أضلال اعتقادات أم أزمة علاقات ؟
الحديث عن الطائفية الدينية ليس حديثا عن مجهول أو مفقود بل موجود وبقوة، ولن يختفي طالما قبلنا أن يكون الوصفة السحرية لشرذمة من الطامعين لتحقيق مآربهم ومصالحهم السياسية، باسم الدين تارة وبالسم الطائفة تارة أخرى، عجزت عن تحقيقها بالعدل والإنصاف، والنصيحة والاحترام والمحبة والسلام.
هذا أمر إن لم ينتبه له المتعشقون للحديث الطائفي، المنفقون سواد أيامهم فيه، قولاً مشفوهاً ومحبراً، في صحائف الكتب وصفحات المواقع الالكترونية، فإنهم سيجدون أنفسهم غداً بين يدي الله قد حشروا في الأخسرين أعمالاً، الذين ضل سعيهم وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً. وسيوقفون للسؤال عما تسببوا فيه من تمزيق أمة محمد(ص)، وما أسدوه للطامعين فيها من حكامها الجائرين وأعدائها الغاصبين من خدمة جليلة. علموا أنهم يفعلون ذلك أم لم يعلموا.
إن الأزمة الأم بين أتباع المذاهب والطوائف الدينية خاصة في الإسلام، هي أزمة علاقات لا أزمة ضلالات. فإنك لو فتشت في صفحات كتب كل فريق، لوجدت فيها ما يقترب أو يبرر أو يجوز شيئاً مما ينكره على الفريق الآخر، ولكنه في مذهب هنا مُبرز مُفعّل معمول به، وهناك من المتواري المتروك، لكنه مذكور.
إن المسلمين لم يختلفوا في شيء من أمهات العقائد التي قام عليها الإسلام أصولاً ولا فروعاً. فهم جميعاً موحدون خالصون يؤمنون بالله وحده لا شريك له، وبالنبي محمد (ص) نبياً خاتماً قد انقطع بعده إرسال الرسل، وبالقرآن الكريم كتاباً محفوظاً لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. ويؤمنون بسائر الكتب المنزلة، وبجميع النبيين، وبالملائكة واليوم الآخر، والجنة والنار، وفي أركان الدين يؤمنون بالصلاة المكتوبة وأنها 5 صلوات 17 ركعة، تؤدى نحو القبلة الكعبة المشرفة. ويؤمنون بوجوب صيام شهر رمضان، وحج البيت والعمرة، وبالزكاة والصدقة والخمس، ولو تواجد مسلم شيعي وآخر سني وآخر زيدي وآخر إباضي في وسط مجتمع كافر أو كتابي لاكتشفوا كم هم متشابهون، ولكنهم عند ما يعودون لديارهم ويتحيزون لفئاتهم، ينسون كل هذه الأمور الجليلة الجامعة، ليعودوا في تعظيم وتضخيم نقاط الاختلاف بينهم، وكأنهم أبناء ملل ونحل لا ملة واحدة.
إن أول ما اختلف فيه المسلمون؛ وهو المبدأ الأم للاختلافات بينهم هي الإمامة، وهي شأن سياسي اجتماعي، سار فيه عليٌ عليه السلام بسيرة، وهو قطب الرحى في اختلاف المسلمين فيها، عليه دارت ولا تزال، فحسب المنظور الشيعي للأمر أنه (ع) ظل يطالب بحقه الذي يراه لنفسه على هذه الأمة، إلاّ أنه لم يشق لها عصاً ولا صفاً، وكان متعاوناً مع من اختلف معهم في نفس حقه أبي بكر وعمر، وفضّل وحدة الأمة على تمزقها وإن كان فيه جور عليه، وقد عبر عن ذلك بواضح العبارة فقال في الخطبة 74 من نهج البلاغة لما عزموا على بيعة عثمان " لقد علمتم أني أحق الناس بها من غيري، ووالله لأسلّمنَّ ما سلمت أمور المسلمين، ولم يكن فيها جور إلاّ عليّ خاصة، التماساً لأجر ذلك وفضله، وزهداً فيما تنافستموه من زخرفه وزبرجه". فأين المدعون أنهم عن حق عليّ يدافعون، وبه يطالبون؟ كيف يفضلون ما يمزق الأمة من إثارة الخلاف اللامجدي، لا بل المضر بالمسلمين؟ أو ليس علياً(ع) يقولها صراحة أن في الصبر على ضياع الحق الشخصي، مع بقاء أمور المسلمين سالمة؛ فضلاً وأجراً أعظم؟ فهلا استن الشيعة المذهبيون بنسبة إمامهم فانشغلوا عن أمر الخلافة الذي مات، بسلامة أمور المسلمين التي كانت ولا زالت أولى بالرعاية عند أمير المؤمنين؟ وهلا توقف السنة المذهبيون استناناً بسنة علي (ع)؛ وهم لا ينكرونه، فتركوا التنازع الأجوف واشتغلوا بسلامة أمور المسلمين التي هي اليوم أبعد ما تكون عن السلامة؟
إننا اليوم وقد ابتلينا بالمذهبيّة والطائفية لأحوج ما نكون إلى انتهاج منهج سليم في العلاقات، فإنا قد وجدنا أن جوهر المشكلة هو أخطاء في العلاقات ليست من الدين في شيء، ولو تبدل هذا النهج الخاطئ بنهج سليم موافق للدين والأخلاق، لما كان للمذاهب والطوائف ذلك الضرر، لقد أسس الدين الحنيف منهجاً سليماً للتعامل مع الآخر المختلف، ألا وهو:
ü الجدال بالتي هي أحسن،
ü مع الامتناع عن السب،
ü وعدم ادعاء امتلاك كل الحق والحقيقة قبل ثبوتها عند الطرفين المتجادلين،
ü وعدم الدخول في الجدل الجماعي الجماهيري لأنه أبعد ما يكون عن التفكر المنطقي،
ü ثم عدم اعتبار النتيجة ( نتيجة الجدل) ميزاناً للمعاملة في الدنيا لأن الحكم الأخير في مثل هذه الأمور مؤجل للآخرة حيث يحكم فيها الله سبحانه بين عباده.
هذه موازين خمس مدونة في القرآن الكريم بوضوح:
الأول في قوله تعالى ( ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ)(النحل: من الآية125) وفي قوله تعالى )َلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ)(العنكبوت: من الآية46)
الثانية: في قوله تعالى (وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ)(الأنعام: من الآية108)، (وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ)(الأنعام: من الآية108)، فالسباب قفل للقلوب عن سماع الحق مهما كان جليّاً وهو أقصر طريق لإحضار شح النفس.
الثالثة: (وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ)(سـبأ: من الآية24، فالدخول في الجدل ينبغي أن يكون قائماً على افتراض أن الحق يمكن أن يكون عند أحد الطرفين دون الآخر، كما يمكن أن يكون بعيداً عن كلا الطرفين، كما يمكن أيضاً أن يكون متجزئا عندهما كما هو غالب الأحوال.
الرابعة: ( قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ)(سـبأ: من الآية46) فالجدال الجماهيري هو أخذ للنفس بعزة الإثم، عند الغالب والمغلوب، بل إن تصور الغلبة في الجدال يبعده أشواطاً عن الله والهدى ويجعله مجرد مباراة في ساحة الشيطان.
الخامسة: (وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ )(الشورى: من الآية10)،( اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ) (الحج:69)، فمهما كان الاختلاف بين الناس فإنه لا يسقط كرامتهم وحقوقهم، أناس قد أكرمهم الله، ولهم الحق في كامل الفرصة الدنيوية أن يُعمّروا ما يتذكر فيه من تذكر، ثم حسابهم على الله، أما في الدنيا فالناس سواسية أمام القانون، مؤمنهم وكافرهم سنيهم وشيعيهم، هكذا وإلاّ فهي الفتنة والفساد والكبير.
هذا هو منهاج القرآن في الجدل أو هذه بعض قواعده، وقد أوضح جانباً مهماً منه الإمام الصادق (ع) في خصوص الجدل المذهبي، فقد قيل له يا بن رسول الله (ص) فما الجدال بالتي هي أحسن وبالتي ليست بأحسن؟ فقال: أما الجدال بغير التي هي أحسن فأن تجادل به مبطلاً، فيورد عليك باطلاً فلا ترده بحجة قد نصبها الله، ولكن تجحد قوله، أو تجحد حقاً يريد بذلك الحق أن يعين به باطله، فتجحد ذلك الحق مخافة أن يكون له عليك فيه حجة، لأنك لا تدري كيف المخلص منه... ، أما المبطلون فيجعلون ضعف الضعيف منكم إذا تعاطا مجادلته وضعف في يده حجة له على باطله، وأما الضعفاء منكم فتغم قلوبهم لما يرون من ضعف المحق في يد المبطل.
إن الجدال بغير التي هي أحسن هو أن تجحد حقاً لا يمكنك أن تفرق بينه وبين باطل من تجادله، وإنما تدفعه عن باطله بأن تجحد الحق، فهذا هو المحرم، لأنك مثله جحد هو حقاً وجحدت أنت حقاً آخر، ....[ الاحتجاج ص 14 ص 15 بتصرف].
وسنضرب مثالاً من المجادلات الباطلة والتي لا يراد بها وجه الله من خلال مجادلة على موقع شبكة الدفاع عن السنة كتبها " ساجد لله " بتاريخ 31/7/2006 حول عنوان " الرافضة وطواف الرسول (ص) على نسائه " كتب ساجد لله يقول: كتب علامة الرافضة الخبيث العاملي:
" فقد أخرجوا هذه الأحاديث وصححوها للمسلمين حتى لا يكون عليهم حجة فهم يعتدون بالرسول(ص) فهو بشر مثلهم يحب الشهوات!! حاشى الرسول (ص) من هذه الاتهامات وهذه الأحاديث التي وضعها الوضاعون!! أخرج البخاري عن أنس بن مالك قال كان النبي (ص) يدور على نسائه في الساعة الواحدة من الليل والنهار وهن إحدى عشرة، قال قلت لأنس: أو كان يطيقه؟ قال كنا نتحدث أنه أعطى قوة ثلاثين، وقال سعيد عن قتادة أن أنساً حدثهم تسع نسوة.
وحدثنا الحسن بن أحمد بن أبي شعيب الحراني، حدثنا مسكين يعني ابن بكير الحذاء عن شعبة عن هشام بن زيد عن أنس أن النبي (ص) كان يطوف على نسائه بغسل واحد.
إلى أن قال الخبيث (العاملي): هذه الأحاديث وفظاعتها أيها المسلم العزيز لا تليق بالنبي (ص) ولا بأزواجه وعرضه، فكيف يكتبون ويخرجون ما يحلو لهم؟ إلى آخر ما كتبه.
ويتابع " ساجد لله " قائلاً: والغريب أننا نجد في كل كتبهم من هذه الأقوال وسواها رغم أن حاخامات الرافضة يعلمون جيداً أن كتبهم ومن أعطوهم العصمة قد نقلوا هذه الأحاديث بل وصححوها واستنبطوا منها الأحكام الفقهية.... وتعالوا معا لنقرأ ما ورد في كتب الرافضة حول هذه المسألة وسأترك لكم الحكم بإذن الله.
عن محمد بن يعقوب، عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم عن هشام بن سالم عن أبي عبد الله (عليه السلام ) قال: إن أبا بكر وعمر أتيا أم سلمة فقالا لها يا أم سلمة إنك كنت عند رجل؛ فكيف رسول الله (ص) من ذاك؟ فقالت ما هو إلاّ كسائر الرجال – إلى أن قال: فغضب رسول الله (ص) ثم قال: فلما كان في السحر هبط جبريل بصفحة من الجنة كان فيها هريسة، فقال يا محمد هذه عملها لك الحور العين فكلها أنت وعلي وذريتكما فإنه لا يصلح أن يأكلها غيركم، فجلس رسول الله (ص) وعلي وفاطمة والحسن والحسين (ع)، فأعطي رسول الله (ص) في المباضعة من تلك الأكلة قوة أربعين رجلاً، فكان إذا شاء غشى نساءه كلهن في ليلة واحدة" الكافي 5: 565 – 41 .
ثم يورد أمثال هذه الرواية من مصادر شيعية مختلفة وعلي ألسن فقهاء متعددين مع تحلية الأسماء بمثل لفظ الرافضي، الحاخام .... إلخ.
ثم تبدأ التعقيبات مزينة بالشتائم والسباب، الذي سنعرض عن مساقه ونكتفي بذكر نماذج منه معتذرين للقارئ عن عدم تنزيه سمعه عنه نظرا لحاجتنا في بيانه:
- "الروافض."
- " يبدو أن الروافض انقرضوا "
- "وسؤالنا لمعصومي الرافضة: هل كان الرسول (ص) يطوف علانية كما يقول حاخاماتكم لتنقلوا عنه هذا الفعل أم كنتم تتجسسون على جدكم صلوات ربي وسلامه عليه.. ياراااااااا ففضة اقرأو اا اا اا اا اا اا اا اا اا اا اا اا ا كتبكم !!"
- :" كيف يستطيع الرافضة القراءة فهم مشغولون بالبدع وبالشركيات وبمواسمهم التي لا نهاية لها، فهم لديهم في كل يوم مناسبة، كيف يتفرغون للقراءة..."
- : "بارك الله فيكم يا أسود السنة."
- "مواضيعك سم وشوكة في حلوق اليهود الرافضة".
- "قاتلكم الله السميع العليم أيها الرافضة الماجنون."
- "ساجد لله: ارتفاع نسبة الإيدز في إيران وأعداد عاهرات قم والنجف في زيادة مستمرة، والأطفال والأجنة على قارعة الطرق نتيجة الانحلال والعقاب الرباني، ولا يكاد بيت من بيوت الرافضة يخلو من الزنا وإن جملوا اسمه وغلفوه!!"
ونهدف من بيان مثل هذا الاقتباس إلى:
1. أن نظهر للقارئ الكريم مدى مخالفة الجدال عندنا لمنهاج الجدال القرآني، فهو حرام من أوله إلى آخره، وفيه ما فيه من مخالفات لكل قواعد منهاج الجدل التي رسمها الله في كتابه من جحود حق الآخر، وسبه وقذفه وحربه وتكفيره، ومن الجمهرة والتحزب، ومن التمسك الأزلي من كل فريق بأن الحق كله عنده أولاً وأخيراً، وإنك لتعجب من طهارة الأسماء دون الأفعال، ولا تحسبن أن هذا موجود عند طرف دون آخر، فهذه الزبالة تخرج من كل الألسنة، تزداد كلما زاد التعصب، وما عليك إلا أن تدخل " بيوت خلاء" الدردشة – مع اعتذارنا - فتزكم أنفك بنتن الفرق كلها.
2. أن نبين للقارئ الكريم أن أصحاب هذا الجدل مشكوك في ولائهم وانتمائهم وحميتهم للإسلام، فإن أمثال هذه العبارات الدينية المذهبيّة أو الطائفية لا يراد منها إلاّ جرُّ الأمة للغواية، وإلاّ فقل لنا بربك ما الذي تغير في رجل الدين الشيعي العاملي الذي جمع كتاباً من 6 أجزاء سماه الانتصار، كلها من مجادلاته على مواقع الانترنت، حينما علم أن ما بكّت عليه رواة السنة في زعمهم أن رسول الله (ص) قد أوتي قوة 40 رجلاً في المباضعة وأنه كان يطوف على نسائه كلهن في ساعة واحدة، ما الذي تغير منه حينما علم أن مثل هذا الذي ينكره هو موجود في كتب مذهبه أيضاً؟ ( على افتراض صحة ما نقله ساجد وأمانته)، هل سيظل العاملي على أن يد الوضاعين قد امتدت لسائر كتب الحديث الإسلامية سنيها وشيعيها؟ أم سيتحول عنده ما استقبحه عن النبي إلى شيء جميل لمجرد أنه وجده في كتبه؟ ثم انظر إلى " ساجد لله " هذا ومن والاه، واسأله هل أن ورود الروايات عند الشيعة أيضاً يجعل القبيح على رسول الله حسناً؟ وهل سقط القبح حينما أصبح المسلمون شركاء فيه؟!
لو كانت هناك غيرة عند العاملي وفريقه، و " ساجد لله " وفريقه على الدين، وكانت حميتهم إليه، وغيرتهم عليه لا على رجالهم ومذاهبهم وأنفسهم، لكان جديراً بهم أن يتعاضدوا جميعاً في مشروع لمحاكمة الروايات غير اللائقة بالنبي (ص) والدين، ولكنهم جميعاً أبعد ما يكونون عن ذلك، فما هي إلاّ العصبيّة وحمية النفس، وسيذهب العاملي ليفتش عن عورة أخرى، ويذهب " ساجد لله " كذلك يفعل فعله، فما دام الأمر مشتركا عند الطرفين فلابد أنه صحيح وحسن، ولم تكن ردة فعلهما الأولى واستنكارهم الباده إلا غفلة منهم عن وجه الصواب والجمال في الأمر! هكذا ستحدثهم أنفسهم، ولا عجب فالكل أسير معتقده.
3. نريد أن نبين للقارئ الكريم كيف ترسخت أسس مذهبيّة ظالمة للآخر عند كل فريق، فانظر إلى الشيخ " ساجد لله " كيف ورط نفسه في اتهامات جاهلية لأعراض المسلمين، مع كونها حرام عليه بحسب الدين وبحسب وصية سيد المرسلين. وما هو إلاّ مثال لأمثاله من الطائفيين المذهبيين من كل المذاهب، لا نستثني جاهلا عن جاهل أينما كانوا وحلوا وانتموا، فكلهم يقول في الآخر ما لا يرضاه الله ورسوله حينما صرخا فينا أن كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه.
4. نريد أن نظهر للقارئ الكريم مدى الخطر الذي بلغناه، فتحت هذه الأسماء المرمزة يمكن أن يندس كل غريب ومدسوس وجاسوس ومفتن، وتحتها يمكن الكلام بغير حياء ولا خجل ولا تلبّث وتريّث، وتحتها يمكن لبراكين الحقد والكراهية أن تتفجر حمماً، وتنفث سموماً تحرق وتخنق وتقتل. إنها كبيوت الخلاء العامة يقال فيها ما لا يُتجّرّأ على قوله علانية، علما بأن هذه الرموز قد تكون لرجال دين مبرزين وممن يتحدثون في الفضائيات ويستضافون في المؤتمرات ويساهمون في صياغة الرأي العام، فهذا الشيخ العاملي إن صدق الظن هو من المرموقين عند طائفته وهو يحسب أنه يحسن صنعا، ولعل "ساجد لله" هو الآخر كذلك.
هل كان مثل هذا القبح ضرورياً للجدال؟ الم يكن ممكناً الرد علميا بأسلوب مهذب؟ ولكن لعمرك إنما يفعل ذلك من هو صادق الولاء للإسلام أما هؤلاء فولاؤهم لأنفسهم يخالفون في سبيله قول ربهم وأئمتهم.
قد سقنا مثلاً للجدال بغير التي هي أحسن فلنسق مثالاً للجدال بالتي هي أحسن، بين عالمين جليلين من أرفع علماء الإسلام، لا نريد من ذلك أن نصحح مقولة أحدهما دون الآخر، فلقد كان لكل منهما وجهٌ من حق، ولكن لنأخذهما مثلاً للجدال بالتي هي أحسن أدباً واحتراماً وبرهاناً وعلماً، إنهما الشيخ عبد الحسين شرف الدين والشيخ سليم البشري شيخ الأزهر يومها، ولا يهمنا محتوى الكتاب فاعتقادنا أن الجدال المذهبي حتى بالتي هي أحسن لا جدوى منه، فعقيدتنا أنه لن يدخل مسلما الجنة ولن يخرجه من النار إذا كانت أعماله تسوقه إلى أحدهما، بل لعل إثم الجدال اليوم أكبر من ، فالهم اليوم ينبغي أن يكون التعاون على البر أو البر والتقوى ، ولكن لعل عشاق الجدال المذهبي أن يتأسوا بهما على الأقل في أدبهما وتوقيرهما لبعضهما واحترام كل طرف لفكر الآخر واعتقاده ، فلم نعد نرى من بعدهما اليوم إلاّ التبجح.
يقول الشيخ سليم في رسالته الأولى:
سلام على الشريف العلامة الشيخ عبد الحسين شرف الدين الموسوي ورحمة الله وبركاته.
إني لم أتعرف فيما مضى من أيامي على دخائل الشيعة، ولم أبل أخلاقهم، إذ لم أجالس آحادهم، ولم أستبطن سوادهم. وكنت متلعلعاً إلى محاضرة أعلامهم، حران الجوانح إلى تخلل عوامهم، بحثاً عن آرائهم، وتنقيباً عن أهوائهم، فلما قدر الله وقوفي على ساحل عيلمك المحيط، وأرشفتني ثغر كأسك المعين، شفى الله بسائغ فراتك أوامي، ونضح عطشي، وألية بمدينة علم الله ـ جدك المصطفى ـ وبابها ـ أبيك المرتضى ـ إني لم أذق شربة أنقع لغليل، ولا أنجح لعليل، من سلسال منهلك السلسبيل، وكنت أسمع أن من رأيكم ـ معشر الشيعة ـ مجانبة إخوانكم ـ أهل السنّة ـ وانقباضكم عنهم، وأنكم تأنسون بالوحشة وتخلدون إلى العزلة، وأنكم. وأنكم. لكني رأيت منك شخصاً رقيق المنافثة، دقيق المباحثة، شهي المجاملة، قوي المجادلة، لطيف المفاكهة، شريف المعاركة، مشكور الملابسة، مبرور المنافسة، فإذا الشيعي ريحانة الجليس، ومنية كل أديب.
وإني لواقف على ساحل بحرك اللجي، استأذنك في خوض عبابه والغوص على درره، فإن أذنت غصنا على دقائق وغوامض تحوك في صدري منذ أمد بعيد، وإلا فالأمر إليك وما أنا فيما أرفعه بباحث عن عثرة، أو متتبع عورة، ولا بمفند أو مندد، وإنما أنا نشّاد ضالة، وبحّاث عن حقيقة، فإن تبين الحق، فإن الحق أحق أن يتبع وإلا فإنّا كما قال القائل:
نحن بما عندنا وأنت بما عنـ * ـدك راضٍ والرأي مختلف
وسأقتصر ـ إن أذنت ـ في مراجعتي إياك على مبحثين، أحدهما في إمامة المذهب أصولاً وفروعاً، وثانيهما في الإمامة العامة، وهي الخلافة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وسيكون توقيعي في أسفل مراجعاتي كلها (س) فيكن توقيعك (ش) وأسلفك رجاء العفو عن كل هفو والسلام.
فيرد عليه الشيخ شرف الدين:
السلام على مولانا شيخ الإسلام ورحمة الله وبركاته.
خولتني بكتابك العطوف من النعم، وأوليتني به من المنن ما يعجز عن أداء حقه لسان الشكر، ولا يستوفي بعض فرائضه عمر الدهر.
رميتني بآمالك ونزعت إلي برجائك، وأنت قبلة الراجي، وعصمة اللاجي، وقد ركبت من سوريا إليك ظهور الآمال، وحططت بفنائك ما شددت من الرحال، منتجعاً علمك، مستمطراً فضلك، وسأنقلب عنك حي الرجاء قوي الأمل، إلا أن يشاء الله تعالى.
استأذنت في الكلام ـ ولك الأمر والنهي ـ فسل عما أردت، وقل ما شئت، ولك الفضل، بقولك الفصل، وحكمك العدل وعليك السلام.
تُرى ما الذي يحبس ألسنة المسلمين عن أن يقولوا التي هي أحسن، ألم يأمرهم الله بذلك حين قال ( قُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوّاً مُبِيناً) (الإسراء:53) فأين هم من تحذير الرحمن لهم عن نزغ الشيطان، ثم يقولون أنهم يريدون بذلك وجه الله، وما سواه صفعوا، وخدمة دين الله وما سوى أعدائهم خدموا، قد أعمتهم العصبيّة عن التبصر فيما فيه صالح أمتهم.
والداهية الداهية هي أن كتب التراث المذهبي قد قعّدت لمثل هذا الجدال الآثم، وجعلته من أعظم المثوبات، وعن مثله انطلق رجل الدين الشيعي وهو يحسب أنه يحسن صنعا، ولسنا نراه إلا سعيا ضالا، ولا ثمرة له إلا الخسران . فقد روى صاحب كتاب الاحتجاج الشيخ الطبرسي في ج1 ص 14 – 15 أحاديث لا نراها إلا مكذوبة على أهل البيت يستحث فيها الشيعة على الخصومة مع مخالفيهم من المسلمين، قال:
قال أبو محمد عليه السلام: قال الحسن بن علي بن أبي طالب عليه السلام وقد حمل إليه رجل هدية فقال له: أيما أحب إليك أن أرد عليك بدلها عشرين ضعفا أو أفتح لك بابا من العلم تقهر فلانا الناصبي في قريتك تنقذ به ضعفاء أهل قريتك؟ أن أحسنت الاختيار جمعت لك الأمرين، وإن أسأت الاختيار خيرتك لتأخذ أيهما شئت. فقال: يا بن رسول الله فثوابي في قهري ذلك الناصب واستنقاذي لأولئك الضعفاء من يده قدره عشرون ألف درهم؟ قال: بل أكثر من الدنيا عشرين ألف ألف مرة. قال:
يا بن رسول الله فكيف أختار الأدون بل أختار الأفضل، الكلمة التي أقهر بها عدو الله وأذوده عن أوليائه. فقال الحسن بن علي عليهما السلام: قد أحسنت الاختيار، وعلمه الكلمة وأعطاه عشرين ألف درهم، فذهب فأفحم الرجل، فاتصل خبره به فقال له حين حضر معه: يا عبد الله ما ربح أحد مثل ربحك ولا اكتسب أحد من الأوداء مثل ما اكتسبت مودة الله أولا ومودة محمد وعلي ثانيا ومودة الطيبين من آلهما ثالثا ومودة ملائكة الله تعالى المقربين رابعا ومودة إخوانك المؤمنين خامسا، واكتسبت بعدد كل مؤمن وكافر ما هو أفضل من الدنيا ألف مرة، فهنيئا لك هنيئا.
وقال أبو محمد عليه السلام: قال جعفر بن محمد عليهما السلام: من كان همه في كسر النواصب عن المساكين من شيعتنا الموالين حمية لنا أهل البيت يكسرهم عنهم ويكشف عن مخازيهم ويبين عوارهم ويفخم أمر محمد وآله جعل الله تعالى همة أملاك الجنان في بناء قصوره ودوره، يستعمل بكل حرف من حروف حججه على أعداء الله أكثر من عدد أهل الدنيا أملاكا، قوة كل واحد يفضل عن حمل السماوات والأرضين، فكم من بناء وكم من نعمة وكم من قصور لا يعرف قدرها إلا رب العالمين.
وقال أبو محمد عليه السلام: قال علي بن موسى الرضا عليهما السلام:
أفضل ما يقدمه العالم من محبينا وموالينا أمامه ليوم فقره وفاقته وذله ومسكنته أن يغيث في الدنيا مسكينا من محبينا من يد ناصب عدو لله ولرسوله، يقوم من قبره والملائكة صفوف من شفير قبره إلى موضع محله من جنان الله، فيحملونه على أجنحتهم يقولون له: مرحبا طوباك طوباك يا دافع الكلاب عن الأبرار ويا أيها المتعصب للأئمة الأخيار.
وقال أبو محمد لبعض تلامذته - لما اجتمع إليه قوم من مواليه والمحبين لآل محمد رسول الله بحضرته وقالوا: يا بن رسول الله صلى الله عليه وآله إن لنا جارا من النصاب يؤذينا ويحتج علينا في تفضيل الأول والثاني والثالث على أمير المؤمنين عليه السلام ويورد علينا حججا لا ندري كيف الجواب عنها والخروج منها -: مر بهؤلاء إذا كانوا مجتمعين يتكلمون فتستمع عليهم فسيستدعون منك الكلام فتكلم وأفحم صاحبهم واكسر عربه وفل حده ولا تبق له باقية، فذهب الرجل وحضر الموضع وحضروا وكلم الرجل فأفحمه وصيره لا يدري في السماء هو أو في الأرض.
قالوا: ووقع علينا من الفرح والسرور ما لا يعلمه إلا الله تعالى، وعلى الرجل والمتعصبين له من الغم والحزن مثل ما لحقنا من السرور. فلما رجعنا إلى الإمام قال لنا: إن الذين في السماوات لحقهم من الفرح والطرب بكسر هذا العدو لله كان أكثر مما كان بحضرتكم، والذي كان بحضرة إبليس وعتاة مردته من الشياطين من الحزن والغم أشد مما كان بحضرتهم، ولقد صلى على هذا العبد الكاسر له ملائكة السماء والحجب والعرش والكرسي، وقابلهما الله تعالى بالإجابة فأكرم إيابه وعظم ثوابه، ولقد لعنت تلك الأملاك عدو الله المكسور وقابلها الله بالإجابة فشدد حسابه وأطال عذابه.
فانظر إلى علامات الوضع في أمثال هذه الروايات، فلسانها لسان العوام، وأشخاصها بلا تشخيص( جار، صاحب، رجل، فلان، قوم...)، كما يقولون إذا أردت الكذب فاكذب على غائب أو ميت، وقد عرف علم الحديث أمثال هؤلاء وسماهم المحتسبين الذين يضعون الحديث في خدمة الدين بحسب نظرهم ، ولسانها أبعد ما يكون عن لسان الأئمة والعلماء فهو بلا أدب ( يا دافع الكلاب).
هذه الروايات قد وضعها عشاق الجدل المذهبي على ألسنة أهل البيت ليشرعوا لأنفسهم الدخول في الجدل الباطل الممزق المفرق، بل وضعها أعداء أهل البيت ليقبحوا صورتهم عند سائر المسلمين.
والأمر الخطير هنا، وكما هو الحال مع أحاديث السنة المروية عند المسلمين أنها أشد أثرا في تكوين الوعي، وصياغة توجهات الرأي العام، من آيات الذكر الحكيم، حيث تستخدم الروايات في توجيه العقل وصياغة التوجهات الدائمة، وهنا تكمن خطورتها:
ü فهي تجعل الجدل لأجل كسر الخصوم هدفا مقدسا،
ü وله من الثواب ما لا يحصيه إلا الله،
ü والبارع فيه هو مع النبيين والصالحين من أهل السموات والأرضين،
ü مع تسليح المجادل بإجازة السب واللعن والكسر والفلّ.
فهل تنتظر أن تنجلي المعركة إلا عن النار والدمار.
ومن الغريب أنك تجد صاحب كتاب الاحتجاج نفسه يخالف مثل هذه الروايات التي أوردها في الصفحة 14 ومباشرة في الفصل الذي يليها في الصفحة 15، فيورد ما ينافيها ويمنعها ويحرمها على لسان الرضا عليه السلام، والتي أوردناها سابقا، ولكن من الناحية العملية يمارس المجادلون منهاج الجدل في الصفحة الرابعة عشرة مدعين أنهم من أهل الخامسة عشرة، وكذلك هي خطوات الشيطان مضللة للإنسان.
إن عشاق الجدل قد دسوا أمثال هذه الروايات ليجعلوا عملهم عملا مندوبا وواجبا يثاب عليه جزيلا، وتفرح به ملائكة السماء، وما هو إلا خناجر تمزق جسد الأمة وتقطّع أوصال المشروع النبوي تقطيعا،إنه جدال عقيم حقود، لا ولاء فيه للإسلام، ولا حمية فيه للدين، ولا يثمر أبدا عن اتفاق على حق، ولو كان الحق كالشمس الطالعة.
إن الجدال الحق هو الذي يسلم للحق إذا تبين مهما كانت جهته ومقتضاه، أما إذا كان الاختيار لمذهب دون آخر على أنه هو الحق، فمتى ما حدث ذلك كان التنكر للآخر بأنه لا حق فيه، فوقعنا فيما حذرنا منه القرآن من متابعة أقوال اليهود والنصارى في بعضهم أن ليس الآخر على شيء مع تلاوتهم لنفس الكتاب، وقد وبخ الله القائلين مثل قولهم بأنهم لا يعلمون، وما ترانا نقول إلا نفس مقالتهم وننهج إلا منهجهم، وكأننا لم نحذر ولم ننذر (وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ) (البقرة:113)
إن الجدل المذهبي يمارس على عقول الناس تضليلا يعميها عن الأكثر المشترك، ويضخم في عينها القليل المختلف، حتى لتعود مواضع الاختلاف تستحوذ على الدين كله، لتكون هي الدين، فلا ترى أعين الناس سواها، تماما كم لو كان عندك بالونٌ فعقدته في موضع لتمنع الهواء عما وراءه، ثم نفخت فيما قبل العقدة فضخمتها وعظمتها، فالناظر لا يرى البالون إلا ما نفخ، حتى لو كان ما بعد العقدة أعظمه.
فالعقل المضلَل يعمى عن رؤية أن المختلف يصلي، وهو جوهر الأمر، ليبصر أنه يُسبل أو يتكتف؟ يجمع أو يفرق؟ يجهر أو يخفت؟ ويعمى عن حقيقة الصوم في الصيام، ليبصر أنه يفطر مع غياب القرص أم بعد غياب الحمرة المشرقية؟ ويعمى عن حقيقة الوضوء ليبصر أغسلتان ومسحتان، أم ثلاث غسلات ومسحة؟! مع أن منهاج الدين صريح في احترام كل صلاة يتعبد بها العبد لله، وأنها تحت الحفظ الرباني بالتدافع الإنساني ( وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً )(الحج: من الآية40).
إن الاستفزاز المذهبي الذي يسيطر على عقول وقلوب المذهبيين ما هو إلا رعونة أخلاقية، وليس كفاءة علمية، ولن تلبث أن تجد أحدهم مهما تصنع العلمية أن ينقلب نحو الفظاظة والسباب واللعن والتكفير، وستجدهم يلجؤون للكذب والبهت والإعراض والاستهزاء كلما دعت الحاجة بل ابتداءً، فهم أبعد ما يكونون عن سمت النبوة وهدي القرآن.
إن التبجح الطائفي والتخبط المذهبي الذي يملأ الميادين، قد فتح للشيطان ثغرات لا تحصى، وقد حظي فينا بامتيازات خاصة، فهو يقلبنا كيف يشاء، إن شاء أوقد وإن شاء أخمد، لا لشياطين الجن فحسب بل هم اليوم أقل ضررا من شياطين الإنس، الذين يوقدون وينفخون يبتغون بنا الفتنة وفينا سماعون لهم، فلا غرو فهذه وسائل إعلامهم تفتأ تذكر شيعية المقتول وسنية القاتل ، وسنية المهجَّر وشيعية المهجِّر، وتستقبل خوار المذاهب وتسميه حوارا، سبحان الله فجأة تمخض جملهم عن كل هذا ثم يقولون أن نظرية المؤامرة أوهام!
إن السقوط في الحبائل الطائفية والمذهبية سقوط في مرمى الأهداف الخاطئة، فما جعل الله الفرقة هدفا محمودا حتى يرتضيه لأمة أرادها خير أمة أخرجت للناس، فأين هي الأمة إذا تمزقت مذاهب وطوائف عن أهدافها الحقة التي كلفت بها؟ لقد صدع القرآن فينا بالتحذير منها فقال:( وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) (آل عمران:105)
إن أكثر أيام الأمة ضياعا هي التي نضخم فيها وهج المذهبية على حساب شمس القيم والمبادئ، فحيث تفترق الأمة تفقد عالميتها وتضل عن رسالتها، وتتغيب عن إنسانيتها، فما الذي يفهمه العالم من أمة تتكافر إلا أنها كلها في ضلال مبين؟ وأن ادعاءاتها مهما كانت فهي كاذبة في التمسك بها؟ العالم اليوم والأمس يبحث عن القيم العليا والمبادئ الجامعة للناس كل الناس، ونحن لا نقدم إلا الدم والجرم، والرفض والعزلة، فلا شك أن تبور بضاعتنا في سوق الأفكار.
إن الأهداف الربانية من هذه الأمة حينما شرفها بآخر نسخة من دينه الإسلام، لا تتحقق إلا بوحدتها على عموم مبادئها، والحمد لله أن الأمة لا تختلف في هذه المبادئ، وليس عليها سوى ترتيبها في سلم أولوياتها، فتجعل صغائر اختلافاتها في موضعها الحقيقي من الأهمية، وتتمسك بمقاصدها الكبرى النبيلة، ولكن عقل الأمة اليوم يبعد أشواطا عن ذلك بسبب الانقلاب على القيم الحقيقية واستبدالها بقضايا هي في الحق لا تستحق أن نمزق الأمة من أجلها، فهي لن تدخل جنة ولن تعصم من نار، فالجنة لكل عبد مؤمن قد عمل الصالحات وليكن مذهبه مايكون.
جمعية التجديد الثقافية الاجتماعية