القصة والرواية
- التفاصيل
- كتب بواسطة: د.عبلة الفاري
- المجموعة: القصة والرواية
- الزيارات: 5
.
مع كل خيط ضوء يرتسم باكرا على خدرها الاخضر، ترتل العصافير تسابيح الصباح ثم تطوفها متبركة لتختم طقوس اليوم الجديد متمرغة بالتراب تارة ونابشة الارض لتبحث عن الحبوب المتساقطة من الجمّالة المتوقفين في ظلالها في رحلاتهم المتشعبة في أرجاء المعمورة ، وتخط لها الشمس بخيوط الضوء في سجل حياتها الاخضر يوما جديدا في عمرها المديد مئات السنوات ، يعرفها صغار وكبار العابرين من حكايات الجدّات الأقرب الى الاسطورة ، وكذلك تعرفها الطبيعة ومخلوقاتها ، وتخبر كل أسرارها ، تمامـا كمعرفتها للصفصاف والعبهر والسريــس و شــــجرة العروس....هي شجرة السنديان من أقسى وأضخم وأعند أشجار البلوط....حكايات تكاد لا تنتهي عن صمود زنودها في ثورة الرياح وتقلبات الطبيعة المجنونة ،صلبة فروعها كالصّوان تنكسر دون أن تنحني تماما كالنخيل الذي لا ينحني حتى للموت.
كل يوم ، أعود من المدرسة مسرعة لأتسلق بصعوبة بالغة جذعها المرتفع الخشن المشقق...تماما كما يفعل السنجاب ، وأستقر عاليا في مخبئي المعهود بين فروعها الفارعة بعيدا عن أعين الفضوليين ، أحيانا أتوسد حقيبتي المدرسية بعد أن أتمسك جيدا خشية السقوط المميت وأستسلم للنعاس والنسائم الباردة لا يوقظني سوى زقزقة أمعائي الخاوية ، أو زقزقة العصافيرالتي تملأ الشجرة ، تلك العصافير التي ألفت وجودي ولم تعد تنفر مني، وأحيانا أستيقظ لحديث الخيّالة الذين يربطون أحصنتهم ليتناولون الزاد ويستلقون في ظلالها الكثيفة دون أن يلحظ أيّ منهم وجودي اذ أن صغر حجمي وضخامة الشجرة وكثافة أوراقها كفيلة بأن تخفني عن أنظار كل هارب اليها من وهج شمس الصيف الحارقة باحثا عن الظلال والهدوء والنسائم...انّ مجرد وصولي الى شجرتي يهبني احساسا أعجز عن وصفة ، لكني لا أجده في أي مكان في الدنيا .
انها مخبأي الوحيد الذي يمدني بالأمان ، بل كل عالمي ودنياي حين تغرقني الدنيا في متاهات أحلامي الغريبة المتعبة المجنونة...أحيانا أحلم بأن يأخذني الخيالة الى مكان بعيد وراء تلك الجبال العاليةعلى طريقة السندباد لأكتشف أناسا غرباء وطيبين ، لكن ، كلما توسلت لأحدهم أن يصحبني برفقتهم يشفقون لحالي فمنهم من يعطني حبة فاكهة ، أو حفنة تمر، أو بعض النقود .. ومنهم من ينهرني للعودة الى المنزل دون أن يدركون أن شجرتي هي منزلي وكل ممتلكاتي... أحيانا أخرى أحلم بأميرة ساحرة تحط بردائها الأبيض الفضفاض وتناديني بصوت ملائكي حنون وكلمات طيبة لا أفهم معانيها ، لكنّ قلبي يرتجف لها فرحا عندما تمد ذراعيها لأرتمي في حضنها المقدس تماما كما تفعل جارتنا بطفلها الرضيع ، وترحل بي الى عالمها ومملكتها العجيبة حيث أرى أشياء غريبة تعلمني كمدرستي أن للحياة معنى رائع رغم كل المرار....أحيانا أخرى أستمع الى حفيف أوراقها تهمس لي بنغمات أرق من ايقاع الصبى والحجاز ، يخال الي أنه صوت أمي تهدهدني لأنام ، وتتساقط دموعي ، فتبلل وجهي واستيقظ مرة أخرى.... وأثناء أبحاري في دنيا الأحلام الغريبة ، أعدل وضع جلوســي وأتلمّـــس أغصان شجرتي الرقيقة ، وأشتم رائحة أوراقها التي تلفني بعيدا عن هذا العالم العجيب حيث تلهمني الحلم الذي هو كل زادي الذي أقتاتة لأتمكن من البقاء في عداد الأحياء... وتهبني الاحسـا س بالأمان ، أما حين أجوع فأني أقضم بعض أوراقها الطرية لأسـكت زقزقة أمعائي الخائرة من الجوع ، ليخال الي أنّ أوراقها محلاة بالسّكر .
دائما ما أحدثها عن دروسي ، وأشتكي لها همومي ، أهمس لها عن زملائي الطييبين الذين يشفقون لحالي ، ويتبرعون لي ببعض الطعام والدفاتر والأقلام ، وعن هؤلاء الشريرين الذين يسخرون من ملابسي البالية المتسخة ، وشعري المنفوش ، وأحيانا أشكو لها سباب وشتائم زوجة أبي الشريرة ، وأريها آثار الضرب المبرح على جميع أنحاء جسدي.....عندها فقط أحس بالأمان وتخلد روحي للسكينة ، لأن شجرتي تسمعني رغم صمتها وتحنو على جسدي الهزيل بفروعها الطيبه وتشفق لحالي ، وتخفف أحزاني وتكفكف دموعي... أرى فيها أمي التي لم أرها منذ أن تفتحت عيناي على هذه الدنيا وانا أ ذهب صباحا للمدرسة بعد أن أكون قد رتبت المنزل وغسلت الملابس والصحون وأديت كل ما تطلبة مني زوجة أبي لأعود مساءا وأتسول لحسابها على أبواب المساجد والمقابر والطرقات .
في أحد أيام أيلول كانت أوراق الخريف المتطايرة في كل الأتجاهات تحجب الرؤيا أمام قامتي القصيرة الملتصقة بالأرض ،عدت من المدرسة مسرعة كزوبعة الخريف ، ويا ليتني كنت فعلا زوبعة لأحطم كل الأشياء وأنثر الغبار على كل الوجوه لأعمي العيون التي عميت أصلا عن رؤية مأسـاتي وأطير بعيدا زوبعة غاضبة الى حد التلاشي وراء الأفق اللامتناهي ...قبل أن يقع نظري على ذلك المشهد الماساوي ، أفجعني حتى الموت مليون مرة، وخر الذعر في جميع أنحاء جسدي فخانتني قدماي وتعثرت ،وسقطت أرضا من مشهد اختفاء شجرتي العملاقة فجأة .
أدركت من أول شخص أعترضته أن آله غبراء عملاقة انقضت على شجرتي وافترستها ومزقتها لأسباب حدثني عنها هذا الشخص لكن أستيعابي كان أعجز عن فهمها ....كل ما كنت منشغلة به هو رحيل شجرتي دون وداع..
قتل المجرمون شجرتي ، وفرطوا عقد أوراقها ، ومرغوا أغصانها التي طالما عانقت السماء بالأرض...لقد قتلوا اللون الاخضر في أوراقها وزرعوا الموت في كل خلاياها...لقد مزقوها وعرّوا ستر فروعها واجتثوا الحياة من أعماق جذورها...لقد شردوا عصافيرها ووأدوا فراخها وأ فزعوا أسراب السنونو التي تباركها كل صباح ، وشتتوا مسالك ودروب الجمالين والفرسان....ونثروا أحلامي مع ذرات التراب في جوف الرياح ...وأنتزعوا قلبي الذي ما فرح في الحياة الا للحلم بين خفايا شجرتي.... لقد يتموني مرة أخرى....
ذرفت دموعا غزيرة لفقدانها، وبقيت أحفر طوال اليوم ويداي تنزفان وقلبي يعتصره الألم وروحي يجتثها العذاب ، وغيوم الخريف تمطرني فتمازج قطرات المطر دموعي تارة ، والدماء من أصابعي تارة أخرى ، بقيت أحفر دون أن أشعر بأي ألم أو تعب ، ودون وعي وجدت نفسي أمسك ببعض جذورها لأتذوقها وأمضغها لأكتشف أن طعم جذور شجرتي أشد من مرار الحنظل...حاولت أن أبصقها أو أ تقيأها ، لكنّ طعم المرار أنعقد وأستعصى في حلقي منذ عذبني القدر مرتين. .. يوم فجعت بموت أمي المرأة ورحيلها دون وداع ....ويوم اقتلاع أمي الشجرة ورحيلها أيضا دون وداع .
وكبرت ،وصارت شجرتي ذكرى ، لكن طعم المرار ما زال في حلقي واقعا لا ذكريات ، وأدركت حين كبرت أن جدتي ككل الجدات لم تخبرني أنه عندما تقتلع شجرة الزيتون ، أو تمرغ هامة النخيل بالتراب تفر صوب السماء أسراب السنونو و الحمام ، وتتشابك أيدي الملائكة في السماء فيجن الغيم ويسقط المطر وتخرج من مخابئها البذور .... ما زلت أتذكر شجرتي الغالية و أ ربط بينها وبين عشقي للسير تحت المطر في أمسيات الخريف العاصفة الغاضبة المجنونة .
أقف الان على أطلال المكان حيث كانت تعشش زوجة أبي قبل عشرين عاما وسـأمر كل صباح عن نفـس المكان الذي كانت به شـجرتي و في أعماقي شـىء من الأسى لهذا الماضي الحزين ......بعد أن أخذني خالي ليربيني بعيدا عن هنا وأكبر وأصبح معلمة ويسوقني القدر للتدريس بنفس القرية حيث كانت شجرتي وطفولتي الغريبة . ... أقف و ألتفـت قليـلا للوراء بأسـى الفقير و وحدة الوحــيد ولوعة اليتـيم .... تجول بخاطري نسائم الذكريات وأستهجن لهذه الأرادة التي غرستها قسوة الحياة في أعماقي لأثبت بها لنفسي أنّ رغبة الحياة أقوى مليون مرّة من نعيق الموت.....
الطبيبة الكاتبة
د.عبلة الفاري
- التفاصيل
- كتب بواسطة: انور خميس
- المجموعة: القصة والرواية
- الزيارات: 5
كان هو كل ماتبقى لها من الدنيا بعد ان فقدت كل شئ..وهى حبلى به فقدت بصرها فى احدى الغارات التى يشنها كيان الشتات مستهدفا ابادتها هى وكل بنى جلدتها ممن بقوا فى الارض الموعودة ..هى بقت لأ نها لم تعرف هى ولا اسلافها من قبل ارضا غير تلك الارض..وليس لديها معلومات كافية عن ذلك العهد الذى اقتطع لهذه الاقوام المختلفة عنها لغة وشكلا وملة..كل ماوصل اليها ان كائنا لعينا يستحيل ان يكون اله قد صك صكا لا يسقط بالتقادم بملكية هذه الارض واعطاه لأسلاف هذه الاعراق المهجنةمنذ آلاف السنين .. ولأنها لا تثق بهذا الصك ولا بالخاتم المقدس الذى يذيله فقدجلست تستقبل الغارة تلو الغارة فخورة بالصمود..الى ان جاءت هذه الغارة ..هى لا تذكر منها سوى اصوات مخيفة لطائرات خارقة لجدار الصوت ..ثم انفجار مروع بعده اظلم عالمها المدرك وحل محله عالم اللا ادراك الهلامى..عندما افاقت واستفسرت عن سبب النار المشتعلة فى عينيها والظلام الدامس الذى يحيط بها اخبروها ان دنياها اظلمت للأبد..فقد اخترقت شظايا الانفجار عينيها لتفقدها نافذتها التى تطل بهاعلى الدنيا ..حزنت.ولم يكن حزنها لفقدان البصر فى حد ذاته..بل حزنت لأنها لن تستطيع ان ترى وليدها المنتظر ..والذى نجا بأعجوبةمن نزيف كاد ان يودى به وهو لا يزال فى عالمه الصغير الضيق..لكنها عادت واعتبرت بصرها الذاهب قربانا لقوى الشر ارتضته لتترك لها ابنها المستقبلى..عندما حانت لحظة قدومه لم يستطع شريكها فى ابوة القادم ان يذهب بها الى المستوصف العلاجى او حتى ان يأتى لها بطبيب..فقد كانت ليلة من ليالى القصف..اكتفى بأن يستدعى قابلة من الدور المقابلةفى تلك الحارة الضيقة الفقيرة..غاب لفترة ..فالعجوز كانت نائمة..فهؤلاء القوم قدتكيفوا مع الوضع حتى اصبحوا لا ينامون الا على اصوات المقاتلات..فإن سلم الامر فهو نوم ثم صحو..وان وقع المحظور..فهو نوم على كل حال..مع الغياب اشتدت اسفلها الطعنات المطالبة بالحق المشروع فى التواجد..زاد من وقع الطعنات هذه الوحدة وهذا الاظلام الاجبارى الذى يحيط بها..هل تعرف هذا الشعور؟..هو شعور معصوب العينين الذى يتخبط فى قبو مظلم منهالة عليه الركلات..قررت ان تساعد هذا القادم على الخروج من شرنقته العالق بها..تشبثت بأركان السرير وبكل ما فيها من عزم دفعت مطلقة صرخات متتالية كتمتها للداخل كى تستفيد منها فى دفع الكائن الهش..فى نفس اللحظة التى عاد فيها الرجل ومعه العجوز كان القادم على وشك الخروج الى الدنيا..ساعته القابلة فى اكمال طريقه للخارج وتلقفته فاعلة به ما يفعل بالاجنة عادة عندما تصير كائنات دنيوية..ثم اعطته للأم التى تساقطت عبرات عينيها العمياء وهى تتلقف وليدها متحسسة ملامحه محاولة تكوين صورة كروكية لوجهه تختزنها فى رأسها وتستدعيها وقت الحاجة..اعطته ثديها الهزيل فالتقم حلمته مستدعيا اولى قطرات غذائه الفطرى ..اسمته "ياسر"تيمنا برمز يعتقد به قومها..مرت الايام وكبر الوليد بين يديها وصار طفلا ابن ثلاث..علمته ان لا يفزع من قصف او من صوت لطائرات..وعندما صار ابن ست قالت له عندما تنام لا تنتظر صحوا..وعندما تذهب لا تنتظر ان تعود..قبل هذا اليوم المنحوس بشهور فقدت رجُلها..عندما تقاتل الاخوة المناضلين مع الاخوة اصحاب السلطة على فتات الكعكة متناسين ان الكعكة بكاملها ذهبت لمعدة اخرى وتم هضمها منذ زمن وان ما يتصارعون عليه هو مجرد نفايات ناتجة عن عملية الهضم اقتسموها بينهم قسمة عدل ..وقعت البائسة وعائلتها الصغيرة من نصيب المناضلين الذين قرروا تصفية كل ما له صلة بالطرف الاخر..اقتحموا مبنى عام تابع لأصحاب السلطةكان زوجها يعمل به باعتباره موظف عام وقامو بتصفية كل من فيه ..حاول التعس افهامهم انه لا يتبع احد بل عين هنا بموجب مرسوم سلطوى رسمى..اخبروه..لا بل لم يخبروه..بل دفعه هذا الملثم ذى الشارة الخضراء من فوق المبنى ليقع ميتا..مرت هذه الشهور وجاء هذا اليوم ..كان يوم بلا بشائر تنذر بما سيحدث فيه ..فلا قصف سبقه ولا غارات اوحتى شعور مبهم بالخطر مما تحس به الامهات عادة فى مثل هذه تلك الحوادث..الكون يدور فى فلكه والشمس طلعت من الشمس كعادتها كل صباح..كان باختصار يوم ممل من ايام البشرية..او هكذا بدا انه سيكون..خرج الفتى مع زميل مقعده ليلحق بمدرسته..لاحظ ان هناك اجتياحا عدوانيا اثر اطلاق صاروخ بدائى على مجتمع الشتات لم يسفر الا عن اثارة بعض الضوضاء..مما اعتبره الكيان منافاة للذوق والادب وعدم مراعاة لأصول الجيرة..وهى جرائم لا تغتفر عنده فاجتاحت عرباته ودباباته المنطقة.. وانتشر الجنود للتمشيط..كان الفتى وزميله قد قفلا راجعين الى منزليهما لاستحالة وصولهما للمدرسة..اثناء عودتهما لمحهما قناص من القوة المجتاحة فصوب بندقيته نحوهما وضغط الزناد ..وفى الحقيقة نحن لا نعلم ماذا دار بخلد هذا المجند ذى الاصول الروسية فى هذه اللحظة..فتصرفه غير منطقى ولا تفسير عقلانى له..فهل ما فعله هى اوامر مجبور على تنفيذها ..ام اراد ان يشعر قاطنى هذه البقعة انه لا يوجد من يحميهم اذا اراد هو او احد بنى لغته البطش بهم..ام هى مجرد حماقة جينية ورثها عن اسلافه ..كل هذه احتمالت لا وزن لها..لكن الحقيقة التى اكدها كل من شاهد هذه الواقعة ان رصاصة انطلقت من بندقيته مخترقة رأس الفتى .. فانهار جسده وتناثرت دمائه على الارض..فر زميله عندما رأى ذلك هاربا من مصير اسود كان ينتظره لوبقى فى مكانه ثانية اخرى..اتجه الى البائسة ليخبرها بالفجيعة ..اخبرها بصوت لاهث من طول المسافة التى قطعها عدوا..خيل له انها تحدق فيه ذاهلة ولم يعلم ان التحديق هو الوضع الطبيعى لأعين عمياء..اما ما شعرت به فى هذه اللحظة فليس الذهول انما الانسحاق ..الذى تحس به عندما تفقد عزيزا لديك ..هذا التاهاوى الذى يحل بنا ويشعرنا بهذا الالم العميق الذى نحسه يعتصر قلوبنا ..فيظهر هذا كله فى دموع لا تعبر بأى حال من الاحوال للناظر الينا عن حجم مأساتنا ..فيتجه لمواساتنا غير شاعر بما يعتمل داخلنا ..ولو علم ما فعل ذلك.. انتشر الخبر فى الازقة والحارات فتوافدن النسوة على المنزل ثم جاء من سحبها الى المستشفى التى وضعت بها الجثة ..تحسست ملامحه ومرت بأصابعها على موضع الرصاصة ..انتحبت بصوت عال..قال لها احد الملثمين يستأذنها "يا ام الشهيد..سيخرج الشهيد من احد مقراتنا ليدفن.."اتجهت ناحية الصوت وقالت فى حسم"لن يخرج ولدى من مقر قتلة ابيه ..بل سيخرج من بيت ابيه "قال الرجل محتدا"اسمعى يا ام الولد..ولدك شهيد..والشهيد ليس ملكا لذويه فحسب..بل هو ملك لكل الشعب"ضربت صدرها بقبضتها صارخة فى وجهه"انا الشعب"....خرجت الجنازة المهيبة من بيتها كما ارادت وتقدمها الملثمون براياتهم الخضراء..مطلقين رصاصات بنادقهم فى كبد السماء..وسار خلفهم الآف المشيعين من مختلف ارجاء هذه المنطقة المنكوبة فى صمت تام وفى رؤوسهم تدور تساؤلات خافتة...."لماذا يطلقون النار فى الهواء؟..هل تحية للشهيد..ام لعجزهم عن توجيهها لصدور من قتلوه.. ام يطلقونه ابتهاجا لأكتسابهم سببا جديدا لأستمرار تواجدهم".....دارت فى رؤوسهم ولم يستطيعوا النطق بها ابدا..فالرايات الخضراء تملأ المكان.......
- التفاصيل
- كتب بواسطة: محمد سنجر
- المجموعة: القصة والرواية
- الزيارات: 6
الضحك ألــــما
محمد سنجر
( بينما كنت أجلس بنقابة التشكيليين أرتشف الشاي
أقلب بين الوجوه
أبحث عن ذكرى
مر خلال نظري وجهان
ظننت لوهلة أن أحدهما أعرفه
حاولت لملمة شتات الذاكرة
نعم إنه صديق الدراسة سعيد مصطفى
ناديت )
: على الأخ سعيد مصطفى الحضور فورا للإذاعة
( التفت على الفور و عندما زالت عن وجهه غشاوة الدهشة صرخ كعادته)
: ســــــنــــــجـــــــــــــــــــور
( تعانقنا نطفئ حرارة فراق سنين ،
داعبني كعادته )
: ما هي أخبارك أيها الخائن ( روزنكراتس ) ؟
ها ها
: أمازلت تذكرين ( روزنكراتس) يا ( مولاتي ) ؟
ها ها
: حد يقدر ينسى الممثل المشهور و الفنان الكبور محمد بن سنجور
( ضحكنا كعادتنا ) ها ها ها ها
أوه ، كنت ها تنسيني ، أعرفكم ببعض
( يتحدث إلى رفيقه )
هذا هو الفنان الكبير محمد سنجر اللي حكيت لك عنه( يغمز له بعينه )
: أهلا وسهلا ( مددت يدي للسلام )
: و هذا هو النحات الكبير محمود عبد السميع
( بمجرد ذكر هذا الاسم
زادت حرارة جسدي
اندفعت الدماء برأسي
كأنما صفعني على وجهي صفعة قوية ،
سحبت يدي بسرعة ، سألته )
: محمود عبد السميع ؟
مش إنت اللي عملت المية و خمسين تمثال بتوع سينا ؟
( قال في سعادة متفاخرا )
: آه و الله صح ، بس انته عرفت الموضوع ده ازاي ؟
هو أنا مشهور قوي كده ؟
( غضب الكون بأكمله انفجر برأسي
وجدتني ألملم غباء و جهالة العالم أجمع في قبضتي
و دون إبداء أية أسباب سددت لوجهه المتورد لكمة
تكسرت لها أصابعي
نزف لها أنفه الأشم )
( صرخت بأعلى صوتي )
: متى استعبدتم الناس ؟؟؟؟
( خرجت مسرعا رافضا التواجد مع شخص كهذا بنفس المكان
و رغم محاولات صديقي سعيد فهم سبب تهوري لهذه الدرجة )
( أجبته و الدموع تخنقني )
: اسأله عمل القالب بتاع التماثيل ازاي ابن ال .......؟؟؟
( رحلت مسرعا تسيل الدموع من عيني تغرق الكون حولي
خطفتني الذاكرة على جناحيها طارت بي عاليا
بدء في الهبوط بي رويدا رويدا
وضعتني برفق حيث كنت هناك منذ عامان
وجدتني مرتديا ملابسي العسكرية،
كنت ليلتها عائدا من أجازتي الأسبوعية
أدخل إلى عنبر الجنود
صوت نباح بعيد يقطع سكون الليل
أحاول التقدم
ذهبت إلى سريري الحديدي
حذرا أنا
أحاول جاهدا ألا أقلقهم بقدومي
أسير على أطراف أصابعي
بالكاد أتحسس طريقي وسط الظلام
وقفت للحظات
بدأت الغشاوة التي أسدلت على عيني ستائرها القاتمة تنجلي
رويدا رويدا بدأت الصورة تتضح
أسرة الجنود متراصة على الجانبين
غطيط الجنود المنهكين من التعب يملأ المكان
كونشرتو أنفاسهم تتردد هنا و هناك
أصل بعد عناء إلى سريري القابع في انتظاري في زاوية من العنبر
بالكاد لمحته نائما كعادته
علامة استفهام رسمها بجسده الضعيف
طفلا في مهده ينتظر هدهدة أمه الحانية
حاولت ألا أتسبب في تعكير صفو أحلامه الوردية
كثيرا ما قص علي بعضا من هذه الأحلام البريئة
كثيرا ما انتفضت ضحكا من إفراط براءتها
يقطن الدور السفلي من نفس السرير
بينما أسكن أنا الدور العلوي
تذكرت عندما طلب مني على استحياء أن أسمح له بالنوم بالدور الأول
شكا لي ( فوبيا ) الأماكن العالية
بالرغم من أننا كنا زملاء دراسة بكلية الفنون الجميلة
لكن للأسف لم تسعدني الظروف أن أتعرف وقتها على هذا الوجه الذي فاضت عليه طيبة قلب ناصع البياض
كم حاولت جاهدا تذكر هذا الوجه القمحي
و لكن كانت دائما ما ترتد في وجهي أبواب الذاكرة منغلقة
ربما كان نتيجة اهتماماتنا البعيدة كل البعد
كان يدرس ( العمارة )
بينما كنت أدرس ( الرسم و التصوير )
كان يرحل إلى منزله في الواحدة ظهرا
بينما كانت الكلية بالنسبة لنا بيتا لا نبرحها إلا منتصف الليل
حاولت تحسس موضع قدمي بجواره للصعود إلى مرقدي
فوجئت بصوته الحاني هامسا
: حمد الله ع السلامة يا أبو حميد
( أسفت لفشلي في الحرص على عدم إيقاظه ) ( همست )
: ما فيش فايدة ؟ برضه صحيتك ؟
: لا و المسيح ، أنا عارف إنك ها تيجي النهاردة عشان كده فضلت صاحي مستنيك ، حمد الله ع السلامة يا حاج
: الله يسلمك يا أبو جرجس
: أخبار الأهل إيه ؟
: الحمد لله ، كله تمام
: ما تيجي نخرج بره عشان ما نزعجش الجماعة
و إلا انت تعبان ؟
: و لا تعبان و لا حاجة ، ياله بينا
( خرجنا إلى جلستنا المعتادة خلف العنبر ،
القمر كان ليلتها بدرا ينير المكان من حولنا )
: أسكت يا محمد يا خويا أما أنا اتبهدلت من بعدك بهدلة
: ليه ؟ خير إن شاء الله
: صلي على النبي
: عليه الصلاة و السلام
: بعد ما أنت مشيت بيومين جانا القائد و قالي عاوزينك في القيادة
يا باشمهندس هاني أنت و الفنان بتاعنا
قلت له بس محمد في أجازة يافندم و قدامه أسبوع على الأقل
خير يافندم ؟
قال لي إنهم عوزينا في مشروع كبير في سينا
و القيادة بتلم كل بتوع الفنون
المهم ما اطولش عليك ـ قول طول ،
رحنا هناك يا سيدي لقينا واد خريج تربية فنية اسمه
محمود عبد السميع ، منه لله ، منه للـــــــــــه
: ليه بس ؟
: جايلك في الكلام ،
قال إيه يا سيدي عايزين يعملوا تماثيل على القنال ،
شوية جنود بحركات مختلفة اللي كده و اللي كده ،
كام تمثال بقى يا سيدي؟
مية و خمسين تمثال ،
و صاحبنا ده بقى هو النحات الكبير المسئول عن المشروع
: وبعدين ؟
: و لا قبلين ، سعادة الفنان الكبير قعد معانا و قال يا جماعة طبعا الكمية دي من التماثيل صعب نعملها ـ نحت مباشر ـ
لازم نعمل لهم كام قالب و نصب عليهم الكمية كلها
: كلام جميل و كلام معقول ما قدرش أقول حاجة عنه
: لغاية كده حلو قوي ، لكن ما خفي كان أعظم
: احكي ، احكي
: صاحبك بقى بعد يومين حاول فيهم يعمل التماثيل اللي ها نعمل عليهم
القالب طبعا فشل فشل ذريع
شكله أصلا لا نحات و لا يفقه شيء في النحت
: و لما هو ما لوش في النحت دخل في الموضوع ده ليه من أصله ؟
: ما تعرفش إن كان ورط نفسه و الا حد ورطه
المهم ، صاحبك ساعة لما لقي نفسه ها يتكشف قدام الكل ،
هداه مخه النور إنه ياخد القالب على إيه ؟
: قول انت بقى
: عليا أنا
: نعم ؟ بتتكلم بجد ؟
: آه و المسيح
: إزاي يعني ؟
: يحط على جسمي أنا الجبس و يعمل القالب عليا
: يا راجل ؟
: مش مصدقني ؟
طيب بص دراعي
( كشف لي عن ذراعه
فإذا به ناعم كالحرير لا يوجد به شعرة واحدة،
أبيض ناصع البياض كذراع العروس ليلة دخلتها )
( صرخت )
: إيه ده إن شاء الله ؟
: عمل القالب على دراعي و رجلي
: نعم ، نعم ؟
إنت اتجننت و الا إيه ؟
إنت عاوز تقول لي إنه حط الجبس اللي ها يعمل بيه القالب مباشر على دراعك و رجلك ؟
: أنا ماعرفش في شغلكم
: شغل إيه و زفت منيل على عينك إيه بس يا أخي ،
واستحملت إزاي يا ابن الناس و هو بيطلع القالب الجبس بعد ما نشف ؟
: عذاب يا محمد يا خويا ، عــــــــــــــــــــــذاب
شوف انت بقى لما الجبس ينشف على شعر أيدك
بقى يشد القالب و أنا أرقع بالصوت ، ها ها هاي
يشد و أنا أرقع بالصوت ، ها ها
دي الفراخ بتتعذب قوي يا أخي و هما بينضفوها ، ها ها ها ها
: إزاي تسيب المجنون ده يعمل فيك كده ؟ ليه يعني ؟
إنت اتهبلت و الا إيه يا هاني ؟
: و أنا أعمل إيه يعني ؟ أنا فاكر إنه فاهم هو بيعمل إيه
: و الله العظيم حرام عليك
: أمال لو شفته و هو بيعمل القالب بتاع الوش ؟
يا لهوي يا محمد يا خويا يا لهوي
( لم أستطع أن أمسك ضحكي ألما الذي أحاول كبته
أحاول حبس الدموع التي انفجرت رغما عني
انهمرت حزنا و ألما على ما لاقاه صديقي هاني )
: ها ها هو هو هي هيء هيء
لا يا هاني لا ــــــ هيء هيء
و الله حرام عليك اللي بيحصل ده ــــــ هو هو ها ها
إنت إيه ما لكش مخ خلاص ـــــ هيء هيء هيييء
تسيبه يعمل ــــ هو هو هو
تسيبه يعمل كمان جبس على وشك ـــ هيء هيء
( أخذ يضحك المسكين )
: آه لو شفت يا محمد يا خو يا ـــــ ها ها ها ها
و أنا حاطط مصاصتين في مناخيري عشان اتنفس ـــــ ها ها ها
و الجبس لما سخن على وشي ــــــ هو هو هوي
أقوله إنت عاوزني محمر و الا نص سوا ـــــ هو ها هي
و هو يقول لي ـ استحمل يا هاني ـــــ هي هي هي هي
عشان نخلص بسرعة يا هاني ــــــ ها ها ها ها
بدل مضيعة الوقت يا هاني ــــــ هو هو هو هوي
آه يا محمد يا خويا لو تشوف التماثيل اللي طلعت ــــــ ها ها ها
كلهم الخالق الناطق أخوك هاني ـــــ ها ها ها
ميه و خمسين تمثال كلهم هاني ـــــ هو هو ها ها ها هي هي
( عندها ضممته لصدري أحضنه أضحك ، يختلط ضحكي بدموعي ببكائي بضحكه ،
كلما تذكرت المائة و خمسون هاني المرابطين على شاطئ القنال يحرسونها من المجهول يزداد ضحكي و يزداد
تنهمر دموعي أكثر فأكثر تغرق الكون من حولي
لم تحتملنا أرجلنا من شدة الضحك
سقطنا جلوسا على الأرض ،
نركل الأرض بأقدامنا من شدة الضحك المختلط بالدموع ،
يحاول كل منا الإمساك ببطنه التي تكاد أن تنفجر من كثرة الضحك
و الدموع فنفشل فنحاول و نفشل
و نحاول ف .. ن .. ف .. ش .. ل ........ )
***
- التفاصيل
- كتب بواسطة: مازن الشامي
- المجموعة: القصة والرواية
- الزيارات: 6
عدت إلى الفندق في الساعة الواحدة ليلاً وانا أتصور جلوس الرجل العجوز خلف الطاولة وعلى يساره لوحة المفاتيح، ذلك الرجل الذي استقبلني صباحاً بابتسامته البشوشة عندما سألته عن غرفة شاغرة، طرقت على المائدة، ولم يجبني أحد
يبدو أنه نائم، فسحبت مفتاح غرفتي رقم / 9 / وانا اتجه صوب غرفتي ، تناهى إلى مسمعي صوت سقوط ركوة القهوة على البلاط. أيقظ الصوت شهيتي لاحتساء فنجان قهوة، تخيلت جلوسي في الغرفة احتسي القهوة، وألحت الرغبة اكثر وقادتني إلى مصدر الصوت، مددت يدي ودفعت باباً صغيراً وأدى إلى غرفة صغيرة ، دخلتها ورأيت شخصاً يولي بظهره إليّ ويحرك طعاماً على سخان كهربائي تأحأحت ((احم احم ) فاستدار الشخص بحركة بطيئة ولما رآني ارتعد وعلاه ارتباك، فبادرته ، : آسف الآن فقط أنهيت مشواري......................
فلم يرد عليي ثم أدار ظهره مرة ثانية وعاد إلى تحريك طعامه وبعد قليل حمل صحنه ومر بجانبي خارجاً، رأى نفسه وحيداً في الغرفة فدنا إلى البراد، ورفع قنينة من الماء البارد إلى فمه عندئذ تناهت وقع خطوات، فاستدار والقنينة في فمه رأيت ذاك الشخص يدنو من البراد ويسحب ربطة الخبز من الدرج الأسفل الذي يشبه صندوق، فوضع القنينة مكانها قبل إغلاق الباب، قال لي هذه المرة وهو يهم للخروج: تفضل كل معي أجبته وانا أيضاً استعد بالخروج: لا شكراً، لكن عندما تفرغ(((تنتهي )) أرجوك اجلب لي فنجان قهوة إلى الغرفة رقم (9)
أجابني وقد وقف في المدخل: أنا نزيل مثلك، يبدو ان العامل المناوب نام في إحدى الغرف الفارغة،و أنا مستأجر غرفة شهرية هنا، هل نزلت اليوم؟؟
- قلت أجل اليوم هو الأول، أعني هذه أول ليلة لي.
فرد عليّ بلهجة ضيافية: لا يهمك، سأعمل لك القهوة بشرط أن تعتبر نفسك ضيفي.
- ما دمت أسكن هنا بصفة دائمة فأنت ضيفي
قالها مازحاً واتجه إلى غرفته .
تصفحت كتاباً، وبعد نحو ربع ساعة دخل الشخص يحمل فنجاني قهوة تتوسطهما كأس ماء.وعندئذ لم أجد بداً لتكرار اعتذاري الشديد وسوء الفهم، ولكن الشخص ذكرني بالشرط الذي بموجبه صنع له القهوة، فطلبت إليه الجلوس وهو ينظر إلى الفناجين وعند جلوسي سألني الشخص: من أين حضرتك؟ قالها وهو يرتشف القهوة المغلية جيداً والمرتفعة الحرارة: أنا يا سيدي كنت اعمل في لبنان وابحث عن عمل هنا وانا اصلي من مدينة حلب ،
- \هو\\\وهل ستمكث طويلاً؟؟
- حوالي ستة أيام فقط وأنت؟؟\\\\\انا
- هو \\لا أدري… هذه مسألة خاصة،
\\انا \\\هل جئت لعمل، أم لزيارة أحد؟؟
- لا هذا ولا ذاك، جئت لزيارة اللا أحد، اعتدت على هذه الزيارات كل ستة شهور، أزور من لا أعرفهم مثل زيارتي لك الآن.
قال لي و يحدق بيّ ملياً: هذه الزيارات ضرورية على ما يبدو لأي شخص وليس لك فحسب.
قالت: أحياناً نضجر الذين نعرفهم ونلجأ إلى الذين لا نعرفهم ولم يسبق لنا أن رأيناهم.
ولكن هل تسمح لي أن أسألك سؤالاً؟
قال لي : وهل جلوسنا لغير الحديث والأسئلة والتعارف؟؟
- سألته: ماذا تعمل؟
الشخص : يا سيدي أنا الآن متوقف عن العمل.. وغرق في صمت كئيب.
- سألته محاولاً طرد شبح الصمت: أعني مهنتك في الحياة؟
فرفع الشخص رأسه وأجاب: كنت أعمل في الخارج وبقيت خمس سنوات متواصلة خارج البلاد، سافرت منذ 5 سنوات حين كان عمري 24 وعدت منذ ثلاثة شهور.
- وبيتك، ألا أهل لك؟؟ \\\\\انا
اجاب :لي أهل ولكن منذ ثلاثة شهور تفشل محاولات الذهاب إليهم، لقد فقدت كل شيء فماذا أفعل بأهلي،، إنهم يعجزون عن تقديم أي عون لي،،
قلت أنا أصغرك بخمس سنوات وأقول بأنك ما تزال تتعثر بمد قدمك إلى الدرجة الأولى من درجات الحياة لم تشرب كأساً من النهر الذي ستشربه، اليأس في سنك لا يعني غير الهزيمة في أفضل التفسيرات.
قال وما زال محافظاً على هدوئه: يا سيدي قد يحدث وأغرق في نهري قبل أن أشربه.
واانا اواصل كلامي دون انقطاع: الذي يجدي هو أن تصر على شربه وتدافع عن حقك للحصول عليه، وإن شئت اسبح فيه كما تسبح الطيور في الفضاء .
ولما أخذ الحديث هذا الاتجاه المتوتر عرض الشخص عليّ فنجان قهوة أخرى في غرفته والسهر حتى طلوع النهار ثم عزمني على وجبة الغذاء مقدماً فوافقت على فنجان القهوة على أن يعذرني من الغذاء وخرجت من غرفتي ناظرا في فراغات الممر وقادني الشخص وهو يقول: ليس هناك أطيب من السهر في الفنادق 0
جلست على كرسي في الغرفة وخرج الشخص ليحضر القهوة وكانت الساعة تشير إلى الثالثة وعشر دقائق صباحاً فهتفت به على فكرة، ما اسمك؟؟
جاء الصوت من الممشى : اسمي كاظم
تأملت محتويات الغرفة كل شيء يوحي بأنه سيهجر الغرفة صباح الغد، الثياب مرمية على الأرض،نقود ورقية ذات فئات صغيرة مرمية في الزوايا، أحذية
مقلوبة، صحون متسخة تأكلها العفونة، فناجين قهوة مكسورة، علاقة ثياب مخلوعة، واتى كاظم حاملاً القهوة وقال: هل أعجبتك هذه الفوضى؟
اجبته ::تعجبني الفوضى إذا كانت منظمة، ولكن الرائحة الكريهة تخنق، هل أعينك في الترتيب وخلق فوضى منظمة؟؟
قال كاظم: لا أشعر بأي رغبة لذلك،
- أرجوك قل لي ما تخفيه، ثلاثة شهور وأنت لا تعمل وتعيش في هذه الغرفة، هل تفسر لي ؟؟؟\\انا
جلس كاظم وقال: سأقول لك يا صديقي وأنا أعرف بأنك لا تستطيع أن تقدم لي شيئاً.
وتحدث عن طفولته السيئة وهروبه من البيت إلى دمشق والأعمال التي قام بها وهو في الثالثة عشرة من عمره ثم سفره إلى لبنان، ومن هناك سفره إلى خارج البلاد بجواز سفر مزور، وبعد خمس سنوات من العمل استطاع أن يدخر مبلغاً جيداً وفكر بالعودة إلى قريته وبناء بيت خاص به والقيام بمشروع تجاري، وفي أثناء هذا التخطيط علم أنه مصاب بالإيدز لأن زوجته التي تزوجها حديثا كانت مصابة وقال كاظم وهو يحدق إليّ بقوة: غادرت البلاد على الفور وعدت إلى بلدي، لم أذهب إلى قريتي إنني متردد كيف تريدني أن أذهب وأنا واثق من إصابتي ، منذ ثلاثة شهور أسكن هنا أنفق نقود مستقبلي، كم أنا ساذج، تافه، لا مستقبل لي، سأموت قريباً،أجل لا بد أن أموت بعد شهور قليلة، بعد سنة في أقصى حدود سخاء هذا المرض البخيل، وليس أمامي إلا أن أعوض نفسي، لا بد أن أعيش مئة سنة في سنة واحدة، لن أنام لحظة واحدة،،، سأعيش كل تفاصيل الحياة ولحظاتها في هذه الفترة المتبقية من عمري، لدي مبلغ جيد يساعدني على تحقيق رغباتي، هل تعتقد يا مازن أن ذلك سيقدم لي شيئاً؟؟؟
ولم تخرج الكلمة المضبوطة من حنجرته
ونهض وقد امتلأت عيناه بالدموع فنظر إليّ كاظم نظرة من ندم على أمر قاله قبل لحظات وسكتنا دون أن نقول كلمة واحدة ولبث سهراناً حتى الثانية بعد الظهر، عندئذ نام ولم يفق إلا في الثامنة صباحاً.
فارتدى ثيابه وخرج، لمحته في الممر المؤدي إلى الأسفل، رفعت يدي مسلماً، استجاب كاظم وهو يدنو إليّ: أرجوك اعذرني، ولكن هذا ما حدث، ليست لدي إضافة.
فقلت : أتمنى لك الشفاء.
- أين ستذهب؟؟
- قال :إلى السوق
- هل ستأخذني معك؟؟؟
قال إن شئت فأنا أرغب في المشي قليلا
لكن قبل ذلك لي رغبة في ترتيب غرفتك، ثم أن ترتدي ثياباً جديدة قلت :
ووافق كاظم على الاقتراح وعادا إلى الغرفة، استغرقت عملية الترتيب نحو ساعة ونصف: عادت إلي الرغبة للحياة. قالها لي وأمسك بيدي نزل بي به درج الفندق، إلى قلب المدينة، وبدأ كاظم يقبل على شراء كل شيء وينفق النقود بتبذير كمن يود التخلص منها.حتى انه اشترى هدايا كان يهديها إلى الناس في الطرقات ويقول: لماذا تمنعني من أكون مبذرا للحظات فقط في نهاية هذا العمر، ، بل سخياً إن شئت ؟؟ وفي الواقع ما صرفه في ساعتين فاق ما جلبته معي لقضاء أسبوع أضعاف المرات، وربما لو كنت في موقفه لما ترددت من ذلك ورغم هذا فلا أعرف، ولست متأكداً بأنني سأموت قبله أو بعده، فقط هذه اللامعرفية مجدية وكلما زدت جهلاً بها كلما تمسكت بالحياة وكلما زدت علماً بها صرت مثل كاظم . هذا الجهل الأعمق يمنحني القدرة على الاتزان وفجأة هتف كاظم بطفولة: مااااااازن أرجوك انظر ، ذاك الشاب انظر إنه في عمري انظر إلى أناقته، ونظرت إليه قائلاً: ما به يا كاظم لقد وعد حبيبته في الحديقة وتأنق لها.
فقال كاظم :في حزن لن أنساه أبداً: لا أحسده على شيء فقط أحسده لأنه ليس مصاباً بالإيدز.
وانحدرت دموع صادقة من عينيه وبعد قليل وضع ورقة نقدية بفئة الف ليرة في يد طفلة تمشي مع والدتها، دون أن تراه الوالدة ومشينا وقال مرة أخرى بذات الحزن المؤلم: أرجوك انظر إلى هذه الفتاة الجميلة.
قلت وأنا أنظر: ما بها يا كاظم؟؟
ليست مصـااااااا،،،،، ولم تدعه الغصة يكمل .
وبدأ يتصرف كالأطفال، يشتري الألعاب، والدمى، والسكاكر، كل تصرفاته كانت تلفت نظري وكنت أتحاشاها في مواقف وابتعد عنه، وكنت أصر على عدم استيائي في مواجهته، وأردد في صدري: ((كانه سوف يموت غدا))
عدنا إلى الفندق مساءً، دخلنا غرفته واقترح أن نأخذ غرفة بسريرين، فقلت له: كما تريد يا كاظم
استفاقت من نومي في الساعة السابعة صباحاً مددت يدي إلى سماعة الهاتف وطلبت غرفة كاظم،عندئذ قلت له بأنني عزمته على وجبة الفطور في محاولة للاعتذار على تركي المفاجئ له ليلة البارحة وبعد نحو ربع ساعة جاء كاظم مرتدياً ثيابه، فدخلت الحمام ولدى خروجي قال كاظم: أتعرف؟؟
قلت: لا
قال: أحسدك لأنك لست ..…….
ومددت يدي إلى شفتيه: أحياناً نتعلم من المرض أكثر من تعلمنا من الشفاء، ويمكن أن نتعلم من المرض في سنة ما لم نتعلمه من الشفاء في ثلاثين سنة.
فقال كاظم: دوماً تحسسني بالانتصار حتى وأنا في آخر خطوات الهزيمة والاستسلام.
قلت: ليست المسألة في أن أعيش يوماً وسنة بعدك أو قبلك وفي جميع الأحوال لن نكون بعد سنوات في الحياة هنا قد أخرج الآن وتصطدمني سيارة فأذهب بحادث، عندئذ وفي لحظات الاحتضار قد أحسدك على مرضك لأنه لن يقتلك بعد دقيقة واحدة على الأقل.
أقفلت باب الغرفة أودعت المفتاح في لوحة المفاتيح وخرجنا، صار كاظم ينط على الدرج كالأطفال، نزلنا إلى قلب العاصمة، اتجهنا إلى الصالحية وإلى / أبو رمانة / 0
قال كاظم: أتعرف قبل التعرف إليك كنت أنتظر الموت فقط الآن أحس بأنه يتعثر بخطواته وينتظر ذهابك لينهض ويهرع إلي، لا يمكن للإنسان أن يخسر كل شيء دفعة واحدة،،
قلت: لن أتركك… ما رأيك أن تقبل دعوتي لزيارتي في مدينتي وتترك الموت هنا؟
شدته عبارة / تترك الموت هنا / وقال: سأجيء
قلت: أنا مستعد
قال بجدية: وأنا أيضاً، وازداد وجهه تفتحاً.. كل ما فيه بدأ يشرق، إنه في عنفوان الشباب والمراهقة، لكنه كلما يرى شاباً يهتف انظر يا مازن ، إنه غير مصاب، ليتني كنته.
وما أقسى وقع هذه العبارة على سمعي، ويكررها بحسرة، وفي نهاية الشارع جلسنا في حديقة صامتة لا أحد فيها، استرخى كاظم على الكرسي ولأول مرة تحدث بحكمة وقال وهو لا ينظر إلي: أتعرف يجب أن يصاب كل شخص بالإيدز ثم يشفى ليدرك قيمة عدم إصابته الثرية.
وبعد قليل قال: على كل شخص إذا أراد أن يستوعب الحياة أن يعيش هذا الشعور ثم يشفى، وصمت، نظر إلي، ثم عاد إلى / اللاشيء /
وابتدع قولا : الإيدز خطوة الإنسان الأخيرة لولادة حياة أكثر نضجاً،
وقال: إن الله يحبنا جميعاً ..
ثم دفن وجهه في راحتي كفيه وتمتم كأنما يغني: لا أريد شيئاً سوى أن أحس للحظة واحدة بأنني لست مصاباً أن أعيش هذه اللحظة، متحرراً من هذا الشبح القاتل الذي يزداد ثقلاً على حركتي ورغبتي في العيش، لا أحد بمقدوره أن يتفهم الحياة بقدري في هذا اليوم البائس من حياتي إنني أكره الإيدز، لو كان رجلا ً لتصديت له، أشعر بسفالته، بمكره مثل الماء الذي يتسرب تحت التبن،ليس بوسع مخلوق على وجه الأرض أن يتعلق بالحياة كالذي داهمه الإيدز الجبان، أنا أفهم تماماً بأنه جبان، وينظر إلى إنجازات البشر بحقد أعمى أكثر من زملائه إنني أعيش الموت لحظة بلحظة يا ماازن ،، الآخرون ربما ينسون هذا الإحساس المدمر، لأن الموت يبدو على البعد دوماً ولا يذكرهم، أما أنا فأتذكره كلما شاهدت شخصاً بدون إصابة , أعتقد بأن عدد سكاننا يتجاوز تسعة عشر مليوناً وإنني واحد فقط من كل هؤلاء، هذا الإحساس يدمرني ويخنقني .الآخرون لايستوعبون هذا الرعب عندما يقولون : سنموت غدا , ولايدرون أي غد يعنون , إنها تخرج على صيغة نكتة , وقد لايعيشون هذا الواقع الأليم إلا لحظات الاحتضار الأخيرة , حتى الطبيب يرفض أن يضعهم في مواجهة رعب كهذا , أما أنا فأعيش حياتي كلها في احتضار دائم وكل يوم يصرخون في وسائل الإعلام وفي الشوارع والملصقات : لن تشفى 0 وتتعالى صيحات التهديد والوعيد وكأنني لست واحدا من بني البشر , وكأنهم بدون خطايا 0
ليتهم جربوا لحظة ألم واحدة من لحظاتي الجحيمية لمزقوا كل هذه الملصقات , ولتحدثوا بشيء من تكاتف إنساني 0 مع هذا اليأس0 أواصل حياتي وأعيش هذه الوخزات الروحية المؤلمة أياما متلاحقة لاتنتهي وأتمسك بها لتمكنني من العيش , وكلما تحققت أمنيتي في العيش أياما أخرى انتشر المرض في حواسي واحتل كل ذرة من جسدي0
كنت أتصور عودتي إلى قريتي الطيبة , وإلى أخوتي الصغار الذين ولدوا ولم أرهم بعد , ولا أعرف ملامحهم , قريتي أعظم من كل تلك البلاد , لا لن أرجع إليها حاملا الموت , لن أحمل إليها الدمار , كان علي أن أعود سليما مثلما خرجت , وأحمل إليها الحياة 0 أفضّل البقاء هنا , الموت هنا , وأحيانا أفكر بالانتحار في ظروف غامضة حتى لاينكشف مرضي , لقد مات كل شيء بالنسبة إلي , غربت شمسي في أولى إشراقتها ولن تشرق ثانية 0
وتغير لون كااظم , ركبه شبح الموت , ماتت الحياة في نبرات صوته الخافتة التي بدت لي الأخيرة التي تصدر منه , وصار ينظر إلي ببؤس العالم : / أنا والحياة كلانا أخذ حقه من الآخر / 0 لن أستمع إلى موسيقاكم بعد الآن , لن أغني , لن أرتدي ثيابا جديدة , لن أرى خيوط الشمس الأولى , سارتمي في ظلمة أبدية ولايزور قبري أحد , لاأحد يزرع وردة , ولا أحد يتمهل للحظة واحدة بجانبي , هناك عندما تسلبني الحياة كل شيء , حتى هذه الأنفاس المتبقية الميتة 0 لن أضيف كلمة أخرى , أشعر بصداع في رأسي يفقدني كل لحظة توازن ,
هل ستأخذني إلى الفندق , أرجوك لاأريد أن أموت في الشارع , أريد أن يحدث ذلك وأنا بمفردي , أن يحدث ذلك بخفية تامة وأنا ممدد على سرير الموت دون أن يكون بوسع أحد أن يصوب النظرة الأخيرة إلى موتي 0
وأخذت كاظم إلى الفندق والدموع تملأ عيني , إنه في أبأس لحظات حياته , لم يسبق لي أن شاهدت مثل هذا البؤس لدى مخلوق 0 وصلنا الفندق بسيارة وكأنها سيارة إسعاف , دخلنا غرفته , لم أتركه , كنت خائفا عليه , واستلقيت إلى جانبه في سريره حتى الصباح 0 استفقت رأيته نائما ولكن ملامح وجهه بدت هادئة مسترخية , وبعد قليل فتح عينيه عندما تركت السرير , ابتسم لي وصار يقبلني بحرارة أشد من حرارة ظهيرة الصيف 0 همست له : انظر ياكاظم , هناك من لايظفر سوى بسنتين من الحياة , ومن لايظفر سوى بشهرين , أنت ظفرت بتسع وعشرين سنة مجانية بدون مقابل , أي شيء آخر تريد , لنفرض أنك مت منذ ثلاث سنوات , أو أنك ستموت بعد عشرة أيام , ما الجديد في الأمر , يكون الأمر مؤلما عندما يترك المرء الحياة ويدرك أن هناك من لا يموت , الموت هومصبنا جميعا , وفي لحظة الموت يتساوى معك من عاش مائة سنة , يمكن لك أن تكتشف الحياة كلها في سنة واحدة من سنوات عمرك ما لم يكتشفها من عاش مائة سنة 0
خرجت هذه العبارات من فمي وهي محاولات أخيرة لتهدئة صديقي , وقد استجاب لبعضها , واقترحت عليه السهر الليلة حتى الصباح في , وفي أمسية لن ينساها اتجهتا خارج المدينة جلسنا على مائدة عامرة تحت الأشجار واتفقنا أن العمر كله كان تمهيدا لهذه الليلة وأما ما يأتي بعدها فلايهم إن طال أو قصر 00 لقد رجعنا إلى الفندق في الخامسة صباحا , , واستفقنا في الثانية ظهرا ,
كان كاظم
في قمة توهجه وعشقه للحياة ويدندن بأغنيات دافئة فقلت له : لقد أمضيت عشرة أيام معك هل تسمح لي بالعودة ؟
وفجأة عانقني وصرخ بهستيريا : أرجوك لاتتركني 0
قلت : لنسافر معا 0
قال : فيما بعد , أنت لست مرتبطا بوظيفة , لايهمك 0 فقلت ولاأدري كيف خرجت العبارة من فمي : ياكاظم قد لاتكون مصابا 0
قال : هذا مستحيل , المرض ينتقل عبر الاتصال , وهي كانت زوجتي على سنة الله ورسوله .
قلت : انه احتمال , ما رأيك بالتحليل ؟
قال : هذا هذيان
قلت : لن نخسر شيئا أرجوك 00 ووافق مكرها 0 دخلنا المشفى الخاص وشرحنا الأمر للطبيب الذي غرز إبرة في ساعد كاظم , سحب قليلا من دم وطلب أن نراجعه بعد يومين ليخبرنا بالنتيجة 0
وطوال هذين اليومين عاش كاظم في توتر وأحيانا لاينام ساعة واحدة وهو يعد الساعات الذاهبة والساعات المتبقية , أجل كان يعد الساعات ساعة , وعندما جاء الموعد , لم يأت , طلب إلي الذهاب بمفردي وجلب النتيجة , ولست أدري أي احتمالات كان يضع , ولماذا قرر الخروج من الفندق معي , وعندما قلت له : أين ستذهب خلال هذه الساعة ؟ لم يجبني , واكتفى بإعلامي أننا ستلتقي في الفندق لدى عودتي 0 سلّمت على الطبيب وطلبت منه النتيجة فأحضرها وناولها لي قائلا : لديك فقر دم 00 وقبل أن يكمل قلت : لست أنا ,إنه صديقي 0 فقال : آ سف لم أعد أذكر , ثم أردف وهو ينظر في نتيجة التحاليل ويناولها ليدي : ونسبة السكر قليلة في دمه , أنصحه بتناول الكاتو والحلوى بدلا عن الخبز لبضعة أيام 0 قلت : ألا يوجد إيدز ؟ فنظر إلي قائلا : قلت لك كل شيء 00هل سمعتني؟؟ ؟ قلت : لا ولكن أريدك أن تقولها , أن تلفظها حتى يطمئن قلبي 0 قال : لايوجد ماتقول 0 سحبت نتيجة التحاليل من يده بفرح طفولي غامر وهرعت صوب الفندق ركضا وأنا أظن أن أي وسيلة نقل لن تكون أسرع مني ,
رأيت كاظم متوترا في انتظاري وما إن رآني حتى انتصب واقفا : هـه اخبرنـي
قلت : دعني أسترد أنفاسي ,
قال : هل أعطاك النتيجة ؟
قلت : أجـل أصبر قليلا
قال : قلها , أرجو ك
قلت وقد نهضت بعد لحظات من جلوس : أنت لست مصابا يا كاظم , بإمكانك الآن أن تعيش شعور الغير مصاب 0 علاه اصفرار بعكس ماتوقعت , وبعد قليل مد كفه إلى الجهة اليسرى من صدره وضغط بقوة وقد احتقن وجهه بصورة غريبة , ثم ببطء شديد رمى جسده علي 00 قلت : كاظم مبروك 0 وأحسستُ بثقل غير عادي لجسده , تراجعت إلى الخلف خطوة , وسقط كاظم على الأرض دون حراك , صحت به ولم يرد , أعلمت صاحب الفندق , وبعد قليل جاءت سيارة الإسعاف وأخذته جثة هامدة 0 في نفس اليوم أعددت حقائبي , الهدايا التي اشتراها لي , واتجهت إلى مدينتي وأنا ألتفت خلفي وأتوقع أن يأتيني صوته من نافذة غرفته في ذاك الفندق الضخم عد يا ماااااااااااااازن انا لم امت انا مازلت على قيد الحياااة عد ارجووووووووووووك
- التفاصيل
- كتب بواسطة: أكرم حسن
- المجموعة: القصة والرواية
- الزيارات: 6
السيف
بقلم : أكرم حسن (منصورة)
كانتْ تصاحبُ بوابة البيت,ترقبُ بلا ملل, مروره اليومي, مدندناً فيروزيته الأولى<< بيت الحبيب ما أجمله..خضر الغصون بتظلله>> وعندما تتعانق العيون.. يصلها صوته <<بتمرجح بقلبك.. بقلك أنا بحبك >> .
قالت أنه.. آمرُ القلعة, فارسها.. بسيفه الفولاذي.. قمرُ ليلها.. شالُ نائم بعمق على سرير عنقها, و حقيبةُ مدرسية تتأبطها, وأنه.. احمر الشفاه وحمرة الخدود, و الكحل لعينيها.
قالت أنها مَلِكَةٌ متوجةٌ, حبه.. تاجها.. وأنها تنظرُ بازدراء, لأميرات, يخطرن أمامها,بتيجانٍ ماسيةٍ .. و أن كلماته ..أحجاراً كريمةً, ترصعُ قلبها. و أنه ..لحن المواييل و الأغاني, وأنه لها أولَ و أخرَ قصيدة, وأنها في حبه.. شهيدة.
يذّكُرُها , صورة.. مقيمةٌ بين وريقات كراسته الجامعية, يحملها , ويجولُ على واجهات المحال, يروم أولَ حرف من اسمها, يُسلْسِلُه.. ويدليه فوق صدره..هناك.. يلامسُ قلبه.. فتهونُ عليه الغربة عن عينيها.
يذّكرُها.. بعيداً عن وطنه الثاني!! مجنداً لخدمة الوطن!!يحضنُ رسماً, لونته يداها, درب ترابي.. شجر وجبل و سماء.. وطيران عاشقان.. هناك, على مفترق طرق.. التقيا..تشابكت أيديهما,وسارا ملتصقين, كواحد, يقصدان اللا مكان,غائبان عن الزمان.
يذّكرُها! درةً نادرةً.. يغارُ عليها.. من مشط و مرآة, من صفحة في كتاب, ودمية تعانقها ليلاً, يغار من كل شيء.. إلاه!!.
متسلحاً بحبها.. معتداً بقوةِ سيفه, تحدى, و رمى القفّازَ في الوجه, طالباً المبارزة ..لكن سيفه تشظى.. نثراتِ خشبية, عندما قامَ بصدِ أولِ ضربة.. من سيفٍ صغير مذهب..معلقٍ في سلسلة, تتدلى من مرآةِ أمامية, لسيارةٍ معطرةٍ يمتطيها.. قردُ!!. يبحثُ عن فيروزيةٍ للدندنة.. لا يجدها..تحضرهُ حليميةً.. لا .. لاتكذبي.