- التفاصيل
- كتب بواسطة: م. زياد صيدم
- الزيارات: 3
حلب يا حبايب . م. زياد صيدم استيقظت هذا الصباح متأخرا فاليوم هو إضراب عام للموظفين حسب تقيدنا بقرار نقابة الموظفين الحكوميين وذلك بسبب عدم انتظام الراتب وعدم احترام للاتفاقية الموقعة بين النقابة والحكومة والتى على أثرها تم فك الإضرابات الشهيرة الماضية لاسيما وقد شُكلت - حكومة - الوحدة الوطنية ولم تتضح بعد الرؤية السياسية التي ما تزال متجمدة أو آلية صرف الرواتب بانتظام طبعا هذا نتيجة رئيسية للحصار الجائر على البنوك والمعاملات المالية وعدم موافقة أمريكا على فك الحصار حتى الآن ؟؟؟ حيث تمت الموافقة بالإجماع من القوى الوطنية والإسلامية في إعلان مكة المكرمة على حدود حزيران /67 ككيان سياسى للدولة الفلسطينية المرتقبة، إلا أن قوى الشر والهيمنة في العالم تبتغى التفاوض أيضا على تلك الحدود وقضمها !! وعلى عدم حل عادل ومشرف لقضية اللآجئين وهذا ما لن يكون لا من فتح ولا من حماس ولا من غيرهما من القوى السياسية الفاعلة على الساحة الفلسطينية فقد تم التنازل بما يكفى في سبيل فرص السلام لكافة شعوب المنطقة بما فيها دولة الاحتلال الغاشم . استيقظت متململا على صوت بائع جوال ينادى بمكبر للصوت حلب يا حبايب وهنا المقصود من الحبايب هم أحبته من الأطفال والأولاد اللذين تجمعوا من حوله ومن خلفه، طبعا نعلم جميعا ما هو الحلب أنها كرابيج حلب من المطبخ العربى الشامى وتحديدا من مدينة حلب السورية وهى من خامة ومكونات العوامة أو ما تسمى في بعض الأقطار العربية أم على أو لقمة القاضى والاختلاف الطفيف أنها تتخذ أشكالا طولية أو دائرية ويضاف إليها جوز الهند الناعم. وما زلت في الفراش حتى عادت بى الذكريات إلى 25 عاما مضت حينما كنا في مقتبل العمر نذهب إلى سينما النصر أو الجلاء وهما الوحيدتان في غزة في ذلك الوقت واللتان لم تستطيعا أن تفتحا أبوابهما حتى الآن ؟؟؟!! فقد جربت إحداهما قبل سنوات فتم إحراقها في موجات التطرف التي سبقت بشهور الانتخابات التشريعية الفائتة، حيث كانت شعاراتهم المرفوعة أن دور السينما رجس من عمل الشيطان بعد فتوى عجيبة غريبة من قبل من يفتون على طريقة ولا تقربوا الصلاة، حيث أنهم تطوروا مع الزمن فحاليا يقومون بإحراق محلات الانترنت ومحلات بيع وشراء ا|لأقراص المدمجة وغيرهما.. هذا بالتأكيد طبقا للتطور الذي حدث في عالم التكنولوجيا فتطورت معها وتلقائيا الفتاوى فهي لكل زمان ومكان....وتذكرت صوت بائع البزر ( اللب ) الذي كان ينادى بزر يا حبايب تماما بنفس النبرة والنغمة لبائع الحلب ، فما أشبه اليوم بالأمس...وهنا خطر على فكرى بأننا نكاد أن نكون محلنا سر فلم نتقدم بتقدم الزمن وبقينا في مكاننا عاجزين عن الانطلاق للأمام ؟؟ فنجد بان الزمن يعيد نفسه دوما في مجتمعاتنا العربية خاصة وعلى عدة محاور رئيسية فلو نظرنا من الجوانب السياسية لوجدنا أحوالنا يرثى لها وهى شبيهة بأزمان مضت في حقب متنوعة ، فالدروس والعبر ما تزال مفقودة منها ؟؟ . وبنظرة إليها من زاوية اقتصادية لوجدنا أننا ما نزال عاجزين عن إطلاق سوق عربية مشتركة أو إنتاج نبات القمح علما بوجود أراضى زراعية في السودان ومصر والعراق تكفى لمعظم العالم العربى بمقدار 3 أضعاف، وما تزال ثرواتنا الطبيعية تحت تصرف الشركات الغربية العملاقة سواء استخراجا أو تسويقا وما تزال استثماراتنا تنعش اقتصادهم المنهار بفعل حروبهم خلف المحيطات بلا مبرر سوى السيطرة والهيمنة والفكر الاستعمارى الذي لم يغيب عن عقولهم بعد . وبنظرة إلى الأحوال و الأوضاع الاجتماعية نجد أننا وقد غرقنا في عادات جديدة وبدع مستوردة شوهت ثقافتنا الدينية الخلاقة والسمحة بأخلاقها مما جعلتنا ندخلها ونقحمها في السياسة وبالتالى في أنظمة الحكم وبريقها وسطوتها وسلطتها..... بدل التفرغ لإصلاح المجتمع وتنقيته استعدادا لما هو قادم من أولويات القضايا المصيرية للأمة ؟؟؟ وبالتالى وقع ما يطلقون عليه بتصادم الحضارات والذى يذهب كثيرين من كتاب الأمة لتحويله إلى تصادم سياسى لإبعاد الأسباب الثقافية التي تشوهت بفعلهم القاصر وهؤلاء أنفسهم من يدعمون باتجاه تدخل الدين في الدولة فوقعوا في محصلة نتائجهم وهى أصفار وبلا نتائج ايجابية بل العكس تماما على كل المستويات الداخلية والخارجية ، المجتمعية ،السياسية والاقتصادية بشكل يبشر بانفجار ضخم وعنيف لا تحمد عقباه في المنطقة كلها. وهنا ولاستدراك المسببات الأساسية الأخرى نقوم بتشبيه الوضع بالمعادلة الكيميائية ذات الجانبين الأول يتمثل في تنفيذ السياسات الغربية ذات الطابع الإستعمارى والهيمنة القديم /الجديد بما يوازيها في الجانب الآخر من المعادلة وهى وجود أنظمة حكم لا تكترث بتطلعات ورغبات شعوبها ، قمعية خائبة خانعة ومتسلطة وطبيعتها أبدية ووراثية. حيث يتعادل شقا المعادلة بوزن عجيب غريب علما بأننا نعيش عالم المعرفة الواسع وانفتاح ثقافي ومعلوماتى هائل فلسنا على جهل أو عدم دراية حتى نضع اللوم على ذلك كمبررات كما فعلنا في تشريحنا للتاريخ الأسود والذين سبقونا في الماضى ونستدرك بهذا أننا نحن الشعوب التي نعانى من مرض اسمه الآمبالاة والخنوع والتقاعص وتشويه الأفكار فلا الثقافة العلمانية ولا الثقافة الدينية استطاعت أن تغير من حالنا لكى نقلب الصورة البالية التي تسيطر علينا من قرون طويلة وعليه لا بد من إيجاد حل جذرى لطريقة عيشنا وتفكيرنا قبل أن يمر الدهر كله وتحين الساعة ونحن على ما نحن عليه بعد !!؟؟؟.. فالتاريخ ما أسهل تكراره عندنا حتى أننا نستطيع القول ما أشبه الأمس باليوم وذلك بعكس القول السابق ما أشبه اليوم بالأمس وهذا ما يميز مجتمعاتنا العربية كلها ويعكس مدى الفوارق الشاسعة بين مجتمعاتنا والمجتمعات الغربية المهيمنة على ضعفنا واستسلامنا لأقدارنا التي لأنفسنا صنعناها بتقصير منا لا شك فيه على حين نجد أن الغرب من الصعب عليهم عكس المقولة الثانية ، حيث تجاوزوا ذلك منذ زمن طويل ، وبقينا نحن لا نجد فوارق بين القولين. وحلب يا حبايب .
- التفاصيل
- كتب بواسطة: محمد العرفي
- الزيارات: 4
سندخل التاريخ من أحقر أبوابه
لا لأنا حزنا المجد..
ولكن لأنا كلما تمخضنا
أنجبنا ذلا جديدا
ولحين تعود الرقاب من تحت النعال...تنفض عن نفسها غبار الذل
سيبقى الغباء أحد قدسيات خيبتنا.
وستبقى فلسطين والعراق أغاني السهرة..تتلوها أغاني العاهرات
ونحن ما زلنا نتفرج كالبلهاء كأننا من كوكب آخر
ربما قد تنكرنا في زى عربي..
ونتحدث بلكنة عربية
إلا أن الثرثرة والكروش واللحى والمسابح المتدلية لا تكفى
ربما نحتاج إلى المزيد من الـــ (ستار أكاديمي والكورة والموضة والتبغ وهيفا وأخواتها) كي نموت عشقا وطربا بينما يموتون غير بعيد من مراقصنا جوعا وفقرا
لكم حاولت وضع( الحزن) بين قوسين منيعين..وأن أضع الفواصل بين العروبة والغباء ولكن تأبى الكلمات إلا أن تمتزج مع بعضها في هذا الكيان.،وكلما أردت التملق للواقع وإلباسه حللا زاهية..أبدأ سطر جديد ولكن لا يزيد القلم عن (نقطة) تكون هي بداية الكلام ونهايته في آن واحد(.)
كالببغاء ظللت اردد مع الجموع الغفيرة
بالروح بالدم أفديكِ يا فلسطين
ثم زدنا عليها العراق
ومازال الهتاف يقول .هل من مزيد..؟؟
أحمق أنا حينما ظننت أن الصياح سيعيد ما أخذ بالقوة
بل حمقى نحن ..عندما هربنا عند أول طلق ناري!
ثم انهال الصفير والتصفيق من المحيط إلى الخليج...لمن هدد بإزالة دولتهم
لتطل علامات الاستفهام من جديد...كيف استووا ظهورنا دون أن نكون قد انبطحنا لهم انبطاحا.
لنكتشف أن صلاتنا نحو قضايانا لم تكن إلا (مكاءا وتصدية!)
.
لقد أسمعت لو ناديت حيا..ولكن لا قلوب لمن تنادى
استبدلناها بمزيد من الألسن..وكم خطبة رنانة بكينا فيها حد النهيق!
ثم تفرقنا نضرب في الأرض بقوائمنا عساها تخرج خالد أو عمر من جديد...
وكلما ضربنا بقوائمنا ركبنا طاغية يتلوه طاغية ، حتى أدمنا دوران الساقية.
.
تؤلمني نظرته ...تشعرني بالخزي وكأنه يقول
هذا الحجر بيدي أكثر حنانا من قلوبكم ..واشد فتكا من الترسانة النووية
ملعون زيتونكم وكرمكم..ووحدتكم العربية
قوميتكم لم تنفعني..
لم حملتموني صفحات مجدكم وتركتموني وهربتم؟!
صدعتم رؤوسنا..متى نراكم على حدودنا...؟
.
بين الحين والآخر..أتحسس قلبي،برغم الأسى مازال ينبض.
أمد يدي في حلقي..عساها تخرج تلك الروح المنهزمة..ولكن دون جدوى
أرفع بصري إلى السماء أتأمل سحابة وأقول لها أمطري أنى شئتِ فلن يأتينا خراجك
حتى لو أمطرتِ فوق رؤوسنا..فما عادت أرضنا ملك لنا
أتأمل تثاؤبنا ..الذي ما عدنا نتقنه
لو أتقناه جيدا ،ربما اقتلعتهم رياحنا الهوجاء
لو تجمعت قلوبنا ،لتحول النبض إلى قرع لطبول الحرية.
ألملم أفكاري الواقعة بين دفتي خوفي وحزني
كمن يلملم الجمر بين جوانحه... و بقية من شوك
أستعيذ بالله من عروبتنا ثلاثا...ومن عصا الحاكم سبعا وربما أكثر...!!!!!!!!
أتفل عن يميني ويساري كي لا تتلبسني لحظة صدق جديدة
(نداء أخير)
بح صوتي وجفت مدامعي
ما عاد لي شيء
بيتي... هدموه أمام أعينكم
أهلي.. اسالوا الأنقاض عنهم.
وكرامتي ضاعت في ركاب تخاذلكم
قبيل الموت بزفرة..
أرقب ورق الخريطة
أجدكم قد تحركتم...ولكن بعد فوات الأوان
ماذا افعل بالحياة بدون أبى وأمي..........؟
- التفاصيل
- كتب بواسطة: أحمد عبد الله
- الزيارات: 3
عندما أقول " نحن جيل مظلوم " ! ...
فهذه العبارة ترضينا نحن الشباب, لأنها تريحنا و ترفع عن كاهلنا المسؤولية.. فهي الشماعة التي نعلق عليه همومنا و الوسادة التي تنام عليها إرادتنا و الحجة البليغة التي ندمغ بها يقظة ضميرنا.. و لأننا معها بريئى الذمة ,معفيين من الحساب ,مشكوريين على طول الصبر .. فليست معاناة هذه الأمة من فعل أيدينا و لا كانت ذنوبها فى رقابينا بل نحن الذين ولدنا لنجد رقابنا ترسف فى أطواق للفقر و الجهل هى من صنع الأباء .. و الذى يلوم علينا يظلمنا مرة أخرى , و الاولى به ان يواسينا أو يتأسى بنا و يتعلم الصبر و طولة البال !
و لكن الحقيقة كعادتها مرة .. و الحقيقة أننا نحن الذين نظلم أنفسنا بحجة التخفيف عنها و نسارع بتأنيب الأباء و التنديد بزمانهم قبل أن تشير أصابع الإتهام إلينا .
لقد كنا نفضل أن نولد و قد سبقتنا إلى الوجود إيات الدعة و أطايب الرخاء و لا عيب فى ذلك .. و لكن العيب الكبير فى أن نتنصل من مسؤوليتنا أمام أنفسنا و نذبح أحلامنا قربانا لراحة بالنا و نقرر الإنسحاب المبكر من الحياة بالرغم من أنها تحيا فينا فنكون كموتى حكم عليهم بالحياة أو كفراغ شغل حيزا فى الوجود ..
إن البكاء على أطلال الماضي لن يقدم و لن يؤخر , فالماضى لا يعود لا بالبكاء و لا بغيره و لكن المستقبل هو الذى ترسمه أحلامنا و تخطط له عقولنا و تصنعه أيدينا , وأيدينا لن تكون جاهزة للعمل طالما ظللنا نشير بها إلى أباءنا مرددين فى صوت واحد " أنتم السبب"! ... و عقولنا لن تقوى على التخطيط طالما ظل السخط الذى لا يتجاوز نفسه و لا ينتظر شيئا من بعده هو ديدانها.. و أحلامنا لن تقوى على البقاء للحظة , فسوف تقتلها خنقا رائحة اليأس الكريهة !
أننى أعرف مدى الملل الذى بات يثيره الحديث التقليدي عن "المعجزة اليابانية " أو " المعجزة الألمانية " و أعرف أيضا أننا سمعناه كثير و لم نتعلم شيئا .. و لكن أحد لا يستتطيع أن يغفل هذا الحديث إذا كان بصدد الشكوى من فتور العزيمة و هزالة الإرادة ..
فشباب ألمانيا و اليابان بعد نهاية الحرب الكبري عرف ما هو الحضيض و كيف يكون العيش على الحديدة و كيف تصبح الحياة ظلام دامس لا تسكن الأجواء بارقة نور ..و لكن النور الذى عاش فى قلوبهم لم ينطفىء, فقد غمرهم الأمل و احتضنهم حلم النهوض بعد ضربة الإنكسار الرهيبة مع أن هذا الجيل كان من حقه أن يصب كل اللعنات فوق رؤوس أباءه , كان من حقه أن يعيش عمره كله و هو يصرخ رثاءا على أمته التى سقطت فى حلم البصر بعد طول علو .. و لكنه لم يفعل ذلك , فكتم الصراخ فى قلبه و حبس الدموع فى عينيه و راح ينشد نشيد الأمل و ينثر بذور الخير و أعلن على نفسه السخرة , سخرة الأيادى و العقول و الأقلام من أجل الإصلاح و البناء و لأول مرة نرى المستحيل على أرض الواقع لحما و دما و مصانعا تقف شامخة فى " طوكيو" و "فرانكفورت" و "برلين" بعد أقل من عشرين عاما ! و يقف العالم مشدوها , يحنى الرؤؤس و يرفع القبعات لهذا الجيل العظيم .
فإذا كان أباء هذا الجيل فى ألمانيا و اليابان قد تركوا لأبنائهم الخراب المحض ثم كان من أبنائهم أن فعلوا ما فعلوه .. فخير لنا أن نقبل رؤوس أبائنا لأجل ما فعلوه من أجلنا و نقول فى نفس واحد " نحن جيل محظوظ!" ثم ننتبه للمستقبل الذى يمتد فى الأفاق منتظرا .. و حتى يأتى من بعدنا جيل يفخر بنا بدلا من أن يلعنا !
- التفاصيل
- كتب بواسطة: زياد أبوشاويش
- الزيارات: 4
الأول من أيار.. تموت الثورة ، تعيش الفكرة .
بقلم : زياد أبوشاويش
عندما سطر أؤلئك الثوريون وثيقة الحرية بدمهم من أجل حق العمال في يوم عمل من ثماني ساعات ، وطالبوا بها لكل المهن والصناعات ، لم يتصوروا أن يومهم ذاك سيصبح اليوم الأهم على مدار الزمن للطبقة العاملة ونضالها المستمر من أجل الحرية والمشاركة في الملكية ووقف الاستغلال . قبل الأول من أيار لعام 1886 بأكثر من عقد من الزمان كانت كومونة باريس قد هزمت وانتهى بها المطاف إلى متحف التاريخ ، لكنها ككل المنعطفات الثورية في التاريخ البشري وضعت الأسس الصحيحة لنضال الطبقة العاملة وممثليها من أجل مجتمع أكثر إنسانية ، خالي من الاستغلال والاستعباد .
وربما يأتي اليوم الذي ينعطف فيه التاريخ مرة جديدة باتجاه يؤسس لعالم أكثر عدلاً عبر ثورة عمالية عالمية من نمط جديد تأخذ كل المتغيرات والظروف والتطور التكنولوجي بعين الاعتبار.
العمال هم بناة الحضارة الانسانية على امتداد العصور والأزمان ، ومع تغير أسلوب الإنتاج وشكل الملكية منذ عصر العبودية الأول وحتى يومنا هذا بقي العامل يقدم جهده وعرقه من أجل استمرار الحياة وتطورها باتجاه تقدمي ، وبقي يعطي مع هذا الجهد المثل والقدوة في العطاء والانضباط تجاه العمل وتجاه رأس المال على حد سواء ، وبقي الأحرص على منح الإنتاج كل فرص النجاح حتى على حساب راحته ودمه وحتى روحه في الكثير من الأحيان ولم يخرج عن هذا الانضباط سوى عندما كان أرباب العمل يتجاوزون بظلمهم واستغلالهم كل الحدود المنطقية والأعراف الانسانية ، وحتى في ظل النظام الاشتراكي بصيغته السوفيتية قبل العمال الحد الأدنى من العيش ، من أجل بقاء التجربة واستمرار الثورة التي قدمت لهم نظرياً على الأقل مفتاح الجنة الموعودة لعالم خالي من الاستغلال الطبقي ، عالم تسود فيه قيم المساواة والحرية والسلام ، عالم يذهب فيه العامل إلى عمله سعيداً ويعود فخوراً كما قال لهم حزب طبقتهم الذي ما عرف كيف يجسد أفكاره على أرض الواقع بشكل خلاق ومبدع ينافس به نظاماً رأسمالياً متطوراً وقادراً على تجاوز أزماته ، بل أيضاً على تفجير كل تناقضات المرحلة الانتقالية للنظام الاشتراكي بشكل عنيف ، وتقديم نموذج نقيض مخادع لكنه جذاب ويقدم للعمال ما تعجز عن تقديمه النظم الاشتراكية بكل تلاوينها (موضوع بحث نظري ضروري ومهم ) .
لقد مرت ذات الأزمات والتناقضات في نهاية العصر الإقطاعي ، فمع وصول مستوى الصناعات إلى استخدام المكننة والآلة البخارية كان التراكم الرأسمالي قد وصل إلي حدوده القصوى وأصبح في حاجة ماسة إلى تغيير شكل الملكية وأسلوب الإنتاج المسيطر ، هذا التغيير الذي كان لابد أن يعبر عنه في قوانين جديدة تتناسب والتطور الحاصل ، الأمر الذي قاد حتمياً إلى ظهور قوانين الرأسمال الحديث من تنظيم لعلاقة العمال بأرباب العمل أو بتظهير علاقة الطبقة الرأسمالية بالدولة وسيطرتها الكاملة على معظم مؤسسات البناء الفوقي ، وخصوصاً الثقافة والإعلام . وعلى الرغم من كل الانتكاسات التي مرت بتاريخ النضال الطبقي الذي خاضه العمال من أجل المساواة والعدالة وما ارتكب في سياقه من أخطاء وتجاوزات فقد بقيت الأحلام التي راودت طلائعهم الثورية تراود مخيلة كل الناس بمن فيهم أؤلئك الذين يعيشون على هامش إنتاجهم ، ويدرك الجميع اليوم أن تحرير الطبقة العاملة من عبودية رأس المال هو تحرير لكل الأمم والشعوب من أخطار الحروب بكل أشكالها ، قومية كانت أم دينية ، اقتصادية أم ثقافية .
إن سقوط التجربة السوفيتية قد أدمى قلوب كل المتطلعين لتحقيق العدالة والحرية على سطح المعمورة ، وقد تناولت الأمر عشرات الدراسات والتحليلات في الأسباب والعوامل التي أدت لهذا السقوط المدوي والمحبط ، ولا يمكننا في هذا المقال أن نستعرض تلك الأسباب ، ولكنني أستطيع الحديث في زاوية محددة عشتها بكل تفاصيلها عندما مكثت في الاتحاد السوفييتي ستة أشهر وانتهت في الشهر الثالث لعام 1990 ، عشية سقوط آخر القلاع بعد تهاوي دول المنظومة الاشتراكية كأحجار الدومينو أمام سمع وبصر الحزب الشيوعي السوفييتي بل أكاد أجزم أنها كانت بتشجيع منه في ظل رؤية نظرية منحرفة ومخادعة مثلتها سياسة البريسترويكا والجلاسنوست المقرة من مؤتمر الحزب العام المنعقد عام 1986 ، والذي أرسى فيه الأمين العام وقتذاك السيد غورباتشوف رؤيته الشخصية لتطور التجربة وتما هي أغلبية قيادة الحزب معه ، باستثناء قلة دفعت بعيداً عن مركز القرار، وتفقد الاشتراكية بذلك أبناءها المخلصين ويصبح هؤلاء مطاردين من رفاقهم ويطردون من مواقع التأثير واحداً تلو الآخر .
وربما يأتي من يخبرنا لاحقاً عن تفاصيل التطور المدهش الذي وقع في تلك الفترة وقاد إلى الهزيمة الفاجعة أمام نظام رأسمالي وحشي ولا إنساني تقوده الولايات المتحدة الأمريكية ، ولا يمثل فقط هزيمة في حرب باردة بل الهزيمة الأكبر، وفي أكثر الحروب قسوة ، تلك الحرب على العقل والوجدان العمالي الاشتراكي المزهو بعدالة فكرته وإنسانيتها .
إن تلك الشهور الستة كما أسلفت في الاتحاد السوفييتي قد أظهرت لي ولكل من عاش تلك الفترة أن الانهيار كان حتمياً ومن زاوية تمثل العنوان الأبرز على مرحلة وصلت فيها سمعة الحزب وطليعيته إلى الحضيض . إن تلك الزاوية التي أستطيع الإضاءة عليها دون خشية من خطأ أو ارتباك تتعلق بالهزيمة الثقافية أو ما يمكن تسميته بهزيمة الوعي لدى الشعب ولدى طبقته العاملة على وجه الخصوص . وقد تحدثنا في الأمر مع كادرات قيادية في الحزب الشيوعي ، وتجادلنا معهم بحدة حول خطورة ما يدور ، ولكن سبق السيف العذل كما يقال .
إن نقاشاً يدور في الشارع بموسكو أو ليننغراد ( بطرسبرغ حالياً ) وهما يضمان أكبر منظمتين للحزب الشيوعي السوفيتي ، وبين الناس العاديين وموظفي الدولة، حول الخلل في توقيت ثورة أكتوبر العظمى ، والتشويش الهائل الذي تلمسه في نقاشات الكادر الحزبي حول تخلف لينين وتسرعه ... إلى آخر المعزوفة حول ضرورة إعادة النظر في كل ما مثلته الثورة ، إن كل هذا يشير بوضوح إلى نجاح الدعاية الإمبريالية والرأسمالية في توظيف هذا الإرباك ، وثغرة البريسترويكا والجلاسنوست في ضرب القلعة من داخلها . وربما يقول قائل أن نقاشاً فكرياً يدور بين أجنحة الحزب لابد أن يكون مثمراً وبناءً وهو ضرورة لكل تطور نظري وعملي على صعيد التجربة، وأن إعادة البناء والشفافية أمران حيويان لاستمرار الثورة ونجاحها ... هذا صحيح ، لكن الأمر لا يعود كذلك عندما يفتح النقاش على التوقيت وصوابية الاختيار، بعد سبعين عاماً على انطلاق التجربة ونجاحها في إقامة دولة العمال والفلاحين بقيادة حزب العمال، وتثبيت ديكتاتورية البروليتاريا حتى وان كانت بمضامين خاطئة ومشوشة ، أو بأكثر موضوعية غير مدققة وتحتاج لمزيد من البحث والتنظير .
إن تفريغ الثورة الاشتراكية من مضامينها عبر التشويه المتعمد لمؤسسها ومنطلقاتها وتوقيتها يمثل السلاح الأشد فتكاً بأي تجربة ، طالما لم تجد من يدافع عنها ليس بالشكل النظري فقط ، بل أيضاً بتقديم النموذج المطابق لأفكار تمثل ذروة التقدم الحضاري والإنساني ، الأمر الذي افتقدته التجربة السوفييتية أو فقدته إن شئتم في عقدها الأخير على الأقل .
ولو تركنا التجربة السوفيتية جانباً وعدنا لطبقتنا العاملة سواء في فلسطين أو أي مكان على سطح الكرة الأرضية فإننا سنجد العمال الأحرص على الأمان والأمن الاجتماعي ، ويأتي هذا الحرص من زاويتين ، الأولى طبيعة العلاقة بين العمال وبعضهم البعض ، وإدراكهم ضرورة رسوخ هذه العلاقات واستقرارها لاستمرار العملية الإنتاجية ، والثاني ارتباط مصلحة الطبقة العاملة بهذين الأمرين وضرورتهما لحياة كريمة ومستقرة لهم ، ومن البديهي أن توفر الأمن والأمان يوفر الظروف المناسبة للاستثمار وإنجاز الأعمال وهو ما يعطي العمال فرصتهم في توفير مصدر عيشهم وأسرهم . وفي ذات السياق نجد أن الطبقة العاملة هي الأكثر احتراماً لعقيدة المجتمع الدينية والأحرص على حرية ممارستها بعيداً عن التعليب أو التزوير .
وفي الشأن القانوني أيضاً تجد العمال الأكثر احتراماً للقانون وانصياعاً للعقد الاجتماعي المجمع عليه ، وهم يفعلون ذلك طواعية لإدراكهم أهمية الأمر في تنظيم علاقتهم بأرباب العمل من جهة وبقوانين العمل المرتبطين بها معيشياً بخلاف طبقة الملاكين عقاريين كانوا أم صناعيين ،أو حتى في مجال المعلوماتية ، والذين يتحايلون على القانون بهذه الطريقة أو تلك .
كما أن العمال هم الأكثر انخراطاً في النضال الوطني الذي تخوضه الشعوب للتخلص من الهيمنة والاستغلال ، وفي الدول المحررة حديثاً أو قديماً كان العمال هم وقود الثورة وأكثر المضحين من أجل انتصارها ، ولعل طبقتنا العاملة الفلسطينية برجالها ونسائها تقدم القدوة والمثل على هذا الصعيد ، بالرغم أنهم أقل الفئات المستفيدة من وجود السلطة الفلسطينية وهم الذين يتحملون بشكل رئيسي كل أوزار الصراع والحصار وعقابيله المؤلمة .
وعلى الصعيد العالمي نرى كيف يدافع العمال عن السلام ويناضلون من أجل إقرار قوانين أكثر دقة وأكثر إنسانية لصيانة حقوق الدول الفقيرة والمستضعفة ، يؤازرهم في ذلك المثقفون الثوريون الجدد ، الذين يتصدون اليوم ببسالة للطغمة الحاكمة في واشنطن وحلفائهم من المحافظين الجدد أو المثقفين الجدد ، والذين يتوالدون كالطحالب في مجتمعاتنا العربية، ليزيدوا الهم على الهزيمة، ويطفئوا آخر شعاع يمكن أن يضيء ولو قليلاً من زوايا ليلنا المدلهم .
وكما نلاحظ فان موت التجارب الثورية أو هزيمتها في الأعم يزيد الفكرة نضجاً ولمعاناً ، وهذه عبقرية الفكرة ، ولولا هذا ما تقدم الجنس البشري أي خطوة للأمام .
إن ديالكتيك الفكرة والثورة ، وتجسيدهما بدولة العمال والفلاحين ، ثم هزيمة التجربة واندثارها(نتيجة أخطاء التطبيق والتغاضي عن ضرورة توفير مكانيزمات الدفاع عنها) قد مكن للفكرة وعمق أصولها الفلسفية ، وزاد من تجلياتها وأنصارها على الصعيد العالمي .
إن حبس الأفكار في قوالب جامدة حتى وان كانت ثورية للغاية لا يمكن أن يستمر بدون إبداع الحرية والديمقراطية الذي سعى إليه العمال عندما قدموا أرواحهم في ذلك اليوم المجيد من القرن التاسع عشر والذي بقي رمزاً لكل الطموح الإنساني المشروع بعالم تسوده العدالة والمساواة والسلام .
واليوم لم يعد يوم العمال العالمي أو عيدهم الكبير يوماً لدولة اشتراكية أو مجموعة دول ، ولا حتى لطبقة العمال فقط ، بل أصبح يوماً لكل الناس ولكل الأمم ، وسيبقى كذلك لان الفكرة التي جسدها ذلك اليوم الأغر ما زالت تمثل الطموح الإنساني الأكثر شمولية والأكثر عدالة والأكثر حرية ، ولا يفوتنا هنا أن نشير إلى أن انتصار هذه الفكرة وتجسيدها واقعاً عالمياً سيكون عاملاً رئيسياً في عودة حقنا بفلسطين كاملة غير منقوصة ، وسيجعل حل المسألة اليهودية أمراً ممكناً ، ولكن ليس على حساب شعبنا وطبقته العاملة .
زياد أبوشاويش
- التفاصيل
- كتب بواسطة: سامي الأخرس
- الزيارات: 3
الجدار العراقي إنعكاس منتظم للجدار الفلسطيني ** سامي الأخرس
من الحالات العلمية لإتعكاس الضوء ، الإنعكاس المنتظم ، والانعكاس غير المنتظم ، حيث لا يمكن للضوء أن يمر سوي بوسط مادي واحد لكي يسير بخطوط مستقيمة ، وهو ما تحقق من خلال سقوط الجدار الفلسطيني بنفس الوسط المادي فانعكس بشكل منتظم ومر بالعراق.
ولكن السقوط المنتظم للجدار في وسطه المادي قلب الصورة حيث إبتدأ من قاعدة الهرم ولم يبدأ من قمته . فجدار فلسطين مثل مرحلة متأخرة من الإسقاط ، بدأ بالإنتتداب البريطاني وهو نفس البداية العراقية ولكنه بشكل احتلال أمريكي – صهيوني – بريطاني ، ثم توالي الإسقاط ليصدر قرار التقسيم ، وتتحول فلسطين التاريخية لثلاث مناطق احداهما منطقة دولية ، وتوالت الإسقاطات حتى انتصب الجدار ليجسد السقوط الكلي على المرآة فتنعكس نفس الصورة الحقيقية .
الجدار الشاروني لم يأت اعتباطاً أو ترف عسكري ، وإنما جاء وفقاً لتسلسل الأحداث ، ووفق ما هو مرسوم ، ليتركنا ننزف تحت القتل ، والموت ، والحصار من آلة الإحتلال ، وبين فكي الفتنة الداخلية ، ومهاجمة المدارس ، والجامعات ، وعمليات القتل المبرمجة ، والخطف ، وتشكيل عصابات الموت التي تتخذ من اسم المقاومة شرعية لممارسة أغراضها ، وتحقيق أهدافها ترجمت أخر منجزاتها اليوم في مهاجمة السفارة المصرية بالقنابل والإعتداء على سيارة المستشار السياسي للسفارة المصرية ، لم يتبق لنا من إنجازات الجدار الشاروني سوي مشاهدة أفلام الذبح للمخطوفين والضحايا ، وكلما اشتدت الأزمة وضاق الخناق حول من يمارسوا ثقافة العصابات ، تتساقط البلاغات العسكرية عن إطلاق صاروخ هنا وأخر هناك كطوق النجاة الذي يعتق الرقاب ، أي أن الجدار الشاروني جسد مقاومتنا بصواريخ كرتونية لا تحمل من اسم المقاومة سوي الهروب من أزمات البعض السياسية ، فالجدار اسقط الفعل العسكري المقاوم لأنه إنعكس إنعكاساً طبيعياً منتظماً على الوسط المادي الذي يمكن أن يمر من خلاله ، وهو الوسط العصباتي الذي حدده لنا ، واستبدل النفس المقاوم بفس الموت والقتل ، والسرقات ، واللصوصية ، والمحاصصة لكل الوطن .
وهو نفس الإنعكاس للجدار البوشي الذي قسم بغداد ، لبغداد الشرقية ، وبغداد الغربية ، أو بغداد السنية ، وبغداد الشيعية ، حيث بدأ الجدار البوشي من نقطة الانتهاء للجدار الشاروني ، فالمقاومة العراقية تزداد عنفاً يوما تلو يوم ، وتخلق الأزمات للمحتل وعملائه ، فأرادوا فعل ما فعله الجدار الفلسطيني بأن يحولوا البندقية العراقية إلى بندقية شعار وبلاغ عسكري ، وإغراقها بوحل المفخخات ، والنهب ، والقتل الذي اصبح ثقافة يومية تتزود بها مدن العراق وأحيائه.
الإنعكاس جاء كقاعدة للمثلث المقلوب فبدأ من النهاية ، ويستمر حتى يصل إلي البداية وهو لا يحتاج ليبدأ لقوافل من المهاجرين مثلما احتاجت فلسطين ، فالعراق شهد هجرة داخلية من حفر العملاء والمتآمرين التي نصبت أنفسها كقادة وزعماء ، وها هي الإنعكاسات تتواصل وتستمر في وسطها المادي الطبيعي حتى يصل الضوء إلى نقطة الانطلاق في نيويورك وتصدر هيئة الأمم المتحدة قرارا تاريخيا لحل مشكلة العراق بقرار تقسيم مثيل لقرار تقسيم فلسطين ، مع اختلاف بسيط في احتياجات الجدار البوشي بزيادة عدد المناطق التي يحتاجها العراق لأربع وليس ثلاثة ، تتوسطها المنطقة الخضراء كمنطقة خضراء دولية تشكل مطبخ لطهي باقي فصول الإسقاط الكلي ، والإشراف على الإسقاطات المتفرعة من تحلل ألوان الضوء .
ورغم القراءة الواضحة ، والمعالم الجلية التي عبر عنها الجدار البوشي حاول فنانوا العراق تجميل وجه هذا الجدار من خلال نقش فنونهم وألوانهم على الجدار معتقدين أن الجدار لا يمتص الألوان ويجمعها في لون واحد . فهو إنعكاس منتظم لا يتحلل ولا يقبل التحلل ، يمتص كل الألوان ويشكل لون ببريق جدار الفصل والتدمير للعراق الموحد.
وبما أن الجدار أصبح حقيقة قائمة ، وواقع ينام ويصحوا عليه العراقيين ، نتمني أن الإسقاط الجداري الفلسطيني لا ينعكس على عواصم عربية أخرى مرشحة وبقوة مثل " الخرطوم ، وبيروت ، ومقديشو ، وصنعاء "
سامي الأخرس
1/5/2007
- التفاصيل
- كتب بواسطة: إبراهيم مشارة
- الزيارات: 3
ابن الرومي باكيا
رثاؤه لولده بقلم: إبراهيم مشارة
شاعر فذ من شعراء العصر العباسي لم ينل حقه من الإعجاب والتقدير حتى العصر الحديث حين قيضت له الأقدار عباس محمود العقاد فكتب عنه كتابه المشهور" ابن الرومي حياته من شعره" واقفا على أسرار حياته، غائصا في أدق دقائق سريرته متحمسا لشعره، كاشفا مكمن الفن فيه وآيات التفرد وللعقاد على ابن الرومي دالة بعد أن أنصفه كما أنصف غيره من الذين اعتقد أن الإجحاف والنكران لحقا بهم .
وإذا كان ابن الرومي غريب الأطوار وأخص خصيصة فيه تشاؤمه وتطيره من الناس إلى الحد الذي كان يلازم فيه بيته أياما إذا تطير بشخص، كما عرف عنه الشره، ولئن كان في حياته قد عانى من إهمال نقاد الشعر له وعدم احتفاء البلاط به فقد آذته هذه المعاملة الماكرة في نفسه وهو الذي كان يقدر مواهبه وعبقريته الشعرية التي بذت العرب في أخص خصيصة فيهم وهي عبقرية البيان لا جرم أنه شعر بالضيم واجتر المرارة ونزف الجرح في أعماقه غير مندمل فانقلب لسانه سوطا يسوم به خصومه سوء المقال تشفيا منهم ومن الزمن الذي غمطه حقه وبخسه ثوابه أوليس هو القائل:
نحن أحياء على الأرض وقد خـــسف بنـــا الدهر ثم خسف
أصبـــح الســـــافل منا عــاليا وهوى أهــل المعالي والشرف
يســـــفل النـــاس ويعلو معشر قارفوا الإقراف من كل طرف
ولعمري لو تأملناهم مــاعلوا ولـــكن طـــفوا مــثل الجيف
ولقد تحول الهجاء عنده إلى فن عرف به وصار وقفا عليه وهو الهجاء الساخر والكاريكاتوري يبلسم به جراحه ويفكه به خاطره بعد أن يتردى خصمه في دركات النقص والجهالة والبلادة ومن أمثلة ذلك قصيدته المشهورة في هجاء شخص يدعى عمرو من مخلع البسيط التي منها هذا البيت:
وجهك يا عمرو فيه طول وفي وجوه الكلاب طول وسخريته من صاحب لحية طويلة ربما آذى شاعرنا فتهكم منه في مثل قوله:
عــــلق الله في عذاريك مخـــ لاة ولكنها بــغير شــعــير !
غير أن ابن الرومي كان شاعرا حقا فإذا نفر منه الخلفاء والأمراء وأفردته العامة إفراد البعير الأجرب عاد ذلك على الأدب بالخير العميم ، فقد تنزه شعره عن أن يكون شعر المناسبات و قصائد المديح الرنانة الفارغة المضمون، وهو في وصفه لقالي الزلابية ووصف قرص الشمس وقت الأصيل ووصفه للأحدب أشعر منه من كبار الشعراء الذين وقفوا مواقف مخزية فرفعوا ممدوحيهم إلى مصاف الآلهة ووقعوا في مبالغات كاذبة واهية لا تمت إلى روح الفن بصلة طمعا في عرض ينالونه و لو أدى ذلك إلى الكذب و البهتان .
بل ترى في شعره فلتات إنسانية ونفسا مرهفة الحس ووجدانا متعاطفا مع مظاهر النقص في بني البشر كقصيدته في وصف " الحمال الأعمى " ذلك الذي مر به فقهاء ورجال دولة وشعراء و أعيان و عامة فلم يلتفت إليه أحد ولا أحس بمعاناته فرد إلا الشاعر الذي قال فيه :
رأيـت حمالا مـبين العمى يـعثر بالأكم و في الوهد
مــــحتملا ثقلا على رأسه تــــضعف عنه قوة الجلد
بـــين جمالات و أشباهها من بشر ناموا عن المجد
و البائس المسكين مـستسلم للــمكروه أذل مــــن عبد
فالشعر عنده كما ترى للحياة و الشاعر هو قلبها لا يراعي إلا الصدق مع نفسه وفي فنه مطرحا عنه التقليد نابذا التكلف واجدا الشعر في قرص الشمس وفي حجر يسقط في بركة ماء وفي وصف مائدة دسمة وفي هجاء إنساني يخفف به الشاعر من غلواء الزمن وتباريح الحياة وقد مات للشاعر ولده الأوسط وكان صغير السن فرثاه رثاء إنسانيا حارا تحس فيه بشهق الروح وسخونة الدمع و العجز أمام جبروت الموت فكان في رثائه كما كان في سائر شعره مبدعا ، أصيل العبقرية مكين الأدوات الفنية .
والعجيب أن الشاعر اختار للقصيدة التي رثى بها ولده وهي من الطويل وقافيتها من المتواتر حرف "الدال" وهو اختيار اتفق عليه كثير من الشعراء الذين رثوا أحبابهم منذ الأدب الجاهلي إلى الأدب الحديث فإحدى قصائد الخنساء الشهيرة في رثاء أخيها صخر دالية :
أعيني جــــودا و لا تـــــجـمدا ألا تبــكيان لصخر الندى ؟ !
وقصيدة حسان بن ثابت الأنصاري في رثاء النبي عليه السلام – دالية كذلك :
بطـــيبة رسـم للـرسول ومعهد منـير وقد تعفو الرسوم وتهمد
أما قصيدة المعري المشهورة في رثاء صديقه "أبي حمزة الفقيه " و التي هي في مضمونها رثاء للإنسانية جمعاء دالية أيضا :
غير مجد في ملتي و اعتقادي نــوح بــاك و لا تــرنم شــاد
ومن الأدب الحديث قصيدة الشاعر محمود سامي البارودي في رثاء زوجته وهي كذلك دالية :
لا لوعتي تدع الفؤاد و لا يـدي تقوى على رد الحبيب الغادي
وفقيد شاعرنا هو ولده " محمد" وقد صرح باسمه في قوله:
مـــحمد ما شيء تـــوهم ســــلوة لــقلبي إلا زاد قلبي من الوجد
وهو أوسط صبيته لقوله كذلك :
توخى حمام الموت أوسط صبيتي فلله كيف اختار واسطة العقد !
وهو إن كان الأوسط فهو صغير وما أشد براعة الشاعر في الإشارة إلى ذلك بقوله :
لـقد قــل بين المهد و اللحد مكثه فلم ينس عهد المهد إذ ضم في اللحد
ولقد مات الولد بنزيف حاد أبدله صفرة بعد حمرة الورد ونحولا وضعف قوى نتيجة لفقد الدماء :
ألح عليه النزف حتى أحــــــــــــاله إلى صفرة الجادي عن حمرة الورد
و ظل على الأيدي تساقط نفســـــــه ويذوي كما يذوي القضيب من الرند
ونحتاج إلى طبيب أديب متذوق للشعر ليشخص لنا مرض الولد الذي أودى به، فقد اهتم في العصر الحديث فريق من الباحثين من ذوي الاختصاص و هواية الأدب و التاريخ بدراسة أفذاذ من الماضي بل تشخيص أدوائهم التي أسلمتهم إلى الموت فنابليون بونابرت شخص دواؤه على أنه سرطان المعدة و ابن سينا سرطان القولون بل و قرأنا لطبيب أديب يشخص الحمى التي ذكرها المتنبي في قصيدته المشهورة و التي كان من أعراضها أنها لا تنتابه إلا ليلا وتصيبه بقشعريرة لا تدفعها عنه المطارف والحشايا :
وزائـــرتي كـــــأن بها حياء فليس تزور إلا في الظلام
بذلت لها المطارف والحشايا فعافتها وباتت في عظامي
يضيق الجـــــلد عني وعنها فتوسعه بأنواع السقـــــــام
وقد أصيب امرؤ القيس بمرض جنسي خطير لعله " الزهري" نتيجة شبقيته و علاقاته الجنسية المتعددة حتى سمي بذي القروح لقوله :
وبدلت قرحا داميا بعد صحة فيــالك نعمى قد تحول أبؤسا !
و أنت إذا قرأت قصيدة ابن الرومي هذه في رثاء ولده تقع على وصف جاء بتمامه في وصف امرئ القيس لعلته على الرغم من تباين الداء و الأعراض والعمر
فلو أنــــها نفس تموت سوية ولــــكنها نفس تساقط أنفسنا
ويقول ابن الرومي في ولده :
فيا لك من نفس تساقط أنفسا تســــاقط در من نظام بلا عقد
وأما داء الولد الذي أودى به فلا ترى فيه أثرا لذكر الحمى ولو اصطلحت على بدن الطفل ما أغفل الشاعر ذكرها و عهدنا بالصغار يقعون فرائس لها و لا إشارة لأي إسهال مميت وما أصيب الولد به أصلا ، وما كان شاعر وصاف مستقص لدقائق الأشياء أن يغفل أشياء خطيرة كهذه لو انتابت ولده، إنما هو استمرار النزف و النحول وانحطاط القوى الذي أسلم الولد الرطب العود إلى يد المنون .
وما من إنسان قرأ هذه القصيدة إلا وتعاطف مع مصاب شاعرنا تعاطفا وجدانيا يمحو أثر الزمن الذي قيلت فيه و كأن الولد مات لساعته والشاعر حديث عهد بإبداع هذه القصيدة المؤثرة ، وترى كذلك الوالد حزينا ولكنه الحزن الهادئ ، والنفس الراضية بالقدر لأنه لا مرد لقضاء الله وهو الحزن الممض كذلك و الجزع الدائم ولكن بغير عربدة وجموح و ما أبدع وصف الشاعر لهول المصاب بمثل قوله :
و ما سرني أني بعته بثوابه ولو أنه التخليد في جنة الخلد
و في القصيدة بيت ذائع جرى مجرى الحكم وهو قوله :
وأولادنا مثل الجوارح أيها فقدناه كان الفاجع البين الفقد
ثم يستدل الشاعر على ذلك بتشبيه الأولاد بالحواس وأن حاسة لا تغني عن حاسة و كأنه يرد ضمنيا على الذين عزوه في ولده وذكروه أن ولديه الباقيين سلوى و عزاء له إلا أن الشاعر في تشبيهه الأولاد بالحواس يصر على أن لكل مكانه و موقعه :
لــكل مكـــان لا يســــد اختلاله مكـــــان أخيه من جـزوع ولا جلد
هـل العين بعد السمع تكفي مكانه أم السمع بعد العين يهدي كما تهدي
وهناك ظاهرة ملفتة للنظر في شعر الشاعر إضافة إلى دقة التصوير وتلك هي ملكة النفاذ إلى باطن المعنى و الظفر بمكنونه فتراه يخرجه لنا مستوفي الدقائق فلا نطلب مزيدا و هي تشبه ما نعرفه في النثر تحت اسم " جوامع الكلم" ،، ويجوز لنا أن نسميها ملكة الإيجاز أو جوامع النظم قياسا على جوامع الكلم فهو بعدد محدود من الكلمات أو من الأبيات يقف على مضمون المعنى الذي يريد التعبير عنه ويترك الكلمات توحي و دلالة تسـتـنسل من دلالة دون أن يكلف نفسه عناء التطويل واقرأ قوله في القصيد ة ذاتها :
على حين شمت الخير من لمحاته وآنست من أفعاله آية الرشــــــد
طواه الردى عني فأمسى مزاره بعيدا على قرب قريبا على بعد
وهو أبدع وصف للقبر ، أو كما يقول البلاغيون كناية عن موصوف فصاحبه قريب بجسده الذي فارقته الحياة بعيد بالروح التي عرجت إلى العالم الآخر ، ولا تقرأ البيت الذي قبله إلا أوحى إليك بما كان الشاعر يأمله من الولد وما كان يتوسم فيه من خير ومن مستقبل زاهر ولعله توسم فيه أن يكون خليفته في الشاعرية لولا خطفة الموت العاجلة ولم يشأ الشاعر أن يثقل قصيدته هذه بالتطرق إلى قضية المصير وجدوى الحياة ومعنى الوجود ولغز الموت كما فعل المعري في قصيدته المشهورة في رثاء صديقه أبي حمزة الفقيه وقد أتينا بمطلعها لما كنا بصدد الحديث عن اشتراك كثير من قصائد الرثاء في روي واحد هو حرف " الدال" إنما حزن ابن الرومي حزن ذاتي نقي لا تخالطه شائبة الفلسفة و لا عكر الفكر هو أشبه بالحزن الطفولي في غضاضته وفي إبهامه وغموضه و أصالته التي هي سره فهو إذن البكاء المتجدد و الحسرة الباقية و لو أن الزمن سوف يجعل الأحزان أثرا بعد عين :
سأسقيك ماء العينين ما أسعدت به وإن كانت السقيا من العين لا تجدي
و الشاعر تراه عدل عن كلمة " أسعفت به" إلى أسعدت به عن قصد حتى تكون المسرة بالبكاء عنوان ذكرى دائمة ووفاء مستديم ، وعهدنا بالشعراء شرقا وغربا يستجدون العبرات لأن البكاء آية وفاء وتجدد ذكرى و لا ينسى الوالد المفجوع أن ينعى على الزمن جبروته و إعصاره الذي يذرو اللحظات السعيدة هباء فتغدو كسراب مستقبل ومستدبر ألم يقل امرؤ القيس كذلك :
كـــــأني لم أركب جودا للذة ولـــم أتبطن كـــاعبا ذات خـــلخال
ولم أ سبأ الزق الروي مرة ولم أقل لخيلي كري كرة بعد إجفال
وأما شاعرنا فيقول عن تلك الحسرة:
كأني ما استمتعت منك بضمة و لا شمة في ملعب لك أو مهد
و أما أبلغ الأبيات تأثيرا في وجدان القارئ فهي تلك الأبيات التي يتحدث الشاعر فيها عن حسرته إذا رأى ولديه المتبقيين يلعبان لأنهما يذكرانه بمحمد واسطة العقد كما وصفه وقد ذهب فأورث ولده غصة متجددة وكمدا دائما
أرى أخويك الباقيين كليهما يكونان لأحزان أورى من الزند
إذا لعبا في ملعب لك لذعا فؤادي بمثل النار عن غير قصد
فما فيهما سلوة بل حرارة يهيجانها دوني و أشقى بها وحدي
وفي قوله " عن غير قصد " يكشف الشاعر لمترصديه أحد أسرار عبقريته وهي استقصاء أدق الأشياء مع الاقتصاد في الكلمات حتى يسلم شعره من الحشو و آفة التكرار فالولدان يلعبان و بمرحهما يثيران الشجن لوالديهما و لا قصد لهما أن يؤذياه أبدا .
وبعد أن قال القدر كلمته و سل الموت سيفه مغمدا إياه في قلب الولد مسلما إياه إلى وحشة القبر ، لم يبق للوالد الذي لا حول و لا قوة له إلا تحمل شدائد الكمد وأهوال الجزع متعزيا بولديه المتبقيين و هما أيضا منبع حزن ومصدر جزع لأنهما يذكرانه بالفقيد العزيز فلا كلمة أجدى إلا الدعاء له بالرحمة و احتسابه عند الله و الصبر طريق إلى الجنة :
و أنت و إن أفردت في دار وحشة فإني في دار الإنس في وحشة الفرد
عـــليك ســــلام الله مــني تــحــية ومن كــــل غيث صادق البرق والرعد
وبعد :
فلقد عهدنا ابن الرومي شاعرا محبا للحياة ، شغوفا بلذاتها مستمسكا بأطايبها وهو لم ينس الثمار حتى وهو يصف النساء في مثل قوله :
أجنت لي الوجد أغصان وكثبان فيهن نوعان تفاح ورمان
وبين ذينك أعناب مهدلـــــــــــة سود لهن من الظلماء ألوان
كما عهدناه ساخرا مبتكرا لفن الهجاء الكاريكاتوري ، فالدنيا التي تطاولت على عبقرية الشاعر ولم توفه حقه من الإكبار و التقدير شأنه شأن غيره من الشعراء الذين كانوا دونه عبقرية وملكة شعرية، فهذه الدنيا لا تستحق غير السخرية والقهقهة منها ومن قيمها و أعيانها ومراتبها.
وها نحن في هذه القصيدة نعهد ابن الرومي شاعرا باكيا من الطراز الأول، وصف حسرته أدق وصف بلا صخب أو ضوضاء كما فعلت الخنساء في رثاء صخر ، ولم يشأ أن يضمن قصيدته فلسفة ولا تأملات في الحياة والموت كما شاء رهين المحبسين أبو العلاء المعري، فجاءت قصيدته نضاحة بالدلالات الحزينة فضاحة للكمد المعشش في قرارة نفسه كأنه لبد !
ولئن رحل محمد ولم ينعم بالحياة كأخويه اللذين لا نعرف حتى اسميهما فقد عاش قرونا وسوف يعيش أخرى في قصيدة أبيه وحسبه أن يحيا حياة أدبية في ديوانه لا يناله كبر ولا يقوى عليه مرض ولا يمحو ذكره من الوجود زمن !
- التفاصيل
- كتب بواسطة: صدقي موسى
- الزيارات: 4
يا عمال فلسطين اتحدوا
صدقي موسى
صحفي وكاتب فلسطيني
من النكت أن يوم العمال لا يعطل فيه العمال في بلادنا ولا يفرحون، بل في أحيان كثيرة يجدون في هذا اليوم فرصة سانحة للعمل، بينما يعتلي أصحاب رؤوس الأموال المنابر ويتصدرون الاحتفالات الخاصة بهذا اليوم، في صورة تعكس لنا واقعا مريرا للعامل.
عمال فلسطين كغيرهم من عمال العالم الأحرار الذين يرفضون الظلم والاستبداد، يعانون من الطغيان مضاعفة عن غيرهم، فقد اجتمع عليهم ظلم الاحتلال وتسلطه وانتهاكه المستمر واليومي لأبسط حقوقهم ومحاربتهم بلقمة الرزق، عبر الحصار الاقتصادي والسور العنصري، والتبعية الاقتصادية لدولة الاحتلال، إضافة لتعرضهم للقتل و الاعتقال و الضرب المبرح.
فكما هو معلوم عمال فلسطين هم الخط الأول وأكثر الناس تماسا ومعاناة من إجراءات الاحتلال، وغير غائب عن ذاكرتنا أن الانتفاضة الأولى اشتعلت بعد جريمة قتل مجموعة من العمال الفلسطينيين، وخلال انتفاضة الأقصى كان العامل إما مقاوما أو أسيرا أو مصابا، وباحثا عن لقمة عيش اختلط بها دمه.
وفي ظل هذه المعاناة التي يعانيها العامل جراء ممارسات الدولة الوظيفية للرأسمالية العالمية نجد انه يعاني داخليا من غياب سياسات اقتصادية فاعلة ومشاريع إنتاجية واستثمارية، بل إننا نجد خلال السنوات الماضية أن المساعدات التي كانت تصل لم تكن تستثمر للرقي بوضع العمال سواء المهني أو المعيشي، فالعامل أحوج ما يكون لتعلم حرفة أو تطوير صنعته ليعتمد على نفسه، بالإضافة لمشاريع إنتاجية تغنيه عن "الكابونات".
وإذا نظرنا للسوق نجد فيها البضاعة المستوردة والتي يمكن أن نجد لها بديلا وطنيا، فهذا الاستيراد غير الممنهج أدى إلى إغلاق العشرات من المصانع وورش العمل ولجوء المئات من العمال للبطالة.
والنقابات والاتحادات التي من واجبها الدفاع عن حقوق العمال ونشر التوعية بينهم نجد أنها ضعيفة ليست ذات تأثير على الساحة، وينبع ذلك من تعدد تلك الاتحادات وتشتتها، وتغليب المصلحة الفئوية والحزبية، بالإضافة لغياب رؤية وواضحة لعملها.
وفي الجانب القانوني وتحصيل الحقوق نجد غيابا للمحاكم العمالية، ومماطلة في البت في قضايا العمال، واستغلال لذلك من قبل بعض أصحاب العمل، وفي ظل هذه الأجواء التي يغيب فيها القانون اضطر بعض العمال للجوء للمسلحين ليحصلوا لهم حقوقهم في ظاهرة خطيرة تتطلب من أصحاب القرار النظر إليها بعناية.
أما المرأة العاملة فهي تعاني من الاستغلال وخاصة في ظل أوضاع اقتصادية متأزمة، فتحصل على اجر متدني مقابل عمل مرهق ومضاعف، وبالمقابل نجد ضعفا في تمثيل المرأة العاملة في النقابات والاتحادات العمالية، والمرأة بطبيعتها لا تلجأ للنقابات للشكوى جراء ما يتعلق بها من ظلم إما لجهلها بحقوقها أو خوفا من صاحب العمل.
وفي ضوء المعطيات السابقة نجد أن العامل الفلسطيني يحتاج أولا لجسم عمالي يمثله عن جدارة وليس شعارات ترفعها وتنافس حزبي، المطلوب وحدة عمالية فلسطينية مع مراعاة اختلاف مجالات العمل، وليكن للعمال بحكومة الوحدة الوطنية عبرة، ففي ظل التشتت الذي يعانيه الجسم النقابي العمالي تضيع حقوق العمال ولا يجدوا الصوت القوي الذي يدافع عنهم، وبنفس الوقت على هذا الجسم النقابي الوحدوي أن يبنى على أسس ديمقراطية.
وعلى أصحاب القرار وضع خطط اقتصادية قريبة وبعيدة المدى للحد من البطالة والاستغناء التدريجي عن التبعية الاقتصادية للاحتلال والتي كانت سببا فيها الاتفاقات الظالمة، بالإضافة للحد من الاستيراد غير الممنهج وتشجيع المنتج الوطني.
وعلى المستوى الأمني مطلوب وضع حد لحالات الفلتان الأمني وسيادة القانون وتطبيق القوانين الخاصة بالعمال، وإنشاء محاكم عمالية متخصصة، والعمل على تشجيع الاستثمار داخل الوطن، وإعطاء الحوافز للمستثمرين وتقديم التسهيلات لهم وذلك تحت مظلة توفر الأمن.
والعمل على الرقي بالعمال مهنيا من خلال الدورات والندوات وتبصيرهم بحقوقهم وواجباتهم، وإيجاد المشاريع الإنتاجية.
وعلى المستوى البرلماني ضرورة وجود ممثلين للعمال في المجلس التشريعي واللجان الوطنية والإسلامية، للتعبير عن هموم العمال وتمثيلهم والدفاع عن حقوقهم.
وانوه في الختام إلى أن العمال لهم أكثر من ست سنوات في انقطاع عن العمل يعانون الأمرين، ولم نجد اصواتا تدافع عنهم او تخرج مسيرات تطالب بأقل الحقوق لهذه الفئة الكادحة التي تستحق منا كل تقدير واحترام، بينما نجد ان انقطاع الرواتب عن الموظفين خلال أشهر قليلة سلط عليه الضوء وقامت الدنيا ولم تقعد، مع انهم في النهاية سيحصلون على رواتبهم، بينما العامل من أين سيحصل على تعويضات؟!!! او تقاعد؟؟!! لكم الله يا عمال فلسطين، فبوحدتكم تحصلون حقوقكم.
- التفاصيل
- كتب بواسطة: صالح سليمان عبدالعظيم
- الزيارات: 4
التقرير العالمي لرصد التعليم للجميع 2007
الرعاية والتربية في مرحلة الطفولة المبكرة
دور اليونسكو في المجالات الثقافية والتعليمية والإنسانية:
من بين منظمات الأمم المتحدة العديدة، تقوم اليونسكو بدور كبير وفاعل في قطاعات التربية والعلم والثقافة والإتصال، وبناء جسور التعاون والتواصل بين البشر عبر هذه القطاعات. وبسبب بُعد اليونسكو النسبي عن الشؤون والقضايا السياسية العالمية الحرجة، تترك لها الدول المهيمنة على مقدرات الأمم المتحدة مثل الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة المتحدة وفرنسا هامشاً لا بأس به من العمل المستقل والمؤثر في الوقت نفسه. فالمنظمة تقوم بأدوار بالغة الأهمية في مجالات التنمية الإنسانية، وبشكلٍ خاص في مجال التعليم في المناطق الأكثر تخلفاًً مثل أفريقيا جنوب الصحراء وجنوب وغرب آسيا والدول العربية. وهى أدوار لا يمكن إنكار أهميتها في ظل ضعف إمكانيات دول هذه المناطق، وفي ضوء المعونات التي توفرها اليونسكو من أجل تنفيذ برامجها التعليمية والتثقيفية، أو المساعدة الفعلية للبرامج المقدمة سلفاً. إضافة إلى ذلك تقوم اليونسكو بأدوارٍ هامة في الحفاظ على التراث العالمي والآداب والفنون والعلوم الاجتماعية والإنسانية.
واهتمام اليونسكو بالتعليم حول العالم يؤكد على أهمية المنظمة وضرورة التواصل والتعاون معها، لما تقوم به من أدوار متواصلة وفاعلة للتوسع في التعليم الأساسي في المناطق المحرومة منه، والعمل الذي لا يكل من أجل القضاء على الأمية. والملاحظ هنا أن منظمة اليونسكو في إطار استراتيجيتها القائمة على توفير التعليم وإتاحته للجميع، قد نشرت أربعة تقارير عالمية سابقة بدأتها في العام 2002 بتقرير يضع هدفاً واحداً ورئيساً وهو التعليم للجميع، مع الحرص على معرفة صحة المسار الذي يسير فيه العالم ككل من أجل تحقيق هذا الهدف. فالتعليم من أجل الجميع يمثل المحور الرئيس للمنظمة، والذي التقت حوله معظم التقارير التالية، وإن بأهداف وتطلعات مختلفة ومتنوعة.
تلى ذلك التقرير الخاص بالعامين 2003/2004 المتعلق بقضايا الجنسين، الذكور والإناث، والرغبة في تحقيق المساواة بينهما في فرص التعليم. وحمل التقريران المعنيان بالعامين 2005 و 2006، مسائل اجرائية وتنفيذية، حيث تعلق التقرير الأول بضرورة ضمان جودة التعليم. فالمسألة لا ترتبط فقط بتوفير التعليم، وتوسيع مساحة انتشاره، بقدر ما ترتبط أيضاً بضمان تحقيقه لمستويات جيدة ومتميزة من المعرفة. وتعلق التقرير الثاني بتوفير القراءة للجميع، بوصفها مطلباً حياتيا، يتجاوز توفير التعليم ذاته، إلى توفير المعارف العامة، ونشر الثقافات المجتمعية والإطلاع العام. إن التقارير الأربعة السابقة تكشف عن تنوع واسع في الرؤى من جانب المنظمة الدولية بالنظر لعملية التعليم في العالم وأهميتها.
فالتقارير تنتقل من العموميات التي تؤكد على ضرورة التعليم للجميع، بغض النظر عن الجنس واللون والعرق والدين والموطن، ثم تنتقل إلى المسائل الإجرائية التقنية التي تؤكد على أهمية ضمان جودة التعليم، وعلى ضرورة ارتباطه بمنظور شامل وواسع يحض على القراءة والتثقيف. وضمن هذه الأهداف الإجرائية يأتي التقرير العالمي الأخير لرصد التعليم للجميع، الصادر عن منظمة اليونسكو تحت عنوان "إرساء أسس متينة من خلال الرعاية والتربية في مرحلة الطفولة المبكرة"، والذي يركز على أهمية المرحلة السابقة على التعليم الإبتدائي، وأهميتها بالنسبة لتحضير التلاميذ للإلتحاق بهذه المرحلة. فتقارير اليونسكو لا تفصل بين مراحل التعليم المختلفة، بوصفها حلقة واحدة متواصلة، تستدعي توفير كافة المتطلبات الاقتصادية والاجتماعية المختلفة لإنجاحها. ويمثل هذا الربط بين المراحل التعليمية المختلفة أهمية كبيرة لدى المنظمة، من حيث كون كل مرحلة تؤدي لغيرها، ومن حيث أن الفشل في إحدى المراحل سوف ينتقل إلى المراحل التالية، وهو ما يظهر في ارتفاع معدلات التسرب الدراسي فيما بعد، وضعف التحصيل الدراسي.
التعليم المبكر وسيلة للقضاء على الفقر الإنساني:
تنطلق تقارير اليونسكو جميعها من فكرة أساسية مؤداها أن الحصول على التعليم يمثل أحد المرتكزات الأساسية التي يمكن من خلالها تقليل الفقر الإنساني بشكلٍ عام. فمن خلال توفير فرص التعليم المختلفة بدءاً من المراحل الأولى الأساسية مروراً بباقي المراحل وحتى الإنتهاء من التعليم العالي، يسهل الحصول على فرص عمل جيدة ومتناسبة مع الخبرات التعليمية المختلفة. فالعلاقة بين الحصول على مؤهل تعليمي مناسب والحصول على فرص عمل جيدة علاقة طردية بالأساس.
إن العلاقة بين التعليم والفقر مسألة على قدر كبير من الأهمية، وهو الأمر الذي يؤكد عليه التقرير من حيث إيلاء أهمية كبير من جانب الحكومات لمساعدة الفئات الأكثر فقراً، والعمل على إلغاء الرسوم المدرسية للفقراء والمعوزين، إضافة إلى توفير فرص تعليمية جادة وحقيقية للأطفال المعاقين وذوي الإحتياجات الخاصة. فالفقر أحد العوامل الهامة التي تمثل عقبة جوهرية أمام تحقيق التعليم المنشود والمستمر في الوقت نفسه. ويؤكد التقرير على الحاجة الماسة لزيادة الإنفاق الحكومي على المتطلبات الرئيسة لتحقيق التعليم للجميع، وتشمل هذه المتطلبات الإنفاق على المعلمين، وتعليم الكبار، والرعاية والتربية في مرحلة الطفولة المبكرة، والسياسات الإستيعابية على جميع المستويات.
ولا يقف الأمر فقط عند الإنفاق على التعليم ومستلزماته المختلفة، لكنه يتعداه إلى الإطار الأوسع، من حيث تحسين الظروف الاقتصادية للفئات المحرومة اجتماعيا، وتوفير فرص العمل الجيدة لهم، التي تمكنهم من تحمل أعباء التعليم لأولادهم. فميزة التقرير أنه لا يتصور تطوير التعليم بمعزل عن تطوير الأوضاع الاجتماعية الاقتصادية المحيطة، فكل القطاعات المختلفة مرتبطة ببعضها البعض، وتصب في بعضها البعض. بيانات مشجعة وأخرى محبطة: يرى التقرير أنه على الرغم من البيانات المشجعة حول وضع التعليم في العالم إلا أنها مازالت بعيدة عن الأمنيات المرغوبة التي وضعتها استراتيجية التعليم للجميع. فقد زادت معدلات القيد في المدارس الإبتدائية ما بين عامي 1999 و 2004 بنسبة 27% في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، وبنسبة 19% في جنوب وغرب آسيا، وبنسبة 6% فقط في الدول العربية. كما قل عدد الأطفال غير المقيدين في المدارس في سن التعليم الإبتدائي، حيث انخفض العدد في الفترة مابين عامي 1999 و 2004 بمقدار 21 مليوناً ليصل إلى 77 مليوناً. ويرى التقرير أنه على الرغم من تقليل عدد الأطفال غير المقيدين في المرحلة الإبتدائية إلا أن الرقم مازال غير مقبولاً من حيث ارتفاعه، خصوصاً في منطقتي أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى وجنوب وغرب آسيا.
ورغم ارتفاع نسبة المقيدين في التعليم الثانوي، وبشكلٍ خاص في المناطق الأكثر حرماناً مثل أفريقيا جنوب الصحراء وجنوب وغرب آسيا، إلا أن عدم القدرة على استيعاب كل المقدمين لهذه المرحلة يغلق الباب أمام إمكانية تعميم التعليم الابتدائي بسبب ضعف الحافز لإكمال التعليم. ويرى التقرير أيضاً أن التكافؤ بين الجنسين في التعليم، رغم الإنجازات المتحققة، مازال بعيد المنال أيضاً. فمن بين 181 بلداً تتوافر عنها البيانات اللازمة حقق زهاء الثلثين التكافؤ بين الجنسين في التعليم الابتدائي. ومن بين 177 بلداً تتوافر عنها البيانات المطلوبة لم يحقق سوى الثلث التكافؤ الجنسي في المرحلة الثانوية.
وربما تبرز البيانات المحبطة بدرجة كبيرة بالنظر لمعدلات الأمية التي مازالت منتشرة بشكلٍ كبير في أماكن كثيرة من العالم. فثمة قرابة 781 مليوناً من الكبار يفتقرون إلى الحدود الدنيا في القدرات الخاصة بالكتابة والقراءة، والخطورة في هذا الرقم أن النساء يمثلن ثلثيه. إن هذه الأرقام، رغم التقدم الذي تبرزه، مازالت تكشف عن وضعية التعليم المتدهورة في أماكن كثيرة من العالم، وهو ما يفضي أيضاً إلى تدهور القطاعات الأخرى المعتمدة على التعليم، والمهارات المختلفة المرتبطة به، مثل القطاع الصناعي والتكنولوجي والمعلوماتي. فحيثما يتدهور التعليم، وتضعف المخرجات المرتبطة به، تتدهور الكثير من القطاعات الأخرى المعتمدة عليه، الأمر الذي يفضي في النهاية إلى المزيد من التدهور المجتمعي، بما فيه القطاع التعليمي ذاته.
الرعاية والتربية في مرحلة الطفولة المبكرة:
يعتمد التقرير الراهن نهجاً شموليا بخصوص تعريف الرعاية والتربية في مرحلة الطفولة المبكرة، حيث يرى أن الاهتمام بهذا النهج الشمولي "يدعم بقاء الأطفال ونموهم وتنميتهم وتعلمهم – بما في ذلك الجوانب المتعلقة بالصحة والتغذية والنظافة والتنمية المعرفية والاجتماعية والجسدية والعاطفية- منذ الولادة وحتى دخول المدرسة الابتدائية في البيئات النظامية وغير الرسمية وغير النظامية." ويعني ذلك أن التقرير الراهن يقف عند المرحلة العمرية السابقة على الإلتحاق في المرحلة الإبتدائية بوصفها مرحلة الإعداد الجسدي والنفسي والاجتماعي والعاطفي للإلتحاق بالمرحلة الأولية.
ويطرح هذا النهج الشمولي مسألة على قدر كبير من الأهمية تتعلق بالفائدة من استقطاب تلاميذ في المرحلة الإبتدائية بنسب كبيرة وهم يفتقدون هذه الجوانب الهامة التي يلح ويؤكد عليها مفهوم الرعاية والتربية في مراحل الطفولة المبكرة. فمن الملاحظ أن الكثير من التلاميذ في العديد من الدول الأقل نمواً في أفريقيا وآسيا غالباً ما يلتحقون بالمرحلة الإبتدائية وهم يفتقدون الحدود الدنيا اقتصاديا واجتماعيا ونفسيا وصحيا، الأمر الذي لا يؤهلهم للإستمرار في التعليم من جانب، وتعظيم الإستفادة المعرفية من جانب آخر. فمعظم هؤلاء الأطفال يأتون من أسر فقيرة متواضعة اقتصاديا بما يجعل من استمرارهم في التعليم مسألة شبه مستحيلة في ظل المصاريف التي تفرضها معظم المدارس عليهم، وفي ظل الإحتياج لهؤلاء الأطفال للعمل الاسري في الكثير من مناطق العالم الأكثر فقراً.
ويرى التقرير أن الإهتمام بالأطفال في هذه المرحلة العمرية منذ الولادة وحتى الإلتحاق بالمرحلة الإبتدائية يجب التعامل معه بوصفه حق مكتسب مثل غيره من الحقوق الاجتماعية التي تنص عليها الدساتير المحلية والعالمية. وفي هذا السياق، يقسم التقرير مرحلة ما قبل التعليم الإبتدائي إلى مرحلتين: الأطفال دون سن الثالثة والأطفال من سن الثالثة إلى سن الدخول في المدرسة الإبتدائية الذي يكون عادة في سن السادسة.
مسوغات توفير الرعاية والتربية في مرحلة الطفولة المبكرة:
يكتسب هذا التقرير أهميته من ناحية تأكيده على ضرورة رعاية الأطفال في مرحلة ماقبل التعليم الابتدائي، ليس لأن ذلك يمثل حقاً قانونيا لهم، نصت عليه الدساتير العالمية والمحلية على السواء، ولكن لأن الأطفال في هذه المرحلة العمرية لا يمكنهم مساعدة أنفسهم بأنفسهم. فالأطفال يمثلون من هذه الناحية أضعف الفئات الاجتماعية التي تلتمس قوتها واستمراريتها ووجودها من القوة الفاعلة للكبار المحيطين بهم، والمشرفين عليهم، والمتعاملين معهم. فالتطور الفيزيقي والمعرفي والعاطفي والنفسي يعتمد بدرجة كبيرة على من يتولون تربية الأطفال ومراعاتهم، سواء أكانوا من أعضاء الأسرة المباشرين، أو من الأقارب، أو من هؤلاء المشرفين على دور الحضانة والرعاية في مرحلة ما قبل التعليم الابتدائي. إن التجارب الأولى التي يمر بها الأطفال تمثل عوامل مفصلية في باقي عمرهم.
وما يمكن تلافيه وتجنبه في المراحل العمرية الأولى عن طريق التربية والرعاية الجيدة، يصبح من غير الممكن تلافيه فيما بعد. كما أن التقرير يلفت النظر أيضاً إلى أن رعاية الطفل في تلك المراحل المبكرة أكثر وفراً من رعايته فيما بعد، وفي ظل تدهور مستوياته الصحية والتعليمية والنفسية والاجتماعية. يرى التقرير أن ما يمر به الطفل في سنين عمره الأولى من معاملة سيئة وتغذية رديئة وضعف تربوي وتعليمي كلها تنتقل معه إلى باقي مراحله العمرية المختلفة، بحيث يصعب علاجها، وتترك بصماتها الواضحة على شخصيته وجملة ممارساته المختلفة.
من هنا فإنه من الضروري أن تركز البرامج المختلفة، المصممة من أجل التعامل مع الطفل في هذه المرحلة العمرية الحرجة والحساسة من عمره، على رفاهيته وبالقدرة على إشباع حاجياته المختلفة بشكلٍ كلي وشامل وتام. وعلى رأس هذه الإشباعات تأتي الصحة الجيدة والتغذية الكافية بوصفهما عاملين هامين مرتبطين بالعملية التعليمية. فالتقرير يؤكد من خلال منظوره الكلي الشامل على أهمية الربط بين الصحة والتغذية من جهة والتعليم من جهة أخرى.
فبدون شروط صحية مناسبة وعملية تغذية جيدة لن يمكن تحقيق المستويات المأمولة من العملية التعليمية. فمن غير المنتظر أن يلتحق الأطفال المرضى وغير الأصحاء بالمدارس في المرحلة الابتدائية، وهو ما سوف يزيد من عدم القيد في هذه المرحلة والإلتحاق بها. ولا يقف الحال عند هذا المستوى من عدم الإلتحاق بالمرحلة الابتدائية لكنه يتعدي ذلك إلى الضعف الصحي العام، الذي يعيق النمو اللغوي والحركي والاجتماعي والعاطفي. إن المنظور الشامل للتقرير لا يقف فقط عند الجوانب التي تتعلق بالتغذية المباشرة للطفل، لكنه يقف أيضاً عند البيئة المحيطة به، وتأثيراتها المباشرة عليه، من حيث توافر مياه الشرب المأمونة الجانب، والصرف الصحي السليم. فلا يمكن الوقوف فقط عند عنصر التغذية السليمة، في ظل وجود عوامل بيئية غير مأمونة الجانب ملازمة للطفل في حياته وممارساته اليومية.
وهنا تبرز أهمية برامج الرعاية الاجتماعية المبكرة للأطفال بوصفها تمثل جانباً تعويضيا للفئات المحرومة مما يقلل من التأثيرات السلبية المصاحبة لهذه العوامل البيئية المعاندة والمضادة، والتي تقلل بدرجة أو بأخرى من الإلتحاق بمرحلة التعليم الابتدائي. وفي هذا السياق يؤكد التقرير على الدور الفاعل والمؤثر لبرامج الرعاية والتربية في مرحلة الطفولة المبكرة في تعزيز الرفاهية الجسدية، والمهارات المعرفية واللغوية، والتنمية الاجتماعية والعاطفية للأطفال. ويكشف التقرير، من خلال إحدى الدراسات الميدانية، أنه "في إحدى المقاطعات الفقيرة في نيبال كانت نسبة الأطفال الذين واصلوا تعليمهم في المدارس الابتدائية من بين الأطفال الذين شاركوا في برنامج لمرحلة الطفولة المبكرة 95% مقابل 75% من الأطفال الذين لم يشاركوا في مثل هذا البرنامج." إن الهدف من نشر وتفعيل البرامج الخاصة بمراحل الطفولة المبكرة يمثل إستثمارً جيداً في رأس المال البشري من ناحية، كما أنه يمثل تمييزاً إيجابيا للكثير من الفئات المحرومة في الكثير من مناطق العالم من ناحية أخرى.
ويمثل برنامج هيد ستارت أحد البرامج التي أطلقتها الولايات المتحدة الأمريكية عام 1964 في إطار حربها ضد الفقر وتعويض الفئات الأكثر حرماناً مثل الأفارقة والمهاجرين القادمين من أمريكا اللاتينية. إن مثل هذه البرامج القائمة على التمييز الإيجابي تحد بلاشك من التفاوتات القائمة مجتمعيا، كما أنها تساعد في ضمان وصول الأطفال المعدمين والفقراء للمرحلة الابتدائية بأمن وسلام، وتضمن استمراريتهم في التعليم.
حال ومستقبل الرعاية والتربية في مرحلة الطفولة المبكرة:
يكشف التقرير عن زيادة عدد الأطفال المقيدين في التعليم قبل الابتدائي إلى ثلاثة أمثاله خلال العقود الثلاثة الأخيرة، حيث ارتفع من 44 مليوناً في منتصف سبعينيات القرن الماضي إلى 124 مليوناً عام 2004. ورغم ذلك، تكشف البيانات أن نسب القيد في الدول المتقدمة أعلى منها بكثير في الدول النامية والفقيرة. وتكشف هذه البيانات عن الحاجة إلى برامج خاصة ومتنوعة تفي باحتياجات الأطفال في مرحلة ما قبل التعليم الابتدائي في مثل هذه الدول. ويكشف التقرير عن العديد من البرامج والتجارب المختلفة التي طبقتها الكثير من الدول النامية في سبيل البدء في الرعاية المبكرة للأطفال وتعظيم معارفهم. فالتقرير يبين بداية أهمية مراعاة الفروق القطرية، ومراعاة الفروق الداخلية في القطر الواحد بين منطقة وأخرى، فما يتناسب مع دول أمريكا اللاتينية قد لا يتناسب مع دول أفريقيا جنوب الصحراء، وما يتناسب مع المناطق الريفية قد لا يتناسب مع المناطق الحضرية في البلد نفسه.
إن مراعاة هذه الفروق يمثل أهمية كبيرة من حيث قبول المواطنين للبرامج المطبقة وتفاعلهم معها. من أهم البرامج المطروحة، وأيسرها تطبيقاً وتنفيذاً، ما يسمى ببرامج الرعاية الأبوية، والبدء بالمنزل. يراعي التقرير هنا، كون الأبوان هما أول من يتعامل معهما الطفل، وكون المنزل هو الوحدة الاجتماعية الأولى التي ينشأ بين جنباتها، ويكتسب معارفه من خلالها. والتقرير يدعو إلى تدريب الآباء والأمهات على كيفية تعاملهم مع أطفالهم من ناحية، ومدهم بالمواد الترفيهية والتعليمية المختلفة مثل الكتب وأدوات الرسم والتعلم، بما يشكل بيئة جيدة للتعليم والرعاية المبكرة. إضافة إلى ذلك، يؤكد التقرير على أهمية تمويل المراكز التعليمية المختلفة، التي تنمي الحس المعرفي عند هؤلاء الأطفال، وبشكلٍ خاص القراءة والنطق السليم. ويمنح التقرير الفئات ذوي الاحتياجات الخاصة، أهمية كبيرة من حيث ضرورة الاهتمام بهم، والعمل على دمجهم ضمن محاولات الرعاية والتعليم المبكر. والجدير بالذكر هنا، أن التقرير لا يتعامل مع الرعاية والتعليم في مرحلة الطفولة المبكرة بوصفها هدفاً في حد ذاته، لكنه يتعامل معها، بوصفها معبراً للمرور إلى مرحلة التعليم الابتدائي، وكلما اتسم العبور بالسلاسة والمرونة والإلمام المعرفي والتربوي، كلما تعامل الطفل مع المرحلة الابتدائية بدرجة كبيرة من السلاسة والمقبولية والنجاح. ويطرح التقرير في النهاية مجموعة من العوامل يرى أنها تساعد على المزيد من الاهتمام بموضوع الرعاية والتربية في مرحلة الطفولة المبكرة.
وتشمل هذه العوامل:
التأييد السياسي على مستوى عال، والمشاركة الواسعة من جانب كافة الأطراف، وتعظيم الشراكة بين الحكومات والمنظمات الدولية والوكالات المانحة والمنظمات غير الحكومية، ودمج برامج الرعاية والتربية المبكرة مع الإطار التنموي العام، وبشكلٍ خاص برامج الحد من الفقر، واخيراً الاستفادة من الحملات الإعلامية في لفت الانتباه نحو أهمية برامج الرعاية والتربة المبكرة. إن مسألة الرعاية والتربية المبكرة تقتضي تعاون ومشاركة كافة فئات ومنظمات المجتمع، سواء أكانت حكومية أو غير حكومية، فلا يمكن إلقاء العبء فقط على الحكومات والهيئات الرسمية لكنه يجب أن يتعداه إلى منظمات المجتمع المدني الأخرى والهيئات الدولية المانحة، بحث تتحول المسألة في النهاية إلى هم انساني عام يهدف لتطوير الأطفال وتنميتهم التعليمية والمعرفية. إن الهدف العالم الذي تركز عليه هذه العوامل هو لفت الإنتباه لأهمية برامج الرعاية والتربية المبكرة من ناحية، والعمل على إيجاد التمويل اللازم من كافة الجهات الممكنة سواء أكانت حكومية أو خاصة محلية أو دولية من ناحية أخرى. وفي هذا السياق يمثل التقرير ذاته إضاءة جادة من حيث التنوير بحال الأطفال في مرحلة ماقبل التعليم الابتدائي، والتركيز على هذا القطاع المهمل الذي طالما تجاهلته البحوث والدراسات الخاصة بالتعليم في الكثير من مناطق العالم المختلفة.
د. صالح سليمان عبدالعظيم كاتب مصري
- التفاصيل
- كتب بواسطة: محمد عزالدين
- الزيارات: 5
لماذا الشر فى العالم ؟!
كثيرًا ما يطرأ هذا التساؤل على أذهاننا ولاسيما حين يحتدم الصراع فى العالم من حولنا ؛ ذلك الصـــــــراع الذى يظهر لنا فى" تنازع البقاء فى مملكة الحياة" حيث ترتفع أمام أذهاننا صورة "الطبيعة الحمراء بيـــــــــن الناب والمخـلب" تلك الصورة الـتى تروع أذهانـنا وتجعـلنا ننظر إلى الحياة بنظرة متشائمة حاكمين عليـــــــــها بأحكام مجحفة منساقين شعوريًا أولا شعوريًا خلف هؤلاء الذين يعتبرون الوجود شرًا ، ولو أنـنا أمعنا النظـــــر فى الشر وفى حقيقة وجوده فى الحياة لقـلنا لهم بأن تشاؤمهم "وهم" ، فلوكان الوجود شرًا لما انتظر فيلسوفــــــًا ليبرهن له على ذلك ، فالوجود نفسه يثبت لنا فى كل يوم أنه لايمكن أن يكون شرًا ؛ فهاهى الحياة متفائـلـــــــــة وتسعى بنا إلى الأمام .
فإننا حيـن ننظر إلى العلاقة التى تجمع بين الخير وا لـشـر ندرك حقيقـة وجود الشر، فإن تلك العلاقة أعمــــق كثيرًا من مجرد ذلك التضاد الظاهر بينهما، فمثلاً إذا نظرنا إلى عصابة اللصوص نجدها تسرق كل العالـــــم ولا تسرق بعضها الـبعض ؛ إذن فهى تعتمد على "أساس أخلاقى" لكى تحتـفظ بكيانها كعصابة فى حيـــــــــــــن أن هدفها "غير أخلاقى" ومن هنا ندرك أنه لكى ينجح غرض "غير أخلاقى" يجب أن يكون له "أساس مـــــــــن الأخلاق" ، ومثل هذه النظرة تـلقى لنا بأضوائها على مناطق أخرى فـتجعلنا ننـظر إلى ا لشر على أنه جــزء من الحياة ، فهو لا يقوم من تلقاء نفسه بـل نجده يعتمد على أ شياء أخرى غيره ليصبح فى النهاية " الشر" الذى نـراه فى العالم من حولنا ، إذن فهو ليس الحقيقة ا لتامة والأخيرة فى حياتـنا فالعالم ليس كله شر بـل هـو أحـد جـوا نب ا لحياة . إذن فلماذا الشر أصلاً ؟! دعونا نتأمل كلمات شاعر الهند وحكيمها " طاغور" والتى سنجـد بيــــــــــن طياتها الإجابة على سؤا لنا . فهو يقول : " إن ا لنهـر له شطآنه وحدوده ولكن هـل النهر كله شطآن ؟! ، أ ليسـت هـذه العـوائـق نفسها هى الـتى تـدفع حـركة ماءه إلى الـتقـدم ؟! ، فكذلك إن لمجرى العـالم حـدوده – وبغير ذلــك لايكون ثمة وجود – ولكن غايـتـه لاتظهر في الـقيـود الـتى تحـد منه بـل فى حركته نحـو الكمال " . إذن فالشـــر ليس غاية بـل هـو وسيلة ، إنه وسيلة لاكتمال دورة الحياة والـتاريخ ، وسيلة لجعـل الحياة مفعمـة بالحيـوية ا لـتى تجعلها تسير بحثـًا لإيجاد حلولاً لمشاكلها .
ويكمل " طاغور" كلامه قـائلاً : " لـيس عجيبـًا أن فى العـالم قـيودًا وآلامـًا بـل العجـيب أن فـيه قـانونــــــــــًا ونـظامـًا " ، فإننا فعلاً نجـد الفـرح والجمال فى مقابـل الحزن والقبح ، ونجد الخير والحب فى مقابـل الشـــــــــر والكره ، فليس عجـيبـًا أن نرى تـلك المتـناقضـات فى حياتـنا بـل العجيب هـو ذلـك القـانون الإلـهى الـذى ينسقهـا مع بعضها البعـض ويجعلها تسير بالحياة إلى الأمام ، وقديمـًا قال "العرب" : " بالضد يظهر حسن الأشياء " فما عرفنا الخيـر إلا عندما رأينا الشر، ولولا المر ما عرفنا الحلو ، وما عرفناالحق إلا من خلا ل الباطـل .
ولولا الشر ماكتب ا لـتاريخ فالتاريخ هو ذلـك الصراع بيـن الخير والشر على مسرح الحياة فعـلينا ألا ننظــر إلى الشر على أنه كل الحياة بـل علينا أن ننظر إلى الشر على أنه جزء منها له دوره الذى يلعبه فيها ، ولو تأملنــا الشر على هـذا الأسـاس لوجـدنا أنه لـيست لـه سـمة الـدوام فهـو عابر لـيس الثبات من جوهـره لأنه لايستطيع أن يتسق مع الحياة لأن كلية الأشياء تصححه ، أما عندما يلوح لنا كوحش مارد فهـذا لأننا نخلع عليه صفة الثبات مع أننا لو نظرنا إلى الحياة كـكل لوجدناه فيها متحرك فبالرغم من كميته الهائلة والتى تسود العـالم إلا أنه لا يستطيـع أن يعـوق مجرى الحياة فإننا لا نزال نجـد الطبيعـة فى تجاوبها الذى يسير بها من السلبى إلى الإيجابى من الشــر إلى الخيـر فإننا لانزا ل نجد فى حياتـنا ا لـحـب للأطفال وللرفاق والـتضحية من أجـل ذلك الحب وهـذا الحــــــب هـو العـنصر الإيجابى فى ا لحياة .
فإننا مثلاً لـو تأملنا المـوت والـذى هـو حـقيقة مـن حـقائق الـوجـود لبدا لنا العـالم مقبرة هائلة ولكـن فكـــــــرة المـوت كـما نجـدها فى عالم الحياة لـيس لها أهمية كـبيرة فى أذهاننا لا لأنه نادر الـوقـوع ولكـن لأن المـوت هـو المظهر السلبى للحياة فالحياة كـكل لاتهتم بالموت كثيرًا فهى تضحك وترقص وتلعـب إنها تجمع وتبنى وتحـــــب فى وجه الموت ولكننا حين ننظر إلى حادثة موت فردية فـإننا لانرى إلا ظلامها فنفـزع لأنـنا فى تـلك اللحظـــــة لاننظر إلى كلية ا لحياة ا لـتى لـيس المـوت إلا جـزءًا منها وأنه ليس الحـقيقة ا لـتامة فى حياتـنا كذلك الشر فهـــو يلوح أسود كما تلوح ا لـسماء زرقاء ولكنه لايلقى بسواده على الوجود كما أن السماء لاتترك شائبة منها علــــــى أجنحة الطيـر .
فعلينا أن ندرك أن الشـر لايستطيع أن يقبض على ا لـحياة ويسلبهـا أملاكـها لأنه إلى زوال بـل إنه يتحــــــول أحيانـًا إلى الخيـر فهـو لـن يثبـت فى معـركـته مع الحياة فـلو أن أقـل شرًا اسـتطاع أن يثبـت فى مكـان لاجتـــــث الوجـود من جـذوره .
- التفاصيل
- كتب بواسطة: سيد يوسف
- الزيارات: 4
ثقافة النفى المعلب
سيد يوسف
أمر مؤسف ألا تحسن الأنظمة الحاكمة المستبدة اختيار من يدفعون عنها جرائمها أو يبررون لها أفاعيلها أو يزينون للعامة سوء قراراتهم التى بسببها تدهورت أحوال البلاد تدهورا حادا وخطيرا لا ينفيه سوى الذين فى قلوبهم عمى .
نماذج وتعريف
وحين نبحث عن نماذج لتبيان ذلك فلا أقل من النظر إلى ما يلى :
1/ الأهرام المصرية تنشر –ثم- تنفى- ضلوع إيران فى مقتل السفير المصرى بالعراق إيهاب الشريف!!...والغريب أن مصادر دبلوماسية أعلنت بعد النفى ووفقا لما نشر ببعض الصحف الالكترونية أن الخارجية المصرية تعتزم اللجوء لمجلس الأمن خلال الأيام القليلة القادمة، بعد أن توافرت أدلة ومعلومات جديدة لديها تدين إيران وتثبت تورطها في اغتيال السفير إيهاب الشريف رئيس البعثة الدبلوماسية السابق بالعراق في عام 2005م...وأوضحت المصادر أن الخارجية منذ اغتيال الشريف تبحث مع أجهزة سيادية عن الجهة المتورطة في ذلك العمل "الإجرامي البشع"، واستطاعت أن تجمع أدلة تفيد تورط إيران في هذه العملية التي وصفتها بـ اللاأخلاقية.
2/ نفى بعض مسئولى الحزب الوطنى فى مصر عن تلوث أكياس الدم ثم بعد حين يقرر النائب العام إدراج أسماء19 مسئولا علي قوائم الممنوعين من السفر خارج البلاد, ومن بينهم15 مسئولا بوزارة الصحة!!
3/فى مطلع عام 2007 نفت وزيرة الخارجية الأمريكية أن تكون لدى الولايات المتحدة نية لإشعال مزيد من الحرب فى العراق!!
4/اعترفت قوات ( العصابات الصهيونية) أنها شنت هجوما جويا فى غزة بالأمس القريب، ولكنها قالت إن الغارة كانت تستهدف مجموعة من المسلحين... ومن ثم نفت قوات ( العصابات الصهيونية) مسئوليتها عن انفجار فى أحد المنازل بمدينة غزة الذى أسفر عن مصرع ثلاثة أشخاص من أسرة واحدة!!
5/ نفت الرئاسة الفلسطينية وفتح ما أعلنه مسئول فى( العصابات الصهيونية) من أن مصر سلمت الحركة بالتنسيق مع (العصابات الصهيونية) كمية كبيرة من الأسلحة إلى القوات الموالية للرئيس الفلسطيني محمود عباس!!
6/ نفت( العصابات الصهيونية) تقريرا بريطانيا يقول بأنها وضعت خططا سرية لمهاجمة منشآت تخصيب اليورانيوم الإيرانية بأسلحة نووية تكتيكية!!
8/ نفت مصر بداية وجود حالات إصابة بأنفلونزا الطيور ثم تراجعت بعد وفاة أحد الأشخاص والغريب أن النفى كان قاطعا .
9/ ( العصابات الصهيونية) تؤكد أن مصر لا تبذل ما يكفي لوقف تهريب الأسلحة لغزة ومصر تنفي.
ومن هذى النماذج (وكلها عناوين صحف مقروءة) يمكننا أن نتبنى تعريف ثقافة النفى المعلب بأنها: تكرار إنكار الاعتراف بأمر ما ومن ثم رفض التعاطى معه خشية أن يؤدى إلى مزيد من اللغط السياسى... ثم معاودة الاعتراف به بعد حين لاعتبارات متعددة منها التخفيف من الاحتقان العام أو خشية الفضيحة أو غير ذلك.
سمات متعددة
ولهذه الثقافة سمات متعددة نتعرف عليها من خلال أهلها حيث :
* القابلية للتكرار( أى تكرار النفى فى الحالات المشابهة مستقبلا).
* تعتمد التسويف والتأجيل( وقد يرجع ذلك إلى نقص المعلومات).
* لا تحسن التنبؤ بما يحتمل أن يؤول إليه الحال.
* ضعف السيطرة على الظاهرة موضوع النفى( كأنفلونزا الطيور مثلا).
* العجز عن اللحاق بنمو وعى الجماهير.
* لا تحسن تقدير المواقف( بمعنى العجز عن توصيف الظاهرة ومن ثم تخبطها فى ردود الأفعال المناسبة فإذا أرادت تخفيف الاحتقان فإنها تزيده بالنفى المعلب هذا).
* أخرى.
أسباب محتملة
ولانتشار هذه الثقافة فى بيئتنا العربية أسباب قد ترجع فى بعض منها إلى نجاحها فى السابق حين كانت الفضائيات قليلة، والنت غير متاح بكثرة، ومن ثم يميل ساستنا إلى تكرارها لا سيما أن جلهم من الجيل القديم الذى ما تزال تتحكم به عقلية الجيل الماضى، وقد يرجع كثرة استخدام هذه الثقافة إلى إحكام سيطرة الأنظمة الحاكمة على الإعلام ومن ثم فهو ما يزال يخاطب الجمهور الأعظم من الناس، وقد يرجع كثرة تداولها بسبب ارتفاع نسبة الأمية فى بلادنا ومن ثم يميل الأميون لتصديق ذلك النفى أكثر من غيرهم، وقد يرجع استخدامها للتهرب من تبعات الاعتراف بالظاهرة موضوع الحدث كما فى نفى ( العصابات الصهيونية) تقريرا بريطانيا يقول بأنها وضعت خططا سرية لمهاجمة منشآت تخصيب اليورانيوم الإيرانية بأسلحة نووية تكتيكية، ويبدو أن أسباب ذلك متعددة لكنها رغم سوءتها فلن تنعدم فى المستقبل القريب.
كيفية التعاطى مع ثقافة النفى المعلب
ينبغى التعاطى مع هذه الثقافة بوعى وبصيرة ويتمثل ذلك من خلال فضح الأنظمة التى تتستر على الجرائم وتنفي حدوثها من خلال تعريتها وتقديم ما يدل على وجودها والتذكير بنماذج سبق لهذه الأنظمة نفيها ثم استبان للناس كذبهم ومثال ذلك نفى مصر لوجود حالات إصابة بأنفلونزا الطيور ثم استبان للناس خلاف ذلك حتى مات فى مصر حتى كتابة هذه السطور أحد عشر مواطنا بسبب أنفلونزا الطيور، ومثال قريب العهد أيضا نفى مبارك لعملية التوريث رغم أن التعديلات الدستورية وكافة عمليات التغيير فى الإعلام والوزارات والمحافظات تتجه نحو التوريث بقوة، هذا، إضافة إلى محاولة الضغط لإظهار كذب تلك الأنظمة وتكرار الضغط على ذلك.
ملاحظات وخاتمة
فى مجتمعاتنا تسود عدة ظواهر تعوق التنمية والنهضة التى نرجوها لقومنا من ذلك ما يعرف بثقافة الاستلاب، وثقافة التبرير، وثقافة الإحباط وأمثال هاتيك الأنماط المعيبة، ونرجو من كل قلم حر أن يتناول هذه الأنماط السائدة بالتعريف والدحض أملا فى زيادة وعى قومنا فالأمة التى تخاصم الفهم والوعى لا يمكن أن يرفع لها لواء نهضة أو نصر.
- التفاصيل
- كتب بواسطة: فراس جابر
- الزيارات: 4
التجاذب الثقافي وإعادة تشكيل حدود المجتمع المدني
بقلم: فراس جابر
حراك المجتمع المدني الفلسطيني خلال العقدين الماضيين كان سريعاً قياساً بالفترات الماضية من تاريخ المجتمع الفلسطيني حديث التشكيل، وأرتبط هذا الحراك بحدثين أساسيين؛ أولهما الانطلاق الواسع للمؤسسات الأهلية نتيجة محددات موضوعية تجاوبت مع تأثيرات الاحتلال على بنية المجتمع الفلسطيني، وتعاملاً مع الانتفاضة الفلسطينية الأولى التي استلزمت تحويل جزء كبير من الجهود الشعبية إلى شكل مؤسسي يدعم الوجود الفلسطيني، ويزيد من مقومات الصمود الشعبي في وجه محاولات استبدال البنى المقاومة بأخرى أكثر ليونة وتقبلاً للواقع المعاش. ثانيهما قدوم السلطة الوطنية الذي أعاد إنتاج المجتمع المدني الفلسطيني من جديد نتيجة تشكيل حقل سياسي شبه رسمي للمرة الأولى منذ النكبة، استلزم بقدومه رسم خريطة قوى جديدة تحتل فيها مساحات واسعة من الفعل والتأثير، وإعادة ترتيب خارطة القوى لتتوافق مع متطلبات وجود مؤسسات كيانية، مما أدى بالضرورة إلى تراجع مساحات فعل المجتمع المدني تحت تأثير امتداد إعادة ترتيب خارطة القوى السياسية، واكتساب هذا الحقل زخماً شديداً نتيجة اندماج عدد كبير من قوى المجتمع المدني في بناء الحقل السياسي نتيجة وجود قناعات محددة أو لضرورات أخرى ليست بالضرورة تتنافى مع العمل من داخل المجتمع المدني.
إلا أن المجتمع المدني الفلسطيني بقي نشيطاً ومؤثراً رغم التأثيرات المختلفة الناتجة عن قدوم السلطة الوطنية، ومحاولاتها المختلفة للتقليل من مساحات الفعل المجتمعي لقوى المجتمع المدني نتيجة الشعور القوي بأنه هذا المجتمع لا يعدو عن كونه منافساً شرساً بالمعنى السياسي، المجتمعي وحتى المالي، ورغم هذه التجاذبات المتفاوتة إلا أنه لا يمكن بالضرورة نفي أمرين هامين في هذا الإطار، الأول الادعاء بان المجتمع المدني مجتمع متجانس، فهو بالأساس بنية تعتمل بداخلها تناقضات جوهرية منها ما هو ايدولوجي ومنها ما هو شخصي، إلا أنه ما يجمعه العلاقة العضوية بفئات محددة وواسعة من المجتمع الفلسطيني بادعاء تمثيله العضوي لها، وينطبق هذا على مكونات المجتمع المدني السياسية المختلفة، وحتى ادعاء الاستقلالية لا ينكر بالضرورة وجود علاقة عضوية مع جهة ما يمثلها هذا التوجه أو ذاك.
كما لا يمكن الفصل الحاد والقاطع بين المجتمع المدني والسلطة الوطنية، لأن السلطة لم تتبلور تماماً كمؤسسة سيادية تحوي بداخلها مقومات الفعل السياسي، ويتنافس أقطاب المجتمع المدني للسيطرة عليها عبر وسائل مختلفة مثلما يمكن تحديد ذلك في دول ومجتمعات أخرى، فالسلطة الوطنية رغم محاولاتها المتكررة تثبيت صورتها كمؤسسة سيادية كاملة إلا أنها كانت وما زالت بأجزاء منها داخل المجتمع المدني، ارتباطاً بوجود الحركة الحاكمة سابقاً ضمن سياق هذا المجتمع، ووجود عدد كبير من قيادات السلطة في مواقع مختلفة داخل المجتمع المدني، وبالتالي وجود علائقية بين السلطة والمجتمع المدني أمر أدى لاستمرار حلقات من التجاذبات المختلفة، انتهت بحد ما بقبول الأمر الواقع دون التسليم المباشر به. لكن هذا الواقع قد أختلف الآن، فالمجتمع المدني كساحة صراع بين القوى المختلفة من أجل السيطرة على المواقع السياسية المختلفة أثبت نجاحاً في حالة الحركة السياسية الإسلامية المرتبطة أساساً بحركة الأخوان المسلمين التي شكلت حقلاً خاصاً بها يعمل كحقل مضاد ومنعزل داخل المجتمع المدني، ولا يختلط به بالضرورة تأثيراً أو تأثراً، من خلال إيجاد بنية اجتماعية محاطة بسوار من المؤسسات المختلفة تعمل أفقياً داخل المجتمع المدني، ولا تختلط به عمودياً، ولكنها كمكون من مكوناته بقيت خارج الحسابات حتى لحظة الانتخابات التشريعية الثانية التي أعادت تشكيل خارطة الفعل السياسي، وبالضرورة محاولة إعادة تشكيل المجتمع المدني وفقاً لحسابات الرابح.
فحسم معركة السلطة السياسية نتيجة الانتخابات الأخيرة، أدى لانحياز التيار التقليدي الذي اعتبر تاريخياً مرتبطاً بالحركة الحاكمة للقادم الجديد ممثلاً بحركة حماس مؤشراً لتصاعد حدة الصراع والاحتدام داخل المجتمع المدني ليس بالضرورة نتيجة محاولة واحدة من قوى المجتمع المدني السيطرة على السلطة السياسية، بل نتيجة العكس تماماً محاولة السلطة السياسية ممثلاً بالوافد الجديد السيطرة على المجتمع المدني واختراقه بعد أن كان قد همش نفسه عنه لفترات طويلة محاطاً بجدران سميكة من اجل بناء مقومات انطلاقه ونجاحه التي تحققت بالفعل عبر العمل الحقيقي مع فئات مجتمعية واسعة من المجتمع الفلسطيني، في ظل انشغال حركة فتح في تثبيت المواقع داخل الحقل السياسي، وبالتالي أضحى المجتمع المدني جزء من حالة الاستقطاب السياسية. يتمثل هذا الانحياز في الخلاف الأخير حول كتاب قول يا طير الذي أثار ضجة كبيرة تساءل البعض عن أسباب قوتها، وأنها تجاوزت المطلوب من الطرفين، فالطرف الأول قام بحرق كتاب يعتمد أسلوباً علمياً، ومحتواه لا يتجاوز الحكايا الشعبية التي تتلوها الجدات والأمهات، وقام الطرف الثاني بردة فعل قوية من قبل المؤسسات الأهلية، الأحزاب والمثقفين والكتّاب وبعض وسائل الإعلام المعروفة بانحيازها العلماني واليساري في اصطفاف ثقافي رمّز له الكتاب، وأبعاده أعمق من ذلك بكثير، لأن القيادة "النخبوية" للمجتمع المدني بقيت في أيدي العلمانيين واليساريين، فيما كان الإسلاميين في مؤخرة هذه القيادة، وبالتالي لغة المجتمع المدني عامة لا تتناسب مع الطموحات الاجتماعية والثقافية لحركة حماس، التي حاولت من خلال قرار وزارة التربية والتعليم فرض رؤيتها على المجتمع من خلال إتلاف هذا الكتاب كمقدمة فعلية للتحرك باتجاه تغيير الخطاب الثقافي داخل المجتمع الفلسطيني.
هذا الاصطفاف الثنائي مؤشر كبير على وجود صراع قوي وحاد يهدف لإعادة ترتيب وتوزيع خريطة القوى داخل المجتمع المدني بحيث يكفل السيطرة الثقافية والاجتماعية للوافد الجديد عليه، بما يمثل قوته السياسية غير المنعكسة بالضرورة في حجم تمثيل فعلي داخل المجتمع المدني، وعلى الأقل يمكن الادعاء بأن قيادة المجتمع المدني لا تعكس هذا التيار لأنه ظل لفترة طويلة يعمل في المستوى الأدنى من المجتمع المدني دون الدخول في صراع مباشر من أجل السيطرة عليه، لأن الاعتقاد كان بوجوب السيطرة السياسية كمدخل أساسي، ومن ثم يتم انجاز مهمة السيطرة الأخرى، وبالتالي الإمساك بالسلطة السياسية وتوجيهها لتخدم البرنامج الاجتماعي والثقافي من اجل بناء مجتمع يتوافق مع هذا البرنامج يواجه تحدياً مرتبطاً بوجود قيادة مجتمع مدني تختلف عن قيادة السلطة السياسية، وبالتالي لا بد لاستكمال تحقيق هذا البرنامج السيطرة على قيادة المجتمع المدني. الحراك داخل المجتمع المدني بين النخبة العلمانية واليسارية من جهة، والقوى الإسلامية من جهة أخرى، يمكن في أن يفهم في سياق تعريف المجتمع المدني كساحة صراع بين الفاعلين داخل المجتمع، وبالتالي التجاذب الثقافي حول كتاب قول يا طير أو كتب أخرى قادمة يمكن أن يفهم ضمن هذا السياق لا خارجه، لكن الغريب حقاً السكون الذي رافق الضجة ولم ينتبه إليه المعظم نتيجة الضجة المثارة، سكوت المثقفين التقليديين والدينيين عن الموضوع في تحالف غير مباشر مع الطبقة الحاكمة الجديدة، لأنهم كجزء من المجتمع المدني شكلوا تحالفاً غير معلن مع الحكام الجدد، وبالتالي لم يرفعوا صوتاً في هذا الإطار.
اصطفاف المجتمع المدني وفقاً للبرامج بات أمراً مصيرياً، وانحياز المكونات الفاعلة ممثلة بالمؤسسات الأهلية والمثقفين لبرنامج دون البرامج الأخرى، وإزالة قناع الاستقلالية التامة بات مهماً من أجل الحفاظ على المواقع داخل هذا المجتمع المدني، وإلا سيتم نزع فاعلية هذا المجتمع من خلال القوة والفاعلية التي أثبتت نفسها خلال الانتخابات الأخيرة، وسواء جاء التضامن العالي مع الكتاب لأسباب سياسية أو لإدراك الصورة الكاملة فإن العمل على أرضية وجود علاقات عضوية ما بين المجتمع والأحزاب من جهة، وما بين الأحزاب وممثليها المختلفين في المجتمع المدني تعبيراً عن برنامج كل توجه سياسي كما يجدر أن يكون.