تنتهي هذه الدراسة إلى أن عقوبة القتل على الردة المجردة لا أساس لها في القرآن، وأن أدلتها الموروثة لا تنهض لتخصيص مبدأ ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾. فالقرآن يذكر الردة في ثلاثة عشر موضعًا على الأقل دون عقوبة دنيوية، ويحصر مسوّغ القتل في القتل العمد والحرابة.

وتفحص الدراسة حديثَي «من بدّل دينه فاقتلوه» و«لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث»، فتجد أنهما آحاد، وأن ألفاظهما وسياقاتهما تقرن الردة بالمحاربة ومفارقة الجماعة. وتبيّن أن الحنفية علّلوا القتل بالحرابة لا بالكفر، وأن الإجماع المحكي سكوتي يستثني منه ناقلوه قول عمر والنخعي والثوري.

وتعرض الدراسة الرأي المقابل بأقوى حججه، وتحدد مواضع الخلاف التي تبقى مفتوحة. وتوصي بالفصل التشريعي بين حرية تغيير المعتقد وتجريم الأفعال العدوانية التي قد تصاحبه.

الكلمات المفتاحية: الردة، حرية الاعتقاد، لا إكراه في الدين، الحدود، خبر الآحاد، الإجماع، مقاصد الشريعة.

المقدمة

تنطلق الدراسة من مفارقة واضحة: القرآن يقرر ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾، ويذكر الردة في آيات كثيرة دون أن يرتب عليها عقوبة دنيوية، بينما استقر الفقه المذهبي الموروث على قتل المرتد. وتحاول الدراسة تفسير هذه الفجوة، ووزن أدلة الحكم الموروث بميزان النص القرآني.

الإشكالية

إذا كان القرآن قد نص على عقوبات بعينها للقتل والسرقة والزنا والقذف والحرابة، فلماذا سكت عن عقوبة الردة مع تكرار ذكرها؟ وكيف تحوّل حكمٌ مصدره أخبار آحاد ووقائع سياسية إلى «حدّ» يُقدَّم بوصفه قطعيًا؟

أسئلة الدراسة

  1. ما موقف القرآن من حرية الاعتقاد، وهل يقرر عقوبة دنيوية على تغيير الدين؟
  2. ما درجة ثبوت الأحاديث المستدل بها، وما دلالتها، وفي أي سياق وردت؟
  3. هل ثبت الإجماع المدَّعى، وكيف أسهم السياق السياسي في تشكيل الحكم؟
  4. ما الذي تقتضيه القواعد الأصولية والمقاصدية عند تعارض الظني مع القطعي؟
  5. ما أقوى حجج القائلين بالحد، وما الذي يبقى منها محل نظر؟

المنهج

  • الاستقراء: تتبع آيات حرية الاعتقاد وآيات الردة كلها، لا الاكتفاء بآية واحدة.
  • التحليل النقدي: فحص الأحاديث سندًا ومتنًا وسياقًا، وفحص دعوى الإجماع بنقول الفقهاء أنفسهم.
  • المقارنة: بين المذاهب الفقهية، وبين الاجتهاد التقليدي والمعاصر.
  • مرجعية القرآن: يُعرض الخبر الظني على النص القرآني، ولهذا المنهج أصل عند الصحابة؛ فقد ردّت عائشة رواية تعذيب الميت ببكاء أهله محتجةً بقوله تعالى ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾ (البخاري 1288، مسلم 929).

تحرير المصطلحات

  • الردة: لغةً الرجوع، واصطلاحًا رجوع المسلم المكلف عن الإسلام مختارًا.
  • الحدّ: في اصطلاح الفقهاء عقوبة مقدّرة شرعًا حقًّا لله. أما في القرآن فعبارة «حدود الله» تعني الأحكام الفاصلة بين المباح والمحظور، ووردت في سياقات الصيام والطلاق والمواريث والظهار، لا بمعنى العقوبة.
  • الإكراه: حمل الإنسان على ما لا يرضاه بالتهديد بما يضره في نفسه أو ماله أو أهله.
  • الموروث: المنظومة الفقهية المتلقاة عن المذاهب، وهي اجتهاد بشري مرتبط بظروف نشأته، يتميز عن النص المؤسِّس.

حدود الدراسة

تقتصر الدراسة على العقوبة الدنيوية لتغيير الاعتقاد في ذاته. ولا تتناول المصير الأخروي للمرتد، فهذا شأن إلهي قرره القرآن. ولا تنفي تجريم الأفعال التي قد تصاحب الردة، كالقتل والحرابة والخيانة، فلكل منها حكمه المستقل.

الفصل الأول: المبدأ القرآني في حرية الاعتقاد

يقرر القرآن حرية الاعتقاد أصلًا كليًّا متكرر الدلالة، لا حكمًا جزئيًّا يقبل التخصيص بخبر منفرد. فالإيمان عنده فعل اختياري يقوم عليه التكليف والجزاء، والإكراه ينقض معناه من أساسه.

آية ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾: الدلالة والسياق

﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ۚ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ لَا انْفِصَامَ لَهَا ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (البقرة 256).

  • صيغة العموم: «لا» نافية للجنس، و«إكراه» نكرة في سياق النفي، وهي من أقوى صيغ العموم عند الأصوليين. ويقرر ابن عاشور أن «نفي الإكراه خبر في معنى النهي»، وأن نفي الجنس جاء «لقصد العموم نصًّا»، ويرى أن الآية «دليل واضح على إبطال الإكراه على الدين بسائر أنواعه» (التحرير والتنوير 3/26). غير أن ابن عاشور نفسه استثنى قتل المرتد، وعدّه «من الإكراه على البقاء في الإسلام» لا من الإكراه المنفي في الآية (التحرير والتنوير 2/336؛ انظر الفصل السابع).
  • التعليل: جملة ﴿قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ علةٌ للنفي؛ فالحق بيّن بدليله ولا يحتاج إلى قهر. وبهذا فسرها ابن كثير: «لا تكرهوا أحدًا على الدخول في دين الإسلام، فإنه بيّن واضح جليّ دلائله وبراهينه»، ومن عمي قلبه لا ينفعه دخوله مكرهًا.
  • سبب النزول: روى أبو داود (2682) عن ابن عباس قال: «كانت المرأة تكون مِقلاتًا فتجعل على نفسها إن عاش لها ولد أن تهوّده»، والمِقلات التي لا يعيش لها ولد. فلما أُجليت بنو النضير كان فيهم من أبناء الأنصار، فقالوا: «لا ندع أبناءنا»، فنزلت الآية. فهي نزلت في منع آباء مسلمين من إكراه أبنائهم، أي في أقوى صور الولاية.
  • التطبيق الراشد: نقل ابن كثير عن ابن أبي حاتم أن غلامًا نصرانيًا لعمر بن الخطاب اسمه أسق كان يعرض عليه عمرُ الإسلامَ فيأبى، فيقول: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾.

دعوى النسخ والتخصيص

حكى ابن كثير قولًا بأن الآية «منسوخة بآية القتال»، وقولًا لـ«طائفة كثيرة من العلماء» بأنها «محمولة على أهل الكتاب». واختار الطبري أنها محكمة نزلت «في خاصّ من الناس»: أهل الكتابين والمجوس، وكل من أُقرّ على دينه وأُخذت منه الجزية. وحملها جمهور الفقهاء على الدخول في الإسلام دون الخروج منه. وترد على هذه الأقوال ثلاثة اعتراضات:

  1. النسخ لا يثبت بالاحتمال: الجمع بين النصوص مقدَّم على دعوى النسخ، وآيات القتال معللة بالعدوان، فلا تعارض بينها وبين نفي الإكراه أصلًا. بل إن آية السيف يعقبها مباشرة الأمر بإجارة المشرك: ﴿فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ (التوبة 6).
  2. التخصيص بأهل الكتاب يقيّد العموم ولا يلغيه: فإن صحّ، بقي أصل المنع قائمًا في حق كل من لم يرد فيه دليل قطعي.
  3. التفريق بين الدخول والخروج لا يدل عليه اللفظ: الإكراه على البقاء في دين إكراهٌ في الدين. والعلة المنصوصة ﴿قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ تصدق على الحالين بالقدر نفسه.

منظومة الآيات المؤسِّسة

لا تقف حرية الاعتقاد على آية واحدة، بل تقوم على خمسة محاور متضافرة:

المحور من شواهده الدلالة
الإيمان مشيئة واختيار ﴿أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ (يونس 99)؛ ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ (الكهف 29)؛ ﴿إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ (الإنسان 3) لو شاء الله لجمع الناس على الإيمان قسرًا، فلم يشأ
الرسول مبلِّغ لا مسيطر ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ (الغاشية 22)؛ ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ﴾ (ق 45)؛ ﴿إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾ (الشورى 48) إذا لم يكن النبي ﷺ سلطةً على الضمائر، فلا سلطة لأحد بعده عليها
المسؤولية فردية ﴿فَمَنِ اهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ۖ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا﴾ (يونس 108)؛ ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾ (الإسراء 15) عاقبة الاعتقاد تعود على صاحبه وحده
الأنبياء يرفضون الإلزام ﴿أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ﴾ (هود 28)؛ ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ (الكافرون 6) الإلزام بالعقيدة مستنكر في دعوة الأنبياء
الحساب على الاعتقاد أخروي ﴿نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ﴾ (النساء 115) الله يدع المعرض لما اختاره، وحسابه عليه

القتال في القرآن: مقاومة الإكراه لا ممارسته

علة القتال في القرآن العدوان: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا﴾ (البقرة 190). وفي البقرة 217 تأتي ﴿وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ متصلة بقوله ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ﴾. فمن معاني الفتنة ردُّ الناس عن دينهم بالقوة، وإن فسرها مفسرون آخرون بالشرك.

فإذا عدّ القرآن ردّ المؤمن عن دينه بالقوة فتنةً أكبر من القتل، فإن إكراه إنسان على البقاء في دين لا يعتقده، تحت التهديد بالقتل، من جنس الفعل نفسه. ويؤكد هذا الاتجاه أن القرآن جعل من غايات الدفع حماية معابد الجميع: ﴿لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ﴾ (الحج 40)، وأباح البر بمن لم يقاتل في الدين (الممتحنة 8).

الخلاصة: حرية الاعتقاد في القرآن أصلٌ قطعي الثبوت، متضافر الدلالة، معلَّل بعلة عامة. وما كان كذلك لا يُخصَّص بخبر آحاد، ولا يُنسخ بالاحتمال.

الفصل الثاني: الردة في القرآن — حضور كثيف وعقوبة أخروية

يتناول القرآن الرجوع عن الإيمان في ثلاثة عشر موضعًا على الأقل، ولا يقرر في أي منها عقوبة دنيوية ينفذها البشر. فالجزاء فيها إما أخروي، وإما موكول إلى الله، وإما مقرون بفتح باب التوبة.

استقراء المواضع

الموضع ما تقرره الآية الجزاء المنصوص
البقرة 108 ﴿وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ﴾ ﴿فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾
البقرة 217 ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ﴾ حبوط العمل والخلود في النار
آل عمران 72 مكيدة الإيمان ﴿وَجْهَ النَّهَارِ﴾ والكفر ﴿آخِرَهُ﴾ لا جزاء دنيويًا؛ النص يكشف المكيدة فحسب
آل عمران 86–91 ﴿كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ﴾ اللعنة وعذاب الآخرة، مع استثناء ﴿الَّذِينَ تَابُوا﴾
آل عمران 106 ﴿أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ ﴿فَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ يوم القيامة
آل عمران 177 ﴿اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ﴾ ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾
النساء 137 ﴿آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا﴾ حرمان المغفرة والهداية
المائدة 54 ﴿مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ﴾ ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾
التوبة 66 ﴿قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ عفو عن طائفة وعذاب أخرى، بلا حدّ مقرر
التوبة 74 ﴿وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ﴾ عرض التوبة، ووعيد بعذاب من الله ﴿فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾
النحل 106 ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ﴾ ﴿غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾
محمد 25–27 ﴿ارْتَدُّوا عَلَىٰ أَدْبَارِهِمْ﴾ ضرب الملائكة وجوههم وأدبارهم عند الوفاة
المنافقون 3 ﴿آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا﴾ ﴿فَطُبِعَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ﴾

دلالات الاستقراء

  1. ﴿فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ﴾: تُسند الآية الموت إلى المرتد نفسه، موتًا يأتي في أجله لا قتلًا يُنفَّذ فيه. ولو كان القتل حكم الردة لكان هذا الموضع أولى المواضع بذكره. والآية نفسها تُدين من يقاتل المؤمنين ﴿حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ﴾، أي تُدين الإكراه على تغيير الدين.
  2. تكرار الردة في النساء 137: الإيمان ثم الكفر ثم الإيمان ثم الكفر يفترض أن المرتد بقي حيًّا بعد ردته الأولى. ويجيب القائلون بالحد بأن الآية في المنافقين، أو فيمن لم يُرفع أمره إلى الحاكم، وهو تأويل يحتاج إلى دليل من خارج النص.
  3. مكيدة ﴿وَجْهَ النَّهَارِ﴾: خطة الإيمان صباحًا والكفر مساءً لا تُتصور لو كان المرتد يُقتل فورًا. واستدلت بها دار الإفتاء المصرية في الاتجاه المقابل، فرأت أن القتل لم يكن لمجرد الردة بل لمن اتخذها حربًا على دين الجماعة. وفي القراءتين معًا يصير مناط الحكم هو الكيد والمحاربة، لا الاعتقاد.
  4. الاستبدال في المائدة 54: جواب الشرط ﴿مَنْ يَرْتَدَّ﴾ أن الله يأتي بقوم آخرين. فالقرآن يطمئن الجماعة على دينها، ولا يكلفها بملاحقة من خرج منه.
  5. النحل 106: تُسقط الآية كفر المكرَه وقلبُه مطمئن، وتجعل جزاء الكافر المختار غضبًا من الله. فالعبرة عند القرآن بالاعتقاد الحر في الاتجاهين: لا يُعتد بكفر تحت الإكراه، ولا بإيمان تحت الإكراه.
  6. التوبة 74: يشهد الله على قوم أنهم ﴿كَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ﴾، ثم يعرض عليهم التوبة ويتوعدهم بعذاب منه هو. ولم يُنقل أن النبي ﷺ أقام عليهم حدًّا، وبهذا احتجت دار الإفتاء المصرية أيضًا.

السكوت في معرض البيان

نص القرآن على عقوبات دنيوية محددة لجرائم بعينها: القصاص في القتل العمد (البقرة 178)، والقطع في السرقة (المائدة 38)، والجلد في الزنا (النور 2) وفي القذف (النور 4)، وعقوبات الحرابة (المائدة 33). ومع أن الردة أكثر ذكرًا من بعض هذه الجرائم، لم تُقرن بعقوبة دنيوية في أي موضع. والقاعدة الفقهية أن «السكوت في معرض الحاجة بيان» (مجلة الأحكام العدلية، المادة 67).

ويحصر القرآن مسوّغ إزهاق النفس في قوله: ﴿مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ (المائدة 32). ثم تفصّل الآية التالية عقوبة من يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادًا. وتغيير الاعتقاد ليس قتلًا لنفس ولا محاربة.

آيات يستدل بها القائلون بالحد

  • النساء 89: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾. سياقها منافقون انحازوا إلى معسكر معادٍ، والآية التالية تستثني من اعتزل القتال: ﴿فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا﴾ (النساء 90). فمناط القتال هو المحاربة لا الاعتقاد.
  • الفتح 16: ﴿تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾. الخطاب عن ﴿قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ في حرب قائمة، لا عن أفراد يغيرون معتقدهم.
  • التوبة 12–13: الأمر بقتال ﴿أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾ معلَّل بنكث العهود والهمّ بإخراج الرسول، وبأنهم ﴿بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾. فالعلة العدوان ونقض العهد.
  • التوبة 74: العذاب الدنيوي فيها مسند إلى الله، ومسبوق بعرض التوبة، فلا يصلح دليلًا على عقوبة بشرية مقدرة.

الفصل الثالث: الأساس الحديثي في ميزان النقد

يقوم الحكم الموروث على حديثين وواقعة: «من بدّل دينه فاقتلوه»، وحديث «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث»، وقتل معاذ لمرتد في اليمن. وكلها أخبار آحاد، وفي ألفاظها وسياقاتها ما يربط القتل بالمحاربة ومفارقة الجماعة، لا بالاعتقاد المجرد.

حديث «من بدّل دينه فاقتلوه»

  • التخريج والسياق: أخرجه البخاري (3017، 6922) من طريق عكرمة: أُتي علي بزنادقة فأحرقهم، فقال ابن عباس: لو كنت أنا لم أحرقهم لنهيه ﷺ «لا تعذبوا بعذاب الله»، ولقتلتهم لقوله «من بدّل دينه فاقتلوه». وهو من أفراد البخاري، لم يخرجه مسلم، وأخرجه أصحاب السنن (أبو داود 4351، الترمذي 1458، النسائي 4059–4065، ابن ماجه 2535).
  • هوية المعاقَبين: تختلف الروايات في وصفهم: «زنادقة» عند البخاري، و«قوم ارتدوا» عند الترمذي (1458)، و«ناس من الزط يعبدون وثنًا» عند النسائي (4065)، وفي آثار أخرى أنهم ادّعوا ألوهية علي. فالواقعة تخص جماعة ذات عقيدة غالية في زمن فتنة واضطراب، لا فردًا غيّر قناعته.
  • الكلام في عكرمة: نُقل عن مالك أنه «كان لا يرى عكرمة ثقة، ويأمر أن لا يؤخذ عنه»، ونسبه ابن معين إلى رأي الصفرية، وابن المديني إلى رأي نجدة الحروري، وكلاهما من فرق الخوارج. ونُقل عن ابن عمر أنه قال لمولاه نافع: «لا تكذب عليّ كما كذب عكرمة على ابن عباس». في المقابل احتج به البخاري، وقال ابن حجر: «ثقة ثبت عالم بالتفسير، لم يثبت تكذيبه عن ابن عمر، ولا تثبت عنه بدعة». فالراجح عند جمهور المحدثين توثيقه؛ لكن من يشترط في أحكام الدماء أعلى درجات اليقين يرى في هذا الخلاف شبهة معتبرة.
  • إشكال العموم: لفظ «من بدّل دينه» بظاهره يشمل كل من انتقل من دين إلى دين، ولو كان غير مسلم. وقد صرّح السرخسي بأن الحديث «غير مجرى على ظاهره»، لأن التبديل يتحقق من الكافر إذا أسلم، فهو «عام لحقه خصوص» (المبسوط 10/110). فظاهره غير مراد باتفاق، وتحديد مناطه اجتهاد بشري.
  • فهم الحنفية لعلته: استثنى الحنفية المرأة المرتدة من القتل، وعلّل المرغيناني ذلك بقوله: «الأصل تأخير الأجزية إلى دار الآخرة إذ تعجيلها يخل بمعنى الابتلاء، وإنما عدل عنه دفعًا لشر ناجز، وهو الحراب» (الهداية، باب أحكام المرتدين). وقال السرخسي: «تبديل الدين وأصل الكفر من أعظم الجنايات، ولكنها بين العبد وبين ربه، فالجزاء عليها مؤخر إلى دار الجزاء، وما عجل في الدنيا سياسات مشروعة لمصالح تعود إلى العباد» (المبسوط 10/110، كتاب السير، باب المرتدين). بل صرّح بأن «القتل ليس بجزاء على الردة»، وأن المرتد المصرّ «يُقتل لدفع المحاربة».

فعلّة القتل عند مذهب من المذاهب الأربعة ليست الكفر، بل الحرابة المتوقعة من المرتد، في زمن كان الخروج من الدين فيه انحيازًا إلى معسكر عدو. والحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا؛ فإذا انتفت الحرابة انتفى مسوّغ القتل حتى على أصولهم. ويبقى للأمانة أن الحنفية أنفسهم أوجبوا قتل الرجل المرتد، لأنهم افترضوا الحرابة في حقه.

حديث «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث»

  • النص: عن ابن مسعود: «النفس بالنفس، والثيب الزاني، والمارق من الدين التارك الجماعة» (البخاري 6878)، وفي لفظ مسلم (1676): «والتارك لدينه المفارق للجماعة». فالوصف جاء مركّبًا: ترك الدين ومفارقة الجماعة معًا.
  • رواية عائشة المفسِّرة: «...ورجل خرج محاربًا لله ورسوله، فإنه يُقتل أو يُصلب أو يُنفى من الأرض...» (أبو داود 4353)، وفي لفظ النسائي (4048): «أو رجل يخرج من الإسلام يحارب الله عز وجل ورسوله، فيُقتل أو يُصلب أو يُنفى من الأرض». وصححه الألباني (صحيح الجامع 7642). غير أن مدار هذا اللفظ على إبراهيم بن طهمان، وقد علّق محقق سنن أبي داود بأن الحديث «صحيح بلفظ الحديث الذي قبله»، أي بلفظ ابن مسعود، وأن ابن طهمان «أغرب في متن الحديث» بذكر المحاربة. وأخرج مسلم عقب حديث ابن مسعود (1676) رواية الأسود عن عائشة «بمثله»، أي بلفظ «التارك الإسلام المفارق للجماعة».
  • الدلالة: إن صحّ هذا اللفظ كان تفسيرًا نبويًا صريحًا للصنف الثالث بأنه المحارب. ويؤيده أن العقوبات الواردة فيه (القتل أو الصلب أو النفي) هي عقوبات آية الحرابة بعينها، ولا تعرفها أحكام الردة في الفقه. ولفظ النسائي يجمع الوصفين صراحة: «يخرج من الإسلام يحارب الله عز وجل ورسوله».

واقعة معاذ وأبي موسى في اليمن

أخرج البخاري (6923) ومسلم (1733) أن معاذًا وجد عند أبي موسى رجلًا كان يهوديًا فأسلم ثم تهوّد، فقال: «لا أجلس حتى يُقتل، قضاء الله ورسوله». وعند أبي داود (4355) أنه «كان قد استُتيب قبل ذلك»، وفي رواية (4356) أن أبا موسى دعاه «عشرين ليلة أو قريبًا منها»، ونبّه أبو داود إلى أن بعض الرواة لم يذكروا الاستتابة.

  • هي واقعة عين لا عموم لها، وصورتها رجل أسلم ثم عاد إلى دينه الأول، وهي الصورة التي كشفها القرآن في مكيدة ﴿وَجْهَ النَّهَارِ﴾.
  • والاستتابة المروية، نحو عشرين ليلة، تدل إن ثبتت على أن الأمر لم يكن حدًّا فوريًّا مقدّرًا.
  • وهي في النهاية اجتهاد صحابيَّين في ولاية سياسية، لا نص نبوي عام.

وقائع نبوية لم يُقتل فيها من كفر بعد إيمانه

  • المنافقون: شهد القرآن بأنهم ﴿كَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ﴾ (التوبة 74)، ولم يُقم عليهم حد. واستأذن عمر في قتل عبد الله بن أبي فقال ﷺ: «دعه، لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه» (البخاري 4905، مسلم 2584). ويجيب الفقهاء بأنهم عوملوا بظاهر إسلامهم، أو تُركوا لمصلحة التأليف.
  • الأعرابي المستقيل: بايع ﷺ «على الإسلام»، ثم طلب ثلاثًا «أقلني بيعتي» فخرج ولم يُتعرَّض له (البخاري 7209، 7211). وقال ابن حجر إن لفظ «على الإسلام» «ظاهر في أن طلبه الإقالة كان فيما يتعلق بنفس الإسلام»، مع احتمال «أن يكون في شيء من عوارضه كالهجرة»، إذ كانت الهجرة إلى المدينة فرضًا قبل فتح مكة (فتح الباري، شرح الحديث 7209). فظاهر الواقعة يشهد لترك المستقيل، وإن بقي الاستدلال بها محتملًا لا قاطعًا.
  • من قُتلوا قُتلوا لجرائم مضافة: العرنيون قال فيهم أبو قلابة: «سرقوا وقتلوا وكفروا بعد إيمانهم وحاربوا الله ورسوله» (البخاري 233). ولاحظ ابن تيمية أن من أمر النبي ﷺ بقتلهم من المرتدين، كمقيس بن صبابة وابن خطل، ضمّوا إلى الردة القتل أو أخذ المال أو السب (الصارم المسلول، بإحالة دار الإفتاء المصرية). ويبقى أن ابن تيمية نفسه لم يُسقط القتل عن الردة المجردة.

خلاصة الفصل

الأحاديث المستدل بها أخبار آحاد، وأشهرها من أفراد البخاري. وألفاظها تقرن ترك الدين بمفارقة الجماعة والمحاربة، ووقائع العهد النبوي لا تُظهر قتلًا على مجرد تغيير الاعتقاد. فغاية ما تثبته هذه النصوص عقوبةٌ للمحاربة المقترنة بالردة، لا للردة المجردة.

الفصل الرابع: دعوى الإجماع والسياق التاريخي لتشكّل الحكم

الإجماع المحكي على قتل المرتد منقوض من داخل كتب ناقليه أنفسهم: ابن حزم يستثني منه عمر والنخعي والثوري، والحنفية يستثنون المرأة، والفقهاء مختلفون في الاستتابة ومدتها. ثم إن الحكم تشكّل في سياق كانت فيه الردة انشقاقًا سياسيًا وعسكريًا عن دولة ناشئة.

نص الدعوى

قال ابن قدامة: «وأجمع أهل العلم على وجوب قتل المرتد، وروي ذلك عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ومعاذ وأبي موسى وابن عباس وخالد وغيرهم، ولم ينكر ذلك، فكان إجماعًا» (المغني 9/3، وفي طبعة أخرى 12/264). فهو بنص عبارته إجماع سكوتي، مبني على عدم العلم بالمنكر. والإجماع السكوتي مختلف في حجيته، ومن المأثور عن الشافعي: «لا يُنسب إلى ساكت قول».

ورُوي عن الإمام أحمد قوله: «من ادعى الإجماع فهو كاذب، وما يدريه لعلهم اختلفوا»، وكان يرى أن يقول المرء بدلًا من ذلك: لا نعلم الناس اختلفوا. وبيّن ابن القيم أن أحمد أنكر بذلك إجماعًا لا مستند له إلا عدم العلم بالمخالف، يُقدَّم به على النصوص (إعلام الموقعين 1/24، بإحالة). وهذا بعينه حال الإجماع المحكي هنا.

ما ينقض الدعوى من داخل التراث

  1. ابن حزم: حكى الاتفاق مقيدًا بقيود كثيرة، منها أن يُستتاب المرتد «في ثلاثين يومًا مائة مرة»، ثم استثنى: «إلا شيئًا رويناه عن عمر وعن سفيان وعن إبراهيم النخعي أنه يستتاب أبدًا» (مراتب الإجماع، ص127، بإحالة الخميسي). والاستتابة الأبدية تعني عمليًا ألا يُقتل المرتد ما دام يُستتاب.
  2. عمر بن الخطاب: سأل أنسًا بعد فتح تُستر عن «النفر البكريين» الذين ارتدوا ولحقوا بالمشركين فقُتلوا، فقال: «لو أخذتهم سلمًا لعرضت عليهم الباب الذي خرجوا منه، فإن رجعوا وإلا استودعتهم السجن». أخرجه ابن أبي شيبة (32737) والطحاوي في شرح معاني الآثار (5105)، وقال العيني: «إسناده صحيح» (نخب الأفكار 12/163). فهؤلاء ارتدوا وانحازوا إلى العدو، ومع ذلك رأى عمر السجن لا القتل.
  3. عمر أيضًا: بلغه أن رجلًا كفر بعد إسلامه فضُربت عنقه فورًا، فقال: «أفلا حبستموه ثلاثًا، وأطعمتموه كل يوم رغيفًا، واستتبتموه لعله يتوب ويراجع أمر الله؟»، ثم قال: «اللهم إني لم أحضر، ولم آمر، ولم أرض إذ بلغني» (الموطأ، كتاب الأقضية). ونقل الشافعي أن بعضهم «زعموا أن هذا الأثر ليس بمتصل»، وردّ ابن التركماني بأنه روي موصولًا من طريقي عبد الرزاق وابن أبي شيبة. وللأمانة، روى عبد الرزاق أن عمر كتب إلى ابن مسعود في قوم ارتدوا بالعراق: اعرض عليهم الإسلام، فإن أبوا فاقتلهم (المصنف 10/168، رقم 18707). فالمنقول عن عمر متعدد، وقد حمل القرضاوي أثر تُستر على أحد احتمالين: استثناء حال الحرب، أو أن عمر رأى حديث «من بدّل دينه» تصرفًا نبويًا بصفة الإمامة لا تبليغًا عامًا ملزمًا في كل حال.
  4. المرأة المرتدة: لا تُقتل عند الحنفية بل تُحبس، ورُوي ذلك عن ابن عباس بإسناد ضعيف، وعن الحسن البصري في روايات عنه تقابلها رواية بقتلها إن لم تتب (مصنف ابن أبي شيبة، باب المرتدة). ونقل الترمذي (1458) أنه قول سفيان الثوري وغيره من أهل الكوفة.
  5. الاستتابة: اختلفوا في وجوبها واستحبابها، وفي مدتها: ثلاثة أيام، أو أكثر، أو أبدًا. وفرّق فقهاء الإمامية بين المرتد الفطري والملّي في قبول توبته.

فحكمٌ تُستثنى منه المرأة في مذهب كامل، ويُروى فيه عن خليفة راشد ما يخالف الجمهور، ويخالف فيه فقيهان كبيران، ويُختلف في شروطه وإجراءاته، لا يصلح «إجماعًا قطعيًا» يُخصَّص به عموم القرآن.

حروب الردة: تمرد مسلح لا محاكمة ضمائر

كانت حروب أبي بكر موجهة إلى فئتين: قبائل امتنعت عن أداء الزكاة إلى سلطة المدينة، وحركات مسلحة يقودها مدّعو نبوة كمسيلمة وطليحة والأسود العنسي. ولما اعترض عمر على قتال مانعي الزكاة لأنهم يشهدون أن لا إله إلا الله، أجابه أبو بكر: «والله لأقاتلن من فرّق بين الصلاة والزكاة» (البخاري 1399–1400، مسلم 20). فكان الخلاف بين الصحابة على قتال جماعات تنطق بالشهادة وتمتنع عن سلطة الدولة.

ويقرر عبد الجواد ياسين أنه «لا يمكن اعتبار حروب (الردة) حروبًا دينية، لأن الدين لا يفرض بالحرب»، ويراها حروب دولة ناشئة تدافع عن وجودها أمام تمرد قبلي على سلطتها (السلطة في الإسلام: نقد النظرية السياسية، بإحالة). وعلى هذا القياس لا تصلح هذه الحروب أصلًا لمعاقبة فرد يغيّر قناعته في مجتمع آمن.

توظيف تهمة الردة والزندقة سياسيًا

حين انفصلت التهمة عن الحرابة صارت أداة بيد السلطة لتصفية المعارضين والمخالفين في الرأي. ومن أمثلة ذلك:

  • الجعد بن درهم: قتله خالد القسري، والي العراق الأموي، يوم عيد الأضحى بسبب آرائه الكلامية.
  • غيلان الدمشقي: قُتل في عهد هشام بن عبد الملك بسبب قوله في القدر، وكان معروفًا بنقده لسياسات بني أمية.
  • ابن المقفع: قُتل في البصرة في عهد المنصور بتهمة الزندقة، ويربط مؤرخون مقتله بأسباب سياسية.
  • حملة المهدي العباسي: أنشأ «ديوانًا خاصًّا للزندقة» لتتبع المتهمين بها (السباعي، السنة ومكانتها، ص102).
  • الحلاج: أُعدم ببغداد سنة 309هـ في محاكمة اختلطت فيها العقيدة بالسياسة.

ويوثق العلواني في كتابه هذا الاستغلال المتكرر لتهمة الردة من صدر الإسلام إلى العصر الحديث. والدرس أن عقوبة تُعلَّق على ما في الضمائر تمنح السلطة سلاحًا لا يمكن ضبطه بمعيار موضوعي.

الفصل الخامس: القواعد الأصولية والمقاصدية الحاكمة

حتى لو سُلّمت صحة الأحاديث، فإن قواعد أصول الفقه كما قررها الفقهاء أنفسهم تمنع أن يُبنى عليها حدٌّ يُزهق النفس ويعارض عموم القرآن. وتؤكد المقاصد هذه النتيجة: فالإيمان المكرَه لا يحفظ دينًا، بل يصنع نفاقًا.

القواعد الأصولية

القاعدة مضمونها أثرها في المسألة
قطعية العام عند الحنفية العام القرآني قطعي الدلالة، فلا يُخصَّص ابتداءً بخبر واحد عموم ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ لا يخصصه حديث آحاد، إلا إذا ثبت تخصيصه أولًا بقطعي، وهو ما يدّعيه الجمهور بالإجماع
الزيادة على النص نسخ (أصل حنفي) لا يُزاد على حكم القرآن بخبر آحاد القرآن جعل جزاء الردة أخرويًا، فإضافة القتل زيادة على النص. وبهذا الأصل نفسه لم يجعل الحنفية التغريب جزءًا من حد الزاني
الحدود لا تثبت بالآحاد قول حكاه الأصوليون: «وقيل يمتنع العمل به في الحدود لأنها تدرأ بالشبهة» (زكريا الأنصاري، غاية الوصول)، وذكر شلتوت أنه رأي كثير من العلماء، والجمهور على خلافه أخبار الردة آحاد، فلا يثبت بها حد مقدّر على هذا القول
درء الحدود بالشبهات قاعدة فقهية متفق على أصلها الخلاف في الثبوت والدلالة والعلة شبهة قوية تدرأ القتل
دوران الحكم مع علته الحكم المعلَّل يرتفع بارتفاع علته علة القتل عند الحنفية الحرابة، فإن انتفت انتفى
السكوت في معرض البيان انظر الفصل الثاني سكوت القرآن عن عقوبة دنيوية للردة مع تكرار ذكرها بيان
عرض الخبر على القرآن منهج عائشة في رد ما خالف ظاهر القرآن الخبر الذي يعارض منظومة قرآنية متضافرة يُرد أو يُؤوَّل

المقاصد: حفظ الدين لا يتحقق بالإكراه

  1. الإيمان المكرَه لا قيمة له: القرآن لا يعتد بالكفر تحت الإكراه (النحل 106)، والنظير يقتضي ألا يُعتد بالإيمان تحت الإكراه. وقرر الحنفية استحسانًا أن من أُكره على الإسلام ثم ارتد لا يُقتل، لأن قيام السيف على رأسه «دليل على أنه غير معتقد» (المبسوط 10/123). وإذا كان الإكراه على الدخول شبهة تُسقط القتل، فإن من يبقى في الدين تحت التهديد بالقتل باقٍ مكرَهًا لا يُعتد ببقائه.
  2. الإكراه يصنع النفاق: من يبقى في الدين خوفًا من القتل منافق بالتعريف القرآني، وقد جعل القرآن المنافقين ﴿فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ (النساء 145). فعقوبة الردة لا تحفظ الدين، بل تملأ الجماعة بمن يظهر خلاف ما يبطن.
  3. معنى الابتلاء: خلق الله الموت والحياة ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ (الملك 2). وقد نص صاحب الهداية نفسه على أن تعجيل الجزاء في الدنيا «يخل بمعنى الابتلاء». فالأصل في الاعتقاد أن يُترك لصاحبه حتى يلقى ربه.
  4. حفظ الدين بمعناه القرآني: هو حماية حرية التدين للجميع، كما في آية الحج 40 التي جعلت حماية الصوامع والبيع والصلوات والمساجد غاية لدفع الناس بعضهم ببعض.
  5. حفظ النفس وكرامة الإنسان: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ (الإسراء 70). وتشديد القرآن في حرمة الدم (المائدة 32) يقتضي ألا تُزهق نفس إلا بيقين قطعي، لا بخبر مختلف في ثبوته ودلالته وعلته.
  6. العقوبة الدنيوية سياسة لا تعبّد: وصف السرخسي العقوبات المعجّلة بأنها «سياسات مشروعة لمصالح تعود إلى العباد». والسياسة تتغير بتغير المصلحة؛ فإذا صارت عقوبة الردة تُنفّر من الدين وتُستعمل في تصفية الخصوم، انقلبت مصلحتها مفسدة.

الفصل السادس: الاجتهاد المعاصر والمواقف المؤسسية

منذ منتصف القرن العشرين اتسع داخل المؤسسة الدينية نفسها اتجاه يرفض قتل المرتد لمجرد الردة، من شلتوت إلى العلواني، وصولًا إلى خطاب دار الإفتاء المصرية ووثائق الأزهر. في المقابل بقي اتجاه مؤثر يتمسك بالعقوبة مع تضييق شروطها.

الاتجاه الرافض لقتل المرتد لمجرد الردة

العالم أو الجهة المصدر خلاصة الموقف
محمود شلتوت (شيخ الأزهر 1958–1963) الإسلام عقيدة وشريعة (ص103 بإحالة دار الإفتاء) «الكفر بنفسه ليس مبيحًا للدم»، والمبيح محاربة المسلمين ومحاولة فتنتهم عن دينهم؛ والحدود لا تثبت بالآحاد عند كثير من العلماء
طه جابر العلواني لا إكراه في الدين: إشكالية الردة والمرتدين من صدر الإسلام حتى اليوم (مكتبة الشروق الدولية والمعهد العالمي للفكر الإسلامي، 2006؛ وترجمته الإنجليزية Apostasy in Islam، 2011) لا يثبت حد للردة يوجب القتل، ويوثّق توظيف السلطة السياسية للتهمة عبر التاريخ
محمد سليم العوا حوار مع اليوم السابع (2012) العقوبة تعزيرية لا حدية، والإعدام لصاحب «الردة المغلظة» الذي يخرج مقاتلًا للدولة؛ مع إبقائه على الآثار المدنية للردة
عبد الله سعيد وحسن سعيد Freedom of Religion, Apostasy and Islam (Ashgate, 2004؛ وأعادت نشره Routledge, 2016) يعرض أدلة الفقه التقليدي على عقوبة الردة (الفصل الرابع)، ثم «الأدلة ضد عقوبة الإعدام على الردة» (الفصل الخامس)
S. A. Rahman (رئيس المحكمة العليا الباكستانية 1968) Punishment of Apostasy in Islam (لاهور، 1972) دراسة مبكرة في نقد عقوبة القتل على الردة
دار الإفتاء المصرية مقال «شبهة القول بقتل المرتد» (2017) النصوص عنت «الخروج على» الإسلام بما يوازي الخيانة العظمى، لا «الخروج منه»، والمسألة غير مطبقة عمليًا

ويلاحظ أن هذا الاتجاه ليس كتلة واحدة: فبعضه يُسقط العقوبة الدنيوية كليًا، وبعضه، كالعوا ودار الإفتاء، يحصرها في الردة المقترنة بالمحاربة أو الخيانة.

الاتجاه المتمسك بالعقوبة مع تضييقها

  • يوسف القرضاوي: ألّف «جريمة الردة وعقوبة المرتد في ضوء القرآن والسنة»، وانتهى إلى أن القرآن لم يهمل الردة وأن السنة وردت فيها أحاديث عدة. وميّز بين ردة «مغلظة» يجاهر صاحبها ويدعو إليها، فيرى فيها التغليظ وقول الجمهور، وردة «مخففة» يرى فيها إمكان الأخذ بقول النخعي والثوري المروي عن عمر. بل طرح احتمال أن يكون حديث «من بدّل دينه» قرارًا نبويًا بصفة الإمامة لا تبليغًا عامًا.
  • ابن عاشور: رأى في قتل المرتد «زاجرًا» يمنع ما «يفضي إلى انحلال الجامعة»، «حتى لا يدخل أحد في الدين إلا على بصيرة»، وعدّه «من الإكراه على البقاء في الإسلام» لا من الإكراه المنفي في الآية (التحرير والتنوير 2/336، في تفسير البقرة 217؛ يُناقَش في الفصل السابع).

وتعرض دراسة محمد عبد الفضيل عبد اللطيف (مجلة قطاع الدراسات الإنسانية، جامعة الأزهر، 2020) أسماء من الفريقين: محمد سليم العوا ومحمد منير إدلبي في جانب الرفض، وعبد الله الأهدل وعبد العظيم المطعني في جانب التأييد بحسب ملخصها الإنجليزي.

المواقف المؤسسية والدستورية

الوثيقة التاريخ المضمون ذو الصلة
السودان: إلغاء المادة 126 من القانون الجنائي لسنة 1991 يوليو 2020 ألغيت المادة التي كانت تعاقب المرتد المصرّ بالإعدام
وثيقة الأخوة الإنسانية (أبوظبي) بتوقيع شيخ الأزهر أحمد الطيب والبابا فرنسيس 4 فبراير 2019 «الحرية حق لكل إنسان: اعتقادًا وفكرًا وتعبيرًا وممارسة»، مع تجريم إكراه الناس على دين بعينه
الدستور المصري، المادة 64 2014 «حرية الاعتقاد مطلقة»
وثيقة الأزهر عن منظومة الحريات الأساسية 8 يناير 2012 تقرير حرية العقيدة والمواطنة الكاملة وحرية الرأي والتعبير والبحث العلمي والإبداع؛ ويذكر محمد السماك في عرضه لها رفض التكفير وتجريم الإكراه في الدين والاضطهاد والتمييز

هذه الوثائق ليست فتاوى فقهية في عقوبة الردة، لكنها تعكس تحولًا مؤسسيًا واضحًا، وإن ظل الخطاب الرسمي مترددًا. ففي برنامجه الرمضاني (يونيو 2016) قال شيخ الأزهر أحمد الطيب إن جمهور الفقهاء القدامى يعدّون الردة «جريمة» عقوبتها «الاستتابة أو القتل»، وإن المعاصرين يرونها جريمة عقوبتها «التعزير، وهي عقوبة قد تكون بالقتل»، وذكر أن القرآن لم يحدد لها عقوبة دنيوية بعينها، ووصف حملة المرتد على الإسلام بأنها «خيانة عظمى»؛ مع تأكيده أن «واجبنا نحو المرتدين هو النصح والإرشاد ومخاطبة عقولهم بالحجة والبرهان». وانتقد مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان هذه التصريحات ورأى فيها تعارضًا مع مبدأ «لا إكراه في الدين». وتبقى فجوة بين النص والتطبيق؛ فقد رصدت هيومن رايتس ووتش عام 2014 ملاحقات بتهمة ازدراء الأديان رغم نص المادة 64.

كلفة الحكم في الواقع المعاصر

  • محمود محمد طه: أُعدم في الخرطوم في 18 يناير 1985؛ حوكم بتهمة «إثارة الكراهية ضد الدولة» بعد منشور عارض فيه «قوانين سبتمبر» 1983، ثم حوّلت محكمة الاستئناف التهمة إلى «الردة». وفي 18 نوفمبر 1986 أبطلت المحكمة العليا السودانية الحكم.
  • نصر حامد أبو زيد: صدر حكم استئنافي بالتفريق بينه وبين زوجته ابتهال يونس بدعوى الردة، فغادر إلى هولندا عام 1995، ثم أيدت محكمة النقض الحكم عام 1996.
  • فرج فودة: اغتيل في القاهرة عام 1992 بعد حملات تكفير استهدفت كتاباته.

القاسم المشترك أن التهمة طالت مفكرين بسبب آرائهم، لا محاربين حملوا السلاح.

الفصل السابع: الرأي المقابل — أقوى حججه ومناقشتها

يستند القائلون بقتل المرتد إلى حجج لها وزنها في المنظومة الأصولية التقليدية، وهو قول المذاهب الأربعة. ولا تكتمل دراسة أمينة دون عرض هذه الحجج بأقوى صورها، ثم تحديد ما يبقى منها محل نظر.

الحجج ومناقشتها

الحجة مضمونها المناقشة
تعدد الأحاديث وصحتها «من بدّل دينه» في البخاري، وروي عن أبي هريرة ومعاوية بن حيدة بأسانيد قوّاها الهيثمي؛ وحديث ابن مسعود متفق عليه (بحسب عرض القرضاوي) الصحة لا تحسم الدلالة ولا العلة. والحنفية قبلوا الحديث وقصروا علته على المحاربة، وصرح السرخسي بأنه «غير مجرى على ظاهره»
رواية عثمان بلا قيد المفارقة «رجل كفر بعد إسلامه، أو زنى بعد إحصانه، أو قتل نفسًا بغير نفس» (النسائي 4019؛ وبنحوه أبو داود 4502، والترمذي 2158 وقال: حسن، وابن ماجه 2533) من أقوى حجج الجمهور. ويجيب المخالفون بأن الروايات يفسر بعضها بعضًا، فيُحمل المطلق في رواية عثمان على المقيد في روايتي ابن مسعود وعائشة
الإجماع ابن قدامة: «وأجمع أهل العلم على وجوب قتل المرتد»، وحكى ابن حزم الاتفاق في مراتب الإجماع إجماع سكوتي، يستثني منه ابن حزم نفسه قول عمر والنخعي والثوري، ويُختلف فيه في المرأة والاستتابة
عمل الصحابة حروب أبي بكر، وقتل معاذ ليهودي ارتد، وتحريق علي لقوم ادعوا ألوهيته، وكتاب عمر إلى ابن مسعود الحروب كانت على امتناع مسلح؛ وواقعة معاذ واقعة عين؛ والمنقول عن عمر متعدد. أما ابن عباس فاعترض على التحريق، وخلافه بتعبير القرضاوي «في الوسيلة لا في المبدأ»
نفي الإكراه في الدخول لا في البقاء ابن عاشور: قتل المرتد «من الإكراه على البقاء في الإسلام» لا من الإكراه المنفي (التحرير والتنوير 2/336). وقال ابن حزم: «لم يختلف أحد من الأمة كلها في أن هذه الآية ليست على ظاهرها، لأن الأمة مجمعة على إكراه المرتد عن دينه» (المحلى 12/119) التفريق لا يدل عليه اللفظ، والعلة ﴿قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ تشمل الحالين. والعام لا يُخصَّص إلا بدليل مكافئ له ثبوتًا ودلالة، وهو ما لا يتوفر في خبر آحاد وإجماع سكوتي
الردة خيانة وتهديد للنظام العام المرتد الداعية حرب على الأمة، والمحاربة تكون باللسان كما تكون باليد (القرضاوي نقلًا عن ابن تيمية)؛ والردة كالخيانة العظمى (دار الإفتاء) هذا تسليم بأن العلة الأثر العام لا الاعتقاد، فيُعاقب الفعل الضار بقانون عام كالتحريض على العنف أو التخابر. أما توسيع «المحاربة» إلى الكلام والكتابة فيعيد تجريم الرأي من باب خلفي
سد ذريعة مكيدة ﴿وَجْهَ النَّهَارِ﴾ الخوف من التظاهر بالإسلام ثم الخروج منه للتشكيك القرآن كشف المكيدة وردّ عليها بالحجة، ولم يرتب عليها عقوبة

مواضع الخلاف التي تبقى مفتوحة

  • ثبوت الحديث: صحة «من بدّل دينه» عند جمهور المحدثين أمر لا تنقضه هذه الدراسة؛ وإنما تنازع في دلالته وعلته ورتبته أمام القطعي.
  • لفظ «محاربًا»: مختلف في ثبوته في رواية عائشة، فلا يصح جعله حاسمًا وحده.
  • حروب الردة: يرى كثير من الفقهاء والمؤرخين أنها كانت دينية وسياسية معًا، والفصل بين البعدين في مجتمع ذلك الزمن عسير.
  • طبيعة الخلاف المنقول: يرى الجمهور أن خلاف عمر والنخعي والثوري كان في الاستتابة ومدتها لا في أصل العقوبة؛ وحمل ابن عبد البر قول عمر «استودعتهم السجن» على حبسهم حتى يتوبوا، فإن لم يتوبوا قُتلوا.
  • حدود المحاربة باللسان: أين ينتهي الرأي وتبدأ الحرابة؟ سؤال لم يحسمه المجيزون ولا المانعون بمعيار منضبط حتى الآن.

الخاتمة: النتائج والتوصيات

تنتهي الدراسة إلى أن عقوبة القتل على تغيير الاعتقاد المجرد لا تنهض أمام النص القرآني. فما يثبت من النصوص الموروثة يتعلق بالمحاربة والخيانة المقترنتين بالردة، وهي جرائم تُعاقب لذاتها لا بوصفها تغييرًا للدين.

النتائج

  1. يقرر القرآن حرية الاعتقاد في منظومة متضافرة من خمسة محاور، وبصيغة عموم نصية في ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾.
  2. يذكر القرآن الردة في ثلاثة عشر موضعًا على الأقل، ولا يقرر لها عقوبة دنيوية بشرية في أي منها.
  3. يحصر القرآن مسوّغ إزهاق النفس في القتل والفساد في الأرض بالمحاربة.
  4. الحديثان المستدل بهما آحاد، وألفاظهما تقرن ترك الدين بمفارقة الجماعة أو المحاربة، وإن وردت رواية عثمان بلا هذا القيد.
  5. علّل الحنفية القتل بالحرابة لا بالكفر، ونص السرخسي على أن تبديل الدين «بين العبد وبين ربه»، وأن القتل «ليس بجزاء على الردة».
  6. الإجماع المحكي سكوتي، يستثني منه ناقلوه قول عمر والنخعي والثوري، ويختلف فيه الفقهاء في المرأة والاستتابة.
  7. وُظّفت تهمة الردة والزندقة في التاريخ وفي العصر الحديث لتصفية خصوم سياسيين ومفكرين.
  8. قواعد الأصول، كقطعية العام والزيادة على النص ودرء الحدود بالشبهات ودوران الحكم مع علته، لا تسمح ببناء عقوبة قتل على هذه الأدلة.
  9. تتجه وثائق مؤسسية ودستورية معاصرة، منها وثائق الأزهر وخطاب دار الإفتاء المصرية والدستور المصري، إلى تأكيد حرية الاعتقاد، وإن ظل الخطاب الفقهي الرسمي مترددًا في عقوبة الردة.

التوصيات

  1. تمييز تشريعي صريح: الفصل بين تغيير المعتقد، وهو حرية مكفولة، والأفعال الإجرامية كالعنف والخيانة والتحريض المسلح، التي تُعاقب بقوانين عامة لا صلة لها بالدين.
  2. تجريم التكفير والتحريض: تجريم الدعوة إلى قتل أحد أو إيذائه بسبب معتقده، وحصر أي حكم في هذا الباب بالقضاء المختص.
  3. مراجعة المناهج: عرض المسألة في مناهج الفقه بخلافها وأدلة كل فريق، بدل تقديم الحد بوصفه إجماعًا قطعيًا.
  4. العرض على القرآن: اعتماد عرض الأخبار الظنية على القرآن في أحكام الدماء خاصة، اقتداءً بمنهج عائشة.
  5. مراجعة الآثار المدنية: دراسة ما يترتب على الحكم بالردة في قوانين الأحوال الشخصية، كالتفريق بين الزوجين، في ضوء هذه النتائج.
  6. بحوث مكملة: دراسة نقدية شاملة لطرق حديث «من بدّل دينه» ورواية عائشة، ولمفهوم «المحاربة باللسان» وحدوده.

المراجع

ملاحظة على الإحالات

  • نصوص الآيات برواية حفص عن عاصم، وقد طوبقت الاقتباسات القرآنية كلها (67 اقتباسًا) آليًا مع نص مشروع تنزيل، فجاءت مطابقة حرفيًا في مواضعها المذكورة.
  • أرقام الأحاديث: البخاري بترقيم فتح الباري، ومسلم بترقيم محمد فؤاد عبد الباقي، وأبو داود والترمذي والنسائي (المجتبى) وابن ماجه بالترقيم المتداول في الموسوعات الحديثية؛ وقد طوبقت الأرقام المذكورة مع نصوصها في نسخ رقمية للكتب الستة. وأرقام الصفحات تختلف باختلاف الطبعات.
  • ما نُقل بواسطة مرجع آخر معلَّم بعبارة «بإحالة» أو «بنقل».
  • الرابط المعلَّم [مقتطف بحث] تحققنا من مضمونه عبر مقتطف نتيجة البحث دون فتح الصفحة كاملة، ويُستحسن مراجعته قبل النشر.
  • لم نطّلع مباشرة على الطبعات الورقية للكتب المعاصرة؛ بياناتها من فهارس المكتبات ومواقع النشر.

أولًا: القرآن والحديث والآثار

  • القرآن الكريم، رواية حفص عن عاصم.
  • البخاري، الجامع الصحيح: 233، 1288، 1399–1400، 3017، 4905، 6878، 6922، 6923، 7209، 7211.
  • مسلم، الصحيح: 20، 929، 1676، 1733، 2584.
  • أبو داود، السنن: 2682، 4351، 4353، 4355، 4356، 4502.
  • النسائي، السنن (المجتبى): 4019، 4048، 4059–4065.
  • الترمذي، الجامع: 1458، 2158.
  • ابن ماجه، السنن: 2533، 2535.
  • مالك، الموطأ: كتاب الأقضية، باب القضاء فيمن ارتد عن الإسلام (أثر عمر «أفلا حبستموه ثلاثًا»).
  • ابن أبي شيبة، المصنف: 32737؛ وباب المرتدة.
  • عبد الرزاق، المصنف: 10/165–168 (18696، 18697، 18707)، بإحالة القرضاوي.
  • الطحاوي، شرح معاني الآثار: 5105؛ والعيني، نخب الأفكار: 12/163.
  • الألباني، صحيح الجامع الصغير: 7642.
  • ابن حجر، التلخيص الحبير: 4/1361 (قول الشافعي في أثر عمر)، بإحالة الدرر السنية.

ثانيًا: التفسير والفقه والأصول

  • الطبري، جامع البيان عن تأويل آي القرآن، تفسير البقرة 256.
  • ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، تفسير البقرة 256.
  • ابن عاشور، التحرير والتنوير: 3/26 (تفسير البقرة 256، بنقل محمود فجال، القرآن الكريم منهج متكامل) و2/336 (تفسير البقرة 217، بنقل موقع الإسلام سؤال وجواب).
  • السرخسي، المبسوط، كتاب السير، باب المرتدين، 10/108–123 (ط. دار المعرفة).
  • المرغيناني، الهداية شرح بداية المبتدي، باب أحكام المرتدين، بنقل الزيلعي في نصب الراية 4/346.
  • ابن قدامة، المغني، كتاب المرتد، 9/3 (وفي طبعة أخرى 12/264).
  • ابن حزم، مراتب الإجماع، ص127 (بإحالة الخميسي، مع المشككين في السنة)؛ والمحلى 12/119 (بإحالة).
  • ابن تيمية، الصارم المسلول على شاتم الرسول، ص321 و368 و385 (بإحالة دار الإفتاء المصرية والقرضاوي).
  • ابن القيم، إعلام الموقعين، 1/24 (بإحالة).
  • ابن حجر، فتح الباري، شرح الحديث 7209؛ وتقريب التهذيب، ترجمة عكرمة مولى ابن عباس.
  • زكريا الأنصاري، غاية الوصول في شرح لب الأصول، ص102.
  • مجلة الأحكام العدلية، المادة 67.

ثالثًا: الدراسات المعاصرة

  • شلتوت، محمود. الإسلام عقيدة وشريعة (ص103 بإحالة دار الإفتاء المصرية؛ تختلف الصفحة باختلاف الطبعة).
  • العلواني، طه جابر. لا إكراه في الدين: إشكالية الردة والمرتدين من صدر الإسلام حتى اليوم. القاهرة: مكتبة الشروق الدولية والمعهد العالمي للفكر الإسلامي، 2006. وترجمته الإنجليزية: Apostasy in Islam: A Historical and Scriptural Analysis. London: IIIT, 2011.
  • القرضاوي، يوسف. جريمة الردة وعقوبة المرتد في ضوء القرآن والسنة.
  • ياسين، عبد الجواد. السلطة في الإسلام: نقد النظرية السياسية.
  • السباعي، مصطفى. السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي، ص102 (ط. الوراق).
  • عبد اللطيف، محمد عبد الفضيل. «سؤال الردة في الإسلام: حكم القتل بين المؤيدين والمعارضين». مجلة قطاع الدراسات الإنسانية، جامعة الأزهر، مج26، ع1، ديسمبر 2020، ص1065–1102. DOI: 10.21608/jsh.2020.135690.
  • Saeed, Abdullah, and Hassan Saeed. Freedom of Religion, Apostasy and Islam. Aldershot: Ashgate, 2004; London: Routledge, 2016.
  • Rahman, S. A. Punishment of Apostasy in Islam. Lahore: Institute of Islamic Culture, 1972; reprinted by The Other Press, with a foreword by Chandra Muzaffar.

رابعًا: الوثائق والمصادر الإلكترونية