بحوث و دراسات
- التفاصيل
- كتب بواسطة: أحمد طايل
- المجموعة: بحوث و دراسات
- الزيارات: 8
حوار اجراه (أحمد طايل)
كاتب مصرى
بهــاء طاهــر
الحلم المصري وأبنـاء رفاعــة ..
الكتابة كانت بالنسبة لي نوعا من المغامرة
قدمني عملاق القصة يوسف إدريس
المعاناة الأساسية للكاتب هي صراعه الدائم مع اللغة
لا ولن أتدخل في عمل لي يتم تحويله للتليفزيون فالسيناريو رؤية السيناريست الفنان
تمهيد
ما أصعب الحوار مع أديب كبير له اسمه القوي في عالم الأدب وعالم الثقافة وله مواقفه المسجلة له في كثير من القضايا .. فالأحاسيس سوف تدخل معك إلى دوامة ومتاهة تساؤلات عدة .. من أين تكون البداية .. وكيف تكون القضايا المثارة ..
وكيف .. وكيف .. ؟ والعديد من التساؤلات.. هذا بالضبط هو إحساسي لحظة لقائي للحوار مع الأديب الكبير ( بهاء طاهر ) .. وهو عضو أساسي في الحركة الأدبية ، وللحقيقة فإننا حينما نذكر الحركة الأدبية نتذكر على الفور ودون أي محاولة للتفكير جيل الستينات .. هذا الجيل المؤثر .. الجيل الإيجابي في تاريخ الحركة الأدبية المصرية .. وبهاء طاهر واحد من أبناء هذا الجيل وله بصمته الخاصة .. لنعد إلى الوراء في محاولة للإبحار في عالمه .. من نقطة البدء وحتى معترك الفن والإبداع ..
* بالتأكيد إن إحساسك سوف يدفع بك إلى متاهة .. من أين يبدأ .. ومن أين يكون .. لنعد إلى الوراء .. إلى سنوات طويلة.. رحلة إبداعية .. رحلة إبحار في عالم الأدب والثقافة الجميل .. ماذا تقول عن هذه الرحلة ..؟
ـ إذا أردنا الحديث عن بدايات الإبداع من الصعب جدا أن نحدد لها لحظة معينة أو تاريخ معين .. بالنسبة لي بدأت البدايات التجريبية الأولى أثناء الدراسة .. حيث كنا نجد الرعاية والاهتمام والتزام بالنواحي الثقافية .. لقد حزت على المركز الأول في القصة وأنا في الصف الرابع الابتدائي ولك أن تتصور تلميذ صغير في بدايات العمر يحتفي به في مجال الأدب في وقت كان نجم المجتمع الأول العلامة \"طه حسين\" وفي هذا دلالة على مكانة الأدباء في هذا الزمان ، وفي مرحلة الجامعة كانت هناك ما يشبه الجمعية الأدبية أو الملتقي الأدبي .. كانت هذه الملتقيات تضم بين صفوفها مجموعة من الكتاب والأسماء الذين كانوا شبابا في حينها .. فهم على سبيل المثال .. رجاء النقاش وشقيقة وحيد النقاش .. والشاعر
عبد المنعم عواد يوسف .. كامل أيوب .. كانت المجموعة تضم مجموعة من مختلف المشارب والاتجاهات .. ولكل منهم مصادره الثقافية الخاصة به .. فهناك من يدرس بقسم اللغة الإنجليزية أو الفرنسية أو الفلسفة مثل الأستاذ / حسن حفني .. وكان يجمع بيننا لقاءات دورية لمناقشة أعمالنا .. ولكن البداية الحقيقية من الممكن أن تكون حينما بدأنا مغامرة النشر في أوائل الستينات .. وكان النشر في هذه الفترة مغامرة صعبة .. منابر النشر في هذه الفترة كانت محدودة .. القليل جدا الذي كان يقوم بنشر الأعمال الأدبية مثل مجلة \"المجلة\" التي كان يشرف عليها كاتبنا الكبير \" يحيي حقي \" .. وأيضا الملحق الأدبي للمساء الذي كان يشرف عليه الأستاذ / عبد الفتاح الجمل ..
الكتابة كانت بالنسبة لنا نوع من المغامرة .. وأحب أن ألفت إليها النظر بالنسبة للجيل الجديد .. أننا كنا نعتبر نشر قصة قصيرة لأي واحد منا مناسبة جديرة بالاحتفال والاحتفاء .. في الوقت الحالي هناك العشرات من المنابر التي يمكن أن ينشر بها الكاتب سواء في مصر .. أو الوطن العربي أو حتى صحف المهاجر التي تصدر بالعواصم الأوروبية مثل لندن و باريس .. وهذا أمر لم يكن متوافرا أو متاحا لنا على أيامنا .. كانت بالفعل الكتابة نوع من المغامرة .. أما النشر فكان بحق هو المغامرة الصعبة ...!!
أما عن تجربتي الخاصة .. فقد كان من حظي السعيد والذي أعتز به إلى الآن غاية الاعتزاز أن أول قصة تم نشرها لي كانت بمجلة \"الكاتب\" وقدم لها عملاق القصة القصيرة \" د. يوسف إدريس \" قدمها بكلمات أخجل تكرارها مرة أخرى .. وهذا الأمر كان بالنسبة لي دفعة كبيرة في بداية مشواري .. وهذا الأمر يجعلني أقول أنني مدين للأدباء الجدد في القاهرة أو غير القاهرة .. بأن أحاول أن أقدم من أتوسم فيه وأحس بأنه سوف يضيف إلى الفكر والإبداع الأدبي شيئا جديدا .. ولكني أيضا أدعوهم لدراسة متأنية لتجارب الأجيال السابقة .. وأقول لهم عليهم بالصبر على الظهور وعلى النشر .
* هناك دائما من يقول أن الكاتب يجد صعوبة بالغة لكي يستطيع الكتابة بهذه اللغة .. ماذا تقول ؟
ـ الناس تتصور أن اللغة السهلة اليسيرة والكتابة بها مسألة سهلة بالنسبة للكاتب .. إن لغة الكتابة البسيطة هي مسألة سهلة بالنسبة للكاتب .. سوف أسمح لنفسي أن أقتبس كلمات لأستاذنا يحيي حقي\" حينما قال لي مرة من المرات أن \"الجملة الأولى أو الفقرة الأولى من قنديل أم هاشم أعدت كتابتها أكثر من عشرين مرة لكي تغدو بمثل هذا اليسر والبساطة \".. حقيقية الأمر أن اللغة هي الكاتب .. والأسلوب هو الرجل .. المعاناة الحقيقية والأساسية للكاتب هي صراعه الدائم مع اللغة .. بعض الكتاب يعتقدون أنه كلما تفنن الكاتب في ابتداعه لغة غنية بالألفاظ الفخمة والجزلة.. كان هذا إنجازا .. بعض هذه المحاولات بالفعل يعد إنجازا .. أقول البعض .. ولكني شخصيا أؤمن أن الكاتب ملزم ومدين لجمهوره بالتواصل .. ومن الممكن أن يكون للغير في ذلك رأى مختلف .. أنا شخصيا أتمنى أن
يصل أسلوبي إلى أكبر قطاع من القراء .. أعتقد أن اللغة اليسيرة السهلة الوصول إليها صعب جدا .. هذه اللغة من الممكن أن تكون وسيلة تواصل مناسبة مع القراء وأنا حريص على أن لا يهجرني قارئي .. ولا أهجر أنا الإبداع .. ولذلك يسعدني جدا أن بعض النقاد وبعض القراء يرون أن لغتي لها جمالها الخاص ولها بلاغتها الخاصة .. وهذا شيء بالطبع يسعدني جدا .
المدخل الذي يختاره الكاتب لصياغة تجربته .. سواء كانت هذه الصياغة عن طريق الصورة أو الفكرة أو اللغة .. فهو في نهاية الأمر لابد وأن يكون ذلك معبرا عن نفسه ولا يستطيع أبدا بل من غير الممكن أن يتجاوز حقيقته .
* المفاهيم بالعمل الروائي أو القصصي ؟!
ـ أنا في الحقيقة ممن يعتقدون أن الكاتب إذا أصر على أن المعالجة السينمائية أو المسرحية أو التليفزيونية لأعماله ينبغي أن تكون نقل بالكربون للعمل الأصلي .. وهذا إنذار إذا أصر عليه الكاتب فهو في اعتقادي يضر بنفسه أكثر مما يضر بالمبدع في المجال الآخر .. في مجال السينما أو المسرح .. هذا وسيط مختلف تماما .. والكلمة وسيط .. الكاميرا وسيط .. خشبة المسرح وسيط .. ولكل وسيط متطلباته الخاصة وله ظروفه التي تضمن نجاح العمل .. أنا شخصيا عندما قدمت لي \"خالتي صفية والدير\" تليفزيونيا لم أتدخل .. ولا أعتقد أنني سوف أتدخل مستقبلا في أي عمل آخر.. لأن هذا الأمر ليس رؤيتي الخاصة بل هو رؤية الفنان الآخر .. هو الفنان المسرحي أو التليفزيوني للعمل الذي رأى أنه يصلح لأن يتحول إلى شكل من أشكال الدراما بآليات وبتصور يختلف تماما عن تصور الكاتب .. مثلما الكتابة لها شروطها الخاصة .. الكاميرا أيضا لها شروطها المغايرة تماما .. الشخصيات عندي هي التي تختار نفسها ولست أنا الذي أختارها .. ليس أنا أو أي كاتب هو الذي يختار شخصياته .. في \" خالتي صفية والدير\" سوف أعترف بسر هو أنني عندما بدأت كتابتها بدأتها على اعتبار أنها قصة قصيرة ولم يكن في تصوري على الإطلاق إنها سوف تشغل هذا الحيز ولكن الشخصيات هي التي فرضت وجودها وفرضت المساحة والامتداد الزمني ..الشخصية التي تكتب على الورق تنشأ بينها وبين
الشخصيات الأخرى على الورق علاقات .. هذه العلاقات .. أستطيع أن أقول أن الكاتب يتبعها ولا يبتدعها . الشخصية توجد بملامح جسدية ووجدانية تختلف عن الشخصية الأخرى ويحدث بينهم تفاعل .. الكاتب التلقائي .. الذي يحاول أن تكون كتابته صادقة يتابع انتشار وتطور هذه العلاقات بين الشخصيات المختلفة وقد تفاجئه أحيانا هذه التطورات ..!!
ـ رؤيتي الخاصة بالنسبة لمستقبل الكتابة .. هذا موضوع كبير جدا ويحتاج للحديث فيه وقت طويل لأن الحديث عنه وأي إجابة عنه سوف تكون إجابة قاصرة ولكني حددت في كتابي \"أبناء رفاعة\" أن هناك ما أسميته بالحلم المصري .. هذا الحلم المصري موجودا منذ أيام رفاعة الطهطاوي مرورا بالثورة العرابية .. ومرورا بمصطفي كامل والكفاح ضد الاحتلال الإنجليزي وثورة 1919 وثورة يوليو ، هذا هو الحلم المصري الذي يتمثل في تصوري كما استقرأت الواقع والتطور التاريخي .. حق التعليم للجميع ، المعركة التي خاضها طه حسين حينما قال \"التعليم كالماء والهواء\"
والمعركة التي خاضها من قبله عبد الله النديم وقاسم أمين .. نقطة البداية لابد وأن تكون التعليم .. على هذا الأساس فالتنمية الثقافية تكون أهم من التنمية الاقتصادية .. العدالة الاجتماعية .. الهم المصري منذ رفاعة الطهطاوي إلى يوسف إدريس .. إلى كل الكتاب الذي عايشوا هذه الفترات.. العدالة للمرأة هي حق المرأة في أن تعيش في مجتمع يكفل لها حقوقها مثلما تؤدي واجباتها .. الوحدة الوطنية التي حارب من أجلها المثقفون جميعا .. أن نعيش في مجتمع واحد وأن يكون لكل منا نفس الحقوق والواجبات .. هذه هي ملامح الحلم المصري الذي ناضل من أجله المثقفون
على مدى أكثر من قرن ونصف القرن من الزمان وشهد هذا الحلم لحظات من المجد ولحظات انكسار ولكنه مازال في تصوري بخطوطه العريضة هو المسعى الذي تصب فيه كل جهود المفكرين والمثقفين المصريين .. وأهم من هذا كله الديمقراطية .. فإلي أي حد سوف نتخلى عنه .. إذا كنا سوف نواصل التشبث بهذا الحلم والكفاح من أجله والدفاع عنه سوف يكون مستقبلنا إيجابيا لأن كل مراحل المجتمع المصري قطعت خطوات في سبيل تجسيد هذا الحلم .. أما إذا تخلينا عن هذا الحلم فلن يكون لهذا المجتمع مستقبل على الإطلاق .
ـ لو قرانا رواية \"خالتي صفية والدير\" قراءة متأنية سوف نجد البطل على خلاف ما أظهره المسلسل التليفزيوني الذي أظهره بصورة بطل انهزامي .. ولكنه في الحقيقة وفي الرواية مقاوما حتى لحظة النهاية .. كان متشبثا بالحياة ضد عوامل الموت التي كانت تتهدده منذ صمم خاله القنصل على قتله إلى الأمراض التي أصابته في السجن إلى مطاردة صفية له مطالبة بالثأر .. لم يستسلم في أي مرحلة من المراحل ..
ربما كل بطل مهزوم وليس انهزاميا .. البطل المهزوم هو الذي يقاوم ثم يهزم أما الانهزامي فهو الذي لا يحاول المقاومة إطلاقا .
ـ الاتهام بالتأثر بالرواية الغربية وبالأدب الغربي قد يكون اتهام ظالم للكتاب المقيمين الذين حاولوا صنع تقنيات جديدة في السرد الروائي..أنا أذكر أننا عندما بدأنا الكتابة في الستينات امتلأت الصفحات النقدية اتهامات لنا بأننا متأثرون بالرواية الجديدة ، متأثرون بأدب العبث .. متأثرون \"بكافكه \" متأثرون بالفكر الوجودي ، وأنا في واقع الأمر اضطررت أن أقول في إحدى المرات أن الكوابيس التي يستعرضها هذا الأدب كوابيس محلية تماما وليست كوابيس مستوردة على أي نحو .. صورة العالم المفكك.. غياب البطل الإيجابي الذي كان معروفا في أدب الواقعية السابق في الكتابة عن كتابات جيل الستينات .. عدم ظهور البيئة التي يشارك البطل
في تشكيلها .. كل هذه العوامل كانت عوامل نابعة من الظرف التاريخي الذي كنا نعيشه في ذلك الحين وليس نتيجة لتأثر .. إذا لاحظت في الوقت الحالي ما يشير إليه الكثير من النقاد .. إن الكتابة عن الجسد .. إن اللغة التي تفتقر إلى الجلال التي كانت تتصف به لغة الأجيال السابقة ، إذا حاولت أن تدرس العلاقة بين هذه العناصر .. وبين الواقع الاجتماعي الذي نعيشه حاليا سوف تجد أنها وثيقة الصلة به وأكثر اتصالا منها بتأثرها بمدارس غربية وفي جميع الأحوال .. من يتأثر بتيار أو اتجاه مستمد من آداب غربية .. يكون هذا مطوعا وداخلا في سياق البيئة المحلية التي يكتب فيها الكاتب .. ومتأثرا تماما بالظروف التي يكتب فيها .
ـ إذا واصل المجتمع السير في حدود ملامح الحلم العربي الذي حددتها من قبل سوف يكون للرواية شأن كبير .. سوف يكون الشكل متماسكا وإيجابيا أكثر من الشكل الحالي الذي تفتقده والذي نلمس فيه التفكيك والتفتت.. أما إذا سرنا في اتجاه معاكس لهذا تماما فلا أرى للرواية أو لأي شيء آخر بالمجتمع من مستقبل .
ـ تأثير الكلمة داخل الإنسان ودور الثقافة في المجتمع في اعتقادي هو تأثير أساسي .. لأن كل ما تحقق في هذا المجتمع من تغيير تحقق بفضل الثقافة وبفضل كفاح المثقفين الذي سجله كتاب \"مستقبل الثقافة\" لطه حسين وأيضا كتابي \"أبناء رفاعة\" الذي رصدت فيه ما قام به المثقفون من جهد لإحداث تغير اجتماعي .. إذا احتضن المثقف المعاصر رسالة أسلافه في إحداث النقلة الاجتماعية وفي التمسك بالحلم المصري الذي دفعنا إزاءه دماء كثيرة وثمنا باهظا سوف تكون للكلمة تأثيرها الإيجابي ..
رواية \"الحب في المنفي\" كتبتها نتيجة انفعال عنيف جدا لمأساة \"صبرا و
شاتيلا\" التي حدثت وأنا خارج مصر .. في أوروبا وشاهدتها على شاشات التليفزيون الأوروبي الذي عرض الصورة بكل حقائقها وليس كما هو حادث في إعلامنا الذي يهتم بالترفيه والإعلان والرياضة وليست للأمور الجادة من حيز كبير لديه .
الأعمال
المجموعات القصصية :
1- الخطوبة .. وقصص أخرى ط1 الهيئة العامة للكتاب 1972 , ط2 دار الهدى بالقاهرة 1985 , ط3 ضمن مجموعة أعمال صادرة عن دار الهلال 1922
2- بالأمس حلمت بك ط1 مختارات فصول 1991 , ط2 ضمن مجموعة أعمال صادرة عن دار الهلال 1992 , ط3 مكتبة الأسرة
3- أنا الملك جئت ط1 مختارات فصول 1985 , ط2 ضمن مجموعة أعمال صادرة عن دار الهلال 1992 , ط3 مكتبة الأسرة
4- ذهبت إلى شلال , ط1 مختارات فصول 1998 , ط2 دار مدبولي 2000
الروايات :
1- شرق النخيل سلسلة بمجلة صباح الخير 1983 , ط1 دار المستقبل العربي 1985 , ط2 ضمن مجموعة الأعمال الكاملة 1992 , ط3 دار الآداب البيروتية
2- قالت ضحى روايات الهلال 1985 , ضمن الأعمال الكاملة 1992 دار الآداب البيروتية
3- خالتي صفة والدير , ط1 روايات الهلال 1991 , ط2 روايات الهلال 1991 , ط3 روايات الهلال 1991 , ط4 روايات الهلال 1991 , ط5 دار الآداب البيروتية , ط6 مكتبة الأسرة , ط7 دار الهدى
4- الحب في المنفى ط1 روايات الهلال 1995 , ط2 روايات الهلال 1995 , ط3 دار الآداب البيروتية 2001
5- نقطة نور ط1 روايات الهلال 2001 , ط2 دار الآداب البيروتية
أعمال مترجمة :
1- فاصل غريب \"مسرحية مترجمة للكاتب الأمريكي يوجين أونيل\" دار الكتاب العربي 1971
2- ساحر الصحراء رواية مترجمة لباولو كويللو \"السيمائي\" روايات الهلال 1996
كتب أخرى :
1- عشر مسرحيات مصرية \"عرض ونقد\" كتاب الهلال 1985
2- أبناء رفاعة الثقافة والحرية كتاب الهلال 1990
3- في مديح الرواية 2004
علاوة على ..
البرامج الثقافية بالإذاعة \"اتحاد الإذاعات العربية 1995 \"
الكتب التي صدرت عن الكاتب :
1- كتاب \" قريبا من بهاء طاهر\" المجلس الأعلى للثقافة\" للكاتب / البهاء حسين
2- عالم بهاء طاهر إشراف د . محمد عبيد الله الأستاذ بجامعة فيلادلفيا بعمان بالأردن دار المجدلاوي عمان
3- خالتي صفية والدير دراسة نقدية د . بهاء الدين مزيد صادر عن دار سعاد الصباح القاهرة – الكويت
كتب تضمنت بعض الدراسات عن الكاتب :
1- الرواية في الوطن العربي د . على الراعي
2- الرواية في نهاية قرن د . على الراعي
3- \"أوراق الرماد والجمر \" للناقد فاروق عبد القادر فصل عن رواية \"قالت ضحى\" متابعة مصرية وعربية
4- \" في الآخر \" محمد مستجاب \"إيه يا خالتي صفية\"
5- كتاب أساليب السرد في الرواية العربية د . صلاح فضل دار سعاد الصباح في الكويت – فصل عن خالتي صفية والدير
6- \" تفضيل الشخصية في الرواية العربية في مصر\" د . مراد عبد الرحمن مبروك / عالم الكتب / القاهرة 1992
7- \" الريف في الرواية\" د / محمد حسن عبد الله / عالم المعرفة / الكويت فصل عن رواية شرق النخيل
8- \" الحساسية الجديدة \" مقالات في الظاهرة القصصية / إدوار الخراط / دار الآداب / بيروت 1993
9- قراءات وإبداعات معاصرة / فصل عن مجموعة \" الخطوبة\" وفصل عن \" ذهبت إلى شلال\" للأستاذ محمود عبد الوهاب عام 2002
10- مقالات في نقد الرواية والقصة العربية / فصل عن \" أنا الملك جئت\" أبو المعاطي أبو النجا / المجلد الرابع من الأعمال الكاملة / الهيئة المصرية العامة للكتاب 1997
11- فنون روائية / مقالات في النقد الأدبي / الأستاذ محمود عبد الوهاب / نادي القصة / الكتاب الفضي \"فصل بعنوان بهاء طاهر قاصا وروائيا\"
12- العناصر التراثية في الرواية العربية في مصر د . مراد عبد الرحمن مبروك دار المعارف 1992
13- نفق معتم للناقد فاروق عبد القادر فصل عن رواية الحب في المنفى
14- أضواء قليلة للناقد فاروق عبد القادر فصل عن روايتي خالتي صفية والدير و شرق النخيل
15- ملف كامل بمجلة الثقافة الجديدة عدد يناير 1997 إعداد الأستاذ / محمد رفاعي
يضم دراسات بأقلام
أ . د جابر عصفور
أ . د محمود أمين العالم
أ . د صلاح فضل
أ . د شاكر عبد الحميد
أ. سليمان فياض
الشاعر عبد المنعم عواد يوسف
16- كتاب أربعون عاما من النقد التطبيقي أ. محمود أمين العالم دراسة عن خالتي صفية والدير .
- التفاصيل
- كتب بواسطة: د. عيسى الدودي
- المجموعة: بحوث و دراسات
- الزيارات: 8
بصمات فن المقامة في السردي الأوربي
د. عيسى الدودي
اعترف كثير من المهتمين بالأدب الأندلسي بكون المقامة كانت جسرا لمرور القصة إلى إسبانيا وعموم أوربا، وذلك استنادا إلى المقارنات التي عقدوها بين المقامة والأدب السردي في أوربا، وانتهوا إلى هذه القناعة بعد أن توصلوا إلى كثير من أوجه التشابه بين الفنين.
بدأ فن المقامة في الانتشار في أواخر القرن الرابع الهجري، وأبرز أعلام هذا الفن في المشرق الحريري والهمذاني، ثم إنه: "قدر لهذا اللون من الأدب الانتشار الواسع في مشرق العالم الإسلامي ومغربه، وكثر المقلدون لهذا اللون من الأدب"i، وقد عرف الأندلسيون المقامة عن طريق من رحل إليهم من المشرق، كما: "قدر للأندلسيين الوافدين إلى المشرق الاطلاع على هذا الفن الأدبي وخاصة من أسعدهم الحظ وأقاموا في بغداد، وبعد أن أتموا دراستهم عادوا إلى بلدهم ونشروا هذه المقامات"ii، فلقيت قبولا من طرف الأندلسيين، ونالت حظها من المعارضة والشرح والنقد والتعليق، ونسجت على منوالها مقامات مشهورة كمقامة أبي حفص عمر الشهيد، ومقامة أبي محمد بن مالك القرطبي، ومقامة عبد الرحمان بن فتوح، ومقامة بن المعلم...ثم إن هناك من توجه لشرحها كمحمد بن سليمان المالقي، وعبد الله بن ميمون العبدري الغرناطي، وأبي العباس الشريشي، وعقيل بن عطية، ومقامات البطليوسي، وابن المرابع الأزدي صاحب مقامة العيد، وابن القصير الفقيه، ولسان الدين بن الخطيب، بالإضافة إلى مقامتين لمحارب بن محمد الوادآشي، والمقامة الدوحية أوالعياضية، ومقامة ابن غالب الرصافي. ويبقى أبرز من تأثر بالمقامات المشرقية السرقسطي وتسمى مقاماته بالمقامات السرقسطية وهي المعروفة باللزومية وهي خمسون مقامة عارض بها مقامات الحريري.
والمقامة هي حكاية عن حيلة تافهة بطلها متشرد ظريف يتقمص في كل مرة شخصية معينة، فهو: "مرة قرَّاد يسير بقرده ليجمع الناس في حلقات فيضحكهم ويأخذ من أكياسهم، وهو مرة واعظ محترف يلج المساجد لتدمع عينه ويرتل آيات الذكر ورقائق الوعظ وسير الصحابة...وهو مرة ثالثة ينحط إلى دركات وبيئة فيسرق أكفان الموتى، ويجَمِّل خادمه ليوقع في حبه المتهورين"iii. ويتوخى صاحب المقامة من ذلك الوصول إلى قلوب الناس وكسب مودتهم بمقدرته اللغوية وألاعيبه اللفظية وذلك بالإغراق في السجع والصنعة البديعية، حتى أن الدكتور عبد الله بن علي بن ثقفان سمى المقامة بالقصة اللغويةiv، وهذا ما جعل الأندلسيين: "يطلقون اسم المقامة على كل قطعة من النثر المنمق المرصع بالأشعار النفيسة"v.
وإذا انتقلنا إلى الحديث عن تأثيرها في الأدب الأوربي خاصة السردي منه، فإن كثيرا من الباحثين تحدثوا عن: "تأثير فن المقامات في الأدب الأوربي تأثيرا واسعا متنوع الدلالة، فقد غذت هذه المقامات قصص الشطار الإسبانية بنواحيها الفنية وعناصرها ذات الطابع الواقعي"vi. وتعلق حبيبة البورقادية عن هذا اللقاء الأدبي بقولها: "وهذا اللقاء التاريخي هو الذي يشرح وجوه الشبه الكبيرة بين المقامات وقصص الشطار في الأدب الإسباني، وقد فضل الكتاب الإسبان أن ينسجوا على منوال قصص المقامات الواقعية عوض أن ينسجوا على منوال قصص الرعاة، واستطاعوا بعد جهد جهيد أن يقربوا بين قصصهم وواقع الحياة، وأثروا بذلك تأثيرا كبيرا في الآداب الأوربية"vii. ثم إن المقامة حولت أنظار الأدباء من الجري وراء الخيال - وذلك بنسج قصص الحب والفروسية والرعاة - إلى الواقعية، وتقريب الفرد من المجتمع، ودعته ليفتح عينيه على واقعه، لذلك: "اتجه الكتاب الروائيون بإيحائها إلى التحدث عن أحوال المجتمع وظروف الأغمار من الناس...ثم أبدعوا روائعهم في هذا الاتجاه الواقعي متناسين هذه الأحلام الهادئة التي كانوا يملأون بها قصصهم الخيالية"viii.
وأول قصة من هذا النوع في الأدب الإسباني: "كان عنوانها حياة لاسوريو ومحنته، وقد نشرت أول مرة سنة 1555م وفيها وصف لطفل بائس كان ابنا لطحان فقير سجن والده لجريمة صغيرة كانت منه، ومات في السجن دون عائل يرعاه، فبدأ حياته شحاذا يتسول، وقد اهتدى في حرفته الحقيرة بأعمى متمرس كان سيبين له طريق الشحاذة ثم يختلفان بعد حين لشراهة الأعمى وطمعه في ابتزاز صاحبه، فتركه ليعمل خادما لدى قس محترف يعيش على أموال الصدقات، ويشاهد غرائب عجيبة من بخله وجشعه وأثرته"ix.
وممن تأثر كذلك بالأدباء الإسبان في هذا المجال: ""شارل سوريل chales sorel" في قصته "تاريخ فرانسيون الحقيقي الهازل vrai histoire comique de francoin "، وقد نشرت بباريس سنة 1922م وهي أول قصة من قصص الشطار في فرنسا على لسان فرانسيون يهجو فيها العادات والتقاليد بواسطة أشخاص من المتسولين ومن يعد في زمرتهم في نظر المؤلف، كما يهجم مختلف الطبقات في عهده من خلال أولئك الأشخاص"x. وقد سار على نهجه "لوساج le sage" في: "قصته التي يهجو فيها العادات والتقاليد على لسان البطل الذي سميت القصة باسمه "فيل بلا""xi، وانتفع بهذا الاتجاه "كويتي gauthier" في قصته "موت الحب mort damour ". وهذه المقارنات زكت الاعتقاد: "أن قصص الشطار قد حوت نقدا مريرا للأنظمة الإقطاعية التي كانت سائدة في القرون الوسطى يشبه ذلك النقد المرير الذي قدمه بديع الزمان للواقع الإقطاعي في العصر العباسي من خلال مقاماته"xii.
كما أن هناك من الباحثين من يثير تأثير المقامة في الكوميديا الإلهية لدانتي، إذ ليس من المعقول أن يكون هذا الكاتب بمعزل عن الثقافة العربية الإسلامية وهو الملم بجميع نواحي الثقافة والمعرفة آنذاك: "وقد درس الموضوع بمزيد من الجدية والعمق المستشرق الإسباني بلاثيوس في كتابه المعتقدات الإسلامية حول العالم الآخر في الكوميديا الإلهية، وهو خلاصة دراسة استغرقت عشرين عاما وازن فيها المؤلف بين قصيدة دانتي من جهة وبين الكتب الدينية الإسلامية وبعض الكتب الدينية العربية؛ كالقرآن الكريم وكتب الحديث والتفسير والسيرة ومؤلفات المتصوفين، ولا سيما كتاب الفتوحات المكية لابن عربي، ورسالة الغفران للمعري، وقصص الإسراء والمعراج، وانتهى المؤلف في دراسة كل هذا إلى القول بأن دانتي كان متطلعا على أكثر من نواحي الثقافة الإسلامية، وأنه استقى من هذا المنبع بعض الصور والمعلومات التي وردت في الكوميديا الإلهية مما يتعلق بالبعث والحشر وخلود النفس ومشاهد الجنة والنار"xiii. ونشير إلى أنه وظف هذه المعاني الدينية وفق تصوره إذ يقول الدكتور نذير طعمة: "لقد تأثر دانتي بمعمارية المعراج فأفرغها من مضامينها الإسلامية وملأها بمضامين ومواقف تنسجم مع ثقافته ومعتقده"xiv.
وهذا يقودنا إلى الربط بين المقامة والفن الروائي، فقد ذكر بيير كاكيا أن: "الفن الروائي لم يجد متنفسا له سوى في المقامة، وهي كلمة ترجمت إلى الإنجليزية بلفظةassembly وإلى الفرنسية بلفظة seance بما يفيد أنه يمكن قراءتها في جلسة واحدة"xv. وينقل بهذا الصدد محمد رجب البيومي عن الفيلسوف الفرنسي "أرنست رينان" هذا الإعجاب بالمقامة التي آثرها على مجموعة بلزاك الأدبية، بحيث أن الحريري قاد شحاذه في خمسين موقفا مختلفا بقوة اختراع عجيبة ودقة وتأمل في الأخلاق والعادات لنعلم المهارة والغرابة التي تنطوي عليها فكرة المقامات. أرادوا أن يضعوا للقرن التاسع عشر مهزلة بشرية يشير رينان إلى مجموعة بلزاك المسماة بهذا الاسم فلم يعرفوا كيف يجلونها في قالب مقبول، في حين حقق الحريري هذه الفكرة للمجتمع الإسلامي في القرن الثاني عشر، أما بلزاك فقد نقصته شخصية أبي زيد التي تكاد تلمسها حتى تفلتxvi.
وننهي حديثنا عن المقامة بالإشارة إلى أن التراث العربي الإسلامي ليس هو الوحيد الذي أثر في الفن السردي بإسبانيا، بل هناك تأثيرات مسيحية لا يمكن القفز عنها وتجاهلها، ويؤكد هذه الحقيقة عبد العزيز الأهواني بقوله: "وحين نتجاوز الألفاظ إلى الأخبار والقصص سنجد في كتب التاريخ الأندلسي أمثال قصة البيت المقفل في طليطلة وكيف أمر لنديق آخر ملوك القوط على فتحه، فكان نذيرا بدخول العرب إلى إسبانيا، وقصة بنت يوليان صاحب سبتة مع ذلك الملك وكيف غيرت التاريخ، وكلها قصص أخذت بغير شك من التراث الشعبي المسيحي"xvii.
الهوامش:
i ـ التأثيرات العراقية في الأندلس وأوربا ـ عبد الجليل الراشد ـ وزارة الثقافة، دار الشؤون الثقافية العامة/ بغداد ـ الطبعة الأولى 2001 م ـ ص: 55 .
ii ـ نفسه ـ ص :55.
iii ـ الأدب الأندلسي بين التأثر والتأثير ـ محمد رجب البيومي ـ أشرفت على طباعته ونشره: إدارة الثقافة والنشر بالجامعة 1400هـ/1980م ـ ص: 198.
ivـ القصة الأندلسية : نماذج مع دراستها دراسة تطبيقية ـ د. عبد الله بن علي بن ثقفان ـ دراسات أندلسية، العدد: 22، ربيع الأول 1420هـ/جوان 1999م ـ ص: 42.
v ـ الأدب الأندلسي ـ بيير كاكيا ـ في "الحضارة العربية الإسلامية في الأندلس" ـ تحرير: د.سلمى الخضراء الجيوسي ـ مركز دراسات الوحدة العربية ـ الطبعة الأولى، بيروت، كانون الأول/ديسمبر 1998م ـ الجزء الأول،ص:466 .
viـ الأدب الأندلسي وأثره في الآداب الأوربية خلال القرون الوسطى ـ حبيبة البورقادية ـ الباحث: مجلة الأبحاث العامة، تصدرها وزارة الثقافة والتعليم العالي والثانوي والأصلي وتكوين الأطر مرتين في السنة ـ مديرية الشؤون الثقافية، شارع ميشوبيلير/الرباط ـ السنة الأولى، المجلد الأول، ص: 190.
vii ـ نفسه ـ ص : 191 .
viii ـ الأدب الأندلسي بين التأثر والتأثير ـ محمد رجب البيومي ـ ص 130 .
ix ـ نفسه ـ ص : 131 .
x ـ الأدب الأندلسي وأثره في الآداب الأوربية خلال القرون الوسطى ـ حبيبة البورقادية ـ ص : 191 .
xi ـ نفسه ـ ص : 191 .
xii ـ فن المقامات بين المشرق والمغرب ـ الدكتور يوسف نور عوض ـ مكتبة الطالب الجامعي، مكة المكرمة، الغريرية ـ الطبعة الثانية 1406هـ/1986م ـ ص: 346 .
xiii ـ نفسه ـ ص: 192 .
xiv ـ فضاءات الأدب المقارن: دراسة في تبادل الثيمات والرموز والأساطير بين الآداب العربية والأجنبية ـ د.نذير طعمة ـ منشورات وزارة الثقافة في الجمهورية العربية السورية، دمشق 2004 ـ ص:63.
xv ـ الأدب الأندلسي ـ بيير كاكيا ـ الجزء الأول، ص: 462.
xvi ـ الأدب الأندلسي بين التأثر والتأثير ـ محمد رجب البيومي ـ ص: 129، 130.
xvii ـ اللقاء الحضاري في الأندلس ـ عبد العزيز الأهواني ـ المؤرخ العربي: مجلة تصدرها الأمانة العامة لاتحاد المؤرخين العرب، بغداد/العراق ـ العدد الخامس، ص: 128.
- التفاصيل
- كتب بواسطة: د. محمد الحسيني
- المجموعة: بحوث و دراسات
- الزيارات: 8
الرد على دكتورة علم النفس الأمريكية وفاء سلطان 1/5
هل يصلح الدهر ما أفسده الإسلام ..؟! ومقالاتها الأخرى ..
د. محمد الحسيني
الجزء الأول : الجنس بين المسيحية والإسلام
دكتور مهندس / محمد الحسيني إسماعيل
ويتوالى الهجوم على الدين الإسلامي .. فتقول دكتورة علم النفس الأمريكية ( ذات الأصل السوري ) وفاء سلطان ..
[ الإسلام ، وخلافا لجميع الأديان والديانات ، هيّج الغريزة الجنسية لدى الرجل ولم يعقلها ، أطلق عنانها بلا أدب أو أخلاق . ]
ثم تضيف قائلة ..
[ لقد انتقصت الأديان جميعها من كمالية الله ، ولكن وصل انتقاص الإسلام لتلك الكمالية حدا انقلبت عنده المفاهيم وخرجت الحياة عن خط سيرها الطبيعي ، فاختلط الخطأ بالصواب وغدا الرجل المسلم عاجزا عن التمييز بينهما ]
وتقول : وتجتمع ثلاثة عوامل لدى الرجل المسلم ، والتي يجب أن يتناولها كلّ باحث يسعى لاعادة إصلاح الاسلام .. وهي :
الجانب الاول : هو ـ المسلم ـ ضحيّة تعاليم قولبت عقله وسلبته قدرته على التفكير .
الجانب الثاني : لم يستطع تحصيله العلمي ـ إن وجد ـ أن يخترق ذلك القالب الحديدي !
الجانب الثالث : لم يستطع .. .. .. أن يطوّر قدرته على الحوار .
· التعريف بالدكتورة وفاء سلطان ..
وقبل الرد على دكتورة علم النفس .. كان لابد من تقديمها للقاريء حتى يعلم ما هي شخصيتها وما هي هويتها الدينية من خلال ما تكتبه ـ هي ـ عن نفسها .. فنجدها تقول في مقالتها الأخيرة " ويل لأمة يتمشيخ طبيبها و ـ يتدكتر ـ شيخها " ( على موقع الحوار المتمدن ) :
[ مولدي في سوريّة هو هدية الله لي ، وقراري بأن أكون أمريكيّة هو هديّتي لله . أرسلني الله مسلمة عربيّة لغاية عنده ، وقررت أن أكون أمريكيّة لا دينيّة كي أصل الى غايته ! ]
وعلى الرغم من عدم وضوح عبارتها وتناقضها الذاتي .. إلا أن ما يهمنا هو اعترافها ـ صراحة ـ بأنها كانت مسلمة .. ثم أصبحت " لا دينية " . ويقول بعض النقاد أن وفاء سلطان وُلدت في طائفة العلويين السورية ( وهي أحد الفرق المنشقة على الإسلام ) ومن ثم ، فإنها ليست منتمية للإسلام كما تدّعي . ومما يؤكد هذا المعنى أنها ترفض مناقشة مسألة انتمائها للطائفة العلوية لأسباب خاصة . لكنها تقول إنها شعرت على الدوام بأنها وُلدت وترعرعت كمسلمة ..!!!
ولكننا سوف نرى في هذا المقال أنها لا تعرف من القرآن ـ منهاج الإسلام ـ سوى بعض الكلمات المتناثرة ، والجمل المقطوعة عن سياقها لتقوم بتفسيرها بما يخدم أغراضها ، كما تعتمد على " كتب التراث " في كل ما تكتب ، والمعروف أن هذه الكتب بها الكثير من الغث والقبيح ، بسبب الإسرائيليات والموضوعات المدسوسة فيها .. بهدف ضرب الإسلام العظيم من داخله .. مثلما سبق وتم تحريف الكتاب المقدس من قبل ..!!! وعموما ؛ هي لا تجيد سوى الهجوم على الإسلام بدون دراسة أو حجج لأسبابها ـ النفسية ـ الخاصة ، لأن من المعروف في الوقت الحالي .. أن أسهل الطرق في الغرب لجني المال والشهرة والنجومية هي في مهاجمة الاسلام فحسب ..!!!
ونعود لوصفها لنفسها ؛ فعلى الرغم من اعترافها بأنها " لا دينية " .. إلا أنها تحتج على أن يصفها الدكتور الجبوري بأنها " ملحدة " .. في ردها عليه في مقالتها : " عالم فيزياء أم قاريء فنجان " ( موقع الحوار المتمدن ) .. فتقول ..
[ لا أدري بأيّ حق يحشرني السيّد الجبوري في خانة الملحدين .. ]
أي أنها لا دينية .. وهي ـ في نفس الوقت ـ تبين أنها غير ملحدة .. أي هي تؤمن بإله ( لأن الإلحاد يعني رفض الإيمان بوجود إله ) ..!!! ثم نراها تتغزل في الديانة المسيحية .. حيث نراها تشيد دائما بالسيد المسيح .. فتقول ..
[ جاء المسيح قبل محمد بستمائة عام ، وكانت لغته مملؤة بالحب والمحبة .. ]
وفي حوار لها على موقع الناقد ( .. http://www.annaqed.com/ ) .. حيث تقول ..
[ المسيحيّة كتعاليم استهوتني ، بل سحرتني لأنها ، أولا وأخيرا توافقت مع منطقي العلمي والعملي .. .. المسيحيّة كلغة أثبتت صلاحيّتها لخلق إنسان مهذّب ، خلوق ، منتج ، مبدع ومسالم .. .. أما الإسلام كلغة ، فقد أثبت عجزه عن خلق هذا النمط من البشر !! لقد اعتمد هذا الدين ، بصورة عامة ، لغة صحراويّة قاحلة غير مهذبة ، جلفة ، تدعو إلى العنف وتكاد تخلو من أيّ معنى انساني ! .. ]
ولهذا فهي تخطب ود كنيستها الحبيبة دائما ، رغم ادعائها عدم انتمائها الى أي دين تارة واعترافها في بعض المقابلات أنها مسيحية تارة اخرى ..!!!
وربما تتأكد صليبيتها من خطابها في أحد مؤتمرات الأقباط المنعقد يوم الأربعاء 23 نوفمبر 2005 .. حيث تقول :
[ بحق صليبي الذي أحمله على ظهري . أقول لكلّ النساء في وطني عندما يقف الله ضدّ المرأة .. سأقف ضدّ الله ! ] ( عن الموقع : http://karam903.blogspot.com/2005/11/blog-post_23.html )
كما تحاول دائما التحريض على العنصرية والكراهية و العنف ضد المسلمين حيث تقول في نفس المؤتمر ..
[ عندما يخرج علينا السيّد جورج بوش بقوله الاسلام دين تسامح ، هو ينطلق من مفهومه للدين بشكل عام وليس من إلمامه ومعرفته بالتعاليم الاسلاميّة . أنا أعرف بأنّ موقفه كسياسيّ يتطلب منه بعض الدبلوماسية ، لكن تكرار تعابير كهذه ومن قائد لأعظم بلد في العالم يقوّض مصداقيّتنا نحن الذين خرجنا على تعاليمنا بعد أن اكتشفنا آثارها السلبيّة على حياتنا وحياة أجيالنا القادمة . هو عندما يفعل ذلك يخرب في لحظة واحدة ما نبنيه نحن العلمانيون في سنين . ]
وعلى الرغم من أن وفاء سلطان لم تنشر سوي بعض المقالات .. ولم تجري سوى مقابلات تليفزيونية معدودة إلا أن شهرتها وصلت إلى حد كبير .. نظرا لتعديها غير المسبوق .. وسبها الذات الإلهية في الإسلام في مقالها : " ويل لأمّة يتمشيخ طبيبها و ـ يتدكتر ـ شيخها !!! " كما وصفت آيات القرآن العظيم بالقمامة .. فقالت ..
[ .. ما أقبح ذلك الإله ، وما أقبح تلك القيم التي تتبجّحون بها ! .. عيب عليكم أن تطعنوا بأخلاق الغرب وتحافظون على تلك القمامة ( تقصد آيات القرآن العظيم ) في كتبكم ! .. ]
ومنذ ظهورها الأكثر شهرة على قناة الجزيرة ، في الاتجاه المعاكس ، تم نشر سيرة وفاء سلطان مؤخرا في صحيفة نيويورك تايمز .. ولوس أنجلوس تايمز .. وصحيفة لوموند الفرنسية . كما أنه تم تكريمها من قبل مجلة تايم بوصفها واحدة من أكثر 100 شخصية نفوذا في العالم ، وهو تصنيف تتشاطره مع الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش ، وأوبرا وينفري .. صاحبة البرنامج الأمريكي المشهور " أوبرا " .
فهذه هي وفاء سلطان في عجالة ، وهي تؤكد ـ دائما ـ على أن الصراع القائم في العالم الآن هو صراع : " بين التخلف والحضارة ـ أو ـ بين البربرية والعقلانية " ، وذلك في مقارنة واضحة بين الإسلام والغرب المسيحي ( على التوالي ) . ولهذا كان علينا مناقشة حضارة الغرب المسيحية التي تعلن وفاء سلطان بأنها الحضارة التي سحرتها .. وتوافقت مع منطقها العلمي والعملي .. كما تروج لهذا دائما ..!!!
· الجنس بين الإسلام والمسيحية ..
تقول دكتورة علم النفس :
[ الإسلام ، وخلافا لجميع الأديان والديانات ، هيّج الغريزة الجنسية لدى الرجل ولم يعقلها ، أطلق عنانها بلا أدب أو أخلاق . ]
بداية ـ وباختصار شديد ـ أقول لها .. بأن كل ما عمل عليه الإسلام ـ فيما يتعلق بالجنس ـ هو تقنين العلاقة المقدسة بين الرجل والمرأة . فكل ما طلبه هو حضور : شاهدي عدل ( أي شخصان بالغان ) على عقد الزواج .. وعند انتهاء هذا العقد اشترط أيضا حضور شاهدي عدل على عقد الطلاق .. وأن تستبريء المرأة لرحمها .. حتى : (1) تنسب الأطفال لأبيهم في حالة حمل المرأة من جانب ، (2) وحتى لا يحرم الأبناء من حقهم الطبيعي في إنفاق الأب عليهم وتوليه مسئولية رعايتهم من جانب ثاني ، (3) وحتى لا يحرم الأبناء من حقهم الشرعي في ميراث الأب ـ في حالة وفاته ـ من جانب ثالث .
وإلى جانب محافظة الإسلام على جميع حقوق المرأة السياسية والاقتصادية ، والشريعة الإسلامية خير شاهد ، فقد حافظ الإسلام ـ أيضا ـ على وقار المرأة واحترامها ( في صورة الحجاب ) .. وعدم عرض جسدها كسلعة جنسية رخيصة ( كما في الغرب المسيحي ) ليتداولها الرجال بغير حساب ..!!!
والسؤال الآن .. هل بهذا السلوك الراقي والمتحضر يكون :
[ الإسلام ، وخلافا لجميع الأديان والديانات ، هيّج الغريزة الجنسية لدى الرجل ولم يعقلها ، أطلق عنانها بلا أدب أو أخلاق . ] .. كما تقول بذلك دكتورة علم النفس ..!!!
فالحقيقة التي لا تقبل الجدل ؛ أن الذي هيّج غريزة الرجل المسلم .. وأطلق عنانها بلا أدب أو أخلاق ، هو الغرب المسيحي .. فالمرأة في الإسلام ليست سلعة .. بل هي كائن له احترامه وحقوقه وتقاليده وقيمته الغالية ..!!! وعندما ذهب المسلم إلى الغرب وإعلامه .. وجد المرأة وجسدها مطروحين أمامه على قارعة الطريق كسلعة جنسية لا قيمة لها ( من بعد قدسية زائدة في دينه ومبادئه ) يتداولها الرجال ـ كل الرجال ـ في أي وقت وبغير حساب ..!!!
يا دكتورة علم النفس ؛ لم يحرم الإسلام الجنس من خلال الزواج .. ولكنه حّرم الزنا .. كما حرّمه أيضا السيد المسيح إله الغرب المسيحي ( الذي تحاولين الانتماء إليه بشتى الطرق ) .. بل وشدد إله المسيحية في التغليظ على عقوبة الزنا .. إلى حد قول السيد المسيح ( الإله ) ..
[ (27) قد سمعتم أنه قيل للقدماء لا تزن . (28) وأما أنا فأقول لكم إن كل من ينظر إلى امرأة ليشتهيها فقد زنى بها في قلبه . (29) فان كانت عينك اليمنى تعثرك فاقلعها وألقها عنك .لأنه خير لك أن يهلك أحد أعضائك ولا يلقى جسدك كله في جهنم . ]
( الكتاب المقدس : متى 5 : 27 - 29 )
فهذه هي شريعة " عيسى " ـ إله الغرب ـ كما كانت شريعة " موسى " ( عليه السلام ) من قبل أيضا . ولكن ربما الذي لا تعلمه ـ دكتورة علم النفس ـ أن بولس الرسول ( مؤسس المسيحية ، وكما جاء في الكتاب المقدس ) قد ضرب عرض الحائط ليس بشريعة السيد المسيح ( إله المسيحية ) فحسب .. بل وبشريعة موسى أيضا .. بل ولعن بولس الرسول الشريعة ( كل الشريعة ) وكل من يعمل بها .. كما قال ..
[ (10) أما جميع الذين على أعمال الشريعة ، فإنهم تحت اللعنة .. ]
( الكتاب المقدس ـ كتاب الحياة : غلاطية {3} : 10 )
ولم يكتف بولس الرسول بهذا فحسب .. بل ولعن : المسيح إله الغرب أيضا .. أو كما قال ..
[ (13) إن المسيح حررنا بالفداء من لعنة الشريعة ، إذ صار لعنة ( أي المسيح الإله صار لعنة ) عوضا عنا ، لأنه قد كتب : " ملعون كل من علق على خشبة " ]
( الكتاب المقدس ـ كتاب الحياة : غلاطية 3 : 13 )
أي أن الإله قد صار ملعونا بالنيابه عن الإنسان .. أي أنه قد صار ملعونا من كل أهل الأرض بحكم أن اليهود قد علقوه على خشبة الصليب ..!!!
وهكذا سقط المقدس ـ يا دكتورة علم النفس ـ في الديانة المسيحية .. بعد أن لعن بولس الرسول ( مؤسس المسيحية ) الشريعة الإلهية ، بل ولعن الإله نفسه ..!!! و سقوط المقدس في المسيحية لم يقتصر على موقف بولس الرسول من الشريعة والإله .. بل كان الناتج الطبيعي من سقوط الأنبياء أنفسهم أيضا في الكتاب المقدس ( أي في العقيدة اليهودية والمسيحية ) . فالأنبياء من منظور " الكتاب المقدس ! " هم : سِكِّيرون ، يتعرَّون ، يزنون بمحارمهم ببناتِهم ، خونة ، قَتَلةٌ لإخفاء جريمة الزنا وللاستيلاء على العشيقات الجميلات ، سفاحون ، مغازلون للعشيقات بأفحش الكلام والعبارات ، يتغنَّون بوصف الأعضاء المثيرة للغريبات ، يَهْجع أحدهم بين نَهْدَي صديقته .. إلى آخره من الموبقات والفواحش ..!!!
وبديهي لن أترك القاريء نهبا للتخمين ، بل سأسوق إليه بعض الأمثلة ـ السريعة ـ من الكتاب المقدس .. والتي تؤيد صدق ما أقول ..!!!
[ (20) وابتدأ نوح يكون فلاحا ، وغَرَس كَرْماً (21) وشَرب مِن الخمر فسَكِر وتعرَّى داخل خِبائه ]
( الكتاب المقدس : تكوين {9 } : 20-21 )
وهذا نبي الله لوط ( عليه السلام ) يزني بابنتيه من منظور الكتاب المقدس ..
[ (30) وصعد لوط .. فسكن فى المغارة هو وابنتاه ? وقالت البِكر للصغيرة : أبونا قد شاخ ، وليس في الأرض رجل ليدخل علينا كعادةِ كلِّ الأرض ? هَلُمَّ نسقي أبانا خمراً ، ونضطجع معه ، فنحيي من أبينا نسلاً ? فسقتا أباهما خمراً في تلك الليلة ، ودخلت البكر واضطجعت مع أبيها .. [ وهكذا فعلت الصغيرة في الليلة التالية ] .. (36) فحبلت إبنتا لوط من أبيهما ( 37) فولدت البكر ابنا ودعت اسمه موآب . وهو أبو المؤابيين إلى اليوم (38) والصغيرة ولدت أيضا ابنا ودعت اسمه بن عمى . وهو أبو بنى عمون إلى اليوم ]
(الكتاب المقدس : سفر التكوين {19} : 30 - 38 )
ويروى لنا سفر صمويل الثانى ( الإصحاح 11 : 2 - 21 ) ، أن النبى داود عليه السلام ، كان يتمشى فوق سطح بيته ، فرأى بثشبع ( Bath-sheba ) ، زوجة " أوريا الحثى " أحد قواده وهى تستحم ، وكانت إمرأة جميلة . فيرسل إليها ويزنى بها لتحمل منه .. ثم يأمر بقتل زوجها أوريا الحثي .. ويضمها بعد ذلك إلى حريمه لتلد له الملك سليمان الحكيم ( عليه السلام ) .. وهاك النص المقدس ..
[ أن داود قام عن سريره ، وتمشى على سطح بيت المَلِك ، فرأى مِن على السطح امرأة تَسْتَحِمّ، وكانت المرأة جميلة المنظر جدًّا ? فأرسل داود وسأل عن المرأة؟ فقال واحد: أليست هذه بَثْشَبَعُ... امرأة أُوريا الحثِي ? فأرسل داود رسلاً وأخذها فدخلت إليه فاضطجع معها... وحبلت المرأة... وفي الصباح كتب داود مكتوباً إلى يوآب بِيَدِ أوريا ? وكتب في المكتوب يقول: اجعلوا أوريا في وجه الحرب الشديدة، وارجعوا من ورائه؛ فيُضرب ويَموت ? ... فلما سمعتْ امرأة أوريا أنه قد مات رَجُلُها ندبت بَعْلَها ? ولما مضت المناحة أرسل داود وضمها إلى بيته، وصارت له امرأة وولدت له ابنه سليمان ( أي أن الملك سليمان ابن زنى ! ) .. ]
(الكتاب المقدس : صموئيل الثاني {11} : 2-26 )
ويسوق " سِفْر نشيد الإنشاد " قصة غرام بين سليمان ـ عليه السلام ـ وعشيقته .. فيقول لها في النص المقدس ..
[ (1) ما أجمل رجليك بالنعلين يا بنت الكريم . دوائر فخذيك مثل الحلى صنعة يدى صناع (2) سرتك كأس مدورة لا يعوزها شراب ممزوج . بطنك صبرة حنطة مسيجة بالسوسن (3) ثدياك كخشفتين توأمى ظبية (4) عنقك كبرج من عاج ... (6) ما أجملك وما أحلاك أيتها الحبيبة باللذات (7) قامتك هذه شبيهة بالنخلة وثدياك بالعناقيد (8) قلت إنى أصعد إلى النخلة وأمسك بعذوقها . وتكون ثدياك كعناقيد الكـرم ورائحة أنفك كالتفاح (9) وحـنكك كأجـود الخـمر .. ]
( الكتاب المقدس : نشيد الإنشاد { 7 } : 1 - 9 )
وليت اقتصر الأمر عند هذا الحد .. بل يتكلم الكتاب المقدس عن " الأختين الزانيتين : أهولة وأهوليبة " .. بطريقة يندى لها جبين أي إنسان عنده ذرة من الحياء .. وإلى النص المقدس ..
[ (1) وكان إلى كلام الرب قائلا (2) يا ابن آدم كان امرأتان ابنتا أم واحدة (3) وزنتا بمصر . فى صباهما زنتا . هناك دغدغت ثديهما وهناك تزغزغت ترائب عذرتهما (4) واسمها أهولة الكبيرة وأهوليبة أختها .. (5) وزنت أهوله من تحتى وعشقت محبيها ... (7) ... وتنجست بكل من عشقتهم بكل أصنامهم (8) ولم تترك زناها من مصر أيضا لأنهم ضاجعوها فى صباها وزغزغوا ترائب عذرتها وسكبوا عليها زناهم ..
(17) فأتاها بنو بابل فى مضجع الحب ونجسوها بزناهم فتنجست بهم .. (18) وكشفت زناها وكشفت عورتها فجفتها نفسى كما جفت نفسى أختها (19) وأكثرت زناها بذكر أيام صباها التى فيها زنت بأرض مصر (20) وعشقت معشوقيهم الذين لحمهم كلحم الحمير ومنيهم كمني الخيل (21) وافتقدت رذيلة صباك بزغزغة المصريين ترائبك لأجل ثدى صباك ]
( الكتاب المقدس : حزقيال { 23 } : 1 - 21 )
ولست أدري أي نوع من القدسية فى تلك النصوص والتى يقول بها الوحي الإلهي ، في الديانتين اليهودية والمسيحية ، نظرا لورود النص في العهد القديم أي الجزء المشترك بين الديانتين ..!!! إننا نعلم جميعا ـ بالفطرة ـ بأن ما يوحى به من الله ـ سبحانه وتعالى علوا كبيرا ـ هو ليهدينا إلى سبل الرشاد ، ويعلمنا مكارم الأخلاق .. فأي مكارم أخلاق فى هذه الأوصاف المتردية ..!!!
ولقد حاول مترجموا الكتاب المقدس إلى العربية تقليل الفحش البالغ فى بعض كلمات الترجمة إلى حد كبير . فعلى سبيل المثال ، لو كانت الترجمة العربية للنص السابق رقم ( 20 ) ، مطابقة للنص الإنجليزى كما ورد فى : " الترجمة العالمية الجديدة للنصوص المقدسة : New World Translation of the Holy Scripture " ؛ وهى :
[ (20) And she kept lusting in the style of concubines belonging to those whose fleshly member is as the fleshly member of male asses and whose genital organ is as the genetal organ of male horses ] ( Ezekiel 23 : 20 )
لكانت الترجمة إلى العربية هى :
[ (20) واحتفظت بشبقها ، كأسلوب العاهرات ( أى بائعات الهوى ) اللائى يملن إلى هؤلاء الذين لهم أعضاء ذكورة مثل أعضاء ذكورة الحمير ، ولهم منيا مثل منى ذكور الخيل ]
( الكتاب المقدس : حزقيال { 23 } : 20 )
فهل توجد فواحش فى المعانى أبعد من هذا .. وهل توجد كلمات أكثر هبوطا من هذا ..!!! ولست أدرى كيف يتجرأ الإنسان ـ بعد كل هذه الرؤية ـ ويقول أن هذه النصوص ، هى نصوص مقدسة ..!!! وإنها وحي إلهى قادم من السماء .. فأى إله هذا الذى يوحي لأنبيائه بمثل هذه الفواحش ( النصوص ) ..!!! ولماذا يوحي بها ..!!! ونعجب .. ونقول .. أخرب عقل الإنسان إلى مثل هذا الحد ..؟!!!
يا دكتورة علم النفس ؛ هذه جولة سريعة رأيتي من خلالها أخلاق الأنبياء وأدب الجنس في الديانة المسيحية .. التي تحاولين الانتماء لها ( هذا إن لم تكن أصبحت مسيحية أصلا ) ..!!! والآن أنظري إلى العلاقة الجنسية بين الرجل والمرأة ـ في النص الوحيد ـ كما جاء في القرآن المجيد .. في قوله تعالى ..
) هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَت دَّعَوَا اللّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحاً لَّنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (189) (
( القرآن المجيد ـ الأعراف {7} : 189 )
[ تفسير الآية : ( هو ) أي الله ( الذي خلقكم من نفس واحدة ) أي آدم ( وجعل ) خلق ( منها زوجها ) حواء ( ليسكن إليها ) ويألفها ( فلما تغشاها ) جامعها ( حملت حملاً خفيفا ً) هو النطفة ( فمرت به ) خلال فترة حمله ( فلما أثقلت ) بكبر الولد في بطنها وأشفقا أن يكون غير صالح أو به عيبا ( دعوا الله ربهما لئن آتيتنا ) ولداً ( صالحاً ) سوياً ( لنكونن من الشاكرين ) لك عليه ]
هل أدركت ـ يا دكتورة علم النفس ـ الرقي في المعاني في العرض القرآني ..؟!!! هل أدركت الفرق بين عرض الجنس المتسامي في القرآن العظيم .. ) .. فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفًا .. ( .. وبين الهبوط الأخلاقي للأنبياء وعرض الجنس في الكتاب المقدس ..
[ دوائر فخذيكِ مثل الحلي .. سُرَّتك كأس مدورة .. لا يعوزها شراب ممزوج ، بَطْنك .. ثدياك .. عُنقك .. قامَتُك هذه شبيهة بالنخلة وثدياك بالعناقيد .. قلت أصعد إلى النخلة وأمسك بعذوقها . وتكون ثدياك كعناقيد الكـرم ورائحة أنفك كالتفاح .. وحـنكك كأجـود الخـمر ) .. واحتفظت بشبقها ، كأسلوب العاهرات .. اللائى يملن إلى هؤلاء الذين لهم أعضاء ذكورة مثل أعضاء ذكورة الحمير ، ولهم منيا مثل منى ذكور الخيل ..!!! ]
والآن .. بعد هذا العرض السريع .. كيف سولت لك نفسك أن تتهمي الإسلام العظيم بالقول ..
[ الإسلام ، وخلافا لجميع الأديان والديانات ، هيّج الغريزة الجنسية لدى الرجل ولم يعقلها ، أطلق عنانها بلا أدب أو أخلاق . ]
بل وتعترفي بأن : [ المسيحيّة كتعاليم استهوتك، بل سحرتك لأنها ، أولا وأخيرا توافقت مع منطقك العلمي والعملي .. ] .. بل وتعتبري أن : [ المسيحيّة كلغة أثبتت صلاحيّتها لخلق انسان مهذّب ، خلوق ، منتج ، مبدع ومسالم .. ] .. ألا تشعري بالخجل الآن من نفسك ..!!!
وحتى إن وجدت بعض الأخطاء ـ يا دكتورة علم النفس ـ من المسلمين والحكام العصاة .. فكان التوقع منك أن تفهمي جيدا ـ بحساب علمك ـ بأن هذه الأخطاء يجب أن يتحملها العصاة من المسلمين والحكام أنفسهم والذين أساءوا إلى الدين .. والإسلام العظيم منها براء ..!!!
وبكل أسف تعتمد الدكتورة ـ التي تدعي الإسلام من قبل ـ في كل ما تكتب على " كتب التراث " ، والمعروف جيدا ـ لدى كل المسلمين ـ أن كتب التراث بها الكثير من الغث والقبيح ، بسبب الإسرائيليات والموضوعات المدسوسة فيها .. بهدف ضرب الإسلام العظيم من داخله .. مثلما سبق وتم تحريف الكتاب المقدس من قبل ..!!! ولا تستند ـ الدكتورة ـ إلى ما جاء في القرآن العظيم أو السنة الصحيحة إلا فيما ندر ، وإذا استخدمت فقرات من الآيات الكريمة فتكون مقطوعة عن سياقها .. لتقوم بتفسيرها بطريقة مستفذة لتخدم أغراضها الدنيئة ..!!!
يا دكتورة علم النفس ؛ ما أستند إليه في الرد عليكي هو ما جاء في الكتاب المقدس بشكل مباشر وليس إلى شروح في كتب خارجية .. لذا أرجو أن تتسمي بالحياد والموضوعية عند تعرضك للدراسات الإسلامية .. إذا صدقت نواياكي في البحث عن الحقيقة المطلقة كما تزعمين ..!!!
وقد أعابت الدكتورة الفاضلة على الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) زواجه من السيدة " عائشة " .. وهي في سن التاسعة من عمرها .. وهو في الخمسين من عمره ( على الرغم من أن كل زيجات النبي ـ ص ـ كانت ذات أهداف دينية وتعليمية ) . والسؤال الآن : هل الزواج ـ بأي صيغة ـ أفضل .. أم الزنا .. وزنا المحارم السابق عرضه في الكتاب المقدس أفضل ..؟!!! وهل تعلمي ـ يا دكتورة علم النفس ـ أن سليمان الحكيم ( أو النبي ، عليه السلام ، من المنظور الإسلامي ) ـ في الكتاب المقدس ـ كان متزوج من سبع مئة من النساء ، وربما كان فيهم أصغر من هذه السن التي تعترضي عليها ، كما كان ـ سليمان الحكيم ـ يمتلك ثلاث مئة من السراري .. بل وجعلته نسائه يشرك بعبادة الله ( عز وجل ) .. ويسجد لآلهة أخرى غير الله ( سبحانه وتعالى ) .. وهاك النص المقدس ..
[ (3) وكانت له سبع مئة من النساء السيدات وثلاث مئه من السرارى فأمالت نساؤه قلبه (4) وكان فى زمان شيخوخة سليمان أن نساءه أملن قلبه وراء آلهة أخرى ولم يكن قلبه كاملا مع الرب إلهه كقلب داود أبيه (5) فذهب سليمان وراء عشتورث إلاهة الصيدونيين وملكوم رجس العمونيين (6) وعمل سليمان الشر فى عينى الرب ولم يتبع الرب تماما كداود أبيه (7) حينئذ بنى سليمان مرتفعة لكموش رجس الموآبيين على الجبل الذى تجاه أورشليم ولمولك رجس بنى عمون (8) وهكذا فعل لجميع نساؤه الغريبات اللواتى كن يوقدن ويذبحن لآلهتهن ]
( الكتاب المقدس : الملوك الأول {11} : 3 - 8 )
- التفاصيل
- كتب بواسطة: منير مزيد
- المجموعة: بحوث و دراسات
- الزيارات: 9
تناصية الموت مع المعرفة والحياة
بقلم الشاعر والروائي
منير مزيد
لم يلهب خيال الإنسان شيء كما ألهبته فكرة الموت، ولم يثر عقله من أفكار كفكرة انعدام العقل ذاته. فما الذي ستكون عليه الحال عندما يمضي إلى النوم ولا يفيق أبدا؟!
منذ بدء التاريخ الواعي للبشرية حتى عصرنا الحاضر وقف الإنسان أمام الموت حائراً مندهشاً لإنه لم يستطيع فهم كنهه ولا التغلب عليه. فالموت هو ذاك المكان القصي البعيد الذي تتصارع فيه قوى امكانية الرعب للاوجود وقوى الرعب في الوجود حيث يسقط الوجود الإنساني متجها نحو مجهول غير محدد الأطر يتأرجح بين السكينة اللامتناهية أو الهيام الأبدي.
ناقشت الفلسفات الإنسانية والديانات القديمة والتوحيدية اشكالية الموت واعتبرته مشكلة من عدة نواح ويبدو أن إشكالية الموت هي أكثر تعقيدا وغموضا من اشكالية أي قضية انسانية أخرى، فقد تناولت الفلسفات والديانات مفاهيم الموت وماهيته وعلاقته بالحرية والمسؤولية وفي إطار ذلك علاقة الذاتي بالموضوعي والأنا الفردية بالأنا الكلية وصولا للمعرفة الإنسانية وكل ذلك في إطار فلسفة الحياة والموت وتأثيرها على النواميس والعلاقات الإقتصادية الإجتماعية الإنسانية في المجتمع.
إن الموت، من ناحية، موضوع ينطوي على كثير من المفارقات والمتناقضات، وهو من ناحية ثانية، موضوع كريه، مزعج لا يشجع على التفكير أو الحديث... مرتبط بالذبول .. والسقوط فهوميروس يجعل ظل
"أخيل" يعبر عن وجهة النظر السائدة:-
" أناشدك يا أوديسيوس الشهير ألا تتحدث برفق عن الموت ، فأن تعيش على الأرض، عبد الآخر... خير من أن تحكم كملك لا ينازعه السلطان أحد في مملكة الأشباح اللاجسدية."
أما أنه ينطوي على كثير من المفارقات، فهذا واضح من مجرد النظرة العابرة إلى طبيعته، فطبيعة الموت في الكلية المطلقة، فجميع البشر فانون لا محالة قال تعالى: " كل نفس ذائقة الموت"
إن طبيعة الموت هي الحجة الأخيرة لسقراط على نحو ما يروي أكزيفوفون:
" ألم تعلموا جميعا أن الطبيعة حكمت علي بالموت منذ لحظة ولادتي؟"
فبينما أن الوجود الإنساني هو كائن فإنه يبقى بالفعل ممثلا لما لم يكتمل بعد ( أي يمثل نهايته هو ذاته) والنهاية برأي هدغر لا تعني الوصول إلى العدم الوجودي، وإنما إلى الوجود نحو النهاية، فالموت هو وجودي يحمله الوجود على كاهله بمجرد كينونته.
يقول هدغر:" لقد وصلنا إلى الاكتشاف المربك القائل بأن الإنسان منذ البداية ذاتها محتضر، وهذه المعرفة تسود وتخصب فلسفتنا بأسرها"
ومن الطبيعة المتناقضة للموت أيضا أنه يجمع بين "اليقين" "واللايقين" فأنا أعرف بالضرورة أنني سأموت، ولكنني لا أعرف مطلقاً متى سيكون ذلك . أو كما قال "باسكال": " إن كل ما أعرفه هو أنه لا بد لي أن أموت عما قريب، ولكنني لا أجهل شيئا قدر ما أجهل هذا الموت الذي ليس لي عليه يدان"
والموت هو " حدّية" تتضارب بين النهائية والوسطية. وهذه بالطبع تلقي بنا بالضرورة إلى ما وراء هذا الحد. فقدر كبير من دراسة الموت طوال التاريخ كان موجهاً في الحقيقة لدراسة ما بعد الموت. وقد ربطت الديانات بين مفهوم الموت كحد وسطي وبين اعتماد بعدية الموت بأسبقيته فتحولت دراسات الموت نتاج ذلك إلى دراسة مدركة الخلود....
يرتبط الموت بالحرية معتمدا على التفسيرات الدينية في الوقت الذي لا توجد فيه الحرية، إلا إذا كانت هناك حياة ووجود. فينطلق الكون إلى ثلاثة محاور رئيسة تميزه كظاهرة لمجموعة ليحول ذاته إلى مدركة فالمحور الأول إن الموت هو إمكانية بالغة الخصوصية، والثاني أنه لا يرتبط بشيء والمحور الأخير أنه- الموت- امكانية لا يمكن للمرء أن يتخطاها .. فأصبح هذا المفهوم المدرك حتمياً موجها إلى حرية غير مدركة ... فمن أين جاء هذا الارتباط بين مفهومي الموت والحرية؟؟!.
يقال أن الموت دخل العالم بسبب خطيئة آدم التي أدت إلى طرده من عالم الخلد وأصبح لأول مرة قابلاًَ للفناء والموت.. ولما كانت الخطيئة الأولى تعبيرا عن ممارسة الإنسان لحريته لأول مرة فقد كان هناك ارتباط وثيق بين الموت والحرية.
فالله نهاه أن يأكل من الشجرة التي في الجنة وكان الخطاب موجها إلى الزوجين الأولين آدم وحواء حيث خاطبهما الخالق عزوجل بقوله: " ولا تقربا هذه الشجرة" واختار آدم وحواء بإغواء إبليس لهما حيث يقول النص القرآني أن الشيطان وسوس لهما أن يأكلا من هذه الشجرة المحرمة، وهنا تحدث المفاجأة التي لم يتوقعاها، حيث بدت لهم سوآتهما، فأخذا يخصفان من ورق الجنة، ويغطيان عورتيهما وبذا يكون الحياء من اظهار العورة هو من اشد ضروريات الفطرة الإنسانية،
الموت... يُعرف على نحو حدسي .. فالموت أمر قبلي ، خلقت الحياة وخلق الضد معها .. يقول ماكس شلر: " حيث أن الموت ليس احتضارا عرضيا بدرجة أو بإخرى يدركه هذا الفرد أو ذاك وإنما هو جزء لا يتجزأ من الحياة"
وفي قلب تجربة الاستهلاك المستمر لهذه الحياة، في خلال الحياة المعايشة التي يدعوها " التجربة الداخلية المتجهة نحو الموت".
"وهكذا فإن الموت ليس مجرد أحد المكونات التجريبية لخبراتنا، وإنما هو ينتمي إلى جوهر معايشة كافة الحيوانات الأخرى، وحياتنا كذلك، وعلى هذا النحو فإن حياتنا تمضي نحو الموت، إنه ليس إطارا ثبت بالصدفة المحضة حول صورة عمليات فيزيائية وفسيولوجية عديدة، وإنما هو اطار ينتمي إلى الصورة ذاتها".
فالموت ليس جدار ترتطم به في الظلام وليس سحقاً للكائن الحي على يد قوى خارجية معادية، صحيح ان الموت يحدث بتأثير تلك القوى، لكنه متضمن في عملية الحياة ذاتها، إن ملاقاة الموت هي، على نحو ما، عمل يقوم به الكائن الحي ذاته باستمرار.
" بقدر ما يتعين علينا أن نعزو لكل حياة شكلا من أشكال الوعي، ينبغي علينا أن نعزو إليها أيضا ضرباً من اليقين الحدسي بالموت..."
" فالموت يأتي ويتحكم في الطفل
الذي يرقد بين ذراعي أمه
كما يتحكم في الرجل الذي بلغ من الكبر عتيّا"
نص مصري قديم
ويرتبط الموت أيضا " بالخلق من العدم" ومن هنا كانت الحياة بسبب أنها مخلوقة مرتبطة بالموت وكان الوجود لإنه خلق من العدم يحوي في جوفه ذلك العدم الذي خرج منه ومن ثم، فكل الوجود يميل بطبعه إلى الفناء وكل حياة يكمن الموت في جوفها.
وترتبط مشكلة الموت من حيث ادراكها بالشخصية مع أن الموت اساسا هو قضاء على الشخصية، فكلما كانت الشعوب انضج وأقوى شخصية، كان الإنسان أقدر على إدراك الموت ومن هنا، نجد أن الإنسان البدائي والإنسان الساذج لا يمثل الموت عنده مشكلة وهذه السذاجة هي الاتجاه الذي يدعو إليه بعض الفلاسفة المحدثين فيكتب " بردياييف" رداً عليهم: " إنني لا أميل إلى الخوف من الموت على نحو ما كان يفعل " تولستوي" على سبيل المثال، لكنني شعرت بألم حاد إزاء فكرة الموت وبرغبة جامحة في إعادة الحياة لكل من ماتوا، وبدا لي قهر الموت هو المشكلة الأساسية للحياة، فالموت حدث أكثر أهمية وحيوية للحياة من الميلاد....".
بينما يتحجج كونفوشيوس بعدم دراسته للموت: " إننا لا نعرف أي شيء عن الحياة، فكيف نستطيع أن نعرف شيئا عن الموت؟".
بينما يذهب أبيقور للقول:" إن مهمة الفلسفة أن تداوي جراح القلب"
والفلسفة ما تزال وثيقة الصلة بالموضوع حينما تكون هذه الجراح سببها الموت فمن يهمل فكرة الموت يفصل نفسه عن ينابيع المعرفة الأساسية التي تنشط البحث الفلسفي بقوة تضاهي الفضول العقلي والدهشة"
كان إذن الموت الشغل الشاغل للبشرية طوال تاريخها ولعل هذا ما عناه أفلاطون بقوله:" الفلسفة تأمل الموت"
وهو نفسه الذي أغرى الفيلسوف الألماني شوبنهاور لكي يقول: "الموت هو الموضوع الرئيسي للفلسفة والملهم الأكبر للتفكير الفلسفي، بل إن بعض الفلاسفة والمؤرخين ذهبوا بعيداُ في إعطاء الموت دوراً استثنائيا في التاريخ البشري مثل المؤرخ المشهور (وول ديورانت) صاحب كتاب "قصة الحضارة" الذي قال: "الموت أصل الديانات كلها" أي أن الديانات كانت استجابة لقلق الإنسان تجاه الموت ومن خلال معالجتها لهذه الظاهرة وضعت إطار الفلسفة للحياة والوجود".
- التفاصيل
- كتب بواسطة: د. حسين شاويش
- المجموعة: بحوث و دراسات
- الزيارات: 8
كتاب جديد "نحو ثقافة تأصيلية" للكاتب الفلسطيني محمد شاويش
صدر حديثاً عن دار نينوى-دمشق بالاشتراك مع الدار العربية للعلوم-ناشرون-بيروت كتاب "نحو ثقافة تأصيلية (البيان التأصيلي) والمقال التالي هو تقديم للكتاب كتبه الدكتور حسين شاويش-برلين
التأصيلية والعودة الى الذات(1)
د. حسين شاويش
بدلا من المقدمة:
يجد العربي نفسه في نهايات القرن العشرين في وضع عجيب، فهو يكاد يطرح الاسئلة نفسها التي طرحها على نفسه في بدايات هذا القرن! وسواء أدار السؤال حول الحرية أو حول الخبز فلا بد أن يذكر الغرب ومصالح الغرب وتدخله. والأمر هو هو في العشرينات كما في التسعينات! ولكن صياغة السؤال كانت تختلف. وليس هذا الاختلاف ثانويا، بل لعله أحيانا بيت القصيد لأن صيغة معينة للسؤال تستدعي أجوبة معينة وتستبعد أخرى. وتأمل معي السؤالين الشهيرين التاليين: لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم؟ و:ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين؟ إن السؤال الأول يستدعي فكرة اللحاق بالغير (ويشي بأفضلية الغير لأنه سابق)، أما السؤال الثاني فهو بالعكس يحدد المسلمين كذات والغير كموضوع (وفي الخلفية يتم تصوير ذلك الغير كخاسر). غير أن العقود التي مرت على المنطقة جعلت الأسئلة كلها تكاد تتركّز حول مسألة اللحاق بالغرب المتقدم ولذلك فمن المبرر أن يطلق على الأجوبة كلها -تقريبا- وصمة: الأجوبة التغريبية، وأن ينشأ بمقابلها "الجواب التأصيلي". ومنطلق مشروعية هذا الجواب هو نفسه منطلق لامشروعية الجواب التغريبي أي: موقع الذات من المسألة. السؤال التغريبي يغيب الذات والتأصيلي ينطلق منها. ويقصد بال "تغريبي" هنا كل من الحداثيين والإسلاميين لأن كليهما يريد أن يقضي على الذات التقليدية لصالح مشروع تخيلي هو "حتّة من أوربا" -بتعبير الشاعر الشعبي المصري- والفرق الوحيد بين شقي المشروع التغريبي هو أن الاسلاميين يريدونها "ذاتا اوربية مسلمة"!
غير أنني أود أن أناقش فكرة "المشروعية" بمزيد من التوسع فقد طرح الثوريون ذات مرة سؤال: تطور أم ثورة؟(2) وقد قصد يومها التساؤل عن سرعة إجراء التغيير الاجتماعي- السياسي وطريقته وكانت وجهة التغيير ليست محل سؤال فهي تطور صاعد الى الأمام ينتهي بالاشتراكية يستمد "مشروعيته" من الناحية المنطقية من جدل هيغل الذي كُسي رداء ماديا ومن الناحية الواقعية من ثورات القرن التاسع عشر ومن الناحية الأخلاقية من وعي الطبقة العاملة لظلمها وإرادتها الإطاحة بالنظام الذي يستدعي هذا الظلم ومن حقيقة أن هؤلاء المظلومين هم أكثرية المجتمع (3) وفي حين خيّبت التغيرات التالية في التاريخ الألماني -حيث طرح السؤال المذكور- آمال كل من الاصلاحيين والثوريين (الثورة جربت وفشلت والاصلاحية قضت عليها النازية)، فإن "التطور" اللاحق قد غير من صيغة السؤال ككل، أو لعلنا نكون أكثر اعتدالا إذا قلنا أنه طرح أسئلة أخرى ونزع المشروعية عن "الاجماع" على وجهة التطور، وذلك على الأصعدة الثلاثة المذكورة أنفا. فمن جهة منطق التطور الصاعد أثبتت الوقائع أن بعض خبرات الشعوب الإيجابية فعلا تضيع خلال "تطورها" ولأسباب لا علاقة لها بالأفضلية بل بعلاقات قوة أو قسر خارجي (وهذا ينطبق على الشعوب الأوربية كما ينطبق على غيرها ويبدو أن علينا أن نقول: وخاصة على غيرها). مما ينزع عن الجدل الهيغلي صفة القانون العام ويترك له في أحسن الحالات صفة "نموذج" قد يناسب تغيرات معينة وفي فترات بعينها ولا يناسب أخرى. وعلى الصعيد الواقعي فقوى التغيير فقدت رؤية التثوير أو التغيير الشامل لكامل البنية الاجتماعية وهذا يصدق على ما يدعى "الغرب" كاملا. أما من الجهة الأخلاقية فالطبقة العاملة لا تستطيع ادعاء تمثيل المجتمع الغربي لأنها لم تعد الأكثرية كما أنها وافقت على شيء يشبه ما سمي ذات يوم -وإن في سياق آخر- "مصالحة تاريخية"(4)
لقد طرحت أسئلة مشابهة في الساحة الفكرية والسياسية العربية، وإن كانت الصيغ تختلف نوعا ما لأن الطارحين كانوا يمثلون قوى واقعية أخرى ولأن تلك الأسئلة كانت تستمد مشروعيتها من واقع مختلف ومن مصادر مختلفة. بعض تلك الأسئلة مازال يطرح بالإلحاح نفسه رغم أنه فقد مشروعية الطرح وبعضها الآخر مازال يطرح وبمشروعية وأخيرا فإن البعض منها لم يطرح رغم أنه كان ينبغي أن يطرح لتوفر المشروعية أي وجود من لهم المصلحة بل وكونهم الأكثرية (ما تسميه التأصيلية: المجتمع الصامت) وما ذلك إلا لغياب ممثلي هذه الأكثرية عن حلبة السجال.
ولعل ميزة السؤال التأصيلي تكمن في تلبيته للشروط التي يفرضها مقياس "المشروعية" المنطقية والواقعية والأخلاقية كما عرضتها أعلاه من خلال المثال الغربي المعروف.فمشروعيتها المنطقية مستمدة من فهم معين للتغيير ينطلق من "مادة التغيير" نفسها لا لاستبدالها بأخرى وهمية أو مفروضة بل لتأمين تجددها الدائم. يستشهد محمد شاويش بهذا "البرنامج التغييري" ذي المنطق شبه الرياضي (بما يناسب موضوع التغيير المنشود طبعا) والذي سبق أن اقترحه محمود شاكر:
"التجديد لا يمكن أن يكون مفهوما ذا معنى إلا أن ينشأ نشأة طبيعية من داخل ثقافة متكاملة متماسكة حية في أنفس أهلها، ثم لا يأتي التجديد إلا من متمكن النشأة في ثقافته، متمكن في لسانه ولغته متدوق لما هو ناشى فيه من آداب وفنون وتاريخ، مغروس تاريخه في تاريخها وفي عقائدها، في زمان قوتها وضعفها، ومع المتحدر إليه من خيرها وشرها، محسا بذلك كله إحساسا خاليا من الشوائب، ثم لا يكون التجديد تجديدا إلا من حوار ذكي بين التفاصيل الكثيرة المتشابكة المعقدة التي تنطوي عليها هذه الثقافة، وبين رؤية جديدة نافذة، حين يلوح للمجدد طريق آخر يمكن سلوكه، من خلاله يستطيع أن يقطع تشابكا من ناحية ليصله من ناحية أخرى وصلا يجعله أكثر استقامة ووضوحا، وأن يحل عقدة من طرف ليربطها من طرف آخر ربطا يزيدها قوة ومتانة وسلاسة (5) إن منطق التغيير هذا يجد سندا جديدا في فشل تجربة التغيير الجذري لكامل النظام الاجتماعي ومحاولة استبداله بنظام بديل.
أما المشروعية الواقعية فتكمن في أن جوهر كل ما تدعو اليه التأصيلية هو العودة الى هؤلاء البشر الواقعيين الذين هم لحمة وسدى الفعل التاريخي (والذين بدؤوا يتململون على أية حال) والذين توضع الحلول لمشاكلهم بغيابهم وكأنهم غير موجودين. أما المشروعية الأخلاقية فتستند إلى هذه الحقيقة نفسها فالتأصيلية تريد أن تصبح صوت الذين لا صوت لهم. وهي بهذا تحدد مهمة أخلاقية أخرى هي إزالة "الاستلاب" الثقافي والحضاري. ولشرح هذه النقطة لا بد من الإشارة إلى أن الاستلاب يعني هنا الاعتقاد بدونية الذات الحضارية والثقافية اعتقادا يبعث على محاولة التنكر لهذه الذات وتخيل امكانية استبدالها بذات "عليا" أو مثالية. وهذا "الداء" -كما نعرف جميعا- هو ظاهرة تكاد تكون قاسما مشتركا بين المثقفين العرب ومن البديهي أن تلك الذات الوهمية المثالية هي في هذه الحال الذات الاوربية. إن هذا الاستلاب ليس مشكلة فردية فحسب، بل قد يكون أساسا نفسيا لكوارث اجتماعية وسياسية تنشأ عن قبول سيطرة حضارة (أو حتى جيش) ما دعوناه الذات المثالية وإهمال أي رعاية أوتطوير للثقافة الخاصة إن لم يكن قتلها العمد. ولذلك تطرح التأصيلية بالحاح "شبه المسلمة" التالية: إن المثقف الذي يحتقر مجتمعه انما يحتقر بذلك ذاته الخاصة وذلك -ودائما- لصالح ذات أخرى ومجتمع آخر. وليست هذه الأطروحة واضحة بذاتها شأن المسلمات المعروفة فهذا التسليم بالهوية الواحدة للمجتمع والفرد هو أمر ملغز. وقد لا نجد مشكلة في اعتبار أن المجتمع هو ذاتنا الحقيقية الجمعية ولكن ماذا عن الذات الفردية؟ ما الذي يبرر الحكم بأن غضب الفرد العربي من مجتمعه هو غضب من ذاته؟ ومن ثم فاحتقاره له هو شيء يشبه المازوخية؟ ودائما لصالح ذات ومجتمع آخرين أليس من الطبيعي أن يثير في نفسي قمع مجتمعي لي حقدا على هذا المجتمع، هكذا ككل أو كبنية اجتماعية، متمنيا لها الزوال لترثها بنية اجتماعية أخرى تتيح لي حرية القرار والتصرف؟ الجواب ليس بهذه البساطة! إذ لكي أفسر قمعا معيّنا بأنه "قمع المجتمع لي" يجب أولا أن أجعل من الفرد القامع (أو المجموعة الصغيرة القامعة) ممثلا للمجتمع (عملية التجريد هذه هي عادة من مميزات المثقفين) وأن أنزع المشروعية عن ذلك القمع أي ألا أكون مقتنعا بأنه الطريقة الطبيعية للسلوك في الحالة المعنية وهذا يتطلب معرفتي بوجود نماذج أخرى للسلوك أصفها باللاقمعية وهذا ليس أمرا بديهيا أبدا (مسألة تعلم لا مسألة غريزة). الشيء نفسه ينطبق على المجتمع فإن من لا يتخيل (أو لا يريد) مجتمعا بديلا لا يتمنى زوال المجتمع الحالي. إذن فليس "من الطبيعي" أن يحقد المقموع على المجتمع -وانا أقصد حالة القمع المستند الى أسباب اجتماعية طبعا وليس الاعتداء الفردي الذي ترفضه المعايير الاجتماعية على أية حال- ويتمنى زواله. من الواضح أيضا أن رفضي للسلوك القمعي لايعني من الناحية المنطقية آليا رفضي للمجتمع ككل حتى ولو كان ذلك القمع مبرراً اجتماعيا فالقيم الاجتماعية مطاطة ومتغيرة وقابلة للتلاعب الواعي وغير الواعي (بل كثيرا ما يتم "التآمر" الجماعي وشبه المفضوح للّف على قيمة اجتماعية لا يمكن ماديا الوفاء لها -الخطيبة التي تستعير الحلي والحلل من قريباتها لتظهر بها يوم العرس انقاذا لماء وجه عريسها الفقيرمثلا-)، إنني يجب أن أكون قد حكمت سلفا على كامل البنية الاجتماعية بالفساد لكي أشعر ب"الحقد على المجتمع" كلما "دق الكوز بالجرة" كما يقول مثل أهل الشام. ولكننا لا يمكن أن نحكم على بنية اجتماعية كاملة الا بمقارنتها ببنية أخرى نستعملها كمقياس. وهذا المقياس جاهز دائما ونحن نسمع به يوميا فهو أحيانا "المجتمع المتحضر" أو الاشتراكي وأحيانا "المجتمع الاسلامي" ،كان موجودا في موسكو أو بطرسبورج أيام لينين أو في المدينة المنورة أيام النبوة...وأيا كان فهو من الناحية النفسية ذاتٌ وهميةٌ بديلة يراد لها أن تحل محل الذات الحقيقية المرفوضة والمحتقرة.
ولعله قد أن الأوان لأن أركز على الفرق بين الفكرة التأصيلية التي أتناولها هنا بالبحث وبين ما يسمى عادة الأصولية، فلقد أدرك القارى أنهما شيئان مختلفان، بل لعلي لن أكون مبالغا ان قلت أن التأصيلية تحاول اثبات بعد ما يسمى أصولية عن "الأصول" أي عن الذات الاجتماعية والثقافية وأن غربتها عن المجتمع تكاد تساوي غربة تلك التيارات الموصومة بأنها تيارات مستوردة! وأدبيات تلك "الأصولية" تزوّد "التأصيليين" ببرهان حاسم على ذلك. فسيد قطب يعلن لا غربته عن مجتمعه فحسب بل وعداءه له أيضا لأن ذلك المجتمع "جاهلي" في نظره. النتيجة نفسها يمكن التوصّل لها سواء باستعراض "نظام الاشارات" الذي يعبر من خلاله "الأصوليون" (6) عن أنفسهم (ما يسمى "الحجاب الشرعي" مثلا الذي لا علاقة له بما ترتديه المرأة العربية العادية) أو بتحليل الموقف العدائي من "تعبيرات الدين الشعبي الفنية والفكرية" (الفرق الصوفية مثلا بتراثها الغني من الفلسفة وحتى الموسيقى) ومن التراث الفقهي الاسلامي شديد التنوع والغنى أو -وهي ثالثة الأثافي- الموقف المدمّر وطنيا من الأديان والطوائف الأخرى على أرض الوطن. وبكلمات محمد شاويش:"إن التحليل الذي تعوّدنا عليه إذن للحركات الاسلامية والذي يبتدئ دوما بوصف المجتمع التقليدي وكيف أن هذا المجتمع في زعم الباحثين يرد على الغزو الفكري والسياسي والاقتصادي الغربي بابتكار "الحل الاسلامي" هو تحليل سطحي.....العلاقة بين المجتمع العربي التقليدي و"الاسلاميين" لا تزيد ولا تنقص عن العلاقة بين هذا المجتمع والبعثيين أو الشيوعيين لأن هذا المجتمع منذ بداية عصر النهضة سكت ولم ينطق أحد باسمه وبالعكس كان الهم الاساسي لكل هذه التيارات قمع التعبيرات الحرة لهذا المجتمع لانها بالنسبة للتقدميين تخلف وبالنسبة للاسلاميين ضلال وانحراف عن "الاسلام الحقيقي".
"أصول" التأصيلية ومجالاتها:
تبدو التأصيلية أحيانا كاتجاه عام في مسائل الثقافة يريد أن يركز على تميز الذات الثقافية والحضارية العربية الاسلامية تميزا يقضي على أي سبب للاستلاب الثقافي والحضاري، وأحيانا أخرى لا تكتفي بهذا الموقف شبه الأكاديمي بل تخوض غمار الجدال السياسي،حيث تؤكد التزامها بالمجتمع الأهلي الذي أُخرس واستبعد كليا من ساحة القرار. ولنتأمل هذا النداء الذي قيل بمناسبة وفاة هادي العلوي :"...وإن السير في هذا الاتجاه، اتجاه التقارب بين المخلصين من التيارات الوطنية العربية: اليسارية والقومية والاسلامية يمكن أن يقودنا الى اتجاه جديد.. اتجاه تأصيلي يأخذ بعين الاعتبار أمرين أساسيين: الالتزام بهوية الجموع والانحياز الى مصالح الأغلبية ضد الاستكبار الخارجي والشرائح الموالية له في الداخل، اتجاه يأخذ من اليسار موقفه ضد الاستغلال والقهر الطبقي ويأخذ من التيارات السياسية الثورية التقليدية تمسكها بالهوية الثقافية والحضارية (وأمثلتنا العليا في هذا الأمير عبد القادر وعمر المختار وأبطال الأزهر الذين واجهوا نابليون وعز الدين القسام وأبطال ثورة العشرين في العراق) ومن التيارات الدينية ما تشترك فيه هذه مع التيارات التقليدية من وطنية جذرية" . ولا أظن أنني أجانب الصواب إذا اعتبرت البحث الثقافي جزءً نظرياً وهذه الرؤية السياسية التي يمكن وصفها بالوطنية الجذرية تطبيقا على الواقع العربي الاسلامي الحالي.
ولعل اتجاها بهذا الطموح لن "يوفّر" حقلا من حقول الثقافة لا يحاول استثماره إما لدعم أطروحاته أو لزرع هذه الأطروحات في ذلك الحقل مثريا بذلك الأصناف المزروعة بصنف جديد ومتيحا الفرصة لصنفه بالترعرع والنمو.
1- علم النفس والتحليل النفسي: على أن يفهم من هذين التعبيرين ظاهرهما فحسب، أعني طرق البحث (الاستبطان والمنهج الظاهري مثلا) وموضوعه (على ألا ننسى الجدة الحقيقية لموضوع الاستلاب والتي كثيرا ما أغمطت حقها). والمفهوم المركزي في هذا الحقل هو الاستلاب، مفهوماً بطريقة خاصة –أنظر أعلاه (7) ولعل أهمية اللجوء الى الطريقة العلم- نفسية قد تراجعت في البحث التأصيلي لصالح استخدام أدوات التحليل السيميائية دون أن تختفي "وما كان ينبغي لها" وليس لأن البداية الزمنية لهذا الاتجاه بكامله بدأت في الحقل العلم- نفسي فحسب ولكن لأن طبيعة المشكلات المطروحة تحتم هذا النوع من التحليل فالمشكلة الأكثر تناولا هي على أية حال الاستلاب الثقافي ولعلاجها يجب بلا شك إعادة الاعتبار للثقافة الخاصة بتشريحها نظريا ومقارنتها بمثيلاتها لتبيان تميزها ولكن يجب من ناحية أخرى وبالعناية الفائقة نفسها "علاج" الآليات النفسية التي سببت ورافقت وتلت وثبتت ذلك الاستلاب المذكور. إحدى هذه الآليات هي "اجتياف وجهة النظر الغربية في المجتمع والثقافة العربيين التقليديين" أي اعتماد وجهة النظر تلك (التي تحتقر شأن الثقافة العربية كما هو معروف أو تعتبرها دون نظيرتها الغربية على أية حال) وترديدها والاقتناع بها على أنها وجهة النظر الخاصة. أما لماذا يتم هذا الاجتياف فهو وبكلمات إبن خلدون "لأن النفس تعتقد الكمال فيمن غلبها" وبالتالي بكل شاراته وعاداته..وطبعا آرائه. إن قوة الغالب -أي الغرب هنا- يتم ربطها في أذهان المغلوبين ب "شاراته" وصفاته وآرائه واعتبار ذلك كلا واحدا بعضه يؤدي الى بعض رغم أن تلك "الصفات" قد لا يكون لها أدنى علاقة بقوته بالذات، والأمر لا يعدو ما يحدث في الفعل الشرطي لدى كلب بافلوف الذي ارتبط بذهنه الطعام بصوت الجرس فصار يسيل لعابه لسماع قرع ذلك الجرس رغم أنه لا طعام هناك ولا ما يحزنون!
2- العلوم الانسانية: ولقد آثرت هذا التعميم بسبب تداخل هذه العلوم وأخذها من بعضها كما هو معروف. الى الانتروبولوجيا البنيوية -ك. ل.شتراوس- يمكن أن نعزو الفكرة الهامة التي تزيل تقسيم الثقافات الى متقدمة ومتخلفة وتجعل من كل وحدة ثقافية بنية متكاملة بعض أنسقتها يدعم ويكمل البعض الآخر. هذه الفكرة تستند التأصيلية إليها ليس فقط في هجومها على وصمة التخلّف التي وصمت بها الثقافة العربية، بل وفي استنكارها المحق للإلغاء والتمزيق القمعي ل"أنسقة" كاملة من البنية الاجتماعية والثقافية العربية- الاسلامية فقط لأن تلك الأنسقة لا تتناسب مع أفكار نظرية استلابية غالبا ولا علاقة لها بالبنية الواقعية. مثلا: إجبار المرأة على خلع أو على وضع غطاء الرأس. في أفغانستان حبست المرأة في منزلها وفي أمكنة أخرى عريّ رأسها وفي الحالتين بالقوة. أما أن تترك لتعبر عن نفسها بنفسها كما يليق بالبشر الناضجين وأن تترك البنية الاجتماعية لتتطور بنفسها -بفعل قوى التغيير الداخلية لا القسر الخارجي- فهذا يحتاج الى شيء من احترام هذه البنية والتفكير من داخلها...
-أمامن السيمياء (أو السيميوطيقا) فقد استمدّت التأصيلية الكثير جدا من أدوات التحليل وخاصة عندما كان الأمر يدور حول الدراسة المقارنة للثقافتين العربية والغربية. وهنا يجب التخصيص، فعلم النحو (والنحو المقارن) قليل الجدوى فيما يخص حقل بحثنا ولكن كلا من علمي المعاني (سيمانطيقا) والسيمياء العملية (براكتيقا) جليل الفائدة وخاصة في إيضاح سر عدم التفاهم أوسوئه بين أبناء الثقافات المختلفة، فالأول يشرح لنا لماذا تؤدي الترجمة الحرفية الى سوء فهم إجباري في الكثير جدا من الحالات والثاني يشرح لنا كيف أن "الموقف الاتصالي" الواقعي مشحون بالخلفيات الثقافية وأن ما يقوله أحدنا ويعطيه من اشارات في موقف معين ليس طبيعيا على الاطلاق ولا مشترك بين البشر وقد يفهمه ابن ثقافة مختلفة بشكل معاكس تماما للمطلوب...
3 -الماركسية: ولعل المقصود هنا التحليل الماركسي في مجالي الاقتصاد والمجتمع والذي يساعد على فهم المصالح المادية المختلفة للطبقات ويعري الخلفيات المصلحية لتدخل الامبريالية في شؤون الشعوب ولتبعية "الكومبرادور" المحلي ويوضح من ثمة الحدود الممكنة لوطنية هذه الطبقة...
4 -العلوم الخاصة لفروع الثقافة بعمومها كالموسيقى والادب والثقافة العربية- الاسلامية خصوصا كعلم الفقه واصوله والكلام واللغة العربية.. إن البحث في هذه العلوم هو في الوقت نفسه منطلق وهدف للمشروع التأصيلي. ولنأخذ الموسيقى مثلا: إن اكتشاف أن كل مقامات الموسيقى الغربية يمكن اعتبارها تنويعات على مقامين اثنين فقط من مقامات الموسيقى العربية- "الشرقية" التي تشمل بالاضافة اليهما مقامات أخرى، هذا الاكتشاف يدفع الباحث التأصيلي الى الحفر في كنوز هذه الموسيقى الغنية ونبشها وبعثها و-وهو الأهم- إحيائها في آذان ونفوس أهلها (وليس ذلك عسيرا لأن تلك الآذان معتادة على الأنغام الأساسية لهذه الموسيقى، بل إن هذا الاعتياد هو أحد "روائز" الانتماء للثقافة المعنية) كيلا يهجروها الى موسيقى أخرى أقل غنى وثراء وأبعد عن تكوينهم الثقافي الأعمق (ولذلك فهم لن يتذوقوها ولو تظاهروا بذلك لأسباب استلابية). إذن فقد كان البحث منطلقا وأصبح هدفا! ولكن الهدف البعيد في هذا الحقل هو بناء نظرية ما يدعوه كاتبنا "منظومات اللغات الموازية" :"إن من الواجب بناء نظرية دقيقة تتناول دراسة منظومات ما أسميه: "اللغات الموازية" وعلاقاتها مع بعضها وقوانين تعقدها وتغيرها وأعني بمصطلح "اللغات الموازية" المنظومات الموازية للغة في مجتمع ما فالموسيقى العربية هي "لغة موازية" للغة العربية مثلا وبالمثل قد نجد لغة فن-تشكيلية موازية الخ. ومن واجب هذه النظرية أن تستنتج "قواعد" لهذه اللغات الموازية، وهذه القواعد ستستخدم "التأصيلية" كأرضية منطقية دقيقة تبنى عليها الأحكام و"النقد الثقافي التأصيلي". وبكلمات أخرى فهو مشروع اكتشاف البنية الداخلية للثقافة العربية.
نقد أولي أو: مخاطر ومزالق
إن المنزلق الحتمي لأي توصيف لبنية ثقافية ما هو إهمال رصد "لحظة الصيرورة" -لأن الوصف ساكن والموصوف متحرك- وإهمال حقيقة أن البنية بذاتها ليست حقيقة! بل تركيب ذهني تقريبي. والى هذا الحد فالمنزلق حتمي فعلا أي لا يمكن تجنبه ومن ثم فهو "ليس عيبا" وكل ما يتوجب على الباحث هو ألا ينسى هذه الحقيقة ويحرص على "التقاط صوره الفوتوغرافية" للبنية الاجتماعية في مراحل مختلفة ومقارنتها بعضها ببعض..! و أنا لا أريد هنا أن أتوسع في هذه المسألة النظرية التي شغلت البنيويين وناقديهم أكثر! وسأعتبرها واضحة بذاتها لأنطلق الى الجانب العملي من المسألة. فالمجتمع العربي يتعرض منذ حوالي القرنين الى "خضة" عنيفة والمتأمل لأنسقته الاقتصادية والايديولوجية والسياسية سيستنتج أنها تحولت من حالة بنية متماسكة (بغض النظر عن قوتها وضعفها) قبل هذه الخضة الى بنية مهلهلة بعض أجزائها لا يناسب بعضها الآخر. ولا شك أن هذه الكارثة هي جريمة تشخصها التأصيلية خير تشخيص عندما تصف القمع الذي مورس على البنية من خارجها...الخ ولكن ذلك لا يغير من حقيقة أن بعض هذه الأنسقة "الغريبة" قد أصبح من الرسوخ بحيث لا يمكن استئصاله دون قمع جديد وجروح جديدة. هذا من ناحية ومن ناحية أخرى فكل أنسقة البنية تلك لم تعد منفصلة عن البنى الخارجية وخاصة النسق الاقتصادي، وهذا الواقع الجديد سيتطلب بلا شك تحديات بعضها ثقافي محض.
من التغيرات البنوية في هذا القرن الأخير التحول التدريجي -والذي ما زال في مرحلة الصيرورة- للوحدة الاجتماعية الاساسية من العائلة الكبيرة الى العائلة الصغيرة وفي حالات خاصة الى الفرد. وهذا يقتضي تحولا جذريا لنظام القيم وتغييرا موازيا في مجال انتاج الثقافة واستهلاكها. وإذا كان هذا التغيّر منسجما مع تغير الأنسقة الاقتصادية (التحول الرأسمالي) والسياسية (في حالات اللبرالية التي ما تزال استثناء) فلا أراه الا نهائيا، وهو يقتضي فيما أرى فهما للتأصيلية يجد فيه الفرد نفسه متمتعا بالحرية نفسها -على الأقل- التي يتمتع بها في المجتمع التقليدي في صورته الحالية.
-وأخيرا ما هي مداخل الايديولوجيا الى بحث كهذا وكيف يمكن سد تلك المداخل؟ فالمنزلق الايديولوجي لا محيص عنه في أية دعوة جديدة كهذه تبدأ بالسجال مع تيارات فكرية راسخة وذات مؤسسات أصبحت عريقة. وأعتقد أن عملية السجال هذه بحد ذاتها هي مناسبة أولى للتأدلج اللاواعي، المثال الذي لاحظته هو أن السجال مع الحداثيين أدى الى نوع من "الكف" نال من كل ما له علاقة بالتحديث، فكانت النتيجة تشييد جدار صيني بين عالمين أحدهما مظلوم تماما سمته تقليدي والآخر ظالم ومدّعٍ سمته تحديثي. إن النماذج الذهنية لا بد منها، هذا واضح، ولكنها تتحول أحيانا الى أصنام وتمنعنا من رؤية ما هو أهم منها وما هو مبرر قبولنا لها أصلا ، أعني الواقع المعقد و"غير الانموذجي".
وبعد
فإن التأصيلية ليست بفلسفة جديدة، إنها "صيحة في واد" -بتعبير للكواكبي في سياق مشابه-، ولكنّه ليس بالوادي الخالي كما كان الأمر أيام الكواكبي، ولذلك فالأمل كبير بأن نسمع الصدى، منبعثا لا من سفوحه بل من حناجر أهله.
هوامش
(1) هذا المقال كتب كتقديم لكتاب "نحو ثقافة تأصيلية"-البيان التأصيلي تأليف محمد شاويش الذي صدر حديثاً عن دار نينوى-دمشق والدار العربية للعلوم –ناشرون-بيروت.
(2) راجع مثلاً كتاب "إصلاح أم ثورة" وهو كتاب كان ذات يوم شهيراً كتبته روزا لوكسمبرغ لتدحض كاوتسكي والإصلاحيين في الاشتراكية الديمقراطية الألمانية
(3) ولو بقيت أكثرية صامتة لظل ثقلها أخلاقياً لا سياسياً وهو الحال للأسف مع الأغلبية العربية الفقيرة
(4) الدولة الألمانية الحالية تسمي نفسها sozialstaat وهو ما يمكن ترجمته بدولة تضامن اجتماعي
(5) محمود شاكر-مقدمة كتاب "المتنبي" ص34-35
(6) سبب الأقواس لا يكمن فقط في عدم دقة التسمية وإنما في أنها "مزحة" تاريخية أن تكون الظاهرة عربية ويسميها عربي (أنور عبد الملك) باسم أجنبي مأخوذ من تاريخ غربي ثم يتم تبني الترجمة العربية لهذا الاسم من قبل العرب!
راجع لمتابعة معاني الاستلاب ومظاهره كتاب "الحب والاستلاب"،دراسة في التحليل النفسي للشخصية المستلبة" ،دار الكنوز الأدبية ،بيروت1995 وهي دراسة لكاتبنا شارك فيها كاتب هذه المقالة. وفي هذا الكتاب شرح للفرق في منهج البحث وموضوعه..بين الطريقة المتبعة هنا وكل من طريقة فرويد وطرق التجريبيين