يقرأ البحث الطلاق في المصحف مساراً لا كلمة: تربّصٌ أربعة أشهر، ثم طلقةٌ «لعدّتهنّ» بشاهدَي عدل، ثم عدّةٌ في بيت الزوجيّة، ثم إمساكٌ أو فراقٌ بمعروف بشاهدين؛ والطلاق مرّتان: إن فارقها بعد الأولى فلها أن تعود إليه بعقدٍ جديد، وإن سرّحها بعد الثانية لم تحلّ له حتى تنكح زوجاً غيره.

الخلاصة في دقيقتين

يقرأ البحث الطلاق في المصحف مساراً لا كلمة: تربّصٌ أربعة أشهر، ثم طلقةٌ «لعدّتهنّ» بشاهدَي عدل، ثم عدّةٌ في بيت الزوجيّة، ثم إمساكٌ أو فراقٌ بمعروف بشاهدين؛ والطلاق مرّتان: إن فارقها بعد الأولى فلها أن تعود إليه بعقدٍ جديد، وإن سرّحها بعد الثانية لم تحلّ له حتى تنكح زوجاً غيره.

  • ما لا خلاف فيه. العدّة بعد الطلاق، والقرار عند الأجل، و«الطلاق مرّتان» ثم تحريمٌ حتى زوجٍ آخر: نصوصٌ صريحة في البقرة 228–231 والطلاق 1–2. أمّا أنّ المحرِّمة طلقةٌ ثالثةٌ مستقلّة فقراءةُ الجمهور، لا نصّ الآيتين.
  • ما خالف فيه التراثيّون المذاهبَ الأربعة. ابن تيمية وابن القيّم وابن باز: الثلاث بلفظٍ واحد واحدة (مسلم 1472)، والبدعيّ في الحيض لا يقع، والحلف بالطلاق يمينٌ تُكفَّر. وابن تيمية وابن عثيمين: لا طلاق على طلاقٍ قبل رجعة، وخالفهما ابن باز. وأقرّت هيئة كبار العلماء السعودية سنة 1393هـ وقوع الثلاث ثلاثاً، وخالفها ابن باز وأربعة أعضاء.
  • الإشهاد. جعله أحمد شاكر شرطاً لصحّة الطلاق والرجعة، ومال إليه أبو زهرة؛ وجعله ابن تيمية للرجعة وحدها، وعدّه ابن باز سنّة.
  • الإماميّة. أقرب المذاهب إلى الأطروحة: الشاهدان والطهر والتنجيز شروطٌ للصحّة، والبدعيّ باطل، والثلاث لا تقع ثلاثاً. ويفترقون عنها في التربّص، وفي أنّ الرجعة لا تحتاج شهوداً، وفي أنّ المحرِّمة عندهم الثالثة.
  • موضع تفرّد الأطروحة. تعميم تربّص الإيلاء على كلّ طلاق لم يقل به أحدٌ من أئمّة السنّة والشيعة؛ وقال به رشاد خليفة وجماعته. فهو أضعف حلقاتها نصّاً، وعليه وعلى حلقة العدد يتوقّف ادّعاء «التفسير الوحيد».
  • عدد الطلاق. «الطلاق مرّتان» لا ثلاث: التسريح بعد الطلقة الثانية هو الفراق المحرِّم، و«الثالثة» في خبر أبي رزين هي هذا التسريح نفسه. قراءةٌ محتملة نصّاً، بلا سلف، تخالف الإجماع المحكيّ وفتوى دار الإفتاء المصرية (2018).
  • الصغيرة. «واللائي لم يحضن» (الطلاق 4) بالغاتٌ لا يحضن لعلّةٍ مرضيّة أو هرمونيّة، لا صغيرات: فالمصحف جعل للنكاح بلوغاً ورشداً (النساء 6)، وجعل المرأة طرفاً يأخذ الميثاق ويرضى ويفتدي. وخالف في تزويج الصغيرة قديماً ابن شبرمة وعثمان البتّي، ورجّح ابن عثيمين ألّا يزوّجها أبوها حتى تبلغ.
  • دعوى الإجماع. أكثر ما يُحكى إجماعاً في تفاصيل الطلاق قولُ الجمهور أو اتّفاقُ المذاهب الأربعة: ففي الثلاث بلفظٍ واحد، وطلاق الحائض، والحلف بالطلاق، وطلاق السكران، والإشهاد، وتزويج الصغيرة، خلافٌ مسمّى من الصحابة إلى المعاصرين. والإجماع ثابتٌ في الإطار العامّ، وأقرب التفاصيل إليه عددُ الثلاث.
  • الأثر العمليّ. القانون المصري يوقع الثلاث واحدة (1929) ويوجب توثيق الطلاق، والمغرب يشترط الإذن القضائيّ والإشهاد لدى عدلين؛ والأزهر يوقع الطلاق الشفويّ بلا شهود (2017).
محتويات البحث
  1. كلمات تحتاج إلى شرح
  2. السؤال والمنهج والأطروحة
  3. آيات الطلاق في المصحف: الجرد الكامل
  4. تفسير آيات البقرة 226–232
  5. عدد الطلاق: مرّتان لا ثلاث
  6. تفسير سورة الطلاق 1–7
  7. النموذج القرآني المتكامل
  8. الطلاق عند المذاهب الأربعة
  9. الجدل بين التراثيّين: ابن تيمية وابن باز ومن معهما في مواجهة المذاهب الأربعة
  10. الطلاق عند الشيعة الإماميّة (الجعفريّة)
  11. جدول المقارنة الكبرى
  12. دعوى الإجماع في مسائل الطلاق: ما يثبت منها وما لا يثبت
  13. الرأي المقابل وأقوى اعتراضاته
  14. تقويم الأطروحة: قوّة الدليل في كلّ حلقة
  15. أسئلةٌ في الصميم
  16. النتيجة
  17. ملاحظات منهجيّة على التوثيق
  18. المصادر

كلمات تحتاج إلى شرح

اثنان وعشرون مصطلحاً يدور عليها البحث؛ العمود الأخير يذكر موضعها في المصحف أو أصلها في الفقه.

المصطلح معناه موضعه
الطلاق لغةً: حلّ القيد والإرسال. وفقهاً: رفع قيد النكاح بلفظٍ مخصوص. والأطروحة تراه مساراً لا كلمة. البقرة 227، 229–232؛ الطلاق 1
الشِّقاق والتحكيم خلافٌ يستحكم بين الزوجين، فيُبعث حَكَمٌ من أهله وحَكَمٌ من أهلها. النساء 35
الإيلاء من «الأَلِيّة» أي اليمين: أن يحلف الزوج ألّا يقرب زوجته. ومن الجذر نفسه «لا يألو» بمعنى لا يقصّر. البقرة 226؛ النور 22؛ آل عمران 118
التربّص انتظارٌ محدودٌ بأجلٍ معلوم. البقرة 226 (أربعة أشهر)، 228 (ثلاثة قروء)، 234 (أربعة أشهر وعشر)
عَزْم الطلاق القرار الجازم بعد التربّص. البقرة 227
العِدّة مدّةٌ تنتظرها المرأة بعد الطلاق قبل أن تنقطع الزوجيّة. الطلاق 1، 4؛ الأحزاب 49
اللائي لم يحضن عند جمهور المفسّرين: الصغيرات قبل سنّ الحيض؛ وعند الأطروحة: بالغاتٌ لا يحضن لعلّةٍ مرضيّة أو مانعٍ هرمونيّ. الطلاق 4
القُرء الحيض عند الحنفيّة والحنابلة، والطهر عند المالكيّة والشافعيّة والإماميّة. البقرة 228
البَعْل الزوج؛ وقد سمّى المصحف المطلِّقَ في العدّة «بعلاً». البقرة 228
الإمساك بمعروف إبقاء الزوجة بعد الطلاق؛ يسمّيه الفقهاء «الرجعة»، ويسمّيه المصحف «الردّ». البقرة 228، 229، 231؛ الطلاق 2
التسريح بإحسان والفراق بمعروف ترك المطلّقة حتى تنقضي عدّتها فتنفصل بإحسان. البقرة 229، 231؛ الطلاق 2؛ الأحزاب 28، 49
الطلاق الرجعي ما يملك الزوج فيه ردّها في العدّة بلا عقدٍ جديد. البقرة 228
البائن بينونة صغرى لا رجعة فيه إلا بعقدٍ ومهرٍ جديدين: بعد العدّة، أو قبل الدخول، أو على عِوَض. البقرة 232؛ الأحزاب 49
البائن بينونة كبرى لا تحلّ له حتى تنكح زوجاً غيره: بعد الطلقة الثالثة عند الجمهور، وبعد التسريح عقب الطلقة الثانية عند الأطروحة. البقرة 229–230
الطلاق السُّنّي طلقةٌ واحدة في طهرٍ لم يجامعها فيه. الطلاق 1، وحديث ابن عمر
الطلاق البِدعي في حيضٍ أو نفاس، أو في طهرٍ جامعها فيه، أو بالثلاث مجموعة. اصطلاحٌ فقهيّ
المُحلِّل من يتزوّج المحرَّمة على زوجها الأوّل بقصد أن يُحلّها له. البقرة 230، وحديث «لعن الله المحلِّل»
ذوا عدل شاهدان رجلان عدلان. الطلاق 2
الحلف بالطلاق تعليق الطلاق على فعلٍ بقصد الحثّ أو المنع، كقوله: «عليّ الطلاق لتفعلنّ». اصطلاحٌ فقهيّ
بلوغ النكاح والرُّشد بلوغ السنّ التي يصلح فيها الإنسان للزواج، والرشد حسنُ التصرّف الذي يُختبر عندها؛ وبهما يُدفع إلى اليتيم ماله. النساء 6
الإجماع اتّفاق المجتهدين من الأمّة في عصرٍ على حكمٍ شرعيّ؛ ولا ينعقد مع خلافٍ مسمّى معتبر. اصطلاحٌ أصوليّ
قول الجمهور واتّفاق المذاهب الأربعة قول أكثر الفقهاء، أو ما اتّفق عليه أئمّة المذاهب الأربعة؛ وكلاهما دون الإجماع، ولا يرفع الخلاف. اصطلاحٌ فقهيّ

السؤال والمنهج والأطروحة

يسأل البحث: ما الطلاق كما يرسمه المصحف وحده؟ وجوابه أنّ الطلاق في المصحف مسارٌ ذو مراحل ومُهَل وشهود، لا كلمةٌ تُقال فتقع.

قواعد القراءة

  1. المصحف يفسّر نفسه. تُقرأ الآية في موضعها من السورة وترتيبها بين جاراتها، ويُفسَّر اللفظ بنظائره في المصحف قبل المعاجم وكتب الفقه.
  2. الأمر على ظاهره. صيغة الأمر في المصحف تفيد الوجوب ما لم تصرفها قرينةٌ من المصحف نفسه.
  3. الحديث والفقه شهودٌ على تاريخ الفهم. يُعرضان ليُعرف كيف فُهم النصّ ومن خالف مَن، لا ليحكما على النصّ.
  4. ثلاث مراتب لا تُخلط: ما نصّ عليه المصحف صراحةً، وما دلّ عليه ترتيبه وسياقه، وما هو اجتهادٌ في سدّ فراغٍ سكت عنه النصّ.

نصّ الأطروحة

الطلاق في المصحف مسارٌ واحد متسلسل:

  1. التربّص: أربعة أشهر قبل إيقاع الطلاق، فإن فاء الزوج فلا طلاق (البقرة 226).
  2. الطلقة الأولى: يوقعها إن عزم، «لعدّتهنّ»، بحضور ذوَي عدل (البقرة 227؛ الطلاق 1–2).
  3. العدّة: ثلاثة قروء أو ثلاثة أشهر أو وضع الحمل، والمرأة في بيتها، وزوجها «أحقّ بردّها» (البقرة 228؛ الطلاق 1، 4).
  4. القرار عند بلوغ الأجل: إمساكٌ بمعروف، أو تسريحٌ وفراقٌ بمعروف، مع الإشهاد (البقرة 231؛ الطلاق 2).
  5. الطلقة الثانية: إن عاد الشقاق بعد إمساكٍ أو بعد عودةٍ بعقدٍ جديد (البقرة 232)، سلك المسارَ نفسه؛ وهي آخر «المرّتين» (البقرة 229).
  6. التسريح بعد الثانية: إن لم يمسكها عند أجلها فلا تحلّ له حتى تنكح زوجاً غيره (البقرة 229–230)؛ ولا طلقةَ ثالثةً مستقلّة في المصحف.

وتدّعي الأطروحة أنّ هذا هو التفسير الوحيد الذي يستقيم مع ترتيب الآيات إذا قُرئ المصحف وحده.

ومقتضاها أنّ اللفظ المنفرد لا يُنهي زواجاً. فلا يقع الطلاق بكلمةٍ في غضب، ولا بالثلاث في مجلس، ولا بغير شهود، ولا يقع الفراق إلا بعد عدّةٍ كاملة. وأنّ الطلاق مرّتان لا ثلاث: فراقٌ بعد الأولى تجوز بعده العودة بعقدٍ جديد، وتسريحٌ بعد الثانية لا تحلّ بعده إلا بعد زوجٍ آخر. ولا يدخل هذا المسارَ إلا زوجان بلغا النكاح ورشدا (النساء 6)؛ فعدّة «اللائي لم يحضن» عدّةُ بالغاتٍ لا يحضن، لا عدّةُ صغيرات.

كيف يختبر البحث هذا الادّعاء

تبني أقسام التفسير حجّةَ الأطروحة من النصّ: تفسير البقرة 226–232، ثم «عدد الطلاق: مرّتان لا ثلاث»، ثم تفسير سورة الطلاق 1–7، ويجمعها «النموذج القرآني المتكامل». وتعرض الأقسام التالية كيف قرأ الآياتِ غيرُها: المذاهب الأربعة، ثم ابن تيمية وابن القيّم وابن باز ومن وافقهم، ثم الإماميّة، ويجمع أجوبتهم «جدول المقارنة الكبرى». ثم يختبر قسم «دعوى الإجماع» ما يُحكى من إجماعٍ في مسائل الطلاق، ويعرض «الرأي المقابل» أقوى الاعتراضات، ويزن «تقويم الأطروحة» كلَّ حلقة على حدة، لأنّ الحلقات ليست سواءً في قوّة دليلها. وتجمع «أسئلةٌ في الصميم» مواضع الإشكال في صورة أسئلةٍ مباشرة إلى من خالف النصّ.

آيات الطلاق في المصحف: الجرد الكامل

تتوزّع أحكام الفرقة بين الزوجين على سبع سور: النساء والبقرة والأحزاب والطلاق والمجادلة والنور والتحريم. والجدول يرتّبها بمراحل المسار لا بترتيب المصحف.

المرحلة الموضع ما يقرّره النصّ
أهليّة الزواج النساء 4–6 «حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشداً»؛ والمهر حقّ المرأة: «فإن طِبن لكم عن شيءٍ منه نفساً»
قبل الطلاق النساء 19–21 المعاشرة بالمعروف؛ لا يُسترَدّ ما أُعطي عند «استبدال زوجٍ مكان زوج»؛ الزواج «ميثاقٌ غليظ»
قبل الطلاق النساء 34–35 إن خيف الشقاق بُعث حَكَمٌ من أهله وحَكَمٌ من أهلها؛ «إن يريدا إصلاحاً يوفّق الله بينهما»
قبل الطلاق النساء 128–130 نشوز الزوج أو إعراضه؛ «والصلح خير»؛ ثم «وإن يتفرّقا يُغنِ الله كلّاً من سعته»
قبل الطلاق البقرة 226–227 للذين يؤلون من نسائهم تربّصُ أربعة أشهر؛ فإن فاؤوا فالله غفور، وإن عزموا الطلاق فالله سميع عليم
قبل الطلاق الأحزاب 28–29 تخيير أزواج النبيّ بين الدنيا والله ورسوله: «أمتّعكنّ وأسرّحكنّ سراحاً جميلاً»
الإيقاع الطلاق 1 «فطلّقوهنّ لعدّتهنّ وأحصوا العدّة»؛ لا يُخرَجن من بيوتهنّ؛ «لعلّ الله يُحدث بعد ذلك أمراً»
العدّة البقرة 228 المطلّقات يتربّصن ثلاثة قروء؛ لا يكتمن ما في أرحامهنّ؛ «وبعولتهنّ أحقّ بردّهنّ في ذلك إن أرادوا إصلاحاً»
العدّة الطلاق 4–7 عدّة «اللائي يئسن من المحيض» و«اللائي لم يحضن» ثلاثة أشهر، والحامل حتى تضع؛ السكنى والنفقة وأجرة الرضاع
العدّة الأحزاب 49 لا عدّة على المطلّقة قبل المسّ؛ لها المتعة و«السراح الجميل»
القرار عند الأجل البقرة 231 إذا بلغن أجلهنّ فإمساكٌ بمعروف أو تسريحٌ بمعروف؛ «ولا تمسكوهنّ ضراراً لتعتدوا»؛ «ولا تتّخذوا آيات الله هزواً»
القرار عند الأجل الطلاق 2–3 إمساكٌ أو فراقٌ بمعروف، «وأشهِدوا ذوَي عدلٍ منكم وأقيموا الشهادة لله»
بعد الفراق البقرة 232 لا يُمنعن من أن ينكحن أزواجهنّ السابقين إذا تراضوا بالمعروف
العدد البقرة 229 «الطلاق مرّتان فإمساكٌ بمعروف أو تسريحٌ بإحسان»؛ والافتداء (الخُلع)
العدد البقرة 230 فإن طلّقها فلا تحلّ له حتى تنكح زوجاً غيره، فإن طلّقها الثاني جاز أن يتراجعا
الحقوق المالية البقرة 236–237، 241 المتعة؛ نصف المهر المسمّى قبل المسّ؛ «وللمطلّقات متاعٌ بالمعروف»
صورٌ مجاورة المجادلة 1–4؛ الأحزاب 4 الظهار ليس طلاقاً: تحريمٌ تُكفّره كفّارة، «وما جعل أزواجكم اللائي تُظاهرون منهنّ أمّهاتكم»
صورٌ مجاورة النور 6–9 اللعان: أربع شهادات والخامسة بين الزوجين عند القذف؛ والتفريق بعده ثبت بالسنّة لا بنصّ الآية
إشارة التحريم 5 «عسى ربّه إن طلّقكنّ أن يُبدله أزواجاً خيراً منكنّ»

ثلاث ملاحظات على الجرد. الأولى: آيات البقرة 226–237 كتلةٌ متّصلة، أوّلها التربّص وآخرها حقوق المطلّقة قبل المسّ. الثانية: سورة الطلاق مخصّصة كلّها للمسار، من الإيقاع إلى النفقة. الثالثة: لم يذكر المصحف طلاقاً يقع باللفظ وحده، ولم يذكر عدداً من الطلقات يُلفظ دفعةً واحدة، ولم يقرن الطلاق بالعدد «ثلاث» في موضع؛ وإنما قال: «الطلاق مرّتان».

تفسير آيات البقرة 226–232

سبع آياتٍ متتالية تبني المسار حلقةً بعد حلقة؛ والخلاف بين القراءتين يشتدّ في الآية الأولى، ثم يضيق كلّما تقدّمت الآيات.

الآيتان 226–227: التربّص ثم العزم

﴿لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ ۖ فَإِن فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ۝ وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾

القراءة التراثية. الإيلاء عند المفسّرين حلفُ الزوج ألّا يقرب زوجته؛ قال البغوي: «يؤلون أي يحلفون، والأَلِيّة: اليمين». وكان في الجاهلية ضِراراً، يحلف الرجل ألّا يقرب امرأته فيتركها لا أيّماً ولا ذات بعل (سعيد بن المسيّب)، وقال قتادة: «كان الإيلاء طلاقاً لأهل الجاهلية». فجعل القرآن له أجلاً أقصاه أربعة أشهر.

ثم اختلفوا فيما يقع عند انقضاء الأجل:

  • الحنفيّة: تبين المرأة بطلقةٍ بائنة بمضيّ المدّة؛ ويُروى عن ابن عبّاس أنّ عزيمة الطلاق مضيّ الأربعة (تفسير الثعلبي).
  • الجمهور (مالك والشافعي وأحمد): يُوقَف الزوج فيُخيَّر بين الفيء والطلاق، فإن أبى طلّق عليه القاضي. وفي البخاري عن ابن عمر أنه لا يحلّ لأحدٍ بعد الأجل «إلا أن يُمسك بالمعروف أو يعزم بالطلاق» (ح 5290).
  • تعقيب القرطبي المالكي: رأى أنّ الاحتمالين إذا تساويا كان قول الكوفيين أقوى قياساً على العدّة، لأنّ كلّاً منهما أجلٌ ضربه الله فتنقطع العصمة بانقضائه.

قراءة الأطروحة.

  • افتتح المصحفُ باب الطلاق بالتربّص، فلم يرد فيه «عزم الطلاق» إلا بعد مهلة (227).
  • وعُدّي الفعل «يؤلون» بحرف «من» لأنه ضُمّن معنى «يمتنعون»، ونصّ النحاة في تفسيره: يمتنعون من وطء نسائهم بالحلف (مغني اللبيب لابن هشام؛ البرهان للزركشي 3/341). والأطروحة تجعل الامتناع جوهر الحكم وتُسقط قيد الحلف، أقسم الزوج أم لم يُقسم.
  • فكلّ زوجٍ اعتزل زوجته وهو يفكّر في الطلاق داخلٌ في حكم الآية: أربعة أشهر، ثم فيءٌ أو عزم.
  • وفي السيرة شاهدٌ على هذا الترتيب: آلى النبيّ ﷺ من نسائه شهراً (البخاري 5289)، ثم نزل التخيير: ﴿فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ (الأحزاب 28). اعتزالٌ أولاً، ثم قرار.
  • ونظير «عزموا» في الآية 235: ﴿وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّىٰ يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾؛ فالعزم في هذا الباب لا يأتي إلا بعد أجل.
  • وبهذه القراءة ترجم رشاد خليفة الآية: «Those who intend to divorce their wives shall wait four months» أي: الذين ينوون الطلاق ينتظرون أربعة أشهر للتهدئة.

هذه أكثر حلقات الأطروحة عرضةً للاعتراض؛ ويزنها قسما «الرأي المقابل» و«تقويم الأطروحة».

الآية 228: عدّةٌ والزوجيّة قائمة

﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ ۚ … وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَٰلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾

القراءة التراثية. العدّة ثلاثة قروء، والقرء حيضٌ عند الحنفيّة والحنابلة وطهرٌ عند المالكيّة والشافعيّة. وللزوج الرجعة في العدّة، ولا يملكها للإضرار؛ وعدّ أحمد شاكر الرجعة بقصد المضارّة باطلة (نظام الطلاق في الإسلام، المسألة الثانية).

قراءة الأطروحة.

  • جاء الفعل نفسه «يتربّصن»: مهلةٌ للزوج قبل الطلاق، ثم مهلةٌ للمرأة بعده.
  • وسمّى المصحفُ المطلِّقَ «بعلاً» في العدّة؛ فالطلاق يفتح العدّة ولا يُنهي الزواج.
  • والردّ مشروطٌ بإرادة الإصلاح، فهو قرارٌ له غاية، لا لفظٌ يُقال.

الآية 229: «مرّتان» لا «طلقتان»

﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ ۖ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾

سبب النزول. يُروى أنّ الرجل كان يطلّق ويراجع قبل انقضاء العدّة بلا عدد، حتى قال رجلٌ لامرأته: أطلّقك، فكلّما همّت عدّتك أن تنقضي راجعتك؛ فنزلت الآية (الترمذي 1192). والأصحّ أنه مرسلٌ عن عروة، كما قال البخاري والترمذي.

القراءة التراثية. الطلاق الذي تُملك بعده الرجعة طلقتان. وقال الجصّاص الحنفي إنّ «مرّتان» تقتضي التفريق لا محالة، فمن دفع درهمين دفعةً واحدة لا يقال: أعطاه مرّتين (أحكام القرآن، باب عدد الطلاق). واختلفوا في «أو تسريحٌ بإحسان»: هي الطلقة الثالثة في قول، وتركُ المرأة حتى تنقضي عدّتها في قولٍ آخر.

قراءة الأطروحة.

  • «مرّتان» حدثان منفصلان، لكلٍّ منهما مساره وعدّته وقراره.
  • والتخيير بعد «مرّتان» قرارُ أجل الطلقة الثانية: إمساكٌ يُبقي الزواج، أو تسريحٌ تبيّن الآية التالية حكمه.
  • وفي تفسير المنار: «أما الطلاق البات البائن فلم يرد في كتاب الله تعالى».

الآية 230: حدّ التحريم

﴿فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىٰ تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ ۗ فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يَتَرَاجَعَا إِن ظَنَّا أَن يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾

القراءة التراثية. هي الطلقة الثالثة بعد المرّتين. واشترط الجمهور دخول الزوج الثاني لحديث امرأة رفاعة: «لا، حتى تذوقي عُسَيلته ويذوق عُسَيلتك» (البخاري 5260؛ مسلم 1433)، وخالف سعيد بن المسيّب فاكتفى بعقدٍ صحيح لا يُراد به التحليل، بنقل ابن المنذر (تفسير القرطبي)، وعدّ أبو زهرة ذلك ظاهرَ الآية. ولُعن المحلِّل والمحلَّل له (الترمذي 1120؛ أبو داود 2076)، وسُمّي المحلِّل «التيس المستعار» (ابن ماجه 1936).

قراءة الأطروحة.

  • «فإن طلّقها» الأولى بيانٌ لحكم التسريح بعد الثانية، لا طلقةٌ ثالثة مستقلّة (انظر: «عدد الطلاق: مرّتان لا ثلاث»)؛ و«زوجاً غيره» زواجُ رغبةٍ تامّ، لا عقدٌ يُبرم ليُفسخ.
  • و«فإن طلّقها» الثانية مسندةٌ إلى الزوج الثاني باختياره، لا باتّفاقٍ مسبق.
  • والتراجع مشروطٌ بظنّ إقامة حدود الله؛ فالقصد جزءٌ من الحكم.

الآية 231: القرار عند بلوغ الأجل

﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ۚ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِّتَعْتَدُوا ۚ … وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾

القراءة التراثية. «بلغن أجلهنّ» هنا بمعنى قاربن انقضاء العدّة، إذ لا رجعة بعد انقضائها. والإمساك ضِراراً محرّم. وفي حديث محمود بن لبيد أنّ النبيّ ﷺ غضب ممّن طلّق ثلاثاً جميعاً وقال: «أيُلعَب بكتاب الله وأنا بين أظهركم» (النسائي 3401).

قراءة الأطروحة.

  • موضع القرار نهايةُ العدّة، لا لحظةُ الغضب.
  • والخيار ثنائيٌّ صريح: إمساكٌ بمعروف أو تسريحٌ بمعروف.
  • وجمع الطلقات في لفظٍ واحد من «اتّخاذ آيات الله هزواً» بشهادة الحديث نفسه.

الآية 232: الباب مفتوحٌ بعد التسريح الأول

﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُم بِالْمَعْرُوفِ﴾

القراءة التراثية. «بلغن أجلهنّ» هنا بمعنى انقضت عدّتهنّ. ونزلت في معقل بن يسار حين منع أخته من العودة إلى زوجها بعد انقضاء عدّتها (البخاري 4529).

قراءة الأطروحة. التسريح بعد الطلقة الأولى ليس نهاية الطريق؛ فللزوجين أن يعودا بعقدٍ جديد متى تراضيا. أمّا التسريح بعد الثانية فحكمه في الآية 230. وسبب نزول هذه الآية طلقةٌ واحدة.

ما بعدها: 233–237 و241

الرضاع ونفقته (233)، وعدّة الوفاة (234)، والخطبة في العدّة (235)، والطلاق قبل المسّ ونصف المهر (236–237)، ومتاع المطلّقات (241). وهي حقوقٌ تتبع المسار، ولا يتوقّف عليها شيءٌ من حلقات الأطروحة.

عدد الطلاق: مرّتان لا ثلاث

يقرأ الجمهور الآيتين 229–230 مساراً يتكرّر مرّتين ثم طلقةً «ثالثة» محرِّمة. والقطعيّ في الآيتين أمران: «الطلاق مرّتان»، والتحريم «حتى تنكح زوجاً غيره». أمّا أنّ المحرِّمة طلقةٌ ثالثةٌ بلفظٍ جديد فقراءةٌ تؤيّدها الرواية والإجماع المحكيّ، ولا تنصّ عليها الآيتان. وتقرأ الأطروحة الآيات 229–232 هكذا:

  • بعد الطلقة الأولى: عند الأجل إمساكٌ أو فراق؛ فإن فارقها فلها أن تعود إليه بعقدٍ جديد متى تراضيا (البقرة 232).
  • بعد الطلقة الثانية: عند الأجل إمساكٌ بمعروف أو تسريحٌ بإحسان (البقرة 229).
  • التسريح بعد الثانية: لا تحلّ له بعده حتى تنكح زوجاً غيره (البقرة 230). وإن أمسكها ثم طلّقها بعدُ لحقه الحكم نفسه، لأنه طلاقٌ بعد المرّتين.

حجج القراءة

  1. النصّ. «مرّتان» عددٌ صريح، ولم يقترن الطلاق بالعدد ثلاثة في موضعٍ من المصحف. وأوّل ما يذكره المصحف بعد المرّتين قرارٌ لا طلاق: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾.
  2. معنى التسريح. قال السدّيّ والضحّاك إنّ التسريح بعد الثانية تركُ الرجعة حتى تنقضي العدّة، وأنكرا أن يكون طلقةً ثالثة. وعدّ الطبري قولهما «مما يحتمله ظاهر التنزيل»، ولم يعدل عنه إلا لخبر أبي رزين. واختاره أبو زهرة: يكفي في التسريح بعد الطلقتين «أن يسكت من غير مراجعة حتى تنتهي عدّتها» (زهرة التفاسير 2/775). وردّ أحمد شاكر خبرَ أبي رزين لأنه مرسل (تعليقه على تفسير الطبري).
  3. «فإن طلّقها» هي التسريح نفسه. هذا قول أصحاب خبر أبي رزين أنفسهم: التسريح عندهم هو «الثالثة» التي عُنيت بقوله ﴿فَإِن طَلَّقَهَا﴾، وحكى ابن عبد البرّ عليه الإجماع (تفسير القرطبي). وجوّز ابن عاشور أن تكون الفاء فصيحةً لبيان التسريح، وأن يكون التعبير بالطلاق بدل التسريح للبيان والتنويع.
  4. المقابلة بين الآيات. في 229–230 إمساكٌ أو تسريح بعد «مرّتان»، ثم تحريمٌ حتى زوجٍ آخر. وفي 231–232 إمساكٌ أو تسريح عند الأجل، ثم إذنٌ بالعودة بعقد. والفارق بين التسريحين أنّ الأول جاء بعد «مرّتان». وسبب نزول 232 طلقةٌ واحدة: أخت معقل بن يسار (البخاري 4529).
  5. لسان السلف. قال ابن زيد إنّ الله «جعل الطلاق ثلاثاً: مرّتين، ثم بعد المرّتين إمساكٌ بمعروف أو تسريحٌ بإحسان» (تفسير الطبري). فـ«الثالثة» في لسانهم قرارُ ما بعد الثانية، والفقه جعلها لفظاً جديداً.
  6. الاتّساق مع المسار. القرار عند الأجل فعلٌ يُشهد عليه (الطلاق 2)، فيصحّ أن يُسمّى طلاقاً. والمسار يتّسع لدورتين، والثانية خاتمة.

تفنيد نموذج الثلاث

يقوم نموذج الثلاث على أنّ «فإن طلّقها» طلقةٌ ثالثة تقع بعد المرّتين، فيعطي التسريحَ بعد الثانية حكمَ التسريح بعد الأولى، ويجيز العودة بعده بعقدٍ جديد. ويضعف ذلك في ميزان المصحف وحده من ثلاثة وجوه:

  • يحتاج إلى تقييد «الطلاق» في «الطلاق مرّتان» بالرجعيّ، بجعل «أل» للعهد كما صنع أبو زهرة؛ وظاهر الآية حدٌّ للطلاق نفسه.
  • يجعل «فإن طلّقها» طلقةً غير التسريح، خلافاً لمن جعلهما شيئاً واحداً من أصحاب خبر أبي رزين، ومنهم الطبري.
  • يجعل الفراق ممكناً ثلاث مرّات والعودة بعده مرّتين، فلا يبقى لـ«مرّتان» أثرٌ في عدد مرّات الفراق، بل في عدد الرجعات وحدها.

وسند الثلاث بعد ذلك خبرُ أبي رزين المرسل، وعملُ العهد النبويّ في الأحاديث، والإجماعُ المحكيّ. وهي حججٌ معتبرة عند من يحتكم إلى السنّة والإجماع، لكنها من خارج المنهج الذي اختاره البحث.

ما يُعترض به على هذه القراءة

  • اللغة. «طلّق» في المصحف فعلُ إيقاعٍ تبدأ به العدّة (الطلاق 1)، والمصحف يفرّق بين الطلاق والتسريح (البقرة 231؛ الأحزاب 49). وقدّم ابن عاشور أن يكون المعنى: فإن راجعها ثم طلّقها، وقال: «وهذا هو الظاهر».
  • الترتيب. الفاء في «فإن طلّقها» تعقيبٌ بعد المرّتين؛ ولذلك قال القرافي إنها «ثالثة لذكرها بعد اثنتين» (الذخيرة 4/316، بنقل دار الإفتاء المصرية).
  • السنّة العمليّة. أرسل زوج فاطمة بنت قيس إليها «بتطليقةٍ كانت بقيت من طلاقها» (مسلم 1480)، وقال ابن عمر لمن طلّق ثلاثاً: «فقد حرمت عليك» (مسلم 1471)، وقال قتادة في سبب النزول: «فجعل الله حدّ الطلاق ثلاث تطليقات» (تفسير الطبري).
  • الإجماع. حكى ابن رشد الاتّفاق على أنّ العدد الموجب للبينونة الكبرى ثلاث تطليقات متفرّقة (بداية المجتهد 3/83)، ونصّ ابن حزم في «مراتب الإجماع» على جواز العقد الجديد بعد الثانية إذا انقضت عدّتها (ص72). وعلى ذلك أبو زهرة نفسه في تفسير الآية 230 (انظر: «دعوى الإجماع في مسائل الطلاق»).
  • الفتوى المعاصرة. سُئلت دار الإفتاء المصرية عن هذا الفهم بعينه، فأجابت بأنّ القول بغير الثلاث «من الابتداع في الدين» (الفتوى 4313، 2018).
  • السلف. لا يُعرف في المدوّنات المتداولة من قال إنّ التسريح بعد الثانية يحرّمها. فالقراءة تركيبٌ من مقدّمتين قال بكلٍّ منهما فريق: معنى التسريح عند السدّي والضحّاك وأبي زهرة، واتّحاده بـ«فإن طلّقها» عند أصحاب خبر أبي رزين؛ ولم يُنقل الجمع بينهما عن أحد.

الوزن

القراءة الثنائيّة محتملةٌ في نصّ المصحف: لها من اللفظ «مرّتان»، ومن البناء المقابلةُ بين 229–230 و231–232، ومن التراث مقدّمتاها. وعليها من اللغة ظاهرُ «طلّقها»، ومن التاريخ أنها بلا سلف وتخالف الإجماع المحكيّ والسنّة العمليّة. فهي أقوى من تعميم التربّص، وأضعف من «الثلاث بلفظٍ واحدٍ واحدة».

الحالة الجمهور الأطروحة
طلقةٌ أولى، ثم تسريحٌ وانقضاء العدّة تعود إليه بعقدٍ جديد كذلك (232)
طلقةٌ ثانية، ثم تسريحٌ وانقضاء العدّة تعود إليه بعقدٍ جديد لا تحلّ له حتى تنكح زوجاً غيره (230)
طلقةٌ ثانية، ثم إمساك، ثم طلاق تحرم حتى زوجٍ آخر كذلك
العودة بعقدٍ جديد بعد الفراق مرّتان مرّةٌ واحدة

فأثرها العمليّ محصورٌ في الصورة الثانية: امرأةٌ سُرّحت بعد الطلقة الثانية، ثم أراد زوجها أن يعقد عليها.

تفسير سورة الطلاق 1–7

سورة الطلاق كلّها في الطلاق الرجعيّ: توقيته، وإحصاء عدّته، وبقاء المرأة في بيتها، والقرار عند الأجل، والإشهاد، ثم السكنى والنفقة.

الآية 1: «لعدّتهنّ» و«بيوتهنّ»

﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ ۖ … لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ ۚ … لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَٰلِكَ أَمْرًا﴾

القراءة التراثية.

  • «لعدّتهنّ»: في طهرٍ لم يجامعها فيه، أو وهي حامل. وبه فسّر النبيّ ﷺ الآية في حديث ابن عمر: «فتلك العدّة التي أمر الله أن تُطلَّق لها النساء» (البخاري 5251؛ مسلم 1471).
  • «أحصوا العدّة»: اضبطوا بدايتها ونهايتها.
  • «بيوتهنّ»: لا تُخرَج الرجعيّة من مسكنها حتى تنقضي عدّتها.
  • «يُحدث بعد ذلك أمراً»: الرجعة. واحتجّت فاطمة بنت قيس بذلك على أنّ الآية في الرجعيّة، فقالت: فأيّ أمرٍ يحدث بعد الثلاث؟ (مسلم 1480).

قراءة الأطروحة.

  • الطلاق هنا بدايةُ عدّةٍ تُحصى، لا نهايةُ زواج.
  • وإضافة البيوت إلى النساء تعني أنّ مرحلة الطلاق تُقضى في بيت الزوجية نفسه.
  • وغاية المرحلة معلنة: فرصةٌ لما «يُحدثه الله» من صلح.
  • واستدلّ ابن تيمية ومن تبعه بالآية نفسها على أنّ الطلقة الثانية في العدّة تقع لغير العدّة فلا تُحتسب (الدرر السنية).

الآيتان 2–3: القرار والإشهاد

﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ۚ ذَٰلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۚ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا﴾

اختلف أهل العلم في موضع الإشهاد وحكمه، وهذه أبرز أقوالهم:

على ماذا يعود الإشهاد حكمه القائلون المصدر
الطلاق والرجعة معاً لم يُصرَّح بالحكم السدّيّ تفسير الطبري 23/444
الطلاق والمراجعة يُشهد رجلين عند كلٍّ منهما ابن عبّاس، برواية علي بن أبي طلحة تفسير الطبري، الطلاق 2
النكاح والطلاق والرجعة لا تجوز إلا بشاهدَي عدل إلا من عذر عطاء تفسير ابن كثير 8/145
الطلاق والرجعة شرطُ صحّةٍ لكليهما أحمد شاكر (1936) نظام الطلاق في الإسلام ص80؛ جمهرة مقالاته ص641
الطلاق والرجعة واجب، وتاركه متعدٍّ لحدود الله ابن حزم المحلّى، بنقل إسلام ويب
الرجعة دون الفراق واجب قولٌ للشافعي، وطاوس تفسير السمعاني 5/461
الرجعة مستحبّ أكثر أهل العلم، والجديد من قولي الشافعي تفسير السمعاني 5/461
الرجعة لا الطلاق مأمورٌ به وجوباً أو ندباً، ومن اشترطه للطلاق خالف الإجماع ابن تيمية مجموع الفتاوى 33/33–34
الطلاق لا الرجعة شرطُ صحّةٍ للطلاق، ومستحبّ في الرجعة الإماميّة منهاج الصالحين، م498 وم532
الإمساك والفراق معاً مأمورٌ به، وليس شرطاً للصحّة ابن عاشور التحرير والتنوير 28/309

وأصرح الآثار السنّية فيه قول عمران بن حصين لمن طلّق وراجع بلا شهود: «طلّقتَ لغير سنّة، وراجعتَ لغير سنّة؛ أشهِد على طلاقها وعلى رجعتها ولا تَعُد» (أبو داود 2186).

قراءة الأطروحة.

  • جاء الأمر بصيغة «أَشهِدوا»، والأمر للوجوب ما لم تصرفه قرينة؛ وهذه حجّة أحمد شاكر بعينها.
  • وجاء بعد ذكر الطلاق في الآية الأولى والقرار في الثانية، فهو يعمّ طرفَي المسار.
  • والمصحف يأمر بالإشهاد على الدَّين (البقرة 282)، وعلى دفع مال اليتيم (النساء 6)، وعلى الوصيّة (المائدة 106). فالأَولى أن يلزم في حلّ «الميثاق الغليظ» (النساء 21).
  • وعلّة الإشهاد مذكورة في الآية نفسها: ﴿ذَٰلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ﴾؛ فالشاهدان أداةُ وعظٍ وضبط، لا توثيقٌ فحسب.

الآية 4: «واللائي لم يحضن»: بالغاتٌ لا صغيرات

﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِن نِّسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ ۚ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾

القراءة التراثية.

  • «اللائي لم يحضن» عند جمهور المفسّرين صغيراتٌ لم يبلغن المحيض: فسّرها الطبري بالجواري الصغار، وقال القرطبي: «يعني الصغيرة»، وجعلوا عدّتهنّ ثلاثة أشهر كالآيسة.
  • وبنى عليها البخاري ترجمةً في كتاب النكاح: «باب إنكاح الرجل ولده الصغار، لقوله تعالى: ﴿واللائي لم يحضن﴾، فجعل عدّتها ثلاثة أشهر قبل البلوغ»، وأورد تحتها حديث زواج النبيّ ﷺ بعائشة (البخاري 5133).
  • ويُروى في سبب نزولها أنّ أُبيّ بن كعب سأل عن عِدَدٍ لم تُذكر في الكتاب: الصغار والكبار وأولات الأحمال (تفسير الطبري). وصحّح الحاكم إسناده، وهو منقطع: عمرو بن سالم لم يدرك أُبيّاً ولم يسمع منه (الإسلام سؤال وجواب).
  • وعلى هذا الفهم أجاز الفقهاء للأب تزويج ابنته الصغيرة، وقال ابن نصر المروزي: «أجمع أهل العلم على أنّ نكاح الأب جائزٌ على ابنه وابنته الصغيرين» (اختلاف الفقهاء ص227، بنقل الدرر السنية).
  • والإماميّة لا يوجبون العدّة على الصغيرة التي لم تكمل تسع سنين ولا على اليائسة، ويجعلون الأشهر الثلاثة عدّةَ المسترابة، «وهي من لا تحيض مع كونها في سنّ من تحيض» (منهاج الصالحين، م542–547). فالآية عندهم في بالغةٍ لا تحيض، وإن لم يمنعوا عقد الصغيرة.

قراءة الأطروحة. «اللائي لم يحضن» نساءٌ بلغن سنّ النكاح ولم يحضن، أو ارتفع حيضهنّ، لعلّةٍ مرضيّة أو مانعٍ هرمونيّ: كاضطراب الغدد أو المبايض، أو عيبٍ خِلقيّ في الرحم، أو علاجٍ يرفع الحيض. وانقطاع الطمث الأوّليّ، أي ألّا تحيض المرأة أصلاً بعد سنّ البلوغ، حالةٌ يعرفها الطبّ ويعدّد أسبابها. أمّا الصغيرة فخارجةٌ عن الآية لأنها خارجةٌ عن النكاح نفسه. والحجّة من المصحف خمس:

  1. الآية لم تذكر سنّاً. «لم يحضن» نفيٌ لا يعيّن سبباً، فحمله على الصغر تخصيصٌ من خارج النصّ. و«من نسائكم» قيدٌ في الصنفين، والمصحف يفرّق بين «النساء» و«الوِلدان» (النساء 75، 98، 127). ويستقيم معه قيد «إن ارتبتم»: فالريبة تقع فيمن ارتفع حيضها ولا يُدرى أيأسٌ هو أم علّة، ولا تقع في صغيرةٍ أمرها معلوم.
  2. للنكاح بلوغٌ في نصّ المصحف. ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَىٰ حَتَّىٰ إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ (النساء 6). فالنكاح سنٌّ تُبلَغ، والرشد يُختبر عندها؛ ومن لم يبلغ النكاح لم يبلغ محلّه.
  3. المرأة طرفٌ في العقد لا محلٌّ له. هي التي ﴿أَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا﴾ (النساء 21)، ولا تُورَث «كرهاً» كما كانت تُورث في الجاهليّة (النساء 19)، والمهر ملكها تهب منه ما شاءت: ﴿فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا﴾ (النساء 4). والميثاق والرضا والهبة تصرّفاتٌ لا تصحّ ممّن لم يُؤنَس رشده: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ (النساء 5).
  4. مسار الطلاق يفترض امرأةً راشدة. فهي مؤتمنةٌ على ما في رحمها ﴿إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾، و﴿لَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (البقرة 228)، وتفتدي نفسها بمالها (229)، وتقدّر مع زوجها أن ﴿يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ (229–230)، ولا تعود إليه إلا ﴿إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُم بِالْمَعْرُوفِ﴾ (232)، وتصالحه إن خافت نشوزه (النساء 128)، وتختار بين البقاء والفراق كما خُيّرت أزواج النبيّ ﷺ (الأحزاب 28–29). والصغيرة لا تملك من ذلك شيئاً، فلا يجري عليها المسار الذي رسمه المصحف.
  5. الطفل خارج الحياة الزوجيّة في لسان المصحف. ﴿أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَىٰ عَوْرَاتِ النِّسَاءِ﴾ (النور 31)، و﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا﴾ (النور 59). والنكاح في المصحف إفضاءٌ (النساء 21)، وسكنٌ ومودّةٌ ورحمة (الروم 21)، ولباسٌ متبادل (البقرة 187): أوصافُ شراكةٍ بين بالغَين.

ما يُعترض به.

  • التفسير والرواية. على قراءة الجمهور أكثرُ المفسّرين وترجمةُ البخاري وخبرُ أُبيّ. والآية لم تذكر سنّاً، وخبر أُبيّ منقطع، والترجمة استنباطٌ من البخاري لا نصٌّ مرفوع.
  • حديث عائشة. هو عمدة القائلين بالجواز من السنّة (البخاري 5133)، وهو خبرُ واقعةٍ لا نصُّ تشريعٍ عامّ؛ والمنهج يعرض الحديث شاهداً على تاريخ الفهم لا حاكماً على النصّ. وقد قبله ابن عثيمين، ثم رجّح أنّ «الأب لا يزوّج بنته حتى تبلغ، وإذا بلغت فلا يزوّجها حتى ترضى» (الشرح الممتع 12/57–59)، وأجازه لمصلحةٍ راجحة مع خيارها إذا بلغت (بنقل الإسلام سؤال وجواب).
  • «يتامى النساء». استُدلّ بقوله تعالى ﴿فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ﴾ (النساء 127) على تزويج اليتيمة الصغيرة. لكنّ المصحف يسمّي البالغين «يتامى» باعتبار ما كانوا عليه، فأمر بإيتاء اليتامى أموالهم (النساء 2)، وذلك لا يكون إلا بعد بلوغ النكاح والرشد (النساء 6).
  • الإجماع. حكاه ابن نصر المروزي، وقال الكاساني: «لا خلاف في أنّ للأب والجدّ ولاية الإنكاح، إلا شيءٌ يُحكى عن عثمان البتّي وابن شبرمة أنهما قالا: ليس لهما ولاية التزويج» (بدائع الصنائع 2/240، بنقل الدرر السنية). فالمخالف مسمّى في نصّ الدعوى نفسها. ويُحكى عن ابن شبرمة وأبي بكر الأصمّ الاحتجاجُ بآية «حتى إذا بلغوا النكاح»: لو جاز التزويج قبل البلوغ لم يكن لها فائدة (المبسوط للسرخسي، كتاب النكاح).

الوزن. للقراءة سندٌ نصّيّ قويّ في «بلوغ النكاح» والرشد، وفي أهليّة المرأة في كلّ مرحلةٍ من المسار، ولها سلفٌ في ابن شبرمة وعثمان البتّي وأبي بكر الأصمّ. ويوافقها الإماميّة في صرف عدّة الأشهر إلى بالغةٍ لا تحيض، وابن عثيمين في منع الأب من تزويج ابنته قبل البلوغ. ويعارضها تفسير الجمهور وترجمة البخاري وحديث عائشة والإجماع المحكيّ. فهي من أقوى حلقات الأطروحة نصّاً، وتوافقها التشريعات المعاصرة في النتيجة: لا يُوثَّق في مصر زواجُ من لم يبلغ ثماني عشرة سنة ميلاديّة (القانون 126/2008)، وتكتمل أهليّة الزواج في المغرب بثماني عشرة سنة شمسيّة، مع استثناءٍ بإذنٍ قضائيٍّ معلَّل (مدوّنة الأسرة، م19–20).

الآيتان 6–7: السكنى والنفقة

  • ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم مِّن وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ﴾؛ ونفقة الحامل حتى تضع، وأجر الرضاع، ﴿وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُم بِمَعْرُوفٍ﴾ (6).
  • النفقة بقدر السعة (7).

ملاحظة جامعة. ليس في السورة طلاقٌ يُبين بلفظه، ولا ثلاثٌ مجموعة. فهي تشريعٌ لمسارٍ واحد يبدأ بعدّةٍ تُحصى وينتهي بقرارٍ يُشهَد عليه.

النموذج القرآني المتكامل

يجمع النموذج آيات البقرة والطلاق والنساء في مسارٍ واحد: مهلةٌ قبل الطلاق، وطلقةٌ بشاهدين، وعدّةٌ في البيت، وقرارٌ بشاهدين عند الأجل؛ ويتكرّر المسار مرّتين قبل التحريم.

 
الشقاق: صلحٌ وتحكيم (النساء 35، 128)
 
 
▼
 
إن فاء الزوج: لا طلاق
التربّص: أربعة أشهر (البقرة 226)
 
 
▼
إن عزم
 
 
الطلقة الأولى: «لعدّتهنّ» بشاهدَي عدل (البقرة 227؛ الطلاق 1–2)
 
 
▼
 
 
العدّة في البيت: «وبعولتهنّ أحقّ بردّهنّ» (البقرة 228)
 
 
▼
 
إمساكٌ بمعروف
القرار عند الأجل بشاهدَي عدل (البقرة 231؛ الطلاق 2)
فراقٌ بمعروف، ولها أن تعود إليه بعقدٍ جديد (البقرة 232)
▼
إن عاد الشقاق
 
▼
إن عادا ثم عاد الشقاق
 
الطلقة الثانية: المسار نفسه، وهي آخر «المرّتين» (البقرة 229)
 
 
▼
 
إمساكٌ بمعروف؛ وطلاقٌ بعده يحرّمها كذلك
القرار عند أجل الثانية
 
▼
إن طلّقها بعدُ
▼
تسريحٌ بإحسان
 
تسريحٌ بعد الثانية: لا تحلّ له حتى تنكح زوجاً غيره (البقرة 229–230)
مسار الطلاق في النموذج: طلقتان وثلاثة قرارات

يتفرّع المسار عند انتهاء التربّص (فيءٌ أو عزم)، وعند أجل كلّ طلقة (إمساكٌ أو فراق). والفراق بعد الأولى يفتح باب العودة بعقدٍ جديد؛ ولا تبلغ المرأةُ التحريمَ إلا بتسريحٍ بعد الثانية، أو بطلاقٍ بعد أن أُمسكت فيها.

المسار خطوةً خطوة

  1. الشقاق: يُسعى أولاً إلى الصلح والتحكيم (النساء 35، 128). وهذه حلقةٌ يضيفها البحث لأنها تتّسق مع الأطروحة ولا تنقضها.
  2. التربّص: أربعة أشهر يعتزل فيها الزوج أو يتأمّل؛ فإن فاء فلا طلاق (البقرة 226).
  3. العزم والإيقاع: طلقةٌ واحدة «لعدّتهنّ» بحضور ذوَي عدل (البقرة 227؛ الطلاق 1–2).
  4. العدّة: تبقى الزوجة في بيتها، والزوج «بعلٌ» أحقّ بردّها إن أراد الإصلاح (البقرة 228؛ الطلاق 1، 4، 6).
  5. القرار عند الأجل: إمساكٌ بمعروف، أو فراقٌ بمعروف، بحضور ذوَي عدل (البقرة 231؛ الطلاق 2).
  6. بعد الفراق الأول: لها أن تنكح من تشاء، ومنهم زوجها الأول بعقدٍ جديد (البقرة 232).
  7. الطلقة الثانية: إن عاد الشقاق بعد إمساكٍ أو عقدٍ جديد، سلك الزوجان المسار نفسه؛ وهي آخر «المرّتين» (البقرة 229).
  8. التسريح بعد الثانية: إن لم يمسكها عند أجلها فلا تحلّ له حتى تنكح زوجاً غيره نكاحَ رغبة (البقرة 229–230). وإن أمسكها ثم طلّقها بعدُ لحقه الحكم نفسه.

وفي داخل القراءة القرآنية نفسها خلافٌ في الخطوة الرابعة، العدّة. فأحمد صبحي منصور يرى أنّ الصلح أثناء العدّة يُلغي الطلقة كأن لم تكن، وأنّ الإمساك عند الأجل وحده يُحسب طلقة (أهل القرآن، 2006). والفقه التقليديّ يحسبها طلقةً في الحالين.

حجّة كلّ حلقة ومن قال بها

الحلقة النصّ وجه الدلالة عند الأطروحة من قال بها
أهليّة الزوجين النساء 4–6، 21؛ البقرة 228–232 «حتى إذا بلغوا النكاح»؛ والمرأة طرفٌ يأخذ الميثاق ويرضى ويفتدي ابن شبرمة وعثمان البتّي وأبو بكر الأصمّ؛ وابن عثيمين في المنع قبل البلوغ؛ والقانون المصري 126/2008
التحكيم قبل الفراق النساء 35 الصلح مقدَّم، والتحكيم تكليفٌ للأهل والجماعة رشاد خليفة وجماعته؛ أحمد صبحي منصور؛ مدوّنة الأسرة المغربية (محاولة الإصلاح قبل الإذن بالطلاق)
تربّص أربعة أشهر قبل كلّ طلاق البقرة 226–227 افتتاح الباب بالتربّص، و«العزم» لا يأتي إلا بعده رشاد خليفة وجماعته. ولم يعمّمه مذهبٌ سنّيّ ولا شيعيّ
الطلاق بدايةُ عدّة الطلاق 1 «لعدّتهنّ» توقيتٌ ملزِم الإماميّة شرطاً للصحّة؛ وابن تيمية وابن القيّم وابن باز وابن عثيمين في عدم وقوع البدعيّ
الشاهدان الطلاق 2 الأمر للوجوب، ويعمّ الطلاق والقرار ابن عبّاس في رواية الطبري، وعطاء، وعمران بن حصين، وابن حزم، وأحمد شاكر، وأبو زهرة؛ والإماميّة في الطلاق دون الرجعة
الزوجيّة قائمة في العدّة البقرة 228؛ الطلاق 1 «بعولتهنّ» و«بيوتهنّ» متّفقٌ عليه في الطلاق الرجعيّ
الفراق لا يقع إلا عند الأجل البقرة 231؛ الطلاق 2 التخيير معلَّقٌ ببلوغ الأجل أحمد صبحي منصور؛ وفي الفقه: الرجعيّة لا تبين إلا بانقضاء العدّة
«مرّتان» تفريقٌ لا جمع البقرة 229 لا تُجمع طلقتان في مرّة الجصّاص (تحريم الجمع)؛ ابن تيمية وابن القيّم وابن باز (الثلاث واحدة)؛ الإماميّة؛ القانون المصري 25/1929 م3؛ المدوّنة المغربية م92
لا طلاق على طلاقٍ بلا رجعة الطلاق 1؛ البقرة 229 كلّ طلقة تقع على نكاحٍ قائم ابن تيمية وابن عثيمين؛ والإماميّة في الطلقات المتوالية؛ وخالف ابن باز
التسريح بعد الثانية ثم زوجٌ آخر البقرة 229–230 «فإن طلّقها» بيانٌ للتسريح؛ و«زوجاً غيره» نكاحُ رغبة التحريم حتى زوجٍ آخر متّفقٌ عليه بعد الثالثة؛ وجعلُه بعد التسريح الثاني بلا سلف

الطلاق عند المذاهب الأربعة

تتّفق المذاهب الأربعة على أنّ الطلاق يقع بلفظ الزوج الصريح، بلا مهلةٍ سابقة ولا شهود، وأنّ الثلاث بلفظٍ واحد تقع ثلاثاً؛ ويختلفون في الإثم والرجعة والإيلاء والتحليل. ويُحكى اتّفاقهم هذا في كتبهم إجماعاً، والخلاف فيه ثابتٌ عن صحابةٍ وتابعين (انظر: «دعوى الإجماع في مسائل الطلاق»).

أقسام الطلاق عندهم

  • بحسب الوقت: سُنّيٌّ، وهو طلقةٌ في طهرٍ لم يجامعها فيه؛ وبدعيٌّ، وهو ما كان في حيضٍ أو طهرٍ جامعها فيه، أو بالثلاث مجموعةً عند من يحرّم الجمع. والبدعيّ يقع مع الإثم.
  • بحسب الأثر: رجعيٌّ يملك فيه الرجعة في العدّة؛ وبائنٌ بينونةً صغرى (قبل الدخول، أو على عِوَض، أو بعد انقضاء العدّة)؛ وبائنٌ بينونةً كبرى (الثالثة).
  • بحسب اللفظ: صريحٌ يقع بلا نيّة، وكنايةٌ لا تقع إلا بنيّة.
  • بحسب الصيغة: منجَّز، ومعلَّقٌ يقع عند وقوع الشرط، ومضافٌ إلى زمن.

الأحكام المعتمدة مسألةً مسألة

المسألة الحنفيّة المالكيّة الشافعيّة الحنابلة
الإشهاد على الطلاق ليس شرطاً ليس شرطاً ليس شرطاً ليس شرطاً
الإشهاد على الرجعة مستحبّ مستحبّ مستحبّ في الجديد، واجب في القديم مستحبّ في المعتمد، وعن أحمد رواية بالوجوب
الثلاث بلفظٍ واحد تقع ثلاثاً، والجمع بدعة تقع ثلاثاً، والجمع بدعة تقع ثلاثاً، ولا يعدّ الجمع بدعة تقع ثلاثاً، وفي تحريم الجمع روايتان عن أحمد
الطلاق في الحيض يقع، وتجب المراجعة يقع، ويُجبَر على المراجعة يقع، وتُستحبّ المراجعة يقع، وتُستحبّ المراجعة
المعلَّق بقصد اليمين يقع عند الحِنث يقع يقع يقع
طلاق السكران يقع يقع يقع يقع في المعتمد، وعن أحمد رواية بعدمه
مضيّ أربعة أشهر في الإيلاء تبين بطلقةٍ بائنة يُوقَف فيفيء أو يطلّق يُوقَف فيفيء أو يطلّق يُوقَف فيفيء أو يطلّق
نكاح التحليل المشروط يصحّ مع الكراهة ويُحلّها باطل باطلٌ إن شُرط في العقد باطل

مصادر الجدول: الموسوعة الفقهية في الدرر السنية بإحالاتها إلى كتب المذاهب (الإشهاد على الطلاق؛ الإشهاد على الرجعة؛ الثلاث بلفظٍ واحد؛ الطلاق في الحيض؛ طلاق السكران)؛ والموسوعة الفقهية الكويتية في وجوب المراجعة (بنقل إسلام ويب)؛ وفي جمع الثلاث عند الشافعي وأحمد (إسلام ويب)؛ وفي التحليل زهرة التفاسير لأبي زهرة.

مستندهم الجامع

  • عمومُ آيات الطلاق في المصحف، وسكوتها عن اشتراط الشهود لإيقاعه.
  • إمضاءُ عمر الثلاثَ ثلاثاً، وما حكاه بعضهم إجماعاً بعده (انظر: «دعوى الإجماع في مسائل الطلاق»). وقد نقل ابن باز نفسه أنّ «الأئمة الأربعة» يوقعون الثلاث بكلمةٍ واحدة (فتوى 7508).
  • حديث: «ثلاثٌ جِدُّهنّ جِدّ وهزلهنّ جِدّ: النكاح والطلاق والرجعة» (أبو داود 2194؛ الترمذي 1184).
  • حكاية الإجماع على عدم وجوب الإشهاد في الطلاق، نقلها الشوكاني عن الموزعي في «تيسير البيان» (نيل الأوطار 7/43–44).

موقعها من الأطروحة. هذا هو البناء الذي تنقضه الأطروحة من أساسه: فهو يجعل الطلاق لفظاً يقع بنفسه، والأطروحة تجعله مساراً لا يتمّ إلا بمُهَله وشهوده.

الجدل بين التراثيّين: ابن تيمية وابن باز ومن معهما في مواجهة المذاهب الأربعة

خالف ابن تيمية وابن القيّم، ومن بعدهما ابن باز وابن عثيمين، المذاهبَ الأربعة في ستّ مسائل من الطلاق، وزاد أحمد شاكر سابعةً هي الإشهاد. وتقف الأطروحة معهم في هذه السبع، وتنفرد عنهم جميعاً بالتربّص، وبجعل التسريح بعد الطلقة الثانية محرِّماً.

1. الثلاث بلفظٍ واحد

  • الحديث المحوري. عن ابن عبّاس: «كان الطلاق على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر طلاقُ الثلاث واحدة، فقال عمر بن الخطّاب: إنّ الناس قد استعجلوا في أمرٍ كانت لهم فيه أناة، فلو أمضيناه عليهم، فأمضاه عليهم» (مسلم 1472). ومعه حديث ركانة: طلّق امرأته ثلاثاً في مجلسٍ واحد فحزن عليها، فقال النبيّ ﷺ: «فإنما تلك واحدة، فارجعها إن شئت» (مسند أحمد 2387، الطبعة الميمنية 1/265)، وجوّد ابن باز إسناده.
  • جواب الجمهور. حملوا حديث مسلم على من كرّر اللفظ للتأكيد، أو على تغيّر عادة الناس في الإيقاع، واحتجّوا بإمضاء عمر وسكوت الصحابة عليه (شرح النووي على مسلم، باب طلاق الثلاث).
  • ابن تيمية وابن القيّم. الثلاث بكلمةٍ واحدة طلقةٌ واحدة؛ وإمضاء عمر عقوبةٌ اجتهاديّة لمن استعجل، لا تشريعٌ دائم (مجموع الفتاوى، ج33؛ زاد المعاد وإعلام الموقّعين).
  • ابن باز. أفتى بأنها واحدة، وعدّ الطلاق بالثلاث منكراً يُتاب منه (مجموع فتاواه 21/436). لكنه فرّق: من كرّر «أنتِ طالق» ثلاث جملٍ ناوياً الثلاث وقعت ثلاثاً.
  • هيئة كبار العلماء في السعودية. قرّرت بأكثريّتها، في القرار رقم 18 بتاريخ 12/11/1393هـ، أنّ الثلاث بلفظٍ واحد تقع ثلاثاً (أبحاث هيئة كبار العلماء 1/541). وخالف ابن باز وعبد الرزاق عفيفي وعبد الله خيّاط وراشد بن خنين ومحمد بن جبير، وتوقّف صالح اللحيدان (نصّ القرار بتوقيعاته). واحتجّ المخالفون بأنّ الله قال «مرّتان» ولم يقل «طلقتان» (وجهة نظر المخالفين 1/552).
  • في القانون. أخذ به القانون المصري 25/1929 (م3)، والعراقي 188/1959، ومدوّنة الأسرة المغربية 2004 (م92). ونبّه أبو زهرة إلى أنّ قانون 1929 لم يخرج عن المذاهب الأربعة إلا في الطلاق بلفظ الثلاث والطلاق المعلّق، وأنّ مشروعه الأوّل أخذ بعض موادّه من أقوال ابن تيمية وابن القيّم (الأحوال الشخصيّة، المقدّمة)؛ ورجّح هو في تفسيره أنّ الثلاث بلفظٍ واحد تقع واحدة (زهرة التفاسير 2/773).
  • الردود. ألّف محمد زاهد الكوثري «الإشفاق على أحكام الطلاق» ردّاً على أحمد شاكر وهذا الاتجاه.
  • موقع الأطروحة. توافقهم وتزيد: لا تقع إلا واحدة، وبشرط أن تقع داخل المسار.

2. لا طلاق على طلاقٍ قبل الرجعة

  • اختار ابن تيمية أنّ الطلاق لا يلحق المعتدّة الرجعيّة إلا بعد رجعةٍ أو عقد. وتبعه ابن عثيمين: «ليس هناك طلاق ثلاث أبداً، إلا إذا تخلّله رجعة أو عقد» (الشرح الممتع 13/94، بنقل الإسلام سؤال وجواب)، ورجّحه قبله عبد الرحمن السعدي (إسلام ويب 129665).
  • وسلفه القديم طاوس: كان لا يرى طلاقاً ما خالف وجه الطلاق ووجه العدّة، ويقول: يطلّقها واحدة ثم يدعها حتى تنقضي عدّتها (مصنّف عبد الرزاق، بنقل أبحاث هيئة كبار العلماء).
  • وردّه ابن باز في رسالةٍ إلى ابن عثيمين، وقال إنه «قول ضعيف مخالف للأدلة الشرعية» لا يعلم له سلفاً (مجموع فتاواه 21/304).
  • موقع الأطروحة. هذه أقرب مسائل التراث السنّيّ إليها: كلّ طلقة تحتاج نكاحاً قائماً بعد رجعة.

3. الطلاق في الحيض والطهر المجامَع فيه

  • النصّ. «مُرْه فليراجعها، ثم ليمسكها حتى تطهر، ثم تحيض ثم تطهر، ثم إن شاء أمسك بعدُ وإن شاء طلّق قبل أن يمسّ» (البخاري 5251؛ مسلم 1471).
  • الجمهور: يقع مع الإثم، ولهم قول ابن عمر: «حُسبت عليّ بتطليقة» (البخاري 5253).
  • المخالفون: لا يقع، ولهم رواية أبي الزبير: «فردّها عليّ ولم يرها شيئاً» (أبو داود 2185)، مع أنّ أبا داود قال إنّ الأحاديث كلّها على خلافها. وهو قول طاوس وخلاس بن عمرو وابن عقيل الحنبليّ والظاهريّة، واختاره ابن تيمية وابن القيّم.
  • ابن باز: «الصحيح أنه لا يقع؛ لأنه طلاق محرّم» (فتوى 3166)، بشرط أن يعلم الزوج بحيضها. وعلى ذلك ابن عثيمين (إسلام أون لاين).
  • موقع الأطروحة. «لعدّتهنّ» شرطُ وقتٍ لا يصحّ الطلاق خارجه.

4. الحلف بالطلاق والطلاق المعلَّق

  • الجمهور: يقع الطلاق عند وقوع الشرط.
  • ابن تيمية: إن قُصد به الحثّ أو المنع فهو يمينٌ تُكفَّر كفّارة اليمين. ومُنع من الفتيا به سنة 718هـ بمرسوم السلطان، ثم حُبس بسببه في قلعة دمشق من رجب 720هـ إلى عاشوراء 721هـ، نحو خمسة أشهر ونصف (مركز سلف). وردّ عليه تقيّ الدين السبكي بعدّة رسائل، فأجابه ابن تيمية بـ«الردّ على السبكي في مسألة تعليق الطلاق».
  • ابن باز: على قول ابن تيمية؛ للمعلَّق بقصد المنع «حكم اليمين» في أصحّ قولي العلماء (فتوى 6306).
  • في القانون. نصّت المادة 2 من القانون المصري 25/1929: «لا يقع الطلاق غير المنجز إذا قصد به الحمل على فعل شيء أو تركه لا غير»، وفي مذكّرته الإيضاحية أنّ «اليمين في الطلاق وما في معناه لاغٍ». والإماميّة يُبطلون التعليق كلّه.
  • موقع الأطروحة. الطلاق «عزم» (البقرة 227)، والحلف والتعليق نقيض العزم.

5. الغضبان والسكران والمكره

  • النصّ. «لا طلاق ولا عَتاق في إغلاق» (أبو داود 2193؛ ابن ماجه 2046).
  • ابن القيّم: في «إغاثة اللهفان في حكم طلاق الغضبان» جعل الغضب ثلاث درجات، لا يقع الطلاق في شديده. وبه أفتى ابن باز (فتوى 2195).
  • السكران: علّق البخاري عن عثمان: «ليس لمجنونٍ ولا لسكرانَ طلاق» (كتاب الطلاق، باب الطلاق في الإغلاق والكره والسكران والمجنون)، ومعه عن ابن عبّاس: «طلاق السكران والمستكره ليس بجائز»؛ وعليه ابن تيمية؛ والجمهور على الوقوع.
  • في القانون. المادة 1 من القانون المصري 25/1929: «لا يقع طلاق السكران والمكره»، وزاد القانون العراقي فاقد التمييز من غضب.
  • موقع الأطروحة. لا عزم مع إغلاق.

6. نكاح التحليل

  • ألّف ابن تيمية «بيان الدليل على بطلان التحليل»، وتبعه ابن القيّم. ومعهما مالك وأحمد، وخالفهم أبو حنيفة فصحّحه مع الكراهة.
  • موقع الأطروحة. «زوجاً غيره» نكاحُ رغبة؛ والعقد المعقود ليُفسخ ليس نكاحاً في لسان المصحف.

7. الإشهاد: حيث يفترق ابن تيمية وابن باز عن الأطروحة

  • ابن تيمية: الإشهاد في آية الطلاق على الرجعة، ومن جعله شرطاً للطلاق خالف الإجماع والكتاب والسنّة (مجموع الفتاوى 33/33–34، بنقل إسلام ويب).
  • ابن باز: الطلاق يقع ولو لم يُشهد، والإشهاد سنّة (فتوى 7046).
  • أحمد شاكر: خالفهما وخالف المذاهب الأربعة، فجعل الإشهاد «شرط في صحة كل منهما»، أي الطلاق والرجعة (جمهرة مقالاته ص641)، وردّ دعوى الإجماع التي نقلها الشوكاني.
  • أبو زهرة: «لو كان لنا أن نختار للمعمول به في مصر لاخترنا هذا الرأي» (الأحوال الشخصية، بنقل عربي بوست).
  • ابن حزم أوجبه، ونُقل عن الألباني ترجيح الوجوب دون الاشتراط (فركوس). وأمّا ابن عاشور، ويُعدّ أحياناً في القائلين بالاشتراط، فقد رجّح عود الأمر إلى الإمساك والفراق معاً وردّ قياسه على البيع، لكنه نقل الاتّفاق على أنه ليس شرطاً لصحّة المراجعة أو المفارقة (التحرير والتنوير 28/309). وفي تفسير الطبري عن ابن عبّاس، برواية علي بن أبي طلحة، أن يُشهد رجلين عند الطلاق وعند المراجعة.
  • في القانون. المادة 21 من القانون المصري 1/2000: «لا يعتد في إثبات الطلاق عند الإنكار إلا بالإشهاد والتوثيق». والمادة 79 من المدوّنة المغربية: يطلب الزوج إذن المحكمة بالإشهاد على الطلاق لدى عدلين. وفي المقابل قرّرت هيئة كبار العلماء بالأزهر في 5 فبراير 2017 وقوع الطلاق الشفويّ المستوفي أركانه «دون اشتراط إشهاد أو توثيق» (اليوم السابع).
  • موقع الأطروحة. مع أحمد شاكر والإماميّة، وتمدّ الإشهاد إلى القرار عند الأجل.

8. الإيلاء: المسألة التي لم يخالف فيها أحد

  • قال ابن باز: «يؤلون: يحلفون، الألية: اليمين» (باب الإيلاء)؛ وعلى هذا جميع من سبق ذكرهم، سنّةً وشيعة.
  • فخلاف التراث في الإيلاء محصورٌ فيما يقع بعد الأربعة، لا في كونه يميناً.
  • موقع الأطروحة. تنفرد بتعميم التربّص على كلّ طلاق، ولا يُعرف لها فيه سلفٌ في المدوّنات السنّيّة ولا الإماميّة.

الخلاصة في جدول

المسألة المذاهب الأربعة ابن تيمية وابن القيّم ابن باز الأطروحة ومن وافقها
الثلاث بلفظٍ واحد تقع ثلاثاً واحدة واحدة واحدة داخل المسار؛ ومعها أحمد شاكر وأبو زهرة والإماميّة والقانون المصري
طلاقٌ على طلاقٍ بلا رجعة يقع لا يقع يقع لا يقع؛ ومعها ابن عثيمين والسعدي
الطلاق في حيضٍ أو طهرٍ جامع فيه يقع مع الإثم لا يقع لا يقع إن علم الزوج لا يقع؛ ومعها ابن عثيمين والإماميّة
الحلف بالطلاق يقع عند الحِنث يمينٌ فيها كفّارة يمينٌ فيها كفّارة ليس عزماً فلا يقع؛ ومعها القانون المصري
الغضب الشديد يقع ما لم يزل العقل لا يقع لا يقع لا يقع؛ ومعها القانون العراقي
الإشهاد على الطلاق سنّةٌ لا شرط على الرجعة لا الطلاق سنّةٌ لا شرط شرطٌ في الطلاق والقرار؛ ومعها أحمد شاكر والإماميّة (في الطلاق)
التربّص قبل الطلاق خاصٌّ بالحالف خاصٌّ بالحالف خاصٌّ بالحالف عامٌّ في كلّ طلاق؛ ومعها رشاد خليفة وجماعته

الطلاق عند الشيعة الإماميّة (الجعفريّة)

الطلاق عند الإماميّة إيقاعٌ لا يصحّ إلا بشروطه: صيغةٌ صريحةٌ منجَّزة، وزوجةٌ طاهرٌ في طهرٍ لم يواقعها فيه، وشاهدان عدلان يسمعان الإنشاء معاً. وهو بذلك أقرب المذاهب القائمة إلى الأطروحة، ويفترق عنها في التربّص، وفي الإشهاد على الرجعة، وفي أنّ المحرِّمة عندهم الثالثة.

الأصل القرآنيّ والروائيّ

  • يقرّر فقهاؤهم أنّ الإشهاد في سورة الطلاق راجعٌ إلى الطلاق لا إلى الإمساك (درس فقهٍ استدلاليّ).
  • و«لعدّتهنّ» عندهم: في طهرٍ لم يواقعها فيه.
  • وأصرح رواياتهم صحيحة البزنطي عن الرضا: رجلٌ طلّق امرأته بعدما غشيها بشهادة عدلين، فقال: «ليس هذا طلاقاً»، ثم قال: يطلّقها إذا طهرت من حيضها قبل أن يغشاها بشاهدين عدلين، «كما قال الله عزّ وجلّ في كتابه» (الكافي، كتاب الطلاق؛ وسائل الشيعة 22، أبواب مقدّمات الطلاق، ب10، ح4).
  • وفي خبر إسماعيل بن الفضل عن الصادق: لا يقع الطلاق إلا على كتاب الله والسنّة لأنه حدٌّ من حدود الله، وفيه أنّ النبيّ ﷺ ردّ طلاق ابن عمر (بنقل درس فقه).

شروط الصحّة (منهاج الصالحين للسيستاني، ج3، طبعة 1445هـ)

الشرط مضمونه الموضع
المطلِّق البلوغ والعقل والقصد والاختيار؛ فلا يصحّ طلاق المكره والهازل والسكران م613 بالإحالة؛ مدوّنة العتبة العلويّة، م109
المطلَّقة زوجةٌ دائمة معيّنة، طاهرٌ من الحيض والنفاس، في طهرٍ لم يواقعها فيه، إلا في مواضع مستثناة كالحامل واليائسة وغير المدخول بها م614 بالإحالة
الصيغة لفظ «طالق» تحديداً: «أنتِ طالق» أو «فلانة طالق»؛ لا يقع بـ«مطلَّقة» ولا بالكنايات ولو نواها، ولا بغير العربيّة مع القدرة، ولا بالكتابة والإشارة مع القدرة على النطق م498، 500، 501
التنجيز يبطل الطلاق المعلَّق على أمرٍ مستقبل م498، الأمر الثاني
الإشهاد رجلان عدلان يسمعان الإنشاء مجتمعَين في مجلسه؛ لا يكفي الهاتف على الأحوط، ولا تُقبل شهادة النساء؛ ويبطل الطلاق إن كانا فاسقين في الواقع م498 الأمر الثالث، وم508
علم الزوجة لا يُشترط علمها ولا رضاها م509

البدعيّ باطل، والثلاث لا تقع ثلاثاً

  • يعدّ السيستاني من البدعيّ طلاق الحائض والنفساء، وطلاقاً في طهر المواقعة، والمعلَّق، وما كان بلا إشهاد عدلين، وطلاق المكره، والثلاث؛ ثم يقول: «والجميع باطل عند الإماميّة»، إلا الثلاث على تفصيل (م510).
  • «هي طالق ثلاثاً» بقصد إيقاع ثلاث: باطلٌ لا يقع به شيء؛ فإن قصد إنشاء طلاقٍ ثم وصفه بالثلاث وقعت واحدة (م511).
  • «هي طالق، هي طالق، هي طالق» بلا رجعةٍ بينها: تقع واحدة ويُلغى الآخران (م511). وهذا عينُ ما اختاره ابن تيمية وابن عثيمين في الطلاق على الطلاق.

الأقسام والرجعة

  • البائن ستّة: طلاق الصغيرة التي لم تبلغ التسع، واليائسة، وقبل الدخول، والثالثة بعد رجعتين، والخلع والمباراة ما لم ترجع الزوجة في البذل، وطلاق الحاكم للممتنع عن الطلاق وعن حقوقها (م515). وما عداها رجعيّ.
  • المطلّقة رجعيّاً زوجةٌ حقيقةً أو حكماً في العدّة، ولا يجوز إخراجها من دار سكناها (م517–518).
  • الرجعة تتحقّق بالقول، أو بفعلٍ يُقصد به الرجوع، والوطء رجوعٌ مطلقاً. و«لا يعتبر الإشهاد في الرجعة» وإن كان أفضل (م531–532).

الثالثة والمحلِّل والتحريم المؤبّد

  • الثلاث مع تخلّل رجعتين أو عقدين تحرّمها حتى تنكح زوجاً غيره (م520–521).
  • شروط المحلِّل: عقدٌ دائم لا متعة، ووطءٌ في القُبُل، وبلوغ الزوج الثاني، وفراقه بموتٍ أو طلاق، وانقضاء عدّتها منه (م523).
  • الهدم: إن تزوّجت بعد طلقةٍ أو طلقتين زوجاً آخر دخل بها، ثم عادت إلى الأول، استأنف ثلاثاً جديدة (م524).
  • التحريم المؤبّد: بتسع طلقاتٍ عدّيّة ينكحها بينها رجلان، على المشهور (م522).

قاعدة الإلزام

إذا طلّق غير الإماميّ زوجته طلاقاً صحيحاً في مذهبه فاسداً عندهم، جاز للإماميّ أن يتزوّجها بعد عدّتها «إقراراً له على مذهبه»؛ ومن طلّق ثلاثاً وهو على مذهبٍ يوقعها ثم صار إماميّاً لم يلزمه إلا حكم طلقةٍ واحدة (م512–514).

أين يلتقي الإماميّة بالأطروحة وأين يفترقان

الحلقة الإماميّة الأطروحة
التربّص قبل الطلاق لا؛ الإيلاء يمينٌ خاصّة كما عند الجمهور نعم، أربعة أشهر
التوقيت «لعدّتهنّ» شرطُ صحّة شرط
الشاهدان على الطلاق شرطُ صحّة شرط
الشاهدان على الإمساك أو الفراق لا يُشترطان في الرجعة شرط
الثلاث مجموعة باطلٌ أو واحدة واحدةٌ داخل المسار
التعليق والحلف باطل لا يقع
المحلِّل نكاحٌ دائم مع دخول نكاحُ رغبة
«واللائي لم يحضن» عدّة الأشهر للمسترابة البالغة، ولا عدّة على من دون التسع؛ ولا يمنعون عقد الصغيرة بالغاتٌ لا يحضن لعلّة، ولا نكاح قبل البلوغ

جدول المقارنة الكبرى

خمس إجاباتٍ عن اثنتي عشرة مسألة: الأطروحة أشدّها تقييداً لإيقاع الطلاق، والمذاهب الأربعة أوسعها، والجعفريّة أقربها إلى الأطروحة.

المسألة الأطروحة المذاهب الأربعة ابن تيمية وابن باز الجعفريّة القانون المصري
مهلةٌ قبل الطلاق أربعة أشهر إلزاماً لا، إلا للحالف بالإيلاء لا لا لا مهلة؛ والتحكيم في دعوى الضرر (م6–11 من 25/1929)
التحكيم مقدَّمٌ على الطلاق مشروعٌ عند الشقاق مشروع مشروع إجراءٌ في التطليق للضرر
وقت الطلاق «لعدّتهنّ» شرط سنّة، ويقع المخالف مع الإثم شرط، والبدعيّ لا يقع شرطُ صحّة لا يُشترط
الشاهدان على الطلاق شرط سنّة سنّة شرطُ صحّة توثيقٌ خلال 30 يوماً (م5 مكرّر)؛ والإثبات عند الإنكار بالإشهاد والتوثيق (م21 من 1/2000)
الشاهدان على الإمساك أو الفراق شرط مستحبّ غالباً الإشهاد على الرجعة مأمورٌ به لا يُشترط في الرجعة لا نصّ
الثلاث بلفظٍ واحد واحدة ثلاث واحدة باطلٌ أو واحدة واحدة (م3)
طلاقٌ على طلاقٍ بلا رجعة لا يقع يقع لا يقع عند ابن تيمية، ويقع عند ابن باز لا يقع في المتوالي لا نصّ خاصّ
الحلف بالطلاق والتعليق لا يقع يقع عند الحِنث يمينٌ فيها كفّارة باطل لا يقع إن قُصد به الحمل أو المنع (م2)
طلاق السكران والمكره لا يقع يقع طلاق السكران لا يقع لا يقع لا يقع (م1)
متى يقع الفراق عند الأجل بقرارٍ مشهود بانقضاء العدّة في الرجعيّ كذلك كذلك كلّ طلاقٍ رجعيّ إلا ما استُثني (م5)
ما يحرّمها حتى زوجٍ آخر التسريح بعد الثانية، أو طلاقٌ بعد إمساكها فيها الطلقة الثالثة الطلقة الثالثة الثالثة بعد رجعتين أو عقدين، بشروط المحلِّل الطلقة الثالثة
تزويج الصغيرة و«اللائي لم يحضن» لا نكاح قبل البلوغ والرشد؛ والآية في بالغةٍ لا تحيض يصحّ تزويج الأب ابنته الصغيرة، والآية في الصغيرة ابن تيمية: إذا بلغت تسعاً زوّجها الأولياء بإذنها؛ وابن عثيمين: لا يزوّجها أبوها حتى تبلغ يصحّ العقد؛ ولا عدّة على من دون التسع، والأشهر للمسترابة لا يُوثَّق زواجٌ قبل 18 سنة (القانون 126/2008)

أرقام المواد من القانون 25/1929 المعدَّل بالقانون 100/1985، والمادة 21 من القانون 1/2000 (بنقل إسلام ويب).

دعوى الإجماع في مسائل الطلاق: ما يثبت منها وما لا يثبت

يتردّد لفظ «الإجماع» في كتب الطلاق حتى يبدو كلّ حكمٍ فيه محسوماً. والجرد السابق يُظهر غير ذلك: فأكثر المسائل التي يُوصف قول الجمهور فيها بالإجماع خالف فيها صحابةٌ وتابعون وأئمّةٌ معتبرون، ثم قوانين دولٍ مسلمة. ويختبر هذا القسم كلّ دعوى بمعيار الأصوليّين أنفسهم.

المعيار

  • الإجماع عند الأصوليّين اتّفاق المجتهدين من الأمّة في عصرٍ على حكمٍ شرعيّ؛ فإذا ثبت خلاف مجتهدٍ معتبر لم ينعقد.
  • قول الجمهور قول أكثر الفقهاء، واتّفاق المذاهب الأربعة قول أئمّتها ومعتمد مذاهبهم. وكلاهما معتبرٌ عند من يأخذ به، لكنه ليس إجماعاً، ولا يرفع الخلاف.
  • وضع الشافعي لعبارة «مُجمَعٌ عليه» حدّاً صارماً: «لستُ أقول ولا أحدٌ من أهل العلم: هذا مجتمعٌ عليه، إلا لما لا تلقى عالماً أبداً إلا قاله لك وحكاه عمّن قبله، كالظهر أربع، وكتحريم الخمر» (الرسالة).
  • وقال أحمد: «من ادّعى الإجماع فهو كاذب، لعلّ الناس قد اختلفوا… ولكن يقول: لا نعلم الناس اختلفوا» (مسائل الإمام أحمد رواية ابنه عبد الله). وحمله ابن تيمية وابن القيّم على من يردّ السنن بإجماعٍ لا يعلم انتفاء الخلاف فيه؛ وبهذا الحمل نفسه يصدق على كثيرٍ ممّا يُحكى في الطلاق.
  • ولذلك جاءت عبارات كثيرٍ من حكاة الإجماع: «لا نعلم فيه خلافاً»، و«قول عامّة أهل العلم»، و«كلّ من نحفظ عنه». وهي إخبارٌ عن علم الحاكي، لا عن انتفاء الخلاف.

المسائل واحدةً واحدة

المسألة من حكى الإجماع أو ما يقاربه الخلاف المسمّى الحكم
وقوع الطلاق في الحيض النووي: «أجمعت الأمة على تحريم طلاق الحائض… فلو طلّقها أثم ووقع طلاقه»؛ ابن المنذر: «كلّ من نحفظ عنه من أهل العلم، إلا ناساً من أهل البدع لا يُقتدى بهم»؛ ابن عبد البرّ: «جماعة فقهاء الأمصار وجمهور علماء المسلمين» طاوس، وخِلاس بن عمرو، وابن عقيل، والظاهريّة، وابن تيمية، وابن القيّم، وابن باز، وابن عثيمين، والإماميّة الإجماع على التحريم وحده؛ والوقوع قول الجمهور
الثلاث بلفظٍ واحد تقع ثلاثاً الجصّاص، والباجي («إجماع الصحابة»)، وغيرهما ابن عبّاس في رواية طاوس (مسلم 1472) عن عمل العهد النبويّ وخلافة أبي بكر وصدرٍ من خلافة عمر؛ ومشايخ من قرطبة؛ وابن تيمية، وابن القيّم، والصنعاني، والشوكاني، وابن باز، وابن عثيمين، وأبو زهرة؛ والإماميّة؛ والقانون المصري (م3) لا إجماع
الإشهاد ليس شرطاً في الطلاق الموزعي والشوكاني؛ وقال ابن تيمية فيمن اشترطه إنه «خالف الإجماع» ابن عبّاس في رواية الطبري، وعطاء، وعمران بن حصين، وابن حزم، وأحمد شاكر، والإماميّة لا إجماع
وقوع الحلف بالطلاق والمعلَّق قول الجمهور عليّ، وشريح، وطاوس، وعطاء، والحكم بن عتيبة، وعكرمة، وداود، وابن حزم (المحلّى، م1965)؛ وابن تيمية، وابن القيّم، وابن باز؛ والقانون المصري (م2) لا إجماع
وقوع طلاق السكران معتمد المذاهب الأربعة عثمان، وابن عبّاس، وعمر بن عبد العزيز، وطاوس، وعطاء، وربيعة، والليث، وإسحاق، والمزني، والطحاوي، ورواية عن أحمد؛ والظاهريّة؛ وابن تيمية، وابن القيّم، وابن باز، وابن عثيمين؛ والقانون المصري (م1) لا إجماع
الطلاق على الطلاق في العدّة قول الجمهور؛ وقال ابن باز إنه لا يعلم للمخالف سلفاً طاوس، وابن تيمية، والسعدي، وابن عثيمين، والإماميّة لا إجماع
تزويج الأب ابنته الصغيرة ابن نصر المروزي: «أجمع أهل العلم على أنّ نكاح الأب جائزٌ على ابنه وابنته الصغيرين»؛ الكاساني: «لا خلاف»، ثم استثنى البتّيّ وابن شبرمة عثمان البتّي، وابن شبرمة، وأبو بكر الأصمّ؛ وابن عثيمين في المنع قبل البلوغ؛ والقانون المصري 126/2008 لا إجماع
دخول الزوج الثاني شرطٌ للتحليل ابن المنذر: جماعة العلماء إلا سعيد بن المسيّب سعيد بن المسيّب قول الجمهور، بمخالفٍ واحدٍ مشهور
عدد الطلاق ثلاث ابن رشد، وابن حزم، ودار الإفتاء المصريّة؛ وحكى ابن عبد البرّ الإجماع على أنّ «فإن طلّقها» هي الثالثة لا سلف لقراءة «مرّتان»؛ والخلاف القديم في موضع «الثالثة» من الآية لا في عددها أقرب التفاصيل إلى الإجماع
مشروعيّة الطلاق، والعدّة، والرجعة فيها، والتحريم حتى زوجٍ آخر بعد استيفاء العدد محلّ اتّفاق لا خلاف معروف إجماع

مصادر الجدول: الموسوعة الفقهية في الدرر السنية (الطلاق في الحيض؛ طلاق السكران؛ تزويج الصغار)؛ وإسلام ويب 60228 في حكاية الإجماع على الثلاث؛ وبقيّة الإحالات في مواضعها من البحث.

ما تكشفه الدعاوى

  • إجماعٌ يُحكى والمخالف مذكورٌ معه. قال النووي في طلاق الحائض: «أجمعت الأمة على تحريم طلاق الحائض… فلو طلّقها أثم ووقع طلاقه»، ثم قال: «وشذّ بعض أهل الظاهر» (شرح صحيح مسلم). وقال الكاساني «لا خلاف» في ولاية الأب على تزويج الصغيرة، ثم استثنى البتّيّ وابن شبرمة. فالخلاف ثابتٌ في نصّ الدعوى نفسها، ويُنقل المخالف من «أهل العلم» إلى «الشذوذ» أو «أهل البدع» ليبقى الإجماع قائماً.
  • إجماعٌ يُحكى بعد عهدٍ مخالف. حديث ابن عبّاس في مسلم يجعل الثلاث واحدةً عملَ العهد النبويّ وخلافة أبي بكر وصدرٍ من خلافة عمر. فما بعد عمر، إن صحّ أنه إجماع، إجماعٌ على خلاف عملٍ سابق؛ وجمهور الأصوليّين على أنّ الإجماع لا يَنسخ النصّ، وإنما يدلّ على ناسخٍ إن وُجد، ولم يُذكر ناسخ.
  • اتّفاق أربعة مذاهب يُسمّى إجماع الأمّة. فيسقط من الحساب صحابةٌ وتابعون مخالفون، والظاهريّة، والإماميّة، ومن خالف من أتباع المذاهب أنفسهم.

خلاصة القسم

وصف أحكام الطلاق بالإجماع مبالغةٌ حين يُطلق على تفاصيل الإيقاع: الثلاث بلفظٍ واحد، وطلاق الحائض، والحلف بالطلاق، وطلاق السكران، والإشهاد، والطلاق على الطلاق، وتزويج الصغيرة. فهي مسائل خلافٍ ثابتٍ بأسماء قائليه من الصحابة إلى المعاصرين، والوصف الدقيق لها «قول الجمهور» أو «اتّفاق المذاهب الأربعة». أمّا الإجماع الصحيح فمحصورٌ في الإطار العامّ: مشروعيّة الطلاق، والعدّة، والرجعة فيها، والتحريم حتى زوجٍ آخر بعد استيفاء العدد. وأقرب التفاصيل إلى الإجماع عددُ الثلاث نفسه، وهو ما تقف أمامه قراءة «مرّتان» بلا سلف؛ فالمعيار الذي يُسقط دعوى الإجماع في الإيقاع يُلزم الأطروحة بالتواضع في العدد.

الرأي المقابل وأقوى اعتراضاته

أقوى ما يُعترض به على الأطروحة عشرة اعتراضات؛ أشدّها يصيب حلقتي التربّص والعدد.

الاعتراض مضمونه ومصدره جواب الأطروحة قوّته
تقييد آية الإيلاء «للذين يؤلون» حكمٌ للحالف، والأَلِيّة يمين (البغوي، ابن باز)؛ ولم يعمّمه صحابيٌّ ولا مذهبٌ سنّيّ أو إماميّ التضمين يجعل جوهر الفعل الابتعاد؛ والآية تفتتح باب الطلاق كلّه قويّ
الثلاث محلّ إجماع «فإن طلّقها» ثالثةٌ بعد المرّتين (القرافي، أبو زهرة)؛ وفي مسلم 1480 «تطليقة كانت بقيت من طلاقها»؛ والإجماع (ابن رشد، ابن حزم)؛ ودار الإفتاء المصرية 2018 «مرّتان» نصّ، والثلاث لم تُذكر؛ والتسريح هو «الثالثة» في خبر أبي رزين نفسه، ومعناه عند السدّي والضحّاك تركُ الرجعة قويّ
آياتٌ تذكر الطلاق بلا تربّص الطلاق 1، والأحزاب 49، والبقرة 236 تخاطب المطلِّقين مباشرةً بلا مهلةٍ سابقة هذه أحكام ما بعد الإيقاع، والتربّص يسبقه متوسّط إلى قويّ
الإشهاد مذكورٌ بعد الإمساك والفراق جاء الأمر بعد «فأمسكوهنّ أو فارقوهنّ» فهو للرجعة (ابن تيمية، الطبري)؛ ولم يشترط الله الإشهاد في آيات الطلاق الأخرى (ابن باز) السورة افتُتحت بـ«إذا طلّقتم»، والأمر يعمّ المسار؛ والإماميّة يعيدونه إلى الطلاق نفسه متوسّط
حكاية الإجماع الإجماع على عدم وجوب الإشهاد (الموزعي والشوكاني)، وعلى وقوع الثلاث بعد عمر الخلاف مسمّى: في الإشهاد عن ابن عبّاس وعطاء وعمران بن حصين وابن حزم، وبه ردّ أحمد شاكر دعوى الإجماع؛ وفي الثلاث عن ابن عبّاس في رواية طاوس ومن تبعه. فالمحكيّ اتّفاقٌ مذهبيّ لا إجماعٌ أصوليّ ضعيف
أحاديث وقوع البدعيّ والثلاث «حُسبت عليّ بتطليقة» (البخاري 5253)، وإمضاء عمر منهج الأطروحة لا يحتكم إلى الحديث؛ وحديث مسلم 1472 نفسه يشهد لها يُلزم من يقبل الحديث وحده
منهج «المصحف وحده» المصحف أمر بطاعة الرسول، والطلاق كان عملاً يومياً في العهد النبويّ لا يغيب تطبيقه خلافٌ منهجيّ خارج نطاق البحث؛ والأطروحة تبني على ما فصّله المصحف في الباب منهجيٌّ مفتوح
الأثر العمليّ من يعمل بالأطروحة قد يعدّ نفسه متزوجاً والقضاء يعدّه مطلِّقاً، أو العكس؛ والأزهر يوقع الطلاق الشفويّ (2017) تدعو إلى تقنينها، كما فعلت المغرب في الإذن القضائيّ والإشهاد قويٌّ عملياً
إطالة الضرر الانتظار أربعة أشهر قد يطيل زواجاً مؤذياً المهلة قيدٌ على طلاق الزوج وحده؛ وللزوجة الافتداء (البقرة 229) والتحكيم (النساء 35) ضعيف
نكاح الصغيرة «اللائي لم يحضن» صغيرات (الطبري، القرطبي)، وترجمة البخاري وحديث عائشة (5133)، والإجماع المحكيّ (ابن نصر المروزي) «حتى إذا بلغوا النكاح» وأهليّة المرأة في كلّ مراحل المسار؛ وخالف البتّيّ وابن شبرمة والأصمّ، ومنع ابن عثيمين الأب قبل البلوغ قويٌّ في الرواية، ضعيفٌ في النصّ

والحاصل أنّ الاعتراضات النصّيّة تتركّز في ثلاث حلقات: التربّص، والعدد، والإشهاد. أمّا بقيّة الحلقات فلها سندٌ داخل التراث نفسه، عند ابن تيمية وابن باز وأحمد شاكر والإماميّة.

تقويم الأطروحة: قوّة الدليل في كلّ حلقة

ثلاث حلقاتٍ قطعيّة بنصّ المصحف، وأربعٌ قويّة لها سندٌ في التراث، واثنتان محلّ اجتهادٍ لهما سلف، وحلقتان بلا سلف: تحريمها بالتسريح بعد الثانية، وهو محتملٌ نصّاً، والتربّص العامّ، وهو أضعفها.

الحلقة مرتبة الدليل قوّته سندها في التراث
العدّة بعد الطلاق وبقاء المرأة في بيتها نصٌّ صريح (البقرة 228؛ الطلاق 1) قطعيّ متّفقٌ عليه
الإمساك أو التسريح عند الأجل نصٌّ صريح (البقرة 231؛ الطلاق 2) قطعيّ متّفقٌ عليه في الرجعيّ
«مرّتان» ثم تحريمٌ حتى زوجٍ آخر نصٌّ صريح (البقرة 229–230) قطعيّ متّفقٌ عليه؛ وكون المحرِّمة ثالثةً مستقلّة قراءةُ الجمهور
«مرّتان» تفريقٌ لا جمع، فالثلاث بلفظٍ واحد واحدة نصٌّ ولغة قويّ ابن تيمية وابن القيّم وابن باز والإماميّة؛ والجصّاص في تحريم الجمع
لا طلاق على طلاقٍ قبل الرجعة سياقٌ وترتيب قويّ ابن تيمية وابن عثيمين والإماميّة؛ وخالف ابن باز
«لعدّتهنّ» شرطٌ لا أدب نصٌّ في الأمر، واجتهادٌ في أثر المخالفة متوسّط إلى قويّ ابن تيمية وابن باز والإماميّة؛ والجمهور يوقعه مع الإثم
الشاهدان شرطُ صحّة نصٌّ في الأمر، واجتهادٌ في موضعه وأثره متوسّط أحمد شاكر والإماميّة (للطلاق)؛ وابن عبّاس وعطاء وعمران وابن حزم (وجوباً)؛ وخالف ابن تيمية وابن باز
«زوجاً غيره» نكاحُ رغبةٍ لا تحليل نصٌّ في أصل النكاح قويّ في منع التحليل، مفتوحٌ في شرط الدخول ابن تيمية والجمهور والإماميّة
أهليّة الزوجين: لا نكاح قبل البلوغ، و«اللائي لم يحضن» بالغات نصٌّ في «بلوغ النكاح» والرشد، وسياقٌ في أهليّة المرأة قويّ ابن شبرمة والبتّيّ والأصمّ؛ وابن عثيمين في المنع قبل البلوغ؛ والإماميّة في صرف عدّة الأشهر إلى البالغة
التسريح بعد الثانية يحرّمها، ولا ثالثة مستقلّة قراءةٌ للآيتين 229–230 في سياقهما متوسّطٌ نصّاً، بلا سلف مقدّمتاه عند السدّي والضحّاك وأبي زهرة وأصحاب خبر أبي رزين؛ ويخالفه الإجماع المحكيّ
التربّص أربعة أشهر قبل كلّ طلاق اجتهادٌ مبنيٌّ على السياق والتضمين ضعيفٌ نصّاً لا سلف تراثيّ؛ وقال به رشاد خليفة وجماعته

ما يعنيه هذا لادّعاء «التفسير الوحيد»

  • في الحلقات الثلاث الأولى لا يحتاج الادّعاء إلى دفاع؛ فهي محلّ اتّفاق.
  • وفي الحلقات من الرابعة إلى التاسعة يصحّ أن يُقال: هذه القراءة الأتمّ اتّساقاً مع ترتيب الآيات، ولها سلفٌ معتبر. أمّا «الوحيدة» فتصطدم بقراءاتٍ معتبرة أخرى لكلٍّ منها وجهٌ في اللغة.
  • وفي حلقة العدد تنفرد الأطروحة: لها من النصّ «مرّتان» والمقابلةُ بين الآيات، وعليها ظاهرُ «طلّقها» والإجماعُ المحكيّ وفتوى دار الإفتاء. وأقوى صياغةٍ لها أن تُعرض قراءةً محتملة لنصٍّ لم يذكر الثلاث، لا نقضاً لإجماعٍ قائم.
  • وفي حلقة التربّص سيُنقض الادّعاء من أوّل اعتراض، لأنّ لفظ الآية مقيَّدٌ بالحالف. وأقوى صياغةٍ لها أمام العلماء أن تُقدَّم مهلةً مستفادةً من روح الباب ومقصده، أو مقترحاً تشريعياً على مثال ما صنعت المدوّنة المغربية، لا شرطاً لصحّة الطلاق.
  • ومنهج «المصحف وحده» قد يعمل هنا ضدّ الأطروحة: فالمصحف يسمّي العقد نكاحاً وإن لم يكن مسيس (الأحزاب 49). فمن لا يأخذ بحديث امرأة رفاعة قد يكتفي بالعقد في «حتى تنكح زوجاً غيره»، وهو قول سعيد بن المسيّب بنقل ابن المنذر، وعدّه أبو زهرة ظاهرَ الآية.

مسائل مفتوحة داخل الأطروحة

  • هل الصلح أثناء العدّة يُسقط الطلقة كما يرى أحمد صبحي منصور، أم تبقى محسوبة؟
  • هل يسبق التربّصُ الطلاقَ قبل الدخول، والآية 49 من الأحزاب لا تذكره؟
  • ما أثر لفظ الطلاق إذا صدر خارج المسار: لغوٌ لا أثر له، أم إعلانٌ يبدأ به التربّص؟
  • هل يلزم الشاهدان عند الإمساك أثناء العدّة، أم عند بلوغ الأجل وحده؟
  • هل يُشترط الدخول في «زوجاً غيره»، ومن أين يُستفاد إن لم يُؤخذ بالحديث؟
  • إن أمسكها بعد الثانية ثم طلّقها بعد زمن: أيحرّمها هذا الطلاق في الحال، أم تمرّ بعدّةٍ وقرارٍ قبل التحريم؟

أسئلةٌ في الصميم

يجمع هذا القسم مواضع الإشكال في صورة أسئلةٍ مباشرة إلى القائلين بأنّ الطلاق لفظٌ يقع بنفسه متى صدر من الزوج: في حيضٍ أو طهر، بشهودٍ أو بغير شهود، واحدةً أو ثلاثاً، عازماً أو حالفاً. فالسؤال المحدَّد يكشف موضع الضعف أوضح ممّا يكشفه الاستدلال المطوَّل، ويضع المخالف بين أمرين: أن يسوّغ مخالفته بدليلٍ من النصّ، أو أن يقرّ بأنّ اجتهاده قام على غيره.

شروط الجواب المقبول

  1. أن يكون من المصحف ما دام النزاع في دلالة المصحف؛ والحديث والأثر شاهدان على الفهم، لا ناسخان للنصّ ولا مقيّدان له بغير دليل.
  2. ألّا يكون دعوى إجماعٍ في مسألةٍ خالف فيها صحابيٌّ أو إمامٌ مسمّى.
  3. ألّا يكون هو المسألة نفسها: فلا يُستدلّ بإمضاء عمر على صحّة إمضاء عمر، ولا بعمل الناس بعده على أنّ ما قبله منسوخ.
  4. أن تتّسق الأجوبة: فلا يكون الأمر في المصحف للوجوب في موضعٍ وللندب في نظيره بغير قرينة.

المجموعة الأولى: أسئلة النصّ القرآنيّ

السؤال الأول: أين في المصحف طلاقٌ يُنهي الزواج بلفظه؟

ذكر المصحف الطلاق في البقرة والطلاق والأحزاب، وأتبعه في كلّ موضعٍ عدّةً ثم قراراً عند الأجل: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ (الطلاق 2). فأين الآية التي يقع فيها الفراق بكلمةٍ واحدة، بلا عدّةٍ ولا قرار؟

وجه الإشكال: إن قيل: الطلاق الرجعيّ لا يُنهي الزواج إلا بانقضاء العدّة، فقد سُلّم أنّ اللفظ يفتح مساراً ولا يُنهيه. وإن قيل: الثلاث تُنهيه في الحال، فالسؤال عن الآية التي جعلت للثلاث هذا الأثر، والمصحف لم يقرن الطلاق بالعدد ثلاثة في موضع. أمّا المطلّقة قبل المسّ فلا عدّة عليها بنصّ الأحزاب 49، وهي خارج محلّ النزاع.

السؤال الثاني: هل «لعدّتهنّ» أمرٌ أم نصيحة؟

قال تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ﴾ (الطلاق 1)، وفسّره النبيّ ﷺ بالطهر: «فتلك العدّة التي أمر الله أن تُطلَّق لها النساء». فإذا كان الطلاق في الحيض طلاقاً لغير ما أمر الله، فبأيّ دليلٍ يقع كما يقع المأمور به؟

وجه الإشكال: أُمر ابن عمر بالمراجعة. فإن كانت الطلقة لم تقع فلا وجه لاحتسابها، وإن كانت وقعت فما معنى الأمر بإبطال أثرها ثم احتسابها عليه؟ ولفظ «حُسبت عليّ بتطليقة» مبنيٌّ للمجهول لا يُعرف منه من حسبها، وفي رواية أبي الزبير: «ولم يرها شيئاً».

السؤال الثالث: كيف تكون «مرّتان» في نَفَسٍ واحد؟

﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ (البقرة 229). وقد قرّر الجصّاص الحنفيّ نفسه أنّ «مرّتان» تقتضي التفريق، فمن دفع درهمين دفعةً واحدة لا يقال: أعطاه مرّتين. فكيف يُعدّ قول «أنتِ طالقٌ ثلاثاً» ثلاثَ مرّات؟

وجه الإشكال: قال تعالى في اللعان: ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ﴾ (النور 6)، ولو قال الملاعن مرّةً واحدة: «أشهد بالله أربع شهادات» لم تُحسب أربعاً. فإن كان العدد الملفوظ لا يقوم مقام التكرار في اللعان، فلماذا يقوم مقامه في الطلاق؟

السؤال الرابع: لماذا يكون «وأشهِدوا» ندباً هنا وشرطاً في غيره؟

﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ۚ ذَٰلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ (الطلاق 2). فما القرينة من المصحف التي صرفت هذا الأمر عن الوجوب؟

وجه الإشكال: جعل الجمهور الشهادة شرطاً في عقد النكاح بحديث، ولا أمر بها في المصحف؛ وجعلوها في الطلاق سنّةً والأمرُ بها في المصحف. فصار ما سكت عنه النصّ شرطاً، وما أمر به مستحبّاً. وإن قيل: الإجماع صرفه، فقد خالف فيه ابن عبّاس وعطاء وعمران بن حصين.

السؤال الخامس: كيف يخرج من البيت من سمّاه المصحف «بعلاً»؟

﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَٰلِكَ﴾ (البقرة 228)، و﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ﴾ (الطلاق 1). فإذا كان هذا حكم المطلّقة في المصحف، فمن أين جاء طلاقٌ يُسقط حقّ الردّ ويُخرجها من بيتها في الساعة التي قيل فيها؟

وجه الإشكال: يقرّ الجمهور بأنّ المطلّقة رجعيّاً زوجةٌ في العدّة، فهم يقرّون بالمسار في الطلقة الواحدة، ثم يُسقطونه كلّه إذا جُمعت الطلقات في لفظ. فالذي أسقط المسار هو الجمع، والجمع عندهم محرّمٌ أو بدعة؛ فصار المحرّم أقوى أثراً من المشروع.

السؤال السادس: هل الحالف بالطلاق «عازم»؟

﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (البقرة 227). فهل من قال لامرأته في ثورة غضب: «عليّ الطلاق لا تخرجين» عازمٌ على الطلاق؟

وجه الإشكال: الحالف لا يريد الطلاق، بل يريد منع الفعل؛ فإيقاعه عليه إيقاعٌ لما لم يُرِده، وتحويلٌ لليمين إلى نقضٍ لـ«الميثاق الغليظ». والمصحف جعل لليمين كفّارة (المائدة 89)، ولم يجعل لها طلاقاً.

السؤال السابع: أيّ أمرٍ يُحدثه الله بعد الثلاث؟

﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَٰلِكَ أَمْرًا﴾ (الطلاق 1). واحتجّت فاطمة بنت قيس بالآية نفسها: «فأيّ أمرٍ يحدث بعد الثلاث؟» (مسلم 1480). فإذا كانت حكمة العدّة انتظارَ ما يُحدثه الله من صلح، فأيّ صلحٍ يبقى لمن أوقع الثلاث في مجلس؟

وجه الإشكال: جمع الثلاث يُسقط حكمة السورة كلّها: العدّة، والبيت، والإمساك عند الأجل. والقول بوقوعه ثلاثاً يجعل الحكمة التي نصّ عليها المصحف معلّقةً باختيار الزوج: يلتزمها إن شاء، ويُبطلها بكلمة.

السؤال الثامن: كيف يُعطى «الهزو» أثرَ الجِدّ؟

﴿وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾ (البقرة 231)، وقال النبيّ ﷺ فيمن طلّق ثلاثاً جميعاً: «أيُلعَب بكتاب الله وأنا بين أظهركم؟» (النسائي 3401). فإذا كان الفعل لعباً بكتاب الله، فكيف يُعطى أثرَ الجِدّ كاملاً؟

وجه الإشكال: إن قيل: «ثلاثٌ جِدُّهنّ جِدّ وهزلهنّ جِدّ»، فالحديث في الهازل بلفظٍ مشروع، لا فيمن أتى بلفظٍ وصفه النبيّ ﷺ باللعب بكتاب الله. وإمضاؤه يمنح المخالف ما أراد بمخالفته.

السؤال التاسع: هل يُبلَغ بتعدّي الحدود ما رُسمت له الحدود؟

﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ۚ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ (الطلاق 1). فإذا كان الطلاق لغير العدّة وبغير شهود تعدّياً لحدود الله، فكيف يصير التعدّي طريقاً صحيحاً إلى النتيجة نفسها؟

وجه الإشكال: يقرّر كثيرٌ من الأصوليّين أنّ النهي يقتضي الفساد إذا رجع إلى ذات الفعل أو وصفٍ لازمٍ له. والطلاق البدعيّ منهيٌّ عنه لوقته أو عدده، وهما وصفان فيه؛ فالقول بنفاذه يحتاج إلى دليلٍ يستثنيه من القاعدة.

السؤال العاشر: بأيّ نصٍّ تُنكَح من لم تبلغ النكاح؟

﴿حَتَّىٰ إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا﴾ (النساء 6). فإذا جعل المصحف للنكاح بلوغاً يُنتظر، فكيف يُعقد على من لم تبلغه، ثم تُستخرج لها عدّةٌ من قوله ﴿وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾؟

وجه الإشكال: الآية لم تذكر سنّاً، فحملُها على الصغيرة يفترض صحّة نكاحها، وصحّة نكاحها هي محلّ السؤال. والمصحف يجعل المرأة طرفاً يأخذ الميثاق ويرضى ويهب من مهره ويفتدي بماله؛ فإن قيل: يتولّى الأب ذلك عنها، صار الميثاق ميثاق الأب، وصار الافتداء ممتنعاً عليها حتى تبلغ الرشد، وتعطّل في حقّها مسار الطلاق كلّه.

المجموعة الثانية: أسئلة الرواية

السؤال الحادي عشر: هل يغيّر اجتهادٌ لاحق ما عُمل به في عهد التنزيل؟

قال ابن عبّاس: «كان الطلاق على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر طلاقُ الثلاث واحدة» (مسلم 1472). فبأيّ دليلٍ صار ما بعد ذلك أصلاً، وصار عمل العهد النبويّ قولاً شاذّاً؟

وجه الإشكال: إن قيل: نُسخ، فأين الناسخ، وكيف خفي على أبي بكر وعلى عمر سنتين؟ وإن قيل: أفتى ابن عبّاس بخلاف ما روى، فالجمهور أنفسهم يقدّمون رواية الراوي على رأيه في غير هذه المسألة. وإن قيل: أجمع الصحابة بعد عمر، فالإجماع لا يَنسخ، وقد سبقه عملٌ مخالف.

السؤال الثاني عشر: إذا كان الإمضاء عقوبةً، فما ذنب الزوجة؟

علّل عمر الإمضاء بقوله: «إنّ الناس قد استعجلوا في أمرٍ كانت لهم فيه أناة، فلو أمضيناه عليهم». فإذا كان إمضاء الثلاث عقوبةً للمستعجل، فلماذا تقع على زوجته وأولاده، والله يقول: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾ (الأنعام 164)؟

وجه الإشكال: العقوبة الاجتهاديّة تتغيّر بتغيّر الزمان، وتعليل عمر نفسه يجعلها كذلك. فنقلها إلى حكمٍ دائمٍ يُلزم كلّ من جاء بعده تحويلٌ لاجتهادٍ زمنيّ إلى تشريعٍ أبديّ، ثم هي عقوبةٌ تقع على من لم يستعجل.

السؤال الثالث عشر: ماذا يبقى من حديث ركانة ومن قول عمران بن حصين؟

طلّق ركانة امرأته ثلاثاً في مجلس، فقال النبيّ ﷺ: «فإنما تلك واحدة، فارجعها إن شئت» (مسند أحمد 2387). وقال عمران بن حصين لمن طلّق وراجع بلا شهود: «طلّقتَ لغير سنّة، وراجعتَ لغير سنّة» (أبو داود 2186). فبأيّ معيارٍ تُردّ رواية ركانة، ويصير ما سمّاه الصحابيّ «لغير سنّة» مستحبّاً لا يضرّ تركه؟

وجه الإشكال: قول الصحابيّ «من السنّة» و«لغير سنّة» له حكم الرفع عند جمهور المحدّثين؛ فإن قُبل في سائر الأبواب وجب قبوله هنا، وإن رُدّ هنا فما وجه التفريق؟ وحديث ركانة جوّد ابن باز إسناده، فلا يُدفع إلا بمعارضٍ أقوى منه في محلّه.

السؤال الرابع عشر: هل تنهض روايةٌ مبنيّةٌ للمجهول على تقييد نصٍّ صريح؟

في البخاري عن ابن عمر: «حُسبت عليّ بتطليقة» (5253)، وفي رواية أبي الزبير عنه: «فردّها عليّ ولم يرها شيئاً» (أبو داود 2185). فإذا كان عمدة الباب لفظاً لا يُعرف منه من حسب الطلقة، فكيف يُقيَّد به قوله تعالى ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾؟

وجه الإشكال: ترجيح رواية الجمهور بكثرة رواتها ترجيحٌ بين روايات، لا استدلالٌ بنصّ. والمصحف قد حسم الوقت، وما احتاج إلى الترجيح بين الروايات لا يقوى على تقييد ما نصّ عليه المصحف.

المجموعة الثالثة: أسئلة الإجماع

السؤال الخامس عشر: أيّ إجماعٍ هذا الذي يخالفه ابن عبّاس؟

إذا ثبت عن ابن عبّاس بإسناد مسلم أنّ الثلاث كانت واحدةً على عهد النبيّ ﷺ وأبي بكر، وقال بذلك بعده مشايخ من قرطبة، وابن تيمية، وابن القيّم، والصنعاني، والشوكاني، وابن باز، وابن عثيمين، والإماميّة، فعلى أيّ تعريفٍ للإجماع يُقال إنّ وقوع الثلاث مُجمَعٌ عليه؟

وجه الإشكال: إن قيل: انعقد الإجماع في عهد عمر ثم حدث الخلاف، فالعمل المخالف كان قبله في العهد النبويّ نفسه بنصّ الحديث. وإن قيل: المخالفون شذّوا، فالشذوذ وصفٌ للقول لا يُخرج قائله من أهل الاجتهاد.

السؤال السادس عشر: لماذا يُذكر المخالف في نصّ دعوى الإجماع نفسها؟

قال النووي: «أجمعت الأمة على تحريم طلاق الحائض… فلو طلّقها أثم ووقع طلاقه»، ثم قال: «وشذّ بعض أهل الظاهر». وقال الكاساني «لا خلاف» في ولاية الأب على تزويج الصغيرة، ثم استثنى عثمان البتّيّ وابن شبرمة. فإذا كان حاكي الإجماع يعرف المخالف ويسمّيه، فما الذي بقي من معنى الإجماع؟

وجه الإشكال: إمّا أن يكون المخالف من أهل الاجتهاد فلا إجماع، وإمّا أن يُخرَج منهم بوصف «الشذوذ» أو «البدعة»، فيصير الإجماع ما اتّفق عليه من لم يُخرَجوا، ويصير الإخراج هو الدليل.

السؤال السابع عشر: هل تبلغ هذه الدعاوى معيار الشافعي وأحمد؟

اشترط الشافعي ألّا يُقال «مُجمَعٌ عليه» إلا فيما «لا تلقى عالماً أبداً إلا قاله لك وحكاه عمّن قبله، كالظهر أربع، وكتحريم الخمر»، وقال أحمد: «من ادّعى الإجماع فهو كاذب، لعلّ الناس قد اختلفوا». فهل وقوع الثلاث بلفظٍ واحد، وطلاق الحائض، وطلاق السكران، من جنس «الظهر أربع»؟

وجه الإشكال: المذاهب المنتسبة إلى الشافعي وأحمد تحكي الإجماع في مسائل لا تبلغ معيار الإمامين، بل رُوي عن أحمد نفسه أنّ طلاق السكران لا يقع.

السؤال الثامن عشر: كيف يُقدَّم اتّفاق أربعة أئمّة على قول صحابيّ؟

إذا كان عثمان وابن عبّاس وعمران بن حصين أقرب إلى التنزيل، وخالفوا معتمد المذاهب في طلاق السكران والثلاث والإشهاد، فكيف يصير اتّفاق أئمّةٍ جاؤوا في القرنين الثاني والثالث حجّةً على أقوالهم؟

وجه الإشكال: اتّفاق المذاهب الأربعة اتّفاقٌ مذهبيّ نشأ بعد استقرار المذاهب، وتسميته إجماعاً تُسقط من الأمّة صحابةً وتابعين، والظاهريّة، والإماميّة.

المجموعة الرابعة: أسئلة الاتّساق

السؤال التاسع عشر: كيف يُثمر المحرّم أثرَ المشروع كاملاً؟

يقرّ الجمهور بأنّ جمع الثلاث والطلاق في الحيض محرّمان، ثم يرتّبون عليهما أثر الطلاق المشروع كاملاً. فما الفرق بين المشروع والمحرّم في الأثر؟

وجه الإشكال: إن كان الفرق في الإثم وحده، فقد صار التحريم بلا ثمرة: يأثم الزوج ويبلغ مراده، وتتحمّل الزوجة أثر معصيته.

السؤال العشرون: كيف يُلعن المحلِّل ويُبقى على ما يصنعه؟

لُعن المحلِّل والمحلَّل له، وسُمّي المحلِّل «التيس المستعار». فإذا كان إيقاع الثلاث بكلمةٍ واحدة هو الذي يُلجئ الأسر إلى المحلِّل، فكيف يُلعن المحلِّل ويُبقى على الحكم الذي يصنع الحاجة إليه؟

وجه الإشكال: من يرى الثلاث بكلمةٍ واحدةٍ واحدةً يُغلق أوسع أبواب التحليل، ومن يوقعها ثلاثاً يفتحه ثم يلعن من دخله.

السؤال الحادي والعشرون: ما ذنب زوجة السكران؟

قال تعالى: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَىٰ حَتَّىٰ تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ (النساء 43). فإذا لم يعتدّ المصحف بصلاة السكران لأنه لا يعلم ما يقول، فكيف يُعتدّ بطلاقه، والطلاق «عزمٌ» (البقرة 227) يحتاج من العلم بالقول أكثر ممّا تحتاج الصلاة؟

وجه الإشكال: إن قيل: يقع عقوبةً له على سكره، فالعقوبة تقع على زوجته وأولاده، والله يقول: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾. وإن قيل: يُعامَل معاملة الصاحي، فالآية نفت عنه علمه بما يقول.

السؤال الثاني والعشرون: كيف يُنقض «الميثاق الغليظ» بلا شرط؟

يشترط الجمهور للنكاح وليّاً وشاهدين ورضاً، ويوجبون فيه المهر، ثم يجيزون نقضه بكلمةٍ في غضب، بلا شاهدٍ ولا وقت. وقد سمّى المصحف الزواج «ميثاقاً غليظاً» (النساء 21)، ولم يصف بذلك ميثاقاً آخر إلا ميثاقه مع النبيّين (الأحزاب 7) وميثاقه مع بني إسرائيل (النساء 154). فكيف يُبرم بهذه الشروط ما سمّاه الله بهذا الاسم، ثم يُنقض بلا شرط؟

وجه الإشكال: إن قيل: الطلاق حقّ الزوج يملكه متى شاء، فالمصحف لم يجعله حقّاً مطلقاً، بل قيّده بالوقت والعدّة والشهود والقرار عند الأجل؛ والقيود التي أسقطها الفقه هي التي تجعل نقض الميثاق «تسريحاً بإحسان».

خاتمة الأسئلة

أجاب المخالفون عن بعض هذه الأسئلة منفردة: حمل النووي وغيره حديث ابن عبّاس على من كرّر اللفظ للتأكيد أو على تغيّر عادة الناس في الإيقاع، وجعل ابن تيمية الإشهاد للرجعة لا للطلاق، واحتجّ الجمهور في وقوع البدعيّ بلفظ «حُسبت عليّ» وبكثرة رواته، وفي المعلَّق بأنّ الطلاق يقبل الإضافة إلى المستقبل كالعتق. غير أنّ قوّة الأسئلة في اجتماعها لا في آحادها: فالجواب الذي يدفع سؤالاً يوقع في آخر. من جعل حديث ابن عبّاس منسوخاً لزمه بيان الناسخ، ومن حمله على المؤكِّد لزمه تفسير قول عمر «استعجلوا في أمرٍ كانت لهم فيه أناة»، ومن جعل الإمضاء عقوبةً لزمه الجواب عن ذنب الزوجة، ومن احتجّ بالإجماع لزمه أن يُخرج ابنَ عبّاس من الأمّة. والمطلوب جوابٌ واحدٌ متّسق عن الأسئلة كلّها، يبدأ من المصحف.

النتيجة

إذا قُرئ المصحف وحده، آيةً بعد آية وبترتيبه، رسم للطلاق مساراً واحداً: تربّصٌ أربعة أشهر، ثم طلقةٌ «لعدّتهنّ» بحضور ذوَي عدل، ثم عدّةٌ في بيت الزوجيّة، ثم إمساكٌ بمعروف أو فراقٌ بمعروف بحضور ذوَي عدل. ويتكرّر المسار مرّتين: بعد الأولى تجوز العودة بعقدٍ جديد، وبعد الثانية إمساكٌ بمعروف أو تسريحٌ لا تحلّ بعده حتى تنكح زوجاً غيره. ولا يدخل هذا المسارَ إلا زوجان بلغا النكاح ورشدا.

  • ما يُسقطه هذا المسار. لا مكان فيه لطلاقٍ بكلمةٍ تُقال في غضب، ولا لثلاثٍ مجموعة، ولا لطلاقٍ يُلحَق بطلاقٍ في العدّة، ولا لطلاقٍ بلا شهود، ولا لعودةٍ بعقدٍ جديد بعد التسريح الثاني، ولا لنكاح صغيرةٍ لم تبلغ النكاح.
  • سنده في التراث. كلّ حلقةٍ من حلقاته، عدا التربّص العامّ وتحريمها بالتسريح بعد الثانية، قال بها قبل الأطروحة علماءُ من داخل التراث: ابن تيمية وابن القيّم وابن باز وابن عثيمين وأحمد شاكر، وفقهاء الإماميّة، ومن قبلهم ابن شبرمة وعثمان البتّي في نكاح الصغيرة.
  • دعوى الإجماع. ما يُحكى إجماعاً في تفاصيل الطلاق هو في الغالب قول الجمهور أو اتّفاق المذاهب الأربعة؛ والخلاف في الثلاث بلفظٍ واحد، وطلاق الحائض، والحلف بالطلاق، والإشهاد، وطلاق السكران، وتزويج الصغيرة، ثابتٌ بأسماء قائليه من الصحابة إلى المعاصرين. والإجماع الصحيح في الباب إطاره العامّ، وأقرب التفاصيل إليه عددُ الثلاث، وهو ما تواجهه قراءة «مرّتان» بلا سلف.
  • موضع تفرّده. يبقى ادّعاء «التفسير الوحيد» معلّقاً على حلقتين لم يقل بهما أحدٌ من الأئمّة: تعميم التربّص، وجعل التسريح بعد الطلقة الثانية محرِّماً. والثانية أقوى نصّاً من الأولى، وكلتاهما تحتاج أقوى الدفاع.
  • موقعه بين المدارس. النموذج أقرب إلى الفقه الجعفريّ وإلى مدرسة ابن تيمية منه إلى المذاهب الأربعة؛ ويفارق المذاهب الأربعة في الأصل لا في الفروع: هي ترى الطلاق لفظاً يقع بنفسه، وهو يراه مساراً لا يتمّ إلا بمُهَله وشهوده.

تنبيه. هذا بحثٌ في دلالة النصّ لا فتوى. والأثر القانونيّ للطلاق في مصر تحكمه قوانين الأحوال الشخصيّة: فهي توجب توثيقه خلال ثلاثين يوماً، والأزهر يوقع الطلاق الشفويّ المستوفي أركانه.

ملاحظات منهجيّة على التوثيق

تتفاوت نقول البحث في درجة ثبوتها، وهذه مراتبها، ليعرف القارئ ما نُقل عن مصدره مباشرةً وما نُقل بواسطة.

أولاً: ما نُقل عن مصدره مباشرةً وطوبق نصّه

  • ترجمة رشاد خليفة ونموذج جماعته في الطلاق (موقع مسجد توسان).
  • مقال أحمد صبحي منصور «التناقض في تشريع الطلاق بين القرآن والفقه السنّي» (2006).
  • قرار هيئة كبار العلماء رقم 18 وتاريخه، ووجهة نظر المخالفين (أبحاث هيئة كبار العلماء 1/541 و1/552–557).
  • منهاج الصالحين للسيستاني، ج3، المسائل 498–547.
  • القانون المصري 25/1929 المعدَّل: المواد 1 و2 و3 و4 و5 و5 مكرّر و6–11، والمذكّرة الإيضاحية للمادة 2.
  • نصوص الأحاديث على sunnah.com: البخاري 5133 و5253 و5290، وأبو داود 2185 و2186 و2193، والنسائي 3401، والترمذي 1120 و1192؛ وترجمة باب البخاري في الإغلاق بتعليقَي عثمان وابن عبّاس.
  • تفسير الطبري للآيتين 229–230 بتعليق أحمد شاكر: قولا السدّي والضحّاك، وترجيح الطبري، وردّ شاكر لخبر أبي رزين؛ وتفسيره للآية 2 من الطلاق برواية ابن عبّاس في الإشهاد، وللآية 4 بخبر أُبيّ بن كعب وإسناده.
  • زهرة التفاسير لأبي زهرة 2/772–792؛ والتحرير والتنوير لابن عاشور في البقرة 230 والطلاق 2 (28/309).
  • تفسير القرطبي للبقرة 229–230: حكاية ابن عبد البرّ، وقول سعيد بن المسيّب بنقل ابن المنذر؛ وللطلاق 4.
  • فتوى دار الإفتاء المصرية 4313 (2018) بنقولها عن السرخسي والقرافي والشيرازي وابن قدامة وابن رشد وابن حزم.
  • مقدّمة أبي زهرة لكتاب «الأحوال الشخصيّة» (ط3) في نسخةٍ مصوّرة.

ثانياً: ما نُقل من صفحاتٍ رسميّة أو موسوعيّة

  • الموسوعة الفقهية في الدرر السنية بإحالاتها إلى كتب المذاهب: الإشهاد على الطلاق والرجعة، والطلاق في الحيض وحكايات الإجماع فيه، وطلاق السكران، وتزويج الصغار وحكايات الإجماع فيه ونصّ الكاساني.
  • فتاوى ابن باز على موقعه الرسميّ، ومنها رسالته إلى ابن عثيمين (مجموع فتاواه 21/304).
  • قول ابن عثيمين في الشرح الممتع (13/94 في الطلاق على الطلاق، و12/57–59 في تزويج الصغيرة)، وترجيح السعدي، بنقل الإسلام سؤال وجواب وإسلام ويب؛ وإعلال خبر أُبيّ بن كعب بالانقطاع بنقل الإسلام سؤال وجواب.
  • كلام ابن تيمية في الإشهاد (مجموع الفتاوى 33/33–34) بنقل إسلام ويب؛ وحكايات الإجماع على وقوع الثلاث بنقل إسلام ويب (60228).
  • كلام أحمد شاكر في جمهرة مقالاته ص641؛ وكلام أبي زهرة في الإشهاد بنقل عربي بوست.
  • تفاسير البغوي والقرطبي وابن كثير في الإيلاء، والجصّاص في عدد الطلاق، والمنار في آية «مرّتان»، من مكتبة إسلام ويب.
  • مدوّنة الأسرة المغربية (المواد 78–79 و92 و124 و138) من موقع الوزارة المغربية، والمادتان 19–20 في سنّ الزواج من منشورات وزارة العدل المغربية؛ وشرط الثماني عشرة سنة لتوثيق الزواج في مصر (القانون 126/2008) بنقل موقع «محاماة».
  • بيان هيئة كبار العلماء بالأزهر في 5 فبراير 2017.
  • ترتيب وسائل الشيعة للحديث (ب10، ح4) من مكتبة العتبة العبّاسية.

ثالثاً: الأحاديث

  • أرقام الأحاديث بترقيم محمد فؤاد عبد الباقي للبخاري ومسلم وابن ماجه، وبالترقيم المتداول لبقيّة السنن، وبترقيم أحمد شاكر للمسند؛ ويُثبت فهرس الأحاديث في المصادر الكتابَ والبابَ لكلّ حديث، فلا تتوقّف الإحالة على طبعةٍ بعينها.
  • طوبق نصّاً: البخاري 5133 و5253 و5289 و5290، وأبو داود 2185 و2186 و2193، والنسائي 3401، والترمذي 1120 و1192، ومسلم 1480 (رواية عبد الرزاق وفيها «فأيّ أمرٍ يحدث بعد الثلاث»)، ومسند أحمد 2387 (الطبعة الميمنية 1/265). والبقيّة بأرقامها المتداولة.

رابعاً: نقولٌ بواسطة تُطابَق على الطبعات المحقّقة

  • «نظام الطلاق في الإسلام» لأحمد شاكر: ص80 بنقل «الكفاية في التفسير بالمأثور والدراية» وإسلام ويب.
  • اختيار أبي زهرة اشتراطَ الشهود في «الأحوال الشخصيّة»: بنقل عربي بوست، وتتفاوت الإحالة إلى صفحته بين الطبعات.
  • ترجيح الألباني وجوب الإشهاد: بنقل فركوس.
  • إحالات الطبري 23/444 وابن كثير 8/145 والسمعاني 5/461: بنقل «الكفاية»، ولم تُسمَّ فيه الطبعات.
  • «المغني» و«بداية المجتهد» و«الذخيرة»: بنقل الموسوعات المحيلة إليها وفتوى دار الإفتاء المصرية.
  • نصّا الشافعي وأحمد في دعوى الإجماع: من «الرسالة» و«مسائل الإمام أحمد رواية ابنه عبد الله» بنقل كتب الأصول الناقلة لهما.
  • احتجاج ابن شبرمة وأبي بكر الأصمّ بآية «حتى إذا بلغوا النكاح»: مشهورٌ بنقل السرخسي في «المبسوط»، ولم يُطابَق على طبعة.
  • مشايخ قرطبة القائلون بأنّ الثلاث بلفظٍ واحد واحدة: بنقل ابن القيّم عن ابن مغيث.
  • أقوال المخالفين في الحلف بالطلاق: بنقل ابن حزم في «المحلّى» (م1965).

المصادر

النصّ القرآنيّ برواية حفص عن عاصم. وأرقام الأحاديث بترقيم محمد فؤاد عبد الباقي للبخاري ومسلم وابن ماجه، وبالترقيم المتداول لبقيّة السنن، وبترقيم أحمد شاكر للمسند؛ والكتاب والباب في فهرس الأحاديث أدناه. والإحالات بالجزء والصفحة منقولةٌ عن الطبعات أو المصادر الوسيطة المذكورة في مواضعها، وقد تختلف باختلاف الطبعات.

فهرس الأحاديث

طرف الحديث المصدر والرقم الكتاب والباب
«مُرْه فليراجعها… فتلك العدّة التي أمر الله أن تُطلَّق لها النساء» البخاري 5251؛ مسلم 1471 البخاري: كتاب الطلاق، باب قول الله تعالى ﴿إذا طلّقتم النساء فطلّقوهنّ لعدّتهنّ﴾؛ مسلم: كتاب الطلاق، باب تحريم طلاق الحائض بغير رضاها
«حُسبت عليّ بتطليقة» البخاري 5253 كتاب الطلاق، باب إذا طُلّقت الحائض تعتدّ بذلك الطلاق
«لا، حتى تذوقي عُسَيلته» البخاري 5260؛ مسلم 1433 البخاري: كتاب الطلاق، باب من جوّز الطلاق الثلاث؛ مسلم: كتاب النكاح، باب لا تحلّ المطلّقة ثلاثاً لمطلّقها حتى تنكح زوجاً غيره
إيلاء النبيّ ﷺ من نسائه شهراً؛ وقول ابن عمر في الإيلاء البخاري 5289، 5290 كتاب الطلاق، باب قول الله تعالى ﴿للذين يؤلون من نسائهم تربّص أربعة أشهر﴾
نزول ﴿فلا تعضلوهنّ﴾ في أخت معقل بن يسار البخاري 4529 كتاب التفسير، باب ﴿وإذا طلّقتم النساء فبلغن أجلهنّ فلا تعضلوهنّ﴾
زواج النبيّ ﷺ بعائشة البخاري 5133 كتاب النكاح، باب إنكاح الرجل ولده الصغار
«كان الطلاق على عهد رسول الله ﷺ… طلاقُ الثلاث واحدة» مسلم 1472 كتاب الطلاق، باب طلاق الثلاث
«بتطليقةٍ كانت بقيت من طلاقها» مسلم 1480 كتاب الطلاق، باب المطلّقة ثلاثاً لا نفقة لها
«فردّها عليّ ولم يرها شيئاً» أبو داود 2185 كتاب الطلاق، باب في طلاق السنّة
«طلّقتَ لغير سنّة، وراجعتَ لغير سنّة» أبو داود 2186 كتاب الطلاق، باب الرجل يراجع ولا يُشهد
«لا طلاق ولا عَتاق في إغلاق» أبو داود 2193؛ ابن ماجه 2046 أبو داود: كتاب الطلاق، باب الطلاق على غيظ؛ ابن ماجه: كتاب الطلاق، باب طلاق المكره والناسي
«ثلاثٌ جِدّهنّ جِدّ وهزلهنّ جِدّ» أبو داود 2194؛ الترمذي 1184 أبو داود: كتاب الطلاق، باب في الطلاق على الهزل؛ الترمذي: أبواب الطلاق واللعان، باب ما جاء في الجدّ والهزل في الطلاق
«لعن الله المحلِّل والمحلَّل له» الترمذي 1120؛ أبو داود 2076 الترمذي: أبواب النكاح، باب ما جاء في المحلّ والمحلَّل له؛ أبو داود: كتاب النكاح، باب في التحليل
«التيس المستعار» ابن ماجه 1936 كتاب النكاح، باب المحلِّل والمحلَّل له
«أيُلعَب بكتاب الله وأنا بين أظهركم» النسائي 3401 كتاب الطلاق، باب الثلاث المجموعة وما فيه من التغليظ
سبب نزول «الطلاق مرّتان» الترمذي 1192 أبواب الطلاق واللعان
حديث ركانة: «فإنما تلك واحدة، فارجعها إن شئت» مسند أحمد 2387 مسند عبد الله بن عبّاس

الحديث

التفسير وعلوم القرآن

  • الطبري، جامع البيان عن تأويل آي القرآن، ت. أحمد محمد شاكر، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1420هـ/2000م؛ وت. عبد الله بن عبد المحسن التركي، دار هجر، القاهرة، 1422هـ/2001م. البقرة 229 بتعليق شاكر؛ البقرة 230؛ الطلاق 2؛ الطلاق 4.
  • القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ت. أحمد البردوني وإبراهيم أطفيش، دار الكتب المصريّة، القاهرة، ط2، 1384هـ/1964م. البقرة 229؛ البقرة 230؛ الطلاق 4؛ آية الإيلاء.
  • ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، ت. سامي بن محمد سلامة، دار طيبة، الرياض، ط2، 1420هـ/1999م. آية الإيلاء.
  • البغوي، معالم التنزيل، ت. محمد عبد الله النمر وآخرين، دار طيبة، الرياض، ط4، 1417هـ/1997م. آية الإيلاء.
  • السمعاني، تفسير القرآن، ت. ياسر بن إبراهيم وغنيم بن عبّاس، دار الوطن، الرياض، 1418هـ/1997م.
  • الثعلبي، الكشف والبيان عن تفسير القرآن، دار إحياء التراث العربي، بيروت، 1422هـ/2002م.
  • الجصّاص، أحكام القرآن، ت. محمد صادق القمحاوي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، 1405هـ. باب عدد الطلاق.
  • محمد رشيد رضا، تفسير المنار، الهيئة المصريّة العامّة للكتاب، القاهرة، 1990م. آية «الطلاق مرّتان».
  • ابن عاشور، التحرير والتنوير، الدار التونسيّة للنشر، تونس، 1984م. الطلاق 2.
  • محمد أبو زهرة، زهرة التفاسير، دار الفكر العربي، القاهرة. البقرة 229–230.
  • ابن هشام، مغني اللبيب عن كتب الأعاريب، ت. مازن المبارك ومحمد علي حمد الله، دار الفكر، دمشق، ط6، 1985م.
  • الزركشي، البرهان في علوم القرآن، ت. محمد أبو الفضل إبراهيم، دار إحياء الكتب العربيّة، القاهرة، 1376هـ/1957م.
  • الكفاية في التفسير بالمأثور والدراية: نقل أحمد شاكر والإحالات.

أصول الفقه والإجماع

  • الشافعي، الرسالة، ت. أحمد محمد شاكر، مطبعة مصطفى البابي الحلبي، القاهرة، 1358هـ/1940م.
  • مسائل الإمام أحمد رواية ابنه عبد الله، ت. زهير الشاويش، المكتب الإسلامي، بيروت، 1401هـ/1981م.
  • آل تيمية، المسوّدة في أصول الفقه، ت. محمد محيي الدين عبد الحميد، دار الكتاب العربي، بيروت.
  • ابن المنذر، الإجماع؛ والإشراف على مذاهب العلماء.
  • محمد بن نصر المروزي، اختلاف الفقهاء.
  • ابن حزم، مراتب الإجماع، دار الكتب العلميّة، بيروت.
  • حكاية الإجماع على وقوع الثلاث، إسلام ويب 60228.

الفقه السنّيّ والتراثيّون

ابن باز وابن عثيمين

المعاصرون في الإشهاد والثلاث

الفقه الإماميّ

القراءات القرآنيّة المعاصرة

القوانين والقرارات

التاريخ والتراجم