمة الحسينية وتحكي عظيم الجهد الذي يبذله المحقق الكرباسي، لغربلة التاريخ وتسقّط أوراقه وتقصي حقائقه، لتنشيط ذاكرة النهضة الحسينية في عقل الحاضر والمستقبل.
ولكن هل استطاع قلم الكرباسي تشكيل الرؤية الموسوعية الشاملة التي نحتاجها لمعرفة الامام الحسين (ع)؟
سؤال مشروع يستفتح به الأديب اللبناني الدكتور الشيخ حسين شحادة، المقدمة التي وضعها لكتاب "الزنبقة في التقاريظ المنمقة" الذي صدر عن بيت العلم للنابهين في بيروت، في 832 صفحة من القطع الوزيري، حيث ضم المجموعة الأولى من التقاريظ المنظومة عن دائرة المعارف الحسينية لعدد كبير من الشعراء.
ولكن الإجابة بالقطع ستكون على حد السيف، لا لأن السائل أديب وفقيه فحسب، بل لأنه المشرف على موسوعة السيدة زينب (ع) الصادرة عن مجمّع السيدة زينب (ع) للأبحاث والمعلومات في دمشق، أي أنه محقق موسوعي يعرف قدر الموسوعة الحسينية ومكانتها في مراقي الموسوعات، من هنا فان العلامة شحادة، كان رأيه، أن البحاثة الكرباسي: "لم يقترب من جهات الحسين (ع) بعاطفته المشبوبة وحسب، ولكنه تعمّد أن يفتح ميراث العقل العربي والإسلامي على ميراث قلبه ليرى الرائي منها عشرات بل مئات من أطياف كربلا واحسين، لكل طيف منها ما يميزه عن سائر الأطياف، ومع ذلك فجميعها - من كنوز العقل أو كنوز القلب - حسينية"، ولذلك لا يخفي المعد إعجابه الشديد بالمصنف، فيبخبخه ويثني عليه، فـ :"طوبى لهذا الأشتري النخعي يتنزل علينا بالغذاء الثقافي العميم الواعد على نسج الشخصية الإسلامية الجديدة التي نريد لبنيانها أن يتضوأ  في العصر مثالاً يُحتذى على عين الله ورضاه وعلى نهج المُثل العليا من أئمة أهل البيت (ع) الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا..".
لا غبار أن المصنّف امتلك ناصية التحقيق، فتهادى بنا لنقرأ الحسين (ع) كما يقر المعد: "بما ينفع حياتنا الحاضرة ويثريها باستيلاء عنصر المزاوجة التي لابد منها بين تصوير العاطفة وتصوير الفكر لتتوازى صورة الحسين الحاضر برسالته الإنسانية في خزائن العقل والقلب والروح"، وهذه القراءة الواعية جعلتنا: "نقبض على الحلقة المفقودة من حركة إحيائنا لتراثنا الاسلامي"، لأن: "الكرباسي في عمله الكبير هذا بثّ روح الحياة في تاريخ لنا ظن الناس لفترة من فترات الهوان واليأس والهزيمة أنه لم يعد حياً، وإنما يُبعث التاريخ حيّاً اذا ما تمثله المسلمون تمثلا ينتصر لمصطلح الأمة الواحدة التي توحّد قلبها على كلمة التوحيد وكلمة الإخاء"، من هنا فان الشك لا ينتاب الدكتور شحادة: "في أن الشيخ الكرباسي وهو يقود ثورته المعلوماتية عن الإمام الحسين (ع)، سيُلهم العقل العربي والإسلامي الى أعظم مصادر الإلهام في بناء الشخصية الحضارية وتكوينها على جوهرة التحرر من كل أغلال العبودية والاستعباد".
هذه عصارة الرؤية التي خاط قماشها المعد، ليدخل من المقدمة والتمهيد الى فصول الكتاب الثلاثة، حيث ضم الفصل الأول المجموعة الأولى من التقريظات، مبوبة حسب ترتيب القوافي، وكل مجموعة ذات قافية واحدة بوبها المعد وفقاً لتاريخ ورودها، أما الفصل الثاني الذي استقل بنصف صفحات الكتاب تقريبا، فقد ضم تراجم للشعراء الذين قرّظوا دائرة المعارف الحسينية، رتبها المعد حسب الحروف الأبجدية، واستقل الفصل الثالث بصفحات عدة لترجمة المصنف والموسوعة الحسينية، مع ذكر ترجمة المعد.
 ولم يكتف المعد بالنثر، إنما سجّل حضوره الأدبي بقصيدتين حملتا عنوان "غدير الحسين" و "حاميم الحسين"، وأتبعها بقصيدة من نظم المحقق الكرباسي، تحت عنوان "أفديك فؤادي"، ليدخل بعدها في صلب الكتاب، بعد أن تقدم بشكره للأديب الجزائري الدكتور عبد العزيز شبّين: "الذي ساهم مساهمة جادة في وضع لبنة هذا الديوان التقريظي"، وبشكره لرئيس تحرير مجلة المرشد الدمشقية: "الشيخ حسين الفاضلي الذي كانت له مساهمات جادة في وضع هذا الكتاب".
تلألأت في الفصل الأول (165) قصيدة وقطعة شعرية من الفصحى كثيره وقليل من الدارج، وأقله من غير العربي، مع شروحات وافية، لأربعة وستين شاعرا من جنسيات ومذاهب مختلفة وأديان متنوعة، فهم حسب تسلسل الحروف الأبجدية لمساقط رأسهم، أو في الدول التي أقاموا فيها او استوطنوها: الأردن: جميل علّوش، خالد عبده، صالح الشافعي، ومحمود فريحات.
أميركا: كريم الأسدي، مرتضى القزويني.
إيران: ابراهيم النصيراوي، وعباس الترجمان.
باكستان: حسن رضا الغديري.
بريطانيا: جابر الكاظمي، غياث طعمة، سلمان توحيدي، محمد أمير حر، ووليد البياتي.
تركيا: محمود ريحاني، ونجم الدين آل داود.
تونس: محيي الدين خريف.
الجزائر: عبد الرحمان عزّوق، وعبد العزيز شبّين.
الدانمارك: حسين صالح، وعباس الحلّي.
السعودية: عادل اللّباد، منير آل نمر، ويحيى الراضي.
سوريا: إبراهيم جواد، أحمد الحارة، أحمد ضحية، أسعد علي، أنور الجندي، جميل حسن، حسين النصيراوي، سلطان علي الصابري، صادق الهلالي، عبد الأمير النصيراوي، عصام عباس، محمد جواد السهلاني، ومرتضى السندي.
السويد: عادل الكاظمي.
العراق: جعفر الشيخ عباس الحائري، رحيم شاهر، رضا الخفاجي، سلمان طعمة، عبد الستار الحسني، علي الحائري، محمد بحر العلوم، محمد زمان الكربلائي، محمد علي الحلاق، وناهض الخياط.
كندا: عيسى حسن الياسري.
الكويت: محمد رضا القزويني.
لبنان: جودت القزويني، حسن طراد، حسن نور الدين، خليل عكّاش، ومحمد مرتضى.
مصر: أحمد شحاته، محمد خفاجه، ومحمد قابيل.
المغرب: جلّول دكداك، محمد أبو القاسم، ومحمد الزهراوي.
اليمن: إبراهيم المداني، أحمد العجري، وعبد الأمير الورد.
والجديد في تراجم الشعراء، أن الفصل جاء بما يشبه الاستبيان وعلى نسق واحد، يقف القارئ على تاريخ ولادة المترجم له ونشأته، ومراحل الدراسة، وبدء الممارسة الأدبية والشعرية ونضوجها، ونظرته الى الشعر، مع خارطة بيانية بنتاجاته الأدبية النثر بعامة والنظم بخاصة، ووجهة نظره بدائرة المعارف الحسينية بشكل عام. وقد أحسن المعد بوضع صورة تشير الى البلد الذي ينتمي اليه الشاعر بالولادة او بالإقامة، وهبت الفصل جمالية ورونقا، فأنت تتقلب بين صورة مغارة إدلب في مدينة إدلب السورية، وقلعة السنّارة في مدينة صعدة اليمنية، ومقام رأس الحسين في القاهرة، ومرقدي الإمامين الجوادين في مدينة الكاظمية بالعراق، ومئذنة مسجد الكتيبة في مراكش بالمغرب، وقبة الصخرة في القدس الشريف بفلسطين، وآثار صور في لبنان، ومسجد باد شاهي في لاهور بباكستان، والقصر الهندي في العاصمة الدانماركية كوبنهاغن، وساعة بيكبين ومبنى البرلمان البريطاني في لندن، والمسجد النبوي في المدينة المنورة، وساحة وبرج الحرية في طهران، والجسر المعلّق في الجزائر العاصمة، ومنظر عام لمدينة مونتريال الكندية، وتمثال الحرية في نيويورك، ومرقد الأميرة أرجمند تاج محل في أكرا بالهند، ومنظر عام لأبراج الكويت، والجامع الخزفي في كوتاهيا بتركيا، ومرقد الشهيد جعفر الطيار في مدينة مؤتة الأردنية، وبرج الرباط في مدينة المنستر التونسية، وغيرها.
ويجد من يقرأ "الزنبقة في التقاريظ المنمقة" سِفرا أدبيا، يستقل معه بساط التقاريظ يحلق فيه عاليا في سماء الموسوعة الحسينية .. هذه الموسوعة التي بدأت تزيح ما ران على قلب التاريخ من أغشية وأغطية،  وقد أصاب الدكتور الشيخ حسين شحاته كبد الحقيقة، عند مخاطبته للمصنف: "وسوف تبقى أنت وموسوعتك على أزمنة التضليل الإعلامي والتعتيم الإعلامي معانداً ضد تزوير التاريخ ومقاوما يغالب بحقائق العلم وكلمة الحق ضد تزوير الحقيقة والإنسان"، وهذه سمة المحقق الجاد الباحث في الزمن الصعب عن الحق من بين ركام الزيف.

* إعلامي وباحث عراقي
الرأي الآخر للدراسات - لندن
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

جدلية المثقف والسلطة

التفاصيل
كتب بواسطة: د. جميل حمداوي
المجموعة: بحوث و دراسات
انشأ بتاريخ: 30 مارس 2002
الزيارات: 9

جــــدليــــة المثقـــف والسلطـــة

الدكتور جميل حمداوي
 

من الظواهر الاجتماعية والثقافية التي فرضت نفسها في الساحة الفكرية اليوم جدلية المثقف والسلطة لما لها من انعكاسات على التنمية والازدهار وتطوير دواليب الاقتصاد والمجتمع قصد اللحاق بمصاف الدول المتقدمة التي تهتم بالمثقف وتسانده على الفعل والعطاء وتبارك ثمراته وتمنحه الحرية والدعم للمساهمة في تنوير المجتمع وتوعيته عبر مراعاة مقاييس الكفاءة والخبرة في إسناد الوظائف والمهام القيادية في تسيير دفة الحكم أو السلطة الإدارية والسياسية. إذا، ما دلالات مفهوم الجدلية؟ وما مفهوم السلطة؟ وما هو المثقف وغير المثقف؟ و ما هي مجمل التصنيفات التي اهتمت بتنميط المثقف والمثقفين ؟ وما هي العلاقات الموجودة بين المثقف والسلطة؟ تلكم هي الأسئلة التي سوف نحاول الإجابة عنها في موضوعنا المتواضع هذا.

1- مفهوم الجدل والجدلية والصراع الجدلي:
يعني الجدل في دلالاته اللغوية الحوار والمناظرة والنقاش الكلامي والاختلاف البناء. ويستوجب هذه الجدل اصطلاحا طرفين فأكثر يتمتعان بالحرية والثقافة الواسعة، فيتم بينهما تخاطب تواصلي الغرض منه الدفاع عن القضية عبر مجموعة من الثوابت المنطقية والمراقي الحجاجية والبراهين العقلية والأدلة والشواهد النصية والذهنية قصد إقناع الخصم بصحة نظر المدعي ووجاهة أطروحته التي ينكرها المدعى عليه، وكل هذا من أجل إفحام الخصم النظير تأثيرا وإقناعا. ويكون التأثير هنا على أساس وجداني عاطفي، أما الإقناع فيكون أساسه عقلي ومنطقي.
وفي الفكر الإسلامي وجدنا كثيرا من التوجهات الجدلية وتمظهرات المناظرة
الحجاجية كما عند فرق علم الكلام (المعتزلة والأشاعرة والماتريدية والشيعة والخوارج والمرجئة)، والمناظرة النحوية المنطقية بين السيرافي ويونس بن متى بله عن مناظرات جدلية أخرى تحفل بها كتب الأدب العام والثقافة الفلسفية والدينية. ولكن الجدل في المفهوم الفلسفي يعني الصراع والتضاد الكمي والكيفي ناهيك عن دلالة التناقض والاختلاف وفلسفة التعاكس. وتوجد ظاهرة الجدل القائمة على الصراع والتضاد والتناقض في جميع مظاهر الكون، وخير دليل على ذلك الثنائيات الكونية:
الليل والنهار، والصباح والمساء، والحياة والموت، والغنى والفقر، والجفاف والخصوبة..... ولا ننسى أن نقول بأن حياة الإنسان بدأت جدليا على مستوى الصراع منذ ظهور أول إنسان على وجه الأرض : فآدم يقابل حواء على مستوى الغواية الجنسية، وقابل يدخل في صراع جدلي مع هابيل، وكان من نتائج هذا الصراع الأخوي نشوء الجريمة الثقافية الأولى وعملية دفن الإنسان. ومن هنا بدأ الصراع بين الكفر والإيمان من خلال صراع ثنائية الخير والشر إلى يومنا هذا بالتماثل مع ظهور الرسائل السماوية وتعاقب الأنبياء والرسل والحكماء.
ومن أهم الفلاسفة المنظرين للجدل نستحضرهيجل وفيورباخ وإنجلز وماركس ورايمون آرون وآخرين.
وعليه، فالجدل عند هيجل يتكون من أقطاب ثلاثة: الأطروحة ونقيض الأطروحة والتركيب. لكن الجدل عند هيجل كان جدلا مثاليا ترجح فيه كفة العقل والفكرة المطلقة على كفة الواقع المادي، ويعني هذا أن العقلي هو الذي يحدد الواقعي وما هو مادي. وبما أنه قد أعطى الأهمية للروح والعقل والفكر في توجيه دفة التاريخ والمعطى المرجعي فقد كان مثاليا على عكس الفيلسوف فيورباخ الذي كان جدليا ميكانيكيا وآليا في تصوراته التحليلية. أما ماركس فقد رفض التصور الهيجيلي المثالي الذي مشّى الجدل على رأسه وليس على رجله كما عدّله أنجلز وماركس.
وينبني الجدل في التوجه الماركسي على الصراع منذ ظهور الشغل وتقسيمه بين أفراد البشر، و المقابلة بين البنى الفوقية والبنى التحتية، بيد أن الأولوية تعطى دائما لما هو مادي واقتصادي وواقعي. وقد أثبت إنجلز في أبحاثه الأنتروبولوجية أن الإنسان كان أصله قردا ، ولكنه تحول إلى إنسان بفضل الشغل والعمل. وهذا ما أثبته ماركس حينما أكد فلسفيا صراع الإنسان الديالكتيكي مع الطبيعة ومع مجتمعه الإنساني بمجرد ظهور الملكية الفردية وخاصية الشغل. ولكن هذا الصراع لم يكن موجودا بشكله الفظيع كما هو في المجتمع الرأسمالي عند الشعوب المشاعية والعبودية والإقطاعية. ولقد أصبح صراع العمال مع البورجوازية صراعا جدليا حول الحقوق والمكتسبات والامتيازات وفائض الإنتاج، ولا ينتهي هذا الصراع الجدلي إلا بانتصار المجتمع الاشتراكي والشيوعي الذي تندثر فيه الملكية الخاصة ، وتصل
البروليتاريا بعد ذلك إلى دواليب الحكم وتسيير آليات الإنتاج. ولكن هذا التصور يرفضه رايمون آرون الذي آمن بتعايش الطبقات الاجتماعية، كما حاول تلميذه ألتوسير أن يقرا الجدل بطريقة بنيوية وعلمية ناضجة تصحح الأخطاء التي وقع فيها ماركس الشاب. لكن التصورات الماركسية لم تنجح مع سقوط الاتحاد السوفياتي وتحوله إلى اقتصاد السوق، وانتهاج الصين الشيوعية لسياسة الانفتاح الرأسمالي، وتقهقر معظم الدول الاشتراكية وانسياقها وراء التيار الليبرالي مع ظهور العولمة واتفاقية الغات. وهناك من ينكر الجدل والصراع الديالكتيكي ، ويوقف التاريخ ويعلن نهايته كما نجد ذلك عند المفكر الياباني فوكـويوما. وبدأنا مؤخرا نسمع عن صراع جدلي بين الحضارات كما في كتاب \" صدام الحضارات\" لصمويل هنتغتون الذي أثبت في كتابه أن الحرب الحضارية في المستقبل ستندلع بين الشرق والغرب وبين
الدين والمادية الغربية.
ولانجد في الفكر الإسلامي هذا التوجه الجدلي القائم على الصراع السلبي ؛ لأن الإسلام يؤمن بالحوار والتعارف والتكامل الثقافي والتعاون، فلا فرق بين الشعوب والأجناس سواء بالألوان أم بالأشكال، بل بالتقوى والعمل الصالح والتدين الرباني الهادف البناء مصداقا لقوله تعالى:\" يا أيها الناس إنا جعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا، إن أكرمكم عند الله أتقاكم\".

2- مفهـــــوم السلـــــطة:
السلطة هي تلك القوانين التي تلزم الحكام والمحكومين بمراعاتها وتنفيذها
والاحتكام إليها. كما أنها عبارة عن حقوق وواجبات يلتزم بها المجتمع والطبقة الحاكمة في إطار عقد اجتماعي وسياسي أوتنازل الشعب عن مجموعة من الحقوق بشكل كلي أو نسبي للحاكم ليوفر للرعية ما تحتاج إليه من مستلزمات ضرورية كالشغل والتعليم وتوفير الحرية والآمان والسكن في مقابل واجبات يقوم بها المحكوم. لكن تبقى السلطة حلم كل فرد في المجتمع؛ لأنها تتعلق بالامتيازات والأبهة والمكانة السامية والثروة، وتنقل الإنسان من مرتبة دنيا إلى مرتبة عليا. وتساهم الرغبة في امتلاك السلطة في إذكاء فتيل الصراعات والحروب والانقلابات السياسية والعسكرية، و خلق التفاوت الطبقي والهرمي، وتوليد الحقد الاجتماعي بين العمال من فلاحين وصناع وحرفيين ورعاة ضد المثقفين من جهة والحكام من جهة أخرى.
وتنبني السلطة على مقياسين أساسيين وهما: المنفعة المادية والمتعة الوجدانية. ومن ثم، كانت السلطة في مرحلة الطبيعة ترتكز على القوة والبطش والقهر والعنف الطبيعي ، و كان البقاء في الحياة للأقوى والأصلح ، وكان الكل يحارب الكل كما يصور ذلك هوبز في كتابه \" التنين\" ، و بالتالي، تحول الإنسان في عالم الطبيعة إلى ذئب لأخيه الإنسان. وهذا مادفع الفلاسفة للتفكير في مجتمع يحتكم إلى القانون والقواعد والعلم واحترام الآخرين وسموه بمجتمع الدولة وسيادة السلطة وإرساء دولة الحق والقانون كما نجد ذلك عند جان جاك روسو وكلود ليفي شتروس وهنري ميشو وبنجمان كونستان . ومن هنا أصبح الحديث عن نوعين من السلطة:
سلطة الإلزام والإكراه كما في المجتمعات الدكتاتورية والمستبدة والاستعمارية، وسلطة الالتزام والواجب القائمة على احترام الحريات والقانون والاحتكام إلى الفضيلة كما في المجتمعات الديمقراطية.
هذا، ويرتبط مفهوم السلطة بالحكم والحاكم والفئة الحاكمة أوالسلطة التنفيذية. وقد تكون السلطة وراثية أو قائمة على الشورى. كما تكون ديكتاتورية مطلقة أو ديمقراطية أو أرستقراطية أو تيوقراطية أوبيروقراطية أو أوليغارشية ( حكم الأقلية). وغالبا ما تغلف هذه السلطة بقناع الإيديولوجية والديماغوجية والاعتماد على القهر والتسلط والتجبر والتحكم في رقاب العباد قسرا وجبرا. ومن ثم، تعرض علاقة الحاكم بالمحكوم أو السلطان بالرعية على محك النقد والتنظير، فتنشأ الآداب السلطانية أو السياسة الشرعية التي تهدف إلى وضع شرائع ودساتير سواء أكانت عرفية أم مكتوبة أو سواء أكانت جامدة أم مرنة من أجل تقنين سلطة الحاكم والمحكوم في إطار الحقوق والواجبات. وعندما تسيطر الفئة الحاكمة بالتعيين أوبالاختيار فهي التي سيكون لها الحكم والقرار في تسيير شؤون البلاد
إما بطريقة ديمقراطية أو استبدادية تعسفية تستند إلى الشطط والقهر والقمع والتعذيب وكبت الحريات والنفي والاعتقال ومصادرة حقوق الإنسان وأملاكه.
هذا ويعرف فاولر Fowler السلطة بأنها\" قدرة الأشخاص والمؤسسات على مراقبة سلوك الآخرين وحياتهم اليومية.... وينتج عن هذا الوضع تماثل في العلاقات\". ويعني هذا أن السلطة هي أوامر ونواه تواصلية فوقية توجه من الحكام إلى الرعية والجماهير الشعبية لتنفيذها، أومراقبة الآخرين ومحاسبتهم بشكل يومي، ومن هنا ينتج ذلك الصراع الجدلي والطبقي بين الحاكمين والحكام من خلال الميل الشعوري واللاشعوري إلى امتلاك السلطة وزمام الحكم.
هذا، وترتبط السلطة بتنفيذ القرارات وتتداخل مع عدة مفاهيم كالحق والقانون والحرية والعدالة والمؤسسة والنظام والشرعية والتراتبية الهرمية والدستورية والالتزام بكل ماهو رسمي وسياسيي، وتعتمد في التنفيذ على القوة المادية والمالية والمعنوية.
ويدخل في نظام السلطة الحاكم سواء أكان ملكا أم رئيسا أم أميرا، ثم الحكومة بطاقمها الوزاري والأطر التنفيذية من قمة الهرم السيادي إلى أدنى مرؤوس مرورا بمؤسسات التشريع الدستوري والقضائي والبرلماني إلى أصغر موظف حكومي وخلية مؤسساتية وهي الجماعة المحلية والقيادة. وفي المغرب – مثلا- تتمظهر السلطة في ثنائية الملك والمخزن، وفي مقابل السلطة نجد الشعب والمجتمع المدني والمثقفين والنقابات، أما الأحزاب فهي مواقع وسيطة بين السلطة والرعية تقوم بأدوار دفاعية وتأطيرية وإيديولوجية.

3- مفهـــــــوم المثقـــــف:
من المعروف أن الحضارة هي نتاج بشري مرتبطة بالجهد الإنساني والعمل الدؤوب والزمن التاريخي. وتتأسس الحضارة على مقومين بارزين: مقوم مادي يتمثل في التكنولوجيا، ومقوم معنوي يتجسد في الثقافة. ولتحقيق الحضارة لابد من صيرورة عملية وإنتاجية وإبداعية مكثفة و مستمرة عبر التاريخ والزمن لجني الثمار المادية والمعنوية.
وعليه، فالثقافة هي كل ما يتعلق بالعلوم والفنون والآداب والمعتقدات والصناعات التقنية والأديان. وبتعبير آخر الثقافة هي هذه\" المجموعة المعقدة التي تشمل المعارف والمعتقدات والفن والقانون والأخلاق والتقاليد وكل القابليات والتطبيقات الأخرى التي يكتسبها الإنسان كعضو في مجتمع ما\" . ويعني هذا أن الثقافة تشمل المعطيات الفكرية والعاطفية والمادية، وقد وعرفها أنور عبد الملك بأنها\" كل ما يصور تجارب الإنسان- شعرا، ونثرا، ولونا، ونغمة، وشكلا، وصورة.
كل تعبير- أيا كان شكله، ونمطه، وهدفه، وأصالته، ونوعيته. كل ما من شأنه أن يخرج أحوال الناس من برجها الذاتي... إلى ساحة الإدراك...والتذوق والفاعلية\".
وإذا كانت الشعوب البدائية تعرف بالاحتكام إلى الطبيعة وسننها وقوى الأسطورة أو الميتوس، فإن الشعوب المتحضرة تحتكم إلى الثقافة واللوغوس. أما كلمة المثاقفة Acculturation فهي عملية انصهار الحضارات وتبادل المعارف والثقافات بين الشعوب من خلال الاحتكاك الثقافي والترجمة والاطلاع على أراء الآخرين. كما أن المثقف هو الشخص الذي يمارس العمل الذهني والتفكير وينتج الآداب والعلوم والفنون و يخترع التكنولوجيا. ويعرف المثقف بأنه ذلك الشخص الذي ينتج كل الدوال اللفظية والبصرية من شعراء وناثرين وكتاب وموسيقيين وفلاسفة وتشكيليين وسينمائيين ومسرحيين... وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على مدى تعدد فروع الثقافة وكثرة أقطابها ومسالكها وتعدد مزاوليها من البشر. ويمكن أن نميز مع
أنور عبد الملك بين المثقفين ( بفتح القاف) والمثقفين( بكسر القاف). فالفئة الأولى من المثقفين هم المتعلمون العاديون الذي يشتغلون بكل ماهو ذهني ابتداء من المربي والقارئ العادي إلى المرؤوس والمنفذ. أي كل من يعرف القراءة والكتابة؛ ولكن غير قادر على قيادة المجتمع وتنويره ثقافيا بسبب عجز هذا المثقف عن الإبداع والإنتاج الفكري. أما الفئة الثانية فالمقصود بها\"الذين يشتغلون في أعمال تسعى لنشر الثقافة بين الجماهير الواسعة من الناس..أو إلى تكوين فئة المثقفين العاديين\"
وتتمثل منابع الثقافة عند المثقف المتنور في المصدر الطبيعي من خلال استغلال الطبيعة واستثمارها والصراع معها جدليا للتحكم فيها مخافة من رعبها وكوارثها الخطيرة التي تهدد حياة الإنسان وبقاءه. و لا يقتصر هذا الصراع على ما هو طبيعي فقط، بل يتعداه إلى الصراع الداخلي، والصراع مع الأفراد من بني مجتمعه، والصراع مع مقابله الجنسي الذي يتمثل في المرأة، ناهيك عن الصراع الاجتماعي والصراع الطبقي. والهدف من الثقافة هو تحقيق المتعة الوجدانية والمنفعة المادية. أي إن المثقف يعبر عن نقص شعوري ولاشعوري وحرمان على مستوى تحقيق الرغبات والنزوات والإشباع المادي. ومن ثم، فالثقافة تعويض عن النقص والحرمان والكبت. وتستلزم الثقافة إلى جانب المتعة والمنفعة ثنائيات أخرى كاللعب والعمل والشكل والمضمون والعقل والعاطفة. ويقول بوعلي ياسين\" إن المثقف الأديب أو الفنان لايقدم
مضمونا أو شكلا، بل يقدم نفعا و/أو إمتاعا. ولايمكن أن يكون هناك عمل فني دون مضمون، تثقيفي أو إمتاعي. إنما الخلاف على الأولوية بين المضمون والشكل. لولا وجود الصراع الطبقي، أي لو لم يكن الاستغلال والاضطهاد من مكونات مجتمعنا، لما اختلفنا مع أحد حول أن الشكل هو المقياس الوحيد في النقد الفني أو الأدبي، والأصح أن نقول: لولا الصراع الطبقي، لما كان ثمة فرق بين المضمون والشكل، ولكانت مقاييس الجمال في جوهرها واحدة في تقييم الأعمال الفنية لدى كل مجتمع أو لدى كل جماعة بشرية في مرحلة زمنية معينة\".
ويختلف المثقف الاحترافي الفردي المتخصص أو الموسوعي عن المثقف الشعبي الذي يبدو فاعلا جماعيا يعتمد على الذاكرة الجماعية و يحمل في جعبته هموم الطبقة الكادحة، ويعبر عنها بطريقة عفوية ساذجة أو ثورية أو يذعن في تعبيره لسلطة الفئة الحاكمة خوفا وتذللا . ومن سمات هذه الثقافة: الرواية الجماعية والذاكرة والعراقة والواقعية والشفوية وعدم التدوين.
وعند دراسة المثقف لا بد من مراعاة الذاتي والموضوعي، ومقاربة منتوجه أفقيا وتحتيا، وذلك بريط كل ماهو ثقافي وفني وجمالي بالبنى التحتية المرجعية الاقتصادية والاجتماعية والتاريخية والنفسية والرؤى الإيديولوجية. ولابد من تحديد مجموعة من الضوابط أثناء الحديث عن المثقف ونحصرها في العناصر التالية:
أ‌- المنبت الطبقي للمثقف أثناء نشأته؛
ب‌- وضع المثقف الطبقي الآن، أي وضعه الاجتماعي في الحاضر والمستقبل الذي قد لايتطابق مع منبته الأصلي،
ت‌- الوعي الطبقي وهو وعي سياسي للصراعات الطبقية، ووعي ذاتي لموقف المثقف المعني منها؛
ث‌- الموقف أو الموقع الإيديولوجي الذي يكون مرتبطا بالوعي الطبقي، أو يكون مستقلا عنه، إنما نابعا من تجربة طبقية راسخة في النفس وفاعلة هنا.
وللتمثيل على هذه المحددات الأربعة نورد تصريحا للكاتب الأمريكي أوديتس (1906- 1963) أمام لجنة الكونغريس للنشاط الأمريكي:\" حاولت دائما أن أكتب، ليس انطلاقا من أية موضوعات ترتبط بجانب واحد من نفسي، بل انطلاقا من موضوعات محورية وثيقة الصلة بحياتي ذاتها. وأذكر أنني قررت في لقائنا الأخير أنني إذا كنت قد انفعلت تجاه مواقف معينة من الفقر، فهذا لأن أمي كانت تعمل في مصنع جوارب في فيلادلفيا في سن الحادية عشرة وماتت امرأة محطمة- وعجوزا- في سن الثامنة والأربعين عندما أكتب، ياسيدي، انطلاقا من الشيوعية\".
فهذا النص يشير بكل جلاء إلى المنبت الأصلي للمثقف ووضعه الحالي ، كما يعكس لنا وعيه الطبقي والإيديولوجي.

4- تصنيف المثقفين:
ثمة تصنيفات عدة للمثقفين تدل على كثرة المقاربات وتنوع مصادرها واختلاف رؤى أصحابها الفكرية والإيديولوجية. وغالبا ما يصنف المثقف ضمن الطبقة المتوسطة لكونها فئة وسيطة بين الطبقة العليا التي تملك السلطة والنفوذ والجاه والقرار والامتيازات والطبقة الدنيا وهي الطبقة البروليتارية من فلاحين وعمال ورعاة وحرفيين. ويتمثل دور هذه الطبقة في توعية الجماهير الشعبية وتنويرها وتأطيرها مادام المثقفون لهم دور الريادة في توجيه دفة المجتمع وقيادته وإرشاده، ومن هنا تأتي أهمية الرسالة المنوطة بالمثقف وهي رسالة مقدسة ومسؤولية عظمى. ولكن المثقف لا يميل دائما إلى صف العمال والجماهير الكادحة، فقد يتطلع إلى الطبقة الحاكمة ليستفيد من منافعها وامتيازاتها المعنوية والمادية ، وبهذا يتسلق طبقيا ويصبح بوقا للسلطة الحاكمة الجبرية وداعيا إيديولوجيا مخدرا يقدم التبريرات ويعطي المشروعية للنظام وما تقوم به السلطة الحاكمة من أعمال وإنجازات. ومن ثم
يعمل المثقف على نشر أفكار الطبقة الحاكمة ويساهم في الاستلاب والاستغلال والاضطهاد.
وهناك من المثقفين من يعبر عن طبقته الاجتماعية ويناضل من أجلها كما هو شأن الروائي المغربي عبد الكريم غلاب في روايتيه: \" دفنا الماضي\" و\"المعلم علي\"، وهناك من يتسلق إلى الطبقة الحاكمة ويتناسى جذوره الاجتماعية كما هو شأن نجيب محفوظ في مرحلة السادات ومرحلة محمد حسني مبارك، إذ أصبح هذا الكاتب المحترم بوقا لسياسة الانفتاح والتطبيع مع إسرائيل ، ناهيك عن الفنان المتميز عادل إمام الذي أصبح بدوره قناة إيديولوجية في مصر يعبر عن سياسة الحزب الحاكم.
وهناك من ينتمي إلى الطبقات العليا كالطبقة الأرستقراطية، ولكنه ينزل إلى الشعب ليدافع عن الطبقات الكادحة مثل هونوري بلزاك في رواياته وكتاباته الإبداعية، ومن الذين تنكروا لطبقتهم الاجتماعية شكسبير في كثير من مسرحياته وگوته في مسرحيته\" فاوست \". وعلى الرغم من انتماءاتهما الإقطاعية وكونهما من أصحاب النفوذ والجاه فإنهما كانا يناصران الطبقة البورجوازية المتنورة والمتطلعة إلى الحرية والمستقبل والازدهار. ومن الثقافة العربية نذكر ابن خلدون الذي عاش في القصور مع السلاطين والأمراء، ولكنه كان يدافع عن الطبقات الاجتماعية المتضررة ، ويحمل فكرا تنويريا كما توضح ذلك نظريته في العمران البشري، وكما
صورته أيضا رواية\"العلامة \" لبنسالم حميش.
وهناك من يصنف المثقف إيديولوجيا إلى المثقف الرجعي في مقابل المثقف الثوري أو المثقف المحافظ مقابل المثقف التقدمي أو المثقف الاشتراكي مقابل المثقف الليبرالي أو مثقف اليمين مقابل مثقف اليسار أو المثقف المناضل المخلص الصادق مقابل المثقف المزيف، وهناك من يرتب المثقف حسب الهرم الاجتماعي فيقول مثقف الطبقة العليا ومثقف الطبقة المتوسطة ومثقف الطبقة الصغيرة.

أ‌- تصنيف المثقفين في الغرب:
حاول كثير من الدارسين والفلاسفة تصنيف المثقفين حسب رؤاهم الإيديولوجية
وتوجهاتهم الفكرية والسياسية والحزبية نذكر على سبيل التمثيل لا على سبيل الحصر: ماركس وإنجلز ولوكاش ولوسيان فولدمان وأنطونيو فرامشي وكارل مانهايم وفورفيتش...
فجورج لوكاش يقدم تصنيفا واقعيا ممزوجا بالمادية الجدلية حيث يصنف المثقفين المبدعين إلى المثقف المثالي كما في رواية \"دونكيشوت\" لسيريفانتيس حيث نجد الذات أصغر من الواقع، والمثقف الرومانسي حيث الذات أكبر من الواقع كما في رواية \"التربية العاطفية\" لفلوبير، والمثقف المتصالح الذي يتكيف مع الواقع كما في رواية \" سنوات تعلم فلهلم مايستر\" لگوته. ولكن لوكاش يدافع عن المثقف الإيجابي الاشتراكي الذي يتمثل في تولوستوي الذي ألف روايات ذات البطل الجماعي الإيجابي.
أما لوسيان فولدمان فينطلق من البنيوية التكوينية ليقدم تصنيفا يتماثل فيه الأدب باعتباره بنية جمالية مستقلة مع الواقع السوسيواقتصادي من خلال التركيز على المثقف الإشكالي الذي يحمل قيما أصيلة يريد أن يفرضها في واقع منحط يحبل بالقيم المنحطة التبادلية المتعلقة بالسوق الرأسمالية التي لاتعترف سوى بالبضائع وتبادل السلع وتأليه الأشياء والاستهلاك على حساب القيم الأصيلة والقيم الاستعمالية. و يتردد المثقف الإشكالي في هذا التصور البنيوي التكويني جدليا بين الذات والموضوع ويجمع بين خصائص إيجابية تتمثل في دفاعه عن القيم الأصيلة وخصائص سلبية تكمن في عدم إنجازيته وفشله الذريع في تغيير الواقع، وبالتالي تصبح هذه الشخصية حسب ميشيل زيرافا شخصية غير منجزة ولا مكتملة في دورها التحريضي والتغييري.
وقد ميز كل من إنجلز وماركس بين نوعين من البنى: البنية الفوقية التي يمثلها المثقفون أصحاب الإيديولوجية، والبنية التحتية التي تتمثل في الجانب المادي الذي يحدد وعي المثقفين ومنطلقاتهم الفكرية والاجتماعية. ويعني هذا أن الثقافة نتاج الواقع المادي الاقتصادي والاجتماعي والسياسي. يقول ماركس في مقدمة كتابه\"مساهمة في نقد الاقتصاد السياسي \" بأن البشر يدخلون في\"علاقات محدودة، ضرورية، مستقلة عن إرادتهم. وهي علاقات إنتاج تناسب درجة محددة من تطور قواهم الإنتاجية المادية، وجملة علاقات الإنتاج هذه تكون البنية الاقتصادية للمجتمع، أي القاعدة الملموسة التي تنبني عليها بنية فوقية قانونية وسياسية والتي تناسبها أشكال معينة من الوعي الاجتماعي. إن نمط إنتاج الحياة المادية يكيف
سيرورة الحياة الاجتماعية والسياسية والفكرية بصفة عامة، وليس وعي الناس هو الذي يحدد وجودهم، بل يحدد وجودهم الاجتماعي وعيهم، إن قوى المجتمع الإنتاجية المادية في مرحلة ما من تطورها تكون في تناقض مع علاقات الإنتاج الموجودة أو مع ماليس إلا تعبيرا قانونيا عنها، أي علاقات الملكية التي تغيرت داخلها ( هذه القوى) حتى تلك المرحلة. وبعد أن كانت هذه العلاقات أشكال تطوير للقوى الإنتاجية تصبح قيدا لها.
وهكذا تبدأ فترة الثورة الاجتماعية. فتغير القاعدة الاقتصادية يحدث تغييرا سريعا على حد ما في البنية الفوقية الضخمة، وعند اعتبار هذه التغيرات يجب التمييز دائما بين التغير المادي لظروف الإنتاج الاقتصادي الذي تمكن معاينته بطريقة علمية محكمة وبين الأشكال القانونية والسياسية والدينية أو الفلسفية، أي باختصار الإيديولوجية، التي فيها يعي البشر هذا النزاع ويقودونه حتى منتهاه. وكما أنه لا يحكم على فرد استنادا إلى الفكرة التي له عن نفسه، كذلك لايمكن الحكم على فترة التغير استنادا إلى وعيها لذاتها، يجب على عكس ذلك تفسير هذا الوعي بتناقضات الحياة المادية، أي بالنزاع الموجود بين القوى الإنتاجية وبين علاقات الإنتاج\".
وإذا كان كارل ماركس يركز على العوامل المادية والاقتصادية في تحريك البنى الفوقية وتمثلاتها الثقافية، فإن ماكس فيبرMAX WEBER يرجع ظهور الفكر الرأسمالي إلى الخلفيات الدينية والبروتستانتية، ومن ثم يدافع ماكس فيبر عن العوامل الروحية والدينية في تحريك المادية التاريخية، وهذه النظرية هي تماما نقيض نظرية ماركس.
ويعتبر أنطونيو فرامشي المنظر الأول بامتياز للمثقف والمثقفين،ويستلهم تصورات إنجلز وماركس ويوظف مفهوم الكتلة التاريخية في تصوير الوحدة العضوية الموجودة بين البنية الفوقية والبنية الاجتماعية\" تشكل البنية مع البنى الفوقية كتلة تاريخية واحدة، بمعنى أن المجموع المركب المتناقض للبنى الفوقية هو انعكاس لمجمل علاقات الإنتاج الاجتماعية.... ويعتمد هذا التحليل على التفاعل الضروري بين البنية والبنى الفوقية ( وهذا التفاعل هو العملية الديالكتيكية الحقيقية)\"
وتضم البنية الفوقية حسب فرامشي مستويين أساسيين يطلق عليهما گرامشي المجتمع المدني والمجتمع السياسي\"\" يمكننا تعيين طابقين اثنين في البنى الفوقية.
الأول نسميه طابق المجتمع المدني أي جملة المؤسسات التي تسمى تداولا مؤسسات خاصة، أما الثاني فطابق المجتمع السياسي أو الوظيفة القيادية التي تعبر عنها الدولة أو الحكومة القانونية\" .
ويصنف فرامشي بين نوعين من المثقفين : المثقف العضوي والمثقف التقليدي، فالمثقف العضوي هو المثقف التقدمي الذي يدافع عن الطبقات الاجتماعية المتنورة التي تدعو إلى التقدم والسير نحو الأمام وتعبر عن الكتلة التاريخية المادية الجديدة، بينما المثقف التقليدي هو الذي ما يزال يدافع عن الطبقات الاجتماعية المحافظة المنقرضة أو أوشكت على الإفلاس والانقراض:\" كل طبقة اجتماعية تولد أصلا على أرضية وظيفة أساسية في عالم الإنتاج الاقتصادي تخلق عضويا- وفي نفس الوقت الذي تولد فيه- شريحة أو شرائح من المثقفين يزودونها بتجانسها وبوعيها لوظيفتها الخاصة لا في الميدان الاقتصادي فحسب، بل في الميدان السياسي والاجتماعي أيضا: فصاحب المعمل الرأسمالي خلق معه مهندس الصناعة وعالم الاقتصاد السياسي ومنظم الثقافة الجديدة والقانون الجديد، إلى آخره\".

ب‌- تصنيف المثقفيـن في الفكر العربي:
لقد ظهر الاهتمام بالمثقف بعد نكسة حزيران سنة 1967م لتقويم دور المثقف وتـبيان وضعيته الحقيقية داخل المجتمع وموقفه الحضاري ورؤيته الإيديولوجية وعلاقته بالسلطة إيجابا وسلبا. وقد شمل الحديث عن المثقف التقليدي والمثقف الحداثي ضمن توجهات ورؤى مختلفة: فلسفية، وسياسية، وفكرية، وسوسيولوجية، وأدبية...
ومن هؤلاء الدارسين والمنظرين نستحضر عبد الله العروي في \"الإيديولوجية
العربية المعاصرة\" و\"أزمة المثقفين العرب\"، وأنور عبد الملك في كتابه\" دراسات في الثقافة الوطنية\"، وسيد عويس في كتابه\" حديث عن الثقافة ، بعض الحقائق المصرية المعاصرة\"، و\" وطيب تيزيني في \" مشروع رؤية جديدة للفكر العربي في العصر الوسيط\" و\" حول مشكلات الثورة والثقافة في العالم الثالث\"، وهشام شرابي في كتابه\" المثقفون العرب والغرب\"، وأمير إسكندر في كتابه\" تناقضات في الفكر المعاصر\" ومهدي عامل في كتابه\" أزمة الحضارة العربية أم أزمة البورجوازيات العربية؟\"، والسيد ياسين في\" التحليل الاجتماعي للأدب\"، وأدونيس في مقاله\" خواطر حول مشكلات التعبير والاتصال الشعريين في المجتمع العربي \" ،وعلي حرب في كتابه\"أوهام النخبة أو نقد المثقف\"، وبوعلي ياسين في كتابه\"ينابيع الثقافة ودورها في الصراع الاجتماعي\" و كتابه المشترك مع نبيل سليمان تحت عنوان:\" الأدب والإيديولوجيا في سورية \" والطاهر لبيب في كتابه\" سوسيولوجيا الثقافة\".....
ومن التصنيفات التي نذكرها للمثقف ما قام به بوعلي ياسين في كتابه\" ينابيع الثقافة ودروها في الصراع الاجتماعي\" حيث حدد سبع فئات من المثقفين وهي:
\"1- فئة تعبر عن التوجهات الرجعية للطبقات العليا.
2- فئة متنورة من الطبقات العليا ماتزال تحمل شيئا من مسؤولية قيادة المجتمع.
3- ثالثة تمثل شريحة من الطبقات الوسطى والدنيا المرتبطة بالطبقات العليا، النازعة على التسلق الطبقي، ومنها تكونت البورجوازية الجديدة.
4- رابعة ذات إيديولوجيا وسطية ومواقف مستقلة بين اليمين والبورجوازي الأرستقراطي واليسار البروليتاري.
5 خامسة من الطبقات المتوسطة ذات توجه يساري منحاز إلى الطبقات الدنيا.
6 – سادسة تضم مثقفين اشتراكيين من أصول أرستقراطية ورأسمالية.
7- سابعة تنتسب إلى الطبقات الدنيا واقعا وفكرا.\"
أما عبد الله العروي في كتابه \" الإيديولوجية العربية المعاصرة\" فيحدد ثلاثة أنماط من المثقفين حسب الوعي الإيديولوجي: المثقف السلفي، والمثقف الليبرالي، والمثقف التقني.
وشخصيا يمكن الحديث عن نوعين من المثقفين: مثقف التغريب الذي يتخذ الغرب مرجعا للتقدم والازدهار، ومثقف التأصيل الذي يعتبر التراث محكا للحداثة الحقيقية ونقطة انطلاق للسير نحو آفاق المستقبل، وذلك بالحفاظ على الهوية والذات مع الانفتاح على كل ما هو مستحدث وجديد. و يترجم لنا هذا التصنيف إشكالية الأصالة والمعاصرة و جدلية الماضي والحاضر.

العلاقة بين المثقف والسلطة:
إن العلاقة بين المثقف والسلطة قد تكون علاقة جدلية مبنية على التحدي والنقد والنضال المستميت والصمود والصراع من أجل تحقيق الحرية وإحقاق حقوق الإنسان وإبطال الباطل و تقويض دعائم الفساد السياسي ، و غالبا ما يكون رد فعل أصحاب السلطة تجاه هذا المثقف العضوي هو استعمال الضغوطات المعنوية والمادية من نفي واعتقال وتعذيب أو استعمال خطاب اللامبالاة والإقصاء والتهميش وطرده من وظيفته أو اللجوء إلى تسييجه بالإقامة الجبرية. ويصبح المثقف هنا بمثابة فاعل ثوري ملتزم بالمبادئ التي يؤمن بها ، يقوم بوظيفة التوعية والتنوير والتأطير ويتحول إلى رمز ثوري ومناضل بروميثيوسي.
وهناك من المثقفين من يتصالح مع السلطة ويتكيف مع الواقع ويتأقلم مع النظام ويتحول إلى بوق سياسي ومحام يدافع عن النظام السياسي الحاكم و يحمل إيديولوجية السلطة القائمة على شؤون البلاد، ويوصلها بعد ذلك في خطاب ديماغوجي إلى الجماهير الشعبية دفاعا عنها وتبريرا لها قصد أن يعطي لها المشروعية والصلاحية ويغطي بغرباله الفكري والسوفسطائي على أخطاء وهفوات الطبقة الحاكمة.
وهناك من المثقفين من يلتزم بالحياد والصمت ، ولا يحرك ساكنا أوجامدا، وإذا أفصح فإنه يعبر عن مواضيع مجترة عفا عنها الزمن ودرس، لاعلاقة لها بما يؤرق هموم الجماهير الشعبية الكادحة، فيحلق هذا المثقف في سماء الخيال والتجريد بعيدا عن الواقع ومشكلاته، ويسبح في أحلام يوتوبية واستشراف لآفاق رومانسية وردية بعيدة عما يعانيه الناس من فقر وبطالة وظلم وصراع طبقي واجتماعي وإحباط وقهر وقمع... ويصبح هذا المثقف عبارة عن مخدر أو مسكن يدغدغ عواطف الطبقات الاجتماعية الدنيا.
 
خاتمـــــة:
تلكم هي أهم الملاحظات المتعلقة بالجدلية والمثقف والسلطة، وتلكم كذلك أهم التصنيفات التي نمّطت المثقف والمثقفين في الفكر الغربي والفكر العربي. وقد أثبتنا أن هناك ثلاث علاقات جوهرية بين المثقف والسلطة، ويمكن اختزالها في علاقة التحدي التي ينهجها المثقف العضوي ضد السلطة المستبدة حيث يدخل معها في صراع نضالي قصد نصرة الحق والتصدي للفساد، وعلاقة استلاب التي يمثلها المثقف المتأقلم الذي لا يهمه سوى خدمة مصالحه الشخصية والدفاع إيديولوجيا وديماغوجيا عن مصالح الطبقة الحاكمة ، وعلاقة الحياد التي يمثلها المثقف الرومانسي الذي يلامس المشاكل الإنسانية بسطحية وتخييل ذاتي مجرد و تعبير رمزي غامض .

  1. حوار مع بهاء طاهر
  2. بصمات فن المقامة في السردي الأوربي
  3. الرد على دكتورة علم النفس الامريكية وفاء سلطان 1
  4. تناصية الموت مع المعرفة والحياة

الصفحة 42 من 66

  • 37
  • 38
  • 39
  • 40
  • 41
  • 42
  • 43
  • 44
  • 45
  • 46

المتواجدون الآن

87 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

البحث

اشترك في نشرتنا البريدية

انضم إلى مجموعتنا على Google لتصلك آخر الأخبار عبر بريدك الإلكتروني.

اشترك في نشرتنا البريدية

منطقة الأعضاء

  • تسجيل الدخول
  • كاتب جديد؟
  • نسيت كلمة المرور؟
  • نسيت اسم المستخدم؟
  • أرسل مشاركة

آخر مواضيع المنتديات

لايمكن العثور على التغذية الإخبارية

مواقع شقيقة

  • منتديات مجلة أقلام
  • المرشد في الإداراة
  • الشاعر سامر سكيك