مجلة أقلام الثقافية
  • الرئيسية
  • هذه المجلة
  • المنتديات
  • الشاعر سامر سكيك
  • انضم إلينا

واحة الإبداع

  • الشعر الفصيح
  • القصة والرواية
  • الخاطرة والنثر
  • مقالات متنوعة
  • الفن التشكيلي
  • بحوث ودراسات
  • أدب عالمي

أقلام متخصصة

  • حديث أقلام
  • القلم الديني
  • القلم السياسي
  • القلم الفكري
  • القلم العلمي
  • القلم النقدي
  • القلم الاقتصادي
  • تحقيقات صحفية

اخترنا لك

  • أعلام ومشاهير
    • أرشيف
  • قراءة في كتاب
    • أرشيف
  • مختارات شعرية

زوايا متنوعة

  • إدارة وأعمال
  • مسرح ومسرحيون
  • شؤون فلسطينية
  • للنساء فقط
  • الصحة والناس
  • من هنا وهناك
  • علوم وتكنولوجيا
    • أرشيف
  • تربية وتعليم

موسوعات أقلام

  • أدباء ومثقفون
  • قصص الأنبياء
  • التاريخ الإسلامي
  • شعراء وقصائد
  • عقائد وأديان

تسالي وترفيه

  • شرح الأبراج
  • ابتسم مع أقلام
  • ألغاز سريعة
  • اختبر ثقافتك

القصة والرواية

ثرثرة عرافة

التفاصيل
كتب بواسطة: شادي نصير
المجموعة: القصة والرواية
انشأ بتاريخ: 07 يوليو 2007
الزيارات: 4

ثرثرة عرافة

تنفست الصعداء وأنا أستريح على الكرسي الأول من الميكروباص والذي فقد الكثير من عافيته وراح يترنح مع اهتزاز السيارة المتأثر بارتفاع وانخفاض الطريق والذي بدا كأرض انتهت من حرب الشوارع منذ لحظات قليلة .

 لعنت الطقس الحار فيما مضى ولكن مع زحمة الأمطار وانسداد فتحات تسريب المياه إلى الصرف الصحي تمنيت أن تنتهي الأمطار عن كوكبنا الأخضر ويحل جفاف يجعل حبات الطين غبارا يطير بعيدا إلى مكان لا وجود لأحياء فيه

في تلك الساعة فقط أردت أن أكون شيئا ما بنظارات كبيرة تغطى اغلب وجهي , بسيارة عريضة الوجه وثيرة الفرش , لو كنت ما حلمت لما أحست عظامي بوخز الحديد الناتئ وصبغت ثيابي بألوان الصدئ

قربي تجلس امرأة ملثمة الوجه تفوح منها رائحة الجبن , لدرجة أنني أحسست بالغثيان تمنيت الخروج وهممت مناديا ًالسائق إلا أن اصطدام عيني بقطرات المطر المنهمر بغزارة على الزجاج عقد لساني , كانت تهمهم بجمل اغلبها غير مفهوم لكنني استطعت تمييز لعنهم الله , لعنهم الله ....

استغربت وزاد فضولي , وهمست بصوت خافت سائلا عن السبب , انتفضت كديك الحبش وراحت تشتم وتهتك الأعراض , تمنيت الذوبان كالجليد أمام النار وان أغوص إلى الأعماق الدفينة للأرض الكروية والتي أصبحت خطا ًمستقيما ً بلا نهاية

فجأة أوقفت ثرثرتها وصراخها وسألتني إذا كنت بحاجة لقراءة بخت , ابتسمت وقد بدأ العرق يتوقف من انصبابه اللامعقول وأومأت لها بإشارة الإيجاب , أمسكت يدي بقوة فردتها بعصبية ملمس بشرتها الخشن أثار الحزن في قلبي , وراحت تسير بسبابتها فوق الخطوط التي لاحت بشكل واضح

وراحت تقص أشياء وأشياء لم اعرف ما الذي حدث وقتها لكن السيارة اهتزت بقوة وجعلتني الطمها بقوة على وجهها , نظرت إلي وقالت

ـ الم اقل لك بأنك ستلطم امرأة لا تعرفها قريبا ً جدا ً

 جحظت عيناي من جديد وأصبحت مجرد هيكل يجلس بدون حياة , أخبرتني عن أحداث جرت بعمري الطويل وأخرى ستحدث, كل ذلك أثار زوبعة من الأفكار حجبت رؤيتي لأي شيء .

 بدت امرأة طيبة , عندما أوقفت السيارة بصوتها المبحوح وترجلت أرخيت جسدي مجددا ً  ورحت انتظر بفارغ الصبر الوصول إلى المكان المحدد كانت لا تزال القطعة المعدنية تتأرجح في يدي دفعتها بسرعة ونزلت متجها ً نحو بقال حارتنا الشعبية لأخبره عن العرافة العجوز و طالبا ً إعطائي قطعة شوكولا لابنتي الصغيرة وقتها تنبهت إلى أن حقيبة جيبي قد اختفت كما اختفت ثرثرتها الخيالية .

 

 

امتثال

التفاصيل
كتب بواسطة: السيد زرد
المجموعة: القصة والرواية
انشأ بتاريخ: 05 يوليو 2007
الزيارات: 5

امتثال

 


                                                       السيد زرد

                                                    بورسعيد - مصر

تُري كم لبثنا في وقفتنا الذليلة الخانعة أمامه ؟

لم يعد إليّ انتباهي إلا بعد ما تحركت يده البضة المزدانة بالذهب تهشنا و تصرفنا . استدرنا بآلية و خنوع . انتعلنا أحذيتنا و ما تبقي لنا من إنسانية مهيضة . قبل أن نغيب تماما عن بصره، كانت قاماتنا المهزولة تبذل غاية جهدها في الانحناء .

بعدما ابتعدت ، ظلت قامتي يشوبها الانحناء لفترة ، و لم تنمح تماما الابتسامة المرتعشة المتزلفة من علي شفتي .

مازلت حتى الآن لا أدرك سببا لاستدعائنا الدوري للمثول بين يديه ، بيد أن نتائج ذلك الاستدعاء تجلت في قامتي التي فقدت – مع مرور الوقت – قدرتها علي الاستقامة ، و في الابتسامة المرتعشة التي صارت من معالم وجهي الثابتة .

كانت عيناه تختبئان خلف عدسات قاتمة . لم نطالعه أبدا إلا و هو مسترخ في مقعده الوثير وراء مكتبه المهيب . لا يذكر أحد منا أنه – مرة – سمع له صوتا ، أو {أي فيه شيئا يتحرك سوي يده البضة المترعة بالترف .

رغم الضوء الباهر الذي يكشف أدق خلجاتنا و نحن وقوف – في حجرته – بين يديه ، فان ظلالا و عتامة ما تحف بشخصه ، و دوما ثمة رائحة غامضة تحوم في المكان ، تجعل بطوننا الخاوية ينهشها بضراوة سعار الجوع .

و نحن في حضرته ، كان يتراءى لنا دنيا جدا ، نستشعر لفح أنفاسه علي وجوهنا ، و نجزم بأنه يسمع منا خفقات القلوب . في حين أن المسافة التي تفصلنا عنه تتبدي – في ذات الوقت – شاسعة تستعصي علي الاجتياز .

في كل مرة نغادر فيها حجرته ، كانت التساؤلات تجابهنا : تُري كم لبثنا عنده ؟ مذا دار بيننا و بينه ؟ .. و في كل مرة لم يكن لدي أي منا إجابة . فقط كنا نحمل في كل مرة مزيدا من انحناءات الظهور ، و تنز شفاهنا المزيد من الابتسامات الذليلة .

مع الوقت ، انطوينا علي أنفسنا . أصبحنا منطوين حقيقة لا مجازا ، حتي اننا عندما دخلنا عليه ، لم نستطع أن ننصرف ، لأننا حُرمنا نعمة رؤية  يده البضة تهشنا .. و مازلنا في حضرته .

 

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.        

 

ميزان زرياب

التفاصيل
كتب بواسطة: الطاهر مرابعي
المجموعة: القصة والرواية
انشأ بتاريخ: 03 يوليو 2007
الزيارات: 5

بتلك اللهفة وطول السّهر أبديتَ ولاء لحبها الذي يتورّم في فؤادك لشبهة في الهوى، كمن يراقص ضلا في ظلام، وعلى طول خط الصمت كان يثيرك منها ذلك الكلام وهي ساكتة، كنت في محاجة عظيمة لتبلغ منها السّداد، بينك وبينها خطوات وعلى بعد منها يطارح كلامك الفراش، لا ليستريح من أتعابك، لا لينطق بسوى ما تريد ولكن ليتفرج على حطام خساراتك الكلامية وتراجعاتك السياسية.. يبحث فيك خراب أيامك؟ كيف تتركها تذرف الدموع على أوهامك وأنت سراب، أما آن لك أن تخلع كبرك، بل أن تنتعل قلبك القاسي ولا تخلعه، حُقّ لك منذ سنوات أن تبني ربعا خال تدفن فيه أوهامهم وتسجي فيه أحلامك، على وقع هذه الكلمات كان لابد أن أستفيق يوما وإن طال الزمن، لأن رُفاة جُمع لسنوات طوال لابد أن يرفع إلى مثواه الثاني في شبه جنازة تبكي لها الرّوح، ليس لفصال في الحياة ولكن لخيانة في المآل، فما عهد الناس أن يدفنوا مرتين، نعم لقد أعددت لها محضر وفاة على أوراق ورمّمت ما رمّ من العظام في علاج على الطريقة الوحشية لآلامها الخفيفة وليس لها بعد هذا إلا أن تقرأ مراسيم دفنها أو دفنك في رواية. كهارب من الحياة إلى الممات!! من النزال إلى الزوال، تزاول الكتابة وتعارك الكلمات التي تميتك في كلمات على أوراق.. تنضب فيها من روحك لتنفخ في هواك بالتيم، كيف لا والكلمة فيض من الخيال، من المجاز ... على بُعد غفلة من الحياة سينتهي الأمر كما بدأ ولك في صباح الغد أن تُعدّ مأدبة مفخخة منزوعة الأحلام، جافة بكل مقاييسها العاطفية لا يندى لها القلم بمدّ من مداده.. حتى لا تزيد من شغف الوله بالذكريات، فقد يكون فيها لمقامك مقال. بتلك العجلة رحت في صباح الغد تشيّع ضيوفك الذين نزلوا عليك كالصاعقة لفرط الحزن من فراقهم، فأنت الذي تعودت أن تقرأ المصير قبل أن يصير... بكل الوجوه لاقيتهم وأفضت في ودّ ما تعلم قلبك مثله، لكن لسانك السليط لانَ لحظتها ليمرر تعاسة دقائقه كيما تنتهي، لقد أبديت براعة ما بعدها براعة فأنت تخالج في نفسك من قصص تتبعتها في مسلسلات سمعت بها تحكي نهاية الأنذال الذين يجيدون قيادة أنفسهم إلى مصائرهم السوداء بكل سرور.. بعفن في نفسك من نفاق تحبه داريت بين الكلمات وفزت بها بلا نزال.. وسامتك هذه وكلماتك سهام في أسماء البشر قبل قلوبهم ولا يبدو أنك سترأف يوما أو تخفف من حدّة لهجتك الجارحة على القلوب الرقيقة، ستشيع بفعلك هذا كل المتعاطفين بعد أن تقودهم لمباراة في كرة الأهواء العالية، تفحّص قسم الاستعجالات من كلماتك لتدارك حالات الغثيان والإغماء.. إنّ لهوا كالذي تماري حالة غير مسبوقة قد تساق بموجبها إلى مُقاضاة يُفصل فيها بفصلك من دائرة القلم فتخرج طريح الفراش من نزال لم يبدأ!! وإذا كان عليك أن تستفيد من كلمة صادقة فلك بكلمتي وأنا أكتب هذه الصفحات، فقد كان بي منذ زمن وله بالكتابة وكنت ياما كنتُ فارسا في دروب الغوغاء حتى اختلجني الكِبَر، ولم أجمع من كلماتي إلا كنُثار لا يعني، حتى إذا وصلت باب السُّدة أعرضوا عن مجيئي ولجمالية في بشاعة الموقف صُغت منهم من نثار الكلم أحجية. أوقفوني لحظات وسكتوا.. وبعد أن فتشوا حقائبي وأمتعتي علّقوا ما علق بها من مناشير اسمي على دمي ومسحوا وجهي براحة رُقياهم وغسلوا قلبي من غثاء حقدي وانتشلوا منه بعد شقه نقطة سوداء كانت لي عليهم وتصالحنا على أن نعود بعد حين... بعد أن نفرغ من أحقادنا الجديدة أمام الأعداء، فقد أقسمنا ألا نترك للدّهر راحة منا حتى يتفقدنا الموت أو نهوي في واد سحيق.. منذ غازلتها وغازلتهم ذات ثلاثاء أسود وأنا أشتكي ولم يشأ قلمي أن يُغادر ساحة أعراضهم إلا أن يبسطها ويتقلب بين فضائحها.. يتمني أن يعيش ساعة من عمره خلف ظهورهم بين الحريم!! يتمنى أن يتصوّف فيهم فسقا ونِكاية بين قارورات النبيذ الموصوفة على رفوف معابدهم.

الغبي

التفاصيل
كتب بواسطة: زاهية بنت البحر
المجموعة: القصة والرواية
انشأ بتاريخ: 26 يونيو 2007
الزيارات: 4


 

الغبي(قصة تهم كل أسرة)


لست مجنونًا ولاغبيًا، رغم إحساسي بأنني أختلف عن الناس بشكلٍ أو بآخر، قد يكون شعوري هذا نعمة، أونقمة، أعترف بعجزي عن معرفة أيهما يكون، أحاول أن أعرف، ولكنني أفشل دائمًا لأمرٍ أجهله، يتملكني حب الاستطلاع بشراهة عجيبة، إن فكرت بأمرٍ ما، لا أرتاح قبل أن أخوضَ فيه، قد أجنُّ إن لم أصل لما أريد، وبأسرع وقت ممكن، و قلَّما وصلت لما أريد.
تقول أمي عني( بصلته محروقة، بس هادي!). ورغم هدوئي الذي يثير استغراب والدتي، فإنني أغلي من الداخل كماء المرجل، حسبما يقول والدي، وكأنه يلمس حرارته بيده، فيعرِّض نفسه لهجوم دفاعي شرس شفقة منها علي وتحسرًا، سمعتها تقول ذلك لأختي سهيلة ذات يوم عندما كانت في زيارتنا مع أولادها الثلاثة، فقد تعودت المجيء إلينا مرتين في الأسبوع خاصة بعد زواج أختي الصغرى حليمة لابن خالي المهندس علي، وسفرهما إلى المهجر منذ ثلاث سنوات. لم أدع لهما مجالا للشك بأنني سمعت ما دار بينهما من حديث الشفقة والحسرة رغم ماسببه لي من ضيق، لا أدري ماذا ينقصني عن الناس كي أثير في قلبها هذا الشعور المهين! بلعتُ الألم على مضض بما لدي من مقدرة على ضبط النفس، فلا أظهر ما بداخلي لأحد، أتركهم يخمنون أمورًا كثيرة تبعدني عن دائرة الضوء خاصتهم، لرفضي أن أكون محط أنظار الآخرين المربكة لحركتي بنظراتهم المتطفلة، وأسئلتهم الغريبة التي لا تنتهي، أو ربما يخيل إلي ذلك، هذا ما كنت أشعر به ولا أدري له سببًا. كنت أبتسم في وجه خصمي أيًا كان، وأنا كاره له وأتمنى موته. ابن أختي الأكبر رامي هو صديقي رغم فارق السن بيننا. عندما ولدته أمه كنت في العاشرة من العمر، فرحت به كثيرًا بل طرت معه إلى ما فوق السحاب، حسبته أخًا ولدته أمي وليست سهيلةـ فأنا آخر العنقود، وبحاجة لأخ صغير يسليني، ذهب بي خيالي بعيدا فرأيته شابًا يرافقني أينما أذهب، أحدثه بما أحب وبما لا أحب، أساعده في دروسه، أغسل وجهه وأسرح شعره، سأحتفظ له بالجميل من ملابسي فيرتديها عندما يكبر، سأ دلله كثيرًا، ولن أسمح لأحد أبدا بإزعاجه، أذكر كيف وضعته أمي في حضني بعد أن ألبسوه ثيابا بيضاء، كان وجهه صغيرًا جدا وأحمر اللون، في ذقنه طابع بحجم حبة حمص، ألبسوه في رأسه طاقية بيضاء أخاطتها أمي- فرحًا بحفيدها الأول الذي سيجعلها جدة - يحيط بها شريط من الساتان الأزرق الذي أحسسته حريريًا ناعم الملمس وأنا أمرر أصابعي عليه، لا أدري ما الذي جعلني ألفُّهُ حول عنق رامي وأنا أداعبه، ورحتُ أشد الشريط بقوة، رأتني أمي بالتفاتة منها، فصرخت بي بصوتٍ عالٍ لفت انتباه الحضور، يومها أنَّبتني بقسوة، وهي تبعد الشريط عن رقبة رامي خشية اختناقه. كان منظره مخيفًا، ازرق وجهه للحظات، وسرت في جسده رعشة، ما لبست أن انتقلت منه إلى جسدي إثر صراخ أمي وتأنيبها المربك لي أمام الحضور. في ذلك اليوم انتابتني مشاعر شتى، ما زالت تعاودني بين وقتٍ وآخر، وصوت أمي يرن في أذني( راح تطلع روح الولد ياغبي ). ومنذ ذلك اليوم والجميع يتندرون بالحادثة، وفي نهاية الكلام يقولون: (ياله من غبي كاد يخرج بروح الولد). أحقًا أنا غبي؟ وهل ستخرج الروح بيدي، وأنا لا أعرف ماهي ولا كيف سأمسكها؟ فبات عندي هاجس لمعرفة الروح، وكيف تخرج، ومن أين.
شاعت قصة محاولة خنق رامي بين جميع أفراد أسرتنا، وانتقلت إلى بعض بيوت الحارة، وراح الجميع يتناقلونها ويتندرون بها وينتهون بالقول( ياله من غبي كاد يطلع بروح الولد). بت أسمعها كثيرًا في البيت وفي الحارة، وحتى في المدرسة، بعد أن راح عادل صلاح ابن أخت جارتنا سعدية الملوم يسخر مني، مشيرًا إلي بأصبعه قائلا للتلاميذ (شوفوا الغبي)، فيضحك التلاميذ وألوذ بالفرار خجلا وغضبا، خجلا وغضبًا. ذات يوم انزويت قرب مرحاض المدرسة، وأنا أبكي إثر استهزاء عادل والطلاب بي، فجأة رأيته يسرع نحوي ساخرًا، تمنيت لو أنه يقع ميتًا قبل أن يصل إلي، لكنه للأسف لم يمت بل وقف أمامي كعامود الكهرباء، سألني باستفزاز عما يبكيني، لم أجبْ، كرر السؤال، لم أجب، أمسك بي وأدخلني المرحاض رغمًا عني، هددني بالخنق إن لم أخبره لماذا أبكي. يا إلهي ما أوقحه لقد جعل نفسه ولي أمرٍ علي بانفراده بي، وضعفي وقلة حيلتي، لم أجد من يخلصني من قبضته حيث يقع المرحاض في الجهة الجنوبية من باحة المدرسة التي يلعب فيها التلاميذ بعيدًا عن الصفوف، ولسوء حظي لم يأتِ أحد إلى هنا رغم أن جميع الطلاب كانوا قبل قليل يشربون الماء بغزارة من الحنفية المخصصة لهم في الباحة. كنت في الحادية عشرة من العمر بينما هو في الرابعة عشرة، رسب عدة سنوات في مختلف الصفوف الابتدائية، طويل الجسم عريض المنكبين، يداه مفتولتا العضلات، أخبرني سليم الحمدي زميلنا في الصف، بأن عادل يذهب إلى نادٍ رياضي لتقوية جسمه مع مدرب الرياضة، لم يهمني الأمر لأن صاحبه يكبرني بعدة سنوات، ويستطيع الذهاب إلى أي مكانٍ يريد، وهو أميل إلى الرجولة منه إلى الطفولة، خط شارباه، وخشن صوته بشكل مزعج يثير اشمئزازي، فاضطررت أمام تهديده وفشلي بالتهرب منه إلى قول ما كان يبكيني، وهو ينصت إلى باهتمام (أنا لست أهبل). نظرت في وجهه وأنا أمسح دموعي، رأيته مخيفًا، حاد النظرات، أمسك بي بقسوة، ووعدني بألا يناديني بالأهبل أبدًا، بل سيضرب كل من يناديني به، أو يسيء إلي بشيء إن أنا طاوعته فيما يريده منى على أن يبقى الأمر سرًا بيننا.
منذ ذلك اليوم وأنا أكره نفسي، وأكره (عادل) الذي بات يلاحقني في المدرسة، وخارجها، وإن رفضت طلبه هددني بإخبار أهلي بما كان بيننا.
لم أعد أحب المدرسة، تمنيت الموت على بقائي فيها، طلبت من أمي ألا ترسلني إليها فلم تستجب لي، وأيد والدي بحزم رأي أمي، بحجة أن المدرسة قريبة من البيت، ولا تحتاج لوسيلة نقل توصلني إليها، إضافة إلى أن الإنسان اليوم لاينفع شيئًا دون علم، وأن عهد الجهل قد انتهى، ، وهو يريدني أن أرفع رأس العائلة عاليًا بين الناس.
لم تفلح محاولات والدَي في إثنائي عن ترك المدرسة، ضُرِبتُ وأهنتُ، ولكنني لم أتخلَ عن رفضي لها، فرضخ والدَي للأمر الواقع بعد أن أصبت بالسحايا، وفقدت قدرتي على الكلام بطلاقة، فانصاع لرغبتي خشية جرح مشاعري من قبل الطلاب إن هم سخروا من تأتأتي بالكلام، دون أن يتقصَّيا منذ بداية الأمر عن السبب الجوهري لرغبتي قي ترك المدرسة.
لم أعد أر (عادل) إلا عندما أكون في الطريق مع أمي أو أبي، أو أخي، فأطرق رأسي أرضًا أو أتجاهله، وإن وقع نظري عليه مصادفة رمقني بوقاحة دون أن يقترب مني، وأحيانا كان يشير إلي برأسه إشارة ماكرة، فأشيح بوجهي عنه.
بدأ جسمي يعلو طولا، ويكتنز لحمًا، ومشاعري تنمو، ومداركي تتفتح، ويدايا تقويان، ولكن ظل أمرُ عادل قابعًا في رأسي، يؤرقني بلؤم مؤلم، أحببتُ أن أتخلص من هاجسه الذي يلاحقني كلما رأيت طفلا صغيرًا يسير وحيدا في الشارع، أو مرَّ بي رجلٌ تشبه ملامحه (عادل) الذي مات في حادث سيارة غامض ذات ليل، ودفن بعد أن شوهت جثته، لاأخفي سرًا إن اعترفت بأنني حزنت عليه إذ مات قبل أن أقتله بيدي.
عندما كنت أذهب مع والدي إلى متجره، وأساعده في بعض الأعمال هناك، كنت أحس باحتقاري لنفسي، وأنا أرى الناس تكبر والدي، وتناديه بالحاج محمود إحترامًا له وتقديرًا ، فقد عرف بحسن السيرة وسمو الأخلاق، فأزدادُ لها مقتًا، وأصاب بنوبة مزعجة عندما أستعيد مامرَّ بي، فأترك المتجر، وأبي يناديني غاضبًا، وأعود إلى البيت قبل أن يفضح أحد أمري ممن قد يكون عادل قد أسرَّ لهم به كما يخيل إلي، فيخبر أبي وتكون كارثة قد تتسبب في موته أو قتلي، فكنت أتسكع في الشوارع قلقًا في محاولة للهروب من ذكريات الطفولة الكريهة المؤلمة.
ذات يوم وأنا في هجمة الذكريات البشعة هذه، والدنيا سوداء بناظري، مررت في إحدى الحارات القديمة عبر طريق يودي إلى بيتنا، فوجدت بناءًا كبيرًا يرتفع فيها، لا أدري ما الذي جعلني أقف بعض الوقت وأنا أتفحصه جيدا، قبل مدة لم يكن موجودًا، كانت مكانه حديقة صغيرة يلعب فيها الأطفال، وهي قريبة من بيت أختي سهيلة، الشوارع تتبدل فيها الأبنية سريعًا كالنفوس التي تتغير فيها المشاعر. اتجهت إلى باب المبنى الرئيسي، وصعدت الدرج باتجاه الطابق الأول فالثاني فالثالث. كانت العمارة خالية من العمال ولا يوجد فيها حارس.. عمارة ضخمة تحتاج لوقت طويل ريثما تصبح جاهزة للسكن. شعرت بوحشة ، فنزلت منها بعد أن ألقيت نظرة على ما يحيطها من بيوت غير ملتصقة بها. لابد أنها كلفت صاحبها الكثير من المال، وعندما دخلت بيتنا، استقبلتني أختي سهيلة بالترحيب، قبلتني وهي تدفع إلي بابنتها رغد كي أحملها بعض الوقت، ريثما تعود وأمي من عيادة طبيب الأسنان، فقد حرمها ضرسها النوم ليلة أمس وتريد أن تقلعه. أخذت رغد ورحت ألاعبها بينما تجمع حولي أخواها لمشاركتنا اللعب.
كان الجو باردا لم تستطع المدفأة بث الدفء في جسدي عند عودتي إلى البيت، ولكن كثرة الحركة مع الأولاد جعلتني أتخلص من قرص البرد، حتى أنني كنت في بعض الأوقات أمسح العرق عن جبيني بيدي، ورغد تضحك بسعادة، وأنا أدفعها في الهواء وأتلقاها منه ثانية. رأيت بعض حبات عرق تلمع فوق جبينها، فتزيدها جمالا وبعض شعرات ذهبية تتدلى من تحت الطاقية ٌالبيضاء المحاطة بشريط من الساتان الزهري غطت بها أمها رأسها طلبًا للدفء. جلست فوق الكرسي ورحت أمسح العرق عن جبينها بمنديل ورقي، وأنظف أنفها من مفرزاته دون أن أشعر بالقرف، كانت تضحك وأنا أدغدغها في ذقنها، ضممتها إلى صدري.. قبلتها، وأنا أبعدها عني وقعت عيناي على شريط الساتان الزهري، فرحت ألعب بطرفيه المحيطين بعنقها، لامست أصابعي نعومته بينما كانت أصابع رغد تخرمش يدي بأظافرها، و رامي يدغدغها وهي تضحك بعذوبة. أغرق بذكريات الطفولة، رامي وليدًا، طاقية بيضاء، شريط ساتان أزرق، كاد يختنق، أمي تأنبني (راح تطلع روح الولد يا غبي)،
صوت عادل (شوفو الغبي)..
رغد تهبش بوجهي فيؤلمني ظفرها، ألقي بها فوق الكنبة، تبكي، أمشي في البيت دون وعي، أصوات ترن في أذني: مات عادل ، مات عادل.
صوت أمي يؤنبني (راح تطلع روح الولد يا غبي)،
صوت عادل وقهقهته (شوفوا الغبي) (لا تخبر أحدا بما حدث بيننا
رامي يهرع إلى الباب يريد الخروج من البيت، ألحق به، لاأدري ماذا أصابه فقد بدا خائفا مني.. أمسك بيده وأنزل به إلى الطريق بعد أن أغلقت الباب ورائي، خطرت في بالي فكرة سأنقذها فورًا، وقبل مغادرة الحارة كانت أمي وسهيلة تدخلانها. عدت معهما إلى البيت، وأنا أمسك بيد رامي بعد أن هدأوهدأتُ، أخبرتُ سهيلة بأنني كنت أنوي شراء بعض الأكلات الطيبة للأولاد، وكان رامي يضحك من كلامي الذي عرقلت نطقه تبعات حمى السحايا، فاغتظت ُمنه دون أن أبدي له ذلك.
بدأت حالتي النفسية تحير أهلي خاصة عندما كان يسخر مني أحد الأطفال، أو أحد ممن يدخلون متجر والدي للشراء، وكثيرًا ما كنت أختلي بنفسي وأفكر بما وصلت إليه من سوء حال، حاولت التخلص منها فما استطعت، بل هيَّجت ذكرياتِ الماضي، فأحسستها حبلا يلتف حول عنقي، طرفاه بيدَيْ عادل صلاح، يمتدُّ إلي من تحت التراب، وهو في قبره وليمة للدود والعفن. ذات يوم خرجتُ إلى المقبرة، وقفت قرب قبره، ورحت أشتمه بصوت عالٍ حتى انتابني التعب، لكنني لم أحس براحة رغم أنني أفرغت محتوى مثانتي فوق قبره قبل عودتي إلى البيت. حار فكري كيف سأنتقم من عادل وقد مات، راودتني فكرة فتح قبره والتمثيل به، لكنني لم أهضم هذه الفكرة كي لا أصاب بالغثيان من رائحة جيفته القذرة. كنت طفلا بريئًا أحب الجميع ولم يخطر ببالي أن أتعرض لشيء يفقدني راحة النفس، ونقاء القلب وحبي للناس، لم أقترف ذنبًا يجعلني أسير الألم مدى العمر، هم كانوا ينادونني بالغبي رغم أنني لست كذلك، بل ربما كنت غبيًا ولكنني لا أشعر بالغباء شأن كل الأطفال، فلم يرحموا طفولتي، لن أرتاح قبل أن أنتقم من عادل، ولكن كيف وقد مات؟ كيف؟
كنت أهرب من والدي عندما يدعوني لحضور صلاة الجمعة في مسجد المدينة، وعندما يجبرني على ذلك كنت أحس بالخجل من نفسي، وأنا أصلي فيداهمني شعور بوجوب قطع الصلاة، والعودة إلى البيت قبل أن يطردني الإمام، لأن صلاتي غير مقبولة حسب ما يخيل إلي، فكرت بكتابة رسالة سرية إلى إمام المسجد أحكي له فيها قصتي، وأطلب منه النصيحة، ولكنني خشيت أن يعرفني، فيخبر والدي، فدفنت الفكرة في مهدها. لن يريح نفسي إلا الانتقام وبنفس الطريقة، ولكن كيف أمن جيفة؟
اليوم الاثنين أيقظني أبي باكرًا للذهاب معه إلى المتجر لمساعدته في غياب أخي عارف، حيثُ يرقد في البيت مريضًا، وغدا وقفة عيد الأضحى المبارك والناس يتزاحمون على المتاجر لشراء لوازم العيد. خرجت معه وقمت بدوري خير قيام، إلى أن جاء قبل الظهر (معروف السرابي) زميلي في المدرسة لشراء بعض الحاجيات، وكنت قد انقطعتُ عن رؤيته منذ زمن طويل حيث سافر مع أهله إلى إحدى دول الخليج، وعاد شابًا، طويل الجسم، نحيله، رحبتُ به، وخفضت له في سعر المبيعات، شكرني سعيدًا، وشدَّ على يدي وهو يهم بالخروج، فدعوته لزيارتي مرة ثانية فوعدني بذلك، لكنه وجه إلي طعنة قاتلة عندما قال لي هامسًا قبل مغادرة المتجر(عادل صلاح يسلم عليك، ويوصيك أن تكون معي كما كنت معه) غادر المتجر ضاحكًا، وغادرني الهدوء غاضبًا. هممتُ باللحاق به، وقتله ثأرًا من عادل صلاح، ولكنني لم أجده، وكأن الأرض انشقت وابتلعته، ركضت في الطريق على غير هدى، وصوت عادل يضج في رأسي، فأسمع به أصواتًا شتى تناديني ، فأهرب، وأهرب والطريق تتسع أمامي، وأنا في صراع مع نفسي ومع الأصوات، ياللوغد لقد فضحني قبل أن يموت، أين المفر كانت معاناتي داخلية فاخترقتني للخارج، ستظل تلاحقني إلى الأبد، تزداد أعماقي انفعالا، تسقط الدموع من عيني، وأنا بين فكي الصراع المفترس أسمع نداء رقيقًا (خالو.. خالو) التفت إلى مصدر الصوت، كان رامي ابن أختي، حدَّقت في وجهه وهو يبتسم ويقترب مني ممسكًا بيدي، وباليد الأخرى يحمل حقيبته المدرسية في طريق عودته إلى البيت، سرت معه وقلبي يخفق بشدة، وسُحب الغمِّ والغضب تحجب عن بصيرتي الرؤية، كان رامي يتكلم، لكنني لم أفقه شيئًا مما يقول، فجأة وجدت نفسي أمام العمارة الضخمة التي مازالت في طور البناء، توقفت بوازع خفي، نظرت إليها ثم في وجه رامي، تفقدت الطريق كانت خالية من المارة، أطبقت قبضتي على يد رامي، ودخلت به باب العمارة وهو يمشي معي باطمئنان، صعدت به الدرج إلى الطابق الأول، فالثاني، أدخلته إلى غرفة جانبية مليئة بالرمل والإسمنت، خلعت عنه المعطف.. كممت به فمه، وهو يضحك كعادته عندما ألاعبه في البيت مع أخيه، وبقسوة وحشية أخذت ثأري به من عادل صلاح، ورامي يتلوى ألما، والدموع تغرق وجهه، والدم يبلل ملابسه، ازددتُ غليانا ورامي يئنُّ، سأقتلك ياعادل، سأرى كيف ستخرج روحك بين يدي، وأطبقت كفاي على عنق رامي الباكي المتألم، وأنا أضغط بكل قوتي فوقه، فأحسست بروحه تغادر جسده، دون أن أعرف ماهي ولا من أين تخرج، وصوت أمي يرنُّ في أذني مؤنبًا(راح تطلع روح الولد ياغبي).

بقلم
زاهية بنت البحر



قيل لي بأنه أول إنسان شنق في المدينة التي تمت فيها الجريمة
وقد ألقي القبض عليه عندما كتمت الشرطة نبأ اكتشاف الجثة عن طريق رائحتها،
وجاء متسللا لتفقد رامي ، فوقع صيدا بكمين نُصب له.

فخ الدببة

التفاصيل
كتب بواسطة: م. زياد صيدم
المجموعة: القصة والرواية
انشأ بتاريخ: 16 يونيو 2007
الزيارات: 5

فخ الدببة . بقلم م. زياد صيدم

تبدل حال القرى الحالمة، بعد تسلل دب مهاجم داخلها فعاث فيها فسادا ودماء .. فدب الفزع في قلوب الرجال قبل الصبية .. وخارت قلوب النساء خوفا على أطفالهن.. وقيل بان معظم كبار السن قد أصابهم بلل المطر وما يزال الربيع على الأبواب.!كثرت الاقتراحات بشأن هذا الدب الدموي المهاجم ، حتى بدأ أهل القرى المتاخمة لبعضها في نسج خرافات وأساطير حوله.. فأبو إبراهيم صاحب أكبر مزارع للخراف، يروى بأنه شاهد أنيابه التى بدت كأسنان المنجل تقطر منها الدماء ، كان قريبا منه حيث اختبأ على سطح خزان المياه في قلب مزرعته، عندما مر من هناك يبطش بالخراف فتتطاير رؤوسها في الهواء ، وقد علقت بها بقايا حمل وديع سقط بين فكيه ..وهذه أم حسنيه تروى بأنها رأته يتراقص حول مختار القرية، فالمسكين حاول بعكازه من الخيزران أن يدفعه بعيدا عنه ، فباغته الدب المتوحش بضربة من ذراعه الثقيلة فلم يعد يتحرك بعدها .. وقد انغرست مخالبه على وجه المختار ، فلم يعد يُرى شاربه الذي لطالما تفاخر به قبل أن يرتطم على الأرض جثة هامدة بلا معالم لوجهه، و يبدأ الوحش في الرقص حوله أشبه بقبائل الغابات الموحشة والنائية حول نارهم المقدسة، كانت لحظات سبقت انتقاله بالرقص على صدره وبطنه حتى سوى الرجل بالأرض .. فاختفت جثته بين طيات ثيابه .. كانت أم حسنيه تضرب كفاً بكف وعيونها قد زاغت ذات اليمين وذات الشمال من شدة الموقف وصعوبته وهى ما تزال تحدث قصتها .. كان جسدها يرتجف خوفا وهلعا كأنه قد أصابها مرض الرعاش الذي تلبس الحاجة مريم معمرة القرية ، قبل وفاتها ببضع سنين عن عمر زاد عن القرن بعشر سنوات على الأقل. بعد هذه الحادثة المفزعة للزعيم الأوحد لم تعد القرى الحالمة جميعها في مأمن .. واختفت الفرحة من على وجوه الناس .. وساد رعب وفزع في العيون ،حتى أصبحت حركاتهم خلسة تقتصر على جلب ما يلزم من لبن وجبن وسريعا يختفون من الطرقات ، فقد ضرب الرعب حصارا إجباريا على حركة وحرية الناس في تلك القرى، فلم يعد بالإمكان طبخ اللحم أو مجرد التفكير في شواء اللحم كعادتهم في الهواء الطلق في الحقول والبساتين ، فحتى حسنيه وهى أجمل جميلات القرية ، توحمت على لحم شواء فلم يتمكن زوجها من تلبية طلبها وهو تاجر مواشي تعرفه البلاد ويطلب وده العباد.. لقد كانت نصيحة العم أبو حسان أكبر الرجال سنا بان رائحة اللحم والشواء خاصة تجلب الدب من مسافات بعيدة .. عم القرى كساد رهيب، وحرمان عجيب ،وساءت أحوالهم العامة والخاصة ..! فتضررت بقوة حالة رجال القرى النفسية ، فجعلهم يهجرون مضاجع نسائهم حتى لا يتكرر فشل رجولتهم.. وهم المتفاخرون بها أمامهن، فتحكمت النساء في الشاردة والواردة ، وغلبت حجتهن ، فسبحان مغير الأحوال، فبدت نساؤهم تقاتل ذباب الهواء !! فعلت أصواتهن في البيوت على غير عادة، كانت تعبر عن ضجر وعصبية لا إرادية، وبدت نظراتهن تجوب كل ركن بعيد !.. مرت فترة عصيبة والجميع في صدمة وانبهار عجيب، قد ألغى تفكيرهم، وشل حركتهم ،حتى ضاقت بهم السبل . بعد مرور أسبوعين على دفن المختار ،بطقوس جنازة كانت سريعة وخاطفة لم يعهد وها من قبل ، دعي ابنه الأكبر إلى اجتماع لكبار القرى لتدارس الأمر ، بعد أن تُوج بأغلبية ساحقة مختارا عليهم بعد انتهاء مراسم الدفن مباشرة.. تحادثوا وتناقشوا وطرحوا كل ما يجوب في خاطرهم من أفكار وخطط لمجابهة هذا الوحش المستبد، فاجمعوا على مقاومته بكل السبل المتاحة وأعلنوا النفير وزمجر الرجال، وزغردت النساء المتصنتات من خلف الجدران ، والمتلصصات من ثقوب النوافذ المطلة على الديوان ..وهنا وقف خليفة المختار خاطبا: على جميع رجال القرى المقتدرين ونسائهم خاصة تقديم ما ملكن من حُلى ومصاغ ذهبي .. وليأتني بها إلى هنا وقد عينت من اللحظة محاسب التجار أمينا على المال ،يساعده الحاج عبد الستار إمام المسجد لهذا الغرض.. فقد قررنا شراء السلاح للمواجهة والدفاع عن الأرض والعرض والولد ، فانتشر الخبر كالنار في الهشيم بين الناس .. كانت حسنيه حسناء القرية وأجمل الجميلات وذات بصيرة ثاقبة أول من سمع الخبر، فكانت أولى النسوة تضع مصاغها تحت تصرف المحاسب والإمام وتأخذ وصلا بذلك ممهور بختم المختار عليه.. فتشجعت نساء القرى وتبعتها معظم النسوة التى يمتلكن أي معدن ذهبي أو فضي .. فقد توصلن إلى حقيقة بأنهن لابد وان يضحين بالنفيس من أجل ما هو أنفس ولا يقدر بثمن؟ إنها فحولة رجالهن بكل ما ملكت معاصم أيديهن من أساور فحتى حلمات أذنهن لم تعد تحمل تلك الأقراط الذهبية التى كانت تتأرجح أماما وخلفا كرؤوس الصبية داخل كتاب القرية.. شكل المختار على أثرها لجنة من كبار القوم كانت كلجنة طوارئ ، فهي في انعقاد دائم في ديوان المختار لا تبرحه أبدا، معتكفون فيه لا يغادرون إلى بيوتهم ولا يرون أولادهم ولا نسائهم ، ومع هذا لم يمتعضوا من هذا الأمر .. بل كانوا من أسعد رجال القرى !، كان على قلوبهم كالعسل وانتابهم نوع من الرضي، وتمنوا لو تطول مدة بقائهم خارج بيوتهم..! فهنا أكل وشرب ونوم ، فعملهم ينحصر في تلقى التبرعات والعمل على جلب وشراء السلاح ، فلا يسمعون عتاب منهن ، ولا يشاهدون عيون نسائهم تخترق كبريائهم فتمزقه إربا ولا يريدون سماع ضحكاتهن في داخل جلابيبهن حتى لا تخرج مدوية عندما ينفردن في محارم النساء متهكمات ، فتتهدل شواربهم وترتخي شعيراتها فتتذوق معهم طعم الجبن وكسرات الخبز باللبن.. فأصبح أهون عليهم الموت في مجابهة الوحش بلا سلاح كمختار القرية الذي أصبح رمزها بلا منازع فقد استراح من كل هذا.. وها هم يتمنون الموت المشرف مثله على رؤية هذه المشاهد، فهم محظوظين بمعية المختار الجديد هكذا تهامسوا فيما بينهم ، وقد قال احدهم : كان الله في عون بقية رجال القرى فانفجرت أفواههم بضحكات لم يستطيعوا كتمها، فساعدت على إضفاء نوع من هدوء سرائرهم المشوبة بالحذر..! أرسلوا في طلب البنادق من كل فج عميق .. وانتظروا على أحر من الجمر.. مر أسبوع آخر حتى بدأت بشائر الخير في القدوم وتم تجميع كثير منها ، وعلى أثر ذلك قام المختار بتشكيل فرق من شباب القرى بعد تدريبهم وتوزيعهم في أماكنهم للنيل من ذاك الكاسر المتوحش ،الذي ادمي واثكل كثير من العائلات وزرع الخجل والكبت في كل البيوت !.. مضى يوم وآخر.. وغابت شمس وأشرقت أخرى .. دون أي خبر يلوح في الأفق !، فقلق الجمع و شحبت الوجوه وعلت همهم اتهم ، ولكن لم يجدوا غير الانتظار بد .. في مساء اليوم الثالث من رباط الرجال ،جاءت وفودهم من كل المجموعات المنتشرة ، لتلتقي باللجنة المنعقدة في حالة طوارئ دائمة برئاسة المختار، ليخبروا جميعا وبلسان واحد بأنهم شاهدوا أثار الدب تبتعد خارج حدود القرى وتنكفئ هناك من حيث أتت ؟ .. توجس الجميع وكتموا فرحتهم وقرروا البقاء لأسبوع آخر يتم فيه شواء كثير من اللحم في داخل المزارع والبساتين ، ليتفحصوا وليختبروا الوضع جيدا وبعدها يستطيعوا الحكم النهائي .. كانت هذه مشورة حكيمة من المختار الذي عزز ووطد من نفسه ومكانته طوال هذه الفترة بلا منازع ، فنال ثقة الجميع واحترامهم وتقديرهم لما يقدمه من خدمات للجنة وحسن ضيافتها على نفته الخاصة، ونتاج طبيعي لمشورته الصائبة على الرجال. .. وفعلا تم ما أشار به زعيمهم الجديد ، وكان الرجال المسلحين يرابطون في مواضع قريبة من أداست اللحم ومواقد الشواء التى انتشرت في كل المزارع والبساتين حسب الخطة المرسومة .. فلم يظهر أثرا للدب المتوحش خلال ذالك الأسبوع لقد اختفى نهائيا .. فانفرجت أساريرهم ورُدت إليهم رجولتهم إلى سابق عهدها ، وتحركت فحولتهم وانتصبت شواربهم ، وانكبوا على اللحم والدسم بشراهة لم يعهد وها .. وبانقضاء آخر مساء لأسبوع المراقبة الحاسمة ، قرر المختار بنهاية النفير والاستنفار .. اختفى الجميع باكرا ذاك المساء فلم يحضر لصلاة العشاء في مساجد القرى إلا نفر قليل من كبار السن ؟ وفرغت مضافة المختار تماما.. وخلت الشوارع والأزقة.. وكأن القرى قد أصابها طاعون فخويت على عروشها.. وفى صباح مختلف ، خرج معظم الرجال في حللهم الجديدة وعلت أصواتهم مجلجلة في الأسواق وعلى المقاهي من جديد .. ولم تُسمع بعدها أصوات نساء القرى فقد همدن واستكانت سرائرهن !.. توالت أجواء احتفالات في معظم القرى .. فالقهر والخوف والحرمان الذي طال وعصف بهم قد انتهى، أو هكذا أقنعوا أنفسهم !. لم تدم فرحتهم طويلا.. فالحال اليوم في القرى الآمنة والحالمة ليس كالأمس ؟ .. فقد استفاقوا ذات صباح على إطلاق نار كثيف .. نتيجة لخلافات من ليلة البارحة.. لم تكن غريبة على أهل القرى، ولكن الاختلاف اليوم يكمن في استخدامهم السلاح لحسم الخلافات بينهم ، وهنا سارع المختار لوضع حد لهذا الخطر القادم، والذي استشعر به الجميع ولم يستطيع احد البوح به !.. دعا المختار كبار القرى لحسم موضوع السلاح المنتشر في أيديهم والذي اشتروه بداية لصد عدوان ذاك الوحش الدموي الكاسر ، بحلي نسائهم وتعبهم وعرق كدهم قبل أن يتضاعف وتتنوع مواصفاته .. لم يلب الدعوة للأسف أحد منهم !وهنا كرز المختار على أسنانه فقرض طرف لسانه وكتم ألمه وغيظه.. حاول جاهدا جمعهم مرات أخرى ولكن دون فائدة ، فقد أصبحت لكل قرية زعيمها ، وما لبثت الحارات تضع لكل منها زعيما يلتف من حوله رجال مسلحين ، وهكذا فلت زمام الأمر من يد مختار القرى لتنتقل إلى أيادي زعماء مختلفون في كل شيء إلا شيء وحيد اجتمعوا عليه وهو ألا يتفقوا ؟! .. فوقعت القرى في فخ الدببة والذي نُصب لهم بإحكام وخديعة ودهاء .. فعادت الأحزان والدماء تُسفك على أيادي أهلها فتولدت الثارات فيما بينهم، والتي لن تجد لها حلا سهلا في الزمن المنظور.. فأصحاب السوء تقاطروا من كل صوب، يدلون بدلوهم مؤججين النفوس والأحقاد. شُوهد المختار ذات مرة وهو ينظر في وجوه الناس، ويتفحص شوارع وأزقة ومقاهي وأسواق القرى يجوبها داعيا ومحذرا بكلمات واضحة، كانت تخرج من قلبه كَحكِْم و مواعظ، لم يكن صوته صاخبا كما السابق.. لقد غار صوته كأنه في بئر ماء عميق .. لقد سمعتها حسنيه ورددتها على مسامع الجميع وكررت قوله بصوت يسمعه الجميع: بان الدب الغادر لم يُقتل بعد وهو حر طليق في مكان ما .. ومن يتذوق طعم اللحم والدماء حتما سيعود ذات يوم .. وأضافت على لسانه وعلى مسمع الجميع: وقد يعود وبصحبته كثير من الدببة الجائعة والمتعطشة لدمائنا وأجساد أطفالنا وهذا احتمال كبير، فماذا ستفعلون حينها؟ وانتم هكذا على ما انتم عليه !! فمضى المختار منكفيا وقد خابت توسلاته ..وتسللت منه قطرات من دموعه اختلطت مع عرقه المتصبب بغزارة من كل جسده .. كان حريصا على إخفاء دموعه لآخر لحظاته، فكبريائه وأنفته ما تزال كما هي لأنها رأس ماله في الحياة الفانية .. كان يشير بعكاز والده الذي قاوم به الوحش القاتل بكل شجاعة وكبرياء وقضى شهيدا إلى حيث تقف حسنيه بينهم وهى ما تزال تكرر على مسامعهم ما يقوله من نصح وتحذير قبل أن يمضى عائدا إلى بيته معتكفا وقد اكتنفه الحزن والمرارة.. وانفض القوم وتوارت حسنيه عن الأنظار عائدة.. كانت تهز برأسها يمينا وشمالا وتتمتم بكلمات المختار الحكيم التى لا تباع بكنوز من الذهب ، عندما سيعلمون قدرها.. وهى تشيح بنظرها هناك بعيدا .. حيث اختفى الدب القاتل ، ولكن لا حياة لمن تنادى ..!!.

  1. نسائم الذكريات
  2. كعكة من دم
  3. الضحك الما
  4. الوهم

الصفحة 64 من 166

  • 59
  • 60
  • 61
  • 62
  • 63
  • 64
  • 65
  • 66
  • 67
  • 68

المتواجدون الآن

140 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

البحث

اشترك في نشرتنا البريدية

انضم إلى مجموعتنا على Google لتصلك آخر الأخبار عبر بريدك الإلكتروني.

اشترك في نشرتنا البريدية

منطقة الأعضاء

  • تسجيل الدخول
  • كاتب جديد؟
  • نسيت كلمة المرور؟
  • نسيت اسم المستخدم؟
  • أرسل مشاركة

آخر مواضيع المنتديات

لايمكن العثور على التغذية الإخبارية

مواقع شقيقة

  • منتديات مجلة أقلام
  • المرشد في الإداراة
  • الشاعر سامر سكيك