مجلة أقلام الثقافية
  • الرئيسية
  • هذه المجلة
  • المنتديات
  • الشاعر سامر سكيك
  • انضم إلينا

واحة الإبداع

  • الشعر الفصيح
  • القصة والرواية
  • الخاطرة والنثر
  • مقالات متنوعة
  • الفن التشكيلي
  • بحوث ودراسات
  • أدب عالمي

أقلام متخصصة

  • حديث أقلام
  • القلم الديني
  • القلم السياسي
  • القلم الفكري
  • القلم العلمي
  • القلم النقدي
  • القلم الاقتصادي
  • تحقيقات صحفية

اخترنا لك

  • أعلام ومشاهير
    • أرشيف
  • قراءة في كتاب
    • أرشيف
  • مختارات شعرية

زوايا متنوعة

  • إدارة وأعمال
  • مسرح ومسرحيون
  • شؤون فلسطينية
  • للنساء فقط
  • الصحة والناس
  • من هنا وهناك
  • علوم وتكنولوجيا
    • أرشيف
  • تربية وتعليم

موسوعات أقلام

  • أدباء ومثقفون
  • قصص الأنبياء
  • التاريخ الإسلامي
  • شعراء وقصائد
  • عقائد وأديان

تسالي وترفيه

  • شرح الأبراج
  • ابتسم مع أقلام
  • ألغاز سريعة
  • اختبر ثقافتك

بحوث و دراسات

من مفهوم الأغنية الملتزمة إلى مفهوم الأغنية المتزنة

التفاصيل
كتب بواسطة: محمد سعيد الريحاني
المجموعة: بحوث و دراسات
انشأ بتاريخ: 11 مايو 2002
الزيارات: 12

من مَفهومِ "الأُغنِيَةِ المُلتزِمَةِ"
 إلى مَفهُومِ "الأُغنِيَةِ المُتّزِنَةِ"
 
مقال فني بقلم الباحث والمترجم المغربي محمد سعيد الريحاني
 
تقديم:
ظهرت "الأغنية الملتزمة" في الوسط الفني بعد شيوع تنظيرات الفيلسوف الفرنسي المعروف جون بول سارتر حول "الأدب الملتزم"  فكانت "الأغنية الملتزمة" في عز المد الثوري في كل بقاع الأرض في الستينيات وكانت تعني "الأغنية السياسية الثورية" أي أن "الأغنية الملتزمة" ارتبطت في بداياتها باليسار (فالأغنية غير اليسارية لم تكن تعتبر "الأغنية الملتزمة" ولو كانت أغنية وطنية ). وابتداء من السبعينيات امتدت "الأغنية الملتزمة" لتشمل اليمين أيضا،  فصارت "الأغنية الملتزمة" تعني "الأغنية الدينية" كذلك...
ووسط هد التجاذب بين الدين والسياسة،  حرمت المجموعات الغنائية المغربية مند السبعينيات من الاعتراف بها كفرق موسيقية تؤدي "أغان ملتزمة".  فمجموعة "ناس الغيوان" التي لم تكن ملحقة لأي حزب يساري  اعتبرت مجموعة "شعبوية" بينما اعتبر المطرب سعيد المغربي المنخرط في العمل السياسي اليساري "فنانا ملتزما"...
"الفن الملتزم" كان ولا زال يقيم على أساس العضوية في الحزب اليساري أو الإسلامي وليس أبدا على أساس مضامين النص الشعري أو الموسيقي أو حتى شكل الأداء الفني... هدا من جهة. ومن جهة ثانية، "الفن الملتزم" كان "أحيانا" يضاف عليه مسحة مقدسة  لقطع الطريق على النقد الفني والموسيقي كي لا يخلخل بنيانه الفني الهش... وكان ذلك سببا في اضمحلال "الأغنية الملتزمة" مفهوما وتجربة. 
أعتقد انه آن الأوان لتجديد الأغنية العربية وفق منظور جديد رحب غير إقصائي يشمل الجميع ليرتقي الدوق الفني. فأي أغنية قامت على غير أسس جمالية محكوم عليها بالفشل.  ولنا في مسارات غير الفنانين خير مثل على ذلك. فالفيلسوف الألماني الكبير هيغل  المعروف باني الفلسفة الألمانية تجوزت فلسفته في نفس الفترة التي ولدت فيها مع فلاسفة المادية الجدلية ولكن نظريته في علم الجمال صمدت لمدة قرنين من الزمن ولا زالت صامدة.
أعتقد انه آن الأوان لتفكيك مفهوم "الأغنية الملتزمة" و"الأغنية التجارية" وبناء مفهومين أكثر رحابة وأنا اشتغل أكثر على مفهومي "الأغنية المتزنة" و"الأغنية الفٌصامية".
إدا كان الولاء في مفهوم "الأغنية الملتزمة" حزبي أو ديني، فإن الولاء في مفهوم "الأغنية المتزنة" إنساني. إن الأغنية لا تكون أغنية دون انسجام داخلي بين مكوناتها، دون مصالحة بين النص الشعري واللحن والتوزيع الموسيقي والأداء الصوتي. "الأغنية المتزنة" أو الأغنية الواعية، أو المتناسقة، أو المتناغمة أو المتصالحة مع ذاتها تقف في تعارض مع "الأغنية الفٌصامية" السكيزوفرينية المصابة بانفصام الشخصية وازدواجية النص والأداء والطلاق الثلاث  مع الصدق الفني سواء كانت ملتزمة أو تجارية.
 
 
 
1- "الأغنية الملتزمة"  وأزمة المعايير الفنية الموضوعية:
المعيار الفني في "الأغنية الملتزمة"  غير وارد لا عند اليسار ولا عند الإسلاميين، المهم هو العضوية للحزب أو الجماعة أو غيرها من تسميات وبعد دلك يأتي النص الشعري.
لقد ربطت الأغنية الملتزمة الأداء الغنائي بالموقف السياسي ولدلك كان هدا المفهوم مجحفا فقد كانت أغاني نعيمة سميح ملتزمة بالموقف النسائي وهو شكل آخر من أشكال الالتزام التي لم يتحدث عنه أحد ممن يقدمون أنفسهم باحثين في الفن ونقادا جماليين. ولأن أغاني نعيمة سميح التزمت الموقف النسائي فلم يتقدم ولو رجل واحد في أي برنامج من البرامج التلفزية لا المغربية ولا العربية بإعادة أداء أغاني نعيمة سميح رغم التهافت الواضح للرجال على إعادة أداء أغاني أم كلثوم...
فقد كانت أغنية'' ياك اجرحي '' للمطربة المغربية القديرة نعيمة سميح قد كتبت ولحنت خصيصا لامرأة خارجة "للتو" من المستشفى لتغني ببحة صوتها وعياء مظهرها المعهودين، عن جرح... وهدا ما  ساهم في توحد المطربة لاحقا مع أغنيتها حتى صارت أغنية'' ياك اجرحي '' عند نهاية السبعينات، أغنية جرح كل النساء   اللواتي اقبلن عليها حفظا وتقليدا بشكل منقطع النظير. ولا أدل على هذا الصدق الفني النادر في تاريخ الأغنية المغربية من كون هذه الأغنية، بعد مرور أكثر من ربع قرن من الزمن على تسجيلها، لم يجرؤ كما قلت ولو مطرب واحد ذكر على إعادة أدائها. فقط المطربات الإناث ، المبتدئات والمتمرسات على السواء، هن من تقدمن في الماضي ولا زلن يتقدمن لأدائها بكل ثقل الصدق الفني الموروث عن مطربته الأصلية، نعيمة سميح.
فإذا كان ضروريا للفن أن يكون ملتزما، فاعتقد انه عليه أن يلتزم بالمصالحة مع دانه ومع مكوناته الداخلية: أن ينظم الشاعر قصيدة يستشعرها، وان يترجم المبدع القصيدة إلى أنغام، وان يقتنع المطرب بما يغنيه ويجسده ما دام هو مجرد مَعْبرا لرحلة الأغنية إلى وجدان الجمهور. إن الغناء نافذة للتعبير عن مكنونات الذات.لذلك فهو لا يمكن أن يكون مُعبِّرا إلا بواسطة ذات مغنية تستحضر التجربة المتغنى بها وتتوحد معها بحثا عن الصدق الفني الذي يرفعنا للأعالي وعن الصدق الوجودي الذي يعلمنا كيف نمارس تنظيراتنا وكيف نكون نحن، كيف نكون أنفسنا.
إن مجتمعاتنا التي تعاني من الإرث الثقيل للازدواجية (الأصالة والمعاصرة، النقل والعقل، الشرق والغرب...) لا يمكنها في أي عصر من العصور أن تكون "ملتزمة" بمرجعية من المرجعيات دون أن تكون متصالحة مع ذاتها.
 
 
2- أسباب انحسار "الأغنية الملتزمة":
التعارض الشائع هو تعارض بين "الأغنية الملتزمة" و"الأغنية التجارية" لكنني أفضل مفهومين مختلفين: "الأغنية المتزنة"، أو الأغنية المتناسقة، أو المتوافقة، أو المتناغمة أو المتصالحة مع ذاتها في تعارض مع"الأغنية الفصامية" أو الأغنية السكيزوفرينية.
إن ما يميز الأغاني الجيدة عن الأغاني الفقيرة ليس مضمون النص الشعري أو جودة اللحن أو مهارة التوزيع أو قدرة المطرب على التحرك في السلم الموسيقي صعودا ونزولا. إنما القول الفصل بين الريادية والإسفاف في الأغنية هو  درجة الوعي بالنص المتغنى به. فمتى حضر الوعي بالنص كانت الأغنية واعية وكان الأداء منسجما لحنا وتوزيعا وغناء. ومتى غاب الوعي بالنص غاب الانسجام الموسيقي لحنا وتوزيعا وغناء فظهرت الأغنية تقول ما لا تؤديه وهو ما يمكن تسميته بالأغنية السكيزوفرينية، باستعارة معجم علم النفس.
فمفهوم "الأغنية المتزنة" أو الواعية عندي أشمل من "الأغنية الملتزمة" لأنه يركز على الفعل والممارسة: أن ينتج الشاعر نصا يستشعره وأن يجسد الملحن النص الشعري لحنا موسيقيا وأن يعيش المغني  التجربة أمام المايكروفون...
 بينما تبقى الأغنية السكيزوفرينية منفصمة الشخصية مفككة المعالم لا يربط بين مكوناتها رابط فقد يكون النص الشعري يتغنى بحبيب دكر في قالب موسيقي حزين بينما المطرب ناشط من عقال... إن الأغنية الشيزوفرينية تعتمد في وجودها ككل على "النمطية" في كل شيء:  فالإيقاع جغرافي محلي والغزل الفاشل المرتجل هو النص والوجه المعروف صالح لغناء كل الأنماط الموسيقية... والنتيجة هي ملء الفراغ بالكثير من الدبدبات الصوتية ما دامت الطبيعة كما قال أرسطو تخشى الفراغ!!! ...
 
 
3- "الأغنية الملتزمة" وسلطة الفيديو كليب:
في البدء كان دور الموسيقى المسموعة هو "الإمتاع" عن طريق الطرب والموسيقى، ومع موسيقى الأفلام تحول الهدف إلى "إنجاح الفيلم" عبر بوابة الموسيقى حيث كانت الخلفية الموسيقية للفيلم تعزز الأثر الفني لدى مشاهد الفيلم.  أما في زمن الفيديو كليب فقد انقلبت الأدوار وصارت دلالة "إنجاح الأغنية بين جمهور الأغنية" هي "رواجها في السوق". إنه انقلاب من سلطة الإبداع والرأسمال الرمزي إلى سلطة المال والرأسمال المالي. لقد انقلبت السلطة الفنية في الزمن الراهن منتقلة من "سلطة المطرب" أو "سلطة المبدع/الملحن" في وقت من أوقات الزمن الماضي إلى " سلطة الفيديو كليب" وسلطة دار إنتاج الفيديو كليب.
أما الآن، في زمن صعود الصورة وأفول الاهتمام بالبث الإذاعي المسموع، فالسلطة قد انتقلت إلى شركات إنتاج الفيديو كليب وهده الشركات يهيمن عليها خصوم أحزاب اليسار العربي الدي يتبنى مفهوم "الفن الملتزم".
لقد التزمت "الأغنية الملتزمة" العربية المواجهة مند البداية مع الأنظمة الخالدة. ولدلك حكم عليها بالفناء .
إدا كانت الأغنية عند كل المجتمعات تتوزع بين الغناء عن الواقع وبين الغناء عن المثال، فإن الأغنية العربية اختطت لنفسها مند أزيد من ثلاثة عقود طريقا ثالثا غريبا وهو: "الغناء للتشويش على التفكير ولملء الفراغ وتعكير صفو البال"... مند أزيد من ثلاثة عقود والغناء في العالم العربي يخدم قضية النظام العربي الأولى: "دعم حالة الاستثناء المعلنة وغير المعلنة"... بما في دلك التشويش على التفكير باستخدام  خمسة وعشرين في المائة من قنوات القمر نايل سات "للغناء الفصامي"  السكيزوفريني والصور غير الدالة والضوضاء غير الخلاقة...
                                           
 
 
4- "الأغنية الملتزمة" وعلاقة التعاقد بين المبدع والجمهور:
العلاقة بين "الفن المتزن" والجمهور هي "علاقة تعاقد" لا علاقة تنازل او تجاهل.  الإبداع تواصل راق يطلق العنان للمشاعر الإنسانية النبيلة ويحسس الناس بحريتهم ويستدرجهم للاستمتاع بها.  الإبداع مطلب وجودي يتمظهر في شكل واجب ينتظر من الجمهور القيام به من خلال الوعي بحريتهم واستثمارها.
إن المجهود الكبير الذي يبدله كل مبدع قبل إخراج عمله للوجود لأكبر دليل على هذا الاعتراف بحرية الجمهور الذي قد يلقي الأغنية في وجه أصحابها إن أظهر هؤلاء نفاقا أو تحايلا على حريتهم.  إن الامر يتعلق ب"تعاقد"  بين طرفين متكاملين لا غنى لأحدهما عن الآخر، ولا سلطة لهذا على ذاك.
هذا التعاقد بين الأحرار في الأغنية هو ذاته "التعاقد" الذي ننشده في الحياة السياسية بين الحاكم/المغني والمحكوم/الجمهور وأساسه الثقة المتبادلة والحرية كصفة وجود لكل منهما والعمل على إعلاء راية القيم الإنسانية النبيلة... 
 
 
 
5- "الأغنية الغدوية" هي "الأغنية المتزنة":
الموسيقى شكل خالص. ولأنها كذلك فإنها صانعة الدلالة ومولدتها.
يجب أولا التمييز بين نوعين من النصوص : النص المجرد (كلام، رأي، قيمة...) والنص المجسد ) الشكل الذي يحقق كل نص مجرد وجوده (.إنه تمييز بين العام المطلق وبين الخاص النسبي المحدد في الزمان والمكان. ولعل ما جعل النص المجرد يستحيل نصا مجسدا، نسبيا ومتفردا هو تدخل " الجسد". إن وظيفة" الجسد" هي جعل النص الثابت متحولا ومتغيرا ومتفردا.آنذاك فقط يبدأ المعنى ويتأسس.
وقد كتب الدكتور عبد الكبير ألخطيبي في كتابه المعروف "  الاسم العربي الجريح ": '' ليس الجسد هو النص، ولكن الجسد هو الصورة الغامضة لنصوص يتيمة لانهائية. إن الجسد ليس شيئا آخر سوى منتج لهذه النصوص لانهائية.''
فإدا كان الكوميدي قادر على جعل خطابات الساسة بنقطها وحركاتها محط سخرية بمجرد تشغيل إيماءات غير مناسبة ، فإن الغناء والموسيقى عموما يمكنها يمكنها  أن تجعل من الكلمات يمامات برية طليقة.
 
 
 
6- "الأرض تتكلم ثقافتنا":
الأغنية هي "ذاكرة" بالنسبة لمن عايش ميلادها ونموها. فالأغنية كائن حي ينمو ويشيخ ويموت ليفسح المجال لميلاد نوع غنائي جديد. لكن الغناء في كل مراحل دورته الوجودية يبقى في النهاية "وجدان" لكل من قدر له الميلاد والحياة في تربتها وتحت سمائها... الأغنية هي انتماء للأرض. فكما غنى سيد مكاوي: "الأرض بتتكلم عربي"... إن الأرض التي أنتجت هده النباتات المحلية المتفردة حولنا كشجرة الأركانة التي لا يمكنها النبات في أي تربة خارج المغرب هي ذات الأرض التي رعت الحيوانات  الأخرى التي لن تجدها في أي غابة من غابات المعمور وهي ذات الأرض التي أنتجت هده البشرة المميزة لسكان المغرب العربي التي يلقبونهم في فرنسا تبعا لها "les Beurs" وهي ذات الأرض التي أنتجت هده الموسيقى وهدا الغناء... إن الأرض تتكلم من خلالنا وكل هذا التعدد الغنائي ما هو إلا لغة الأرض: لغة الوطن.
 
 
7- التجارب الغنائية في المغرب بين ريادية الفنان وتخلف المثقف والسياسي:
إن أي مشروع لتجديد الخطاب العربي العام لابد له من إدراج تجديد الخطاب الغنائي ضمن جدول أعماله. بل من الأجدى إعطاء الأولوية في التجديد للأغنية العربية وجعلها قاطرة للمشروع العربي الغدوي مضمونها "التعددية" ولسانها "الحوار"، الحوار الشامل: حوار المغنين، حوار الآلات، حوار المقامات... لقد قال أحدهم ذات مرة:"إذا أردت التعرف على شعب، فاستمع إلى موسيقاه "، فلماذا لا نكون أسياد أنفسنا ونصنع لذواتنا صورا مشعة تجعلنا جديرين بالوجود وتغري الآخرين بقيمة حضورنا وفعلنا الإنسانيين؟
المجموعات الغنائية المغربية مند السبعينيات من القرن الماضي، حاولت بعث هده الصورة المشعة لتضيء الطريق نحو أفق مغاير يغري بالتجربة. لكن ما حصل وبكل جرأة هو أن هؤلاء الشباب الموسيقيين اصطدموا بواقع أكثر مرارة من الواقع الذي قصدوا تغييره بالأغنية. لقد اصطدموا بمثقفين أميين في الفن وبمنظمات جماهيرية   فغابت فرصة التاطير السياسي والثقافي لتلك المجموعات وضاعت معها فرصة العمر.
 
 
 
خاتمة:
إن أزمة الثقافة العربية عموما هي أزمة حرية بالدرجة الأولى. فالشاعر ليس حرا والملحن/المبدع ليس حرا والمطرب ليس حرا والجمهور ليس حرا... ووسط هده الحلقات المتشابكة من اللاحرية، يعشش التكرار والاجترار والنمطية والروتين القاتل لفن يفترض أن يجدد الوجدان والداكرة والبصيرة والفكر...
 
إن "الحرية"  في التقليد الثقافي العربي تقترن  باستقلال الوطن ومقارعة المحتل. أو ربما بدت مختلفة عن مفهوم "الحرية" في العرف الشعبي العربي الذي يقارن "الحرية" بنقيضها الثابت "العبودية" أو "الأسر". إن  مفهوم "الحرية" ، بالإضافة إلى مقارعة المحتل حتى الاستقلال ونقض العبودية والأسر،  مرتبط بسبر أغوار الداخل: أعماق الذات.  إنه تحرير القوى الداخلية عبر مصالحتها والمصالحة معها. ولذلك كان  مفهوم "الحرية" الذي يدير كل أعمالنا لا يتحقق إلا عبر بوابة "التوحد": توحد القول والفعل، توحد الفكر والقول، توحد الفكر والفعل، توحد الصوت والصورة، توحد النص والمغني...
الحرية ، بمعناها الكامل إذن، تقتضي التحرر من الخارج/الآخر وتحرير الداخل/الذات. فلا حرية، إذن، دون المصالحة مع الذات وتحريرها: فما جدوى الاستقلال عن الآخر مع البقاء مكبلا من الداخل؟   ولا حرية خارج "التوحد": لا حرية تحت راية الازدواجية والسكيزوفرينية وانفصام الشخصية...  ولذلك معقود على "الأغنية المتزنة" في طرح مطلب الصدق الفني والمصداقية في الإبداع الفني العربي عبر بوابة الحرية والتحرر والتحرير.
 
الباحث والمترجم المغربي محمد سعيد الريحاني

 

الجغرافيا الشخصية : مورفولوجيا حركة وانتشار الجسد في الفضاء

التفاصيل
كتب بواسطة: د.شهاب اليحياوي
المجموعة: بحوث و دراسات
انشأ بتاريخ: 11 مايو 2002
الزيارات: 8

الجغرافيا الشخصية : مورفولوجيا حركة وانتشار الجسد في الفضاء 
                        
  د.شهاب اليحياوي : تونس   
 
 
  
        مثّلت صورة الفضاء موضوعا لعلوم عدّة على غرار السيميوتيك وعلم النفس : نظرية بياجي بالأخصّ والتي تحيل المفاهيم التي تحملها الذوات الإجتماعية حول الفضاء الذي تشغله وتتحركّ ضمنه وداخله ، الى مرحلة الطفولة . فهي تتعلّم منذ الطفولة ويشكّل إطّراد الأفعال أساسا ينضاف إلى الإدراك البصري لتشكّل وتبلور صورة الفضاء لدى الذات الإجتماعية . ويترجم إطّراد الأفعال في مفهوم تجربة الذات بعبارة { كابال } (1) أو الممارسة الفضائيّة أو المعاش الفضائي  بعبارة لوفافر (2)  ومافيزولي (3) وشعاع إنتشاره على فضاء المدينة في الإتّجاهات الأربعة إنطلاقا من مركز أو محور هو الفضاء الخاص أو هو الزقاق أو النهج أو الشارع أو الحيّ . تستجيب هذه الدروب بعبارة { لينش } التي يسلكها المديني روتينيّا ، لجدول زمكاني غير إختياري في الجانب الذي يتّصل بالعمل أو الدراسة أو التزوّد أو التسوّق ، وموقفيّ فيما يتعلّق بنمط من الفضاءات والحارات والأنهج والأمكنة : كالمتخصّصة في الدعارة مثلا أو على العكس بالشعوذة أو بطقوس دينية منبوذة أو لا مرغوب فيها . يترتّب عن هذا الموقف من الفضاء سلوك فضائي ينزع الى تحاشي أو الإمتناع عن تعاطي وحدة أو وحدات من الفضاء المديني . يقتطع هذا السلوك من المورفولوجيا ومن الجغرافيا الفعلية للمدينة زوايا تغيّب من الجغرافيا الشخصية التي تستقلّ عن الواقع الذي تشكّلت ضمنه ومنه لتصبح متن الفاعلين في التواصل مع الفضاء المديني ومواقفهم منه .
        يتأسّس الموقف من الفضاء على صورة الذوات الإجتماعية الذهنية وجغرافياتهم الذاتية . وتتّصف جغرافيا الفضاء الذاتية بالثبات بما هي تجسيد أو إرتسام لجغرافيا حركة الجسد ، على إعتبار أنّ " صلة أيّ عضو بجماعة ومجتمع بالفضاء تعني صلته بجسده والعكس بالعكس " (4) . ذلك ما يصيغ مفارقة إضافية بين المدرك والمتصوّر من فضاء الجسد كحقل رمزيّ ، يتجسّد في عدم خضوع الجغرافيا الذهنية  للتغيّر الآلي تبعا للتغيّر الإجتماعي أو العمراني أو المعماري أو المديني أو المورفولوجي : كظهور أحياء جديدة وبعث فضاءات جماعية أو تشييد مجمّعات سكنيّة حديثة في زوايا أو أحياء هذه المدينة . على أنّ وقوع هذه التحوّلات خارج دائرة اليومي لدى فاعلين دون آخرين لا يستجيب كليّا الى متغيّر موقع الفاعلين من المعلومة ، بل أيضا الى خارطة حركة الجسد في الفضاء الممارس من المدينة . تجسّد خارطة حركة الجسد في الفضاء المديني خارطة إجتماعية ترسم حدود ومورفولوجيا العلاقات الإجتماعية للفاعلين ، التي تعطي لتنقّل وحركة الجسد عبر وضمن الأزقّة والأنهج والأحياء والفضاءات المقد<سة والمدنّسة اليومية والإحتفالية شكلا ما يبرّرها . فنتحدّث مثلا عن جغرافيا يومية لدى الجيل الثالث من بلدية الحفصية { فئة عمرية بين 15 و 24 سنة يزاولون تعليمهم داخل منطقة الحفصية } كجغرافيا ذاتية أو خارطة ذهنية تكشف عن حضور غالبيّ للمورفولوجيا اليومية لحركة الجسد إنتقالا بين المنزل الواقع في زقاق أو نهج والمدرسة أو المعهد من ناحية وبين المنزل وفضاءات التزوّد اليومي ( العطّار ، الحمّاص .... ) الواقعة داخل
                                                            - 1 -
-------------------------------------------------------------------------------------------------------------
1-       Horacio ( c ) : L’image de la ville et le comportement spacial des citadins ; per ; L’espace gèographique ; N° 1 / 1975 ; jan – mars ; p 77 .
2-       Lefebvre ( H ) : Critique de la vie quotidienne ; ed l’arche èdiyeur ; paris 1961 ; pp 218 – 220 .
3-       Maffesoli ( M ) : La logique de la domination ; paris puf ; 1976 ; p 20 .
4-       Lefebvre ( H ) : La production de l’èspace ; ed Anthropos ; 1974 ; p 50 .
 
 
النهج ذاته لمكان الإقامة أو النهج المجاور أو الساحة التي يفضي إليها الزقاق أو النهج . إذا كان المحور الأوّل يفضي بهذه الفئة العمرية الى خارج الحومة بمعناها الضيّق المقتصر على زنقة أو مجموعة أزقّة محدودة متفرّعة من ذات النهج أو مفضية الى بعضها بفعل المورفولوجيا اللولبية للفضاء التاريخي للحفصية ، فإنّ المحور الثاني يحصر حركة الجسد في دائرة ضيّقة قد لا تتجاوز لدى البعض بضعة أمتار من النهج أو زنقة أو إثنين لدى شاغلي الأزقّة خاصة الضيّقة جدّا والحادّة أي التي ليس لها منفذ بل مدخل يشبه الفراغ الفاصل بين الغرف في عدد كبير من المنازل في الحيّ الأوروبي { العمارات } أو الأحياء التخومية الجديدة . فيكفي غلق مدخل الزقاق حتّى تتحوّل أبواب المنازل المتلاصقة والمتقابلة الى أبواب غرف لمنزل واحد .
        
        تكشف أجوبة هذه الفئة عن نمطين من مورفولوجيا حركة الجسد . تشكّل الدار ضمن النمط الأوّل نقطة تقاطع بين محورين : ينطلق الأوّل من المنزل إلى مكان الدراسة سواء الواقع داخل المدينة أو خارجها وينتهي إليه من جديد لينطلق المحور الثاني منه نحو الفضاء الإجتماعي اليومي الذي هو الزقاق أو الأزقّة المتفرّعة عن ذات النهج في شكل متجاور مفضي لبعضه البعض أو مقابل أو هو النهج ، يتحرّك ضمنه الجسد تحقيقا لحاجيات بيولوجية { شراء الغذاء ومستلزماته } و إجتماعية { التلاقي والإجتماع مع أولاد الحومة أو زملاء الدراسة } ، وهي ذات النتيجة التي إنتهى إليها التحليل السوسيومورفولوجي لبروكوب للجغرافيا الذاتية للمدينة . فالفضاء لديه ينتهي أين تقف التفاعلات الإجتماعية للأفراد والجماعات (1) . تمارس هذه التفاعلات تأثيرا في الخارطة الذهنية للمدينة من زاوية كونها تحدّد مسارها وإتّجاهها الى الأمام أو الخلف ، الى اليمين أو الى الشمال نقطة إرتكازها  على أنّ المحور الفضائي لحركة الجسد ومنها شكل الخارطة الذهنية هو اليومي . ويقصد بذلك المنزل أو الزقاق أو النهج . فالخارطة الذهنية لهذه الفئة رغم تعدّد أشكال رسومها الرياضية عند رسم دروب حركة وإنتقال الأفراد في وعبر فضاء الحفصية ، هي جغراقيا اليومي التي تنشأ عن فعل إطّراد تعاطي ذات الفضاء أو ذات الدروب . وهي كما إستنتجنا من سؤال هذه الفئة حول أسماء أ زقّة والأنهج المتفرّعة عن الدروب اليومية ، جغرافيا الخطوط الكبرى أو خارطة الوجه العام . فالإمتداد الفضائي لصورتهم الذهنية للحفصية كما تنعكس في ذاكرتهم الفضائية لا تتعدّى شعاع إنتشار حركتها ونشاطها اليومي .
         إنّ ما يشكّل صورة الذوات لفضائها هو الإستعمال وهو ما يثبت الفرضية الكبرى للبحث (2) التي تعتبر أنّ الفضاء المديني يتّخذ دلالاته الفعلية من الإستخدام الذي يقيمه شاغليه . فالمدرك من الفضاء المعاش الذي هو نتاج الممارسة الفضائية أي التعاطي المطّرد واليومي لكلّ جماعة إجتماعية ، يشكلن صورة المدينة لديها . فلكلّ جماعة إجماعية صورة ذهنية (3) أو خارطة ذهنية للجغرافيا اليومية لنشاطها الإجتماعي أي مورفولوجيا حركة وإنتشار الجسد في الفضاء : الخاص والعام ، المقدّس والمدنّس ، المباح والمحضور ، الروتيني والإحتفالي . لكن تظلّ هذه الصورة مفتوحة على المعلومة أي نصر الإخبار أو المعرفة اللا مباشرة بالفضاء . لا يشكّل في منظورنا هذا البعد عاملا محدّدا بل هو عامل ضمنه موقع الجماعة من مصادر المعلومة مدى إجرائيّة الصورة الشخصية أي مدى مطابقتها لواقع المدينة , على أنّ التموقع الفضائي للذوات الإجتماعية ضمن جغرافيا المدينة بالنظر إلى الفضاءات المستوعبة للتغيّرات المعمارية والعمرانية ، يلعب دورا لا يمكن للتحليل أن يغفل عن مقاربته في بلورة الجغرافيا الذاتية للمدينة للفاعلين في إتّجاه إستيعاب الجديد المديني وإنعكاس ذلك على علاقة الذوات الإجتماعية بالفضاء وموقعه منه .
                                                            - 2 -
------------------------------------------------------------------------------------------------------------

        1- Horacio ( C ) : Op CIT ; p 77 .
2-         هي الفرضية الكبرى للبحث المنتقى منه هذه المقالة التلخيصية، ضمن أطروحة دكتوراة في علم الإجتماع بعنوان : دور الفاعلين الإجتماعيين في توزيع  الفضاء المديني           والتغيّر الإجتماعي ، للدكتور شهاب اليحياوي ، صاحب المقال .                                                                                                                                            3 - Horacio ( C ) : Op CIT ;  77  
      
          يحتكم كلّ فاعل مأخوذ كفرد أو كجماعة على خارطة ذهنيّة (1) للمدينة أو الفضاء المديني الذي يحيا ضمنه ، لا تتطابق دائما مع الخارطة الفعليّة . وينسحب الواقع ذاته على مورفولوجية الفضاء . وتؤسّس كلّ خارطة ذهنيّة فردية أو جماعية لجغرافيا مغايرة في كلّ الحالات للجغرافيا الفعلية لمكان عيش الناس . نتحدّث إذا عن جغرافيا شخصية أو ذاتية هي صورة لمورفولوجية وجغرافية حركة وإنتشار الجسد في الفضاء  التي ترسم تمفصلات وحدود الفضاء الفعلي . حا لما تتشكّل صورة الفضاء الجغرافية تطرح نفسها على الفاعل كصورة حقيقية عن الفضاء المعاش تؤثّر على تصوّر وموقف الفاعل من فضائه . يستحيل ، من هذا المنطلق ، موقف الذوات الإجتماعية من المدينة التي يحيون ويتحرّكون ضمنها ، لا يشكّل غاية البحث في حدّ ذاته بل منطلق التحليل نحو تعقّل درجة إندماجها في محيطها المدينيّ . ثمّ إنّ أيّ موقف لا يحتمل تأويله دون تمثّل أو إستدعاء أكثر من ضروري لجغرافية الفضاء الذاتية للفاعل وحدة البحث . فكلّ فاعل يحتكم إلى وعلى تمثّل لما يحيط به لإطار فعله وحركة جسده وحقل تفاعلاته . ثمّ إنّ الفضاء هو " وسيط بين النشاط الذهني الذي يخلق والنشاط الإجتماعي الذي يحقّق " (2) . إنّ ما نسميه بالجغرافيا الموازية أي التي يستبطنها الفاعل وتؤثّر في صورته للفضاء وموقفه منه ، ليست نتاج موقعه من المعلومة حول المدينة أو هي نتاج معرفة إخبارية . هذه الجغرافيا الشخصية هي تحصيل للممارسة الفضائية اليومية للفاعلين والمعلومة حول الفضاء والذاكرة الفضائية الجماعية . على أنّ تشكّل الجغرافيا الشخصية للفضاء المديني على عكس الجغرافيا الفعلية غير نهائية تظلّ معطاة للتبلور والتبدّل الذي لا يسبقه بالضرورة ودائما تبلور الفضاء المدرك . على أنّ التغيّر المساحي والمورفولوجي للفضاء اليومي هو المعطى الذي يشكّل إلى جانب شبكة علاقات وتواصل الفاعل ذاته مع فضائه المديني مرجعية تحليلية لبلورة الجغرافيا الشخصية للفاعلين الإجتماعيين .
      يعتبر هوراسيو كابال هذا التباعد بين صورة الفضاء والفضاء ذاته مردّه عدم كفاية أدوات المعرفة وتقبّل المعلومة الصحيحة حول الفضاء المديني . وهو يردّ هذا الحيد إذا صحّت العبارة إلى تفسيرات فيزيولوجية وسوسيولوجية في الآن ذاته . فالإنسان يستتقبل المعلومة عبر مصفات وهي العقل الذي يمارس فعل مراجعة وترجمة أو إعادة تركيب وفق منظومة القيم التي يختزنها . وبما أنّ منظومة القيم والمعايير تتغاير بالنظر إلى شخصيات الأفراد وثقافة الجماعة ، فإنّ صورة الفضاء تتعدّد . ومثلما أنّ إحتلال الفضاء الخاص الذي هو الدار أو المنزل يستجيب لقيم ومعايير ثقافية تميّز جماعة إجتماعية بعينها ، فإنّ فعل إختيار التموقع أو إستمرارية التواجد ضمن الفضاء المشترك الذي هو " الحومة " أو الحي أو المدينة ذاتها يستجيب لذات المنطق . من هنا فإنّ تواجد أو تواصل تواجد الفاعلين ضمن الفضاء الذي يشغلونه جسدا وذاكرة ولكن أيضا عقلا ، يملك تبريرا عقلانيا لسلوكهم الفضائي : تموقعهم ضمن قضاء المدينة وتواجدهم أو إستمرارية وجودهم ضمنها .
     تتلقّى ، إذا ، صورة المدينة التي يحتكم إليها وعليها شاغلي الفضاء المديني تأثيرات وتحديدات واعية ولا واعية فردية وأخرى جماعية نفسية وإجتماعية لتجعل منها ظاهرة معقّدة يبطل معها موقف كابال من كونها لا يصعب تعقّلها . ويستدعي فهم هذه الظاهرة تمثّل متعدّد أبعادها في التحليل السوسيولوجي .
                                                             - 3 -
 ----------------------------------------------------------------------------------------------------------

1 – Horacio ( C ) : op cit ; p 75 .
2 – Lefebvre ( H ) : La production de l’éspace ; éd Anthropos ; 1974 ; p 39 .
 

السيرة الحسينية

التفاصيل
كتب بواسطة: نضير الخزرجي
المجموعة: بحوث و دراسات
انشأ بتاريخ: 11 مايو 2002
الزيارات: 9

الكرباسي يقدم في "السيرة الحسينية" منهجا جديدا لقراءة التاريخ

نضير الخزرجي*

مرّت على الأرض مدنيات وحضارات، أقوام ومجتمعات، وتداولت الأمم أسماء وشخصيات بالخير والشر، وارتفع أناس في سلم المجتمعات وتسافل آخرون، سجّل التاريخ بالنور بعض وبعض بسواد الفحم، وانمحت أثار بعض وبعض بقيت آثاره دالة عليه يشار إليه بالبنان أو بطعن اللسان، تقوده أعماله الى برج الذكرى الحسنة أو تهبط به الى مهاوي التنكيل، تعرج به حسناته الى سماء العلو والرفعة او تهوي به سيئاته الى قاع النسيان.
ثنائية تشكلها ريشة البشر على لوحة الحياة، فالخير ورجاله وأعماله عذب فرات، والشر ورجاله وأعماله ملح أجاج، ولا برزخ وسط يتذبذب فيه التاريخ الى هؤلاء وهؤلاء يمده من عطاء الحياة، فالخير خير والشر شر، والسيرة الحسنة تتثبت على أثافي الخير، والسيرة السيئة تتأرجح على أعواد الشر تتقلقل بصاحبها فلا كلب لديه يبسط ذراعيه بالوصيد، ولا شمس تتزاور عن سيئاته ذات اليمين اذا طلعت وإذا غربت لا تقرضه ذات الشمال ولا هو في فجوة، بل هو في حفرة أعماله، كلما أساء زاد في قاعها وصعب عليه مراقيها.
فالإنسان والأمة والمدنية والحضارة تقاس بعطاءاتها وإنجازاتها، فالنبي ابراهيم كان رجلا واحدا حين عزّ الأنصار في قوم تسمروا على أصنام يعبدونها، ولكن عطاءه في ميدان التوحيد كان كبيرا، فاستحق الوصف الرباني "إن ابراهيم كان أمّة"، فالعملية طردية، فكلما عظمت أعمال المرء تنور قمره وأشرق شمسه وتتلألأ نجمه.
المحقق والبحاثة الدكتور محمد صادق الكرباسي، في كتابه "السيرة الحسينية" في جزئه الأول الذي صدر عن المركز الحسيني للدراسات في لندن، في 500 صفحة من القطع الوزيري، يأخذنا في رحلة نوعية لمشاهدة أدق التفاصيل في سيرة الامام الحسين بن علي بن أبي طالب (ع) في سنواته الأولى وهو في كنف جده نبي الإسلام محمد بن عبد الله (ص).
ولكن الكرباسي قبل أن يحدو بنا الى المدينة المنورة حيث مولد الامام الحسين (ع) وملاعبه ونشأته، يتوقف طويلا عند التاريخ والتأريخ، مؤرخا لنشأة البشرية من أبينا آدم الذي نرجع اليه بالنسب، وممنهجا للتاريخ وكيفية قراءته، في مباحث استقلت بأكثر من خُمس صفحات الجزء الأول من السيرة الحسينية ذات الأجزاء العشرة في سياق أجزاء الموسوعة الحسينية ذات الستمائة جزء والتي صدر منها تباعا 32 جزءاً، في عمل موسوعي قل نظيره في عالم الدوائر المعرفية والموسوعات.

التاريخ والزمان وأشياء أخرى
يتناول المصنف تحت عنوان "تاريخ الإنسان" عمر الكرة الأرضية وعمر البشرية الحالية، والتقسيمات المختلفة لمراحل حياة الإنسانية، لينتهي في سابقة تحقيقية الى بيان تاريخ هبوط آدم ووفاته باليوم والشهر والسنة، حيث نجد هذه المعلومات بالتفصيل في الجزء الأول من كتاب "الحسين والتشريع الاسلامي" من هذه الموسوعة، فالتاريخ عنده يبدأ من هبوط آدم في شهر كانون في العام 6880 قبل الهجرة الموافق للعام 6052 قبل الميلاد، ولا ينتهي بوفاة أبينا آدم يوم الجمعة في العام 930 من عام الهبوط الموافق للسادس من نيسان أبريل العام 5150 قبل الميلاد، فالتاريخ استمر فيه وفي نسله الى يومنا هذا، وهذا التاريخ اختاره المصنف، وأما: "ما يتناقله علماء الأحياء إنما هو من باب الحدس، والخلاف بين مدرسة الأديان ومدرسة الآثار يبقى قائما الى أن تصبح النظريات حقائق".
ولكن من يقف وراء صناعة التاريخ: الحدث أو الشخص، أو كلاهما؟
تحت عنوان "من وراء التاريخ؟" يجيب المصنف على هذا التساؤل الحيوي الذي لم يزل تختلف عليه الآراء حتى يومنا هذا، فالحدث إما أن يكون من صناعة الانسان نفسه أو أن يكون بفعل قوة غيبية تنسجم مع القوانين المودعة في ناموس الأرض والحياة، أو ما يسمى بالأحداث الطبيعية التي هي خارج عن قدرة الانسان، ولكن الثابت: "إن حركة التاريخ لا يمكن أن تكون من الأحداث الطبيعية بل هي من صنع البشرية .. ونرى أن الأحداث لا تصنع التاريخ الماثل أمامنا، بل التاريخ بحاجة الى حركة تنتمي الى جوهر روحي وإلا فسوف يبقى على جموده".
ولكن مثل هذا الكلام يتولد عنه تساؤل آخر: هل التاريخ فاعل أو مفعول؟
المصنف وتحت عنوان "التاريخ فاعل أو مفعول" يبحث فيما اذا كان التاريخ هو الذي يصنع الانسان ويؤثر فيه أم إن الانسان هو الذي يؤثر في التاريخ سواء كان من صنعه أو من صنع الطبيعة، ويرى في نهاية المطاف أن التاريخ فاعل ومفعول في آن واحد، فالإنسان يكون صانعا للحدث فيكون التاريخ الذي يسجل ذلك الحدث مفعولا بفعل الانسان الفاعل، ويتأثر الانسان بالأحداث وخاصة الطبيعية فيكون الحدث وتاريخه فاعلا في الانسان المفعول، بيد أن الثابت: "إن محور الكون هو الانسان، فهو اذاً محور التاريخ".
أما كيف يتحدد التاريخ؟
بهذا العنوان يحاول المصنف أن يجيب على تساؤل لم تتفق عليه الآراء، فيما اذا كانت حركة الليل والنهار تقف وراء الزمان أم أنها مظهر له، وينتهي الى القول بأن حركة الليل والنهار: "مظهران من مظاهر الزمان ومحددان له، وإنما الحركة هي التي تصنع الزمان" فلولا حركة الأجرام السماوية لا يتحقق الليل والنهار ولا الفصول الأربعة، مؤكدا في الوقت نفسه: "إن الزمان هو محور التأريخ، وحركة التاريخ تابعة لحركة الزمان".
وبناءاً على هذا الفهم لدور التاريخ، فانه لابد وان يكون له قيمة في سجل المكرمات، وهو ما يبحثه المصنف تحت عنوان "قيمة التاريخ" فيعدد نماذج من قيم التاريخ، ففي المجال السلوكي يقدم التاريخ للأجيال، العبرة والموعظة، ويوفر التطور والكشف في المجال العلمي، ويعالج الأسباب في المجال السياسي، وفي المجال الاقتصادي يعمل على رصّ الأسس، ويزيد من الإبداع في المجال الأدبي، وفي المجال الفلسفي يكسب المرء الخبرة والتجربة، ويرى المعلم بطرس البستاني (1819-1883م)، أن: "فائدة التاريخ: العبرة بتلك الأحوال والتنصح بها وحصول ملكة التجارب بالوقوف على تقلبات الزمن". وعلى مستوى النص، فان الامام علي (ع) لخّص الفائدة بوصيته لابنه (ع) وهو القائل: "يا بني إني وإن لم أكن قد عمرت عمر مَن كان قبلي فقد نظرتُ في أعمارهم وفكرتُ في أخبارهم وسرتُ في آثارهم حتى عدتُ كأحدهم، بل كأني بما انتهى إليّ من أمورهم قد عمّرت مع أولهم وآخرهم فعرفت صفو ذلك من كدره، ونفعه من ضرره"، ولا يخفى أن الخطاب موجه الى كل أفراد المجتمع من كان أو هو كائن ويكون، وحتى تأخذ صيغة الخطاب تأثيرها، ينبغي تدوين التاريخ حتى تطلع عليه الأجيال وتتعظ به، وربما كان القرآن الكريم في صدارة المتحدثين عن التاريخ الناطق. على أن هناك فرقا بين التأريخ (بالهمزة) والتاريخ (بالمد)، يسجله المصنف في مبحث مستقل تحت عنوان "الفرق بين التأريخ والتاريخ"، ليخلص الى أن الكلمة وردت في اللغة العربية بعد الإسلام، فقد خلت النصوص الجاهلية منها. كما يعدد المصنف تحت عنوان "الفرق بين علم التاريخ وعلم الآثار" التباينات بين العلمين، منتهيا الى إن التاريخ يشمل على: "معرفة حركة الزمان والمكان لما يستوعبه ومن يستوعبه"، في حين أن الآثار هي عملية: "تقفي الأثر لمعرفة ما يكتنفه من معلومات".
ولا يكاد يمر المرء على التاريخ إلا ويعلق في الذهن السؤال الطبيعي: "هل التاريخ يعيد نفسه؟"، وهو تساؤل منطقي يعيد المصنف عرضه، ليقرر: "إن التاريخ ليس فيه ما يمكن إعادته، وذلك لان إعادة الزمان غير ممكنة لأنه من الماضي"، ولكن الذي يعود هو الأسباب والمسببات، لان: "الأسباب في جوهرها واحدة، وعلى ضوء ذلك فالمسببات بشكل عام تكون واحدة، وان اختلفت صورها".
ولما كانت لكل أمة حوادثها التي تركت أثرا بارزا، فكان من الطبيعي أن تؤرخ كل امة لتاريخها بحدث خاص مميز تعتز به، وهذا ما يبحثه المصنف تحت عنوان "بماذا يؤرخ؟"، فللصينيين تاريخهم وتقويمهم وللهند تقويمها ولأهل الكتاب تقويمهما وللمسلمين تقويمهم، وهلم جرا.
كما كان من الطبيعي أن يقوم من يتحمل بمسؤولية تثبيت حوادث التاريخ ووقائعها، وهذا ما يبحثه المصنف تحت عنوان "مَن المؤرخ؟" معددا شروط المؤرخ المتخصص بكتابة التاريخ، ناعيا على المؤرخين المتصفين بالجمود وينقلون كل شيء دون اكتراث للمحيط والعوامل المؤثرة في الحدث، فيكون حالهم كما يقول البحاثة الكرباسي: "كآلة ناقلة لا يستخدم فطنته في استيعاب الحدث حين النقل"، وحسبما يقول ابن خلدون (732-808م): "إن الأخبار اذا اعتمد فيها على مجرد النقل ولم تُحكم أصول العادة وقواعد السياسة وطبيعة العمران والأحوال في الاجتماع الانساني ولا قيس الغائب منها بالشاهد والحاضر بالذاهب فربما لم يؤمن فيها من العثور ومزلة القدم والحيد عن جادة الصدق".
ولكن يا ترى "هل يخضع التاريخ للتخصص؟". تحت هذا العنوان يجيب المصنف على السؤال بالإيجاب، فنقول تاريخ الرجال او تاريخ الدول او تاريخ العلوم، بيد أن: "هذه التخصصات والتشعبات لا يخرجها عن تأريخيتها لأنها تمتلك مقومات التاريخ وخصوصياته".
ولما كان الحديث عن السيرة الحسينية، فان المصنف يفرد بحثا عن "مبدأ التاريخ الاسلامي"، مستشهدا بعدد وافر من النصوص والشواهد التاريخية ليدحض الرأي الشائع بان التقويم الاسلامي بدأ منذ العام 16 هجرية، مؤكدا إن التاريخ الهجري ابتداءاً من شهر محرم الحرام بدأ العمل به منذ الهجرة النبوية مباشرة. ويدخل المصنف من هذا البحث الى بيان "النهضة الحسينية ومقومات التأريخ"، ليؤكد أن النهضة الحسينية واستشهاد الامام الحسين (ع) في كربلاء في العاشر من محرم الحرام العام 61 هجرية، تمتلك كافة مقومات التأريخ بها، لكن النهضة كانت امتدادا لحركة الرسالة الإسلامية وترسيخا لما جاء به محمد بن عبد الله (ص).
وإذا كان التاريخ له قيمته، فهل يملك الحجية لإثبات موضوع ديني أو تشريعي؟
هذا الموضوع الحساس يبحثه المصنف تحت عنوان "حجية التاريخ"، ليؤكد إن عمل البشر الذي وصل إلينا لا يعتبر حجة إلا أن يكون الانسان صاحب التأثير الفاعل في حركة التاريخ، معصوما أو من ضمن سيرة المتشرعة المتصل بزمن المعصوم، أو أن كلامه وفعله من ضمن الشهرة الروائية والفتوائية، ذلك إن التاريخ تعرض للتحريف.

السيرة .. فن وإبداع
وينتقل المصنف من التاريخ وما يتعلق به الى الحديث عن "السيرة لغة واصطلاحا" وهو مدار أجزاء هذه السلسلة من دائرة المعارف الحسينية، حيث أن المراد بالسيرة: "مجموعة أفعال الشخص وأقواله التي يعبر عنها بالسلوك"، فالسيرة إذن: "علم معرفة سلوك شخص أو أمة.. وقد يراد منها علم التاريخ، وربما أمكن الفصل بينهما بأن السيرة هو تاريخ الشخص، والتاريخ هو سيرة الأمة". ولهذا العلم فنونه ورجاله، ويقال إن أول من صنف في علم السير والتاريخ هو محمد بن إسحاق المطلبي المتوفى العام 151 هجرية، وأول من سمى مصنفه بالسيرة هو عبد الملك بن هشام الحميري المتوفى عام 218 هجرية حيث سمى كتابه بالسيرة النبوية واشتهر اختصارا "سيرة ابن هشام". أما بخصوص السيرة الحسينية فإنها: "بيان عن كل ما صدر عن الامام الحسين (ع) من قول او فعل أو معايشة كان له دور فيها ولو لمجرد الحضور فيما لو نصّت المصادر على ذلك". ويضع المصنف الفوارق بين السيرة والترجمة، وبين السيرة والقصة، وبين السيرة والحكاية. ويشرح تحت عنوان "الهدف والمضمون في السيرة"، الفوائد المتوخاة من بيان سيرة أي إنسان صالحا كان أو طالحا، فتكون بالنسبة للمراقب أو المتابع كالمرآة يعمل بالصالح من السيرة ويتجنب طالحها.
وعادة ما تبدأ كتابة سيرة أي إنسان، منذ بدايات شهرته، إلا أن الأمر مع صاحب "هذه السيرة" تختلف تماما، فهي تبدأ من قبل ذلك عندما كان في صلب أبيه، بوصفه وارث علم الأنبياء والأولياء، وهو ممن أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا، وحسب ما ينقل المتقي الهندي في كنز العمال (13/645) عن الرسول الأكرم محمد (ص) فان: "أساس الإٍسلام حبي وحب أهل بيتي"، ولذلك فان المصنف في تتبعه لسيرة الامام الحسين، يبدأ من قبل أن يولد وأثناء حمل فاطمة الزهراء (ع) له، بلحاظ أن أصل الزيجة (نسب الوالدين) له مدخلية مباشرة في نوعية الوليد، ويلاحق العلاقة المباشرة التي أولاها النبي محمد (ص) لابنته فاطمة (ص) قبل زواجها وبعده، وعلاقته بسبطيه كونهما سيدي شباب أهل الجنة.
وحيث أن الحسين (ع) إمام قام او قعد، بنص نبوي شريف، فان الباحث يفرد بحثا تحت عنوان "الخصائص" لبيان مميزات الأنبياء والأئمة، والعلاقة بينهما، لينتهي الى القول: "إن الخصائص النبوية كلها موجودة في الأئمة المعصومين كما تراه الإمامية إلا مسألة نزول الوحي، والنبوة، والزواج من تسع، وأزواجه أمهات المسلمين التي لا يشاركون النبي (ص) بها".
ولم يفت المصنف أن يبحث بشيء من التفصيل في مسألة على غاية الأهمية كمقدمة لبحث سيرة الامام الحسين (ع) وهي "نشأة الطفل" والمؤثرات فيها من وراثة وتربية وأسرة وبيئة، حيث دلت العلوم الحديثة الخاصة بالهندسة الوراثية (الجينوم البشري) تلازمية العلاقة بين الجينات المورثة ونوعية الجنين، داعما الموضوع بسيل من نصوص القرآن والسنة الشريفة التي تحدثت عن المورثات (الجينات). كما فصّل المصنف القول في التربية وتأثيرها على سلوك الطفل، واختلاف المعايير التربوية بين حضارة وأخرى ومدنية وأخرى، واتفاقها على سعادة الانسان، بيد أن حاصل الكلام: "إن التربية وأسسها ترتبط ارتباطا وثيقا بالرؤية الفلسفية للحياة وكيفية التعامل معها وبما فيها"، وهذه العلاقة بين الوليد والوراثة والتربية، يفسرها قول الامام جعفر بن محمد الصادق (ع) عند بيان حقوق الولد على الوالد: "وتجب للولد على والده ثلاث خصال: اختياره لوالدته، وتحسين اسمه، والمبالغة في تأديبه"، لان الولد هو وليد المرأة والرجل، فان أحسن الرجل اختيار زوجته ضمن وليدا سليما يأخذ سنخيته من والديه، من هنا فان المصنف يقترح أن يخضع الزوجين: "لدورة تعليمية قبل الزواج لفترة لعلها تصل الى ستة أشهر لأخذ الفكرة عن الزواج كمفهوم مقدس له شأن خطير فيما اذا أريد أن يكون الزواج مثاليا وناجحا ويحقق الأهداف، ويخفف من الانفصال والطلاق والنزاع والخلاف"، وذلك لأهمية الأسرة في بناء بيئة مصغرة، وأهمية البيئة في بناء أسرة كبيرة، وأهمية الأسرة والبيئة في تحقيق سلامة المجتمع من الأمراض الاجتماعية، كون: "البيئة جامعة كبرى والأسرة مدرسة فاعلة".

منهجية جديدة
وبأسلوب أكاديمي حديث، يشرح المصنف "عملنا في هذا الباب"، مطلعا القارئ على المنهج الذي يتداوله في تناول سيرة الامام الحسين، حيث اعتمد التسلسل التاريخي لبيان الوقائع والحوادث، وما يلاحظ في المنهج أن المصنف أتى بشيء جديد لم يسبقه اليه احد، فقد قام بتحويل الأحاديث الواردة في مناقب الامام الحسين على لسان جده محمد (ص) الى حوادث تاريخية رافعا الكثير من اللبس الذي اكتنفت حياة الامام الحسين وهو صغير باعتبار انه عايش جده لسنوات سبع منذ ولادته في العام 4 هجرية حتى العام 11 هجرية سنة رحيل النبي محمد (ص)، محددا الحدث وموثقا اليه بتطبيق أيام الأسبوع بأيام الشهر وتحديدها بفصول السنة، وقد برع المصنف في ما أمكنه في تحديد الحديث بالسنة والشهر والأسبوع واليوم وربما بالساعة بالاعتماد على قرائن قلما ينتبه اليها احد، وبذلك صحح الكثير من المعلومات ورفع خلافات وتناقضات عدة واردة في النصوص، كما طابق بين التاريخ الهجري والميلادي، واستعان المحقق بالخرائط لبيان حركة النبي محمد (ص) في إقامته وترحاله خارج وداخل المدينة وتتبع غزواته، وعلاقة ذلك بحفيده الحسين (ع)، ولعل هذا القسم يعد بادرة حسنة تضع القارئ على بينة من تحركات النبي محمد (ص) بالنص والصورة، وتقدم مادة خصبة للأدباء وكتاب السيناريو وفناني السينما والمسرح، فهو يقدم الحسين وجده معا باحثا عن كل جزئية مستعينا بكل الأدوات المعرفية، لكنه في الوقت نفسه اقتصر في نقل الحوادث على ما له علاقة بالإمام الحسين فقط، دون الوقوف كثيرا عند الحدث نفسه، فعند ذكره معركة خيبر مثلا فانه يتناول ما له علاقة بالحسين (ع) دون الوقوف كثيرا عند حدث المعركة نفسها.
بعد هذه المقدمة، يضعنا المصنف على خارطة السلسلة من السيرة الحسينية، حيث تقع في سبعة فصول، وكل فصل ضم مقاطع عدة، وكل مقطع تداخلت فيه عناوين فرعية كثيرة، وأخذ هذا الجزء خمسة مقاطع من الفصل الأول الذي حمل عنوان "الحسين (ع) في أيام أبي القاسم (ص)".

وقائع ما قبل الحمل
حمل المقطع الأول عنوان "ما قبل الحمل من البعثة النبوية الى السنة الرابعة الهجرية"، وتحته نقرأ العناوين الفرعية التالية: "مبعث الرسول" إذ كان النبي محمد (ص) في غار حراء فنزل عليه جبريل الأمين وحمل اليه "إقرأ"، كما حمل اليه البشارة بميلاد سبطيه الحسن والحسين. وفي السنة السادسة قبل الهجرة اجتمع "الرسول والمشركون" وأنبأهم بخبر سبطيه اللذين سيولدان. وفي "الرسول والمعراج" هنالك في الجنة أكل من ثمارها ليرجع ويقارب زوجته خديجة وتلد له أم سبطيه فاطمة الزهراء (ع). وفي المدينة عند "مؤاخاة المسلمين" اتخذ عليا أخا له، وحمل اليه البشارة بمجيئه يوم القيامة تحت لواء عن يمينه الحسن وعن شماله الحسين. وفي السنة الثانية للهجرة حيث "معركة بدر الكبرى" طلب الرسول (ص) من المسلمين البيعة ثانية، وهناك أخبرهم أن من شروط البيعة الإقرار بان الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة، وهما بعد لم يولدا. وفي "معركة احد" أشهد الرسول محمد (ص) عمه الحمزة أن الأئمة من ذرية الحسين (ع).

وقائع السنة الرابعة
وانضوت تحت المقطع الثاني الذي غطى "السنة الرابعة للهجرة"، العناوين التالية: "البيت النبوي" حيث اخبر جبريل وهو في بيت النبي محمد (ص) أن فاطمة ستنجب سبطه الثاني حسينا. وفي "جبريل وخبر انعقاد النطفة" أنبأ جبريل نبي الإسلام خبر انعقاد نطفة الحسين (ع) وحدّثه عن مقتله في كربلاء. ويؤكد المصنف من مجمل شواهد بانت له، أن "انعقاد النطفة" تم عشية ليلة الاثنين السابع عشر من شهر صفر من السنة الرابعة للهجرة. وكشف النبي محمد (ص) لأم الفضل زوجة العباس بن عبد المطلب عن رؤياها في "المبشرات" بولادة الحسين (ع). وقبيل ذهاب النبي محمد (ص) الى "معركة بني النضير" أخبر ابنته فاطمة (ع) أنها ستلد غلاما (الحسين) وطلب منها أن لا ترضعه حتى يأتي اليها. ودخلت الزهراء (ع) "مراحل الحمل" وأبيها (ص) يتابع رعايتها لها ولجنينها. وبـ "وفاة الجدة" يفقد الحسين (ع) فاطمة بنت أسد أم أبيه وهو في بطن أمه. وبعد عشية يوم الخميس ليلة الجمعة الخامس من شهر شعبان من السنة الرابعة من الهجرة جاء فاطمة المخاض والرسول (ص) واقف على باب الحجرة ينتظر ولادة الحسين، والأسرة تستعد لـ "الولادة ومراسيمها" وهنا يخبر النبي محمد (ص) عمته صفية أن الحسين (ع) تقتله الفئة الباغية من بني أمية. وتقام مراسيم "الاحتفال بالولادة" وتحتفل الأسرة كما يحتفل المسلمون بها وتحتفل السماء، ويخبر النبي (ص) فاطمة بمقتل وليدها في كربلاء، ولكنه يبشرها في الوقت نفسه أن الإمامة في ولده. ويقوم "النبي يستقبل الوفود المهنئة"، فيما تستقبل فاطمة (ص) نساء المهاجرين والأنصار كوكبات كوكبات. وتظهر "آثار الولادة" المباركة على الحسين (ع) وفي الصلاة وفي التكبيرات. و"في أسبوع الولادة" جاء النبي (ص) الى البيت العلوي، وهناك عقوا عن الحسين (ع) بكبش أملح، وحلقوا رأس الحسين (ع)، وعندها بكى، وعندما استفسرت قابلة الحسين (ع) أسماء بنت يزيد عن ذلك أشار اليها أن الحسين تقتله فئة باغية كافرة من بني أمية. وأخذت "أم سلمة تكفل الحسين" فيأتيه الرسول (ص) كل يوم فيضع لسانه في فم الحسين (ع) فيمصه حتى يروى فيكفيه اليومين والثلاثة فنبت لحم الحسين (ص) من لحم رسول الله (ص). وكان من "تعويذة الحسين" قول النبي (ص) لسبطه: (أعوذ بكلمات الله التامّة من كل شيطان وهامّة، ومن كل عين لامّة). وكانت "أم الفضل مربية الحسين" حيت تولت تربيته، وفي يوم رأت النبي (ص) يلاعبه ويبكي، فأخبرها أن جبريل يخبرني أن أمتي تقتل ابني هذا. وفي يوم كانت "فاطمة والحسين"، أخذه الرسول من بين يديها ولعن قاتليه. وتكفلت به أم سلمة وأم الفضل وكانت "الملائكة تخدم الحسين"، ولا عجب فلقد كان الغذاء الرباني يأتي مريم البتول وهي في محرابها. وذات يوم "من أيام الرضاعة" وضعه النبي (ص) في حجره، فبال، وأشار النبي على حاضنته أن تكتفي بنضح الإزار من بول الذكر ويغسل من بول الأنثى، في نص يحمل معه إعجازه العلمي حيث يميز النبي (ص) بين بول الرضيع الذكر من الأنثى، لاختلافهما في المكونات، وهذه حقيقة أكدتها المختبرات العلمية، فعلى سبيل المثال فان بول الأناث يحتوي من البكتريا اكثر من الذكور. و"مضى أربعون يوماً من الحمل" بعد أن نبت لحم الحسين من لحم جده حيث تعاهده يوميا بوضع فمه في فمه وإصبعه في فمه. وفي "مرض الأم ورضاع الإبن"، عاد النبي (ص) ابنته (ع) في مرضها وأطعمها وبنيها من يده. وعند "استيضاح ابن مسعود"، يخبر النبي (ص) ابن مسعود قدر منزلة الحسين (ع) عند الله وهو أجلّ من اللوح والقلم. وفي "معركة بدر الأخيرة" والثالثة غاب النبي (ص) عن سبطه الحسين (ع). وأقبل راهب الى المدينة ورأى الحسن والحسين فجعل يقبلهما ويبكي ويقول: إسمهما في التوراة شُبّر وشُبير وفي الإنجيل طاب وطيب، ثم كان "إسلام الراهب" بعد أن تعرف على صفة جدهما الذي كان غائبا عن المدينة وقتئذ. وشملت "الرعاية النبوية" الحسنين ليعطي الرسول درسا للآباء في كيفية الحنو على الأبناء. وأخبر النبي (ص) ابنته (ع) عندما نزلت آية الأعراف أن "الحسين من الأعراف" ورجالها الذين يعرفون كلا بسيماهم.

وقائع السنة الخامسة
ويغطي المقطع الثالث "السنة الخامسة للهجرة"، وفيه من العناوين الفرعية: "غزوة ذات الرقاع" حيث كان آخر من ودّعهم النبي محمد (ص) من أهل بيته ونسائه، ابنته فاطمة والحسن والحسين (ع). وحيث كان الطقس شديد الحرارة رأت أم أيمن أن "الملائكة في خدمة فاطمة" وكان ميكائيل الملك يهز مهد الحسين (ع). و"في بيت زينب بنت جحش" حيث كان الحسين عندها تلاعبه أخبرها النبي (ص) بمقتله في كربلاء. ثم أن "الحسين يكبر" فيصبح له من العمر ستة أشهر فحمله الرسول (ص) ذات يوم الى المسجد، فكبّر ولم يرد الحسين تكبيره وأعادها سبعا، وفي الأخيرة كبّر الحسين (ع) مع جده فصارت سنّة. وكعادته يخرج الرسول (ص) الى "غزوة دومة الجندل" فيكون البيت العلوي آخر بيت يودعه. ولم يتحمل الرسول (ص) وهو يخطب في المسجد "عثرة الحسين" حيث دخل مع أخيه الحسن يمشيان ويعثران وقد سمع بكاءهما فنزل وحملهما ثم رجع واعتلى منبره، وهنا قال: (أولادنا أكبادنا يمشون على الأرض)، فطار في الآفاق مثلا. وكما الحسن (ع) فان "تميمة الحسين" كانت من زغب جبريل الذي كان يلتقي النبي (ص) عند الاسطوانة المشهورة حتى يومنا باسطوانة جبريل. وفي مثل هذه الأيام من هذه السنة نجد "الحسين يتمرغ على جده" وهو جالس بين أصحابه. ولاشك أن "حب الحسين من حب الله" فذات يوم من أيام الشتاء يطرق أسامة بن زيد باب دار النبي فيخرج اليه وهو مشتمل على الحسن والحسين، وقال له: (هذان إبناي وإبنا إبنتي، اللهم إني أحبّهما فأحبَّهما وأحبَّ مَن يحبهما). ولما كان "علي في سرية لوحده" جاءت فاطمة الى أبيها ومعها الحسن والحسين، فأخبرها بنصر الله على يد بعلها (ع). ويخبرنا عبد الله بن عمر أن "عائشة تبر الحسين" بوشاح ودينار مع أخيه الحسن، وعندما يسألهما النبي (ص) مّن برّهما، يقولان له: دفعته إلينا أمّنا عائشة. ويخبرنا المجلسي في بحاره عن "رؤيا الرسول" وهو في بيت زوجته عائشة، فينهض من قيلولته باكيا، فتسأله، فيخبرها بمقتل الحسين (ع). وذات يوم كان النبي عند زوجته أم سلمة، فيقدم لها "تربة كربلاء" ويخبرها بمقتل ابنها في كربلاء. وتحل "الذكرى الأولى للمولد" مشبوبة بالحزن حيث يخبر النبي من قبل ملائكة السماء مرة أخرى بمقتل سبطه بكربلاء. وكعادته مرة تلو الأخرى يودع النبي البيت العلوي ويقبل الحسن والحسين (ع) وهو يخرج الى "غزوة بني المصطلق". وعند عودته من هذه الغزوة يدخل بيت فاطمة (ع) ويجري حديث لطيف عن "سقاية الحسين" فهو يطلب الماء وأخيه يطلبه، فيسقي جدهما الحسن أولا فهو الطالب، فان الطالب قبل الشارب، ثم يسقي الحسين بعده. وذات مرة يرى شداد بن الهاد "الحسين يرتحل جده" أثناء صلاة العشاء. وحتى يخفف الرسول من وطأ "الخدم في بيت فاطمة" يعلم ابنته التسبيحة المشهورة بتسبيحة الزهراء التي لا يعلم مقدار ثوابها لعظمتها إلا الله، فتكبر الله 34 مرة وتحمده 33 مرة وتسبحه 33 مرة وتلك مائة كاملة. ويتزود الرسول من ابنته والحسن والحسين قبل ذهابه الى "معركة الخندق". ومثلها عند رواحه الى "غزوة بني قريظة"، وهنا أخبر النبي معاذ بن جبل بكرامة الحسين (ع) ومنزلته عند الله، ثم بعد ذلك أخبر جمعاً من المسلمين عما يحل بسبطه في كربلاء. ويتسابق الصحابة الى خدمة أهل البيت، ومنهم "سلمان يخدم فاطمة" كرامة لها ولأبيها ولولديها. وتتكرر "زيارة الرسول لأهل بيته"، وبين فترة وأخرى يخبرهم بمقتل الحسين ويبشرهم انه سادة من سادات الجنة. ومرة أخرى "الرسول يمتطي للحسين" فيشاهد عمر بن الخطاب الحسن والحسين على عاتقي الرسول (ص) فقال: نعم الفرس تحتكما، وقال (ص): ونعم الفارسان هما. وذات يوم من هذه السنة حيث اجتمع "الحسين والرسول وعائشة" في بيتها، فاخبرها بما يحل على سبطه في كربلاء، فتسأله عن قدر الحسين عند الله فيخبرها، ثم تسأل ويزيد، الى أن قال: (يا عائشة من أراد الله به الخير قذف في قلبه محبة الحسين وحب زيارته، ومن زار الحسين عارفا بحقه كتبه الله في أعلى عليين مع الملائكة المقربين). وذات يوم يدخل عتبة بن غزوان المسجد فيكتشف مدى "حب الرسول لريحانتيه" حيث جعلهما الرسول (ص) في حجره يقبل هذا مرة ويشم هذا مرة. ولما بلغ الحسين من العمر سنة واحدة نجد "الجد يلقن السبط" سورة التوحيد، وبذلك يرد المحقق الكرباسي بعض الروايات الذاهبة الى أن الحسين (ع) تعلم سور القرآن من معلم غير النبي (ص). ومرة أخرى "الحسين في بيت أم سلمة" فيخبرها بمقتله. ومرة أخرى "الرسول يقبل موضع إصابات الحسين" ويقول: الويل لمن يقتلك.

وقائع السنة السادسة
ويغطي المقطع الرابع "السنة السادسة للهجرة"، ويضم العناوين الفرعية التالية: "أولو الأمر" حيث نزلت في مثل هذه الأيام من هذه السنة آية أولو الأمر، فأخبر النبي (ص) جابر الأنصاري أنها نزلت في خلفائي ومنهم الحسين (ع). وحمل أحدهم الحسن والحسين وجاء بهما الى جدهما يتشفع بهما طالبا العفو عن ذنب عظيم فعله، فعفى عنه فكانت تلك "فذلكة المذنب". وأخبر النبي (ص) أهل بيته وأصحابه أن "الإمامة في عقب الحسين". وأصاب البيت العلوي شح ثم "افتقد الطعام" فذهب علي ومعه الحسن والحسين الى صاحب مزرعة من اليهود يعمل عنده، ويستظهر المحقق الكرباسي من هذه القصة وغيرها أن النبي واجه مؤامرات اليهود كفئة سياسة لا كأشخاص لهم حق المواطنة والعيش الرغيد. وإذا حلّ بالنبي (ص) "ضيق العيش" حل بأهل بيته، ولا يهنأ حتى يرى السعادة في وجوهم فيأكلون مما يأكل. وكذلك اذا حل "جدب في المدينة" يجري عليه وعلى أهل بيته ما يجري على المسلمين سواء بسواء حيث يعيش القائد عيشة أبسط الناس وهذا خلق القادة الرساليين. ويأتي المدينة يهودي يستفسر عن "الرسول وأوصياؤه" فيسلم برؤيا رآها للنبي موسى بن عمران، فيعرفه النبي بالحسين (ع). ويدفع النبي (ص) بـ "رؤيا فاطمة" كانت رأتها أساءها. وتقر عين الحسين (ع) عند "ولادة الأخت زينب" في يوم الثلاثاء الخامس من شهر جمادى الأولى من السنة السادسة للهجرة. وكعادته يودع النبي البيت العلوي ويقبل الحسين (ع) وهو في طريقه الى "غزوة بين لحيان". وكذلك فعل وهو في طريقه لرد "غارة عيينة" بن حصن الفزاري. ثم إن "زوج الخالة يعود" وهو أبو العاص فيقبل النبي توبته. وعند "نجدة علي لزيد" بن حارثة الذي ذهب لتأديب بني جذام بعدما سرقوا الصحابي دحية الكلبي، خلا البيت العلوي لخمسة أيام فكان النبي يتعاهد فاطمة والحسن والحسين. وبعد كل عسر يسر وكل "جوع تليه بركات" وذات شتاء حل الجوع في البيت النبوي والعلوي، فنزل الطائر المشوي فأكل منه النبي (ص) وأكل عليا وعياله.

وقائع الذكرى الثانية
وتحل "الذكرى الثانية للمولد"، فيسترجع الرسول (ص) وهو في ثلة من المسلمين فيخبرهم أن جبريل يخبره باستشهاد الحسين (ع) بشاطئ الفرات من أرض كربلاء. ويشاهد أحد يهود المدينة الحسين وهو يرتحل الرسول وهو في الصلاة، ويلاحظ حنو الرسول عليه، فيعرف أن هذا من أخلاق الأنبياء، فيتحقق هنا "إسلام اليهودي". ويقدم النبي (ص) الى الحسين (ع) في عيد الفطر المبارك "هدية العيد" حلة قشيبة. ويقدم النبي (ص) الى الحسن (ع) "هدية الإعرابي" عبارة عن ظبية صغيرة، فيطلب الحسين (ع) مثلها، فيتحقق له ذلك. ويودع الرسول البيت العلوي ويقبّل الحسن والحسين وهو في طريقة الى "عمرة الحديبية". وحتى يعرف الصحابة "منزلة الحب للحسين" يعتنقه أمامهم وهو يقول: (حسين مني وأنا من حسين، أحب الله من أحبَّ حسيناً، حسين سبط من الأسباط). وعندما يرد على الرسول (ص) "وفد عبد القيس" يخبرهم في قصة طويلة أن الحسين إمام من صلب علي بن أبي طالب (ع). وفي "الرسول ومرض الحسنين" يقوم جدهما مع جمع من الصحابة بعيادتهما ويعوذهما من العين التي أصابتهما، فتصوم العائلة ثلاثا ويأتيها المسكين واليتيم والأسير، فتقدم الطعام وتبيت جوعى، فتنزل فيهم سورة الدهر. وكعادته يودع الرسول سبطيه وهو طريقه "الى خيبر".

وقائع السنة السابعة
ويغطي المقطع الخامس والأخير من هذا الجزء السنة السابعة للهجرة، ويضم العناوين الفرعية التالية: "غزوة خيبر" وقبلها وبعدها يلتقي النبي محمد بسبطه يقبله ويشمه. ويعود "زوج الخالة زينب" أبو العاص صهر النبي محمد (ص) بعدما أدى في مكة لكل ذي حق حقه فعقد له على زينب ثانية. ويسأل أبو هريرة عن "خير الأسباط" فيجيبه النبي محمد (ص) في قصة مفصلة أنهما الحسن والحسين. وبعد أن اعتزل النبي (ص) زوجاته لما أساءت بعضهن إليه، نزلت "آية التطهير" فيه وفي فاطمة وعلي والحسن والحسين. وكان الرسول لا ينفك عن "مداعبة الحسين" أمام المسلمين ليعرفهم منزلته، ويقول: (اللهم إني أحبه فأحبه وأحب مَن يحبه). وكان من شأن "دعاء الإعرابي" أن جاء إعرابي الى المدينة جائعا فأشار اليه النبي (ص) أن يذهب الى بيت علي (ع) ليجد هناك ضالته فيغتني في قصة طويلة من عقد أهدته له فاطمة (ع) فدعا الإعرابي لها بالخير، فأمّن عليه النبي (ص) وأخبر المسلمين بكرامتها وكرامة بعلها ونجليها الحسن والحسين. وكان النبي (ص) يحب "رفيق الحسين" لحب الرفيق للحسين، فالمرء ومن يحب ومن يصاحب ويخالل.
وهنا يتوقف قلم البحاثة الكرباسي في متابعة يوميات السيرة الحسينية، لنقرأها تباعا في الأجزاء التالية.

فهارس متنوعة
وألزم المصنف نفسه، أن يهدي قارئه الى فهارس تعينه على إيجاد ما يرغب فيه مما ذكر في الكتاب في شتى الحقول، في مجهود معرفي قلما نجده حتى في الموسوعات الكبيرة، ففي هذا الجزء والأجزاء التالية، نلحظ الفهارس التالية: فهرس الآيات المباركة، الأحاديث والأخبار، الأمثال والحكم، الأعلام والشخصيات، القبائل والأنساب والجماعات، الطوائف والملل، الأِشعار، الجداول والخرائط، الوظائف والرتب، الآلات والأدوات، الإنسان ومتعلقاته، الحيوان ومتعلقاته، النبات ومستحضراته، الفضاء ومتعلقاته، الأرض ومتعلقاتها، المعادن، الأماكن والبقاع، الزمان، الوقائع والأحداث، التأريخ، مصطلحات الشريعة، المصطلحات العلمية والفنية، الفهرس اللغوي، المؤلفات والمصنفات، المصادر والمراجع، فهرس مؤلفي المراجع، بالإضافة الى فهرس محتويات الكتاب ومندرجاته.
والزم المحقق الكرباسي نفسه أيضا، أن يعرض كل كتاب قبل طبعه، على علم من الأعلام ومن جنسيات ومذاهب وأديان مختلفة، ليقول رأيه فيه قراءة وعرضا ونقدا وبكل حرية، وهذا الكتاب تناوله بالقراءة البروفيسور ابراهيم تاتسويجي سوادا، الياباني المتبصر بالإسلام، كتبه بلغته الأم، لينتهي الى إن ما أتى به الفقيه المحقق الشيخ محمد صادق الكرباسي: "جهد عظيم وعمل لا يمكن تقديره بأية قيمة، حيث أودع فيه حياة الحسين كاملة. إن هذا العمل مكرّس من قبل الكرباسي الذي تولى هذه المسؤولية الثقيلة، وقد حالفه النجاح في إنجاز عمل شاق ومهم ألا هو الكتابة عن سيرة الحسين، إن هذا حقا لهو جهاد في سبيل الله".

* إعلامي وباحث عراقي
الرأي الآخر للدراسات - لندن
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عودة إلى ابن خلدون 3

التفاصيل
كتب بواسطة: د. عبد العزيز غوردو
المجموعة: بحوث و دراسات
انشأ بتاريخ: 24 أبريل 2002
الزيارات: 13

عودة إلى ابن خلدون 3

د. عبد العزيز غوردو

المناسبة الثانية التي لجأ فيها العروي للفكر الخلدوني تمثل التجربة الموحدية، وعنها يقول العروي: "مع توالي الانتصارات، أراد (عبد المؤمن) أن يقوي موقعه داخل الجيش أولا، وداخل التنظيم الموحدي ثانيا، فاستقدم سنة 557هـ/1161م أربعين ألفا من قبيله من المغرب الأوسط، كما رحل إلى المغرب الأقصى القبائل الهلالية بعد معركة سطيف." : ألسنا هنا في قلب نظرية ابن خلدون الذي طالما أكد على أن السلطان عندما يوطد حكمه يستغني عن العصبية ويلجأ للمرتزقة؟
هنا أيضا، ورغم أن العروي استند إلى النظرية الخلدونية في تحليله، يحاول التنصل منها، لكنه عوضا عن انتقادها معرفيا يلجأ لعبارات خالية من أية دلالة، فيقول: "قد يكون لهذه الأخبار أساس في الواقع، إلا أن الدارسين، قديما وحديثا، يذكرونها دائما بالصيغة التي أعطاها إياها ابن خلدون، انطلاقا من نظريته العامة حول الملك والعصبية وحتمية انقلاب الخلافة إلى ملك... لابد من الاحتراز، قد تكون الدوافع والمرامي مختلفة عما قيل، وبالتالي قد تكون النتائج الفعلية ليست تلك التي يوحي بها التحليل الخلدوني." : ما هي هذه الدوافع والمرامي المختلفة؟ وما هي هذه النتائج الفعلية؟ ننتظر من العروي أن يجيب، لكن ينتهي التحليل ثم ينتهي الكتاب دون أن يأتينا الجواب!
المناسبة الثالثة التي رصدناها ضمن هذا المبحث، تمثل التجربة المرينية، وعن التجربة المرينية يستعمل العروي مفهوم "العصبية" سافرا من دون قناع، فيقول: "وفي نفس الوقت (أي ضعف الدولة الموحدية بعد العقاب)، كان بنو مرين يتبعون نفس الخطة - أي تأسيس كيان سياسي - في شمال المغرب الأقصى، فوصلوا إلى النتيجة نفسها (أي صفا لهم الأمر مثل بني زيان والحفصيين). كانوا قد كشفوا عن "عصبيتهم"  وأبانوا عن شوكتهم سنة 613هـ/1216م عندما ألحقوا هزيمة منكرة بوالي الخليفة على مدينة فاس." ?
نستنتج من المناسبات/الأمثلة الثلاث التي قدمنا أن حضور ابن خلدون عند العروي ليس لنقضه - رغم الادعاء - ولكن للاستشهاد به والتأكيد عليه، فيكون العروي، كغيره من الدارسين الذين قدمنا نماذج عنهم، ينسج في نول ابن خلدون، لكنه يختلف عنهم في كونه ينقض نسجه. والسؤال الذي يطرح الآن، ونؤجل الإجابة عنه إلى المبحث الموالي، هو: هل سارت الأمور فعلا بالطريقة التي صورها لنا ابن خلدون وانطلت على من تأثر به؟

2) نظرية ابن خلدون في مختبر التاريخ?
إذا كان ابن خلدون قد حقق نوعا من الانسجام بين "المقدمة" و"العبر"، وكان منطقيا مع نفسه بين النظرية والتطبيق. فإن هذه المنطقية مع الذات، قد لا تكون كذلك تماما مع الآخرين، مع وجهة نظر أخرى من حقها أن تطرح ملاحظات منهجية وعملية للتشكيك في مصداقية التصور الخلدوني. فيطرح?إذاك التساؤل التالي: هل سارت الأمور فعلا - مع الدولة المركزية المغربية الوسيطية - وفق الترسيمة الخلدونية؟ أي عندما ننزل للميدان (الوقائع والأحداث التاريخية المتعلقة بدول: المرابطين والموحدين والمرينيين) هل سنجد ما يؤكد الترسيمة التي وضعها ابن خلدون واقتنع بها آخرون فقدموها لنا جاهزة "للاستهلاك"؟ الجواب على ذلك يضعنا داخل الطموح للتأسيس لمشروع يظل شبه غائب عن البحث التاريخي بالمغرب، وهو التأكد والتحقق مما يطرح من إشكاليات ونظريات في سوق البحث التاريخي المعاصر: هل هذا "المنتوج" الوطني صالح "للاستهلاك" فعلا?أم لا؟
يتعين علينا لذلك، أن نقوم بما يقوم به زملاؤنا في حقل العلوم التجريبية: أن نقترح الفرضية (والفرضية في حالتنا هذه إشكالية قديمة/جديدة، بل هي نظرية قائمة الذات) وهو ما قمنا به في الفصل السابق، ثم ندخل - دون حكم مسبق - إلى المختبر، حيث نفحص بالتجربة فرضيتنا، وذلك بعرضها على الوقائع والأحداث التاريخية، ثم نحصر النتيجة أو النتائج في النهاية?
فحص الفرضية داخل مختبر البحث التاريخي تطلب منا مغامرة طويلة لجمع النصوص ومقابلتها وتحليلها قبل تركيبها، ومع كل خطوة كان يستوقفنا التساؤل التالي: هل يكفي دليل واحد مضاد للنظرية (واقعة تاريخية معاكسة) للإطاحة بها - كما هو الشأن في العلوم التجريبية - أم أن الاستثناء يظل مقبولا داخل العلوم الإنسانية؟ وفي هذه الحالة ما هي حدود هامش الاستثناء؟ واحد، اثنان، ثلاثة ... عشرة ... من يحدد الاستثناء؟ كيف ومتى ينبغي الإقرار صراحة بانهيار النظرية وتجاوز نتائجها؟
لا نعتبر الإجابة عصية على البحث، لأننا - وانسجاما مع تحليلنا المعلن لحد الآن - نعتبر أن دليلا واحدا مضادا كاف لتقويض أي نظرية، حتى لو كانت في مجال العلوم الإنسانية، وأن فتح المجال للاستثناء(ات) يدخل في خانة التبرير لا غير، ومع ذلك سنحاول في تحليلنا الموالي عرض أكبر قدر - أتيح لنا - من الوقائع والأحداث للخروج بتصور نأمل أن يكون في النهاية واضحا لا لبس فيه.
?أ) عن التجربة المرابطية:
نقرأ في المصادر والدراسات أن صنهاجة التي تكونت من فروع عديدة: جدالة - مسوفة - لمطة - جزولة - لمتونة... قد أسست (وفق مبدأ العصبية) الدولة المرابطية، فيتبادر إلى ذهن القارئ أن صنهاجة كانت وحدة متجانسة، بينما نعلم أن الصراع بين الفصائل الصنهاجية كان مستحكما منذ البدايات الأولى للدولة. ألم تنشب حرب طاحنة بين جدالة ولمتونة منذ بداية دعوة ابن ياسين؟ :"أمر عبد الله بن ياسين المذكور قبائل جدالة بغزو قبائل  لمتونة، فحاربهم جدالة حتى غلبوهم ودخلوا في دعوة ابن ياسين."  لكن جدالة لم تلبث أن شقت عصا الطاعة على داعيتها، والذي تزعم الانشقاق يحي بن إبراهيم نفسه - الذي يسميه النويري وابن الأثير "الجوهر الجدالي" - أي الشخص الذي جلب ابن ياسين أصلا إلى الصحراء، وهذا ما استدعى نكبته وقتله . هكذا لجأ ابن ياسين إلى لمتونة "فانقادوا له وأطاعوه، واحتال على الذين شاغبوا عليه في جدالة فقتلهم." . كانت بدايات قتاله لجدالة سنة 434هـ   وبعد ذلك دخل في قتال لمتونة، ثم انتقل لحرب لمطة ومسوفة وغيرها من القبائل الصنهاجية ?
نشب أول قتال سنة 434هـ، والتاريخ مهم هنا لأنه سيفيدنا في تحليلنا لاحقا، ثم توسع القتال ليشمل على ما يبدو كل الفصائل الصنهاجية. فالقبائل إذن لم تلتحم بفعل عصبية، رابطة دموية مفترضة وحدتها الدعوة الدينية، بل وحدتها الحرب الضروس. أي أن صنهاجة لم تتوحد لأنها صنهاجة، ذاك الكيان العصبوي الذي يجد نقيضه في زناتة أو مصمودة، بل اتحدت - هذا إن كانت قد اتحدت فعلا - بعد حرب، أي كغيرها من التشكيلات القبلية الأخرى الغريبة عنها: فما فائدة العصبية القبلية والروابط الدموية?إذا كان الكل يحتاج للقتال للدخول في الطاعة وإعلان الولاء؟
دعونا نتجنب هذا السؤال المزعج، ونواصل تحليل مسار الدولة المرابطية - وبالمناسبة نذكر بأن اصطلاح "المرابطية" هو أنجع بكثير من "العصبية الصنهاجية" - باتجاه سجلماسة الخاضعة إذاك لمغراوة الزناتية، حيث تتحدث المصادر عن عداء سافر بين لمتونة وجدالة، إذ مباشرة بعد فتح سجلماسة تراجعت فرق من لمتونة وعادت إلى الصحراء "لأجل جدالة أعدائهم" ، بل في الوقت الذي دخلت فيه قبائل من زناتة ومصمودة في طاعة ابن ياسين دون حرب (محرم 5‎450هـ) كانت جدالة ما زالت تشاغب في حرب ضارية قتل فيها "يحي بن عمر... وبشر كثير" . وحتى بعد أن أصبحت معظم أراضي المغرب الأقصى (بلاد المصامدة وزناتة) في طاعة أبي بكر بن عمر وكان هذا بصدد بناء مدينة مراكش سنة 463هـ - حسب ابن عذاري -، نجد الرسل تفد عليه من الصحراء لتخبره بأن "جدالة أغارت على إخوته، فقتلوا الرجال وسلبوا الأموال..."  مما اضطره للعودة إلى الصحراء لتهدئة أوضاعها.
كيف يستقيم التصور الخلدوني للعصبية القبلية مع كل هذه المفارقات؟ كيف تدخل فصائل زناتية ومصمودية (جدميوة وركراكة وحاحة وغيرها...) ? في الدعوة المرابطية دون قتال بينما يحتاج الأمر مع الفروع الصنهاجية لكل ما ذكرناه؟
يبدو لنا التحليل المرتكز على "التحالف الصنهاجي" - أو "اللف" باصطلاح زملائنا في الإناسة - يضع العربة قبل الحصان ، كما يقال، هذا إذا جاز لنا أصلا تسميته بتحالف صنهاجي. إذ ذكرنا قبل لحظات بأن تاريخ نشوب القتال بين الفصائل الصنهاجية هو 434هـ ، وهو تاريخ له دلالة كبيرة في معالجتنا لموضوع العصبية والارتزاق، إذا علمنا بأن قبائل التكرور الزنجية دخلت الإسلام على يد المرابطين في عهد أمير التكرور وارجابي بن رابيس المتوفى سنة 432هـ - على ذمة البكري - ، وعلما أيضا بأن المرابطين توجهوا لغزو غانا وحوض السينغال قبل التوجه شمالا (أي جنوب المغرب الأقصى وبالذات سجلماسة): ألا يفترض كل هذا أن تكون العناصر الزنجية (من التكرور وغيرها) حاضرة ضمن هذا التحالف "الصنهاجي" المزعوم؟
يخبرنا ابن خلدون بأن الدولة تتأسس على العصبية في بداياتها، لكن بعد أن تتحول إلى ملك يلجأ زعيمها إلى الطراء أي المرتزقة وذلك يكون سببا في انهيارها. لكن، من يقول لنا إجرائيا متى تنتهي هذه "البدايات" لتفسح المجال للمرتزقة وبالتالي للانهيار؟ هل نعتبر ابن تاشفين هو الذي أحدث هذا التحول في دولة المرابطين؟ لا يبدو ذلك ممكنا مع منطق تواريخ الأحداث التي ذكرنا، والتواريخ هنا مهمة جدا، إذ كلما تأخرت الانشقاقات والحروب بين فروع العصبية الواحدة إلى تواريخ لاحقة على فترة التأسيس، بينما تواجد "الطراء" - باصطلاح ابن خلدون - في وقت متقدم إلا واختلط كل شيء. لا يعود للعصبية أي معنى، إذا كانت الدولة قد قامت ودخلتها "عصبيات" أخرى من خارجها، وأصبح المرتزقة يسرحون فيها ويمرحون، بينما لم تنجح هي في لمام شتاتها بعد.
تقوم الدولة، فتتفسخ عصبيتها التي أنشأتها، ويلجأ السلطان إلى الطراء (المرتزقة) لتدعيم ملكه فيكون ذلك سببا في ضعف هذا الملك ومن ثم انهياره. أليس هذا تفكير ابن خلدون؟ لكننا رأينا قبل حين بأن صنهاجة لم تتحد يوما لنقول بأنها ستتفسخ لأنها كانت متفسخة أصلا، أما الطراء فلم يلتحقوا بالسلطان بعد أن حول الملك من منطق التراضي بين العشائر (المكونة للعصبية) لمنطق الانفراد بالسلطة، لأن هؤلاء الطراء وجدوا في الدولة منذ بدئها الأول. صحيح أن أعدادهم قد تتزايد، ونفوذهم قد يتقوى مع الزمن، لكن هذا لا ينفي عنهم صفة المساهمين في تأسيس الدولة، وبالتالي فلا علاقة لهم بموضوع انهيارها إلا كونهم سببا، من بين أسباب عديدة، قد تؤدي إليه. وأسباب انهيار الدولة المرابطية عديدة ومركبة ولا مجال لعرضها هنا لأنها تقع خارج موضوع بحثنا، لكن يكفي أن نستحضر الجهاد المرابطي بالأندلس مثلا، لندرك العبء الثقيل الذي شكلته الأندلس على الدولة المرابطية - وعلى الدولتية المركزيتين اللاحقتين - نخرتها، وأنهكتها، وساهمت في إضعافها وإسقاطها: ألم يكن علي بن يوسف منشغلا بالجهاد في الأندلس عندما كان ابن تومرت يلتقط أنفاسه ويستجمع قواه بجبال درن، فما انتبه ابن يوسف إلا والدعوة التومرتية شوكة في خاصرة الدولة، أدمتها حتى لفظت أنفاسها؟ ألم يعطل ابن تومرت - سبب آخر من أسباب سقوط الدولة المرابطية - بطموحه المحموم للسلطة جهاد المرابطين بالأندلس وأضعف دولتهم بالمغرب؟ ما علاقة المرتزقة بعصبية متفسخة أولا، ثم بدولة مهترئة ثانيا، إلا كونهم مرتزقة يؤدون وظيفة تاريخية هي الارتزاق، تساهم في تأسيس دول وانهيار أخرى، هذا صحيح، لكنها ليست العامل الوحيد بالتأكيد.
ب) تمثل التجربة الموحدية المثال الثاني المفضل لدى ابن خلدون:
مثاله الثاني المفضل، بعد المثال المرابطي، لأنه يقول، بعد أن عرض نظريته: "واعتبر ذلك في دولة لمتونة ودولة الموحدين" ? ?رأينا لحد الآن بأن مثاله الأول، الخاص بالمرابطين، مثال هش، وهو لا يقوم دليلا على النظرية بقدر ما هو دليل ضدها، فهل يصدق ذلك على المثال الثاني أيضا؟
لم يحدد ابن خلدون مع الأسف - كما لم يحدد ذلك ضمن الدولة المرابطية - في عهد مَن مِن ملوك الدولة الموحدية حدث المنعطف أو التحول من منطق التراضي بين العشائر المصمودية إلى منطق الانفراد بالحكم. لكننا سنجعل ذلك زمن عبد المؤمن وذلك لسببين:
 أولهما) أن ابن تومرت وضع نواة الدولة لكنه لم يحولها إلى ملك لسبب بسيط هو أنه لم يكن له ما يملك باستثناء منطقة صغيرة حول تينمل، إضافة إلى أنه توفي والدولة في أحلك أوقاتها بعد هزيمة قواته في البحيرة (السبت 2 جمادى الأولى 524هـ/12 أبريل 1130م).
 ثانيهما) سبب منهجي، حتى نوفر أكبر الحظوظ لنظرية ابن خلدون للدفاع عن نفسها. فالذي جاء بعد ابن تومرت مباشرة هو عبد المؤمن، فهو أول من تلقب بالخلافة، وهو الذي حول الملك لوراثة في عقبه، والأهم من ذلك أننا لو أخرنا "المرحلة الثانية" في الدولة لما بعد عبد المؤمن لما كان ذلك في مصلحة النظرية الخلدونية. ذلك أن ابن خلدون يرى أن هناك مرحلة أولى هي مرحلة التأسيس (العصبية)، ثم تليها مرحلة ثانية هي مرحلة الانفراد بالحكم (الارتزاق). فلو جعلنا المرحلة الثانية زمن أبي يعقوب يوسف مثلا - ناهيك عن الفترات التي ستأتي بعده - فإننا سنصطدم بكثرة النصوص التي تشير إلى حضور المرتزقة زمن عبد المؤمن - وهو ما كنا قد عرضنا له في مبحث سابق - وهذا طبعا سيوقع النظرية في التناقض منذ البداية.
سنعتبر إذن أن مرحلة "العصبية" تساوي فترة ابن تومرت وفترة عبد المؤمن إلى غاية فتح مراكش، أي إلى أن صفا له حكم المغرب الأقصى. صحيح أن تلقبه بالخلافة (ونعني الخلافة العامة لا خلافة ابن تومرت) وإعلانه ولاية العهد تأخر عن فتح مراكش، لكننا سنعتبر أنه منذ أن دخل عاصمة المرابطين، واتخذها عاصمة له، شرع في التفكير في الانتقال بالدولة من مرحلة التأسيس والعصبية إلى مرحلة الانفراد بالحكم والاستعانة بالمرتزقة، وذلك حتى نوفر أكبر الحظوظ أمام نظرية ابن خلدون للدفاع عن نفسها كما قلنا. فإلى أي حد يصدق المنطق الخلدوني في العصبية والارتزاق على الدولة الموحدية؟ لنبدأ متابعة الدعوة منذ البداية. 
نعرف أولا بأن ابن تومرت رفع لنفسه شجرة نسب تتصل بالبيت النبوي، ومن ثم بالشرافة، ذكرها صديقه ورفيقه البيذق وعلق عليها بقوله: "هذا نسبه الصحيح"?  ولا يهمنا هنا مدى صحة هذا الادعاء من كذبه، بقدر ما يهمنا أن الناس قد اعتقدت فيه فعلا وقتئذ (نموذج البيذق ومن نحا نحوه)، ومع ذلك سنعتبر المهدي مصموديا، أبوه أمغار من هرغة وأمه من مسكالة، كما هو ثابت في ظروف نشأته التي لا خلاف حولها. وننتقل إلى أقرب الناس إليه والسباقين لدعوته ونصرته، أي من تصفهم المصادر بجماعة أهل العشرة، ولنبدأ بأقربهم وهو عبد المؤمن بن علي.
ذكر له البيذق (وبالمناسبة فالبيذق هذا، رفيق ابن تومرت في رحلة عودته من المشرق وكاتب سيرته وسيرة عبد المؤمن، اسمه الكامل أبو بكر بن علي الصنهاجي فهو من صنهاجة وليس من مصمودة) نسبان: أولهما ينتهي إلى الشرافة، والثاني، وهو الأرجح عنده، ينتهي إلى العرب . على أننا إذا شككنا في ذلك ، فنحن متأكدون قطعا بأنه من كومية، وكومية إحدى فصائل زناتة وليس مصمودة.
من جماعة أهل العشرة أيضا نجد: أبا عبد الله محمد بن محسن البشير المعروف بالونشريسي، نسبة إلى ونشريس بالمغرب الأوسط ، وأبا الربيع سليمان بن مخلوف الحضري، من هوارة ، وأبا محمد عبد الواحد يرزيجن بن عمر الشرقي، أصله من ملالة قرب بجاية بالمغرب الأوسط ، وأبا حفص عمر بن علي الصنهاجي الشهير بعمر أصناك، من صنهاجة ، وعبد الله بن يعلا الشهير بابن ملوية، من زناتة . أي أن ستة على الأقل من أقرب المقربين لابن تومرت من أهل العشرة كانوا من خارج مصمودة، بل بعضهم من العدو المفترض "صنهاجة"؟
فإذا كان الأمر كذلك مع "آيت عشرة" الذين تم اختيارهم بعناية وأصبحوا مقربين ومستشارين للمهدي، فما بالك بالتنظيمات التومرتية الأخرى: أهل الخمسين أو السبعين أو جماعة الطلبة... والتي كانت مفتوحة في وجه كل من انخرط في الدعوة، أي "وحد" بالاصطلاح التومرتي؟
صحيح أن ابن تومرت انتبه لهذه المفارقة القبلية فلجأ إلى أسلوب المؤاخاة، فآخى بين عبد المؤمن وهرغة، أي جعله كواحد منها ، وآخى كذلك بين البشير وهرغة ... لكن هذا لم يكن ليرتق، في اعتقادنا، خرق العصبية لعدة أسباب منها: أن "المؤاخاة" لا تلغي عن هؤلاء أنهم من أصول أخرى. كما أن المهدي لم يكن بإمكانه أن يؤاخي بين كل العناصر الغريبة عن مصمودة وقبيله، وربما لهذه الغاية اخترع ما سماه بالتوحيد. إضافة إلى أن "المؤاخاة" لم تكن كافية أبدا لأن تجعل من هؤلاء "الدخلاء" أجزاء من هرغة، أو أن هرغة على الأقل لم تهضم هذه المؤاخاة بسهولة، إذ يخبرنا البيذق أنه بعد وفاة المهدي، اجتمع أفراد قبيلته وعملوا طعاما ولم يخبروا عبد المؤمن (الخليفة) بأن يعمل نصيبه معهم، فلما علم بذلك غضب "وهجرهم ثلاثة أيام، ثم استدعاهم وأمر بنصيبه معهم ونهاهم أن يعودوا لمثلها." ، لكن الظاهر أنه هو الذي انتبه إلى أنه ليس منهم، وربما لهذا السبب، بعد أن توسع في المغرب الأوسط، جلب عناصر من كومية، أو بالأحرى خلط جميع العناصر ببعضها وأصبح يبحث عن "الولاء" لسلطانه، لأن كومية أيضا لم تنقد له بسهولة - رغم كونه منها -، حيث يذكر البيذق أن عبد المؤمن لما غزا بلاد كومية "وحدوا" أولا، ثم تراجعوا وغدروا به، مما أوجب الإيقاع بهم وقتل عشرة من أشياخهم . كيف لا يغدرون والبيذق نفسه يروي لنا بأن صديقه ابن ملوية - من أهل العشرة كما ذكرنا - ارتد بعد وفاة المهدي وانضم إلى علي بن يوسف، فقتلته كنفيسة وصلبته بتينمل ، فكان بذلك أول ثائر على الموحدين ، في نفس الوقت الذي دخلت فيه عناصر صنهاجية طاعة الموحدين دون قتال ، وكنا قد لاحظنا سابقا بأن العديد من عناصر مصمودة دخلت طاعة ابن ياسين دون قتال.
 المسألة إذن يجب أن تفهم في حقيقتها البسيطة، دونما حاجة إلى تعقيدها أو تحميلها أكثر مما تحتمل: إننا بصدد الحديث عن دعوة (مرابطية/موحدية)، والدعوة يتبعها من يعتقد فيها أو يرى فيها مصلحته، بغض النظر عن انتمائه العصبوي/القبلي، وهذا ما يفسر لنا كل شيء منذ بداية الدعوة التومرتية: يفسر لنا كيف أن ابن تومرت "سار في بلاد مصمودة، وكل من أنف منهم دعوته غزاه الموحدون" ، وكيف أنه عندما شاع خبر هزيمة الموحدين في البحيرة "قامت الفتنة بين قبائل المصامدة يقاتل الرجل أباه وأخاه في داره... ويكفر بعضهم بعضا" . يفسر لنا كيف تفتق ذهن المهدي عن عملية "التمييز"، ونفذها بمعية البشير، ليفني فيها خمس قبائل من مصمودة حسب البيذق، أو 15 ألف قتيل حسب ابن عذاري ، وكيف ثار محمد بن هود الماسي على عبد المؤمن (سنة 542هـ) ، وبعده يصليتن - قريب المهدي - سنة548هـ ، ثم عبد العزيز وعيسى -أخوا المهدي- بعد مقتل يصليتن، وصلبهما بمراكش سنة 549هـ ، وكيف أن قبيلة ركراكة المصمودية استمرت معارضتها للدولة الموحدية طيلة تاريخها  بل وتثور معها حاحة وهزميرة وهسكورة وغيرها من قبائل المصامدة... ، وفي المقابل تدخل عناصر صنهاجية طوعا ضمن الدعوة الموحدية حتى قبل افتتاح مراكش، بل وتساعد الموحدين في فتح العاصمة المرابطية ، وكان من ضمن الداخلين في الدعوة: الأمير يحي بن إسحاق المعروف بأنجمار زوج زينب بنت علي بن يوسف، وبراز بن محمد ويحي بن تاكغت من أمراء مسوفة ?
نعتقد أمام هذا الخليط المتراكم شذر مذر، والذي تقف العصبية الخلدونية عاجزة عن فك شيفرته، أن علي بن الربرتير كان على صواب عندما نظر إلى جزولة - وهي قبيلة صنهاجية كانت من بعض جنده - في إحدى مواجهاته مع الموحدين، وقال: "هؤلاء قوم مغيرون إما يأخذونني ويعطوني لعبد المؤمن، أو يأخذون عبد المؤمن ويعطونه إلي." ، وقد صدق حدسه فعلا عندما خذلوه وانضموا للموحدين، فكتب كتابا لعبد المؤمن يقول فيه: "اقتلهم قاتلهم الله، غدروا بإخوتهم فكيف لا يغدرونك؟"  فقام الخليفة (عبد المؤمن) بتجريدهم من سلاحهم، وأمر "عبيد المخزن" فقتلوهم جميعا إلا الصبيان . وعلى ذكر "عبيد المخزن" هؤلاء، الذين سيشكلون لاحقا قوة في الجيش المؤمني، فأمرهم قديم قدم الدعوة التومرتية نفسها، إذ عندما بدأ المهدي عملياته العسكرية الأولى (حوالي 521هـ أو522هـ) قام بغزو منطقة تازكورت، ويخبرنا البيذق الذي رافقه في غزوته، أنه أخذ بها عبيدا "سماهم المعصوم "عبيد المخزن"."،  ونحن نعرف أن من قنوات الارتزاق: الأسر والاسترقاق، وبهذا يكون الارتزاق الموحدي يضرب بجذوره إلى وقت مبكر جدا من نشأة الدولة، ومع هذا يصبح من العسير علينا أن نهضم كيف تؤخر نظرية ابن خلدون لجوء الدولة للمرتزقة إلى مرحلتها الثانية، بينما وُجد "عبيد المخزن" هؤلاء ضمنها في هذه الفترة المبكرة من تاريخها؟
ج) هل من داع لفحص تجربة بني مرين؟
نتوقف عند التجربة المرينية، ويستوقفنا معها السؤال: هل ما زال هناك ما يستدعي التوقف عند هذه التجربة بعدما تقدم؟
سؤال مشروع في اعتقادنا، يستمد مشروعيته من ركيزتين أساسيتين: ما كتبناه بصدد المثالين السابقين (المرابطي والموحدي)، وهما المثالان المفضلان لدى ابن خلدون، أولا. وثانيا لأن معظم الدراسات المرينية - بما فيها دراسة القبلي الذي اقترح علينا فحص إشكالية العصبية والارتزاق -  تعترف بأن بني مرين راهنوا على المرتزقة منذ بداية دولتهم، لأنهم أسسوا نظاما في ممارسة الحكم يرتكز على تعدد المساهمين في الغلبة وتعدد المستفيدين منه. ?
مع هذا نظن أنه من الأفضل فحص التجربة المرينية أيضا، لا لأنها ستوقف النظرية الخلدونية على أرجلها من جديد، ولكن لسبب منهجي صرف، هو أننا آلينا على أنفسنا منذ البداية الدخول إلى المختبر التاريخي دون حكم مسبق، لهذا علينا فحص المثال المريني أيضا لنرى هل يعضد المثالين السابقين ويدعمهما، أم يشكل استثناء داخل الدولة المركزية المغربية الوسيطية. لكننا لن نطيل في فحصه كثيرا، لأنه لم يعد يقدم أو يؤخر في مصير النظرية الخلدونية بعد كل ما بيّنا?
لاحظ الأستاذ المنوني منذ مدة طويلة (سنة 1967م)، أن المرينيين استعانوا بالعناصر العربية منذ بداية دولتهم، مما سهل على هذه العناصر اختراق أجهزة الدولة لاحقا وسيطرتها على العناصر البربرية . وبالفعل لا ينكر أحد أن حلفا هاما قد انعقد بين قبيلة رياح العربية وبني مرين منذ سنة 613هـ  دشن لتحالفات أخرى مع عناصر مختلفة. وهكذا إذا رجعنا إلى الحلل الموشية لمتابعة القبائل الأولى التي كانت سباقة لمبايعة المرينيين سنة 614هـ، فإننا نجد: هوارة وزكارة وتسول ومكناسة وبطوية وفشتالة وسدراتة وبهلولة ومديونة... ، وفحص هذه الفسيفساء القبلية يجعلنا متأكدين من شيء واحد هو أنها ليست كلها من عصبية زناتة التي تفترض النظرية الخلدونية أنها المؤسسة للدولة المرينية. بل على العكس من ذلك، نقرأ في المصادر بأنه مباشرة بعد الانتصار الأول للمرينيين على الموحدين (سنة 613هـ/1216م)، خرج عليهم بنو عمومتهم (بنو حمامة) وانضموا للموحدين، ونشبت حرب بين الفريقين انتهت بمقتل الأمير عبد الحق وابنه الأكبر إدريس ، فتولى بعده ابنه أبو سعيد عثمان (ابن عبد الحق) الذي وضع في مقدمة أولوياته قتال قبيلته زناتة، ففي "سنة عشرين وستمائة غزا بلاد فازاز ومن بها من ظواعن زناتة فأثخن فيهم حتى أذعنوا للطاعة."  لكننا نعرف بأن هذا الإذعان كان مؤقتا، لأن النزاع تجدد بين بني عسكر وبني حمامة سنة 638هـ ، ونحن نعرف أن المرينيين عند هذا التاريخ كانوا قد استعانوا بالمرتزقة النصارى منذ مدة طويلة?
أما الصراع المريني/الزياني ، وكلاهما من زناتة، فيعود رسميا - حسب الذخيرة السنية - إلى سنة 647هـ/1250م . لكن لا شك أن صاحب الذخيرة يقصد بهذا التاريخ بعد أن تأسسا ككيانين سياسيين، أما عمليا فالصراع بينهما أقدم من ذلك بكثير، وتعود جذوره على الأقل إلى بدايات الدولة الموحدية، عندما ناصرت فروع بني عبد الواد جيوش عبد المؤمن المتوغلة في المغرب الأوسط، بينما عارضتها بعض فروع زناتة الأخرى وخاصة بنو مرين.  والصراع المريني/العبدوادي مشهور إلى أنه يمكن القول بأن تاريخ الدولتين الزناتيتين هو تاريخ الصراع المستمر بينهما، ولم يفتر هذا الصراع إلا بعد أن قضى العثمانيون على بني عبد الواد والسعديون على بني وطاس، وخلاله لم يستنكف بنو مرين من التحالف مع بني حفص ضد الزيانيين في عدة مناسبات، لعل أشهرها تم بعد المصاهرة المزدوجة بين المرينيين والحفصيين زمن أبي الحسن ، وما يهمنا هنا هو أن الزيانيين والمرينيين من زناتة، بينما ينتهي الحفصيون إلى هنتاتة المصمودية.
لو كانت الأمور تسير وفق منطق العصبية والروابط الدموية، لكان من باب أولى أن تتوحد إمارتا بني مرين وبني عبد الواد ضد بني حفص، خاصة وأن بني حفص ليسوا فقط مصامدة، بل ادعوا أنهم الممثلون الوحيدون للعقيدة التومرتية وورثتها الشرعيون بعد أن تخلى عنها الخليفة المأمون . كما أن البيت الحفصي لوحده يمثل إشكالا عويصا يطرح على النظرية الخلدونية، إذا علمنا بأنهم وهم المصامدة نجحوا في بناء دولة في مجال غريب عنهم تماما (عصبويا) وهو إفريقية.
ماذا يمكن أن نستنتج من خلال متابعتنا المجهرية لتطور العصبية والارتزاق داخل الدولة المركزية المغربية الوسيطية بتجاربها الثلاث (وبهامشها التجربتان الحفصية والزيانية)؟
إذا نظرنا إلى التاريخ الوسيط المغربي - قيام الدولة وانهيارها - نظرة ماكروسكوبية، تبدو لنا الأمور بسيطة ومنسجمة، إلى حد بعيد، مع النظرية الخلدونية، لكن الفحص الميكروسكوبي وحده يفضح الخروق الموجودة بها، والتي كلما حاولنا رتقها إلا وازدادت اتساعا??
?
?حصيلة:
?هل كان لنا، بعد كل الذي تراكم حول ابن خلدون خلال ستة قرون، أن ندخل بنظريته إلى مختبر التاريخ قصد عرضها على التجربة؟ ذلك ما أملناه، على كل حال، من خلال هذا العمل. فبدأناه بمبحث أول خاص بعرض النظرية "صافية" كما تمت صياغتها في "المقدمة"، استنتجنا منه أن ابن خلدون يجعل من "العصبية" - الوحشية بالذات- محور قيام الدولة، لأنها اللحمة الرابطة بين أفراد القبيلة الواحدة، ومن "الارتزاق" محور انهيارها، لأنه يسمح بدخول عناصر غريبة عن العصبية المؤسسة واستبدادها بالحكم تدريجيا. أما العوامل الأخرى في الجهاز المفاهيمي الخلدوني "كالدعوة" و"الجباية" و"الترف"... فهي عوامل مساعدة رغم كونها أساسية وضرورية - حسب ابن خلدون - لقيام الدولة أو انهيارها. أما المبحث الثاني، فحاولنا فيه استخراج التطبيق العملي للنظرية الخلدونية، كما جاءت في "كتاب العبر". ولاحظنا من خلال متابعة العملين (المقدمة والعبر) أن ابن خلدون قد حقق نوعا من الانسجام والمنطقية مع ذاته، أي أنه لم يكن متناقضا بين إطاره النظري وجانبه التطبيقي.
بعد ذلك حاولنا (في فصل ثان) بسط تأثير نظرية ابن خلدون في الإنتاج التاريخي المعاصر، في مبحث أول، انتهى بنا إلى أن الانفلات من هذه النظرية شكل صعوبة كبرى في الدراسات التاريخية الوسيطية بالخصوص، مع تفاوت في مستوى التأثر من دراسة لأخرى. أما المبحث الثاني فكان فحصا تاريخيا تجريبيا لنظرية "العصبية والارتزاق"، لكن من خارج الإنتاج الخلدوني. أي فحصها فحصا مجهريا، ومطابقتها مع الأحداث والوقائع كما صاغتها المصادر المختلفة الأخرى. ليتبين لنا أن ابن خلدون قد قفز على العديد من الأحداث،  والتف على عدد آخر، حتى تنسجم الأمور مع تصوره النظري لنشأة الدولة وانهيارها. وبالتالي فإن منطقيته مع ذاته، هي غير ذلك تماما مع الآخرين، أي مع الفحوص المجهرية الأخرى التي تعيد نظريته إلى المختبر لتجربتها والتأكد من صحة نتائجها.
انتهى هذا العمل إلى باب مفتوح كما نلاحظ، أي أنه انفتح على أفق جديد للبحث، وذلك عبر التساؤل عن البديل أو البدائل الممكنة لنظرية قيام الدولة وانهيارها بالمنظور الخلدوني؟ ولاشك أن الجواب على هذا التساؤل يستدعي اجتهادات أخرى متممة لهذا العمل، عبر أبحاث جديدة، تبحث في الآليات الحقيقية لقيام وانهيار الدولة المركزية بالمغرب.

الهوامش

  - نفسه، ص.159.
  - نفسه، ص.159. ورغم هذا القول، يواصل العروي تحليله ضمن السياق الخلدوني.
 - خطوط التشديد لنا. 
  - نفسه، ص.183.
  - ابن عذاري، ج.4، ص.8. وابن أبي زرع، ج.2، ص.14. والحلل الموشية، ص.21.
  - النويري، نهاية الأرب، ج.22، حققه أبو ضيف (تاريخ الغرب الإسلامي في العصر الوسيط) دار النشر المغربية، البيضاء، 1984، ص.375 وص.380. وابن الأثير، الكامل في التاريخ، دار الكتاب، بيروت، 1983، ج.8، ص.75. وحتى لو أسقطنا هذه الرواية فإنها ليست دليلنا الوحيد على الصراع الصنهاجي/الصنهاجي.
  - ابن عذاري، ج.4، ص.9.
  - ابن أبي زرع، ج.2، ص.ص.14 - 15.
  - ابن عذاري، ج.4، ص.10. وابن أبي زرع، ج.2، ص.15.
  - ابن عذاري، ج.4، ص.13.
  - ابن عذاري، ج.4، ص.ص.14 - 15. وابن أبي زرع، ج.2، ص.15.
  - ابن عذاري، ج.4، ص.20. وابن الأحمر، بيوتات فاس، ص.30. والحلل الموشية، ص.23. بينما أرجع ابن خلدون الخلاف لسنة 452هـ وجعله بين لمتونة ومسوفة.(ج.5، ص.21).
  - الإستقصا، ج.2، ص.14.
  - حتى لو تأخر التاريخ عن ذلك بضع سنوات، فلا يعنينا ذلك، لأن ما يهمنا فعلا هو فكرة الصراع في حد ذاتها، وتقديمه أو تأخيره سيدعم فكرتنا أكثر.
  - طبعة الجزائر.
  - سبق أن عرضنا لهذا النص بتفصيل.
  - المقتبس من كتاب الأنساب في معرفة الأصحاب، تحقيق عبد الوهاب بن منصور، دار المنصور للطباعة والوراقة، الرباط، 1971، ص. 12. وابن الأثير، ج.8، ص.294. والحلل الموشية في ذكر الأخبار المراكشية، دار الرشاد، البيضاء، 1979، ص.103.
  - الأنساب، ص.13. وابن الأثير، ج.8، ص.295. والحلل الموشية، ص.107 وص.142. ولا يملك حسين مؤنس، بعد أن رد نسب عبد المؤمن إلى زناتة، إلا أن يقول مستغربا: "وهذا الزناتي هو الذي سيتزعم دولة المصامدة الكبار، وتلك مفارقة غريبة من مفارقات التاريخ." تاريخ المغرب وحضارته، العصر الحديث للنشر، بيروت، 1992، م.2، ص.86. وممن رد نسب عبد المؤمن إلى زناتة: ابن الأحمر، بيوتات فاس الكبرى، دار المنصور، الرباط، 1972، ص.16. والناصري، ج.2، ص.93. 
  - الأنساب، ص. 23، وص.31.
  - نفسه ص.24، وص.30.
  - نفسه، ص.25.
  - نفسه، ص.30.
  - نفسه، ص.31.
  - نفسه، ص.31.
  - نفسه، ص.23، وص.31. 
  - نفسه، ص.21. 
 - أخبار المهدي بن تومرت وبداية دولة الموحدين، تحقيق عبد الوهاب بن منصور، دار المنصور للطباعة والوراقة، الرباط، 1971،ص.56.
  - الأنساب، ص.31.
  - أخبار المهدي، ص.46.
  - نفسه، ص.46. انظر مواقفهم إلى جانب عبد المؤمن في بداية حكمه وحربهم للمرابطين (ص.50)، ودورهم الكبير في فتح فاس (ص.61)، وفي فتح مراكش (ص.63). 
  - روض القرطاس، ج.2، ص.118.
  - البيان المغرب، ج.4، ص.85.
  - أخبار المهدي، ص.39، والبيان المغرب، ج.4، ص.ص.68 - 69.
  - روض القرطاس، ج.2، ص.ص.138-139، والبيان المغرب، قسم الموحدين، صص.68-69.
  - روض القرطاس، ج.2، ص.151، والبيان المغرب، قسم الموحدين، صص.47-48.
  - روض القرطاس، ج.2، ص.153، والبيان المغرب، قسم الموحدين، صص.47-48 وصص.50-51.
 - حول ثوراتها في بداية الدولة، يراجع: البيذق، أخبار المهدي، ص.67-72، والناصري، الإستقصا،ج.2، ص.93. وفي نهاية الدولة ثورة أبي قصبة، زمن الناصر، ابن عذاري، قسم الموحدين، ص.239. وقد لاحظ الأستاذ القبلي (انظر: حول بعض مضمرات التشوف، ضمن التاريخ وأدب المناقب، ص.66) أن "القبائل المصمودية المنصوص عليها في التشوف قد عرفت منذ أول أمر الموحدين بتقاعسها أو ترددها أو معارضتها العنيدة لابن تومرت وخليفته، ثم للنظام القائم فيما بعد.". يمكن الرجوع مباشرة إلى: ابن الزيات (أبي يعقوب يوسف التادلي ت.617ه) التشوف إلى رجال التصوف، تحقيق أحمد التوفيق، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية، الرباط، 1984.
 - البيذق، أخبار المهدي، ص.67 وما بعدها.
 - الحلل الموشية، ص.138.
 - البيان المغرب، قسم الموحدين، صص.30-31. والحلل الموشية، صص.143-144. والعبر، ج.6، ص.271.
  - أخبار المهدي، ص.57.
  - نفس المصدر والصفحة.
  - نفس المصدر والصفحة.
  - المصدر نفسه، ص.38.
  - حول إشكالية العصبية والارتزاق يراجع القبلي، الدولة والولاية والمجال، ص.80...
  - انظر التحليل الذي قام به الأستاذ القبلي في الفصل الرابع من: Société, pouvoir et religion .
  - Mohammed El-Menouni, Apparition à l'époque Mérinide et Ouattasside des éléments constitutifs du sentiment national Marocain, Texte d'une communication présentée aux journées d'étude de la société d'histoire du Maroc les 12 et 13 Mai 1967, Rabat, p. 221.
  - حركات، المغرب عبر التاريخ، ج.2، ص.13.
  - الحلل الموشية، ص.172.
  - الإستقصا، ج.3، ص.7 وص.9، والبيان المغرب، قسم الموحدين، ص.354. 
  - الإستقصا، ج.3، ص. 9...
  - ابن عذاري، قسم الموحدين، ص.357.
  - يعرض علينا الأستاذ دهينة (مرجع سابق، صص.90-91 وص.92-95) عند حديثه عن الدولة الزيانية،نماذج زناتية عارضت أيضا بني عبد الواد، وخاصة أبناء عمومتهم بني طوجين (بزعامة محمد بن عبد القوي)، ومغراوة (أولاد منديل)... والغريب في الأمر أن الأمثلة والوقائع التاريخية كلها التي يستشهد بها دهينة تأتي من مصدر أساسي واحد هو تاريخ ابن خلدون.  
  - الذخيرة السنية، دار المنصور، الرباط، 1972، ص.76.
  - انظر: يحي بن خلدون، بغية الرواد في ذكر الملوك من بني عبد الواد، الجزائر، 1903، ج.1، ص.101.
  - معروف أن أبا الحسن المريني صاهر الحفصيين ثانية بعد وفاة زوجته الأولى السيدة فاطمة بنت السلطان يحي الحفصي، في معركة طريف.
  - لما دخل المأمون حضرة مراكش وبايعه الموحدون "صعد المنبر بجامع المنصور... فخطب الناس ولعن المهدي على المنبر وقال: لا تدعوه بالمهدي المعصوم وادعوه بالغوي المذموم." الإستقصا،ج.2،ص.238. انظر أيضا عن ظروف قيام وتطور الدولة الحفصية: ابن عذاري، قسم الموحدين، ص.290 وما بعدها.

عودة إلى ابن خلدون 2

التفاصيل
كتب بواسطة: د. عبد العزيز غوردو
المجموعة: بحوث و دراسات
انشأ بتاريخ: 24 أبريل 2002
الزيارات: 12

عودة إلى ابن خلدون 2

د. عبد العزيز غوردو

كان عبد المؤمن إذن، بعد أن أدخل في طاعته عناصر زناتية وصنهاجية وعربية، يمهد لتقليص نفوذ مصمودة وقلب الحكم من منطقه التشاركي إلى منطقه الانفرادي، فقتل الثائرين عليه بالمغرب، ونكب الخارجين عليه بالأندلس، واستغل قدوم وفد إشبيلية عليه (سنة 551هـ) الذين "رغبوا (منه) ولاية بعض أبنائه عليهم"  ففعل. ثم أتم بعد ذلك فتح إفريقية وإجلاء النصارى عنها، وجهز أسطولا برسم الجهاد في الأندلس، لكنه توفي في سلا قبل إنجاز مشروعه. 
بعد ذلك، ومنذ بيعة أبي يعقوب يوسف، أصبح الحديث عن العناصر العربية  والأندلسية (ابن همشك وابن مردنيش )  ضمن الجند الموحدي مسألة عادية عند ابن خلدون، بينما أخر الحديث عن أصحاب قراقوش (الأغزاز) إلى زمن يعقوب المنصور الذي أمنهم بعد أن افتتح قفصة سنة 582هـ ، كما أخر الحديث عن النصارى إلى زمن الناصر، وبالذات وقعة العقاب (أواخر صفر 609هـ) عندما ذكر بأن "ابن أذفونش قد باطن ابن عمه الببوج، صاحب ليون، في أن يوالي للناصر ويجري الهزيمة على المسلمين، ففعل ذلك."  ومعروف أن "العقاب" سجلت المنعطف الحاسم المؤذن باهتضام دولة الموحدين وزوال ملكهم، إذ خلال السنوات الموالية، ثارت جزولة بزعامة رجل يدعى ابن الفرس ادعى الإمامة ، كما ثار آخر بمنطقة فاس ادعى المهدوية وانتسب للعبيديين ، لكن أخطر الأحداث كان ظهور "بني مرين بجهات فاس سنة ثلاث عشرة (613هـ)، (حيث) خرج إليهم واليها السيد أبو إبراهيم في جموع الموحدين فهزموه وأسروه."  
ج) زناتة ودولة بني مرين:
ظهور المرينيين على مسرح الأحداث إعلان عن ميلاد "عصبية وحشية" جديدة، وتهالك أخرى "فاسدة" - باصطلاح القاموس الخلدوني -، استمر احتضارها زهاء نصف قرن ، قبل أن تموت على ضفاف وادي أغفو مع مقتل أبي دبوس  ودخول يعقوب بن عبد الحق "مراكش في المحرم سنة ثمان وستين" . لكن بين معركة العقاب، ومقتل أبي دبوس، أو بالأحرى بين دخول بني مرين عمليا مسرح الأحداث سنة 613هـ، ودخولهم مراكش سنة 668هـ، حدثت تطورات كثيرة على ظهور وبناء دولتهم الفتية، فكيف ينطبق المنهج الخلدوني على هذه التطورات؟
بعد أن تتبع ابن خلدون - على عادته - أنساب زناتة وأصولها ، قسمها إلى طبقات ودخل في الحديث عن الدول الأولى التي أنشأتها بعد الإسلام، كبني يفرن ، ومغراوة ، وبني خزرون ، وجعل دولة بني عبد الواد في الطبقة الثانية من زناتة ، بينما جعل بني مرين في الطبقة الثالثة .
"بقي هذا الحي من بني مرين بمجالات القفر من فيكيك إلى سجلماسة إلى ملوية، وربما يخطون في ظعنهم إلى بلاد الزاب"  متجولين "بمجالات القفار، من فيكيك إلى صا وملوية كما قدمناه من شأنهم. وكانوا يطرقون في صعودهم إلى التلول والأرياف منذ أول دولة الموحدين وما قبلها جهات كرسيف إلى وطاط، ويأنسون بمن هنالك من بقايا زناتة الأولى... فيتقلبون بتلك الجهات عام المربع والمصيف، وينحدرون إلى مشاتيهم بما امتاروه من الحبوب لأقواتهم." . رفضوا الدخول في الدعوة الموحدية أولا، ثم اعتنقوها وأخلصوا لها بعد ذلك ، وحضروا غزاة الأرك "وأبلوا البلاء الحسن... فلما رأوا من اختلال بلاد المغرب ما رأوا انتهزوا الفرصة وتخطوا إليها القفر، ودخلوا ثناياه وتفرقوا في جهاته، وأرجفوا بخيلهم وركابهم على ساكنه، واكتسحوا بالغارة والنهب عامة بسائطه."  ثم انتصروا على والي الموحدين على فاس ووسعوا نفوذهم بجهات الريف وبلاد بطوية وغيرها.
تنجح عصبية زناتة في الوصول إلى الحكم، وينجح عبد الحق في تحويله إلى ملك في عقبه، فالإشارة هنا عند ابن خلدون واضحة قوية، إذ يقول: "وكان يوسف بن يعقوب بن عبد الحق ثالث ملوك بني مرين."  أي أن عبد الحق هو الأول ويعقوب هو الثاني ويوسف هو الثالث، وربما لهذا السبب انشق بنو عسكر عن بني حمامة منذ الفترات الأولى للدولة، أي منذ أن توضح استبداد عبد الحق بالحكم. يقول ابن خلدون: "اختلفت بنو محمد ورؤساؤهم وانتبذ عنهم من عشائرهم بنو عسكر بن محمد، لمنافسة وجدوها في أنفسهم من استقلال بني عمهم حمامة بالرياسة دونهم."
لكن إذا كان أمر العصبية الوحشية الناهدة لإنشاء الحكم، ثم انقلاب هذا الحكم من التشاركي إلى الانفرادي، بالتجربة المرينية، واضحا في "العبر"، فإن أمر الدعوة الدينية يظل غير ذلك تماما.
ليس هناك، في الدولة المرينية، داعية بحجم ابن ياسين أو ابن تومرت في التجربتين السابقتين: هل يرجع ذلك إلى مدى التشتت الذي عرفته منطقة شمال أفريقيا، والذي نلمسه في الجزء السابع من العبر، على عكس الجزء السادس الذي عالج التجربتين المرابطية والموحدية، وهو تشتت عكسته كثرة الإمارات مما يعني عجز إحدى العصبيات عن استيعاب العصبيات الأخرى واحتوائها - رغم تجربة أبي الحسن الفاشلة - أم سبب له؟
على أي فإن بني مرين سيحاولون تدارك هذا الأمر عبر العناية بالشرفاء وإحياء ذكرى المولد النبوي ، وترسيخ المذهب المالكي في المغرب بطريقة مكينة لا رجعة فيها، وبناء المدارس ورفع راية الجهاد بالأندلس ... وإن كان كل هذا في رأينا لا يسد ثلمة "الدعوة الدينية" التي ألح عليها ابن خلدون في مقدمته. أما مسألة المرتزقة فلا تشكل حرجا في التجربة المرينية، إذ تظهر أخبار العرب والروم في عدة مناسبات من "العبر" ، من أهمها عندما عبر أبو يوسف للجهاد بالأندلس سنة 674هـ حيث "خاطب في ذلك كافة أهل المغرب من زناتة والعرب والموحدين والمصامدة وصنهاجة وغمارة وأوربة ومكناسة، وجميع قبائل البرابرة، وأهل المغرب من المرتزقة والمطوعة."
عرض علينا ابن خلدون في "المقدمة" نظريته في الدولة والملك، وعرض علينا في "العبر" عدة تجارب تطبيقية اخترنا منها ثلاثة نماذج تمثل الدولة المركزية الوسيطية بالمغرب، ثم رحل إلى بلاد المشرق  وتوفي هناك دون أن يشهد انهيار دول شمال أفريقيا، وبالذات الدولة المرينية : ترى هل كان له أن يحافظ على نظريته، في قيام الدولة وانهيارها، لو كتب له أن يشهد التجربة السعدية المرتكزة على الشرفاوية؟                  
 II- نقد النظرية الخلدونية:                                                                                                                      
1) أثر الخلدونية في الفكر التاريخي?المعاصر?
أ) ما قيل في ابن خلدون:
من يجرؤ على الادعاء بأنه يستطيع الإحاطة بالبيبليوغرافيا الضخمة التي كتبت حول ابن خلدون، والتي ربما فاقت مجموع ما كتب حول التاريخ المغربي الوسيط؟
إن ابن خلدون من المفكرين الإنسانيين القلائل (كأرسطو ومكيافيلي وماركس...) الذين ألف حولهم ما يمكن أن يبني مكتبة خاصة بهم ، ومكتبة رحبة بهذا الشكل، لا شك أنها تضم أفكارا مختلفة حول هذا المفكر الكبير. أفكارا تصل حد التضاد والتناقض في مناسبات عديدة، وتؤكد أن نظرية ابن خلدون تظل قابلة للتأويل مع كل قراءة أو مراجعة جديدة. غير أن ما يميز قراءتنا هاته هو أنها تدخل النظرية - وبالتالي من تأثر بها - إلى "مختبر" التاريخ قصد التجربة، أي أننا لم نكتف بقراءتها من خلال المقدمة كما فعل كثيرون غيرنا، أو استدلوا بين الفينة والأخرى بنصوص من كتاب العبر، لهذا حاولنا أولا عرضها "صافية" كما جاءت في المقدمة، ثم طابقناها ثانيا مع مدونة ابن خلدون التاريخية في متابعة للدولة المركزية المغربية الوسيطية، والآن نأمل انتقادها عبر متابعة تاريخية من خارج الإنتاجات الخلدونية، أي تتبع الوقائع التاريخية مجهريا كما صاغتها مختلف المصادر. لكن لا بأس قبل تفصيل هذا العمل أن نقوم بجولة قصيرة للاطلاع على بعض الأفكار التي تناولت الفكر الخلدوني، فتبنته ودافعت عنه أحيانا ورفضته وانتبذته أحيانا أخرى.
ذهب المستشرق الألماني فون فسندونك????????????? إلى أن ابن خلدون استطاع التحرر من قيود التقاليد الإسلامية في درس شؤون الدولة والإدارة وغيرهما، وأنه حرر ذهنه من القيود الفكرية التي ارتبطت في عصره بالعقائد الدينية. وهو نفس المنحى الذي اتخذه الهولندي ت. ي. دي بور????????????? حين رأى بأن الفكر الديني لم يؤثر في تفكير ابن خلدون بالقدر الذي فعلت فيه الأفكار الأرسطوطاليسية. ولم يبتعد ن.شميدت?????????? عن ذلك عندما أعلن بأن استشهاد ابن خلدون بالآيات القرآنية لم يكن للاستدلال بها، وإنما ليحمل القارئ على الاعتقاد بأنه متفق مع النصوص الدينية المقدسة. أما المستشرق الإنجليزي هاملتون جيب??????? فلم ير في ابن خلدون أكثر من فقيه مالكي يعمل على تبرير الخلافة، شأنه في ذلك شأن الماوردي والغزالي.  موقف اتخذه أيضا هنري لاوست عندما أسند الفكر الخلدوني إلى أصول الفقه وعلم الكلام . وفي بحثه "نحن وابن خلدون" رأى محمد أركون بأن ابن خلدون عبارة عن متعصب أشعري مالكي، ظهر فكره كنتاج للمعطيات الثيولوجية المحافظة، على نقيض فكر الأنوار وليد الحضارة الغربية،  كما اعتقد، أركون، أن ابن خلدون كان يطمح إلى منصب أو زعامة، وقد ظل منغلقا على نفسه ضمن التعاليم السنية، دون أن يكلف نفسه عناء البحث فيها ??
وقد ذهب العروي إلى أن أقام مقارنة بين ماكيافيلي وابن خلدون  لكن شريطة أن نضفي على الإنتاج الخلدوني صبغة النسبية . ويعلق محمد وقيدي على ذلك بقوله: "إن حضور ابن خلدون لا يكون عند العروي من أجل تبريره، بل من أجل إضفاء النسبية عليه." ، ويؤكد العروي ذلك عندما يقول: " إن إضفاء النسبية على النتائج التي توصل إليها ابن خلدون وعلى التنظيرات التي يقدمها لنا لتفسير سيرورة تاريخ المجتمع المغربي، معناه أن علينا الرجوع إلى التاريخ لكي نفسر به النظرية الخلدونية، لا أن نفسر الوقائع بفضل العقلنة التي يمدنا بها ابن خلدون."  ??
أما أرنولد توينبي فقد عبر عن إعجابه بان خلدون بطريقته الخاصة عندما قال بأنه "نجم مذنب لمع في سماء الحضارة الإسلامية، ثم تلاشى بدون أثر" ?? ولم يبتعد غوتييه عن ذلك كثيرا عندما استنتج بأن ابن خلدون "يريد أن يفهم، وهذا ما هو غربي تماما بالنسبة لمسلم? " ، بينما حاول قبيسي  التمييز بين ابن خلدون "الموضوعي" الذي ينقب عن مغالط المؤرخين، وابن خلدون "قاضي قضاة المذهب المالكي" الذي لا يختلف عن هؤلاء المؤرخين الذين طالما انتقدهم، وهو - أي قبيسي - يتفق تماما مع لاكوست الذي خلص إلى أنه بالرغم من أن ابن خلدون قد "أكد في مستهل المقدمة على الطابع الأولي لمبدأ السببية ... يتمرد بوصفه مؤمنا، ضد مبدأ معقولية الواقع. ويبدو أنه يريد إنقاذ هذا الهامش الذي تكون فيه مشيئات الله مستحيلة السبر، ويريد الدفاع عن القدرة الإلهية ضد ادعاءات عقلانية غازية." ?
ب) تأثير الخلدونية في الكتابات التاريخية المعاصرة:
إذا نحينا هذه الآراء - المتناقضة - جانبا، واعتبرناها مجردة لأن الكثير من أصحابها ليسوا مؤرخين محترفين، بل منهم من لم يبحث في التاريخ مطلقا، وحاولنا رصد تأثير نظرية ابن خلدون في الإنتاج التاريخي المعاصر، فإننا لا نكاد نجد بحثا يخلو من الإشارة لابن خلدون، خاصة عندما يتعلق الأمر بالتاريخ الوسيط، وكأن الممارسة التاريخية - الوسيطية بالخصوص - أصبحت عاجزة عن الانفلات من التنظير الخلدوني. وطبعا يختلف الأمر ما بين إشارات خفيفة في بعض الدراسات والأبحاث، وتخصيص فصول أو أبواب كاملة في دراسات وأبحاث أخرى. ناهيك عن العديد من البحوث الأنثروبولوجية التي بحثت في التشكيلات القبلية لشمال أفريقيا والتي طالها أيضا هذا التأثير. وفيما يلي عرض لبعض الباحثين الذين نسجوا بحوثهم في نول ابن خلدون، أي ساهموا في هذا النسيج الموسوم "بالعصبيات القبلية" ودورها المحوري في تشكيل الدول وانهيارها بالمغرب الوسيط.
"هذه العصبيات ستتعاقب على الحكم بشكل أو بآخر، وهي في تعاقبها ستحاول دائما الاعتماد على التضامن العصبي واللحمة القبلية خارج إقليمها الأصلي لتقوم بتجربتها في مجال الوحدة والتوحيد?" ? يقول القبلي، بينما يقول عمر موسى إن ابن تومرت "وفق في اختيار موضع ثورته، فالمصامدة هم عصبيته، والمغرب إذاك، وفي كل وقت، هو القبائل." ، ثم يؤكد هذا التفسير العصبوي عندما يقول: "والمصامدة بوجه خاص لم يكونوا على وئام مع المرابطين الذين بنوا عاصمتهم مراكش بالقرب منهم ليذللوا من صعابهم." ، وهكذا بذر ابن تومرت "بذرته الأولى في تربة المصامدة الساخطين والناقمين على المرابطين، وعرف كيف يصهر قبائلهم في وحدة إدارية وعقائدية يسرت قيادتهم."  ويشدد عمر موسى على هذا الاستنتاج عندما يكرر: "فتاريخ المغرب هو تاريخ القبائل" ، وابن تومرت "عرف هذه الحقيقة فوضع نظاما حفظ به وحدة قبائل الموحدين" ، هذه القبائل التي "كانت كلها من المصامدة." . كما لو أن المصامدة كانوا كتلة متجانسة، في مواجهة كتلة أخرى متجانسة هي صنهاجة.
صنهاجة التي قدمها لنا الحسن السائح فعلا مجالا متجانسا، عندما زعم بأن المؤرخين وجدوا في وحدة العوائد واللغة، دليلا على وحدة أصل هذه القبيلة العظمى التي خرج منها المرابطون، ليقوضوا حلف زناتة . وهو تقديم أكده زنيبر - من خلال قراءته لنظم الجمان - عندما استنتج بأن دور العصبية المؤسس للدولة لا يمكن تجاهله، مستشهدا صراحة بمقدمة ابن خلدون وتاريخه على السواء ، وعرضه كذلك ستانلي بول مختزلا عندما نسب المرابطين لحلف صنهاجة بزعامة اللمتونيين، لكن دولتهم - يضيف بول - لم تدم طويلا، لأنهم عندما استقروا بالأندلس، ذهبت عنهم الصفات البدوية والروح الحربية  ،  كما عرضته دراسات أخرى متأخرة  تحدثت حينا عن "عصبية صنهاجية"?وحينا آخر عن "تحالف صنهاجي"، لأن "وحدة الفصائل?الصنهاجية كانت?ضرورة ملحة لتجاوز العوز الاقتصادي والحصار السياسي اللذين?عانت?منهما?ما يناهز السبعين قبيلة." ? وعبد الله بن ياسين لم يفعل شيئا "غير استغلال هذه الوضعية للخروج بالصنهاجيين إلى مجال أرحب قصد استكمال السيطرة، وإحكام القبضة على المسالك الشمالية" ، وهو نفس الهاجس - أي سيطرة عصبية قبلية على المسالك التجارية - الذي تردد مع التجربتين اللاحقتين: الموحدية والمرينية . وهكذا يردد علينا حسين بولقطيب بخصوص دواعي الوحدة الصنهاجية/المصمودية/الزناتية، نفس أطروحة الأستاذ القبلي الذي كان قد وصل إلى أن كل الدول المغربية في العصر الوسيط قامت على أساس مراقبة خطوط التجارة  وأن التجربة المرينية تقدم الدليل القاطع على الطابع الاقتصادي للصراع العصبي في العصر الوسيط ، هذه التجربة التي ارتكزت على عصبية زناتة  الممثلة ببني مرين، تماما كالعصبية المرابطية، يضيف ماس لاتري ، وهو نفس ما ذهب إليه دهينة عندما حاول وضع تطبيق تاريخي لنظرية ابن خلدون على كيان زناتي آخر هو دولة بني عبد الواد، فصور لنا الوسط البربري،  ثم عرض لدينامية زناتة،  قبل أن ينفذ لما سماه "بالقوة الخلاقة"، أي مجموعة بني عبد الواد،  ثم خلص لشخصية المؤسس يغمراسن،  وتطور الدولة على عهد أبي حمو موسى الأول،  وبعده أبي تاشفين الأول ?
وحتى العروي الذي لا ينفك يتبرم ويتبرأ في أكثر من مناسبة من نظرية ابن خلدون، ? لا يملك في النهاية إلا أن ينحني أمامها ليفسر بها الوقائع، سافرة أحيانا ومقنعة أحيانا أخرى. وقد رصدنا ذلك في ثلاث مناسبات - على الأقل - ضمن الجزء الثاني من "مجمل تاريخ المغرب"، ليس لأن العروي لجأ للتفسير الخلدوني في ثلاث مناسبات فقط، ولكن لنقدم ثلاثة نماذج عن الدول المركزية المغربية الوسيطية.
المناسبة الأولى تمثل التجربة المرابطية، وهي تجربة لم يستحضر فيها العروي مفهوم "العصبية" صراحة، إلا أن القارئ لا يحتاج إلى كبير عناء لكي يفهم بأنه - العروي - لم يخرج عن الإطار الذي حدده ابن خلدون في مقدمته. يقول العروي: "أرسى عبد الله بن ياسين ويحي بن عمر اللمتوني قاعدة في غرب الصحراء بعد أن توحدت القبائل الصنهاجية من جدالة ومسوفة ولمطة حول قبيلة لمتونة، التي تلعب?في النظام المرابطي دور قريش في الدولة الإسلامية الأولى"?.  لكن العروي يحاول إقناعنا بأن ما صرح به هنا، ربما هو محض مجاز لغوي، وأنه بصدد انتقاد جدي لابن خلدون، وذلك عندما يبدأ في تتبع مراحل العمليات العسكرية المرابطية، فيتساءل: لماذا توقف ابن تاشفين عند حدود إمارة بني حماد بالمغرب الأوسط؟ "نجد جوابا على هذا السؤال عند ابن خلدون... إن اللمتونيين وهم صنهاجة، وقفوا بالضبط عند حدود إمارة بني حماد الصنهاجيين مثلهم. يعتمد مؤرخو عهد الاستعمار، مثل هنري تيراس، على هذه الملاحظة ليقولوا إن يوسف كان يعي القرابة العرقية بينه وبين بني حماد... (بينما) الأنسب إلى منطق الأحداث هو ما ألمح إليه الإخباريون وهو توصل يوسف برسائل الاستغاثة من رؤساء الأندلس." ??
يقصد العروي بالإخباريين هنا ابن أبي زرع، لكن ما يراه العروي "أنسب إلى منطق الأحداث" قد لا نراه نحن كذلك، وذلك اعتمادا على "روض القرطاس" الذي يظل صاحب "المجمل" وفيا له رغم تحفظه عليه ، فنرتب الأحداث كما وردت في هذا المصدر الذي زعم العروي من خلاله بأنه قوض نظرية ابن خلدون.
حسب ابن أبي زرع: وصلت رسل ابن عباد لأول مرة إلى مراكش للاستغاثة سنة 467هـ، لكن ابن تاشفين اعتذر لأنه لم يكن قد فتح سبتة بعد. وفي سنة 474هـ فتح تنس ووهران ووصل إلى الجزائر، ثم عاد إلى مراكش حيث وصلته رسل ابن عباد مرة ثانية للاستغاثة، قبل أن تصله رسائل الاستصراخ من كافة البلاد الأندلسية ثلاث سنوات بعد ذلك، أي سنة 477هـ، وهي السنة التي جاءه فيها ابن عباد بنفسه مستصرخا بعد أن علم بفتح يوسف لسبتة ?
تصل رسائل الاستغاثة إذن سنة467هـ، لكن ابن تاشفين يأبى إلا أن يتم توحيد المغرب الأقصى، ثم يتوجه شرقا إلى حدود إمارة بني حماد. لا يدخل في مواجهات معها رغم أنها أصبحت على مرمى حجر منه، بل يعود إلى مراكش، وفي مراكش تأتيه رسل ابن عباد ثانيا وثالثا، ثم يفد ابن عباد بنفسه أخيرا. صحيح هناك إلحاح على يوسف بالجهاد، لكن ذلك لا يفسر لماذا توقف عند الحدود الحمادية بالضبط، لا أكثر ولا أقل . لاحظ أيضا بأن الرسل وصلته للمرة الثانية بعد أن عاد لمراكش، أي بعد أن انتهى من ضم ما شاء من المغرب الأوسط. لم تأته الرسل وهو في الغزو مما قد يدعوه للتوقف عند الحدود إياها والإسراع بالعبور إلى الأندلس، بل عاد إلى عاصمته حيث وصلته الرسل، ورغم ذلك لم يعبر للجهاد فورا، لأنه لم يكن على عجلة من أمره، بل انتظر أربع سنوات بعد تاريخ وصوله لحدود بني حماد: فما الذي يبدو أنسب إلى منطق الأحداث؟ تحليل ابن خلدون أم تأويل العروي؟ ?
رغم كل هذا يقول العروي إن "ابن خلدون اهتدى إلى تحليل آلية نظام قائم، بل مستقر في الحضيض، لا إلى سبر أسباب تكوينه ووسائل إصلاحه?" ? ويعلل هذا القول بأن ابن خلدون عاش في عصر انحطاط وهو ما انعكس حتما عل تفكيره . فهل هذا تبرير كاف؟ هل يكفي أن نصدر عبارة قيمية كهاته لكي نهدم نظرية؟ وهل كان ابن خلدون مطالبا بإصلاح واقعه التاريخي بكل تعقيداته وتناقضاته؟ ألا يعيش العروي نفسه اليوم في عصر انحطاط، وبالتالي تصدق عليه جميع الأحكام التي أصدرها في حق ابن خلدون؟ علما هنا أيضا بأنه (العروي)  لم يخرج عن تنظيرات ابن خلدون عندما تبنى طرحه بخصوص انحطاط الدولة، فأرجعه إلى معضلتين أساسيتين، تتعلق الأولى بشرعية الحكم  والثانية بمعضلة الجيش، أي اللجوء "إلى جيش مرتزق يختلف عن المغاربة جنسا ودينا ولغة وعادات..." ?

الهوامش

  - نفسه، صص.279 - 280.
  - نفسه، صص.280 - 281.
  - انظر مثلا، مباشرة بعد بيعته، ص.282 - 283 - 284، عندما استدعاهم للجهاد بالأندلس.
  - نفسه، ص.283.
 - نفسه، ص.289.
 - نفسه، ص.295.
 - نفسه، ص.296.
  - نفسه، ص.297.
  - نفس المصدر والصفحة.
  - من أهم ما سجله ابن خلدون فيها تنامي دور المرتزقة منذ عهد المأمون، فقد خرج هذا من الأندلس "سنة ست وعشرين إلى مراكش لما استدعاه أهل المغرب، وبعثوا إليه بيعاتهم، وبعث إليه هلال بن حميدان أمير الخلط يستدعيه. واستمد الطاغية عسكرا من النصارى فأمده على شروط تقبلها المأمون، وأجاز إلى العدوة... ثم دخل المأمون الحضرة، وأحضر مشيخة الموحدين وعدد عليهم فعلاتهم، وتقبض على ماية من أعيانهم فقتلهم، وأصدر كتابه إلى البلدان بمحو اسم المهدي من السكة والخطبة... وأذن للنصارى القادمين معه في بناء الكنيسة بمراكش على شرطهم، فضربوا بها نواقيسهم." (ج.6، ص.300) انظر أيضا دور العرب والنصارى زمن الرشيد (ج.6، ص.302)، وزمن المرتضى (ج.6، ص.308)، ثم زمن أبي دبوس (ج.6، ص.309). 
  - العبر، ج.6، ص.311.
  - نفس المصدر والصفحة.
  - العبر، ج.7، ص.3 وما بعدها.
  - نفسه، ص.13.
  - نفسه، ص.29.
  - نفسه، ص.45.
  - نفسه، ص.69.
  - نفسه، ص.196.
  - نفسه، ص.197.
  - نفسه، ص.198.
  - على عكس بني عمومتهم - بني عبد الواد - الذين رحبوا بالدعوة المؤمنية واعتنقوها مباشرة بعد انتصار عبد المؤمن على زناتة بالمغرب الأوسط، فقد فر بنو مرين إلى القفار قبل أن يدخلوا طاعة الموحدين. انظر: العبر، ج.7، ص.197. 
  - العبر، ج.7، ص.198.
  - نفسه، ص.200.
  - التعريف بابن خلدون ورحلته غربا وشرقا، ضمن: ج.7 من العبر، ص.603.
  - العبر، ج.7، ص.200.
  - نفسه، ص.317-341.
  - حتى ضرب بهم ابن خلدون المثل في ذلك حيث يقول، عندما رحل إلى الأندلس: "ثم حضرت المولد النبوي لخامسة قدومي، وكان يحتفل في الصنيع فيها والدعوة، وإنشاد الشعراء، اقتداء بملوك المغرب." التعريف بابن خلدون، ص.492.
  - يقول ابن خلدون: "على أن بني مرين كانوا يؤثرون الجهاد ويسمون إليه، وفي نفوسهم جنوح إليه وصاغية." ج.7، ص.225. وقد أشار ابن بطوطة إلى بعض أعمال المرينيين - خاصة أبي الحسن وأبي عنان - ومنجزاتهم في بناء الأبراج والحصون بالأندلس برسم الجهاد، في: تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار، دار صادر، بيروت، 1992م، صص. 665- 666.  
  - العبر، ج.7، ص. 202-203-204...
  - نفسه، ص.227.
  - انظر تفاصيل الأحداث ضمن: التعريف بابن خلدون، ص.451 وما بعدها.
  - توفي ابن خلدون سنة 808 هـ/1406م، بينما استمرت الدولتان الحفصية والزيانية إلى أن أخضعهما الأتراك العثمانيون، وتواصلت الدولة المرينية/الوطاسية إلى أن قضى عليها السعديون.
   - نذكر من هذه البيبليوغرافيا، على سبيل العد لا الحصر: محمد عابد الجابري، العصبية والدولة - معالم نظرية خلدونية في التاريخ الإسلامي، دار النشر المغربية، الدار البيضاء، 1979. و: إيف لاكوست، ابن خلدون - ولادة التاريخ - ماضي العالم الثالث، ماسبيرو، باريز. ترجمه ميشال سليمان بعنوان: العلامة ابن خلدون، دار ابن خلدون، بيروت، 1974. و: علي أومليل، الخطاب التاريخي - منهجية ابن خلدون، الرباط، 1974. و: ناصيف نصار، فكر ابن خلدون الواقعي، باريز. و: فانسون مونتيل، المقالة العامة - ترجمة نتاج ابن خلدون، باريز، 1979. و: أ. ميزيان، أفكار ابن خلدون الاقتصادية، معهد العلوم الاجتماعية، الجزائر، 1980. و: ج. ماركيس، مائة وخمسة وعشرون سنة من علم الاجتماع المغربي، الحوليات، 3، 1956. و: مهدي محسن، فلسفة ابن خلدون التاريخية، شيكاغو، 1958. و: جورج لابيكا، السياسة والدين عند ابن خلدون - محاولة في الإيديولوجيا الإسلامية، الجزائر، 1 -1968. وسلفستر دوراسي، ابن خلدون، باريز، 1862. و: أ. سوريي، الأخلاق عند ابن خلدون، الجزائر، 1978. و: ف. شاتوليي، ولادة التاريخ، مينوي، باريز. وبول غاستون، ابن خلدون - فلسفته الاجتماعية. و: عبد الله العروي، ثقافتنا في ضوء التاريخ، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء. و: عماد الدين خليل، ابن خلدون إسلاميا، المكتب الإسلامي، بيروت. و: نور الدين حقيقي، الخلدونية - العلوم الاجتماعية وأساس السلطة السياسية، ترجمة إلياس خليل، سلسلة زدني علما (4)، عويدات بيروت. و: أعمال ندوة ابن خلدون (14 - 17 فبراير 1979)، منشورات كلية الآداب، الرباط...   
   - عماد الدين خليل، ابن خلدون إسلاميا، المكتب الإسلامي، ص.1.
   - انظر أعمال ندوة ابن خلدون (14 - 17 فبراير 1979)، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية، الرباط، ص.462.
   - نفسه، ص.31.
   - راجع حوار الفكر الخلدوني، منشورات جريدة الإتحاد الاشتراكي (4)، 1986، حوار مع محمد أركون، ص.5.
   - ثقافتنا في ضوء التاريخ، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، ص. 55 - 77.
   --Les origines sociales et culturelles du nationalisme marocain, Edit. Maspero, p. 188 - 190.
   - كتابة التاريخ الوطني، دار الأمان، الرباط، 1990، ص. 45.
  - لقد أخطأ وقيدي عندما جعل الإحالة على: Les origines..., p. 175. والصواب أن ينظر:L'histoire du Maghreb un essai de synthèse, Maspero, pp. 202 - 203.
   - أبو ضيف مصطفى أحمد، منهج البحث التاريخي بين الماضي والحاضر، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، 1987، ص.75.
  - إيف لاكوست، العلامة ابن خلدون، ترجمة ميشال سليمان، دار ابن خلدون، 1974، ص.96.
  - حسن قبيسي، رودنسون ونبي الإسلام، دار الطليعة، بيروت، 1981، صص.39 ـ 40.
  - الإشارة هنا إلى نص المقدمة الشهير: "إذ هو (أي التاريخ) في ظاهره لا يزيد عن أخبار الأيام والدول، والسوابق من القرون الأول... وفي باطنه نظر وتحقيق، وتعليل للكائنات ومبادئها دقيق، وعلم بكيفيات الوقائع وأسبابها عميق، فهو لذلك أصيل في الحكمة عريق، وجدير بأن يعد في علومها وخليق." المقدمة، دار الجيل، بيروت، صص. 3 - 4.
  - العلامة ابن خلدون، ص. 229.
  - القبلي، مراجعات حول المجتمع والثقافة، ص. 11.
  - الموحدون في الغرب الإسلامي - تنظيماتهم ونظمهم، دار الغرب الإسلامي، بيروت، 1991، ص. 38. وعبارة "المغرب إذاك وفي كل وقت هو القبائل." مأخوذة عن: عبد الله كنون، النبوغ المغربي، مكتبة المدرسة ودار الكتاب اللبناني، بيروت، 1961، ج.1، ص.103.
  - الموحدون في الغرب الإسلامي، صص.38 - 39.
  - نفسه، ص.44.
  - نفسه، ص.50.
  - نفسه، الصفحة نفسها.
  - نفس المرجع والصفحة. لاحظ هذا الجنوح إلى استنتاج أن الحركة الموحدية كانت مصمودية خالصة متجانسة.
  - الحضارة المغربية عبر التاريخ، دار الثقافة، الدار البيضاء، 1975، ج.1، ص.147.
  - Mohammed Zniber, Coup d'oeil sur quelques chroniques Almohades récement publiées, in: Hesperis Tamuda, Editions techniques-nord africaines, Rabat, 1966,Vol.VII, fasc.Unique, p.44 - 48.
  - طبقات سلاطين الإسلام، ترجمة مكي طاهر الكعبي، الدار العالمية للطباعة، بيروت، 1986، صص.46 - 47.
  - أحمد الشكري، ضمن ندوة عبد الله بن ياسين، منشورات جمعية الربيع للثقافة والتنمية، القنيطرة، 1998، ص.71، و محمد العناوي، الندوة نفسها، ص.50، و مصطفى بنسباع، السلطة السياسية العليا عند المرابطين، ضمن مجلة أبحاث، ع.31-32، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، 1994، ص.69، ومحمود إسماعيل، مقالات في الفكر و التاريخ، ص.74، و محمد ضريف، مؤسسة السلطان الشريف محاولة في التركيب، دار أفريقيا الشرق، الدار البيضاء، ص.6-13، و عبد اللطيف أكنوش، تاريخ المؤسسات، صص.30-31. وش. أ. جوليان، تاريخ أفريقيا الشمالية، تعريب محمد مزالي والبشير بن سلامة، الدار التونسية للنشر، ط. 2، 1983م، وbrignon (et autres), Histoire du Maroc, Hatier, Paris, 1967، ننصح بقراءة الفصول الخاصة بقيام الدول المغربية الثلاثة التي تهمنا في عملنا هذا.
  - حسين بولقطيب، العلاقات التجارية بين المغرب والسودان الغربي خلال العصر الوسيط، ضمن مجلة أمل، ع.6، س. 2، 1995،ص.16.
  - نفسه، ص. 16.
  - نفسه، صص.16-17. 
 - مراجعات، ص.15.
  - Kably, M, Variations islamistes et identité du Maroc médiéval, Edition Okad, Rabat, 1989, p. 71.
  - أحمد حصري، الحضارة المرينية على عهد بني مرين، ضمن مراكش خلال العصرين المريني والسعدي، مجلة كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة القاضي عياض، مراكش، أشغال الملتقى الثاني 1990، ع.8، 1992،ص.33.
  -  Mas Latrie, Relations et commerce de l'Afrique septentrionale ou Maghreb avec les nations chrétiennes au moyen-age, Paris,1886, p.146.
  - Atllah Dhina, Le royaume Abdelouadide à l'èpoque d'Abou Hammou Moussa 1er et Abou Tachfin, Offices des publications universitaires, Alger, p.67.
  - .ibid. p.68
  - .Ibid. p.70
  - .Ibid. p.72
  - .Ibid. p.75
  -.Ibid. p.77
  - انظر الإحالات (5-6، ص. 12). ويضيف العروي: "نشأت النظرية الخلدونية عن تلخيص وتحرير، عن تحجيم وتأطير، أخبار حقبة محددة، فهي نفسها من نتائج تلك الفترة." مجمل تاريخ المغرب، المركز الثقافي العربي، بيروت-الدار البيضاء، 1994، ج.2، ص.230. "وابن خلدون يعرض علينا نوعا من التاريخ المهذب، تاريخ فقيه أصولي." مجمل تاريخ المغرب، ج.2، ص.230. ونحن نقول: "إن النقد الإيديولوجي عندما يكتفي بأن يسم الفكر المضاد له بالإيديولوجيا، يظل هو نفسه كذلك. " حسب التعبير الممتاز لمحمد وقيدي، العلوم الإنسانية والإيديولوجيا، دار الطليعة، بيروت، 1983،ص.175. ولذلك، ودرءا لأدلجة أفكارنا، سنحاول أن نعمد إلى النقد الإبستمولوجي أساسا.
  - مجمل تاريخ المغرب، ج.2، ص.114.
  - نفسه، صص.117 - 118. لم يذكر العروي مرجعه عن تيراس، لكننا نعتقد بأنه يشير إلى: Terrasse, Henrie, Histoire du Maroc, edit. Atlantides, Casablanca, 1949. ومن أشهر من ردد فكرة هنري تيراس: إبراهيم حركات، المغرب عبر التاريخ، دار الرشاد الحديثة، الدار البيضاء، 1978، ج.2، ص.133.
   - العروي، نفسه، ص.109.
   - الأنيس المطرب بروض القرطاس في أخبار ملوك المغرب وتاريخ مدينة فاس، تعليق محمد الهاشمي الفيلالي، المطبعة الوطنية، الرباط، 1936، ج.2، ص.45 ـ 51. ورواية ابن أبي زرع تطابق في عمومها رواية ابن خلدون، ج.6، صص.219 - 220. أما ابن عذاري الذي يختلف عنهما في أحداث الفتوحات المرابطية، لأنه قدم تواريخ الأحداث ثلاث سنوات، فقد وقع فيه خرم كبير، مع الأسف، في الأحداث التي تهمنا. انظر: ج.4 (دار الثقافة، بيروت، 1998) ص.30. كما اقتصر المراكشي على ذكر عبور ابن عباد لمراكش سنة 479هـ (المعجب في تلخيص أخبار المغرب، دار الكتاب، الدار البيضاء، 1978، ص.192.)، بينما يروي ابن خلكان (وفيات الأعيان، دار صادر، بيروت، 1994،ج.6، ص.111وما بعدها) رواية مختلفة تماما عندما يذكر بأن ملوك الطوائف أرسلوا رسالة أولى لابن تاشفين تثنيه عن غزو الأندلس، قبل أن يستنجدوا به ضد الأذفونش.  
   - أما إذا قلنا بأن المرابطين دخلوا في مواجهات مع الحماديين، فإن هذا يكفينا مؤونة كل هذا النقاش.
   - لا ينبغي أن يفهم من هذا أننا نتبنى الطرح الخلدوني. لكن تقويضنا لما قدمه العروي هو فقط للتنبيه إلى أن نظرية ابن خلدون يجب أن تساق في كليتها بدء بأصولها. وانتقادها (لتأكيدها أو هدمها) يستدعي استحضار هذه الأصول بالذات ومتابعتها تاريخيا.
  - مجمل تاريخ المغرب، ج.2، ص.238.
  - نفسه، ص.228.
  - نفسه، ص.234.
  - نفسه، ص.235.

 

  1. عودة إلى ابن خلدون 1
  2. الفرق الغنائية الأمازيغية بمنطقة الريف ( مجموعة إصفظاون)
  3. إطلالة جديدة على فقه المذاهب الاسلامية
  4. سر الحركة المفقودة في حركة الإحياء الإسلامي

الصفحة 41 من 66

  • 36
  • 37
  • 38
  • 39
  • 40
  • 41
  • 42
  • 43
  • 44
  • 45

المتواجدون الآن

178 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

البحث

اشترك في نشرتنا البريدية

انضم إلى مجموعتنا على Google لتصلك آخر الأخبار عبر بريدك الإلكتروني.

اشترك في نشرتنا البريدية

منطقة الأعضاء

  • تسجيل الدخول
  • كاتب جديد؟
  • نسيت كلمة المرور؟
  • نسيت اسم المستخدم؟
  • أرسل مشاركة

آخر مواضيع المنتديات

لايمكن العثور على التغذية الإخبارية

مواقع شقيقة

  • منتديات مجلة أقلام
  • المرشد في الإداراة
  • الشاعر سامر سكيك