صار الحديث عن «علامات الساعة» — صغراها وكبراها — باباً قائماً بذاته في كتب العقائد والملاحم، وموضوعاً لمكتبةٍ ضخمة من التصانيف والمواعظ، حتى استقرّ في الوعي العامّ أن للساعة جدولاً من الأحداث المرتّبة يُترقَّب وقوعها، وأن النبيّ ﷺ أخبر بها تفصيلاً.
وتعرض هذه الدراسة الحجّة التي يبني عليها القائلون بنفي هذا الباب مذهبهم، وقوامها أمران: أن القرآن حصر علم الساعة بالله وحده، ونفى عن النبيّ ﷺ العلم بها نفياً صريحاً مكرّراً؛ وأن القرآن قرّر أنها لا تأتي إلا بغتةً، وهو حصرٌ يناقض وجود سلسلةٍ من العلامات المعلومة المرتّبة، لأن ما يُترقَّب لا يكون مباغتاً.
والدراسة في خمسة أبواب: الأدلّة القرآنية، ثم شواهد التراث وما يناقض الروايات، ثم تفنيد أدلّة المثبتين مع تحريرٍ موسَّع لمعنى «الأشراط»، ثم ثلاثةٌ وثلاثون سؤالاً موجَّهة إلى القائلين بها — تُختم بمجموعةٍ لا يُجاب عنها إلا بالتنازل عن أحد طرفي الدعوى — ثم مناقشة نقدية تحرّر مواضع القوّة والضعف بإنصاف.
تحرير محلّ النزاع
ليس النزاع في أن الساعة آتية — فهذا من أصول الإيمان بالقرآن. ولا في أن الساعة قريبة بمعنى أنها آتيةٌ لا محالة وأن أمرها قد اقترب منذ بعثة الخاتم. ولا في أن للدنيا فتناً وشروراً وأحداثاً عظيمة يقع بعضها في كلّ عصر.
وإنما النزاع في دعوى محدّدة: أن هناك قائمةً من الأحداث المعيَّنة المرتّبة — تُسمّى الأشراط الصغرى والكبرى — يُعرف بوقوعها قربُ الساعة، وأن النبيّ ﷺ أخبر بها تفصيلاً بأسمائها وترتيبها، وأن المسلم مطالبٌ بترقّبها والاستدلال بها.
وما تقرّره الدراسة: أن علم الساعة — توقيتاً ومقدّماتٍ — محصورٌ بالله وحده، وأن النبيّ ﷺ نُفي عنه هذا العلم بنصّ القرآن، وأن مجيئها بغتةً يمنع أن يكون لها منبّهاتٌ تُمكّن من الترقّب، وأن وظيفة الرسول كانت الإنذار لا التوقيت.
الباب الأول: الأدلّة القرآنية
الفصل الأول: حصر علم الساعة بالله وحده
عالج القرآن سؤال «متى الساعة؟» في نحو عشرة مواضع، ولم يخرج جوابه في موضعٍ واحد عن الحصر المطلق لعلمها بالله:
﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا ۖ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي ۖ لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ﴾ — الأعراف ١٨٧
﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ ۖ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾ — لقمان ٣٤
﴿يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ ۖ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ اللَّهِ﴾ — الأحزاب ٦٣
﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَٰذَا الْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِندَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾ — الملك ٢٥–٢٦
﴿قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ ۚ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ — النمل ٦٥
﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ — الأنعام ٥٩
ولاحظ في هذه النصوص ثلاث خصائص:
الأولى — تكرار أداة الحصر: ﴿إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي﴾، ﴿إِنَّمَا الْعِلْمُ عِندَ اللَّهِ﴾، ﴿لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ﴾، ﴿لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾، ﴿لَا يَعْلَمُ … إِلَّا اللَّهُ﴾. فهي خمس صيغ حصر متفاوتة الألفاظ، متّحدة المعنى.
الثانية — اقتران الحصر بالأمر «قُل»: في أربعة من المواضع جاء الجواب بصيغة ﴿قُلْ﴾، أي أنه تعليمٌ إلهيّ مباشر للنبيّ ﷺ بما يجيب به الناس. فمن نسب إليه علم توقيتها أو تفاصيل مقدّماتها، فقد نسب إليه خلاف ما أُمر أن يقوله.
الثالثة — عموم النفي لأهل السماوات والأرض: قوله ﴿قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ نفيٌ يشمل الملائكة والأنبياء جميعاً. ثم زاد عليه: ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ — فنفى عنهم مجرّد الشعور بوقت البعث، وهو أدنى من العلم.
الفصل الثاني: نفي العلم عن النبيّ ﷺ بعينه
هذا الفصل عمدة الباب، لأنه يقطع الطريق على القول بأن النبيّ ﷺ أُطلع على تفاصيلها فأخبر بها.
١. النفي بصيغة الاستفهام الإنكاريّ
﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا فِيمَ أَنتَ مِن ذِكْرَاهَا إِلَىٰ رَبِّكَ مُنتَهَاهَا إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرُ مَن يَخْشَاهَا﴾ — النازعات ٤٢–٤٥
﴿فِيمَ أَنتَ مِن ذِكْرَاهَا﴾ استفهام إنكاريّ معناه: لستَ في شيءٍ من ذكرها. ثم أعقبه بحصر وظيفته: ﴿إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرُ﴾. فالآيات الأربع تقيم التفريق الحاسم: الإنذار وظيفته، والتوقيت ليس من شأنه.
٢. النفي بصيغة «إن أدري»
﴿قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ مَّا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَدًا عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَدًا﴾ — الجن ٢٥–٢٦
﴿قُلْ إِنَّمَا يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ… وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَم بَعِيدٌ مَّا تُوعَدُونَ﴾ — الأنبياء ١٠٨–١٠٩
ووجه الدلالة دقيق: المنفيّ هنا ليس العلم بالتوقيت وحده، بل العلم بالقرب والبعد. فالنبيّ ﷺ أُمر أن يقول إنه لا يدري أقريبٌ هو أم بعيد. ومن لا يدري أقريبٌ الموعد أم بعيد، لا يمكن أن يكون عنده قائمةٌ بعلاماتٍ يُعرف بها القرب. فالعلامة وظيفتها الدلالة على القرب، وهو ما نفاه النصّ صراحةً.
٣. النفي بصيغة «ما أدري ما يُفعل بي»
﴿قُلْ مَا كُنتُ بِدْعًا مِّنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ ۖ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾ — الأحقاف ٩
نفيٌ للعلم بمستقبله ومستقبل المخاطبين، مع حصر الوظيفة في الإنذار مرّةً أخرى.
٤. النفي العامّ لعلم الغيب
﴿قُل لَّا أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ ۖ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ﴾ — الأنعام ٥٠
﴿قُل لَّا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ ۚ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾ — الأعراف ١٨٨
٥. النفي بصيغة «ما يدريك»
﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾ — الأحزاب ٦٣
﴿لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ — الشورى ١٧
خطابٌ للنبيّ ﷺ بصيغة ﴿وَمَا يُدْرِيكَ﴾ و﴿لَعَلَّ﴾ — وهما من أدوات الاحتمال، لا القطع ولا الجدولة.
خلاصة الفصل
| الصيغة | الموضع | المنفيّ عن النبيّ ﷺ |
|---|---|---|
| ﴿فِيمَ أَنتَ مِن ذِكْرَاهَا﴾ | النازعات ٤٣ | أن يكون له شأنٌ بذكرها |
| ﴿إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ﴾ | الجن ٢٥ | العلم بالقرب والبعد |
| ﴿وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَم بَعِيدٌ﴾ | الأنبياء ١٠٩ | العلم بالقرب والبعد |
| ﴿وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي﴾ | الأحقاف ٩ | العلم بمستقبله ومستقبلهم |
| ﴿وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾ | الأنعام ٥٠ | علم الغيب مطلقاً |
| ﴿وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾ | الأعراف ١٨٨ | علم الغيب مطلقاً |
| ﴿وَمَا يُدْرِيكَ﴾ | الأحزاب ٦٣ | الدراية بقربها |
سبعة نصوص، أربعةٌ منها بصيغة الأمر ﴿قُلْ﴾. فهي ليست إخباراً عن حالٍ عارضة، بل تعليمٌ نبويٌّ مقرَّر يُبلَّغ للناس.
الفصل الثالث: البغتة — الحصر في كيفية الإتيان
قرّر القرآن أن الساعة لا تأتي إلا بغتة، وكرّر هذا المعنى في نحو عشرة مواضع بألفاظٍ متنوّعة:
﴿لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً﴾ — الأعراف ١٨٧
﴿حَتَّىٰ إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَىٰ مَا فَرَّطْنَا فِيهَا﴾ — الأنعام ٣١
﴿أَفَأَمِنُوا أَن تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِّنْ عَذَابِ اللَّهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ — يوسف ١٠٧
﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَن تَأْتِيَهُم بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ — الزخرف ٦٦
﴿بَلْ تَأْتِيهِم بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا وَلَا هُمْ يُنظَرُونَ﴾ — الأنبياء ٤٠
﴿فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَن تَأْتِيَهُم بَغْتَةً﴾ — محمد ١٨
﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ — الزمر ٥٥
﴿فَيَأْتِيَهُم بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ — الشعراء ٢٠٢
وتحليل هذه الصياغات يكشف أربع طبقاتٍ من التوكيد:
| اللفظ | دلالته |
|---|---|
| ﴿بَغْتَةً﴾ | المفاجأة دون سابق إنذار |
| ﴿إِلَّا بَغْتَةً﴾ | حصر الكيفية في المفاجأة — فلا كيفيّة أخرى ممكنة |
| ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ | نفي مطلقٌ لأيّ شعورٍ مسبق — وهو أدقّ من نفي العلم |
| ﴿فَتَبْهَتُهُمْ﴾ | الذهول الناتج عن المفاجأة نفسها |
فالقرآن لم يقل إنها تأتي بغتةً فقط، بل حصر ذلك بأداة الاستثناء، ثم أضاف نفي الشعور، ثم أضاف وصف الذهول. وهذا تراكمٌ توكيديٌّ لا يقبل التخفيف.
الفصل الرابع: البرهان المنطقيّ — العلامات تُبطل البغتة
وهذا هو عمود الحجّة في هذا الباب، وهو برهانٌ تركيبيّ:
المقدّمة الأولى: البغتة هي وقوع الشيء دون سابق إنذارٍ يُمكّن من التوقّع (وهذا معناها في اللغة وفي استعمال القرآن نفسه).
المقدّمة الثانية: العلامات المعيَّنة المرتّبة المعلومة للناس هي سلسلةُ إنذاراتٍ تُمكّن من التوقّع (وهذه هي وظيفتها، وإلا لم تكن علامات).
النتيجة: اجتماعُ حصر البغتة مع وجود سلسلة علاماتٍ معلومة تناقض.
وبيان التناقض على وجه التفصيل: لو صحّ أن للساعة عشر علاماتٍ كبرى مرتّبة، فإن كلّ علامةٍ تتحقّق تُضيّق دائرة الاحتمال وترفع درجة الترقّب. فمن رأى التاسعة صار مترقّباً موقناً، وانعدمت في حقّه المفاجأة تماماً. وهذا يُفرغ ﴿لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً﴾ من مضمونه، ويحوّل الحصر القرآنيّ إلى لفظٍ بلا معنى.
ولا يصحّ الجواب بأن العلامات تُنبّه على القرب دون التوقيت الدقيق؛ لأن:
أولاً: القرآن نفى عن النبيّ ﷺ العلم بـالقرب نفسه لا بالتوقيت وحده: ﴿إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ﴾ (الجن ٢٥)، ﴿وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَم بَعِيدٌ﴾ (الأنبياء ١٠٩).
ثانياً: البغتة تنتفي بمجرّد التنبيه على القرب، ولا يُشترط في انتفائها معرفة الساعة والدقيقة. فمن عَلِم أن الأمر قريب فقد زالت عنه المباغتة، وصار كمن ينتظر.
ثالثاً: الجواب نفسه يعترف بأن العلامات تفيد العلم بالقرب، وهو عين ما نفاه القرآن.
الفصل الخامس: تصوير لحظة القيام — شاهدٌ حسّيّ على البغتة
لم يقتصر القرآن على تقرير البغتة تقريراً مجرّداً، بل رسم مشهد اللحظة رسماً يقطع بانعدام أيّ ترقّب:
﴿مَا يَنظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَا إِلَىٰ أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ﴾ — يس ٤٩–٥٠
وفي هذا المشهد أربع قرائن قاطعة:
الأولى — ﴿وَهُمْ يَخِصِّمُونَ﴾: الناس في خصامٍ يوميّ عاديّ — منازعاتٌ في بيعٍ وشراءٍ وحقوق. وهذا وصفٌ لحياةٍ تسير على وتيرتها المعتادة. فهل يُتصوَّر هذا المشهد في عالمٍ خرجت فيه دابّةٌ تكلّم الناس، وطلعت الشمس من مغربها، وخرج يأجوج ومأجوج، وظهر الدجّال فملك الأرض؟ عالمٌ قامت فيه هذه الأهوال لا يبقى فيه أحدٌ يخصّم في أمور دنياه؛ بل تكون الأرض كلّها في ذهولٍ وترقّب واحد.
الثانية — ﴿صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾: حدثٌ واحد لا سلسلة أحداث.
الثالثة — ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً﴾: لا يمهلهم الوقت حتى لكلمة وصيّة.
الرابعة — ﴿وَلَا إِلَىٰ أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ﴾: الحدث أسرع من خطواتٍ إلى البيت. أي أن الناس كانوا متفرّقين في أعمالهم لا مجتمعين متحسّبين.
ويؤيّده تصوير السرعة في موضعين آخرين:
﴿وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ﴾ — النحل ٧٧
﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ — القمر ٥٠
الفصل السادس: الإخفاء مقصدٌ إلهيّ لا نقصٌ في البيان
﴿إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَىٰ﴾ — طه ١٥
هذه الآية تكشف الحكمة من الإخفاء، وتجعله شرطاً في صحّة الجزاء. ووجه ذلك: أن معرفة الموعد أو معرفة مقدّماته المتتابعة تُفسد الاختبار، إذ يتأخّر الناس في التوبة والعمل إلى قرب الأجل المعلوم، فيصير إيمانهم إيمانَ اضطرارٍ لا اختيار.
فمن أثبت للساعة علاماتٍ متتابعة معلومة، فقد نقض هذه الحكمة المنصوصة، لأن العلامات تُتيح للناس ضبط توبتهم على جدولها.
الفصل السابع: الاقتراب المعلَن زمن النزول
قرّر القرآن اقتراب الساعة في مواضع، لكن لاحظ أن هذا الاقتراب أُعلن في زمن النزول بصيغة الماضي، لا بوصفه نتيجةً لعلاماتٍ ستتحقّق لاحقاً:
﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ﴾ — القمر ١
﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ﴾ — الأنبياء ١
﴿أَتَىٰ أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ — النحل ١
﴿أَزِفَتِ الْآزِفَةُ﴾ — النجم ٥٧
ودلالة ذلك على المذهب من وجهين:
الأول: أن الاقتراب حقيقةٌ قائمة منذ البعثة، لا حالةٌ تستجدّ بتحقّق علامات. فالبشرية دخلت مرحلتها الأخيرة بختم الرسالات، وهذا هو الإنذار العامّ الذي أُقيمت به الحجّة.
الثاني: أن الاقتراب المعلن مع نفي العلم بالقرب عن النبيّ ﷺ (الجن ٢٥) يفيد أن «القرب» هنا قربٌ في ميزان الله لا في حساب البشر، كقوله ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ﴾ (الحج ٤٧).
الفصل الثامن: وظيفة الرسول — الإنذار لا التوقيت
جمع القرآن بين نفي العلم بالساعة وحصر وظيفة الرسول في الإنذار، في سياقٍ واحد في أربعة مواضع. وهذا الاقتران المتكرّر ليس مصادفة:
| الموضع | نفي العلم | حصر الوظيفة |
|---|---|---|
| النازعات ٤٣–٤٥ | ﴿فِيمَ أَنتَ مِن ذِكْرَاهَا﴾ | ﴿إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرُ مَن يَخْشَاهَا﴾ |
| الملك ٢٦ | ﴿إِنَّمَا الْعِلْمُ عِندَ اللَّهِ﴾ | ﴿وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾ |
| الأحقاف ٩ | ﴿وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي﴾ | ﴿وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾ |
| الأعراف ١٨٨ | ﴿وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾ | ﴿إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ﴾ |
والفرق بين الوظيفتين جوهريّ:
- المنذِر يقول: الأمر آتٍ فاستعدّ الآن، ولا تدري متى.
- المتنبّئ يقول: الأمر آتٍ بعد كذا وكذا، فاستعدّ حينها.
والقرآن حصر النبيّ ﷺ في الأولى ونفى عنه الثانية. ومن أسند إليه جدول أحداثٍ مستقبلية، فقد نقله من مقام الإنذار إلى مقام التنبّؤ، وهو ما نفاه النصّ عنه صريحاً.
الباب الثاني: شواهد التراث وما يناقض الروايات
يعرض هذا الباب ما في التراث الإسلاميّ نفسه من نصوصٍ ومواقف تشهد للمذهب أو تنقض بناء الروايات — بأمانة، مع بيان حجم كلّ شاهد وحدوده.
الفصل الأول: نفي النبيّ ﷺ العلم بها في أصحّ الكتب
١. حديث جبريل: «ما المسؤول عنها بأعلم من السائل»
في الصحيحين، من حديث أبي هريرة وحديث عمر بن الخطاب (البخاري، كتاب الإيمان؛ ومسلم، كتاب الإيمان، باب معرفة الإيمان والإسلام)، أن جبريل سأل النبيّ ﷺ عن الساعة فقال: «ما المسؤول عنها بأعلم من السائل».
وهذا أصرح شاهدٍ في التراث على المذهب، لأنه:
- نفيٌ صريح للعلم بها من النبيّ ﷺ نفسه.
- ورد في أصحّ كتب الحديث ومن حديث صحابيَّين.
- ويطابق نصّ القرآن مطابقةً تامّة: ﴿إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ﴾، ﴿فِيمَ أَنتَ مِن ذِكْرَاهَا﴾.
تنبيه في الأمانة: الحديث نفسه يُعقّب بذكر «أشراطها»، وهو أقوى ما يُحتجّ به من التراث على المثبتين. وسيأتي تحليله في الباب الثالث (الفصل الثاني).
٢. حديث «بعثت أنا والساعة كهاتين»
في الصحيحين (البخاري، كتاب الرقاق؛ ومسلم، كتاب الفتن)، أن النبيّ ﷺ قرن بين إصبعيه وقال ما معناه إن بعثته والساعة كهاتين.
ووجه دلالته على المذهب: أن الحديث يجعل البعثة نفسها هي علامة القرب، لا أحداثاً مستقبلية. وهو عين ما يقرّره هذا المذهب في تفسير ﴿فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ (محمد ١٨) و﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾ (القمر ١).
الفصل الثاني: حديث «رأس المائة سنة» — واقعةٌ كاشفة
هذا أهمّ ما في هذا الباب، لأنه يوثّق — من داخل صحيح البخاري نفسه — أن الصحابة أخطأوا في فهم كلام النبيّ ﷺ عن الساعة.
١. الحادثة
روى البخاري (كتاب مواقيت الصلاة؛ وكتاب العلم) ومسلم (كتاب فضائل الصحابة) عن ابن عمر أن النبيّ ﷺ صلّى بهم العشاء في آخر حياته، فلمّا سلّم قام فقال ما معناه: «أرأيتكم ليلتكم هذه؟ فإن على رأس مائة سنة منها لا يبقى ممن هو على ظهر الأرض أحد».
ثم جاء في الرواية نفسها: «فوَهِلَ الناس» — أي غلطوا واضطربوا — ففهم كثيرٌ منهم أن المراد قيام الساعة بعد مئة سنة. فصحّح ابن عمر الفهم وبيّن أن المراد انخرام ذلك القرن، أي موت كلّ من كان حيّاً تلك الليلة.
٢. دلالاتها
الأولى — واقعةٌ موثَّقة لخطأ الفهم: لفظ «فوهل الناس» في الصحيح نفسه إقرارٌ بأن جمهور الحاضرين من الصحابة أخطأوا في فهم إشارةٍ نبويّة عن الساعة. فإذا وقع هذا في مجلسٍ حضره النبيّ ﷺ ومن سمعه بأذنه، فما القول فيمن جاء بعدهم بقرون يفسّر إشاراتٍ أخرى؟
الثانية — أصل تاريخيّ لتوقّع الساعة: الحادثة توثّق أن ترقّب الساعة على أجلٍ محدَّد كان قائماً في جيل الصحابة أنفسهم. وهذا يفسّر كيف نشأ لاحقاً باب «العلامات» وتكاثرت فيه الروايات.
الثالثة — التأويل اللاحق: اضطرّ العلماء إلى تأويل الحديث بأن «الساعة» فيه ساعة ذلك الجيل لا الساعة الكبرى، كما نقل ابن حجر في فتح الباري عن السهيلي وابن العربي، وكما قرّره ابن رجب. وهذا التأويل نفسه شاهدٌ على أن الألفاظ النبويّة في هذا الباب تحتمل من المعاني ما يمنع الجزم بجدولٍ للأحداث.
الفصل الثالث: نقد ابن خلدون لروايات آخر الزمان
١. موقفه
عقد ابن خلدون (ت ٨٠٨هـ) في المقدّمة فصلاً مشهوراً عنوانه «فصل في أمر الفاطميّ وما يذهب إليه الناس في شأنه وكشف الغطاء عن ذلك»، خصّصه لمناقشة أحاديث المهديّ وما يتّصل بها من أخبار آخر الزمان.
ومنهجه في الفصل:
- استعرض الأحاديث الواردة في المهديّ حديثاً حديثاً، مخرّجاً لها من كتب السنن والمسانيد.
- تتبّع رجال أسانيدها واحداً واحداً، ناقلاً كلام أهل الجرح والتعديل فيهم.
- بنى على قاعدة «الجرح مقدَّم على التعديل» فأسقط أكثر الأسانيد.
- استثنى الصحيحين وقرّر أن الطعن لا يصل إلى روايتهما لإجماع الأمّة على قبولهما.
- خلص إلى أن أخبار المهديّ لم تسلم من المطاعن إلا القليل، وأنها لا تبلغ درجة اليقين.
- ثم عقد فصلاً في نقد أخبار المتصوّفة ومناماتهم في الباب.
ودقّةٌ لازمة: ابن خلدون ناقش أحاديث المهديّ بخصوصها وما التصق بها، ولم يُفرد أشراط الساعة كلّها بالنقد. فلا يصحّ نسبة نفي «العلامات» جميعاً إليه.
٢. قيمة موقفه
فيما يخدم المذهب: أن مؤرّخاً وعالماً من كبار أئمّة الإسلام مارس النقد التفصيليّ لأسانيد أخبار آخر الزمان، وانتهى إلى إسقاط أكثرها. فباب الملاحم — بخلاف ما يُشاع — لم يكن محلّ إجماع، بل كان ساحة نقدٍ حديثيّ قديم.
ولاحظ أمراً مهمّاً: أن ابن خلدون ربط بين شيوع هذه الأخبار وبين الظاهرة الاجتماعية والسياسية لدعاوى المهدية المتكرّرة في التاريخ الإسلاميّ، فجعل التحقيق في الأسانيد مدخلاً لتفسير تلك الظاهرة.
٣. الردود عليه — وهي لازمة الذكر
وقد ردّ عليه جمعٌ من العلماء ردّاً شديداً، ومنهم:
- أحمد شاكر المحدّث، في تعليقاته على مسند أحمد، فقال إن ابن خلدون «قفا ما ليس له به علم، واقتحم قُحَماً لم يكن من رجالها»، ووصف تهافته في الفصل بأنه «تهافتٌ عجيب» وأنه «غلط أغلاطاً واضحة».
- عبد الحيّ الكتّاني وغيره، بأن فنّ ابن خلدون هو التاريخ لا الحديث والرجال.
- وأُلّفت في الردّ عليه كتبٌ مفردة، منها «إبراز الوهم المكنون من كلام ابن خلدون» لأحمد بن الصدّيق الغماري، وكتاب «المرشد المبدي لفساد طعن ابن خلدون في أحاديث المهدي».
فالإنصاف أن يقال: موقف ابن خلدون سابقةٌ معتبَرة في النقد، لكنه موقفٌ مردودٌ عليه من المحدّثين، ولا يصحّ عرضه كأنه القول المستقرّ.
الفصل الرابع: غياب أخبار المهديّ عن الصحيحين
من المسلَّم عند المحدّثين أن الأحاديث التي تنصّ على «المهديّ» بلفظه ليست في صحيح البخاري ولا صحيح مسلم، وإنما مخرجها سنن أبي داود (وفيه كتاب المهدي بابٌ مفرد)، وسنن الترمذي، وسنن ابن ماجه، ومسند أحمد، والمستدرك.
ووجه الدلالة: أن الشيخين — وهما أشدّ الناس تحرّياً — لم يُخرجا في صحيحيهما حديثاً واحداً بلفظ المهديّ، مع اشتهار الباب في زمانهما. وهذا وإن لم يكن دليلاً على الوضع، فهو قرينةٌ معتبَرة على أن الباب لم يكن عندهما من الصحيح المتّفق عليه.
والجواب من المثبتين: أن الشيخين لم يستوعبا الصحيح كلّه، وقد صرّحا بذلك؛ وأن أحاديث المهديّ صحّحها جماعة وبلغت عندهم درجة التواتر المعنويّ، كما قرّره الشوكاني في رسالته التوضيح في تواتر ما جاء في المنتظَر والدجّال والمسيح، والكتّاني في نظم المتناثر، والسفاريني في لوامع الأنوار.
الفصل الخامس: مصادر أخبار الملاحم — إشكال نعيم بن حماد
أوسع مصدرٍ قديم جُمعت فيه أخبار الفتن وآخر الزمان هو كتاب «الفتن» لنُعيم بن حمّاد المروزي (ت ٢٢٨هـ)، وعليه اعتمد كثيرٌ من المصنّفين بعده.
وإشكاله: أن نعيم بن حمّاد متكلَّمٌ فيه عند أهل الجرح والتعديل؛ فقد وثّقه بعضهم في الجملة، وضعّفه آخرون، ونُسب إليه الوهم والمناكير، خاصّة في أحاديث الفتن. وقد أورد الذهبي وابن حجر أقوال المتكلّمين فيه في ميزان الاعتدال وتهذيب التهذيب.
ووجه الدلالة: أن جزءاً كبيراً من تفاصيل «العلامات» المشهورة — لا سيما ما فيه تعيين البلدان والرايات والأعداد — مرجعه هذا الكتاب أو ما هو في طبقته، لا الصحيحين.
وشاهدٌ آخر: أن ابن الجوزي (ت ٥٩٧هـ) أورد في الموضوعات أحاديث في الفتن والملاحم قضى بوضعها. وهذا يوثّق أن الوضع في هذا الباب كان ظاهرة معروفة عند أهل النقد، وأن الباب كان مجالاً خصباً للاختلاق لأسبابٍ سياسية ومذهبية.
الفصل السادس: سابقةٌ في التوقّع الخاطئ — السيوطي
من أبلغ ما يُستشهد به على خطر هذا الباب: أن جلال الدين السيوطي (ت ٩١١هـ) — وهو من أوسع علماء الإسلام روايةً — ألّف رسالةً بعنوان «الكشف عن مجاوزة هذه الأمّة الألف»، بحث فيها في عمر الأمّة اعتماداً على الآثار، وانتهى إلى تقديرٍ لا يتجاوز الألف كثيراً.
ووجه الدلالة: أن عالماً بهذه المكانة انتهى إلى تقديرٍ زمنيّ لم يتحقّق؛ فقد مضى على تأليف الرسالة أكثر من خمسة قرون. وهو شاهدٌ عمليّ على أن الاستدلال بالآثار على توقيت الساعة أو قربها منهجٌ أثبت الواقع خطأه، ويوافق ما قرّره القرآن من حصر علمها بالله.
الفصل السابع: المدرسة النقدية الحديثة
| العالم | موقفه |
|---|---|
| محمد رشيد رضا في تفسير المنار ومجلّة المنار | له آراء عقدية مخصوصة في أشراط الساعة الكبرى، خالف فيها المشهور، وردّ كثيراً من أخبار الباب أو أوّلها، وعدّ بعضها من أثر الإسرائيليات. وقد أُفردت آراؤه بدراساتٍ أكاديمية مستقلّة، منها رسالة «آراء محمد رشيد رضا العقائدية في أشراط الساعة الكبرى وآثارها الفكرية»، وهي نقديّة له لا مؤيّدة |
| محمود شلتوت شيخ الأزهر، في الفتاوى | قرّر أن نزول المسيح — وهو من أشهر الأشراط الكبرى — لم يثبت بنصٍّ قرآنيّ قاطع، وأنه ليس من أصول العقيدة |
| أحمد أمين في المهدي والمهدوية | تتبّع نشأة عقيدة المهديّ تتبّعاً تاريخياً، وربطها بالظروف السياسية وبمؤثّراتٍ خارجية |
| محمد الغزالي في السنّة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث | قرّر ضرورة عرض متون الروايات على القرآن وعلى المقاصد، وانتقد عدداً من روايات هذا الباب |
| محمود أبو ريّة في أضواء على السنّة المحمّدية | من أوسع النقد المعاصر لروايات الملاحم ونسبتها إلى الإسرائيليات — وهو كتابٌ مثارٌ للجدل، ردّ عليه جمعٌ من العلماء |
تنبيه في الأمانة: أكثر هؤلاء لم ينفوا أشراط الساعة نفياً تامّاً، وإنما ضيّقوا الباب وأوّلوه وردّوا تفاصيله. وأصحاب النفي التامّ من منطلق الاكتفاء بالقرآن هم تيّار معاصر، ومن كتّابه أحمد صبحي منصور في مقالاته المنشورة على موقع «أهل القرآن».
الباب الثالث: تفنيد أدلّة المثبتين
الفصل الأول: الأدلّة القرآنية
الدليل الأول: ﴿فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ — محمد ١٨
﴿فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَن تَأْتِيَهُم بَغْتَةً ۖ فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا ۚ فَأَنَّىٰ لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ﴾
وهو أقوى دليلٍ قرآنيّ للمثبتين، لأنه النصّ الوحيد الذي ورد فيه لفظ «الأشراط». والجواب من ستّة أوجه:
الوجه الأول — صيغة الماضي: الفعل ﴿جَاءَ﴾ ماضٍ، مسبوقٌ بحرف التحقيق «قد»، والخطاب لمعاصري النزول. فالنصّ يقرّر أن الأشراط قد جاءت فعلاً في زمنهم، لا أنها ستجيء بعد قرون. ومن حمَلها على أحداثٍ مستقبلية فقد خالف صيغة الفعل ومقتضى الخطاب.
الوجه الثاني — التناقض في الجملة الواحدة: الآية تجمع البغتة والأشراط في نَفَسٍ واحد: ﴿أَن تَأْتِيَهُم بَغْتَةً ۖ فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾. فلو كانت الأشراط سلسلةً تُمكّن من الترقّب، لناقضت البغتة في الجملة نفسها. فتعيّن أن يكون معنى الأشراط: تحقّق الوقوع وقيام الحجّة، لا تحديد الموعد.
الوجه الثالث — تمام الآية: ﴿فَأَنَّىٰ لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ﴾ — أي من أين لهم التذكّر والاتّعاظ حين تجيئهم؟ وهذا لا يستقيم إلا مع المباغتة؛ فمن ترقّب العلامات تسعاً واستعدّ، لا يُقال فيه ﴿فَأَنَّىٰ لَهُمْ … ذِكْرَاهُمْ﴾.
تحريرٌ موسَّع: ما الأشراط التي جاءت؟
إذا ثبت أن الأشراط ماضية، بقي أن يُعيَّن ما هي. والقرآن نفسه يقدّم ثلاث ركائز، مرتّبةً هنا بحسب قوّتها:
| الركيزة | النصّ | قوّة الاستدلال |
|---|---|---|
| ١. بعثة الخاتم وختم الوحي | ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ﴾ (الأنبياء ١)، ﴿أَتَىٰ أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ (النحل ١)، ﴿أَزِفَتِ الْآزِفَةُ﴾ (النجم ٥٧) | الأقوى — نقل الطبري عن بعض السلف أن البعثة من الأشراط، ويشهد له «بعثت أنا والساعة كهاتين» في الصحيحين |
| ٢. انشقاق القمر مقروناً بالاقتراب | ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ﴾ (القمر ١) | قويّة — بنيةٌ قرآنية موازية: حدثٌ ماضٍ مقرونٌ بالاقتراب في الآية نفسها |
| ٣. كون المذكور «عَلَماً للساعة» | ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِّلسَّاعَةِ فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا﴾ (الزخرف ٦١) | الأضعف — لتنازع مرجع الضمير، وتُورَد على الوجه المحرَّر أدناه |
الوجه الرابع — الاستدلال بالزخرف ٦١ على وجهٍ لا يتوقّف على مرجع الضمير:
اختلف المفسّرون في مرجع الضمير في ﴿وَإِنَّهُ﴾: أهو القرآن — كما في نظيرتها في السورة نفسها ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ (الزخرف ٤٤)، وهو ما نقله الشوكاني في فتح القدير — أم هو عيسى، وهو قول الجمهور؟
والحجّة هنا تقوم على ما يشترك فيه القولان، فتكسب في الحالين:
الآية جملة اسمية تفيد الثبوت: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِّلسَّاعَةِ﴾. ولم يقل: «وسيكون علماً للساعة». فالمذكور — أيّاً كان — موصوفٌ بهذه الصفة وهو حاضرٌ قائم، لا بوصفه حدثاً يُنتظر.
فإن كان الضمير للقرآن، فنزولُ الكتاب الخاتم هو العَلَم. وإن كان لعيسى، فبعثتُه ورسالتُه هي العَلَم — لا نزولٌ موعود، إذ ليس في الآية ذكرٌ لنزولٍ ولا لزمنٍ مستقبل. وفي الحالين: المذكور واقعٌ قد كان، لا منتظَرٌ يُترقَّب.
ويقوّي هذا الوجه:
- قراءة ﴿لَعَلَمٌ﴾ — والعَلَم في اللغة هو المَعْلَم والدليل المنصوب، وهو أقرب إلى معنى «الشَّرَط».
- سياق السورة القريب: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ (الزخرف ٥٩) — فالمقام مقام كونه آيةً ومَثَلاً، لا مقام إخبارٍ بعودة.
- ما قُرّر فيه من قبل: ﴿وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِّلنَّاسِ﴾ (مريم ٢١).
- تمام الآية: ﴿فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِ ۚ هَٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ﴾ — والاتّباع إنما يكون لمنهجٍ قائم.
تنبيهٌ في الأمانة: لم يُعثر على سلفٍ صريح في التراث قال إن بعثة عيسى من أشراط الساعة — بخلاف بعثة النبيّ ﷺ التي نقلها الطبري عن بعض السلف. فهذا الوجه في عيسى استنباطٌ من دلالة الآية، لا قولٌ منقول، ويجب أن يُعرض على أنه كذلك.
الوجه الخامس — الأشراط بمعنى تمام الحجّة لا بمعنى العدّاد:
وهذا أدقّ ما يُحرَّر به معنى «الأشراط»، ويجعله متّسقاً مع القرآن كلّه. فقد قرّر القرآن أن إرسال الرسول شرطٌ سابق لحلول الجزاء:
﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ — الإسراء ١٥
﴿رُّسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ — النساء ١٦٥
فبإرسال الرسل تقوم الحجّة، وبختم الرسالات تتمّ. وحين تتمّ الحجّة لم يبقَ مانعٌ من وقوع الساعة في أيّ لحظة — وهذا عين البغتة، لا ضدّها.
فالأشراط على هذا التحرير: ما به تمّت الحجّة، لا ما به يُعرف الموعد. وهو يفسّر تفسيراً تامّاً:
- لماذا وردت بصيغة الماضي — لأن الحجّة قامت فعلاً.
- لماذا اجتمعت مع البغتة في الجملة نفسها — لأن تمام الحجّة يُطلق البغتة ولا يقيّدها.
- لماذا عُقِّبت بـ﴿فَأَنَّىٰ لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ﴾ — أي: قامت عليكم الحجّة فلا عذر، ولا ينفع التذكّر ساعتئذٍ.
لطيفةٌ لغوية — تُورَد إشارةً لا حجّة: «الشَّرَط» (بفتحتين) هو العلامة، وجمعه أشراط، ومنه أشراط الساعة. و«الشَّرْط» (بسكون الراء) هو الإلزام، وجمعه شروط. وهما لفظان من أصلٍ واحد (ش ر ط)، والعلامة عند العرب ما يُعرَف به الشيء ويُلزَم. غير أنهما لفظان متمايزان بناءً وجمعاً، فلا يصحّ بناء الاستدلال عليهما، وإنما تُذكر الصلة استئناساً.
الوجه السادس — تحريرٌ لازم: ما الذي لا تحتمله الآية؟
الأمانة تقتضي التفريق بين ما تقوله الآية وما لا تقوله:
| ما تقوله الآية | ما لا تقوله الآية |
|---|---|
| أن أشراط الساعة قد جاءت | أنها جاءت كلّها وانقطعت |
| أن الأشراط ماضية بالنسبة لمعاصري النزول | أنه لا يقع بعدها حدثٌ عظيم في الدنيا |
فمن قال «الآية تنصّ على أن الأشراط كلّها وقعت في زمن النبيّ» فقد حمّل النصّ ما لا يحتمله، وأعطى المخالف ثغرةً يسقط منها الاستدلال. إذ يصحّ لغةً أن يقال «قد جاء بعضها» وأن يأتي غيره — وهو ما يقرّره الجمهور.
والصياغة الدقيقة التي تعتمدها هذه الدراسة:
محمد ١٨ تُثبت أن الأشراط قد وقعت. أمّا أنه لا أشراط بعدها تُفيد الترقّب، فمصدره نصوصٌ أخرى: حصرُ البغتة ﴿لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً﴾ (الأعراف ١٨٧)، ونفيُ العلم بالقرب ﴿إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ مَّا تُوعَدُونَ﴾ (الجن ٢٥).
فالإغلاق يأتي من هناك، لا من هذه الآية وحدها. وهذا التحرير يقوّي الحجّة لا يُضعفها، لأنه يضع كلّ نصٍّ في موضعه ولا يُحمّله فوق طاقته.
الدليل الثاني: الدابّة — النمل ٨٢
﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِّنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ﴾
الجواب: الآية نفسها تحدّد التوقيت بجملة الشرط: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾ — أي بعد وقوع الحكم وحلول الأمر، لا قبله. فهي من أحداث القيامة أو ما بعد وقوع القول، لا من مقدّماتٍ تُترقَّب في الدنيا.
وشاهد السياق: الآية التالية مباشرةً تصف الحشر: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِّمَّن يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا﴾ (النمل ٨٣)، ثم ﴿وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ﴾ (النمل ٨٧). فالسياق سياق قيامة من أوّله إلى آخره، لا سياق علاماتٍ دنيوية.
الدليل الثالث: يأجوج ومأجوج — الأنبياء ٩٦
﴿حَتَّىٰ إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُم مِّن كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾
الجواب: انظر إلى التتابع الملتصق بلا فاصل: فتحُ السدّ ← ﴿وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ﴾ ← ﴿فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. والفاء في ﴿فَإِذَا﴾ تفيد التعقيب المباشر. فليست علامةً تسبق بعقودٍ أو قرون يترقّبها الناس، بل هي جزءٌ من مشهد الوقوع نفسه.
وتأمّل الفرق: العلامة — بمفهوم المثبتين — تُنبّه فيُستعدّ. أمّا في الآية فالنتيجة الفورية ﴿شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ﴾ أي الذهول، وهو نظير ﴿فَتَبْهَتُهُمْ﴾ (الأنبياء ٤٠) في السورة نفسها.
الدليل الرابع: الدخان — الدخان ١٠–١٦
﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ… إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَىٰ إِنَّا مُنتَقِمُونَ﴾
الجواب: قوله ﴿إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ﴾ (الدخان ١٥) قاطعٌ في أن هذا عذابٌ دنيويّ يُكشف ويعودون بعده إلى ما كانوا عليه. وهذا مستحيلٌ في علامات القيامة، لأن الأشراط لا تُكشف ولا يُعاد بعدها إلى الحال الأولى. ثم عطف عليه ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَىٰ﴾ وهي القيامة، فالتفريق بينهما في النصّ.
فالآية دليلٌ ضدّ جعل الدخان علامةً أخروية، لا معها.
الدليل الخامس: ﴿بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ — الأنعام ١٥٨
﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَن تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ ۗ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ﴾
وجه استدلال المثبتين: ﴿بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ هو طلوع الشمس من مغربها، بدليل أن الإيمان لا ينفع بعده.
الجواب:
أولاً: لفظ ﴿بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ مجمَلٌ لم يُعيَّن في القرآن، وتعيينه بطلوع الشمس من مغربها مأخوذٌ من روايةٍ خارجة، لا من النصّ. والاستدلال على محلّ النزاع بتعيينٍ مصدره محلّ النزاع دورٌ ظاهر.
ثانياً: ما دلّ عليه النصّ هو انقطاع جدوى الإيمان عند إتيان الآية — وهذا يصدق على لحظة الموت ولحظة معاينة العذاب، كما قرّره القرآن: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ… فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ (غافر ٨٤–٨٥)، وكما في إيمان فرعون عند الغرق (يونس ٩٠–٩١).
ثالثاً: الآية نفسها في سياق تهديدٍ للمعاصرين ﴿هَلْ يَنظُرُونَ﴾، لا في سياق جدولٍ لآخر الزمان.
رابعاً: لو سُلّم بأنها آيةٌ كونيّة كبرى، فإنها — على نصّ الآية — تُغلق باب الإيمان، أي أنها من أحداث الوقوع لا من منبّهات الاستعداد. والعلامة التي لا يُستفاد منها استعداد ليست علامةً بالمعنى المطلوب.
الدليل السادس: انشقاق القمر — القمر ١
وجه استدلال المثبتين: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ﴾ فيه علامةٌ كونيّة وقعت.
الجواب: الآية من أقوى ما يخدم المذهب لا ما ينقضه؛ إذ صرّحت باقتراب الساعة في زمن النزول بصيغة الماضي. فإن كانت علامةً، فقد وقعت قبل أربعة عشر قرناً ولم تقم الساعة. وهذا يثبت أن العلامة — على فرض وجودها — لا تفيد تحديد القرب الزمنيّ بحسابنا، وهو عين ما يقرّره المذهب.
الدليل السابع: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِّلسَّاعَةِ﴾ — الزخرف ٦١
الجواب من ثلاثة أوجه:
أولاً — مرجع الضمير: السياق في الزخرف يتحدّث عن القرآن، كما في الآية ٤٤ من السورة نفسها: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ — بنفس التركيب. وحملُ الضمير على القرآن أوفق بالسياق القريب، وقد نقله الشوكاني في فتح القدير، كما نُقلت قراءة ﴿لَعَلَمٌ﴾.
ثانياً — تمام الآية: ﴿فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِ ۚ هَٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ﴾، والاتّباع إنما يكون لكتابٍ أو منهج.
ثالثاً — على فرض رجوعه لعيسى: فمعناه أنه آيةٌ وبرهانٌ على قدرة الله على البعث — خُلق من غير أب وأحيا الموتى بإذن الله — لا مقدّمةٌ زمنيّة لها. ويوافقه ﴿وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِّلنَّاسِ﴾ (مريم ٢١). وكونه «علماً للساعة» أي دليلاً على إمكانها، لا منبّهاً على موعدها.
رابعاً — وهو الفصل في المسألة: أن الآية جملة اسمية تفيد الثبوت ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ﴾، لا جملة استقبالٍ «وسيكون». فالموصوف — قرآناً كان أو عيسى — قائمٌ حاضر لا منتظَر. وبهذا يسقط الاستدلال بالآية على حدثٍ مستقبليّ في الحالين، دون حاجةٍ إلى حسم مرجع الضمير. وقد بُسط هذا الوجه في تحرير الدليل الأول من هذا الفصل، لأنه هو الذي يُبنى عليه لا الأول والثاني.
الدليل الثامن: ﴿إِلَّا مَنِ ارْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ﴾ — الجن ٢٧
﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَدًا إِلَّا مَنِ ارْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ﴾
الجواب:
أولاً — السياق يحدّد نوع الغيب: تمام النصّ: ﴿فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا لِّيَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ﴾. فالغيب المُظهَر عليه هو الرسالة المُبلَّغة — أي القرآن.
ثانياً — تخصيص العامّ بالخاصّ: هذا استثناءٌ عامّ، وقد خصّه الله بنصوصٍ صريحة في الساعة بعينها: ﴿فِيمَ أَنتَ مِن ذِكْرَاهَا﴾ (النازعات ٤٣)، ﴿إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ﴾ (الجن ٢٥ — في السورة نفسها!). ولاحظ أن النفي في الجن ٢٥ والاستثناء في الجن ٢٧ في سياقٍ واحد متّصل، فلا يصحّ أن يُفهم الاستثناء على وجهٍ ينقض ما قبله بآيتين.
ثالثاً: أدلّ دليل: أن النبيّ ﷺ أُمر أن يقول ﴿إِنْ أَدْرِي﴾. فلو كان قد أُطلع لما أُمر بنفي الدراية على المنابر.
الفصل الثاني: الأدلّة الحديثية
الدليل الأول: أشراط الساعة في حديث جبريل
هذا أقوى ما يُحتجّ به من التراث، ويستحقّ جواباً مفصّلاً. ففي الصحيحين، بعد أن قال النبيّ ﷺ «ما المسؤول عنها بأعلم من السائل»، أضاف: «ولكن سأحدّثك عن أشراطها»، ثم ذكر — بحسب الروايات — أن يلد الرقيق ربّته، وأن يصير رعاة الشاء الفقراء أصحاب البناء والسلطان.
الجواب من خمسة أوجه:
الوجه الأول — النفي مقدَّمٌ على الإثبات في الحديث نفسه: الحديث يبدأ بنفي العلم بها نفياً صريحاً، ثم يُتبعه بذكر الأشراط بحرف الاستدراك «ولكن». فالنصّ نفسه يفرّق بين مقامين: مقام العلم بالساعة وهو منفيّ، ومقام وصف أحوال. ولو كانت الأشراط تفيد العلم بموعدها، لناقض آخر الحديث أوّله.
الوجه الثاني — طبيعة المذكور: ما ذُكر ليس أحداثاً كونيّة معيَّنة مؤرَّخة، بل أوصافٌ اجتماعية عامّة: انقلابٌ في موازين الرقّ، وصعودُ الفقراء إلى الثروة والسلطان. وهذه أوصافٌ متحقّقة في عصورٍ كثيرة، وقعت مرّاتٍ في التاريخ ولا تزال. فهي لا تصلح منبّهاً على قربٍ زمنيّ، لأن ما يتكرّر في كلّ عصر لا يدلّ على عصرٍ بعينه.
الوجه الثالث — لا ترتيب ولا عدد: ليس في الحديث ترتيبٌ ولا عددٌ ولا جدول. أمّا «الأشراط الصغرى والكبرى» و«العلامات العشر» فتقسيمٌ صنعه المصنّفون لاحقاً بجمع روايات متفرّقة، وليس في حديث جبريل شيءٌ منه.
الوجه الرابع — الأشراط بمعنى المرحلة: يوافق هذا ما في محمد ١٨ ﴿فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ بصيغة الماضي، وما في حديث «بعثت أنا والساعة كهاتين». فالأشراط علامةٌ على دخول المرحلة الأخيرة، لا مؤشّراتٌ على عدّادٍ تنازليّ.
الوجه الخامس — تعذّر الاستدلال عملياً: لو كانت هذه أشراطاً تفيد القرب، فقد تحقّقت منذ قرون. فأين الساعة؟ وهذا يُثبت بالتجربة أن الأشراط لا تفيد تحديد القرب، وهو ما يقرّره المذهب.
الدليل الثاني: دعوى التواتر
وجه استدلال المثبتين: أحاديث أشراط الساعة والدجّال والمهديّ ونزول المسيح بلغت التواتر المعنويّ، كما قرّره الشوكاني في التوضيح والكتّاني في نظم المتناثر.
الجواب:
أولاً: التواتر المعنويّ يثبت القدر المشترك بين الروايات لا تفاصيلها. والقدر المشترك هنا قد يكون أن للدنيا فتناً عظيمة وأحداثاً جساماً قبل انتهائها — وهذا لا ينازع فيه أحد، ولا يستلزم جدولاً مرتّباً ولا استدلالاً على القرب.
ثانياً: تفاصيل الأشراط — أعدادها، ترتيبها، أسماء البلدان والرايات، أوصاف الدجّال ومدّة بقائه — كلّها آحاد مختلفةٌ متعارضة الألفاظ، ومصدر كثيرٍ منها كتبٌ كـ الفتن لنعيم بن حمّاد.
ثالثاً: التواتر لا يرفع التعارض مع القرآن. فإذا تعارض ظاهر الروايات مع حصر علم الساعة بالله في ستّة مواضع، ونفي العلم عن النبيّ في سبعة، وحصر البغتة في ثمانية — وجب تقديم القرآن.
رابعاً: الأصل الأصوليّ المقرّر عند جمعٍ من الأصوليّين — ومنهم الرازي في أساس التقديس والمحصول — أن خبر الواحد يفيد الظنّ، ولا يُحتجّ به في المطالب اليقينيّة. فكيف يصير باب الملاحم أصلاً عقدياً يُبدَّع منكره؟
الدليل الثالث: حديث «لا يدركه الهرم حتى تقوم عليكم ساعتكم»
روى مسلم (كتاب الفتن) عن أنس أن رجلاً سأل النبيّ ﷺ عن الساعة، فنظر إلى غلامٍ فقال ما معناه: إن يعش هذا فلن يدركه الهرم حتى تقوم عليكم ساعتكم.
ووجه دلالته على المذهب: أن الحديث لو حُمل على ظاهره — قيام الساعة الكبرى في عمر ذلك الغلام — لم يتحقّق. ولذلك اضطرّ العلماء إلى تأويله بأن المراد ساعة المخاطبين، أي موتهم وانقراض جيلهم — وهو عين التأويل الذي لجأوا إليه في حديث «رأس المائة سنة».
والنتيجة: أن أوثق كتب الحديث تضمّ نصوصاً عن الساعة احتاجت إلى تأويلٍ يخرجها عن ظاهرها لأن ظاهرها لم يتحقّق. فإذا كان هذا حال النصوص الصحيحة، فكيف يُبنى على مجموعها جدولٌ قاطع للمستقبل؟
الباب الرابع: أسئلةٌ إلى القائلين بعلامات الساعة
تمهيد
يجمع هذا الباب مواضع الإشكال في صورة أسئلةٍ مباشرة، لأن السؤال المحدَّد يكشف موضع الضعف أوضح ممّا يكشفه الاستدلال المطوَّل.
شروط الجواب المقبول
- أن يكون من القرآن إذا كان النزاع في دلالة القرآن.
- ألّا يكون الجواب هو المسألة نفسها: فلا يصحّ الجواب عن إشكالٍ في أحاديث الأشراط بأحاديث الأشراط.
- ألّا يُفزع إلى «الغيب» لإسقاط السؤال: فمن وصف التفاصيل — أعداداً وترتيباً وأسماءً وأوصافاً — لزمه الجواب عنها.
- أن تكون الأجوبة متّسقة: فلا يصحّ أن تُفيد الأشراط القربَ في جواب، ولا تُفيده في جوابٍ آخر.
المجموعة الأولى: أسئلة الحصر والبغتة
السؤال الأول
قال تعالى ﴿لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً﴾ (الأعراف ١٨٧) بأداة حصر. فإذا تحقّقت تسع علاماتٍ من عشر، ولم يبق إلا الأخيرة، فبأيّ معنى تكون الساعة حينئذٍ بغتةً؟
وجه الإشكال: إمّا أن يكون الحصر معطّلاً، وإمّا أن تكون العلامات لا تفيد ترقّباً — فإن كانت لا تفيده، فما وظيفتها؟
السؤال الثاني
نفى الله عن النبيّ ﷺ العلم بـالقرب لا بالتوقيت وحده: ﴿قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ مَّا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَدًا﴾ (الجن ٢٥)، ﴿وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَم بَعِيدٌ مَّا تُوعَدُونَ﴾ (الأنبياء ١٠٩). فكيف يُعطي مَن لا يدري أقريبٌ الموعد أم بعيد قائمةً بعلاماتٍ وظيفتُها الدلالة على القرب؟
السؤال الثالث
قال تعالى ﴿قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ ۚ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ (النمل ٦٥). فالنفي عامٌّ لأهل السماوات والأرض، حتى نفى عنهم مجرّد الشعور. فكيف يُستثنى من هذا العموم علمٌ بمقدّماتٍ مرتّبة؟
السؤال الرابع
في حديث جبريل بالصحيحين: «ما المسؤول عنها بأعلم من السائل». فإذا كان النبيّ ﷺ ليس بأعلم من جبريل بها، وجبريل لا يعلمها، فمن أين جاءت التفاصيل التي تملأ كتب الملاحم؟
السؤال الخامس
قال تعالى في وصف اللحظة: ﴿مَا يَنظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَا إِلَىٰ أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ﴾ (يس ٤٩–٥٠). كيف يكون الناس في خصامٍ يوميّ على أمور دنياهم، في عالمٍ خرج فيه الدجّال فملك الأرض، وخرجت دابّةٌ تكلّم الناس، وطلعت الشمس من مغربها؟
وجه الإشكال: الآية تصوّر حياةً عاديةً تماماً في لحظة الصيحة. وهذا يستحيل في عالمٍ مرّت به الأشراط الكبرى.
السؤال السادس
قال تعالى ﴿إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَىٰ﴾ (طه ١٥). فإذا كانت حكمة الإخفاء هي صحّة الجزاء، فما حكمة جدولٍ من العلامات يتيح للناس ضبط توبتهم على مواقيته؟
السؤال السابع
قرن القرآن بين نفي العلم وحصر الوظيفة في أربعة مواضع: ﴿فِيمَ أَنتَ مِن ذِكْرَاهَا… إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرُ﴾، ﴿إِنَّمَا الْعِلْمُ عِندَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾. فهل وظيفة الرسول الإنذارُ أم التنبّؤ؟ وإن كانت الإنذار، فلماذا نُسب إليه جدولُ أحداثٍ مستقبلية؟
المجموعة الثانية: أسئلة الرواية والتاريخ
السؤال الثامن
روى البخاري ومسلم عن ابن عمر قول النبيّ ﷺ: «أرأيتكم ليلتكم هذه؟ فإن على رأس مائة سنة منها لا يبقى ممن هو على ظهر الأرض أحد»، وفي الرواية نفسها «فوَهِلَ الناس» — أي أن الصحابة الحاضرين فهموا قيام الساعة فأخطأوا. فإذا أخطأ من سمع النبيّ ﷺ بأذنه في مجلسه، فما حال من جاء بعدهم بقرون يبني جدولاً كاملاً على إشاراتٍ منقولة؟
السؤال التاسع
روى مسلم أن النبيّ ﷺ قال عن غلام: إن يعش فلن يدركه الهرم حتى تقوم عليكم ساعتكم. وقد مضى أربعة عشر قرناً. فإن قلتم: المراد ساعة المخاطبين أي موتهم — فقد أوّلتم نصّاً صحيحاً لأن ظاهره لم يتحقّق. فكيف تمنعون تأويل باقي نصوص الباب بالمنهج نفسه؟
السؤال العاشر
الأحاديث التي تنصّ على «المهديّ» بلفظه ليست في صحيح البخاري ولا صحيح مسلم، وإنما في أبي داود والترمذي وابن ماجه. فكيف صار ما لم يُخرجه الشيخان أصلاً عقدياً يُبدَّع منكره، ومصنّفو الصحيحين كانوا في عصرٍ الباب فيه مشتهر؟
السؤال الحادي عشر
نقد ابن خلدون أسانيد أحاديث المهديّ حديثاً حديثاً في المقدّمة، وأورد ابن الجوزي في الموضوعات أحاديث في الفتن والملاحم قضى بوضعها، وأكثرُ تفاصيل الباب مصدرها كتاب «الفتن» لنعيم بن حمّاد وهو متكلَّمٌ فيه. فإذا كان الباب ساحةً معروفة للوضع والنقد، فبأيّ ميزانٍ يُفرَز صحيحه من موضوعه، وقد اختلف النقّاد أنفسهم فيه؟
السؤال الثاني عشر
ألّف السيوطي رسالة «الكشف عن مجاوزة هذه الأمّة الألف» فقدّر عمر الأمّة بما لا يجاوز الألف كثيراً، ومضى على ذلك خمسة قرون. فإذا أخطأ السيوطي — بسعة روايته — في الاستدلال بالآثار على عمر الدنيا، فما الذي يعصم غيره من الخطأ نفسه بالمنهج نفسه؟
السؤال الثالث عشر
تكرّرت في التاريخ الإسلاميّ دعاوى المهدية وترقّب الساعة في كلّ قرن تقريباً، وهو ما رصده ابن خلدون في فصله. فهل يُعدّ هذا الفشل المتكرّر في التوقّع دليلاً على خطأ الروايات، أم على خطأ فهمها؟ وإن كان على خطأ الفهم، فمن يضمن أن الفهم السائد اليوم ليس خطأً مثلها؟
المجموعة الثالثة: أسئلة الاتّساق الداخليّ
السؤال الرابع عشر
﴿فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ (محمد ١٨) بصيغة الماضي، وحديث «بعثت أنا والساعة كهاتين» في الصحيحين، و﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾ (القمر ١) بصيغة الماضي كذلك. فإن كانت الأشراط قد جاءت في زمن النزول، فما معنى انتظار أشراطٍ لم تجئ بعد؟ وإن كانت لم تجئ، فما معنى صيغة الماضي؟
السؤال الخامس عشر
الآية التي فيها لفظ «الأشراط» هي نفسها التي فيها لفظ «بغتة»: ﴿أَن تَأْتِيَهُم بَغْتَةً ۖ فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾. فكيف تجتمع البغتة والأشراط في جملةٍ واحدة إن كانت الأشراط تفيد الترقّب؟
السؤال السادس عشر
قال تعالى ﴿مَا يَنظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ (يس ٤٩). فالمنتظَر واحد. فكيف يصير المنتظَر عشرةً أو عشرين حدثاً مرتّباً؟
السؤال السابع عشر
تقولون إن الدابّة في النمل ٨٢ من العلامات. فما معنى قوله في الآية نفسها ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾، وما معنى أن الآية التالية مباشرةً تصف الحشر ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا﴾؟
السؤال الثامن عشر
تقولون إن الدخان في الدخان ١٠ من الأشراط الكبرى. فما معنى ﴿إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ﴾ (الدخان ١٥)؟ وهل تُكشف أشراط الساعة ويعود الناس بعدها إلى حالهم؟
السؤال التاسع عشر
تقولون إن يأجوج ومأجوج من الأشراط. فما معنى التتابع الفوريّ في الآية: ﴿حَتَّىٰ إِذَا فُتِحَتْ… وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾؟ وأين المهلة التي تجعلها علامةً يُستعدّ لها؟
السؤال العشرون
تعيين ﴿بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ (الأنعام ١٥٨) بطلوع الشمس من مغربها مصدره روايةٌ لا نصّ. فما دليلكم من القرآن على هذا التعيين؟ ثم إن الآية تقرّر أن الإيمان لا ينفع بعدها — فأيّ استعدادٍ تُفيده علامةٌ يُغلق معها باب الإيمان؟
السؤال الحادي والعشرون
استثناء ﴿إِلَّا مَنِ ارْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ﴾ في الجن ٢٧، وقبله بآيتين ﴿قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ مَّا تُوعَدُونَ﴾ في الجن ٢٥ — في سورةٍ واحدة وسياقٍ متّصل. فكيف يُفهم الاستثناء على وجهٍ ينقض ما قبله بآيتين؟
المجموعة الرابعة: أسئلة الحكمة والأثر
السؤال الثاني والعشرون
ما الفائدة العمليّة للعلامات إذا لم تُفِد قرباً معلوماً؟ فإن أفادت القرب فقد نقضت البغتة ونقضت ﴿إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ﴾؛ وإن لم تُفِده فقد صارت أخباراً لا وظيفة لها. فأيّ الطرفين تختارون؟
السؤال الثالث والعشرون
هل أفاد المسلمين عملياً انتظارُ العلامات؟ أو هل صرفهم عن الاستعداد الحاضر إلى ترقّب أحداثٍ قادمة، وعن إصلاح واقعهم إلى تأويل الوقائع على الروايات؟ والقرآن يقول: ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ﴾ (النجم ٣٩).
السؤال الرابع والعشرون
تُؤوَّل العلامات في كلّ عصرٍ على أحداثه، فيُقال هذا هو الدجّال وهذه هي الرايات وهذه هي الملحمة. فإذا كان النصّ الواحد يُحمَل في كلّ قرنٍ على وقائع مختلفة، فأيّ قيمة استدلاليّة تبقى له؟ وهل هذا إلا دليلٌ على أن النصوص لا تحمل الجدول المزعوم؟
المجموعة الخامسة: أسئلة الصميم — ما لا يُجاب عنه إلا بهدم الجدول
هذه المجموعة هي أشدّ ما في الباب، لأن كلّ سؤالٍ فيها يضع المخالف بين طرفين كلاهما ينقض قوله، لا بين سؤالٍ وجواب.
السؤال الخامس والعشرون: أين الأسماء في القرآن؟
سمّى القرآن تفاصيل الآخرة بأسمائها: جهنّم وسَقَر ولَظَىٰ والحُطَمة والسَّعير، وشجرة الزقّوم والضريع والغِسلين والحميم، والصُّور والموازين والصحف والسجّين وعليّين، ومالك خازن النار ورضوان… وعدّد ﴿وَمَا أَدْرَاكَ﴾ مرّاتٍ في تفاصيلها.
فلماذا لم يَرِد في القرآن كلّه — ولا مرّة واحدة — لفظ «الدجّال»، ولا لفظ «المهديّ»، ولا لفظ «نزول عيسى»؟
وجه الإشكال: لا يستقيم أن يُفصّل القرآن ما يقع بعد القيامة تفصيلاً بالأسماء، ويسكت سكوتاً تامّاً عن أعظم أحداث يقع قبلها — وهي التي يُبنى عليها باب الأشراط كلّه. والسكوت هنا ليس إجمالاً يحتاج بياناً، بل غيابٌ تامّ للاسم والمسمّى.
السؤال السادس والعشرون: كيف تبقى البغتة بعد نزول المسيح؟
تقولون إن نزول عيسى من الأشراط الكبرى، وإنه ينزل فيمكث ويحكم ويموت ويُدفن.
فإذا نزل المسيح ورآه الناس، هل يبقى على وجه الأرض عاقلٌ واحد لا يوقن بأن الساعة قد أظلّت؟
وجه الإشكال: هذا يضعكم بين اثنتين:
- إن قلتم: يبقون في غفلة — كابرتم المحسوس، وأبطلتم فائدة العلامة التي أثبتّموها.
- إن قلتم: يوقنون بالقرب — فقد أسقطتم ﴿لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً﴾ (الأعراف ١٨٧)، وأسقطتم ﴿إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ مَّا تُوعَدُونَ﴾ (الجن ٢٥) في حقّ من هو أعلم الخلق.
ولا ثالث لهما.
السؤال السابع والعشرون: كم موتةً يموت المسيح؟
تقولون إن عيسى يَنزل ثم يموت. وقد قال عن نفسه ﴿فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾ (المائدة ١١٧) بصيغة الماضي، وقال ﴿وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾ (مريم ٣٣) بثلاث مراحل لا رابع لها.
فكم موتةً يموتها على قولكم؟ وأين الموتة الزائدة من قوله تعالى ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَىٰ﴾ (الدخان ٥٦)، ومن إقرار أهل النار ﴿أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ (غافر ١١)؟
السؤال الثامن والعشرون: رسولٌ بعد الخاتم، أم تابعٌ يُصلّي خلف غيره؟
قال تعالى ﴿مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَٰكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ (الأحزاب ٤٠).
فالمسيح النازل — أنبيٌّ هو أم لا؟
- إن قلتم: نبيّ — فقد وُجد نبيٌّ مرسَلٌ عاملٌ بعد الخاتم، ونبوّته لا تُسلَب منه، فما معنى الختم؟
- إن قلتم: ليس نبيّاً بل تابع — فقد أثبتّم أن الله يسلب النبوّة بعد إعطائها، وهذا ما لا نصّ عليه في القرآن.
السؤال التاسع والعشرون: ما الذي لم يقع بعد من الأشراط الصغرى؟
الأشراط الصغرى في كتب الباب أوصافٌ من جنس: فشوّ الزنا والربا والقتل، وكثرة الشُّرَط، وتطاول الرعاة في البنيان، وائتمان الخائن، وتضييع الأمانة، وكثرة النساء وقلّة الرجال، ورفع العلم.
سمِّ واحدةً من هذه لم تقع في أيّ عصرٍ من عصور الإسلام.
وجه الإشكال: ما تحقّق في كلّ عصرٍ لا يدلّ على عصرٍ بعينه. فإن كانت هذه أشراطاً تُنبّه على القرب، فقد نبّهت منذ أربعة عشر قرناً ولم تُصِب. وإن لم تكن تُنبّه على القرب، فبأيّ معنى تُسمّى أشراطاً؟
السؤال الثلاثون: هل يُخصِّم الناسُ في عهد الدجّال؟
قال تعالى ﴿مَا يَنظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَا إِلَىٰ أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ﴾ (يس ٤٩–٥٠).
وتقولون إن الدجّال يملك الأرض ويُمطر السماء ويُحيي الموتى، وإن يأجوج ومأجوج ينسلون من كلّ حدب، وإن الشمس تطلع من مغربها.
ففي أيّ يومٍ من أيّام هذا العالم يكون الناس منشغلين بخصومةٍ في بيعٍ وشراء، غافلين حتى لا يُمهَلوا وصيّةً؟
السؤال الحادي والثلاثون: هل الدعوى قابلةٌ للتكذيب أصلاً؟
تُؤوَّل العلامات في كلّ قرنٍ على وقائعه: فقيل الدجّال فلان، وقيل الملحمة الحرب الفلانية، وقيل الرايات السود كذا، وقيل هذه الدابّة وهذا الدخان.
فسمِّ لنا حدثاً واحداً — لو وقع أو لم يقع — يكون تكذيباً لهذا الجدول.
وجه الإشكال: الدعوى التي لا يمكن تكذيبها بأيّ واقعة ليست دعوى عن العالم، بل قالبٌ يُملأ بما يشاء صاحبه. وقد أُوّل النصّ الواحد في كلّ قرنٍ على أحداثٍ مختلفة متناقضة — فأيّ قيمةٍ استدلالية تبقى له؟
السؤال الثاني والثلاثون: معيارٌ سابقٌ أم قراءةٌ لاحقة؟
هل تَحقَّقَ في التاريخ كلّه أن أحداً أخبر بعلامةٍ قبل وقوعها بمعيارٍ منضبط، ثم وقعت كما وصف؟ أم أن الذي يقع دائماً هو العكس: يقع الحدث أوّلاً، ثم يُبحَث له عن روايةٍ تُطابقه؟
وجه الإشكال: الأوّل استدلال، والثاني تأويلٌ بأثر رجعيّ. والثاني لا يُثبت شيئاً، لأنه يمكن فعله بأيّ نصٍّ وأيّ حدث.
السؤال الثالث والثلاثون: أين سلفكم في الجدول نفسه؟
«الأشراط الصغرى والكبرى»، و«العلامات العشر»، وترتيبها المعروف — أين هذا التقسيم والترتيب في القرآن؟ وأين هو في حديث جبريل الذي هو أصل الباب؟
وجه الإشكال: حديث جبريل ليس فيه عددٌ ولا ترتيبٌ ولا تقسيم؛ فيه نفيُ العلم بالساعة، ثم ذكرُ وصفين اجتماعيّين. فالجدول صناعةُ مصنّفين متأخّرين جمعوا رواياتٍ متفرّقة ورتّبوها اجتهاداً — فإن كان الترتيب اجتهاداً، فكيف يُلزَم به المسلم عقيدةً؟
تنبيهٌ لازم على هذه المجموعة
الأمانة تقتضي أن يُقال: ليست هذه الأسئلة كلّها في درجةٍ واحدة، وللمثبتين عن بعضها أجوبةٌ معتبَرة.
- عن السؤال الخامس والعشرين يجيبون بأن القرآن كثيراً ما يُجمِل والسنّة تُفصِّل، وأن سكوته عن الاسم لا يعني نفي المسمّى. وهو جوابٌ منهجيّ صحيح عند من يجعل السنّة مصدراً مستقلّاً في العقائد — والخلاف معه في الأصل لا في الفرع.
- عن السؤال الثامن والعشرين يجيبون بأن عيسى ينزل حاكماً بشريعة محمد ﷺ لا نبيّاً بشرعٍ جديد، فلا ينتقض الختم. وهو جوابٌ له وجه.
- عن السؤال التاسع والعشرين يجيبون بأن الأشراط الصغرى تتفاوت شدّةً، وأن المراد استحكامها لا أصل وقوعها.
وأقوى هذه الأسئلة وأعصاها على الجواب ثلاثة: السادس والعشرون (استحالة بقاء البغتة بعد النزول)، والثلاثون (مشهد ﴿يَخِصِّمُونَ﴾)، والحادي والثلاثون (تعذّر التكذيب). فهذه الثلاثة لا تُدفَع إلا بالتنازل عن أحد طرفي الدعوى: إمّا عن حصر البغتة، وإمّا عن كون العلامات تُفيد ترقّباً.
ومن كتب في هذا الباب فليُورد أجوبة المخالف كما هي، ثم ينقدها — فإن عرض الخصم في أضعف صوره يُسقط البحث لا الخصم.
خلاصة الباب
| المستوى | موضع الضعف |
|---|---|
| النصّ | حصر علم الساعة بالله في ستّة مواضع، ونفيه عن النبيّ في سبعة، وحصر البغتة في ثمانية — دون آيةٍ واحدة تذكر علامةً معيَّنة بالاسم |
| المنطق | البغتة والترقّب لا يجتمعان؛ ونفي العلم بالقرب ينفي جدوى العلامة من أصلها |
| الرواية | نفيٌ نبويّ صريح للعلم بها في الصحيحين، وخطأُ الصحابة الموثَّق في الفهم، وغيابُ أخبار المهديّ عن الصحيحين، ونقدُ ابن خلدون، وإشكالُ مصادر الباب |
| التاريخ | فشلٌ متكرّر في التوقّع من السيوطي وغيره، وتأويلٌ متجدّد للنصوص في كلّ عصر على وقائعه |
| الاتّساق | نزولٌ يُبطل البغتة، وموتةٌ زائدة للمسيح، ونبوّةٌ عاملة بعد الخاتم، وجدولٌ لا يقبل التكذيب |
وقد أجاب المثبتون عن بعض هذه الأسئلة منفردة — كتأويل ابن حجر وابن رجب لحديث المائة سنة، وتقرير الشوكاني والكتّاني للتواتر، وردّ أحمد شاكر على ابن خلدون، وجوابهم بأن عيسى ينزل حاكماً بشريعة محمد ﷺ لا نبيّاً بشرعٍ جديد. غير أن قوّة الأسئلة في اجتماعها: فالجواب الذي يدفع سؤالاً منها كثيراً ما يُوقع في سؤالٍ آخر.
الباب الخامس: مناقشة نقدية وتحرير مواضع النزاع
أولاً: ما يثبت بقوّة
| الحجّة | موضع قوّتها |
|---|---|
| حصر علم الساعة بالله | ستّة مواضع بخمس صيغ حصر مختلفة، أربعةٌ منها بصيغة ﴿قُلْ﴾ |
| نفي العلم بالقرب عن النبيّ ﷺ | ﴿إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ﴾ و﴿أَقَرِيبٌ أَم بَعِيدٌ﴾ — وهو أقوى ما في الباب، لأنه ينفي بعينه ما تُفيده العلامة |
| حصر البغتة | ثمانية مواضع، مع ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ و﴿فَتَبْهَتُهُمْ﴾ |
| مشهد يس ٤٩–٥٠ | ﴿وَهُمْ يَخِصِّمُونَ﴾ تصويرٌ لحياةٍ عادية لا تجتمع مع عالمٍ مرّت به الأشراط الكبرى |
| حديث جبريل | «ما المسؤول عنها بأعلم من السائل» في الصحيحين |
| حديث المائة سنة | «فوهل الناس» — خطأُ فهمٍ موثَّق في الصحيح نفسه |
| غياب التعيين القرآنيّ | لم يذكر القرآن علامةً واحدة معيَّنة بالاسم مقترنةً بالساعة |
ثانياً: ما يبقى محلّ إشكال على هذا المذهب
١. حديث جبريل يبقى أقوى دليلٍ للمثبتين. فإيراد «الأشراط» فيه بعد نفي العلم — في أصحّ الكتب ومن حديث صحابيَّين — إثباتٌ لأصل المفهوم. والجواب بأن المذكور أوصافٌ اجتماعية لا أحداثٌ مؤرَّخة يُضعف الاستدلال على الجدول، لكنه لا يُسقط وجود «أشراط» في الجملة. والمنصف يقرّ بأن لفظ «الأشراط» قرآنيٌّ ونبويٌّ، وأن النزاع في معناه ووظيفته لا في ثبوت اللفظ.
٢. محمد ١٨ نصٌّ في اللفظ. وتفسير الأشراط بالبعثة وجهٌ له سلفٌ في التراث، لكنه ليس الوجه الوحيد عند المفسّرين، وأكثرهم حملها على علاماتٍ مستقبلية. فالاستدلال هنا ترجيحٌ لا قطع.
٢ (تابع). ما لا تحتمله محمد ١٨. الآية تقول ﴿قَدْ جَاءَ﴾ ولا تقول «وانقطعت». فدعوى أن الأشراط كلّها وقعت في زمن النبيّ ﷺ لا تقوم بهذه الآية وحدها؛ إذ يصحّ لغةً أن يكون منها ما جاء وما لم يجئ، وهو ما يقرّره الجمهور. والإغلاق إنما يأتي من حصر البغتة (الأعراف ١٨٧) ونفي العلم بالقرب (الجن ٢٥). ومن نسب دعوى «كلّها» إلى هذه الآية فقد حمّلها فوق طاقتها.
٢ (تابع ٢). ركيزة عيسى هي أضعف ركائز التحرير. إذ ليس في التراث — فيما وُقف عليه — سلفٌ صريح يقول إن بعثة عيسى من أشراط الساعة، بخلاف بعثة النبيّ ﷺ. فتُورَد استنباطاً، ويُبنى الاستدلال على الوجه الذي لا يتوقّف على مرجع الضمير: ثبوتُ الوصف في جملةٍ اسمية ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ﴾ لا استقبالُه.
٣. النفي التامّ لباب الأشراط لا سلفَ له صريحاً في التراث. وهذا أهمّ ما يجب الإقرار به: فلم يُعثر على عالمٍ من علماء التراث نفى باب أشراط الساعة نفياً تامّاً. وأقصى ما في التراث:
- نقدٌ لأسانيد طائفةٍ منها (ابن خلدون في المهديّ، ابن الجوزي في الموضوعات).
- تأويلٌ لبعض نصوصها (ابن حجر وابن رجب في حديث المائة سنة، وتأويل حديث الغلام).
- تضييقٌ وردٌّ لتفاصيل (رشيد رضا، شلتوت في النزول).
فالحجّة التراثية في هذا الباب حجّةُ وجودِ نقدٍ واختلافٍ في الثبوت والفهم، لا حجّةُ سلفٍ في النفي التامّ. ومن عرضها على غير ذلك فقد جاوز ما تحمله المصادر.
٤. موقف ابن خلدون مردودٌ عليه من المحدّثين. وقد سبق نقل ردّ أحمد شاكر والكتّاني وغيرهما، وأن فنّه التاريخ لا الرجال. فلا يصحّ الاستشهاد به دون ذكر الردود.
٥. دعوى التواتر معتبرة عند جمهور المحدّثين. وقد قرّرها الشوكاني والكتّاني والسفاريني. والجواب بأن التواتر يثبت القدر المشترك لا التفاصيل جوابٌ منهجيّ معتبَر، لكن المخالف يرى أن القدر المشترك نفسه هو ثبوت الأشراط في الجملة.
٦. الخلاف في الأصل المنهجيّ. الدراسة قائمةٌ على تقديم ظاهر القرآن على الروايات عند التعارض، وعدم الاحتجاج بالآحاد في العقائد. والجمهور يرى أن السنّة مبيّنةٌ للقرآن لا معارضةٌ له، وأنه لا تعارض أصلاً: فالبغتة في التوقيت والأشراط في التمهيد، ويجتمعان كما يجتمع عِلمُ المرء بأن الشتاء آتٍ مع جهله بيوم أوّل مطرةٍ فيه. وهذا أقوى ما يُجاب به على البرهان المنطقيّ، ويستحقّ أن يُذكر بتمامه.
وجوابه من جهة هذا المذهب: أن التمثيل بالشتاء يفترض ما يُنكره النصّ — أي وجود مقدّمات معلومة. والقرآن نفى العلم بالقرب نفسه (الجن ٢٥، الأنبياء ١٠٩)، فلم يُبقِ للتمهيد موضعاً.
ثالثاً: ترتيب المواقف في المسألة
| الموقف | أبرز القائلين |
|---|---|
| النفي التامّ — لا أشراط ولا علامات، والساعة بغتةٌ محضة | تيّار الاكتفاء بالقرآن المعاصر |
| حمل الأشراط على البعثة والمرحلة — لا على أحداثٍ مستقبلية | وجهٌ منقول عن بعض السلف في الطبري عند محمد ١٨، ويشهد له حديث «بعثت أنا والساعة كهاتين» |
| نقد الأسانيد وردّ التفاصيل مع إبقاء الأصل | ابن خلدون (في المهديّ)، ابن الجوزي (في الموضوعات)، رشيد رضا، محمد الغزالي، شلتوت (في النزول) |
| الإثبات مع دعوى التواتر | جمهور أهل السنّة، ومنهم الشوكاني والكتّاني والسفاريني وابن كثير، وجمهور الشيعة في أصل الباب |
رابعاً: ترتيب المسائل بحسب قوّة الحجّة
أقوى موضعٍ في هذه الدراسة هو نفي العلم بالقرب عن النبيّ ﷺ ﴿إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ مَّا تُوعَدُونَ﴾، لأنه ينفي بعينه الوظيفة التي من أجلها وُضعت العلامة. ويليه حصرُ البغتة، ثم مشهدُ يس ٤٩–٥٠.
وأضعف موضعٍ فيها هو الاستدلال على نفي لفظ «الأشراط» من أصله، لأن اللفظ قرآنيٌّ في محمد ١٨ ونبويٌّ في حديث جبريل. والأدقّ في التحرير أن يقال: لا نزاع في ثبوت لفظ «الأشراط»، والنزاع في أن يكون معناها جدولاً من الأحداث المعيَّنة المرتّبة يُستدلّ به على القرب — وهذا هو الذي لم يثبت بالقرآن، وينقضه حصرُ البغتة ونفيُ العلم بالقرب.
الخاتمة والنتائج
أولاً: حصر القرآن علم الساعة بالله وحده في ستّة مواضع، بخمس صيغ حصرٍ مختلفة، أربعةٌ منها بصيغة الأمر ﴿قُلْ﴾ — أي تعليمٌ للنبيّ ﷺ بما يجيب به.
ثانياً: نفى القرآن عن النبيّ ﷺ العلم بها في سبعة مواضع، والمنفيّ فيها ليس التوقيت وحده بل العلم بالقرب والبعد: ﴿إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ﴾، ﴿أَقَرِيبٌ أَم بَعِيدٌ﴾. وحصر وظيفته في الإنذار في أربعة مواضع مقترنةً بنفي العلم.
ثالثاً: حصر القرآن كيفيّة إتيانها في البغتة بأداة الاستثناء، وكرّره في ثمانية مواضع، وأضاف إليه ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ و﴿فَتَبْهَتُهُمْ﴾.
رابعاً: البغتة والترقّب لا يجتمعان، إذ العلامة المعلومة تُلغي المفاجأة بمجرّد تنبيهها على القرب — وهو القرب الذي نُفي العلم به عن النبيّ نفسه.
خامساً: صوّر القرآن لحظة القيام في مشهدٍ يستحيل مع مرور الأشراط الكبرى: ناسٌ ﴿يَخِصِّمُونَ﴾ في أمور دنياهم، لا يمهلهم الحدث وصيّةً ولا رجوعاً إلى الأهل.
سادساً: جعل القرآن الإخفاء مقصداً إلهياً شرطاً في صحّة الجزاء (طه ١٥)، والجدول المعلوم ينقض هذا المقصد.
سابعاً: أعلن القرآن الاقتراب في زمن النزول بصيغة الماضي، وهو معنى ﴿فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾، ويشهد له حديث «بعثت أنا والساعة كهاتين» في الصحيحين، وما نقله الطبري عن بعض السلف من أن البعثة من الأشراط.
ثامناً: في التراث شواهد تنقض بناء الروايات: نفيُ النبيّ ﷺ العلمَ بها في حديث جبريل بالصحيحين، وخطأُ الصحابة الموثَّق بلفظ «فوهل الناس» في حديث المائة سنة، وتأويلُ العلماء لنصوصٍ صحيحة لم يتحقّق ظاهرها، وغيابُ أخبار المهديّ عن الصحيحين، ونقدُ ابن خلدون لأسانيدها، وأحاديثُ الملاحم في موضوعات ابن الجوزي، والكلامُ في نعيم بن حمّاد مصدرِ أكثر التفاصيل، وفشلُ تقدير السيوطي لعمر الأمّة.
تاسعاً: الإنصاف أن يُقال: لفظ «الأشراط» ثابتٌ قرآناً وسنّةً، والنزاع في معناه ووظيفته. فمن حمله على «دخول المرحلة الأخيرة بختم الرسالة» استقام له القرآن كلّه؛ ومن حمله على جدولٍ من الأحداث المرتّبة، لزمه الجواب عن حصر البغتة ونفي العلم بالقرب.
تاسعاً (تتمّة) — تحرير معنى الأشراط: أرجحُ ما تحتمله ﴿فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ أن الأشراط ما به تمّت الحجّة لا ما به يُعرف الموعد، بدليل ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (الإسراء ١٥) و﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ (النساء ١٦٥). وركائزها ثلاث مرتّبةٌ بقوّتها: بعثة الخاتم وختم الوحي، ثم انشقاق القمر مقروناً بالاقتراب (القمر ١)، ثم ثبوت وصف «العَلَم للساعة» في جملةٍ اسمية (الزخرف ٦١) — وهي أضعفها لتنازع مرجع الضمير، فتُبنى على الوجه الذي لا يتوقّف عليه. على أن الآية تُثبت مجيء الأشراط ولا تُثبت انقطاعها؛ فدعوى أنه لا شرط بعدها مصدرها حصرُ البغتة ونفيُ العلم بالقرب، لا هذه الآية وحدها.
عاشراً: والنفي التامّ لباب الأشراط لا سلفَ له صريحاً في التراث، وإنما فيه نقدُ أسانيد وتأويلُ متونٍ وردُّ تفاصيل. فالمسألة اجتهاديةٌ يتوقّف الحكم فيها على منهج الجمع بين القرآن والروايات؛ ومن قدّم ظاهر القرآن انتهى إلى أن الساعة بغتةٌ محضة، وأن وظيفة النبيّ ﷺ كانت الإنذار لا التوقيت. وهو خلافٌ معتبَرٌ في مسألةٍ غيبية، لا أصلٌ يُكفَّر مخالفه.
المراجع
ملاحظة على التوثيق
١. المرجع الأول والحاكم هو القرآن الكريم، ووُثّقت كلّ آية بسورتها ورقمها.
٢. وُثّقت كتب الحديث بالكتاب والباب، وكتب التفسير بموضع الآية، لا بأرقام الصفحات والأحاديث؛ لتفاوت الطبعات والترقيمات، ولأن هذه الطريقة تصلح مع أيّ طبعةٍ أو نسخةٍ رقمية.
٣. أُورد كلّ مرجعٍ بما قاله فعلاً، وبحدود قوله. فابن خلدون نقد أسانيد أحاديث المهديّ ولم ينفِ الأشراط كلّها؛ ورشيد رضا ضيّق الباب وردّ تفاصيله ولم ينفِه تماماً؛ وشلتوت خصّ النزول بالنفي. ومن نُقلت عنه الردود على هؤلاء نُقلت ردوده معها.
٤. الروايات المذكورة أُوردت بالمعنى لا بألفاظها الحرفية، إحالةً إلى مواضعها في المصادر ليرجع إليها القارئ فيها.
أولاً: القرآن الكريم — فهرس الآيات
| السورة | الآيات |
|---|---|
| النساء | ١٦٥ |
| المائدة | ١١٧ |
| الأنعام | ٣١، ٥٠، ٥٩، ١٥٨ |
| الأعراف | ١٨٧، ١٨٨ |
| يونس | ٩٠، ٩١ |
| يوسف | ١٠٧ |
| النحل | ١، ٧٧ |
| الإسراء | ١٥ |
| مريم | ٢١، ٣٣ |
| طه | ١٥ |
| الأنبياء | ١، ٤٠، ٩٦، ١٠٨، ١٠٩ |
| الحج | ٤٧ |
| الشعراء | ٢٠٢ |
| النمل | ٦٥، ٨٢، ٨٣، ٨٧ |
| لقمان | ٣٤ |
| الأحزاب | ٤٠، ٦٣ |
| يس | ٤٩، ٥٠ |
| الزمر | ٥٥ |
| غافر | ١١، ٨٤، ٨٥ |
| الشورى | ١٧ |
| الزخرف | ٤٤، ٥٩، ٦١، ٦٦ |
| الدخان | ١٠، ١٥، ١٦، ٥٦ |
| الأحقاف | ٩ |
| محمد | ١٨ |
| النجم | ٣٩، ٥٧ |
| القمر | ١، ٥٠ |
| الملك | ٢٥، ٢٦ |
| الجن | ٢٥، ٢٦، ٢٧ |
| النازعات | ٤٢–٤٥ |
ثانياً: كتب الحديث وشروحه
| المرجع | الموضع | وجه الاستشهاد |
|---|---|---|
| صحيح البخاري | كتاب الإيمان | حديث جبريل: «ما المسؤول عنها بأعلم من السائل» |
| صحيح مسلم | كتاب الإيمان، باب معرفة الإيمان والإسلام | حديث جبريل من حديث عمر، وفيه النفي ثم ذكر الأشراط |
| صحيح البخاري | كتاب مواقيت الصلاة؛ وكتاب العلم | حديث «أرأيتكم ليلتكم هذه…» وفيه «فوَهِلَ الناس» وتصحيح ابن عمر |
| صحيح مسلم | كتاب فضائل الصحابة | الرواية الموازية لحديث المائة سنة |
| صحيح البخاري | كتاب الرقاق | «بعثت أنا والساعة كهاتين» |
| صحيح مسلم | كتاب الفتن وأشراط الساعة | «بعثت أنا والساعة كهاتين»؛ وحديث الغلام: «لا يدركه الهرم حتى تقوم عليكم ساعتكم» |
| سنن أبي داود | كتاب المهدي | مخرج أحاديث المهديّ — وهي ليست في الصحيحين |
| سنن الترمذي؛ سنن ابن ماجه؛ مسند أحمد | أبواب الفتن والمهديّ | مخرج باقي أخبار المهديّ |
| ابن حجر العسقلاني، فتح الباري | كتاب العلم، شرح حديث المائة سنة | نقل تأويل السهيلي وابن العربي، وبيان أن آخر من مات من الصحابة أبو الطفيل |
| ابن رجب الحنبلي، فتح الباري | شرح الحديث نفسه | تقرير أن المراد انخرام القرن لا قيام الساعة |
| نُعيم بن حمّاد المروزي، الفتن | — | أوسع مصدرٍ قديم لأخبار الملاحم — ومؤلّفه متكلَّمٌ فيه |
| الذهبي، ميزان الاعتدال؛ ابن حجر، تهذيب التهذيب | ترجمة نعيم بن حمّاد | أقوال أهل الجرح والتعديل فيه |
| ابن الجوزي، الموضوعات | أبواب الفتن والملاحم | أحاديث في الباب قضى بوضعها |
ثالثاً: كتب التفسير
| المرجع | الموضع | وجه الاستشهاد |
|---|---|---|
| الطبري، جامع البيان عن تأويل آي القرآن | محمد ١٨ | نقل أقوال السلف في «أشراطها»، ومنها أن بعثة النبيّ ﷺ منها |
| الطبري، جامع البيان | الأنعام ١٥٨؛ النمل ٨٢؛ الدخان ١٠ | عرض الخلاف في تعيين «بعض آيات ربك» وفي الدابّة والدخان |
| الشوكاني، فتح القدير | الزخرف ٦١ | نقل القول بإرجاع الضمير إلى القرآن، وقراءة ﴿لَعَلَمٌ﴾ |
| القرطبي، الجامع لأحكام القرآن | الأعراف ١٨٧؛ محمد ١٨ | عرض الخلاف في الأشراط وفي حصر العلم |
| الرازي، مفاتيح الغيب | الجن ٢٥–٢٧ | تحرير الجمع بين نفي العلم واستثناء الرسول |
| محمد عبده ورشيد رضا، تفسير المنار | مواضع أشراط الساعة | آراؤه العقدية المخصوصة في الأشراط الكبرى |
رابعاً: كتب التاريخ والعقائد والأصول
| المرجع | وجه الاستشهاد |
|---|---|
| ابن خلدون، المقدّمة — «فصل في أمر الفاطميّ وما يذهب إليه الناس في شأنه وكشف الغطاء عن ذلك» | نقد أسانيد أحاديث المهديّ حديثاً حديثاً، واستثناء الصحيحين، ونقد أخبار المتصوّفة في الباب |
| السيوطي، الكشف عن مجاوزة هذه الأمّة الألف | تقديرٌ لعمر الأمّة لم يتحقّق — شاهدٌ على خطأ منهج الاستدلال بالآثار على التوقيت |
| فخر الدين الرازي، أساس التقديس؛ والمحصول في علم الأصول | أن خبر الواحد يفيد الظنّ، ولا يُحتجّ به في المطالب اليقينيّة |
| الآمدي، الإحكام في أصول الأحكام | المسألة نفسها |
خامساً: مراجع القول المخالف (المثبتين)
| المرجع | موضوعه |
|---|---|
| الشوكاني، التوضيح في تواتر ما جاء في المنتظَر والدجّال والمسيح | تقرير تواتر أخبار الباب — أقوى ما يُحتجّ به من غير القرآن |
| الكتّاني، نظم المتناثر من الحديث المتواتر | عدّ أحاديث الباب في المتواتر |
| السفاريني، لوامع الأنوار البهيّة | تقرير الأشراط في متون العقائد |
| ابن كثير، النهاية في الفتن والملاحم | أوسع جمعٍ متأخّر لأخبار الأشراط |
| أحمد شاكر، تعليقاته على مسند أحمد | الردّ على ابن خلدون: «قفا ما ليس له به علم، واقتحم قُحَماً لم يكن من رجالها» |
| أحمد بن الصدّيق الغماري، إبراز الوهم المكنون من كلام ابن خلدون | كتابٌ مفردٌ في الردّ على ابن خلدون |
| المرشد المبدي لفساد طعن ابن خلدون في أحاديث المهدي | كتابٌ مفردٌ في الردّ عليه |
سادساً: مراجع النقد الحديث
| المرجع | وجه الاستشهاد |
|---|---|
| محمود شلتوت، الفتاوى (وأصلها فتواه المنشورة في مجلّة الرسالة سنة ١٩٤٢) | أن نزول المسيح لم يثبت بنصٍّ قرآنيّ قاطع، وأنه ليس من أصول العقيدة |
| أحمد أمين، المهدي والمهدوية | تتبّعٌ تاريخيّ لنشأة عقيدة المهديّ |
| محمد الغزالي، السنّة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث | عرض متون الروايات على القرآن والمقاصد، ونقد عددٍ من روايات الباب |
| محمود أبو ريّة، أضواء على السنّة المحمّدية | نقدٌ واسع لروايات الملاحم — كتابٌ مثارٌ للجدل، ردّ عليه جمعٌ من العلماء |
| آراء محمد رشيد رضا العقائدية في أشراط الساعة الكبرى وآثارها الفكرية (رسالة أكاديمية) | توثيقٌ تفصيليّ لآراء رشيد رضا المخالفة للمشهور — وهي دراسةٌ نقديّة له لا مؤيّدة |
| أحمد صبحي منصور، مقالاته على موقع «أهل القرآن» | تقرير نفي الأشراط من منطلقٍ قرآنيّ |