- التفاصيل
- كتب بواسطة: عبد القادر بن عسلة
- الزيارات: 16825
إذا كان الباحثون يجمعون على أن ظاهرة اللحن (1) التي شاعت على ألسنة الأعاجم في عصر الفتوحات الإسلامية هي التي عجلت بالتأسيس لعلم النحو العربي، فإن لعامل التواصل الذي أغفله الكثير من هؤلاء فيما نرى دورا فـي ذلك ، حيث أنه لم يكن في مقدور الأعاجم الذين أقبلوا على اعتناق الإسلام التواصل مع أبناء
- التفاصيل
- الزيارات: 84259
ـ مفهوم اللغة ووظائفها :
للغة علاقة وطيدة بالكلام واللسان ، فإذا كان الأول (( نوع من السلوك الفردي الذي يتجلى عن طريق كل ما يصدر عن الفرد من أقوال ملفوظة أو مكتوبة )) (1) ، فإن الثاني يدل على (( النظــام العام للغة ، ويضم كل ما يتعلق بكلام البشر ، وهو بكل بساطة لسان أي قوم من الأقوام، ويتكـــون من ظاهرتين مختلفتين " اللغة "و" الكلام ")) (2) أما الثالث وهو اللغة ،
- التفاصيل
- كتب بواسطة: د. اميل قسطندي خوري
- الزيارات: 11
ما يحدث في العالم حاليا من ازمات مالية وتهاوي في اسواق البورصات الدولية يحتاج الى وقفة حازمة ورؤية جديدة لمواجهة التردي الحاصل في اسواق المال، ليس فقط لحماية حقوق واستثمارات الناس بل ايضا لمنع الاقتصاد العالمي من الانزلاق في كساد لا يصب في مصلحة احد. من الحلول او السياسات النقدية التي تم طرحها لمعالجة هذه الازمة خفض اسعار الفائدة وتقليص حجم الاحتياطيات الاجبارية التي تفرضها البنوك المركزية على البنوك التجارية بهدف تحفيز الاقتراض، وضخ مليارات من العملات لتوفير سيولة مالية في الاسواق وذلك لدعم المؤسسات المالية المتعثرة.
وبيد اني اعتقد بان مثل هذه الادوات النقدية لها دور مهم في تحريك ودفع عجلة الاقتصاد، الا انني على يقين اكبر بان الحلول الاكثر نجاعة في مثل هذه الظروف الاستثنائية تتمثل في مكافحة التضخم (الذي وصل الى نسب قياسية جاوزت 15% في العديد من البلدان) وذلك من خلال العمل الجاد على تخفيض اسعار السلع الاساسية والمواد الاولية والخدمات، وعلى وجه التحديد اسعار الغذاء والمنتجات الاستهلاكية الضرورية واجور النقل والدواء، وبالاخص اسعار التوامين (النفط والذهب) اللذين يلعبان دورا رئيسيا في قواعد العرض والطلب واساسيات السوق. ان موجات ارتفاع الاسعار التي شهدناها في الاونة الاخيرة ساهمت مساهمة كبيرة فيما وصلنا اليه من استنفاذ للسيولة والمدخرات، ناهيك عن ازمة الرهون (القروض) العقارية وازمة الائتمانات المصرفية في الولايات المتحدة الاميركية التي ادت الى تراجع ملحوظ في قيمة الدولار الاميركي مما كان له الاثر البالغ على عملات دولية اخرى، كما وانها طالت قطاعات كثيرة وحساسة من الاقتصاد الاميركي كالعقارات والمساكن والصناعات المختلفة والصادرات ... الخ، مما كان له الاثر السلبي الواضح على العديد من الاقتصاديات الاخرى المؤثرة في اجمالي الاقتصاد العالمي مثل اوروبا واسيا وغيرهما.
ان تخفيض الاسعار تخفيضا ملموسا سوف يساعد كثيرا على رفع مستوى المدخرات (الاموال المتبقية من دخول الافراد والارباح الصافية للشركات بعد خصم النفقات والضرائب)، مما سيؤدي بالنتيجة الى زيادة معدلات السيولة النقدية المستخدمة في الانفاق الاستثماري والاستهلاكي والتي سيكون لها الاثر الفاعل في تنشيط حركة الطلب الكلي، وبهذا نعيد للاقتصاديات الراكدة عافيتها وحيويتها المطلوبتين.
- التفاصيل
- كتب بواسطة: محمد ياسين العشاب
- الزيارات: 6
تسويق التعليم
بقلم: محمد ياسين العشاب
طنجة/المغرب
لقد بدأ التعليمُ ينعطف منعطفا خطيرا باتخاذه سبيلاً آخرَ من الطابع الاجتماعي التربوي إلى سلعة اقتصادية، ليساهم بشكل مباشرٍ في خدمة المنافسة إما عن طريق تكوين المستهلك وتحفيزه، أو بانفتاحه المباشر على الأسواق، وبمقتضى ذلك تجري مطابقة المدرسة مع الاقتصادِ سواء بسواء على مستوى المضامينِ والمناهجِ والممارساتِ البيداغوجيةِ والإداراتِ والبنيات.
تحدياتٌ جديدةٌ وآفاقٌ لَبَّدَتْهَا غيومُ الجَشَعِ الاقتصادي، وغَدٌ يُهَدِّدُ بالتجرد الكامل من المعاني التربوية للتعليم، منذ مطلع الثمانينيات وتدخلاتُ البنك الدولي تُؤَلّفُ سحابَهُ ليَغْدُوَ ركامًا، تَخْرُجُ من خلاله المقاييسُ العالميةُ للتعليم الاقتصادي لتُنْذِرَ بالإفلاسِ التربوي.
إن النطاقَ قد اتسع اتساعًا ليشملَ البُعدَ الدوليَّ للعولمة الرأسمالية التي تجاوَزَتْ مجالَ الاقتصاد، وامتدَّت بظلالِها لتشملَ كلَّ شيء، وتُحوِّلَ الحياةَ برمتها إلى سلعة، وأخطرُ ما تؤدي إليه هيمنةُ العالم الاقتصاديِّ على شتى مجالات الحياة أن تجرِّدها تجريدًا كليًّا من وازعِ الأخلاق ومعاني التربية، حتى وإن تعلق الأمر بأخطر مجالات التربيةِ نفسِها، فليس ميدانُ التربيةِ والتعليمِ في منأًى عن الخطر، بل هو في قلب الخطر.
لم تكن مؤسساتنا ومعاهدنا التعليميةُ مؤهَّلَةً لمواجهة التحدِّي، لم تَتَحَصَّنْ بجودة أدائها واستمساكِها بثوابتِ عقيدتِها ولغتِها، لم تَستمِع لنداءاتِ المصلحينَ الذين حَذَّرُوا من هذا المصير، يوم تصبحُ المدارسُ مجرَّدَةً من جانبها التربوي، ويومَ تغزو الثقافةُ الأجنبيةُ جوهرَ المنظومة التعليمية، فكيف بها وقد غزاها ما هو أدهى من ذلك وأَمَرّ؟!
أتى على مدارسنا حينٌ من الدهر لم تَخْضَعْ لإصلاح، وزادها انغلاقُها على نفسها رتابةً وجمودا، حتى إذا غَزَتها الإمبرياليةُ الأوربيةُ وَجَدَتْ في حالها المَهِينِ ذرِيعةً لتُبادرَها بالإصلاح، وتمرِّرَ من خلاله إيديولوجيتها وثقافتها الاستعمارية، ووَجَدَتْ من بني جلدتنا المتخرجينَ من مدارسِها من حَفِظُوا عهدَها ولَزِمُوا طريقتها، وصَمُّوا الآذانَ عن نداءاتِ ودعواتِ المخلصين من أبناء هذا الوطن، فما زاد ذلك المؤسسة التعليميةَ إلا تراجعًا، فكانت ذريعةً أخرى ليبادرَ البنكُ الدوليُّ لاستصلاحها، ويناديَ من خلال برامجه بضرورة التخلي عن المؤسسات التعليمية المحلية بسبب محدوديةِ ثقافتها، وأن وقتَ التعليم خارجَ المدرسةِ قد حان، وأن تحريرَ العملية التعليميةِ يتيحُ الاعتمادَ على أسلوبٍ تعليميٍّ أكثر إبداعًا من البنيات التقليدية، وما ذاك إلا لأجل إتاحةِ المجال الشاسعِ أمام المستثمرين، وتقييدِ التعليمِ بأغلالٍ جديدةٍ هي أغلالُ السوق، وإخضاعِه لواقعٍ جديدٍ هو واقع سيادة السوق.
وبدأ إعصارُ السوقِ يكتسِحُ بقوةٍ وسرعةٍ جنونيةٍ بعد الإعصارِ الفرنكفوني، وشَرَعَ أخطبوط الرأسمالِ العالميِّ يلتف على الدنيا ويهيمِنُ بسوقه المستهلِكة، ويجعل التعليمَ بمؤسساته وهياكله ومن فيهِ من مُعَلِّمِينَ ومُتَعَلِّمِينَ تحت خدمته المباشرة.
هيمنَةُ فَكْرِ السوق تعني تخليقَ المجالِ العامِّ بأخلاقيات السوق، وتحويلَ السلوكِ الإنسانيِّ من وازعِ الفطرةِ إلى وازعِ المنافسة، ليس من قبيل " وفي ذلك فليتنافس المتنافسون "، ولكنها منافسةٌ محمومةٌ على الربحِ واحتكار مصادرِ الإنتاج، وتسابُقٌ ليس من قبيل " سابقوا إلى مغفرةٍ من ربكم "، ولكنه تسابقٌ مجنونٌ في حلبةِ سباقٍ دنيويٍّ لا تنتهي إلى نهاية، وهجومٌ عنيفٌ على القيمِ الأخلاقيةِ يقودُهُ الرأسمالُ العالميُّ معزَّزًا بالمؤسساتِ المالية العالمية، مُؤَزَّرًا بالاتفاقياتِ الدوليةِ التي تُشَرِّعُ لهُ وتُشَرْعِنُ هيمَنَتَهُ على الأسواق، ويأتي الاتفاق العام حول تجارة الخدمات AGCS ليَزُجَّ بالتعليم في ذلك الخِضَمِّ المُظلِم [1].
مجالُ التعليمِ مجالُ النورِ والصفاءِ والفطرة، غايتُهُ الأولى والآخرةُ هي التربية، فلا تعليمَ بغير تربية، إنِ انتُزِعَت منهُ ظلَّ بغير معنى، وأُفرِغَ من جدواهُ إن أصبح ميدانًا لتلقي المعلومات، وما جدواهُ إن كان كذلكَ ولدينا من مصادر المعلوماتِ ما يكفي لحشر أدمغة أجيالٍ خلالَ قرون؟!
والسوقُ ميدانٌ حافلٌ بمعاني التنافس على المصالح، تسري فيه رائحة الأنانية والشح حتى تزكمَ الأنوف، وتنمو حولَهُ وعلى جوانبه الطفيلياتُ التي تقتاتُ على الفَضَلات، وأصنافٌ أخرى تبيع ضمائرَها ببعضِ الفُتَات، فمنهم بُغَاثُ طيرٍ يَنْزِلُ بها من سمائِها شِلْوٌ مُمَزَّع، ومنهم أُسْدٌ تفترسُ الضعيفَ بحكم السوق! ومنهم أدِلاَّءُ مُضَلِّلُونَ وسماسرةٌ اِنتهازيون، وبينهم جميعا تهتَزُّ تربةُ الأسواق وتربو بالكذب والغشّ والخداعِ والاحتيال...، فلا تنتهي النفوسُ ولا ترتدعُ في طلب المزيدِ من الربح، وكلُّ مجالٍ سَرَتْ فيه رائحةُ الربحِ فقد غزاهُ السوق.
صدق نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم: " أحب البلاد إلى الله مساجدها، وأبغض البلاد إلى الله أسواقها " رواه مسلم في صحيحه [2].
المسجدُ مَحْضِنُ التربية ومَجْمَعُ الخيرِ وموقِظُ الفطرة، كلُّ ما فيه نورٌ وهُدَى، فيه تُتْلى آياتُ القرآنِ آناءَ الليلِ وأطرافَ النهار، وفي كلِّ ناحيةٍ منه تزدادُ الأخلاقُ الإيمانيةُ والمكارم، فيه نتعلم الصدقَ والأمانةَ والعدل، ونرتفعُ بأرواحنا عن الدنيا الماديةِ التافهة، ونتعلمُ القربَ من العليِّ القدير، فإذا انعقدَتْ بين جدرانِه حلقاتُ العلم غَشِيَتْها الرحمةُ وتَنَزَّلَتْ عليها السكينة، وكان التَّعَلُّمُ فيها عبادةً من العباداتِ وقُربةً من القُرُبات، وامتزَجَ التعليمُ فيها بالتربيةِ والتربيةُ بالتعليم، فالمساجدُ مدارس، والمدارسُ مساجد، ما فَرَّقَ بينهما إلا ما فَرَّقَ بين الدين والدنيا، بين السماء والأرض، بين الروحِ والجَسَد، رحم الله القرويين وأيَّامَ القرويين!
روى الطبراني رحمه الله في الأوسط بإسناد حسن، عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه مر بسوق المدينة فوقف عليها، فقال يا أهل السوق: ما أعجزكم! قالوا وما ذاك يا أبا هريرة؟! قال: ذاك ميراث رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم وأنتم ها هنا، ألا تذهبون فتأخذون نصيبكم منه؟ قالوا وأين هو؟ قال في المسجد، فخرجوا سراعا، ووقف أبو هريرة لهم حتى رجعوا، فقال لهم: ما لكم؟ فقالوا يا أبا هريرة، قد أتينا المسجد فدخلنا فلم نر فيه شيئا يقسم، فقال لهم أبو هريرة: وما رأيتم في المسجد أحدا؟ قالوا بلى، رأينا قوما يصلون، وقوما يقرؤون القرآن، وقوما يتذاكرون الحلال والحرام، فقال لهم أبو هريرة : ويحكم! فذاك ميراث محمد صلى الله عليه وسلم [3].
أذلكَ خيرٌ أم سيادةُ عالمِ السوق؟ ورَهْنُ مصيرِ التعليم في أيدي الرأسماليينَ الذين أخضعوهُ لمنطق الربح والمنافسة، وأَسْلَمُوهُ للمقاولاتِ تحدِّدُ مضامينَهُ وتَرسُمُ خطَطَهُ وأهدافَه، وتُمْلي برامجَها بقوَّةٍ على مجالس تدبير مؤسساته وشبكات التربية والتكوين، وتَخنُقُ أنفاسَهُ بتوجيه ثلثي المتعلمينَ إلى التكوينِ المهني والتقني، حتى يستجيبَ بيسرٍ ومرونةٍ لمتطلباتِ المقاولة.
أما المتمدرسونَ فتستفِزُّهم طبيعةُ المناهج وواقعُ السوق، فيسارعون إلى الاندماجِ فيه، وينفِرون من جوِّ الرَّتابةِ المسيطرِ على المدارس، ويتطلعونَ إلى تحصيل الشواهدِ التي لها قيمةٌ مادية، فما جدوى المكوثِ بين جدرانِ المدارس والجامعات سنواتٍ لا تفضي في النهايةِ لغيرِ البِطالة؟ وما كان لعلمٍ ولا معرفةٍ أن يُجْدِيَا نفعًا إن لم تكن لهما قيمةٌ مُحَصَّلَةٌ في السوق، وإلا فإن الذين تضيع أعمارهُم في طلب العلم وحفظ العلومِ إنما يبعثونَ على الشفقة: ميادينُ العملِ تنفضُهُم، ومنطِقُ الربحِ يرفُضُهُم!
ذلك أن منطقَ الربحِ النَّهِمِ لم يكن أبدًا ليتوافقَ مع طبيعة المدرسة كمحضنٍ للتربية والمعرفة، وسيادةِ الفهمِ الصحيحِ لمكانة العلم ومكانةِ السوق، وليس مُتاحًا أمام الرأسمالِ أن يستأسدَ بمنطقهِ إلا من خلالِ سيطرته على محاضن التربية والتعليم، وتوجيههِ الإعلامَ بشتى أنواعه لتغيير قناعات الناس، فإذا كان السوق قد انْحَطَّ من أنظارهم بالأمس، فإنه اليومَ محورُ الحياةِ كلها، يخترقُ الإعلامَ والشوارعَ والأحياءَ والدُّورَ والمحلاَّتِ والإداراتِ إشهارًا وإعلانات، والعقولَ والنفوسَ ومجرى الدَّمِ ومعاقدَ القلوبِ طُيُوفًا وخيالات، فلا يَفِرُّ المرءُ منها إلا ليقعَ فيها، فهي تلاحقه أينما حلَّ وارتحل، وتَجِدُّ في طلبهِ بإغراءاتِها وألوانها وموسيقاها وصورها، وتخاطب فيه الجانبَ الحيوانيَّ بما تُجَسِّدُهُ أمامَهُ من مفاتنَ وعُري، وما تُكَرِّسُ من ثقافةٍ ساقطةٍ هابطة، فلا يجد من سبيلٍ للفرارِ منها إلا أن يستجيبَ لها.
هكذا يُفرِغُ منطِقُ السوقِ برامجَ التعليم من كلِّ معنًى تربوي، ويُفقِرُها من المعرفةِ إلا ما يخدُمُ مصالحَه، فيقصُرُ النظرُ عن فهم حقيقةِ المجتمعِ والتاريخِ وسُنَّةِ اللهِ في الكون، كأنما أفواجُ المتمدرسينَ " مواردُ بشريةٌ " لا تعِي إلا أنها آلاتٌ صمَّاءُ عمياءُ لتحريكِ دواليبِ المقاولة.
آلاتٌ بشريَّةٌ غَمَرَتْهَا المصالحُ والتنافس، فتجرَّدَتْ من معنى الإنسان، لأن طواغيتَ المال يصوغونهُ بحسبِ حاجةِ السوقِ إليه، وبما أن طبيعةَ الاقتصادِ الرأسماليِّ تنافي الاستقرارَ والتخطيط، فإن الإنسانَ عرضَةٌ للتَّقَلُّبِ كلما تَقَلَّبَتِ الأسواقُ واختلفت حاجاتُ أربابِ العمل، ولا يتورَّعُ أصحابُ المقاولاتِ أن يُجَرِّدُوا الإنسانَ من معناهُ مقابلَ الربح، ويُطَالِبُوا العمالَ بالتطور المستمر سلوكًا وتعليمًا للتكيُّفِ مع بيئة الإنتاج المتقلبة، وتكونُ حُجَّةُ التحولِ التكنولوجي وتغيُّر المنتَجَاتِ كافيةً لتكييفِ التعليمِ والمدرسةِ مع متطلبات السوق، وتحويلِ العاملِ إلى طاحونةٍ تدورُ في حلقةٍ مفرغةٍ لا معنى لها إلا أنها آلةُ إنتاج، يتعين عليها التكوينُ المستمرُّ طوالَ الحياةِ حتى تَظَلَّ منتجةً وقابلةً للتشغيل، يَسْتَنْزِفُ استغلالُها الدائمُ من أربابِ المصالحِ طاقتها فلا تنفعُ لغير الإنتاج، ولا تنتفعُ منه في شيء، ويحجبُها عن نفسها والغايةِ من حياتِها ومصيرها الأخروي، وتُحْرَمُ للأبَدِ فرصةَ تلقي أيِّ معرفةٍ إلا ما ينفعُ مستخدِمِيها، وتتحوَّلُ المعرفةُ إلى مُنْتَجٍ بَخْسٍ مُعَرَّضٍ للتَّلف.
وينخَدِعُ المتعلِّمُونَ والعمَّالُ بضجيجِ الدعاية، ولا ينتبهون إلى حقيقةِ استخدام التعليم أداةً في المنافسة الاقتصادية، ويحسبونَ " معارفَ المستقبل " و" التعليم العَمَلي " غايةَ الغاياتِ ومنتهى النهايات، ويُشفِقُونَ على من يَقْضُونَ أوقاتَهُم في دراسةِ التاريخ والأدب وعلوم الحياة، ويكون عندهم أنفع من ذلك كلِّهِ تعلُّمُ كيفية تشغيل برنامجٍ معلوماتيٍّ جديد، أو استعمالُ آلةٍ جديـدة وفهمُ طبيعةِ منتَجٍ جديد.
أما الطاقاتُ البشريةُ المبدعة التي تجاوزت تلك المستويات الأولية فيتم استقطابُها من مراكز الإنتاج العالمية، لأن فلسفة " سوقنةِ العالم " تقضي بتوحيدِ السوق العالمية، والاستفادة من الطاقات المتعلمة بغير حدود، وهو ما يعني في حقيقة الأمر استفادةَ السوق المهمينة وخسرانَ الدول المُفَقَّرَةِ لأبنائها المتفوقين، فلا تقدرُ على المنافسةِ ولا مواجهةِ طغيان العولمة الاقتصادية، ومع تدهور أوضاعها الداخلية على جميع المستويات تتضاعفُ أعدادُ شبابِها الجامعيِّ المهاجرِ سنةً بعد أخرى.
وتتغَيَّرُ القناعاتُ بشكلٍ لا شعوري، فتغدو المعرفةُ سوقًا والسوقُ معرفة، وتغزو روحُ الاستهلاكِ المدارس، فتتربى الناشئةُ في مناخٍ اِستهلاكيٍّ حار، تسيطرُ على مخيلتها الصور والألوانُ التي تشاهدها في التلفزة والأنترنت والمجلات والجرائد ولافتاتِ الإشهار في الشارع، ويتولَّدُ لديها الشعور بالحرمانِ كلما تطلَّعت للمزيد، وليس يشفي غليلَها من ذلك شيءٌ مهما كَدَّ الآباءُ واجتهدوا في إرضاء فلذات أكبادهم، ومهما بَذَلُوا لتربيتهم على القيم لم يُدْرِكُوا إلا فائدةَ المزايا المادية، وقَصُرَ فهمُهم للمجتمع والحياةِ في ظلِّ تعليم السوق وسوق التعليم.
ولا بأس من التضحيةِ بأيِّ شيءٍ في سبيل الاستهلاك، ولا بأس أن يدفعَ أبناؤنا الثمن، وأن تدفَع بهمُ البرجوازية العالمية إلى أحضانِ المدارس الاستثمارية، ليكونوا من بين ملايينِ الزبائن المخلِصين لها في أنحاء العالم، فهيَ لا تُقَيِّمُ إلا بالأرقام، ولا تُعَلِّمُ إلا الأرقام، وتُرَبِّي بالأرقام! وترى في التعليم مجالا رائعا لاستثمار أموالها واكتساب الأرباحِ الطائلة.
وأمام هذ الإغراء، لا يبقى للأبناءِ قيمةٌ ولا للشباب ولا للشيوخ، وتبالغُ الميزانياتُ العامة في تشجيع التعليم الخاص، فتتضاءل بالمقابل ظروف العمل في قطاع التعليم العام بسبب برامج التكييف الهيكلي، ومع تزايُدِ احتياجاتِ السوقِ والاستهلاكِ لا مناصَ من توسيع عملية تسويق التعليم على امتدادِ مراحل الحياة، ولو بتعليمِ الكهولِ والعجائز كيف يقرأونَ علامةً تجارية، ويفهمونَ إعلانًا إشهاريا.
فالرأسمالُ العالميُّ ينزَعِجُ من شريحةٍ عريضةٍ أمِّيَّةٍ لا تعرف القراءةَ ولا الكتابة، فيفرِضُ بمؤسساته على الدول المُصَنَّفَةِ في العالم الثالثِ أن تعلِّمَ مواطنيها، فتنظِّمُ دروسَ محو الأمية على نطاقٍ واسع، وتستخدم في الترويج لها أبواق إعلامها، فيتقاطرون عليها دون أن يشعُروا بأنهم زبائنُ يتم إعدادُهم للاستهلاك، ويتلقون المبادئَ الأولية للقراءة والكتابة حتى يتمكن الواحد منهم أن يقرأ بوضوح : إشرب كوكاكولا!
لم يَكُنْ في حسبانِ الاقتصاد العالميِّ المستكبرِ يوما أن يُقدِّمَ خدماتٍ إنسانية، لكنه أقدم عليها عندما أَحَسَّ بقيمة مردوديتها وتأثيرها المباشرِ على الاستهلاك، فليس فيما يقومُ به أو يمَوِّلُ من مشاريعَ تظهرُ عليها اللمحة الإنسانيةُ إلا المصالح، فليس يؤمنُ بدينٍ إلا دين الاستغلال، ولا مبدإ إلا مبدأ الربح والمنافسة، ولا قيمةٍ إلا القيمة المادية والاستزادة من تحصيلِ الفوائد، ولا يطمحُ إلا لمزيدٍ من الإنتاج مقابلَ استهلاكٍ مضاعَف.
دائرةٌ مفرغةٌ يدورُ فيها الإنسانُ الذي لم يَعُدْ يصلُحُ إلا للاستهلاك، وآلةُ إنتاجٍ لاتتوقفُ لحظةً إلا لتعمَل، وتنافسيَّةٌ عمياءُ لا يَبِينُ لها غيرُ الربح، تُغرِقُ بلدانَنَا الْمُفَقَّرَةَ الْمُجَهَّلَةَ في محيطِ الاستهلاك، وتَغْمُرُ كيانَ الإنسانِ من المهدِ إلى اللحد بما تتقنُهُ من ألوان الإشهار وفن التسويق، حتى يفقدَ معناهُ وجدوى تصرفاته، ويدفع به التعليم المُسَوَّقُ الذي تربّى في أحضانه إلى الاستهلاكِ باستمرار، ولا يسألُ الرأسمالُ المتوحِّشُ عن فائدةِ الإنتاجِ ولا عن مدى قدرة المواردِ والموادِّ الخامِّ على توفيرِ المزيد، فليس يهمه إلا أن يستمرَّ الاستهلاكُ بمزيدٍ من الدعايةِ والإشهار، ولو بتدجينِ عقل الإنسانِ حتى يَظَلَّ يلهثُ في طلبِ المنتجاتِ وإن فَرَغَتْ منها الأسواق، ولو برَهْنِ مصيرِهِ وحاضِرِهِ ومستقبلِه بها، وغزْوِه في سائر الميادينِ والمجالاتِ التي تتكوَّنُ فيها شخصيتُه، حتى تتشَكَّلَ وتَصَاغَ بما يريدُهُ السوق، ولو بحرمانهِ وتعاستِهِ من أجلِ رفاهيةِ وسعادةِ أربابِ المال.
وفي بلداننا المحرومة تتدخل الاتفاقيات العالمية وصندوق النقد الدولي لتفرضَ عليها التوجهَ التسويقيَّ للتعليم، فتَزُجُّ به في واقعِ غريبٍ عليه، وتُخضِعُهُ لدكتاتوريَّةِ السوق العالمي، وتجعلُهُ رهنَ إشارتهِ وفي خدمتِهِ المباشرة، وتعيدُ بالتالي تفجيرَ الأوضاعِ الداخلية، مع أن أوضاعنا الداخلية غيرُ قادرةٍ على مزيدٍ من التحمل، فكيف بها إذا غزاها السوقُ في ميدانٍ يضُمُّ مئاتِ الألوف من الناشئةِ والشباب؟
ويتزايدُ التدخل الأجنبيُّ السلبيُّ فلا يَجِدُ منا إلا وَهْنًا وتخاذُلاً واستسلاما، بل وفي كثير من الأحيان نُتِيحُ له من الإمكانيات أكثرَ مما كان يطمحُ إليه، ونفتحُ أمامَهُ من الأبوابِ المُشرَعَةِ ما لم يكن في حسبانِ أطماعِه، وقد نال تعليمُنَا المُسَوَّقُ من ذلك النصيبَ الأوفر، وأصيبَ في مقتَلٍ عندما جُرِّدَ من مضمونه التربوي.
[1] ظهرت منظمة التجارة العالمية للوجود في يناير 1995، عندما حلّت محلّ الاتفاقية العامة حول التعريفات الجمركية والتجارة (الغات)، وهي سلسلة من المفاوضات المفتوحة المعروفة بدورة الإرغواي التي اختتمت أعمالُها في مراكش 1994 بتوقيع 120 دولة على اتفاق إنشاء منظمة التجارة العالمية ، ومن بين ما أقرته في اجتماعاتها إخضاع الخدمات الاجتماعية وتجارة المواد الأولية والمنتجات الفلاحية لإرادة الشركات المتعددة الجنسيات، أما الاتفاق العام حول تجارة الخدمات AGCS فلا يضم قوانين واتفاقات كاملة، وإنما هو عبارة عن منتدى مفتوح تتواصل فيه المفاوضات لأجل تحقيقِ غايةِ تحريرِ التجارة تدريجيا وعبر مراحل، فضلا عن إخضاع مختلِف الخدمات الاجتماعية لمنطق السوق وملاءمة سائر التشريعات القانونية في مختلف الدول لهذه الغاية، وقد تداول ممثّلو الدول الأعضاء في الندوات الوزارية المختلفة 12 قطاعا اِجتماعيا منها التعليم.
[2] المسند الصحيح/ 671، كما أورده الشوكاني في السيل الجرار 1/178، والألباني في صحيح الجامع/ 167.
[3] رواه الطبراني في الأوسط 2/ 114 ـ 115، وأورده المنذري في الترغيب والترهيب 1/ 82، والهيثمي في مجمع الزوائد 1/ 128، والألباني في صحيح الترغيب 83.
- التفاصيل
- كتب بواسطة: ناصر بوصوري
- الزيارات: 6
فن الترسل
بقلم:ناصر بوصوري*
البريد الإلكتروني:
لاشك أن أدب الرسائل قديم جدا وله صفحات مضيئة في تاريخ الأدب العربي وقد أُلِّفَتْ فيه كتب ودواوين كثيرة ونهج كل أديب منهجا يختص به.
والرسائل فن أدبي ازدهر وانتشر في القرنين الثالث والرابع الهجريين خاصة عندما بلغت الحضارة العربية الإسلامية قمة العطاء في مختلف الميادين والمجالات.
وهو فن نثري يُظْهِرُ مقدرة الكاتب وموهبته الكتابية وروعة أساليبه البيانية المنمقة القوية.
و لم تكن الكتابة شائعة بين العرب في الجاهلية، ولهذا السبب لم يكن للرسائل دور في حياتهم الأدبية في ذلك العصر لقلة الدواعي إليها. وإنما ازدهر عندهم الشعر والخطابة والحكم. وعندما جاء الإسلام تغيرت الحال و ظهرت مفاهيم جديدة لم تكن معروفة من قبل فرسول الله ـ صلى الله عليه و سلم ـ كان يشجّع المسلمين على تعلم القراءة والكتابة،لذلك وجدناه في غزوة بدر الكبرى يطلب ممن يحسنون الكتابة والقراءة من كفار قريش الذين كانوا أسرى في أيدي المسلمين أن يعلموا عددا معينا من أبناء المسلمين لقاء فدائهم،وما ذلك إلا لخطر الكتابة وعظمة شأنها,فهي كالمال بل أكثر من المال، وقد اتخذ الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ كُتَّابًا يكتبون له القرآن الكريم، ويكتبون رسائله التي كان يبعث بها إلى رؤساء القبائل، وزُعَماء المناطق، وملوك الدول و قد كانت الرسالة أول اتصال بالعالم الخارجي للرسول الكريم و لم يكن لا الشِّعر و لا الخطابة قادرين على أداء الدور العملي الذي تؤديه الرسالة حين تنقل ما يتصل بسياسة الدولة من مراسيم سياسية أو توجيهات أوتعليمات إدارية ومن هذا التاريخ نافس الكاتبُ الشاعرَ والخطيب وأصبح له منزلة خاصةٌ.
و استمر تشجيع الخلفاء الراشدين على تعلم القراءة و الكتابة و اتخذوا لهم كتابا هم أيضاً يكتبون إلى الولاة وقادة الجيوش الفاتحة التي انتشرت في مختلف الأصقاع لنشر رسالة التوحيد.
و رسائل صدر الإسلام عموما« غالبًا ما تبدأ بالبسملة ثم يأتي بعدها تعابير من قبيل :من محمد رسول الله أو من خليفة رسول الله ،أو من أمير المؤمنين .وقد تبدأ الرسالة باسم الرسول مباشرة مثل:"هذا كتاب من محمد رسول الله ".وإذا كانت الرسالة موجهة إلى مسلم فإنَّ خير ما تستهل به "سلام الله عليك".أما إذا كانت موجهة لغير المسلم فإن ما تستهل به هو"السلام على من اتبع الهدى" و تأتي بعد السلام مباشرة التحميدات مثل :"فإني أحمد الله"أو "أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو "وقد يرد فيها ذكر التشهد أيضًا أو يكتفي فيها بعبارة :أما بعد. » ([1])
و عندما آل الحكم إلى بني أمية وأراد معاوية بن أبي سفيان أن يطور شؤون الدولة الإسلامية؛ أنشأ ديوان الرسائل هذا الديوان يعنى بشؤون المكاتبات التي تصدر عن الخليفة إلى ولاته وأمرائه وقادة جنده وملوك الدول الأخرى. وقد كان الخليفة ـ في بداية الأمر ـ هو الذي يُملي الرسائل على كاتبه، ثم بمرور الزمن أخذ الكاتب يستقل بكتابة الرسائل، ثم يعرضها على الخليفة وكان أسلوب الرسائل آنذاك تغْلبُ عليه البساطة والوضوح، ويخلو من التأنق والتصنّع كما حدث ذلك لاحقا و شهد فنُّ الكتابة نقلة ً كبيرة في عهد هشام بن عبد الملك عندما تولى مولاه سالم رئاسة ديوان الرسائل في عهده، ثم في عهد مروان بن محمد، آخر خلفاء بني أمية، الذي تولى أمر ديوانه عبد الحميد بن يحي الكاتب*. فقد عُرِف عبد الحميد بالبراعة في فن الترسل حتى غدت مكاتباته مضرب المثل في الجودة والإتقان، حتى قيل:"بدئت الكتابة بعبد الحميد ".
و قال عنه جرجي زيدان في "تاريخ آداب اللغة العربية"(فتحت الرسائل بعبد الحميد و ختمت بابن العميد**) ومن رسائل عبد الحميد المشهورة رسالته التي كتبها عن مروان إلى ابنه وولي عهده عبد الله حين وجهه إلى محاربة الضحاك بن قيس الشيباني الذي ثار في العراق، ورسالته التي وجهها إلى عمال مروان بن محمد بالأمصار يأمرهم بمحاربة لعبة الشطرنج، ورسالته التي وجهها إلى الكُتَّاب وأصبحت دستورًا لمهنة الكتابة.وعندما قامت الدولة العباسية أخذ خلفاؤها هم الآخرون يولون كتابة الرسائل عناية أكثر من سابقيهم، ولهذا السبب كثر الكُتَّاب، ونبغ كثير منهم في فن الترسل، وازداد التنافس بينهم ولا غرابة في هذا، لأن العمل في ديوان الرسائل أصبح مصدر رزق لهم، وغدا التفوق في فن الترسل وسيلة للحصول على ولاية أحد الأقاليم، بل إنه غدا مؤهِّلاً للوصول إلى منصب الوزارة، ونستحضر في هذا المجال أسماء: يحيى بن خالد البرمكي، وابنه جعفر، ومحمد بن عبد الملك الزيات، وأحمد بن يوسف الكاتب، وابن العميد، والصاحب بن عباد، وعبد العزيز بن يوسف، وضياء الدين بن الأثير وغيرهم ممن أوصلتهم هذه الصنعة وهذا الفن إلى ما كانوا يطمحون إليه من نيل لأعلى المناصب فقد كان لا يصل إلى تولي ديوان الرسائل إلا من حسنت سيرته وذاعت شهرته و كان فارس بلاغة و صاحب إتقان و جودة في تدبيج و تطريز الرسائل.
وقد بلغ فنُّ كتابة الرسائل أَوْجَهُ في القرنين الثالث والرابع الهجريين، بحيث يمكن لنا أن نصف هذين القرنين بأنهما يمثلان الفترة الذهبية لهذا الفن.
وتنقل لنا الكتب أن« أول من وضع البريد ،معاوية بن أبي سفيان ولم يكن البريد،عندئذ مثل ما نعرفه الآن في نقل الرسائل،و إنما كان مقصوراً على نقل ما يهم الدولة و رجالها ،كما كان صاحب البريد في كل كورة ،بمثابة عين للخليفة يكتب إليه بكل ما يقع عليه بصره ،أو يصل إلى أذنه من أخبار.»([2])
غير أن هذه الصناعة أصاب سوقَََهِا الكسادُ في عصور الضعف حتى غدت الرسائل ضربا من التفنن في جمع الألفاظ و رصها إلى بعضها، ثم ابتليت الأمة بعد ذلك باستعمار بغيض ضعفت أثناءه الكتابة عموما والرسائل خصوصا،وعمَّ هذا الضعف حتى كاد فن الترسل أن يمّحي لولا بعض الأدباء الذين أبقوا على حياته بفضل ما سطرته أقلامُهم من روائِعَ، أما في وقتنا الراهن فقد صارت كتابة الرسائل لاتخطر على بال أحد من الناس ذلك أن التكنولوجيا الحديثة قد قضت أو كادت تقضي على فن الترسل برسائل مقتضبة و قصيرة تكتب على أجهزة الهاتف النقال أو في أحسن الظروف على البريد الإلكتروني فتأتي باردة خالية من العواطف والأحاسيس ولعل الحنين إلى فن الترسل يذكي في نفوس الناس قبسًا من نور فتعود كتابة الرسائل إلى سابق عهدها و يولد جيل جديد يعيد إلى الكتابة ألقها فنرى جاحظًا جديدا وعبد الحميد الثاني في الكتابة و غيرهما من الذين منحوا حياتهم وجهدهم لفن الكتابة والترسل.
أـ معناه اللغوي و الاصطلاحي: قبل أن نلج إلى موضوعنا لابد من طرح أسئلة من قبيل:ما معنى الترسل؟ وما معنى أدب الرسائل ؟و من نّظر لهذا الفن أو الصنعة؟و ما هي أنواع الرسائل الأدبية؟ وهل لأدب الرسائل كأحد الفنون النثرية ارتباط بغيره من أنواع النثر الأخرى؟وما هي خصائصه الفنية والبنائية؟ وغيرها من الأسئلة التي تطرح في هذا الباب.
جاء في لسان العرب لابن منظور في باب الراء:
«و راسَلَهُ مراسلة،فهو مراسل و رسيل و الترسّل كالرسل و الترسل في القراءة والترسيل واحد،قال:و هو التحقيق بلا عجلة.و في موضع ثان قال:الترسل من الرسل في الأمور و المنطق كالتمهّل والتوقّّر والتثبُّت، وجمع الرسالة الرسائل .
قال ابن جنية:« الترسل في الكلام التوقر و التفهم و الترفق من غير أن يرفع صوته شديداً.
و الإرسال:التوجيه،و قد أرسل إليه،و الاسم الرسالة و الرَّسالة و ا لرسول والرسيل ،الأخيرة عن ثعلب ،و أنشد:
|
لقد كذب الواشون ما بحت عندهم |
|
بليلي ،و لا أرسلتهم برسيل |
و الرسول بمعنى الرسالة ،يؤنث و يذكر،فمن أنَّث جمعه أرسلا ، قال الشاعر:
قد أتتها أرسلي
و يقال :هي رسولك.و تراسل القوم:أرسل بعضهم إلى بعض.والرسول.الرسالة والمرسل وأنشد الجوهري في الرسول الرسالة للأسعر الجُعفي:
|
ألا أبلغ أبا عمرو رسول |
|
بأني عن فتاحكم غني . |
عن فتاحكم أي حكمكم .
وفي التنزيل العزيز
و الرسول:اسم من أرسلت و كذلك الرسالة. » ([3] (
كما جاء في مختار الصحاح في مادة رسل:« راسله مراسلة فهو مراسل ورسيل.و أرسله في رسالة فهو مرسَل (بفتح السين) و رسول و الجمع رسل (بتسكين السين و ضمها) و الرسول أيضا:الرسالة. » ([4])
و هو أيضًا ـ أي الترسل ـ « من ترسل ترسلاً ،وهو كلام يراسل به من بعُد أو غاب فاشتق له اسم الترسل،والرسالة من ذلك ،و الترسل مبني على مصالح الأمة،وقوام الرعية،لما يشتمل عليه من مكاتبات الملوك،و سَراة الناس في مهمات الدين،وصلاح الحال وبيعات الخلفاء و عهودهم إلى غير ذلك. » ([5])
أما الزمخشري في "أساس البلاغة" فقد ذكر في "باب رسل" ما يلي:« راسله في كذا.وبينهما مكاتبات و مراسلات، وتراسلوا، و أرسلته برسالة وبرسول.وأرسلت إليه أن افعل كذا.و أرسل الله في الأمم رسلاً. » ([6])
أما الرسالة فتعريفها لغة: «هي كل ما يرسل أو هي الكلمة شفوية أو مكتوبة يبلغها الرسول أو يحملها إلى من ترسل إليه، وهذه الكلمة تختلف طولاً وقصرًا على حسب موضوعها. » ([7])
و الرسالة تكون كتابة كما تكون مشافهة كما يقول الشاعر الجاهلي زهير بن أبي سلمى في معلقته:
|
ألا أبلغ الأحلاف عني رسالة |
|
و ذبيان هل أقسمتم كل مقسم مقسم |
و نجد هذا المعنى أيضًا في قول كعب بن زهير:
|
ألا أبلغا عني بجيرا رسالة رســـالة |
|
على أي شيء ديب غيرك دلّـَكا |
|
على خلق لم تلف ابنا و لا أبا |
|
علـيه و لم تدرك عليه أخا لكا |
ومن الكتب القديمة التي اهتمت بتعريف الترسل و الرسائل كتاب نقد النثر لقدامة بن جعفر حيث جاء فيه: «والترسل من تراسلت أترّسل ترسّلاً و أنا مترسل،و لا يقال ذلك إلا لمن يكون فعله في الرسائل قد تكرر،وراسل يراسل مراسلة فهو مراسل؛و ذلك إذا كان هو ومن يراسله قد اشتركا في المراسلة، و أصل الاشتقاق في ذلك أنه كلام يراسل به من بَعُدَ أو غاب،فاشتق له اسم الترسل و الرسالة من ذلك» ([8])
- التفاصيل
- كتب بواسطة: د.عبدالرحمن أقرع
- الزيارات: 9
ترجمة: د.عبدالرحمن أقرع

التعرض للنباتات يحدث في عدة مهن منها:
*بائعو الزهور
* العاملون في محلات البقالة
* العاملون في البيئة الخارجية لا سيما المزارعين والعاملين في الغابات .
ومما لا شك فيه أن أية مهنة يحتك أصحابها بالنباتات قد تفضي إلى التهابات جلدية ناجمة عن النباتات.
ومن المهن الأخرى التي قد يتعرض أصحابها لذلك:
*البستانيون
*حافظو الأطعمة
*الصيادلة
*النباتيون.
في الولايات المتحدة الأمريكية يشكل العاملون في الزراعة الشريحة الأكبر من حالات الالتهابات الجلدية الناجمة عن النباتات، حيث تشكل النسبة السنوية لظهور هذه الالتهابات ما يقرب 39.9 % في أوساطهم.
أما الصناعيين فيأتون في المقام الثاني بعد الزراعيين وتظهر لديهم الالتهابات الجلدية المذكورة بنسبة 14.8 % سنوياً.
نصف هذه الحالات عائدة إلى النباتات غير المسيجة، الأشجار ، والخضرة الطبيعية ، أما 10% منها فتعود إلى ملامسة المواد الغذائية (الخضروات والفواكه أثناء قطفها.
وسنستعرض فيما يلي أبرز أشكال هذه الالتهابات لدى أرباب المهن المختلفة
نسبة الإصابات في أوساط بائعي الأزهار غير معروفة ،فالالتهابات الناتجة عن المهيجات أقل من الملامسة الأرجية (التحسس) وربما أقل أهميةً.
هنالك دراستان أمريكيتان قدرتا نسبة حدوث الالتهابات في أوساط باعة الأزهار ب 8% (التهابات اليدين تحديداً) ، فيما قدرتها دراسة برتغالية ب 29.8% سنويا، ونتائج البرتغاليين هذه قريبة من دراسة أمريكية ثالثة قدرتها بنسبة 26% سنوياً.
ونشير هنا كذلك على دراسة بريطانية أكدت أنه لدى 46% من العاملين في مجال الأزهار ظهرت التهابات في الكفين ولو لمرة واحدة في مرحلة ما من حياتهم المهنية، ولم تؤكد أية من الدراسات المذكورة أية علاقة بين التهاب الجلد و الأرجية التأتبية (أتوبي)
بيد أن الأهم في هذه الدراسات جميعا هو حقيقة أن التهابات اليدين الجلدية هي من النوع الخفيف ، والمرحلي ، وذاتي الشفاء.
مصممو الأزهار هم الأكثر عرضة لهذه الالتهابات بين العاملين في مجال الأزهار ، وهنالك دراسة إيطالية طريفة في أربع مراكز لتربية الأزهار قد بينت أن 25% من بين 200 عامل قد عانوا من التهابات جلدية في اليدين بسبب مهيجات ميكانيكية ، و12% منهم من التهابات عائدة إلى المواد الكيماوية المستخدمة ، و8% من التهابات ناجمة عن مبيدات الأعشاب والحشرات والفطريات ، و5% فقط من التهابات ناجمة عن تفاعلات أرجية (تحسس) بسبب ملامسة النباتات.
ويختلف شيوع مثيرات الأرجية في أوساط العاملين في الأزهار حسب اختلاف الدراسات ، بيد أن الواضح ان هنالك ثلاث مُحّسِّسات هي:
* بريمين
*سيسكويتيربين
* توليبالين-أ.
وفي دراسةٍ أجريت على 71 شخصاً من الجنائنيين وباعة الزهور تبين لاكتونات السيسكويتيربين تتسبب في التهاب جلدِ تماسي أشد وطأة من توليبالين-أ أو بريمين ، فيما وجدت دراسات أخرى أن الزنابق والألسترويميريا (توليبالين-أ) تعتبر الأقوى أرجيةً (جلباً للتحسس)، فيما ذهبت دراسة أخرى إلى أن أكثر النباتات إحداثا للتحسس هي زهرة الربيع ( بريمولا أوبكونيكا) فيما لم تكن هذه الزهرة من بين النباتات الأرجية الشائعة حسب دراسات أخرى لأن العمال كانوا يعرفون ذلك فيتخذون الإحتياطات اللازمة، أو ربما لأن معظم الجنائيين لا يستنبتونها ، وأن معظم التفاعلات الأرجية العائدة إليها تتم في بيئة غير مهنية. ورغم أن قفازات المطاط تحول دون اختراق توليبوسيد-أ للجلد إلا أن قلة من العمال تستخدمها.
كذلك فإن الحكة الدافوليدية الناشئة عن حمل النرجس تعتبر أهم الأسباب في إحداث التهاب الجلد التماسي نظراً لاحتوائها على أوكسالات الكالسيوم في عصارتها.

التهاب الجلد الضوئي نباتي المنشأ، والذي ينشأ من ملامسة الكرفس يعتبر السبب الرئيس للالتهابات الجلدية المهنية في محلات الخضار .
ويزداد خطر احتمالية الإصابة بالتهاب الجلد الضوئي نباتي المنشأ بتوفر عاملين:
زيادة التعرض للمادة الطازجة (وخصوصا الكرفس) ، وعمل حمام شمسي ( أي التعرض للأشعة فوق البنفسجية).
فقد أثبتت إحدى الدراسات أن نسبة حدوث التهابات الجلدية الضوئية النباتية المنشأ وصلت 41% بين أوساط الذين يعانون من عاملي الإخطار المذكورين مقارنةً بأولئك الذين لا يعانون منهما.
من أهم المسببات للالتهابات الجلدية التماسية خارج المنزل والعائدة إلى النباتات يأتي الإلتهاب الناجم عن السماق وعن البلوط ، حيث أن 0.11% من تعويضات العمال تكون بسبب تأثير هاتين النبتتين.
وبالنسبة لدائرة الخدمات الزراعية والغابات فإن 10% من فقدان ساعات العمل ناجم عن السماق السام.
كما وتختلف الالتهابات باختلاف المناطق، فتلك الناجمة عن السماق مثلا تكثر في كاليفورنيا وواشنطن ، اما تلك الناجمة عن البلوط فتكثر في إلينويس، وويست فيرجينيا والميسيسيبي.
هنالك أنواع من السماق لا تشكل خطراً نظرا لميلها للنمو في الأماكن غير المأهولة، مع أنه سبب الوباء للعاملين في (ديزني لاند في فلوريدا).
وعلى رجال الغابات اثناء مكافحتهم للحرائق مثلاً لا يملكون وسائل للوقاية من هذه النباتات، ولهذا فإن ما يقرب ال 25% من إطفائيي الغابات يضطرون لترك المطافئ نظرا لاصاباتهم بالتهابات جلدية ناجمة عن بعض أنواع السماق. وهؤلاء بإمكانهم الإفادة من بعض الواقيات الجلدية، وفي الحقيقة فإن خدمات الغابات هم من قاموا بأولى الدراسات حول العناصر العضوية فيها.
غالباً ما يعاني عمال الغابات من ( اكزيما قطاع الأشجار) والتي هي تفاعلات أرجية ناجمة عن انتشار لاكتونات سيسكويتربين في الهواء ، والتي تخرج من حبيبات على جذوع الأشجار في سمال المحيط الأمريكي والكندي.
وفي البرتغال فإن التهابات (فرولانيا-الحبيبات الحية) والالتهابات الجلدية الأشنية lichen dermatitis تبلغ نسبتها 12% من الالتهابات الجلدية النباتية التي تصيب العاملين في مجال النباتات خارج المنازل.وتسوء الالتهابات في أشهر الشتاء الرطبة ، وتتوزع على هيئة التهابات في الجفنين والوجه ولكنها لا تصيب منطقة ما تحت الذقن وهذا يوحي بتوزيع الراتينج الزيتي مع ماء الأمطار
- التفاصيل
- كتب بواسطة: خليفة بولفعة
- الزيارات: 7
مدخل إلى النظريات التداولية (3)
إعداد :خليفة بولفعة
المرجعية/ الإشاريات
بالرغم من الأهمية الكبيرة لـ "مفهوم المرجعية في اللغة ، فإن اللسانيات التقليدية لم توله أي عناية نظرا-كما يقولون –لطبيعتها غير اللغوية ، إذ أنه يستحيل الجمع بين علامات مختلفة من حيث طبيعتها ودراستها في مجال واحد.وأشهر من ادعى ذلك "جريماس" الذي رفض الافتراض اللغوي الذي يعرف الدلالة بأنها تمثل العلاقة بين العلامات والأشياء ، ويرفض على الخصوص الرجوع إلى الأشياء لتفسير العلامات اللغوية "([1]).
غير أن هذه الحجج لم تقاوم المد الكبير الذي عرفته الدراسات اللغوية الحديثة، خاصة تلك المتمثلة في إعادة النظر في الكثير من هذه المفاهيم و التصورات، فقد تمكن الكثير من العلماء من طرح "...إشكالية العلاقة بين الخطاب والعالم الواقعي مثلما فعل ذلك "كلود ليفي ستروس" مؤكدا أن التجربة الحياتية المعيشة هي التي تشكل الحقل المرجعي ، وأن الشيء المدرك لا يكفي أبدا لتحديد المرجع، بينما يرى "أسوالد ديكرو" أن المرجعية هي: " العبارات التي تسمح للمتكلم بالإشارة إلى المخاطب أو إلى عدة أشياء خاصة من عالم الخطاب، أكان هذا الخطاب حقيقيا أم خياليا"([2])
ويجب التذكير هنا أن "سباربر" و"ويلسن" كانت لهما نظرة معرفية إدراكية حول اللغة، فوظيفة اللغة،بالنسبة إليهما ، هي أولا وقبل كل شيء ، تتمثل في تقديم المعلومة وتسمح للأفراد بزيادة مخزونهم المعرفي ، عن طريق التواصل بينهم ،بحيث يكون هدف كل نظام إدراكي معرفي هو بناء تمثيل للعالم ، الذي بإمكانه أن يتطور في أي لحظة"([3]).واللغة في هذه الحالة، يكون وجودها قمينا بهذه العلاقة المتمثلة في تشكيل مجموعة من البنى المرتبطة بالتجربة التواصلية بين الذات وموضوعها.
ولا يمكن أن نتصور تواصلا فعالا دون الإحالة إلى مرجعية ما،ولا نستطيع أن نفهم الدليل اللغوي دون مواضعة بين الأفراد ، أي الجدلية القائمة بين اللغوي وغير اللغوي. إن الكثير من الظواهر الخطابية لا يمكن فهمها خارج مرجعيتها،وأن العملية التواصلية لا تصبح فعالة إلا إذا اعتبرت هذا البعد التواصلي المرتبط بالعالم الواقعي والخيالي ، وما يحمله من مكونات اجتماعية وعقائدية وثقافية وإيديولوجية. وعلى هذا الأساس يورد "عمر بلخير" تعريفا لـ"جون ديبوا" مفاده أن المرجعية هي الوظيفة التي يتمكن من خلالها الدليل اللغوي من الرجوع إلى موضوع في عالم غير لغوي،واقعا كان أم خيالا. ويضيف قائلا: "عموما أن كل دليل لغوي يؤمن الرابط بين المفهوم والصورة السمعية وهو في ذات الوقت يعود على الواقع غير اللغوي. هذه الوظيفة المرجعية، تجعل الدليل في علاقة ،لا مع الأشياء الواقعية،بل مع العالم كما يدرك داخل المكونات الإيديولوجية لثقافة ما.فالمرجعية ترتبط بالموضوع الواقعي بقدر ما ترتبط بموضوع الفكر، مثل الإدراك المتعدد والمختلف لنفس الظواهر الطبيعية مثل ألوان قزح... " ([4]). وبذلك فإن هذه الوظيفة هي التي تجعل من الخطاب مرسلة فعالة من خلال ما يمثله من علاقة جدلية بين الفكر وإدراكه للواقع ، بين الذات وإدراكها لذاتها، وبين الذات وإدراكها لما حولها.
غير أن من أبرز ما تمثله إشكالية المرجعية هو التعبير عن الذاتية في اللغة ، خاصة في ما يسمى بالإشاريات والمبهمات ، مثل الضمائر وأسماء الإشارة التي هي من العلامات اللغوية التي لا يتحدد مرجعها إلا في سياق الخطاب التداولي، فهي ليس لها معنى في ذاتها بالرغم من ارتباطها بمرجع ، لكونه غير ثابت .ويتفق النحاة جميعا على أن الأسماء المبهمة يعنى بها أسماء الإشارة ، غير أن بعضهم يخصص هذه الصفة لأسماء الإشارة فقط([5]). والمرجعية تمثل توجه الخطاب وهويته، فبدونها لا يمكن للمرسل إليه فهم المرسلة الخطابية أو تفكيك شفراتها. إن كل عنصر من هذه العناصر لا يمكن فهمه خارج سياقه الخطابي ، فهي عناصر ملازمة للخطاب ، وفهمها يعد شرطا أساسا في تفسيره وتأويله ، وهذا ما يصطلح عليه بإنية الخطاب l'instance du discours.كما إنها عناصر موجودة في" المعجم الذهني دون ارتباطها بمدلول ثابت ، فلا يتضح مدلولها إلا من خلال التلفظ في الخطاب في سياق معين "([6]) ، وتعتبر هذه المبهمات عاملا رئيسا في تكوين بنية الخطاب ، من خلال القيام بدورها النحوي ووظيفتها الدلالية([7]) . و"لا يقف دور الإشاريات في السياق التداولي عند الإشاريات الظاهرة، بل يتجاوز إلى الإشاريات ذات الحضور الأقوى ، وهي الإشاريات المستقرة في بنية الخطاب العميقة ، عند التلفظ بها ، وهذا ما يعطيها دورها التداولي في إستراتجية الخطاب ؛ لأن التلفظ يصدر عن ذات تتميز بسمات خاصة، وفي مكان وزمان معينين، هما مكان التلفظ ولحظته،إذ تجتمع في الخطاب الواحد على الأقل ثلاث إشاريات هي ( الأنا ، الهنا، الآن) "([8]) .
2-1-2 أنواع الإشاريات
أ - الإشاريات الشخصية
تتجلى هذه العناصر خاصة في ضمائر الشخص الدالة على المتكلم ،أو المخاطب أو الغائب.
وبما أن هذه الضمائر هي ظواهر لسانية تساهم في إنجاز العملية التواصلية ، فإنها في هذه الحالة ستصبح مجرد فواعل نحوية إذا عزلت عن مرجعيتها التي تمنحها بعدها التداولي داخل الخطاب، ولذا فإن أي إشارة إليها في هذا الميدان ، تتطلب البحث في مرجعيتها. إن مجرد التلفظ بمثل هذه الملفوظات، تكون العملية التواصلية حينها ، قد أخذت بعدا تداوليا ؛ لما يوجد بين المتخاطبين من خبرات خاصة تحيل على الأبعاد الاجتماعية والثقافية والإيديولوجية التي تعتبر قواسم مشتركة بينهما.وهذا ما يفسر قول التداوليين من أن هذه المبهمات لا تحيل على أشياء موضوعية في العالم أو الزمان والمكان ، بقدر ما تحيل على الخطاب ذاته، وتكون خارج هذا الإطار فارغة من أي دلالة.
وعلى هذا الأساس يوضح "منغونو" أنه في حالة التلفظ بـ" أنا" و"أنت" ، يكون كل متكلم قد أعاد زمام اللغة لصالحه. ويشير هنا إلى أهمية هذه النقطة تكمن في اعتبار هذين الضميرين ، ليسا علامتين لسانيتين لنوع خاص من المبهمات ، ولكنهما قبل كل شيء ، عناصر تعمل على تحويل اللغة إلى خطاب([9]).وإلى قريب من هذا يقول "بنفنيست"Benveniste ،"...أن اللغة وضعت تحت تصرف مستعمليها أشكالا فارغة( ) تمكن المتكلم من الإحالة على نفسه في أي وقت اقتضت الحاجة لذلك،وهذه الأشكال الفارغة تجد لنفسها مضامين بمجرد أن ينطق بها المتكلم ضمن حال الخطاب، وهي( الأشكال الفارغة )- كما يشير إلى ذلك بنفنيست- لا يمكن إخضاعها للصدق أو الكذب، وتكون فارغة من كل مفهوم وموضوع "([10])
ولكن هذه النقطة اعتبرت مثار جدل بين كثير من الباحثين ، مثل "أوركيوني"Orecchioni،خاصة في اعتراضها على مفهوم الأشكال الفارغة مميزة بين الناحية المرجعية والدلالية لهذا المفهوم، بالإضافة إلى اعتراضها على كون الضمائر تحيل فقط على الخطاب،كما نسجل في هذا الشأن اعتراض "منكينو " المتمثل في كون المبهمات ( أنا/ أنت) لهما نفس الوظائف التي تتمتع بها الأسماء ، فهي تفتقر إلى مرجع حقيقي ، بل إنها بنيات تتحدد مرجعياتها من خلال القول أو أثناء إنجاز الخطاب، ومن هنا تكمن صعوبة تحديد مرجعية هته المبهمات خارج استعمالهما أثناء الكلام([11])
ومن ناحية الأبعاد الاجتماعية للضمائر ، أي أثناء توظيفها في وضعيات مختلفة في الخطاب، بحيث أن كل تلفظ من هذا النوع يكون إظهارا وبشكل واضح للبعد الاجتماعي لهذا التوظيف، وذلك لأن الضمائر هي التي تعبر عن الذاتية في اللغة، فبمجرد استعمالها من طرف الفرد تكون قد منحت بعدا نفسيا واجتماعيا خاصا للخطاب الذي هو بصدد إنجازه لأن :" ... استعمال كل جماعة لغوية لها يخضع لمجموعة من التعاقدات، ثم إن المتكلم بمجرد تلفظه بـ"أنا" يكون قد وضع أمامه وبطريقة آلية شخصا يقابله هو "أنت"([12]).ويخضع هذا الاستعمال للضمائر، إلى ما يشبه الحتمية الاجتماعية التي تمارس ضغطها على الفرد كلما حاول التلفظ فتكون له بالمرصاد، إنه لا يقول إلا ما يفرضه عليه هذا التعاقد الاجتماعي. غير أن التلفظ بهذه العناصر لا يتم خارج المحددات المكانية والزمنية.
ج- الإشاريات المكانية
وليست الضمائر وحدها قمينة بتحديد الذاتية أو الهوية في الخطاب، إذ أن هناك محددات أخرى ملازمة للأولى بشكل مطلق ، بحيث أن تلفظها داخل الخطاب يشير بشكل تلازمي إلى وجود الثانية ، وهذا ما يتعلق بالإشاريات الدالة على المكان الذي تتموقع فيه الذات المتلفظة في لحظة التلفظ . فعلاقة المكان بالمرجعية هو الحديث عن السياق الذي يجري فيه الكلام ، فالدلالة المرجعية لا تتجلى إلا من خلال النقطة المرجعية في الفضاء الذي ينجز فيه الكلام ، فإذا كان إسهام الإشاريات الزمنية في الخطاب، يبدو من خلال دلالتها على لحظة التلفظ ، فإننا نجد أن هذه المؤشرات المكانية تحدد مواقع الانتساب إلى نقاط مرجعية في الحدث الكلامي ، وتقاس أهمية التحديد المكاني بشكل عام، انطلاقا من التسمية أو الوصف أو التحديد([13]).
ب- الإشاريات الزمنية
إنها المحددات الزمنية التي تربط الزمن بالفعل في مرحلة أولى والزمن بالفاعل في مرحلة ثانية بغية تحديد مرجعيتها ، فيجب على المرسل معرفة لحظة التلفظ التي تصبح مرجعا زمنيا يعود إليه ، والمحددات المكانية التي ترد في الخطاب بشكل صريح أو ضمني. من الصعب أن نتصور متلفظا بـ"أنا" دون أن يكون هذا التلفظ إحالة على زمن معين ومكان يتم فيه هذا التلفظ ، وبعبارة أدق ، يستحيل إنجاز عملية تلفظية خارج هذه المحددات، حتى في الملفوظات المجازية والخيالية والأسطورية، فإنها تحيل على محددات افتراضية يبرزها السياق ، فمن الصعب الفصل بين المحدد الزمني والمكاني ، فكلاهما ملازم للآخر.
الهوامش
1- عمر بلخير، تحليل الخطاب المسرحي ،في ضوء النظرية التداولية ،ط 1،منشورات الاختلاف،2003،ص.64.
2 - لسانيات التلفظ وتداولية الخطاب ،مرجع سابق ،ص.92-93.
3 - http://www.isc.cnrs.fr/Prag_chap3.pdf
4- تحليل الخطاب المسرحي في ضوء النظرية التداولية،ص.64
5 - إستراتجيات الخطاب :مقاربة لغوية تداولية ،مرجع سابق ،ص. 80
6 - إستراتجيات الخطاب ،مرجع سابق ، ص.79
7 - المرجع نفسه ،ص.81
8- المرجع نفسه ،نفس ص
9- D.Maingueneau :Approche de l'énonciation en linguistique française ,Hachette,Paris p.34
10- الخطاب المسرحي في ضوء النظرية التداولية، مرجع سابق، ص.69
11 - D. Maingueneau, o p , c i t .p. 14
12- الخطاب المسرحي في ضوء النظرية التداولية، ص.72
13- إستراتجيات الخطاب ،ص.84
- التفاصيل
- كتب بواسطة: خليفة بولفعة
- الزيارات: 11
مدخل إلى النظريات التداولية (3)
إعداد :خليفة بولفعة
المرجعية/ الإشاريات
بالرغم من الأهمية الكبيرة لـ "مفهوم المرجعية" في اللغة ، فإن اللسانيات التقليدية لم توله أي عناية نظرا لطبيعتها غير اللغوية ، إذ أنه يستحيل الجمع بين علامات مختلفة في مجال واحد.وأشهر من ادعى ذلك "جريماس" الذي رفض الافتراض اللغوي الذي يعرف الدلالة بأنها "تمثل العلاقة بين العلامات والأشياء ، ويرفض على الخصوص الرجوع إلى الأشياء لتفسير العلامات اللغوية "([1]).
غير أن هذه الحجج لم تقاوم المد الكبير الذي عرفته الدراسات اللغوية الحديثة، خاصة تلك المتمثلة في إعادة النظر في الكثير من هذه المفاهيم و التصورات، فقد تمكن الكثير من العلماء من طرح "...إشكالية العلاقة بين الخطاب والعالم الواقعي مثلما فعل ذلك "كلود ليفي ستروس" مؤكدا أن التجربة الحياتية المعيشة هي التي تشكل الحقل المرجعي ، وأن الشيء المدرك لا يكفي أبدا لتحديد المرجع، بينما يرى "أسوالد ديكرو" أن المرجعية هي: " العبارات التي تسمح للمتكلم بالإشارة إلى المخاطب أو إلى عدة أشياء خاصة من عالم الخطاب، أكان هذا الخطاب حقيقيا أم خياليا"([2])
ويجب التذكير هنا أن "سباربر" و"ويلسن" ، كانت لهما نظرة معرفية إدراكية حول اللغة، فوظيفة اللغة،بالنسبة إليهما ، هي أولا وقبل كل شيء ، تتمثل في تقديم المعلومة وتسمح للأفراد بزيادة مخزونهم المعرفي ، عن طريق التواصل بينهم ،بحيث يكون هدف كل نظام إدراكي معرفي هو بناء تمثيل للعالم ، الذي بإمكانه أن يتطور في أي لحظة"([3]).واللغة في هذه الحالة، يكون وجودها قمينا بهذه العلاقة المتمثلة في تشكيل مجموعة من البنى المرتبطة بالتجربة التواصلية بين الذات وموضوعها.
ولا يمكن أن نتصور تواصلا فعالا دون الإحالة إلى مرجعية ما،ولا نستطيع أن نفهم الدليل اللغوي دون مواضعة بين الأفراد ، أي الجدلية القائمة بين اللغوي وغير اللغوي. إن الكثير من الظواهر الخطابية لا يمكن فهمها خارج مرجعيتها،وأن العملية التواصلية لا تصبح فعالة إلا إذا اعتبرت هذا البعد التواصلي المرتبط بالعالم الواقعي والخيالي ، وما يحمله من مكونات اجتماعية وعقائدية وثقافية وإيديولوجية. وعلى هذا الأساس يورد "عمر بلخير" تعريفا لـ"جون ديبوا" مفاده أن المرجعية هي الوظيفة التي يتمكن من خلالها الدليل اللغوي من الرجوع إلى موضوع في عالم غير لغوي،واقعا كان أم خيالا. ويضيف قائلا: "عموما أن كل دليل لغوي يؤمن الرابط بين المفهوم والصورة السمعية وهو في ذات الوقت يعود على الواقع غير اللغوي. هذه الوظيفة المرجعية، تجعل الدليل في علاقة ،لا مع الأشياء الواقعية،بل مع العالم كما يدرك داخل المكونات الإيديولوجية لثقافة ما.فالمرجعية ترتبط بالموضوع الواقعي بقدر ما ترتبط بموضوع الفكر، مثل الإدراك المتعدد والمختلف لنفس الظواهر الطبيعية مثل ألوان قزح... " ([4]). وبذلك فإن هذه الوظيفة هي التي تجعل من الخطاب مرسلة فعالة من خلال ما يمثله من علاقة جدلية بين الفكر وإدراكه للواقع ، بين الذات وإدراكها لذاتها، وبين الذات وإدراكها لما حولها.
غير أن من أبرز ما تمثله إشكالية المرجعية هو التعبير عن الذاتية في اللغة ، خاصة في ما يسمى بالإشاريات والمبهمات ، مثل الضمائر وأسماء الإشارة التي هي من العلامات اللغوية التي لا يتحدد مرجعها إلا في سياق الخطاب التداولي، فهي ليس لها معنى في ذاتها بالرغم من ارتباطها بمرجع ، لكونه غير ثابت .ويتفق النحاة جميعا على أن الأسماء المبهمة يعنى بها أسماء الإشارة، غير أن بعضهم يخصص هذه الصفة لأسماء الإشارة فقط([5]). والمرجعية تمثل توجه الخطاب وهويته، فبدونها لا يمكن للمرسل إليه فهم المرسلة الخطابية أو تفكيك شفراتها. إن كل عنصر من هذه العناصر لا يمكن فهمه خارج سياقه الخطابي ، فهي عناصر ملازمة للخطاب ، وفهمها يعد شرطا أساسا في تفسيره وتأويله ، وهذا ما يصطلح عليه بإنية الخطاب l'instance du discours.كما إنها عناصر موجودة في" المعجم الذهني دون ارتباطها بمدلول ثابت ، فلا يتضح مدلولها إلا من خلال التلفظ في الخطاب في سياق معين "([6]) ، وتعتبر هذه المبهمات عاملا رئيسا في تكوين بنية الخطاب ، من خلال القيام بدورها النحوي ووظيفتها الدلالية([7]) . و"لا يقف دور الإشاريات في السياق التداولي عند الإشاريات الظاهرة، بل يتجاوز إلى الإشاريات ذات الحضور الأقوى ، وهي الإشاريات المستقرة في بنية الخطاب العميقة ، عند التلفظ بها ، وهذا ما يعطيها دورها التداولي في إستراتجية الخطاب ؛ لأن التلفظ يصدر عن ذات تتميز بسمات خاصة، وفي مكان وزمان معينين، هما مكان التلفظ ولحظته،إذ تجتمع في الخطاب الواحد، على الأقل ، ثلاث إشاريات هي ( الأنا ، الهنا، الآن) "([8]) .
أنواع الإشاريات
أ - الإشاريات الشخصية
تتجلى هذه العناصر خاصة في ضمائر الشخص الدالة على المتكلم ،أو المخاطب أو الغائب.
وبما أن هذه الضمائر هي ظواهر لسانية تساهم في إنجاز العملية التواصلية ، فإنها في هذه الحالة ستصبح مجرد فواعل نحوية إذا عزلت عن مرجعيتها التي تمنحها بعدها التداولي داخل الخطاب، ولذا فإن أي إشارة إليها في هذا الميدان ، تتطلب البحث في مرجعيتها. إن مجرد التلفظ بمثل هذه الملفوظات، يكون قد أعطى للعملية التواصلية بعدا تداوليا ؛ لما يوجد بين المتخاطبين من خبرات خاصة تحيل إلى الأبعاد الاجتماعية والثقافية والإيديولوجية التي تعتبر قواسم مشتركة بينهما.وهذا ما يفسر قول التداوليين من أن هذه المبهمات لا تحيل إلى أشياء موضوعية في العالم أو الزمان والمكان ، بقدر ما تحيل إلى الخطاب ذاته، وتكون خارج هذا الإطار فارغة من أي دلالة.
وعلى هذا الأساس يوضح "منغونو" أنه في حالة التلفظ بـ" أنا" و"أنت" ، يكون كل متكلم قد أعاد زمام اللغة لصالحه. ويشير هنا إلى أهمية هذه النقطة تكمن في اعتبار هذين الضميرين، ليسا علامتين لسانيتين لنوع خاص من المبهمات، ولكنهما قبل كل شيء، عناصر تعمل على تحويل اللغة إلى خطاب([9]).وإلى قريب من هذا يقول "بنفنيست"Benveniste ،"...أن اللغة وضعت تحت تصرف مستعمليها أشكالا فارغة( ) تمكن المتكلم من الإحالة إلى نفسه في أي وقت اقتضت الحاجة لذلك،وهذه الأشكال الفارغة تجد لنفسها مضامين بمجرد أن ينطق بها المتكلم ضمن حال الخطاب، وهي( الأشكال الفارغة )- كما يشير إلى ذلك بنفنيست- لا يمكن إخضاعها للصدق أو الكذب، وتكون فارغة من كل مفهوم وموضوع "([10])
ولكن هذه النقطة اعتبرت مثار جدل بين كثير من الباحثين ، مثل "أوركيوني"Orecchioni،خاصة في اعتراضها على مفهوم الأشكال الفارغة مميزة بين الناحية المرجعية والدلالية لهذا المفهوم، بالإضافة إلى اعتراضها على كون الضمائر تحيل فقط إلى الخطاب،كما نسجل في هذا الشأن اعتراض "منكينو " المتمثل في كون المبهمات ( أنا/ أنت) لهما نفس الوظائف التي تتمتع بها الأسماء ، فهي تفتقر إلى مرجع حقيقي ، بل إنها بنيات تتحدد مرجعياتها من خلال القول أو أثناء إنجاز الخطاب، ومن هنا تكمن صعوبة تحديد مرجعية هته المبهمات خارج استعمالهما أثناء الكلام([11])
ومن ناحية الأبعاد الاجتماعية للضمائر ، أي أثناء توظيفها في وضعيات مختلفة في الخطاب، بحيث أن كل تلفظ من هذا النوع يكون إظهارا وبشكل واضح للبعد الاجتماعي لهذا التوظيف، وذلك لأن الضمائر هي التي تعبر عن الذاتية في اللغة، فبمجرد استعمالها من طرف الفرد تكون قد منحت بعدا نفسيا واجتماعيا خاصا للخطاب الذي هو بصدد إنجازه لأن :" ... استعمال كل جماعة لغوية لها يخضع لمجموعة من التعاقدات، ثم إن المتكلم بمجرد تلفظه بـ"أنا" يكون قد وضع أمامه وبطريقة آلية شخصا يقابله هو "أنت"([12]).ويخضع هذا الاستعمال للضمائر، إلى ما يشبه الحتمية الاجتماعية التي تمارس ضغطها على الفرد كلما حاول التلفظ فتكون له بالمرصاد، إنه لا يقول إلا ما يفرضه عليه هذا التعاقد الاجتماعي. غير أن التلفظ بهذه العناصر لا يتم خارج المحددات المكانية والزمنية.
ج- الإشاريات المكانية
وليست الضمائر وحدها قمينة بتحديد الذاتية أو الهوية في الخطاب، إذ أن هناك محددات أخرى ملازمة للأولى بشكل مطلق ، بحيث أن تلفظها داخل الخطاب يشير بشكل تلازمي إلى وجود الثانية ، وهذا ما يتعلق بالإشاريات الدالة على المكان الذي تتموقع فيه الذات المتلفظة في لحظة التلفظ . فعلاقة المكان بالمرجعية هو الحديث عن السياق الذي يجري فيه الكلام ، فالدلالة المرجعية لا تتجلى إلا من خلال النقطة المرجعية في الفضاء الذي ينجز فيه الكلام ، فإذا كان إسهام الإشاريات الزمنية في الخطاب، يبدو من خلال دلالتها على لحظة التلفظ ، فإننا نجد أن هذه المؤشرات المكانية تحدد مواقع الانتساب إلى نقاط مرجعية في الحدث الكلامي ، وتقاس أهمية التحديد المكاني بشكل عام، انطلاقا من التسمية أو الوصف أو التحديد([13]).
ب- الإشاريات الزمنية
إنها المحددات الزمنية التي تربط الزمن بالفعل في مرحلة أولى والزمن بالفاعل في مرحلة ثانية بغية تحديد مرجعيتها ، فيجب على المرسل معرفة لحظة التلفظ التي تصبح مرجعا زمنيا يعود إليه ، والمحددات المكانية التي ترد في الخطاب بشكل صريح أو ضمني. من الصعب أن نتصور متلفظا بـ"أنا" دون أن يكون هذا التلفظ إحالة على زمن معين ومكان يتم فيه هذا التلفظ ، وبعبارة أدق ، يستحيل إنجاز عملية تلفظية خارج هذه المحددات، حتى في الملفوظات المجازية والخيالية والأسطورية، فإنها تحيل على محددات افتراضية يبرزها السياق ، فمن الصعب الفصل بين المحدد الزمني والمكاني ، فكلاهما ملازم للآخر.
الهوامش
1- عمر بلخير، تحليل الخطاب المسرحي ،في ضوء النظرية التداولية ،ط 1،منشورات الاختلاف،2003،ص.64.
2 - لسانيات التلفظ وتداولية الخطاب ،مرجع سابق ،ص.92-93.
3 - http://www.isc.cnrs.fr/Prag_chap3.pdf
4- تحليل الخطاب المسرحي في ضوء النظرية التداولية،ص.64
5 - إستراتجيات الخطاب :مقاربة لغوية تداولية ،مرجع سابق ،ص. 80
6 - إستراتجيات الخطاب ،مرجع سابق ، ص.79
7 - المرجع نفسه ،ص.81
8- المرجع نفسه ،نفس ص
9- D.Maingueneau :Approche de l'énonciation en linguistique française ,Hachette,Paris p.34
10- الخطاب المسرحي في ضوء النظرية التداولية، مرجع سابق، ص.69
11 - D. Maingueneau, o p , c i t .p. 14
12- الخطاب المسرحي في ضوء النظرية التداولية، ص.72
13- إستراتجيات الخطاب ،ص.84
- التفاصيل
- كتب بواسطة: خليفة بولفعة
- الزيارات: 6
- التفاصيل
- كتب بواسطة: رخرور أمحمد
- الزيارات: 6
التداولية بين المنهج والطريقة
بقلم:الأستاذ رخرور أمحمد
باحث من الجزائر
ما يجب أن نقر به ابتداء ، هو أن ما تشهده الساحة النقدية اليوم من تطورات ، والمتجلية في الكم الهائل من المفاهيم والنظريات والمصطلحات والطرق الإجرائية في تحليل النصوص الأدبية بأنواعها ؛ مرده بالأساس إلى ما جادت به الدراسات اللسانية من قبل ، ومن مكتشفات نظرياتها ، التي لا يخفى دورها الهام في تطوير النقد الغربي ثم النقد العربي على حد سواء .
وعلى العموم فإن مجيء التداولية أحدث تغييرًا كبيرًا في ميدان النقد الأدبي . ذلك أن التداولية تدعو إلى تغيير النظرة إلى النصوص . أي تحويل نظرة البنيوية التي ترى النص بنية مبتورة عن الفعل الملفوظي ، إلى نظرتها التي تدعو إلى دراسة النص في علاقته مع النشاط الملفوظي(الكلام).الأمر الذي يفرض ـ في مذهب التداولية ـ أن نجدّد نحن أيضا نظرتنا إلى النصوص الأدبية . فما هي هذه التداولية إذن ؟.
تسعى التداولية إلى أن تتجاوز حدود الخطاب ، لتصير نظرية عامة للفعل والنشاط الإنساني ، شغلها الشاغل هو دراسة اللغة في المقام (الاستعمال) ، الذي يهتم بما يفعله المستعملون بالألفاظ .
وتشير الدراسات إلى أن أول من ابتكر كلمة "البراجماتية" هو "شارل سندرس بورس 1914 / 1839"· في مقالته الشهيرة "كيف نجعل أفكارنا واضحة ؟ ." فقد جاء فيها أنه » : لكي نبلغ الوضوح التام في أفكارنا من موضوع ما ، فإننا لا نحتاج إلاّ إلى اعتبار ما قد يترتب من آثار يمكن تصورها ذات طابع عملي ، قد يتضمنها الشيء أو الموضوع
2- إنفلونزا الأمعاء( الالتهاب المعَدي المعوي الفيروسي) إلتهاب الأذن الوسطى التهاب لحمية العين (العين الوردية) 5- احتقان الحلق: متى يجب البقاء في البيت ؟ ومتى يجب الذهاب الى المدرسة؟
5 ـأسباب رئيسية لتغيب الطفل عن المدرسة
ترجمة: د.عبدالرحمن أقرع
هل يبدو طفلك مريضاً معظم الوقت؟
في المدارس كما في رياض الأطفال يُمتحن الجهاز المناعي للطفل، فالطفل اليافع ضمن مجموعة كبيرة من الأطفال يهيئون وسطاً طيباً لنمو الكائنات الدقيقة المتسببة في المرض .
هنا سنستعرض مجموعة من الأمراض السارية التي تجبر الأطفال على البقاء في البيت والتغيب عن المدرسة أو عن روضة الأطفال. وسنبين كذلك كيفية علاج هذه الأمراض والوقاية منها، كما سنحدد الوقت الملائم لعودة الطفل إلى المدرسة:
1- نزلات البرد الشائعة:
وهذا من الأمراض التي تنتشر بسهولة عبر المعايشة مع المصاب بالعدوى ، والتي تتم عبر قطرات ملوثة من المجرى التنفسي تتم عبر السعال أو العطس .
وتشمل الأعراض: افرازات وسيلان أنفي ، حكة واحتقان في الحنجرة ، سعال وعطاس ، وحمى خفيفة.
ولا يوجد علاج لنزلات البرد والزكام ، ولا يوصى بالأدوية للاطفال الصغار لأنها لا تناسب أعمارهم ، ولكن يمكن مساعدة الطفل على الشعور بالتحسن ، باتباع الإجراءات التالية:
* توفير كمية كبيرة من السوائل كالماء والعصير وشوربة الدجاج.
* تشجيع الطفل على لزوم الراحة قدر الإمكان.
* إشاعة الرطوبة في غرفة الطفل ، أو منح الطفل حمام بخار.
* استخدام قطرات الأنف المصنوعة من المحاليل الملحية (سالاين).
* للأطفال الأكبر سنا يمكن التخفيف من احتقان الحلقة باعطائه الحلوى الصلبة ، قطرات للسعال، أو الغرغرة بالماء المملح.
كذلك: فإن استخدام مسكنات الألم ، والتي تخفض الحرارة أيضا كالأسيتامينوفين (بندول) ، والإيبوبروفين (تروفين)-لا يعطى الأخير لمرضى الربو- سيساعد في خفض الحرارة ، والحد من الألم الناجم عن الحلق المحتقن والصداع ، كما ويجب اتباع التعليمات الخاصة بالجرعة بحذر شديد.
لا تعطي الأسبرين لمن هم في سن الثامنة عشرة أو أصغر.
تتم العدوى بهذا المرض في الغالب عبر الاحتكاك بالمصاب أو عبر تناول مأكولات او مشروبات ملوثة ، وتشمل الأعراض التقيؤ والإسهال .
ولا يوجد علاج فعال لذلك، ولكن ينبغي اتباع بعض الإجراءات ريثما يكمل المرض دورته:
* تفادي الجفاف عبر المحاليل الاروائية عن طريق الفم مثل (بيديلات ، أكواسال ،..وغيرها) والتي ستعوض الماء والمعادن والأملاح المفقودة عبر الاسهال والتقيؤ.
* تشجيع الطفل على لزوم الراحة قدر الإمكان .
* العودة بالتدريج الى الغذاء الاعتيادي ، بدءاً بطعام سهل الهضم كالأرز والموز والبطاطا والخبز المحمص ، وينبغي تجنب منتجات الألبان والتي تجعل الاسهال أسوأ.
* لا ينبغي اعطاء الطفل مضادات الاسهال الموجودة في الصيدليات ما لم يطلب الطبيب ذلك ، لأن من شأن هذه الأدوية الحيلولة بين جسم الطفل وطرح الفيروسات .
* إذا ظهرت أعراض الجفاف على الطفل ( كأن يشعر بالعطش الشديد ، يشكو من فم جاف ، قلة البول ، أو أن يبدو شديد الضعف والإعياء ) فيجب مراجعة الطبيب فوراً.
وهذا غالباً ما يبدأ كالتهابٍ فيروسي كما في حالة البرد . عندذاك تلتهب الأذن الوسطى بسبب العدوى ويتشكل السائل خلف طبلة الأذن ، ويصبح هذا السائل بيئة خصبة للفيروسات أو البكتيريا.
وسيشكو الطفل المصاب من ألم في الأذن ، وشد في الأذن ، ويصبح الطفل متوتراً ، ويعاني من مشاكل في النوم.
وتشفى الكثير من التهابات الأذن الوسطى من تلقاء نفسها خلال عدة أيام ، كما أن المضادات الحيوية ليست ذات جدوى في علاج الالتهابات الفيروسية ، وعليه ينبغي علاج الطفل كالآتي:
* وضع خرقة دافئة ومبتلة على الأذن المصابة.
* سؤال طبيب الطفل عن مسكنات الألم ، فهو قد يصف قطرة أذن أو مسكن للألم كالأسيتامينوفين (البنادول) أو الإيبوبروفين ( تروفين) ، عندئذِ يجب اتباع الجرعة المناسبة لسن الطفل ووزنه تماما كما يحددها الطبيب.
* يجب عدم إعطاء الأسبرين لمن هم دون سن 18 عاماً.
عبارة عن التهاب للغشاء الشفاف المبطن للجفن ولجزء من بياض العين ، وفي معظم الحالات فان هذا الالتهاب فيروسي بامتياز ، وغالبا ما يصاحب نزلات البرد ، ولكنه يكون بكتيريا في أحين أخرى، أو كالتهاب أرجي (تحسس) .
وعندما يكون هذا الالتهاب بكتيرياً أو فيروسياً فانه يكون شديد العدوى، ويجب ملاحظة الاحمرار والإفراز في إحدى العينين أو كلتيهما للطفل. كما أن الطفل سيشكو من حكة في العين واضطراب في البصر.
إذا كان الالتهاب بكتيرياً فقد يصف الطبيب قطرات للعين تحوي مضاداً حيوياً ، أما إذا كان فيروسياً فسيكمل المرض دورته لا محالة ، ولا علاج إلا كمادات باردة أو ساخنة للعينين من أجل تخفيف الالم.
غالبا ما يكون المسبب فيروساً، وغالبا ما يرتبط ذلك بأعراض أخرى لالتهاب المجاري التنفسية العلوية مثل: سيلان الأنف ، السعال، وغيرها.
ومعظم حالات احتقان الحلق تمضي من تلقاء ذاتها ، ويجب مساعدة الطفل على الشعور بالراحة كما يلي:
* توفير كمية من السوائل ، وتجريب العسل مع الليمون.
*تشجيع الطفل على إراحة صوته قدر الإمكان .
* توفير حمام بخار للطفل أو تشغيل جهاز للترطيب في غرفته.
* للأطفال الأكبر سنا ينبغي تجريب غرغرة الماء والملح ، والحلوى الصلبة وقطرات السعال.
أما إذا استمر الاحتقان لأكثر من أسبوع أو تسبب بألم شديد ، أو ارتفاع في درجة الحرارة ، أو تضخم في اللوزتين فيجب إبلاغ طبيب الطفل ، لأن ذلك قد يكون عائدا إلى التهاب بكتيري تجب معالجته بالمضادات الحيوية.
رغم التباين في دليل الوسائل للمدارس المختلفة ، فإننا نؤكد وجوب بقاء الطفل في البيت إذا حدث ما لي:
* إذا كانت درجة حرارته أكثر من 38 درجة مئوية.
* إذا كان يتقيأ.
* إذا كان مسهولاً.
* إذا كان يتلقى علاجا بالمضادات الحيوية لل24 ساعة الأولى لالتهاب العين أو الحلق البكتيريين.
وبشكل عام يمكن إرسال الطفل للمدرسة إذا توفرت الشروط التالية:
* الخلو من الحمى-درجة حرارة أقل من 38 مئوية.
* الأكل والشرب بشكل طبيعي.
* إذا بدا مرتاحاً ومتفاعلاً وقادرا على الانتباه.
* إذا أكمل فترة عزل صحي موصى بها من قبل الطبيب.
- التفاصيل
- كتب بواسطة: محمود سعيد
- الزيارات: 6