مجلة أقلام الثقافية
  • الرئيسية
  • هذه المجلة
  • المنتديات
  • الشاعر سامر سكيك
  • انضم إلينا

واحة الإبداع

  • الشعر الفصيح
  • القصة والرواية
  • الخاطرة والنثر
  • مقالات متنوعة
  • الفن التشكيلي
  • بحوث ودراسات
  • أدب عالمي

أقلام متخصصة

  • حديث أقلام
  • القلم الديني
  • القلم السياسي
  • القلم الفكري
  • القلم العلمي
  • القلم النقدي
  • القلم الاقتصادي
  • تحقيقات صحفية

اخترنا لك

  • أعلام ومشاهير
    • أرشيف
  • قراءة في كتاب
    • أرشيف
  • مختارات شعرية

زوايا متنوعة

  • إدارة وأعمال
  • مسرح ومسرحيون
  • شؤون فلسطينية
  • للنساء فقط
  • الصحة والناس
  • من هنا وهناك
  • علوم وتكنولوجيا
    • أرشيف
  • تربية وتعليم

موسوعات أقلام

  • أدباء ومثقفون
  • قصص الأنبياء
  • التاريخ الإسلامي
  • شعراء وقصائد
  • عقائد وأديان

تسالي وترفيه

  • شرح الأبراج
  • ابتسم مع أقلام
  • ألغاز سريعة
  • اختبر ثقافتك

القصة والرواية

عيون بلون الأشجار

التفاصيل
كتب بواسطة: م. زياد صيدم
المجموعة: القصة والرواية
انشأ بتاريخ: 13 أكتوبر 2007
الزيارات: 6

شاءت الصدفة المحضة ، أن يتلقى ضمن بريده الزاخر برسائل شتى يومية رسالة من احد أصدقائه ، يخبره عن موقع جديد يلتقي فيه مجموعة كبيرة من المثقفين في شتى مجالات الأدب من قص وشعر ومقالات وأنشطة متعددة ، فوجده مناسبا يلبى فيض نشاطه الأدبي المتنوع .. لم يمض وقت طويل حتى أصبح أحد المشاركين الدائمين فيه ،عبر إنتاجه وتفاعله مع الكتاب والقراء ، كان أحد عشرات المواقع الأخرى ، لم يلتفت إلى علاقات من نوع الصداقات التى تنشأ نتيجة لتفاعل الكتاب فيما بينهم أو بين القراء على السواء ، فقد اكتفى بسطور من كلمات لم تتعدى كونها مجاملات عابرة، لأنه كان قد اندمج بصداقات متفاوتة ومتباينة في طبيعتها في أماكن أخرى سبقته بشهور بل بسنوات ، نشأت لديه وتشكلت عبر عالم شاسع ممتد أصبح بحجم قرية صغيرة ، هكذا سار الوضع معه بشكله الطبيعي .. لم يمر على وجوده شهور قليلة ليعلم لاحقا بأنه قد حرك في وجدان إحدى المشاركات اهتماما مميزا ، ومتابعة له ولكل حرف يكتبه قلمه النابض ، كانت إحدى المعجبات بقصصه ، والتي تأثرت بقلمه وأفكاره حد الإعجاب الشديد ، كانا يتبادلان الردود أحيانا التى تناقش وتثرى ما يتم كتابته ، فهي أيضا ترسم على صفحات الأثير كلمات عذبة ترتقي إلى درجة الخواطر والشعر، تعبر من خلالها عن مدى شاعريتها وأحاسيسها المتدفقة بقيم إنسانية راقية ، تنعكس على سحر الكلمات التى تنثرها في زوايا متعددة عبر الأثير.. كان يقرأ لها كما لغيرها، دون أن يترك في نفسه ذاك الشعور بالاهتمام الخاص وتحليل معاني الكلمات المنهمرة منها كحبات مطر، تصعق الأرض الجدباء لتحيلها رياض خضراء غناء تسر الناظرين ، وتزيد من إيمان المشككين بقدرة القادر على جمال إبداعاته وخلقه، كلمات تحاكى بعنف نصفه الآخر الذي يدفن فيه أسرار حياته الغابرة ، وذكرياته الجميلة لماضي لم تمت في جوانبه الدافئة الكامنة في تعاريج قلبه، ذكريات الجوى والشجن . وفي يوم تلقى رسالة عادية منها على البريد الخاص، تسأله عن استشارة خاصة في كيفية تعاملها مع محيطها الثقافي في أمر يخصها ، لم يفاجأ بطبيعة وفحوى رسالتها فهكذا رسائل يتبادلها دوما مع كثيرين ، فهو قاص صاعد و كاتب مرموق ،له من القراء والمعجبين الكثير من كلا الجنسين ، فكتب لها رأيه الشخصي ردا على استفسارها ، كان كريما كعادته، فترك بريده الشخصي لها وذلك لمزيد من التفاصيل التى قد تطرأ معها لاحقا ، لم يكن يتنبأ بأن هذا قد شجعها فعلا على الدخول معه في حديث مباشر عبر الأثير ، بل لم يتخيل بأنها قصدته هو بالذات لأنها فعلا كانت معجبة به تريد التقرب منه أكثر ،وهنا بدأ يكتشف حقيقة إعجابها الشديد به ، وبدأ يلمس حقيقتها المفعمة برومانسية عذبة ، وبأنها أرقى من نسيم البحر وقت الصباح ، كما تحسس خفة الظل والروح ما ينعش الفؤاد ، ويفتح أفاق من صداقة قد تكون الأغرب في حياته مؤخرا والممتدة عبر سنوات الماضي الجميل والمشرق في جانبه الآخر . انه في العقد الرابع من عمره وهى ما تزال في عقدها الثاني، ففارق العمر يعتبره إحدى العقبات التى تزعجه في قناعاته بصداقات مثمرة وطويلة يبحث عنها دوما ، لحاجته الماسة إليها لتزويد جانبه المضيء من قلبه بوقود وأسير الحياة يحفظ له وهجه وتدفقه بالحب والعطاء واستمرارية الإبداع لديه وحتى لا يطغى جانبه الآخر فيكون الهلاك المحتوم !، وهذا الفارق الزمني قد خالف قاعدته في الحياة، لكن بقيت سحر كلماتها وأسلوبها وثقافتها ، التى سبقت عمرها الزمني دليل لإقناع عقله بان لكل قاعدة شواذها ، فكان قبوله لها بهذه المنطقية ، ولنقل انه استثناء للقاعدة التى ستخضع للتجربة والبرهان لاحقا ، فها هو قد سمح لذاته بان يتخطى خطوطه الحمراء التى رسمها لنفسه بناء على تجاربه السابقة، ودرايته الكافية لمثل تلك العلاقات الإنسانية ، لكنه على يقين واطمئنان وبثقة عالية من ذاته بان خبراته في الحياة الحافلة ستلجم انفلات عقال الحصان من ثورته وجموحه ، فلن يعدو مسرعا نحو خط الأفق البعيد ، لأنه خط وهمي لا يصل بالإنسان إلى بر الأمان في أكثر الأوقات ،بغير بوصله تهديه إلى شاطئ الأمان الذي يبحث عنه وهذه البوصلة هي تلك العاطفة الصادقة المتوهجة في قلب ينبض من أجل الحياة ، بلا قيود زمنية وبلا اعتبارات أخرى مقيدة !. هكذا بدأ يدور الحديث بينهما في أعماق سكون الليل حتى تسلل خيوط الفجر الأولى إلى نافذته ، ليكتشف اقترابها أكثر فأكثر من ثقافته وتفهمها لشخصيته بدقة متناهية ، بطريقة تركت في قلبه سعادة غامرة ، فشعر بأنه قد وجد ما يبحث عنه والذي سيغير من حياته الشيء الكثير.. كانت قريبة من الأشياء التى يحبها في جانبه الآخر الدفين بذكرياته الزاخرة والتي عجنت من شخصيته إنسان من نوع فريد حيث يربط جانبي قلبه برابط وثيق غير منفصم أو منفصل ، يؤثر كل منهما ويتأثر بالآخر في انسجام تام يطفئ عليه نوع من تميز عن الآخرين والذي يخفيه عن العامة في بيئة وثقافة مختلفة يعيشها، فلن يكون سهلا تقبلها أو إدراكها إلا لمن يقترب منه كثيرا ويفهم حقيقته الطيبة المتسامحة، والرومانسية العاشقة للقيم الإنسانية الجميلة ، والأحاسيس الصادقة المتفتحة كورد جوري يبث شذاه وعبق الجوى السابح في أعماق قلبه . مر وقت قليل حتى كشفت ( سناء ) عن عينيها الخضراء بلون الأشجار، لتلون حكاية أخرى جديدة فريدة في سفر ارث إنساني متدفق ، ما يزال جاثما في ذاك الجانب المتوهج من قلب (أحمد) ، فهل تُضاف إلى أرشيفه الكامن في أعماق تلابيب قلبه النابض بقيم الحب والخير والحق والجمال ، أم أنها ستكون بداية لقصة لم تبدأ فصولها بعد.!! إلى اللقاء.

رسالة لن تقرأها..أمي.

التفاصيل
كتب بواسطة: محمد العربي الوالي
المجموعة: القصة والرواية
انشأ بتاريخ: 11 أكتوبر 2007
الزيارات: 5

رسالةٌٌٌ... لنْ تقرَأَهَا أمُّي

                                                                  قصة قصيرة

محمد العربي الوالي

أعرف أنك تكرهين... المقدمات ..كما تكرهين النفاق..

ولذا سأدخل الموضوع من غير مقدمة...

وإن كنت أعرفك عصية، شرسة، يتعذر إقناعك...

وجهك- يا أمي - يطاردني..يحاصرني ويذبحني آلاف المرات..في اللحظة الواحد.

صعب يا أمي  أن يفهم الناس ما آتيه من تصرفات..ويستحيل عليهم تخيل الطفولة التي

 تسكنني، والحنين القاتل الذي يتملكني في العود إليك إلى صدرك...

متعب أنا- يا أمي وخائف وبائس...

منذ سنوات عدة، وقبل أن نفترق، قبل أن يذهب كل منا في سبيله...وأنا أود أن أجلس

 وأتحدث إليك لعلنا نجد حلا وسطا...نقطة تقاطع أو حدَّ تقـارب...

ولكنََِك كنِت...

ولكنني كنتُ...

وخضعتُ أول الأمر...وثانيه...وثالثه...وتوالت نكساتي ..من غير أن أدخل المعركة...

كان حبّي الشديدُ لك...يقيّدني...يحيلني إلـى بهيمة ترسف في أغلال سجن رهيب...رهيب..

كنت أنوي...بل أريد أن أقـول لك...إنني رجـل!وإنني!.

لكن مواقفك التي تتمسكين بها مهما كانت ضحايــا طغيانها...تحيلني...

إلى صخرة...تتـلذّذ، متألّمة بعبوديتها وسكونها!

وتوالت الحرائق... التي تشعلينها...تغزو جسمي ونفسي..

وأنت مزهـــوة بانتصاراتك...غير عابئة. بما يحدث لي...

وكنت آنذاك أقرأ التمرّد والإلحاد والعبثية عند كامي، وسار تر، وسيمون دي بفوار...وكنت

 أواجه الحوادث بنفس لا مبالية...لا مهتمة...وكأنها لا تعنيني...

وهذا لا يعني... أنه لم يكن لي رأي... فيما يجري...

إمام المسجد كان يردد " الجنة تحت أقدام الأمهات"...

وأنا كنت مسكونا ببطولات وقصص الملحد ين...وأنت توجهين السفينة والرياح حيثما

 شئت...

وأنا في صراع داخلي مرير بين إ رضائك، وإرضاء الإمام، واستجابة لما أجده في الكتب

 التي أطالعها...

وبين شتى المواقف... لا موقف لي...

أتـلقى الطعنات...وأصبر صبر أيوب...

وأذهب إلى السياب لأبكي...في شعره...أتخيلني مومسه العمياء...وقد تداول على جسدها

 المنهوك، وروحها الملوثة.... زوار الليل في ليلـــها الأبدي...

وأنت... تتلذذين.... وتزدادين شموخا...أ مــا م نساء القرية...

ويوم سألت أبي.الحاضر الغائب رأيه.فيما يحدث.لي.وله.معا...

جاءني صوته ضعيفا باهتا...لا لون .. له.. و..لا طعم ...

" هذه أمك وأنت ابنها."

وغاب عن هذه الدنيا،كالمسافر المتسرع...الفار إلى عالم أكثر هدوءا وسعة...!

وأنت تذكرين أنني لم أبك موته.كما لم تفعليه أنت..لأنني لم أشعر يوما بوجوده.

لقد كنت الكل... كل الوجود...

وأبي لم يكن شيئا...من الوجود..

قد تعجبين لما أكتبه اليوم إليك...ولما أشيعه في الناس عنك...

قد ترين فيما تخطه أصابعي عقوقا. ...يدعّني إلى جهنم دعاًً...وأنت التي بعت البرنس الوحيد

 الذي كان لأبي، لتدفعي ثمن كتبـي المدرسية...وما إن انقضى شتاء تلك السنة...حتى ترك

 أبي مسلول الصدر...

أذكر... كل ذلك..يا أمي...

وأذكر كيف كنت تحملينني على ظهرك..أيام الثلج والمطر خوفا علي من الوادي الذي كان

 يفصل قريتنا عن المدرسة...أذكر حفيف وقع قدميك الحافيتــين وهما تغو صان في الثلج

 والوحل دون تذمّر...أو تشٍك...

نعم..لقد كنتِ كل شيء...أما أبـــي... فما كنت تريدينه.. أن يكون شيئا...

كان غارقا في كتب الأذكار والأدعية...وصلواته التي لم تنتهي إلا بموتـه...

وكنت غارقة في واقع الحياة بكل شروره وآثامه...

وأحسست وأنا الطفل أنك.تتعمدين تغييب أبي عني. أو إبعادي عنه...لم أكن أفهم...ولم أجد

 من أستفتيه في الأمر...وكان قلبي يدمي لما يحدث في البيت...

وجاء دوري..

ما إن بدا بعض الزغب يطفو عل وجهي، حتى شرعت في تنفيذ مخططاتك الواحد تلو

 الآخر...وما كدت أتجاوز سن المراهق...حتى غدا مظهري مظهر شيخ طاعن في

 السن...ووشحت وجهي ملامح معمِّر نكس في الخلق...لا يعلم بعد علمك شيئا...

كنت كائنا مهموم القلب، معتل النفس، مشتت العقل...وأنت مزهوة كعهدي بك بما تدبرين

 وتنفذين...

حتى يوم دخلت عليك، وقد لففت جسمك كله في لحاف أسود قاتم وكأنك في حداد...

كان الخبر قد سٌِرب إليك.منذ مدة..وما أظنك كنت تصدقين..

أن المخلوق الذي عجنته بيديك، ونفخت فيه من روحك، يستطيع تغيير شكله...شعرت أنك

 بدأت تعرضين عني وتميلين بكل جفاء...

أذكر يومها أنني وقفت أمامك...ثم جثوت على ركبتي  استعطفك...ودموعي الحيرى الغزيرة

 تنساب على و جنتي المحدودبتين...

كنت يومها..أريد أن تزيحي اللحاف الأسود الذي تدثرت به عن رأسك،أن تنظري إلى ابنك

 المنهار المحطم..ابنك الرماد الذي يبحث عمن ينفث فيه..لعل بقية جمر تعيد إليه الحياة...

ولكنك بخلت علي بالنظر، كما بخلت علي بالصوت...كأنما كنت أنادي ميتا...

وخرجت وحيدا...

وبقيتْ خطيبتي ذلك المساء الداكن الممطر، تقلب يديها وتضرب كفا بكف...

عواطفي المريضة تجمدت...

وشعرت هي بالخزي...فتلبد وجهها، وغارت عيناها...كأنما كانت تجهز للدفن...وحضرنا حفلا مأتما...

وتعالت الأصوات...بعد أن كانت همسا أو نجوى...

" إنها ترفضها!."

" أمه ناقمة على هذا الزواج !."

" سمعت أنها نذرت للولي " أبوختالة" كبشا إن نزلت بهما مصيبة!"

أرأيت يا أمي عريسا يتحدث الحاضرون حفله ليلة زفافــه

عن مصيبة،عن صاعقة،عن موت، وعن حريق، وعن عقم وعما لايمكن لذاكرة ابنك الحساس

 جدا أن تنساه أبدا.!

ربما تفهمت عدم بكائك يوم موت أبي..

ربما تفهمت عدم قلقك علي وأنت تدفعين بي كل سنة إلى المحاكم، وأعود إليك برضيع بين

يدي.. لأنك ترين أنني أكبر من الخضوع لابنة أنثى، وأنت على قيد الحياة.

غير أنني لم أفهم وإن حاولت تماديك في سياسة " معزة ولو طارت.""" !!.

هل تعلمين يا أمي...أنني الآن وإن   كنت أذكر بعض أسماء أبنائي، لا أتذكر أسماء أمهاتهم

 وأنسابهن...

بالمناسبة.. لي صديق كلما التقينا سألني " كيف حالة الشركة المتعددة الجنسيات ،التي

 صرتها...والتي لا تملك سهما فيها..!"

وأنتِ اليوم كما كنتِ دائما وأبدا لا تزالين الأم الغاضبة.التي تلتمس عون الآلهة، وتستخر قدرة

 الجن والعفاريت لتنزل بي العقوبة التي قد تطفئ من غلها..وتعيد لها كرامتها ا لمستباحة..

ما تزالين تطرقين باب كل ساحر لعله يفلح بتعويذة منه في التفريق بيني وبين المغضوب

 عليها " فضالة الرجال" التي تزوجتها، والتي حولتها بأوهامي وشذوذي الموروثة عنك

 إلى عجوز بعد ليلة دخولي بها.

وأنا يا أمي حتى الآن لم أع سبب سخطك المستمر علينا...

لقد تناسينا ما فعلته بنا...تأسيا بأقوال الصالحين...تناسينا أنك صانعة مأساتنا...

وجئنا نلهث يوم مرضت...وكنا أول وآخر من وقف يدعمك ويواسيك...

ولكنك...وما إن تماثلت للشفاء، وخرجت من الغيبوبة، حتى عادت إليك دوامة الغضب...

لقد امتلكني شعور بالمهانة، وخجلت من زوجتي يوم أخرجناك من المستشفى،وجاءت لتعودك، فاستقبلتها ببرودة قاسية ومدمرة

أفهمتنا أن حضورنا غير مرحب به..

وخرجنا من عندك...خائبين...يائسين...

لماذا..  أتيت كل ما أتيت...وما  تزالين...؟

ما الذي جعلك شبيهة بنهر تجمد إلى الأبد...رغم تعاقب الفصول.!!

كلّ ما في هذا الكون متغير متحول لا يثبت على حال...حتى فرعون عندما أدركه الغرق،

 قال: آمنت برب موسى وهارون...إلا أنت...فلقد بقيت أنت...!

أأنا مذنب استحق غضب الرب لأنني تفاديت طعنة أخرى وجهتها إلي وكنت أراها القاضية.؟

أأنا العاق الذي يستحق الهجران لأنني تجرأ ت مرة واحدة في حياتي وهمست في أذنك: لا يا

 أمي.! كفى..!لا أريد أن تجري بي تجربة أخرى!!

رفضت أن أكون فأر اختبار للمرة الألف...

لقد شرّحتني بما فيه الكفاية...ولم أعد فأرا صالحا...حتى تطبقي عليه قناعاتك...

والرمق الأخير من نفََسي المتهاوي كان كلمة: لا أريد..!

أهذا الذي يزلزل كيان أمي...ويحزنها ...ويحمله على دفن ابنها إلى الجحيم..!

لقد جعلت من زواجي قضية شائكة..معقدة...قضيتك التي من أجلها تعيشين، وعليه تموتين...!

أكل هذه المآسي التي صنعتها بي...ولم يرف لك جفن...كما لم يحن لك قلب..؟

أما شعرت يوما بذنب.؟

أنت تقولين أنني اخترت غيرك... ولم أخترك..!

وأنني وقفت في صف الغريم... لصفك...!

وأنا يا أمي ما عرفت يوما صفك.فأنت من من النقيض إلى النقيض ترحلين..

قبل أن أقوم من مقامي...!

تستقبلين زوجة ابنك بالأحضان والزغاريد صباحا، وما إن يأتي المساء، حتى يمتلكك هوس

 الأيمان، وتقسمين بأنها طالق ثلاثا...وأنها محرمة علي وعلى دارك...وأنا صامت...!

إذا كنت يا أمي مزودة بطاقات تؤهلك للصمود والقفز والوثب، ولتطبيق كل الأحكام الفقهية

 مكاني...فأنا إنسان بائس...ضعيف...جبان...حسب ما ترين..!.

ما يحزنني يا أمي أكثر ليس افتقادك...

ما يملؤني ألما...هو أنني أضعت نفسي...وامتدت النار التي التهبت بأطرافي لتأتي على كل

 من يقف بجانبي أو يحاول الاقتراب مني...!

يوم " كسرت عصا الطاعة" كما تقولين عني...ظننت أنني أنجو منك ومن عوالمك..

ولكنني أزداد كل يوم يقينا بأنني فقدت من أحببت...كما فقدتك...وأنا اليوم أعيش من غير

 هوية...

وكثيرا ما أردد بداخلي: " ليتني بقيت معك...لو أن الأقدار تعيدني إلى رحمك

لأبعث من جديد، لعلك تكونين أما أرحم وأرأف بي...

ليتني بقيت معك..!

كان الناس على الأقل فلتوا من نحسي ومن شروري..!

لو بقيت معك لاحترقنا معا... بنارنا وحدنا...واستراح جميع الخلق..منا !

محمد العربي الوالي

رأس الواي الجزائر

 

 

شهادة وفاة

التفاصيل
كتب بواسطة: عادل العجيمي
المجموعة: القصة والرواية
انشأ بتاريخ: 09 أكتوبر 2007
الزيارات: 6

قصة قصيرة ( شهادة وفاة ) عادل العجيمي في قاع العتمة حيث يتبدد كل شئ وتنزوي الأحلام تماما وتصبح مجرد رؤيتها ضرب من الخيال الذي يستحيل هو الآخر بالتبعية علي من يريدون أو يحلمون بالتخيل ..كانوا يجلسون حول مائدة عليها كئوس ممتلئة عن آخرها بظلام دامس وأمام كل واحد منهم إصيص ممتلئ حتي آخره طميا ومغروس في كل واحد نبتة صبار ذات فرعين وقلب والفرعان أخضران قاتما الخضرة والقلب أصفر يميل إلى الخضرة كل الميل كان القلب يتلوي كأنما يريد الانقلاب من شئ ما .. تملؤه الرغبة في الانفلات فيتخلص من تلك القتامة ويتطاول بشكل غريب … قال أحدهم في رتابة معتادة :- وماذا بعد ؟! وكأن السؤال كان علي كل الألسنة فتردد في الظلام عدة مرات إلي أن دار دورته وتوقف عند من ألقاه فتناوله بضيق معتاد وحاول الإجابة بصور شتي لكن الحروف أبت أن تلتئم ولو لمرة واحدة فكانت تخرج وتنفرط من فمه مرتطمة بأرضية صلدة تتقاذفها عدة مرات ثم تستقر في قرارها الأخير فلا يسمع له إلا طلاسم لا يفهمها هو ولا يفهمونها فيضطر أحدهم إلي الخروج من دائرة الاستماع المغلقة وينضم إلي المتحدث الأول قائلا له جامعا أشتات الحروف :- أفصح .. ماذا قلت ؟ يدور الكرسي الدوار بالمتحدث الأول في سرعة مذهلة ثم يتباطأ في دورانه … يتباطأ إلي أن يستقر فيستقر القابع فوقه رغما عنه في مواجهة المستفسر ويقول في مرارة : لا أدري … يسمع ثالث الحوار فيصر علي التخلص من ذلك الكرسي ليقف … فوقف … وقف لأول مرة حياته وحاول أن يشيح بيديه أثناء الحديث مقلدا أشخاصا كان يراهم يفعلون ذلك عندما كان يري الأشخاص بوضوح فلا ترتفع يداه ولا يخرج من فمه كلام … أي كلام … لقد نسي تماما أنه نسي الكلام .. منذ وضعوا علي فمه تلك الكمامة عند لحظة التكوين الأولي فاكتفي بالوقوف في مواجهة كل من الأول والثاني فاتحا عينيه عن آخرهما محاولا الرؤية التي تستعصي هي الأخرى إلا قليلا فلا يرى إلا وجهين من خلال بقعة ضوء ضلت طريقها إلي تلك العتمة فلا يصدق نفسه فيسقط مغشيا عليه ويسمع صوت سقوطه فيقف الأول والثاني بسرعة غير معهودة ويجري علي لسانهما سؤال واحد :- ماذا حدث ؟! ويسيران نحو مصدر الصوت بتلقائية ويدوسان فوق الثالث فيتألم ويتألمان ثم يسقطان إلي جواره ويتحسسا ملامحه … فيقول الأول : - إنه يشبهنا .. فيقول الثانى مستغربا :- من أدراك ؟! فيرد الأول بشئ من الرغبة فى فرض اقتراحه :- إنه يشبهنا .. بالتأكيد يشبهنا … فيضحك الثاني ساخراّ : - أنت لا تعرف شكلي … ولا تعرف شكلك ويقهقه بصوت مرتفع ثم يستطرد مستفهما بشئ من التحدي : - فكيف تجزم بذلك الشبه ؟! فيشعر الأول بالضيق والحنق فلم يعتد طيلة حياته علي الجدال وإن حدث تجده يختنق بسرعة ويحاول أن ينهي الحديث بأقصي سرعة .. لذا قال في سرعة :- هذا ليس مهما الآن . فيرد الثاني بعدما يشعر بضيق الأول محاولا إرضاءه : - عندك حق … لكن ما هذا ؟ فيدور الأول بيده محاولا وضعها علي مصدر سؤال الثاني فيتردد في نفسه نفس السؤال : - ما هذا ؟ دونما تفكير صاح الأول :- واحد … اثنان … ثلاثة . وعند العدد ثلاثة قاما معا بنزع الكمامة فصرخ الثالث صرخة مدوية تشقق على أثرها سقف و سقطت قطعة خرسانية فوق رؤوسهم فسالت دماؤهم حارة واصطدمت ببرودة الأرضية فتجمدت وتسللت خيوط هزيلة من تلك الشقوق رأوا أثرها علي الأرض فزحفوا نحوها يحاولون بإصرار غريب أن يقبضوا علي تلك الخيوط بين أيديهم فتتأبي عليهم وكأنما تسخر من إصرارهم فكلما وصلوا إليها انزاحت أمامهم وإذا أمسك أحدهم بشعاع انفلت من بين أصابعه فتنغرس الأظافر في باطن الكف فيخلصونها ثم يمدون الأيدي ثانية ويشرعون الأصابع بلا جدوي .. فيصرخ الأول يائسا – لا فائدة . فيحاولون الجلوس وبعد محاولات غارقة في عرقهم المتصبب علي وجوههم نحو أفواههم التي استقبلت ملوحته بشئ من الألفة يجلسون القرفصاء ويسند كل منهم ظهره علي ظهر الأخر مشبكين الأيدي المرتعدة … غلف المكان صمت علي صمته لمدة لا يعلمها أحد …. قطعه صوت الأول الذي خرج بعد معاناة قائلا :- - لقد أصابنا هزال شديد . فرد الثاني والمرارة تمتزج بالحروف المتساقطة دون وعي : لم نستطع أن نمسك شعاعا واحدا . هنا تململ الثالث الذي نزعت عنه الكمامة في جلسته فخرجت عنه أصوات غريبة فربت الأول علي كتفه قائلا في رجاء : كفاك ما أنت فيه …… وبكي … وبكي الجميع بكاء مرا قطعه الثاني بقوله – تعالوا ننظر الصبار . فعاد الصمت مطوقا المكان فاستند كل منهم علي كتف الآخر حتي وقفوا أخيرا انطلقوا بسرعة مذهلة ودونما سقوط نحو كراسيهم متخطين كل شئ حتي الدماء التى التصقت بالأرض في دوائر منتظمة وجلسوا متأملين الصبار للحظات ثم دارت بهم الكراسي .. دارت… وكلما ازداد الدوران علت ضحكاتهم مختلطة بصراخ غريب وتطاير اللعاب من أفواههم لزجا فوق الجالسين المكممين فتقافزوا رافعين أيديهم لينالوا أكبر قدر منه فلم ينالوا شيئا حيث تطاير اللعاب في خيوط منتظمة من أفواههم إلي الشوك المدبب في أوراق الصبار التي تناثرت وتعالي القلب … تعالي… ونبتت في أعلاه زهرة غريبة الألوان اجتمعت عندها خيوط اللعاب فجذبت الثلاثة نحوها فى لحظة خاطفة فالتصقوا بها وارتفعوا معها وتركوا كل شئ تحتهم رغما عنهم ووصلت بهم إلي السقف حيث ( طاقة نور ) مغلقة بباب خشبي متهالك فكست وجوههم ابتسامة ذابت في حسرتهم حيث هم كل منهم أن يضرب الباب المتهالك بقبضته فلم تكن ثمة قبضة حيث ضمرت الأذرع ولم تتبق إلا أصابع طويلة ملتصقة بالكتف يشيحون بها عند الغضب .

جذور ألم

التفاصيل
كتب بواسطة: مأمون أحمد مصطفى
المجموعة: القصة والرواية
انشأ بتاريخ: 09 أكتوبر 2007
الزيارات: 5

جذور ألم

 

         هكذا تسير الأمور ، دون أرادة أو تخطيط ، تتدرج وتنحني ، تتشابك وتتداخل ، تنمو وتتعاظم ، تجدل نفسها كضفائر من شعر بدائي ، مجعلك ، يخمش الوجنات ، ويجرح الخدود ، قال في ذاته ، وهو يخطو نحو السهل الممتد بين قمم متسامقة متعالية ، لم يكن يعلم كيف تسير به قدماه ، بل هو لم يكن يعرف في أكثر الأحيان أي الطرق سلك حتى وصل إلى تلك الصخرة المزروعة على انزلاق طرف الجبل الساقط من أعلى إلى أسفل .

 

         بينه وبين تلك الصخرة ، علاقة وطيدة ، يمكن لمسها باليد ، والإحساس بمكوناتها تماما كالإحساس بخصلات الشعر الساقطة على الوجنتين ، حتى عين الماء المنبثقة من تحت الصخرة ، كانت ترسل رقرقات خاصة عند وصوله إليها ، فيبدو خريرها وكأنه يخاطبه بلغة متوافقة، مياهها شديدة الصفاء ، شديدة النقاء ، تبدو كجدول من بلور شديد الشفافية ، تحاول بكل ما تملك من رهبة وهدوء ، أن تتسلل إلى نفسيته ، كي تتغلغل فيها ، تحركها نحو نقطة من بياض أو نقاء ، أو على الأقل ، أن تضع بعضا من بيوضها بأعماق ذاته المسربلة بغموض مجهول يندفع نحو حيرة مشدوهة ، لكن ، كل ذلك كان ينكسر ، ليسقط من جديد بجريان الماء المنغمس برحلة ضياع بين باطن الأرض وحرارة الشمس ، وأفواه الناس والحيوان وجذور النبات .

 

         منظره لا يوحي بالغرابة بالنسبة لمشاهد عادي ، فهو طويل القامة باعتدال ودون إفراط ، تحتل رأسه صلعة ملساء تشبه إلى حد ما الصخرة التي اعتادت حضوره ، يتخللها بعض ندوب تدل على قساوة الرأس وعنادته ، ممتلئ الجسم ، بدون ترهل أو تبعج ، ينفرج شاربه بطريقه غزيرة ، ثم يتدلى ليخفي الفم ، وكأنها محاوله مقصوده لإخفاء الشفتين الجافتين ، ملابسه عاديه ، لا فقر فيها ولا ثراء .

 

         لكنه للروائي ، أو القاص ، يبدو من الوهلة الأولى ، متخم بالرمزية ، فبريق عينيه اللامعتين ، المتأجج بشهوة الغموض والمجهول ، المتكاتف مع نظرته الذاهلة ، الغارقة بتأمل ممتد بين الدهشة والمباغتة ، يكاد يرسي بالنفس مجموعة من مشاعر تستفز الفؤاد بنوع غريب من المبهم المتداخل مع رغبات روائية لتسلق جدر الدهشة الموزعة بين خفقات الرواية ووجيب الواقع ، شاربه الكث الغزير المتساقط نحو الفم المغلف بصمت متناه ، وجمل قليلة ، لاذعة أحيانا ، ومحيرة أحيانا أخرى ، ومستنفره في بعض الأحايين ، أضف إلى هذا ، الارتباط القائم كأنشودة إغريقية بينه وبين الصخرة وبين عين الماء المرفضة من قاع الصخرة أو أسفل الأرض التي تحتضنها ، هذا ، يضيف إلى عين الراوي مساحات لا يمكن للإنسان العادي ولوجها ، أو حتى الوقوف على أطراف غليانها وانبثاقها كرؤى حالمة مشبعة بالحزن والألم والقلق المتواصل مع كآبة معتقة تكاد تمتد إلى بدء التكون البشري على حافة الكون .

 

         صحيح أن الراوي يملك مخيلة خصبة ، مترعة بتفاصيل مبتكرة ، تركب فوق مكونات الشخصية لتظهرها بصورة خاصة ، يكون الراوي المشكل الأساسي لنمط تكوينها ، لكن الأكثر صحة ، أن الراوي إنما يحاول تشكيل الشخصية حسب قوة خفية تكاد تكون أكثر اندماجا ووضوحا ، بل وأكثر علما ومعرفة ، بتفاصيل الشخصية من صاحبها الذي يمارس الحياة وفق ظن قائم لديه بأنه يعرف ما يريد من تصرفاته وأفكاره ، والاهم وهمه المطلق باعتقاده بأنه يعرف تطور إحساساته وانفعالاته ، وتقلبات مرجل عواطفه وهواجسه .

 

         ذات يوم سألته ، ما سر علاقتك بالصخرة هذه ؟ قال : اسأل الصخرة ، قلت كيف أسالها ؟ فهي لا تنطق ، لا تبوح ، نظر إلي بازدراء متعاظم ، قاسني من أخمص القدمين إلى قمة الرأس ، ثم سأل ، ما علاقتك بالسؤال ؟ قلت : المعرفة ، قال : أنت تبحث عن شيء آخر ، لا علاقة له بالمعرفة ، قد تجده يوما ، إن تحولت إلى إنسان ، قلت : وما علاقتك بالجدول ؟ قال : اسأل الجدول . قلت : الجدول لا يجيب ، لا يعرف لغة الحروف ، قال : وهل تعرفها أنت ؟ قلت نعم ، قال : اوتظن أن بينك وبين الوهم فرق كبير ؟ ونهض من مكانه ، التفت نحو قمة الجبل المتصل بالصخرة ، نظر في عيني ، أرسل شهقة ، قال : أليس غريبا لك أن يكون الجدول نابعا من قدم الجبل لا من قمته ؟ وقبل أن أجيب استدار نحو الطريق ، وبدأ رحلة الابتعاد عن دهشة عقدت كياني وغلت روحي .

 

         بدأت جمله تسير نحو شخصيتي الروائية ، تمد جذورها بعمق وصلابة ، ذات يوم ، قدر لي أن أرى جذور شجرة التين التي تبدو هشة من الخارج ، فغصونها غير متماسكة ، غير صلبة ، تعودنا منذ الطفولة أن نسمع الناس ، أهل الخبرة بالأرض والزراعة ، يصفون شجر التين بالخواء من القوة والصلابة ، هم يعرفون ذلك بالتواتر ، بالعادة ، بالتنقل بين أنواع الأشجار ، لكن نحن ، كنا نعرف الأمر عن طريقهم فقط ، وعن طريقهم عرفنا شجر الحور القابل للتشكل والطي ، وكذلك شجر البلوط الغارق بأساطير القوة والمتانة والصلابة ، ومنهم أيضا عرفنا ، معنى النور الناهض من زيت الزيتون المعمر ، لكن جذور التين ، عرفتها بالرؤيا ، حين بدأت الحفارة العملاقة بنزع الأرض من قاعها ، كنا نشاهد الجذور وهي تخرج على فم الحفارة وهي ملتفة على بعضها ، متكاتفة ، شاقة طريقها بين زوايا الصخور ومفاصلها ، وكأنها تملك دماغا قادرا على تحديد نقطة الضعف الكامنة في مفصل الصخر لتندس من خلاله وتتضخم ، فتشق الصخر وتفتته ، وتمتد بين مفاصل أخرى وأخرى ، فتبدو وكأنها تخوض ملحمة تاريخية ، لا ينهيها فم حفارة عملاقة ، أو خروج صخرة من باطن الأرض لتصبح معلما من معالم المشاهدة اليومية للعيون التي قدر لها أن تمعن النظر بتلك الصخرة المنزوعة من باطن الأرض من اجل هدف بناء أو تسوية للأرض ، لكن دون أن يخطر ببال احد ، معنى انتقال الصخرة من قاع الأرض إلى السطح ، وما يحمل هذا الانتقال من تبدل وتغير ، للمكان والزمان .

 

         فالمكان ، لم يكن قبل لحظات من انتشال الصخرة ، يشكل نفس التضاريس التي بركت الصخرة فوقها ، والزمن ، لم يكن قبل تلك اللحظات هو ذات الزمن الذي سبق خروج الصخرة إلى المشهد ، بل بدأ عصر جديد ، يمتلكه محسوس الجغرافيا ، ويتغلغل فيه عمق الانسياب غير المرئي للزمن المولود والمتكيف مع العهد الجديد لتلك البقعة الصغيرة ، لكن الأمر الأكثر أهمية من كل ذلك ، هو جذر التينة التي اقتحمت مكونات وعينا والتصقت به ، لتشكل حيزا من ذاكرة نعرفها ولا نستطيع لمسها ، مع زمن تبدل فيه إدراكنا حول شجرة التين ، لتتشابه تلك اللحظات مع اللحظات التي غيرت معلم المكان والزمان عند خروج الصخرة من مكمنها لتتلاحم مع المشهد الجديد .

 

         حين بحت للناس بهذا النزر اليسير من التفكير ، وحين قلت لهم ، بأنني قادر على كتابة ألف صفحة حول المشهد الجديد ، تلفتوا نحو بعضهم ، تهامسوا ، واخفوا بسمة غارقة بالسخرية والاستغراب ، وكان هذا أيضا ، مشهدا جديدا متصلا بمشهد الصخرة ذاتها ، ولو أخبرتهم يومها ، بأنهم جميعا ، في لحظة ما تحولوا إلى مكون من مكونات ما سخروا واستهزؤوا منه ، لطاحت عقولهم ، وانخمدت رؤاهم ، فتركتهم ، وتوجهت نحو السهل ، حيث ترقد الصخرة التي تعانق صديقنا غريب الأطوار ، لا لشيء ، سوى أنني احتاج إلى حالة من السهوم ، تدفعني لسؤال الصخرة عملا بغرابة النصيحة التي أسداها لي ذاك الرجل .

 

         وجدته هناك ، يجلس كعادته ، غارقا في السهوم المبطن ، اقتربت منه ، وبدأت أحدثه عن جذور التين ، وأسهبت بوصف المتانة والخبرة التي تملكها الجذور ، وانقلبت فورا إلى إسهاب مفرط لوصف هشاشة الأغصان ، ولأول مرة منذ عهد بعيد ، أدار رأسه وتبسم ، كانت ابتسامته تحمل مواصفات الشخصية الروائية ، دون تجميل أو تنميق ، وبدت الملامح عن قرب ، مع اختلاطها بالابتسامة ، نافرة ، تخرج من عهود متشابكة متكاتفة ، حتى انعقاد الجبين ، كان يخفي بين الطيات مشهدا أسطوريا ملفعا بهلام الغموض الذي يفيض نحو المجهول .

 

         قال لي : أكثر الأمور تعقيدا أن تحاول الانحدار نحو الغباء ، أو الإحساس بطبيعة تقودك نحو مفهوم يوحي لك بأنك غبي ، الناس تعيش بسعادة مفرطة لأنها تمتلك الغباء ، ضمن مكونات وجودها ، تركيبتها القابلة للي والكسر والتهشيم ، في كل لحظة وثانية ، لكنك الآن تمتلك إدراكا جديدا يباعد بينك وبين امتلاك تلك النعمة ، التي تبدو على الوجوه بسمات تشبه البسمة التي التصقت بوجودهم ساعة حدثتهم عن الصخرة ، أنا كنت هناك ، ليس بعيدا عنك ، سمعتك وأنت تتحدث عن الصخرة ، عن التشكيل الجديد للوجود ، لماهية الزمن والمكان ، رايتهم وهم يخفون الدهشة والانشداه ، ثم رايتهم كيف اخرجوا كل ذلك ببسمة تكاد تجزم يقينا بجنونك المؤجج .

 

         قلت : كنت سأحدثهم عن أنفسهم ، عن بسمتهم ، كيف اختلطت باللحظات ، بالهنيهات ، بالأنفاس ، بالصخرة ، بي ، بك ، بالزمان والمكان ، كنت سأحدثهم عن مشاعر الزمن ، عن غضب الأرض التي غطتها الصخرة فحالت بينها وبين الشمس ، وكنت سأحدثهم عن غضب الصخرة ذاتها لأنها اقتلعت من مكانها الظليل لتصطلي بأشعة الشمس ، بل وكنت سأسهب في وصف التناقض بين الغضبين ، قلت لهم ، إنني قادر على كتابة ألف صفحة حول المشهد ، لكنهم تبسموا بسخرية ، أوقعتني بشعور غريب ، يتضارب مع كل ذلك ، شعور الخجل ، هل من الممكن أن يجتمع ما حدث مع الخجل ؟ أم أن هناك شيئا خفيا انبت الخجل في ذاتي .

 

         قال : أتدري ، كنت قبل أيام أظن بأنني الوحيد الذي يسعى خلف انهيار النسمات ، واختفاء الليل حين يأتي الصباح ، لكنني الآن اشعر بالرضا ، فهناك أنت ، صحيح أننا لا نتشابه في الكثير ، بل ربما نختلف في كل التفاصيل ، لكننا نجتمع على حقيقة تأبى الانفصال عنا ، أنا كنت ابحث هنا عن عزلة خاصة ، تدفعني للحديث مع الصخرة ، أو عين الماء ، كنت أسعى للوصول إلى الغباء بكل ما املك من قوة ، تحزمت بالصمت أمام الناس ، وأسهبت بالتفاصيل مع الأشياء ، قلت ، لعل الجنون يأتي ، فان كان الغباء مستحيلا ، فليس أيسر من الجنون ، هذا ما قاله لي احد المارة يوما ، وحين تبعته ، وجدته يدخل كهفا ، استرقت السمع ، كان يبكي ، بحرقة ، بألم مستبد قاهر متأجج ، أحسست بالرجفة ، توقفت النسمات التي كنت أطاردها، بدا الصدى القادم من داخل الكهف يتسرب إلى أعماقي ، كل الدموع الساقطة اندفعت إلى أعماقي ، تدحرج الألم إلى قلبي ، أحسست بحاجة إلى البكاء الشديد ، لكن النفس أبت ، فتلوى الألم بداخلي كأفعى أرهقها سمها المشتعل حرارة ، اندفعت إلى الداخل ، التقت العيون ، صمت ثقيل ممض ، ثم نهض ، امسك بحفنة تراب ونثرها في المكان وهو يقول ، كم من الوقت احتاج لتذروني هكذا .

 

         ترددت نحو الكهف كثيرا ، كنت ابحث عنه ، لا اعرف لماذا أحسست انه جزء من تكويني ، أحسست به يعوم بداخلي ، بطريقة زئبقية ثقيلة ، لكني لم أجده ، كل ما كنت اسمعه صوت البكاء القابع بأعماق الكهف ، ربما يأتي يوم وأخذك إلى هناك ، أنا واثق بأنك ستسمع صوت البكاء ، لكن غيرك لن يسمع .

 

         جذور التين التي حدثت الناس عنها ، عن خبرتها ، تحمل ملامح ذاك الشخص الغريب ، لكنك لم تشعر بذلك ، لأنك تحدثت إلى من لا يعلم عن الجذر القادر على التوزع بين طيات الأرض والصخر ، بين أساسات البيوت والأسوار ، لتشارك الناس أسرارها ، فهي تمتد لتعرف ، لتحيا ، لتقول أشياء وأشياء ، لكن الجذور مثلك ومثلي ومثل الغريب ، تحاول بكل ما تملك أن تصل إلى نقطة الجنون ، فتفشل .

 

         قلت : أنا وأنت نختلف ، في كل شيء ، قد يبدو للوهلة الأولى أننا نلتقي في البحث عن التفاصيل الغارقة بالنسيان ، بالإهمال ، بعدم الملاحظة والاكتراث ، لكننا نختلف في الهدف ، أنت تنظر لكل شيء من ناحية خاصة ، فيها غموض مبهم ، لا يعترف بالواقع ، ولا يبنى على المحسوس إلا من خلال انبثاقه من اللامحسوس ، أما أنا ، فان الأشياء التي ابحث عنها ، أطاردها ، ألاحقها ، متصلة بشيء من رغبة عارمة للخوض بمرحلة الغموض من اجل امتلاك الألم المحشو بالوجع ، أنا ابحث عن أشياء لا يعرفها الناس ، تماما مثل الصخرة التي خرجت من باطن الأرض ، لتشكل وجودا جديدا للواقع المرئي وغير المرئي ، لذلك تراني اغرق بتفاصيل الواقع الجديد بكل تفصيلاته ، كواقع الجغرافيا المتغيرة بتغير المكان بعد صعود الصخرة إلى السطح ، واستطيع أن أسعى خلف تفاصيل كثيرة لم تكن موجودة قبل ذلك ، فانا استطيع الآن أن أقول خلف الصخرة وأمامها ، تحت الصخرة وفوقها ، على بعد ميل من الصخرة أو ميلين ، ولو أردت الاسترسال بذلك وما شابه ذلك ، فإنني استطيع أن اسحب الزمن والجغرافيا بصورة متحركة تنتقل من ساعة إلى ساعة ، لأخرج تفاصيل جديدة للوجود ، لا يمكن لغيري إخراجها ، أنا ببساطة ابحث عن تفاصيل تتعلق بي لوحدي ، تشهد باني صانعها ومكونها ، فاتح زمنها وأرضها للناس ، بصورة غير معهودة ، لم يتنبه لها الناس من قبل ، لكنها أصبحت بعد إخراجي مادة وجود وحياة ، بالإعجاب أو السخرية ، الأمر سيان ، لأنها أخذت من مساحة العقل والزمن والمكان والأثير حيزا غير محدود .

 

         ولو أردت الاسترسال لصنعت من السخرية مادة جديدة ، وكذلك من الإعجاب ، لاستطيع إحياء فكرة من فكرة ، وجود من جود ، وهكذا إلى تنتهي الحياة ويتوقف العمر .

 

         دعني أسألك سؤالا غريبا ، هل تستطيع أنت وكل أهل الأرض ، أن تعيدوا إحساس الناس يوم سخروا مني ؟ وهل تستطيعون استعادة نفس الإحساس الذي انتابني يوم ذاك ؟ الثواني التي مرت وانقضت ، اندثرت في عالم الخفاء ، أصبحت من أكثر المستحيلات استحالة ، وكذلك العمر الذي انقضى من كل الناس الذين شكلوا المشهد في تلك اللحظات ، هل أدركت الفرق بيني وبينك ؟ بين ما ابحث عنه أنا ، وبين ما تبحث عنه أنت ؟

 

         أنا ببساطة انظر إليك أنت تحديدا ، نظرة قصصية ، أريد البناء عليها ، استلهم التفاصيل الدقيقة جدا ، من صخرتك ، من نبع الماء ، من الصخرة التي أصبحت واقعا فوق الأرض ، من جذور التين ، من الناس الذين شاركوا بالمشهد ، من الكهف والدموع ، ومن أشياء متنافرة مختلفة ، استلهم كل ذلك ، من اجل دمجه بصورة مطلقة مع شخصيتك التي أريد تركيبها ، بنائها ، لاخرجها للقارئ بصورة خاصة ، تعيش بداخلي ، بعقلي ، وفق دفقات الألم المتكور كعقد الساحرات اللواتي ينفثن بأعماقي ظمأ البحث عن الم يكمن بتفاصيل جديدة .

 

قال : اليأس يعيش مع الكلمات ، كم من المرات تحولت من إصبع إلى فعل ؟ أظن ليس كثيرا ، بل وربما كنت تتقن فقط ما يتقنه الناس ، بالسليقة ، بالعادة ، الفرق بين أن تتقن فعل الأشياء وبين أن تحمل القلم هائل ، هذا لا يعني بان القلم ليس فعلا ، لكن الصفحات هي التي تحول القلم إلى حقيقة من الوجود ، بما تحمل من أفكار ، من قدرة على التأثير في مسار الحياة ، في نفوس الناس ، في إنضاج الحرية إلى حد الانتقال من معرفة الظلم إلى مرحلة الإحساس فيه ، هكذا قال غيفارا ، الذي تنقل بين مساحات الأرض للحصول على الحرية ، ليس لوطنه ، بل للأوطان الأخرى .

 

         المهم ، أنت تبحث عن مادة للرواية ، للقصة ، أليس من المفروض أن تكون هناك شخصية ، وحدث ، وعقدة ، وحشو وحل ، أنت تتحدث عن جذور التين والفرق بينها وبين الأغصان ، عن الصخرة وتحول الزمن ، وانبثاق وجود جديد ، تتحدث عني ، هل كل هذا يشكل قصة أو رواية ؟

 

         قلت : لماذا علي أن انساق وراء ما قلت ، كثير تحدث عن الرواية والقصة بما قلت ، ولكن ، هل علي أن اقبل بذلك ؟ أن ازحف خلف خطوات ربما أكل الزمن حيثياتها كلها ؟

 

         جذور التين وحدها رواية ، رجل الكهف رواية ، أنت رواية من نوع جديد ، علي أن اخترق كل الخطوط القديمة لأجعل الفكرة هي المسيطرة على الصفحات ، بعيدا عن التماس أو اختراع شخصيات ايجابية ، من خيال متقد ، مفعم بالحلم الساكن أعماق هواجسنا المضطربة ، المولودة من واقع يائس ، لماذا على أن اصدق شخصية الطروسي ، التي خرجت من الحلم المنهك المرهق ، لترسم خطوات لا يصنعها إلا الخيال الموبوء بالحلم الايجابي ، لماذا علي أن أعيش واصدق شخصية الهجان ، التي أتت من قعر هزيمة الفكرة التي تأسست من هزيمة الأمة ؟

 

         أنا اكتب عنك أنت ، كمثل اعشقه ، ينأى عن المجتمع ، ينظر إلى الأمور من بصيرة الصمت والتأمل ، بقدرة الانزواء عن عالم يفيض بتفاهة الفكرة والممارسة والفعل والكتابة ، اكتب عن دموع صاحب الكهف الذي سمعت بكاءه وهو يسأل متى سيتحول إلى رماد ، اكتب عن الصخرة التي خرجت لتصنع رغم انف العالم بأسره واقعا جديدا في الوجود ، واكتب عن جدول الماء المنساب من تحتك ، من تحت صخرتك التي حملت هموم الجبال والنسمات والسهول بصمت موصول بصمت ، أتدري لماذا ؟ لأنها أدركت أن قيمة الإنسان ضئيلة ، اقل من أن تقبل بالتحول من الجماد إلى الإنسان .

 

         أنت كغيرك من الناس ، تلهثون خلف الشخصية التي يصنعها الراوي من خياله ، في لحظة عجزه وانهياره ويأسه ، وإلا فبأي المقاييس تكون شخصية الطروسي أو سعيد حزوم ، متوافقة مع الواقع ، مع الحقيقة ، كيف لم تتنبهوا بأنها مصنوعة من سراب يقود إلى مساحات هائلة من الوهم المفتوح المتتالي، ربما لأنكم تبحثون عن الخلاص من يأس أنفسكم تبحثون عن خرافة البطولة ، عن وهم الشخصية التي تستطيع تعويضكم عن عجز مقيم بكل ما تملكون من وعي الهزيمة والاندحار ، لو تأملتم رواية كوخ العم توم ، لأدركتم وبعمق اليقين بأنها فتيل الحرب الأهلية في الجنوب الأمريكي ، ولو عرفتم رواية رسائل من منزل الأموات ، لأدركتم بأنها كانت تتجه نحو الإطاحة بظلم القياصرة في روسيا ، والروايتان لم تتناولا ولو للحظة واحدة ، أسطورة بطولة الرواية العربية ، ولم تتناول ابتذال الفكرة وتسطيحها من اجل الشهرة أو المال .

 

         هارييت بيتشر ستو ، ودوستويفسكي ، عاشا حياة الناس ، أدركا عمق التحطم الوجداني ، وأدركا ببصيرة لا تقبل الشك أو النقض ، أن الانغماس والإغراق بتفاصيل الواقع ، تحمل الفكرة السامية التي يجب أن تحتل الرواية ، دون الحاجة إلى الإغراق في محاولة صقل شخصية تحمل مواصفات السراب والخيال والهزيمة .

 

         وأنا أحاول بكل ما املك الابتعاد عن تلك الشخصيات الغارقة بالوصف المتهالك ، لذلك أرى فيك أنت ، ورجل الكهف مادة حية ، وفي نفسي مادة أخرى ، تلتقي وتختلف مع شخصيتك ورجل الكهف بأشياء ، وتختلف بأشياء ، سأحدثك عنها لاحقا ، وربما اصمت ، الأمر مرهون بالدفق القادم منكما ، لكن الآن دعني أعود إلى جذور التين من جديد .

 

         لماذا استطاعت جذور التين ، بكل ما تملك من قوة ، أن تخترق الصخر والاسمنت ، لتمد جذورها حول الصخور وحول المنازل ، ولتوزع وجودها هنا وهناك في باطن الأرض ؟ لأنها ببساطة أدركت أن مأساة العم توم كانت في بقاءه على نفس البقعة من الأرض التي حوت عبوديته ، ولأنها عرفت أن ساكن منزل الأموات ، أيضا لم يشق الجدار ليخرج حيث النور ، حيث الشمس ، لذلك أرست جذورها ، اخترقت طبقات الأرض ، زاحمت الصخر والاسمنت ، فتعالت ، تسامقت ، وحين أتت الحفارة لتنزعها من الوجود ، خرجت الجذور من قاع الأرض إلى  النور إلى الشمس ، إلى الحرية ، وأخرجت معها كما من التراب والأحجار والحصى ، كما أخرجت تلك الصخرة التي أصبحت مكونا من مكونات الوجود الظاهر للنور والشمس والهواء .

 

         هي أدركت المعادلة ، بصمت ، بدأب العمل الذي كان يتم تحت الأرض وبين الصخر والاسمنت ، وقبلت ، دون أدنى احتجاج مقولة متوارثة عن هشاشة أغصانها ، فانتصرت ، على قاع الأرض ، وعلى ظاهرها ، لكنها ظلت تنظر إلينا بازدراء ، باحتقار ، حين نشفت وقمنا بتهشيمها ظنا منا بأنها تلاشت واندثرت ، في حين أن هباءها انتشر في الأرض من جديد ليمنح الجذور القابعة للأشجار السامقة استمرارية البقاء والوجود .

 

         جذور التين هي الشخصية الأساس للقصة ، أنت جزء بسيط من الحدث ، لكن الصخرة تشكل محورا من محاورها المهمة ، رجل الكهف جزء بسيط ، الناس المحيطة بالوطن ، ربما لا تشكل شيئا منها ، لكن الأب الذي يعود بعد حلول الظلام ويقرفص بقدميه المهدودتين من التعب والألم ليقبل أطفاله النيام ، هو الشخصية المشتركة بين الحدث وبين جذور التين وبيني وبينك ، والاهم بين الحروف والصفحات .

 

         قال : أنت تستحق الشفقة أكثر مني ومن رجل الكهف ، أنت مأساة جديدة ، من نوع خاص ، تتعمق في اختراع العذاب والألم ، في ابتكار ألوان العذاب والوجع ، أنت حقا تحيا بلا هدف ، قد يكون هناك هاجسا يخفق بأعماقك بوجود هدف ما ، تعيش فيه ومن اجله ، لكن تفاصيل وجهك وأنت تتحدث ، تشابه تفاصيل راسلينكوف لحظة تخطيطه للجريمة ، ولحظة انقلابه وندمه على النقود التي منحها للشرطي كي ينقذ الفتاة من براثن المتسكع ، لكن شيئا ما يدور كهالات من وهج البرق يظهر ويختفي حول جسدك ، ربما هي الصاعقة ، وربما هو نذير ما ، غامض ومجهول ، يستعد للظهور والبقاء ، كما ظهرت جذور التينة .

 

         لكن المؤكد ، أن بينك وبين الجنون مساحة بعيدة ، فلا ترهق نفسك بالبحث عن ساعة جنون أو غباء ، بل ابحث عن مساحات جديدة تبعدك عما يعيش فيك ويكبر ، كجنين خرافي يتمدد دون طول أو تضخم ، بل ينتشر بكل جزء فيك ليصبح المكون الوحيد لما هو بَينٌ منك وظاهر .

 

         قبل اليوم كنت اشعر بثقلك من مطاردتي ، وكنت اسأل نفسي كثيرا ، ما الذي يدفعك للاقتراب مني ؟ اليوم فقط عرفت أن مصطفى سعيد لم يكمل هجرته إلى الشمال ، بل بقي على ارض طفولته الموبوءة بنهايته الغريبة .

 

         قلت : وهكذا ستبقى أنت ، ورجل الكهف ، وأنا ، في الأرض التي اخترعناها لتمنعنا من الهجرة إلى حيث الهجرة ، أنت افترشت الصمت والانزواء ، ورجل الكهف افترش الدموع ، وأنا افترشت الحروف والوجع والألم ، تحدثنا عن الصخرتين ، عن جذور التين ، عن عين الماء ، وعدنا لنعيش حالة الشفقة ، على بعضنا ، دون أن ندرك بان الشفقة هي مكون من مكونات اليأس ، من مكونات القنوط ، مصطفى سعيد بقي في أرضه الموبوءة بنهايته ، لكن غيفارا ، خرج من قمقم الأرض إلى الفضاء ، تماما كجذور التين ، وحين تهشم ، توزع على الكون ، ليمد الناس بغذاء البقاء والاستمرارية .

 

         قال : قلت بأنك ستحدثني عن الافتراق والالتقاء بين شخصيتك وشخصيتي وشخصية رجل الكهف .

 

         قلت : قد حدثتك ، والآن أدرك تماما ، لماذا عافت الصخرة وجودك فوقها . وعاف الكهف ساكنه .

 

         قال : ألن تكمل ؟

 

         قلت : ربما .

 

 

مأمون أحمد مصطفى

فلسطين – مخيم طول كرم

النرويج – 30 – 9 - 2008

 

         

 

 

 

ظل أعرج

التفاصيل
كتب بواسطة: محمد عبده العباسي
المجموعة: القصة والرواية
انشأ بتاريخ: 08 أكتوبر 2007
الزيارات: 4

 

ظل أعرج ..

قصة قصيرة

=-=-=-=-=-=

ـ بوسعنا اللقاء عند مدخل الميناء

 ..

افترقت ــ أنا ويوسف ــ علي موعد ..

الميناء يسقط في غلالة من غيوم تحجب الرؤية ، يبـــدو مغلقاً اليوم ، ذكرت الأرصاد الجوية ما يؤكد علو الأمواج وارتفاع " الشبورة " التي تمنع سير السفن وتعطل حركة الملاحة ..

البحارة أمثالي استسلـموا ، كلهم في حالة من الترقب ، قباطنة السفن الراسية في الميناء أغلقوا عليهم قمراتهم ، عمال البحر التقطهم المقهي ، راحوا يضخون دخاناً كثيفاً من أنوفهم التي ازدادت حمرة مع قسوة البرد الذي ملأ المكان ..

تذكرت الآن يوسف ، لم يصل حسب موعده ، كان قد فارقني وهو يركب دراجته ماركة " فونيكـس " الجديدة ، يرن رناً متتابعاً بجرسها مثل طفل ، تبادلنا السجائر سريعاً كالعادة ، كل الأصحاب يصفونه بأنه ظلي الأعرج ..

رجله المصابة زمن الحرب أصابته بعــرج ظل يعاني منه طويلاً حتي خف ، لكن تلك الحادثة التي وقعت له أصابتني بألم وأنا أبحث عنه في المستشفي العام الرئيسي ، صدمته سيارة ، قالت سيدة ظلت تلازمه حتي مجئ الأهل :

ــ ظللت أتحسس الجرح ، وألمس جبهته بعد الحادثة ، كان جبينه يتفصد عرقاً بغزارة ، الجرح كان ينزف ، مســحت الدم بمنديلي ..

وعادت تتعجب من غياب النخوة عن الناس :

ــ لم يتطوع أحد لإنقاذه أو هّم باستدعاء الشرطة أو الإسعاف.

هــي في نحو الأربعين تحتفظ بجمال ووقار، ترتدي زياُ أسود من المنتشر هذه الأيام ، وجهها طبق أبيض وسط ليل دامس ، قالت وهي تغادر :

ــ أود لو أطمئن عليه ..

ــ سأطمئنك ، هذا رقم هاتفي ..

يميل يوسف بعرجته وهو يسير بجواري ، صرنا في الفترة الأخيرة أكثر شبهاً عن ذي قبل في الملامح، نوع القبعة علي الرأس ، شكل الشارب ، نفس الدخان ، الجينز الأزرق ..

ظهر يوسف ، بعد مضي أكثر من ساعة ونصف الساعــة ، كنت قد دخنت عشر سجائر ،ورشفت ثلاثة من فناجين القهوة وطالعت صحفاً قديمة من المتراكمة علي الطاولة أمامي ، البعض من حولي تحلقوا في رحلة مع الفضائيات ، خاضوا في سيرة من ظهرت علي الشاشة وتفرسوا في جمــالها الساحق، واحد منهم قال :

ـ أنهن يبالغن في إظهار مفاتنهن بدون داعٍ .

، ثان قال :

ـ إن الحياة لا يمكن أن تمر جزافاً هكذا ، هذا هو الجمال بدلاً من القابعات في البيوت كشجرات الجميز ..

الثالث ضحك وألقي بنكتة بذيئة ، الرابع تنــاول زجاجة جعة مثلجة وصبها في جوفه مرة واحدة ، بينما اكتفي الأخير بشجب كل الآراء وظل يتابع الشاشة الملونة ويترنم بالغناء ، وينفث سحب الدخان التي يمجها من فمه ويمدد ساقيه علي كرسي فارغ وقد خلع قبعته التي تزينـها وردة حمراء لابد منها ..

سمير وبدوي كانا في ركن قصي من المقهي يتبادلان مجلات ممنوعة يروجونها لبحارة السفن العابرة ..

يوسف علل سبب تأخره بحكاية "اليونانية" التي تزوجت صديقاً لنا وتحن الآن للعودة إليه بعد أن هجرته ، أصبح الآن ثرياً من لعبة الخمور والسجائر المهربة ، سأله عن المشورة ، قلت له :

ــ يسألك أنت ، متي عادت " إميلينيا " ؟ لقد انقطعت سيرتها منذ زمن بعيد ..

قهقه يوسف مردداً كلمات غير مفهومة ، دفعتــه في صدره ليسكت ، كان يود أن ينكأ جرحاً قديماً كان قد أصاب ساقي ــ أيضاً ــ يوم كنت أصارع زوج اليونانية قبل أن يقترن بها ..

عرفتها في " بيريه " وقت أن كانت الحرب وغلق القنــاة ، جننت بها لولا أن التقطتني سفينة ظلت تقلع من مرفأ لمرفأ علي مدي سنة كاملة ، حتي إذا ما عدت للميناء وجدت " إميلينيا" في حوزته ، قال لها :

ــ مرسي مات ..

فات جزء من النهار ، انقشعت الغيوم شيئاً فشيئاً ، جاءت شمس شبه جادة ، دافئة ، جعلت الحياة تسري في الأبدان ، اتجه كل واحد منا لعمله ، دارت محركات اللنشات الصغيرة ، علا الضجيج الذي ملأ المكان ..

كانت ثمة نوارس تحلق ، قوارب صغيرة تترنح ، تــــأهبت لأن أديـــر محرك اللنش ، ثمة عطب أصابه ، إذن سيمر وقت من النهار من دون عمل ، جاءني الخبر بأن فتحي زميلي لن يحضر اليوم :

ــ أوه ، زوجته تنتظر حادثاً سعيداً ، خبطت جبهتي بكفي كي أتذكر ..

منذ أكثر من عشــــر سنوات وفتحي ينتظر الحلم بطفل من صلبه ، أصابه يأس مما دعاه لبناء مقبرة أوصاني بدفنه فيها حين تأتيه المنية :

ـ الله كبير يا فتحي ..

بعدها بحين جاءني يبكي ، أخبره الطبيب :

ــ مبروك يا فتحي زوجتك حامل ..

كان يبكي بشدة ، انحني علي يد الطبيب يقبلها :

ـ كل الأطفال كبروا ، قال وهو يمسح دمعه ..

ـ اللهم ارزقه بعيال لا حصر لهم ..

تضرع لله في ضعف ورفع يديه للسماء وكاد يضحك وعيناه تغرورقان بدمع غزير ..

دار المحرك فجأة ، استأنفت العمل متجهـاً إلي سفينة راسية ، يوسف رآني وقد تأخرت عن الركب ، اعتلت وجهه الدهشة ، سألني ، قلت :

ــ لا شئ ، لا شئ ..

قال إن حمادة العباسي جاء وأخبره بأن فتحي لن يجئ ، وأنه خاف علي حمادة فاصطحبه حتي باب الدائرة الجمركية لئلا يتم القبض عليه لكونه لا يحمل تصريحاً ، أعطاه مائة جنيه كانت معه :

ــ أعطها له ، هي من الريس مرسي ..

كانت السفينة النرويجية أشبه بقلعة حصينة ، رفعت السلالم ، ركابها انزووا في قمراتهم ، بحارتها مختبئون ، لا أحــد هناك ، حتي الـ "ويتشمان" لم يظهر :

ــ ما هذا النهار ، قلت لنفسي وأنا أتابع الحبال المشدودة وهي مدلاة من عند مقدمة السفينة ومؤخرتها ، درت من حولها ، الشمندورة تبدو مثل زر كبير وسط قماشة زرقــاء يلهو بها طفل ، تقب وتغطس محدثة صوتاً جراء ارتطام الماء بها ، رحت أتقي ريحاً هبت فجأة ، افزعتني حقيقة ، تلاعبت باللنش والموج معها ، كنت بعيداً ويوسف هناك مع شريكه ، لا أقدر علي أن أستغيث به ، أو النداء عليه ، لن يسمعني بالطبـع ، رجلي اصطدمت بصندوق حديدي ، كدت أسقط ، أوجعتني الصدمة ، ثمة سفينة أخري هناك ، أدرت مقود اللنش نحوهــــا ، فوق سطحهـــا حاويات بلا عدد ، يبدو أنها قاصدة الخليج أو بلاد شرق آسيا.

مر وقت ، ظهـر صديقي القبطان كارمانليس " ومعه زوجته الجميلة " أفروديت " ، أشار علي بأن أحملهما معي إلي الرصيف ، يد " أفروديت " في قبضتي ، كانت هشــة ناعمة ، كادت أن تسقط في صدري ، صفق لي كارمانليس محيياً ، قبلت " أفروديت " وجنتي شاكرة حسن صنيعي ، بـادلني بيونانية رائعة ، ترنمت بأغنية أكاد أذكرها من فيلم قديم ، راحت تعبث بمياه البحر ، زجرتها فارتعدت ، احمر وجهها خجلاً، القبطان كان يدخن غليونه العاجي ، سألني عن بضاعتي ، أخبرني أنه اشتراها كاملـة شريطة أن أنتظره لأعود به في الخامسة تماماً من نفس المكان ..

ألقيت بجسدي متعباً تحت شمس النهار الدافئة ، أشعلت سيجارة تلو أخري ، عاد القبطان وكأنما غفت عيني قليلاً ، لا أدري كم من الوقت مضي ، صحوت منتشياً ، سألني عن فتحي ، لما علم بأمره ابتهج ، بش في وجهي وضحك مقهقهاً بصوت عالٍ ، قال:

ـ صاحبك أخف ظلاً منك ، ولولا براعتك في الكلام لفاز علّيك تماماً في كل شئ ..

ردت " أفروديت " الجميلة بأن ساعدي أقوي وأمتن وأن في عيني يكمن بريق أخاذ ..

انتهي النهار..

عدت أوثق اللنش إلي جانب الرصيف بقوة خشية الأمواج المتلاطمة ، جاء فتحي يرقص ، عرفت بأن زوجته وضعت وأشار بـأصابع النصر :

ــ توأمان ..

هللت لبشاشته ، قال :

ـ يوسف ومرسي ..

وجدتني أضمه لصدري ، يوسف جاء بعد قليل ، علا آذان المغرب ، توضانا من ماء البحر ، اتجـهت وجوهنا ناحية القبلة ، آمنا يوسف كالعادة ..

مر وقت طويل كنت قد انقطعت فيه عن الصلاة ، تحدرت من عيني دمعة ، بكيت ندماً وأنا ساجد ..

بعد الصلاة رأيتني حليق شعر الرأس ، شاربي الكث غمره الشيب ، يداي مرفوعتان لأعلي ، أدعو ربي أن يغفر لي ذنوبي ، أركع وأسجد في مكان أزره للمرة الأولي ، رأيت في واجهة المتجر الذي أمامي صورة المسجد الحرام مضاءة في شكل أثلج صدري ..

ورأيتني مع صديقاي ونحن في ملابس الإحرام نعدو جهة الباص الذي يقلنا ناحية مطار جدة ..

أفقت علي صوت يوسف تحت المصابيح الذابلة في عتمة الليل يدفعني من أمام سيارة كادت تصدمني :

ـ كدنا نتساوي ، ويصبح كلانا ظلاً للآخر ..

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد عبده العباسي

بورسعيد / مصر

  1. أحصنة بلا سروج
  2. مملكتان في قبو
  3. كونوا معي ومشاكل هذا العصر
  4. يحدث كل نهار

الصفحة 60 من 166

  • 55
  • 56
  • 57
  • 58
  • 59
  • 60
  • 61
  • 62
  • 63
  • 64

المتواجدون الآن

60 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

البحث

اشترك في نشرتنا البريدية

انضم إلى مجموعتنا على Google لتصلك آخر الأخبار عبر بريدك الإلكتروني.

اشترك في نشرتنا البريدية

منطقة الأعضاء

  • تسجيل الدخول
  • كاتب جديد؟
  • نسيت كلمة المرور؟
  • نسيت اسم المستخدم؟
  • أرسل مشاركة

آخر مواضيع المنتديات

لايمكن العثور على التغذية الإخبارية

مواقع شقيقة

  • منتديات مجلة أقلام
  • المرشد في الإداراة
  • الشاعر سامر سكيك