يتناول هذا البحث نظريّة «الناسخ والمنسوخ» بمعناها الاصطلاحيّ — رفعُ حكمٍ قرآنيٍّ ثابتٍ أو رفعُ لفظه بدليلٍ متأخّر — ويقيم على نفي وقوعها في القرآن ثلاثةَ براهين متكاملة: برهانٌ قرآنيٌّ مبناه سبعةُ مواضع في نفي تبديل كلمات الله، وآياتُ الإحكام والتمام والحفظ ونفي الاختلاف؛ وبرهانٌ حديثيٌّ مستخرَجٌ من الصحيحين، عمادُه وصفُ المُنزَل بأنه «كتابٌ لا يغسله الماء»، وامتناعُ عثمان عن تغيير موضعِ آيةٍ قيل إنها منسوخة؛ وبرهانٌ من داخل التراث نفسه، مبناه أنّ لفظ «النسخ» عند السلف كان يُراد به البيانُ بمعناه الواسع — التخصيصُ والتقييدُ وبيانُ المجمل — كما قرّره الشاطبيّ وابن القيم وابن تيمية، فقُرئت آثارُهم باصطلاحٍ حدث بعدهم فتضخّمت قائمةُ المنسوخ.

ويعرض البحث مسارَ انحلال هذه القائمة بأرقامه: من مئات الدعاوى، إلى إحدى وعشرين عند السيوطيّ، إلى خمسٍ عند الدهلويّ، إلى ستٍّ عند مصطفى زيد بعد فحص مئتين وثلاثٍ وتسعين دعوى، إلى مثالٍ واحدٍ متّفقٍ عليه هو آيةُ النجوى — ويُبيّن أنّ هذا المثال نفسه انتهاءُ حكمٍ بانتهاء سببه لا رفعٌ لنصّ. ثم يُقدِّم بديلاً منهجيّاً من سبع أدوات أصوليّة تُعالج التعارضَ الظاهر بغير إلغاءِ نصّ، ويُخصِّص قسماً لأقوى الاعتراضات على الأطروحة، ويُلحق به جرداً نقديّاً لأخبار التشكيك في سلامة النصّ المبثوثة في التراث، مع بيان أنّ مبدأ «نسخ التلاوة» هو القالبُ الذي صُبّت فيه تلك الأخبار، وأنّ ردَّ المبدأ هو الموقفُ الذي يحفظ النصَّ منها.


مقدّمة: طبيعة هذا البحث

هذا بحثٌ مُحاجٍّ لا استعراضيّ. غايته أن يُقدَّم أقوى ما يُمكن أن يُقال في نقض نظريّة «الناسخ والمنسوخ» بمعناها الاصطلاحيّ — أي رفعِ حكمٍ قرآنيٍّ ثابت، أو رفعِ لفظِه، بدليلٍ متأخّر — وأن يُبنى النقض على القرآن أوّلاً، ثم على ما صحّ في البخاري ومسلم، ثم على التناقضات الداخليّة في متون الفرضيّين والأصوليّين أنفسهم.

وقد أُلحق به قسمٌ تاسع يعرض أقوى ما يُعترض به على هذه الأطروحة بلا تلطيف، وملحقان: الأوّل في بيان مراتب التوثيق ويفصل ما هو مقطوعٌ به عمّا هو مشهورٌ مختلَفٌ في لفظه عمّا أُورد بصيغة النقل؛ والثاني جردٌ نقديٌّ لأخبار التشكيك في سلامة النصّ المبثوثة في التراث، لأنّ الأطروحةَ لا تتمّ إلّا بمقابلتها.

الأطروحة في سطر واحد: القرآن حين يُغيّر حكماً يُصرّح بالتغيير ويُبقي النصّين جميعاً؛ فنظريّةُ نسخٍ صامتٍ، غيرِ مُوثَّق في النصّ، يُستخرَج بترتيبٍ تاريخيٍّ ظنّي بعد قرون — نظريّةٌ غريبةٌ عن منهج القرآن في التغيير، لا عن أحكامه فقط.

منهجُ البحث وخطّته

المنهجُ المتّبع استقرائيٌّ نقديٌّ مقارن: استقراءُ مواضع الجذر ومواضع نفي التبديل في القرآن؛ ونقدُ دعاوى النسخ بشروط الأصوليّين أنفسهم لا بشرطٍ خارجيّ، فالبناءُ يُنقَض بموازينه؛ ومقارنةٌ بين ما استقرّ في المذاهب الأربعة وما استقرّ في الأصول الإماميّة في المسألة عينها. والقاعدةُ الحاكمة في معالجة كلّ مثال قاعدةٌ مُتّفَقٌ عليها: لا يُصار إلى النسخ مع إمكان الجمع؛ فإذا أمكن الجمعُ بأداةٍ من أدوات البيان سقطت الدعوى بحكم القاعدة لا بحكم الترجيح.

وخطّتُه: القسم الأول في طرح المشكلة، والثاني في التعاريف وتحديد نطاق الأطروحة، والثالث في الإشكاليّات المتولّدة، والرابع في الحجّة القرآنيّة، والخامس في الحجّة من الصحيحين، والسادس في تفنيد الأمثلة، والسابع في البديل المنهجيّ وآثاره الفقهيّة، والثامن في سلف القول، والتاسع في أقوى الاعتراضات، والعاشر في الخلاصة؛ ثمّ ملحقان في مراتب التوثيق وفي أخبار التشكيك في سلامة النصّ.

الدراساتُ السابقة، وموضعُ هذا البحث منها

انتظمت الكتابةُ في الباب أربعةَ اتّجاهات:

  1. اتّجاهُ التوسيع في المصنّفات المتقدّمة (النحّاس، هبة الله بن سلامة، مكّي بن أبي طالب، ابن الجوزي) — وهي تجمع الدعاوى جمعاً لا تحقيقاً.
  2. اتّجاهُ التضييق من داخل المدرسة: السيوطيّ في الإتقان، ثمّ الدهلويّ في الفوز الكبير، ثمّ مصطفى زيد والشنقيطيّ في الدراسات الحديثة — وغايتُه تقليصُ القائمة مع إبقاء المبدأ.
  3. اتّجاهُ النفي: أبو مسلم الأصفهاني قديماً، ومحمد عبده ورشيد رضا وأبو زهرة ومحمد الغزالي حديثاً — وعمدتُه في الغالب تأويلُ آية البقرة 106 وحملُ النسخ على الشرائع السابقة.
  4. اتّجاهُ نقد نسخ التلاوة خاصّة: الباقلاني في الانتصار للقرآن، والخوئي في البيان في تفسير القرآن — وهو أدقُّ الاتّجاهات من الجهة الحديثيّة، إلّا أنّه يُبقي نسخَ الحكم.

وموضعُ هذا البحث أنّه يجمع الاتّجاهين الثالث والرابع في بناءٍ واحد، ويضيف إليهما ثلاثة أمور: (أ) الاستدلالُ بمجموع نصوص نفي التبديل بوصفها وحدةً دلاليّة لا بآيةٍ منها منفردة؛ (ب) استخراجُ «سنّة القرآن في تغيير الحكم» من النصّ نفسه ثمّ قياسُ الدعاوى عليها؛ (ج) بيانُ أنّ الأقسام الثلاثة للنسخ ترتدّ في مجموعها إلى ثلاثة أخبارِ آحادٍ بعينها، فتسقط الأقسامُ بسقوطها.


فهرس البحث


القسم الأول: طرح المشكلة

1. المشكلة الأساسيّة: نظريّةٌ لا يسمّيها القرآن ولا يَحصُرها التراث

«علم الناسخ والمنسوخ» يُقدَّم في كتب علوم القرآن على أنه من ضروريّات المفسّر، ويُنقل عن عليّ بن أبي طالب أنّه قال لقاصٍّ: «أتعرف الناسخ من المنسوخ؟ قال: لا. قال: هلكتَ وأهلكت» (أخرجه الحاكم وغيره، وهو أثرٌ مشهورٌ في مقدّمات الكتب). ومع هذه المركزيّة المعلنة، تعترض النظريّةَ ثلاث مشكلاتٍ بنيويّة قبل النظر في مثالٍ واحدٍ من أمثلتها:

أوّلاً — مشكلة العدد. لو كان النسخ معلومةً منقولة، لكان العددُ ثابتاً كثبوت عدد السور. والواقع أنّ الأرقام تتراوح تراوحاً لا يُعرَف له نظيرٌ في علمٍ منقول: بلغ بها بعض المصنّفين في القرن الخامس مئاتَ الآيات (انظر: هبة الله بن سلامة، الناسخ والمنسوخ؛ ومكّي بن أبي طالب، الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه)، وحصرها السيوطي في نحو عشرين (الإتقان في علوم القرآن، نوع النسخ)، ونزل بها شاه وليّ الله الدهلوي إلى خمس (الفوز الكبير في أصول التفسير)، ثم انتهى بها مصطفى زيد في رسالته الأزهريّة إلى عددٍ يُعدّ على أصابع اليد بعد إسقاط عامّة الأمثلة (النسخ في القرآن الكريم: دراسة تشريعيّة تاريخيّة نقديّة)، وأنكرها أبو مسلم محمد بن بحر الأصفهاني (ت 322هـ) في القرآن جملةً — كما نقل عنه الرازي في مفاتيح الغيب عند الآية 106 من البقرة، والزركشي في البرهان، والسيوطي في الإتقان.

هذا التراوح — من خمسمئة إلى صفر — ليس اختلافاً في التفاصيل. هو دليلٌ على أنّ القائمة استُخرِجت بالاجتهاد ولم تُتلقَّ بالنقل. ولو كانت منقولةً لاستقرّت.

وهذا جدولٌ يُظهِر مسار الانحلال بأرقامه:

القائل ما أُثبت من المنسوخ
مصنّفات القرن الخامس (ابن سلامة، مكّي) دعاوى تبلغ المئات
السيوطي في الإتقان، موافقاً لابن العربيّ إحدى وعشرون آية «على خلافٍ في بعضها»
السيوطي بعد استثناء آيتَي الاستئذان والقِسمة تسع عشرة
شاه وليّ الله الدهلوي في الفوز الكبير «وعلى ما حرّرنا لا يتعيّن النسخ إلّا في خمس آيات»
مصطفى زيد بعد فحص 293 دعوى ستّ آيات في خمس وقائع
عبد الله الأمين الشنقيطي في الآيات المنسوخة تسع آيات في سبعة موضوعات، والمُتّفَق عليه واحدة هي آية النجوى
أبو مسلم الأصفهاني ومن تابعه صفر

فالمُتّفَق عليه في «علمٍ» يُقال إنّ جهلَه يُهلِك المفتي: مثالٌ واحد — آيةُ النجوى — وهي، كما سيأتي، أدخلُ في انتهاء الحكم بانتهاء سببه منها في رفع النصّ. وقد بلغ بعض المعاصرين بها إلى الصفر بعد النظر في هذا المثال وحده.

ثانياً — مشكلة مرتبة الثبوت. إثباتُ النسخ يتوقّف على معرفة ترتيب النزول: أيّ الآيتين تقدّمت. وترتيب النزول ليس في المصحف، ولا في آيةٍ واحدة، بل في أخبارٍ آحاد وروايات أسباب نزولٍ متعارضة، أكثرها مرسلٌ أو مُعضَل. فنحن نُبطل حكماً مقطوعَ الثبوت (آية) بمعلومةٍ ظنّيّة الثبوت (خبر في التاريخ). وهذا قلبٌ لقاعدة الأصوليّين أنفسهم: «لا يُترك القطعيّ للظنّي».

ثالثاً — مشكلة الصنف الثالث. قسّم الأصوليّون النسخ ثلاثة أقسام: نسخُ الحكم والتلاوة معاً، ونسخُ الحكم مع بقاء التلاوة، ونسخُ التلاوة مع بقاء الحكم (انظر: الزركشي، البرهان؛ والسيوطي، الإتقان؛ والزرقاني، مناهل العرفان). والقسم الثالث — الذي بُني عليه حدُّ الرجم وحديث «عشر رضعات» — يعني بالضرورة أنّ في الشريعة حكماً قطعيّاً لا يحمله نصٌّ في المصحف، وأنّ في المصحف نقصاً عمّا أُنزل. وهذا هو موضع الصدام المباشر مع ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (الحجر 9).

2. لماذا المسألة عمليّة لا نظريّة

لأنّ النسخ هو المدخل الذي دخلت منه أحكامٌ لا تجد لها في المصحف سنداً، وخرجت منه أحكامٌ في المصحف صريحة. وأظهر مثالٍ عمليّ هو آية الوصيّة للوالدين والأقربين ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ ۖ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ (البقرة 180): قيل إنّها منسوخةٌ بآيات الفرائض، وقيل بحديث «لا وصيّة لوارث» — وهو حديثٌ ليس في الصحيحين، أخرجه أصحاب السنن وفي إسناده كلام. فنحن أمام آيةٍ مُحكمة أُبطلت بخبرٍ آحاديٍّ خارج الصحيحين، مع أنّ آيات الفرائض نفسها تقول ﴿مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَىٰ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ (النساء 12) — أي تُثبت الوصيّة ولا تُبطلها.

ولهذا اضطرّت قوانين الأحوال الشخصيّة الحديثة إلى إعادة تركيب ما حُذف باسم «الوصيّة الواجبة» لفرع مَن مات في حياة أصله — وهو حكمٌ لا تُقرّه المذاهب الأربعة على أصولها، وإنّما هو، في حقيقته، عودةٌ مُتأخِّرة إلى منطوق البقرة 180 بعد ثبوت الحاجة إليه عملاً. فلو لم تُنسَخ الآية لما احتيج إلى اختراع بديلٍ عنها.


القسم الثاني: التعاريف — وأين يبدأ التحريف الاصطلاحيّ

1. «النسخ» في اللغة وفي القرآن

للجذر في اللغة معنيان: النقل والكتابة (نسختُ الكتاب: نقلتُه)، والإزالة (نسختِ الشمسُ الظلّ). والحاسم أنّ القرآن استعمل الجذر في ثلاثة مواضع فقط:

الموضع اللفظ الدلالة
الجاثية 29 ﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ التدوين والإثبات — لا الإزالة
الأعراف 154 ﴿وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ﴾ المكتوب المنقول في الألواح
الحج 52 ﴿فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ﴾ الإزالة — لكنّ المُزال هو إلقاء الشيطان، ومقابلُه في حقّ آيات الله هو الإحكام

وآية الحجّ 52 وحدها كافية لبيان اتّجاه الاستعمال القرآنيّ: النسخ يقع على الدَّخيل، والإحكام يقع على الآيات. فالمعنى الاصطلاحيّ اللاحق — «رفع الحكم الشرعيّ بدليلٍ شرعيٍّ متأخّر» — ليس معنىً قرآنيّاً استُخرج من النصّ، بل معنىً أصوليّاً أُدخل على النصّ ثم قُرئ النصُّ به. أمّا موضع البقرة 106 ففيه اللفظ (﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾) وهو محلّ النزاع، وسيأتي في القسم الرابع.

2. «الآية» في القرآن

اللفظ يقع في القرآن على معانٍ أوسع بكثير من «الجملة من المصحف»: العلامة ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ﴾، والمعجزة ﴿وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَىٰ جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرَىٰ﴾، والعِبرة ﴿لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ﴾، والشرط أو الشريعة الدالّة. ومن هنا فإنّ حَمْل ﴿آيَةٍ﴾ في البقرة 106 على «الجملة المتلوّة» ليس معنىً مُعطىً، بل اختيارٌ تفسيريّ يحتاج إلى دليل، والسياق — كما سيأتي — يدفعه.

3. الحدّ الاصطلاحيّ وشروطه — ومَن يهدمها

الحدّ المشهور: «رفع الحكم الشرعيّ بخطابٍ شرعيٍّ متأخّر» (انظر: الآمدي، الإحكام في أصول الأحكام؛ والغزالي، المستصفى). وشروطه عند المحقّقين:

  1. التعارض الحقيقيّ الكلّي الذي يستحيل فيه الجمع.
  2. التراخي الزمنيّ بين النصّين مع ثبوت الترتيب.
  3. التساوي في مرتبة الثبوت أو زيادة الناسخ.
  4. أن يكون المنسوخ حكماً شرعيّاً لا خبراً.

وهذه الشروط، إن أُعملت بصرامة، هي وحدها كافية لإسقاط عامّة القائمة — لأنّ الشرط الأول يُسقط كلّ ما يُمكن فيه التخصيص أو التقييد، والثاني يُسقط كلّ ما لم يثبت ترتيبُه بنقلٍ قاطع، والثالث يُسقط كلّ نسخٍ للقرآن بخبرٍ آحاد.

وهنا يبرز موقف الشافعي الحاسم: أنّ القرآن لا يُنسخ إلّا بالقرآن، وأنّ السنّة لا تنسخ كتاباً وإنّما تكون معه ودالّةً عليه (الرسالة، باب ابتداء الناسخ والمنسوخ — والنقل هنا بالمعنى لا باللفظ). ولو التُزم هذا الأصل وحده لسقط من قائمة المنسوخ كلُّ ما استُند فيه إلى حديث: الوصيّة للوالدين، ووجوب الرجم، ونحوهما.

4. التمييز الذي أهمله المُصنِّفون: خمسةُ أشياء ليست نسخاً

الخلط بين النسخ وبين ما يلي هو مصنعُ الأمثلة الوهميّة:

  • التخصيص: إخراج بعض أفراد العامّ. والعامُّ يبقى مُحكماً في باقيه، فلا رفع.
  • التقييد: حَمْل المطلق على المقيَّد.
  • البيان: كون النصّ الثاني تفسيراً للأوّل لا إلغاءً له.
  • التدرّج التنزيليّ: كآيات الخمر، وليست نسخاً لأنّ السابق لم يكن حكماً إلزاميّاً يُرفع، بل تهيئةً.
  • انتهاء أمد الحكم بانتهاء سببه: كآية النجوى (المجادلة 12) وآيات القتال المعلّقة بشروطها. والحكم المعلَّق بشرطٍ لا يُنسخ بزوال شرطه، بل يَسكُن حتى يعود شرطُه.

ويُضاف إليها نسخُ الشرائع السابقة بالقرآن — وهو المعنى الوحيد الذي يُقرّه هذا البحث؛ فالقرآن ﴿مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ (المائدة 48)، والهيمنة تشمل تغييرَ ما شاء الله من أحكام مَن قبلنا.

5. الانقلاب الاصطلاحيّ: ما كان «النسخ» يعنيه عند السلف

هذه هي النقطة التي تنقض عمدةَ الباب من داخله. فإنّ مادّة كتب «الناسخ والمنسوخ» ليست آياتٍ تقول «هذه ناسخةٌ لهذه»، بل آثارٌ عن الصحابة والتابعين بلفظ: «هذه نسخت هذه». فإن ثبت أنّ اللفظ عندهم كان يُراد به البيان بمعناه الواسع — لا الرفع — فقد جُمعت مئاتُ الدعاوى على سوء فهمٍ اصطلاحيّ لا على نقلٍ صحيح. وقد قرّر هذا ثلاثةٌ من كبار المحقّقين من داخل المدرسة نفسها:

«الذي يظهر من كلام المتقدّمين أنّ النسخ عندهم في الإطلاق أعمُّ منه في كلام الأصوليّين؛ فقد كانوا يُطلقون على تقييد المطلق نسخاً، وعلى تخصيص العموم بدليلٍ متّصلٍ أو منفصلٍ نسخاً، وعلى بيان المبهم والمجمل نسخاً — كما يُطلقون على رفع الحكم الشرعيّ بدليلٍ شرعيٍّ متأخّرٍ نسخاً.» — الشاطبي، الموافقات.

«ومرادُ عامّة السلف بالناسخ والمنسوخ: رفعُ الحكم بجملته تارةً — وهو اصطلاح المتأخّرين — ورفعُ دلالة العامّ والمطلق والظاهر تارةً، إمّا بتخصيصٍ أو تقييدٍ أو حَمْلِ مطلقٍ على مقيّدٍ وتفسيرِه وتبيينه؛ حتى إنّهم يسمّون الاستثناء والشرط والصفة نسخاً، لتضمُّن ذلك رفعَ دلالة الظاهر وبيانَ المراد. ومن تأمّل كلامهم رأى من ذلك ما لا يُحصى، وزال عنه إشكالاتٌ أوجبها حَمْلُ كلامهم على الاصطلاح الحادث المتأخّر.» — ابن القيم، كما يُنقل عنه في هذا الباب.

«إنّ لفظ النسخ مجمَل؛ فالسلف كانوا يستعملونه فيما يُظنّ دلالةُ الآية عليه من عمومٍ أو إطلاقٍ أو غير ذلك، كما قال مَن قال: إنّ قوله ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ منسوخٌ بقوله ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ — وليس بين الآيتين تناقض.» — ابن تيمية.

ومثالُ ابن تيمية هذا بمنزلة العيّنة المعمليّة: آيتان لا تعارضَ بينهما بحالٍ، ومع ذلك دخلتا قائمةَ المنسوخ. فإذا كان هذا حالَ المثال الواضح، فما حالُ المُشتبه؟

ويُضاف إلى ذلك أنّ من إطلاقاتهم «المُنسَأ»: وهو الحكم الذي وجب امتثاله لعلّةٍ توجبه، فينتقل بانتقال علّته — كأحكام السِّلم والقتال. فسُمّي نسخاً وهو في الحقيقة انتقالُ حكمٍ بانتقال محلّه.

والنتيجة المنهجيّة: أنّ عمدةَ الباب آثارٌ (١) ظنّيّةُ الثبوت، (٢) مُجمَلةُ الدلالة، (٣) قُرئت باصطلاحٍ حدث بعد قائليها. وثلاثُ عللٍ متراكبةٍ في الدليل لا تُنتج علماً يُلغى به نصٌّ قطعيّ.

6. مصفوفةُ النسخ الرباعيّة — وتحديدُ نطاق هذه الأطروحة

أكثرُ الاعتراضات على نفي النسخ مبناها عدمُ التمييز بين أربع صورٍ يجمعها اسمٌ واحد. وتحديدُ الموقف من كلٍّ منها قبل الأدلّة شرطٌ في استقامة البحث:

الصورة مثالُها المشهور الموقف في هذا البحث
نسخُ القرآن بالقرآن آيةُ الوصيّة بآيات الفرائض منفيُّ الوقوع — وهو موضوع البحث
نسخُ القرآن بالسنّة آيةُ الوصيّة بحديث «لا وصيّة لوارث» باطل — أبطله الشافعيّ في الرسالة، وقال ابن تيمية: «وبالجملة فلم يثبت أنّ شيئاً من القرآن نُسخ بسنّةٍ بلا قرآن»
نسخُ السنّة بالقرآن التوجُّهُ إلى بيت المقدس بآية القبلة واقعٌ ولا إشكال فيه — لأنّ المرفوع ليس نصّاً قرآنيّاً
نسخُ السنّة بالسنّة «كنتُ نهيتكم عن زيارة القبور، ألا فزوروها» واقعٌ ولا إشكال فيه — وهو مجالُ التدرّج التشريعيّ الأوسع

فالأطروحةُ محدودةٌ بالصورتين الأوليين، ولا تمسّ الأخيرتين بحال. ومن اعترض بأنّ «التغيُّر في التشريع النبويّ واقعٌ لا يُنكَر» فهو محتجٌّ بما لا يُنكره هذا البحث؛ إذ الفرقُ بين رفع حكمٍ أقامه النبيّ ﷺ ببيانٍ منه أو بنصٍّ نازل، وبين تعطيل آيةٍ قائمةٍ في المصحف — فرقٌ في المحلّ لا في المقدار. وأكثرُ ما تُسمّيه كتبُ التشريع نسخاً — كتغيُّر أحكام الأوعية، وزيارة القبور، والادّخار من لحوم الأضاحي — راجعٌ إلى الصورتين الأخيرتين، فلا يصلح شاهداً في مسألتنا.


القسم الثالث: الإشكاليّات النّاتجة

1. الإشكال اللاهوتيّ: البَداء

إن كان النسخ رفعاً لحكمٍ لعلمٍ طرأ أو مصلحةٍ ظهرت، فهو نسبةُ البَداء إلى الله — وهو باطلٌ بالإجماع. وقد أجاب الأصوليّون بأنّ النسخ «بيانُ انتهاء أمد الحكم» لا «رفعُه»، أي أنّ الحكم كان مؤقَّتاً في علم الله من أوّله (انظر: الشاطبي، الموافقات).

وهذا الجواب صحيحٌ ومُهلِكٌ للنظريّة في الوقت نفسه. فإن كان الحكم مؤقَّتاً من أوّله، فالنصّ الثاني بيانٌ للتوقيت لا رفعٌ للحكم، والاسم الصحيح له: تخصيصٌ زمنيّ أو بيان. وهذا ما قاله أبو مسلم الأصفهاني بعينه: إنّ ما يُسمّى نسخاً هو تخصيص.

2. إشكال التعبّد بنصٍّ مُلغى

في «نسخ الحكم مع بقاء التلاوة» يلزم أنّ الله أبقى في كتابه نصّاً يُتعبَّد بتلاوته وهو ساقطُ الدلالة على مراده. وليس في القرآن آيةٌ واحدة تُشير إلى هذا الوضع، ولا في السنّة الصحيحة بيانٌ له. وهو يصطدم بـ ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ (هود 1): والإحكامُ ضدُّ الإلغاء.

3. الإشكال الأخطر: نسخ التلاوة وخبر الواحد

اتّفق الأصوليّون على أنّ القرآن لا يثبت إلّا بالتواتر، وأنّ خبر الواحد لا يُثبت قرآناً. ثم أثبتوا نسخَ التلاوة بأخبارٍ آحاد: خبر عائشة في الرضعات، وخبر أنس في قرآن بئر معونة، وخبر عمر في آية الرجم.

فتَلزم من ذلك مُعادلةٌ لا مخرج منها:

إمّا أنّ تلك الألفاظ لم تكن قرآناً — لأنّها لم تتواتر — فلا نسخَ ولا مشكلة؛ وإمّا أنّها كانت قرآناً ثبت بخبر الواحد — فينهار أصلُ التواتر الذي بُني عليه المصحف كلّه.

ولا مخرج ثالث. وقد وقف على هذا اللزوم السيّد أبو القاسم الخوئي فأبطل نسخ التلاوة إبطالاً تامّاً، وانتهى فيه إلى عبارةٍ حادّة: «إنّ القول بنسخ التلاوة هو نفسُ القول بالتحريف»، وعلّل ردَّه بأنّ «مستندَ هذا القول أخبارُ آحاد، وأخبارُ الآحاد لا أثرَ لها في أمثال هذا المقام»؛ وفسّر منشأَها بأنّ الراوي «كان يسمع من النبيّ ﷺ الحديثَ أو الدعاءَ فيتصوّره قرآناً، أو يختلط عليه الأمرُ بعد ذلك» (البيان في تفسير القرآن). وهو التفسيرُ عينُه الذي ينتهي إليه جردُ الملحق (ب)؛ وهو موقفٌ يُلتقى فيه مع مَن أبطله من أهل السنّة — فالمسألة ليست مذهبيّة.

البرهانُ الحاصر: الأقسامُ الثلاثة كلُّها مبناها ثلاثةُ أخبارٍ بعينها

ومن أدقّ ما يُكشَف به بناءُ هذا الباب أن يُنظر في العبارة المدرسيّة التي يُقرَّر بها التقسيم. فقد قرّر العضدُ الإيجيّ في شرحه على مختصر المنتهى أنّ النسخ إمّا للتلاوة فقط، أو للحكم فقط، أو لهما معاً، وأنّ الثلاثة جائزة؛ ثمّ استدلّ على الوقوع في كلّ قسمٍ بشاهدٍ واحدٍ لا غير:

القسم الشاهدُ الوحيد عليه
نسخُ التلاوة وحدها ما رُوي عن عمر في «الشيخ والشيخة»
نسخُ الحكم وحده نسخُ الاعتداد بالحول واللفظُ مقروء (البقرة 240)
نسخُهما معاً ما روته عائشة في «عشر رضعاتٍ محرِّمات»

فالأقسامُ الثلاثة التي يقوم عليها الباب كلُّه تستند في وقوعها إلى ثلاثة أخبارٍ بعينها، لا رابعَ لها. وقد مرّ في هذا البحث نقضُ الثلاثة على التوالي:

  1. خبرُ عمر أورده البخاريّ معلَّقاً، ولفظُ «الشيخ والشيخة» ليس في الصحيحين، ومتنُه يُقرّر حُرمةَ الزيادة لا وقوعَ النقص (القسم الخامس/4).
  2. وخبرُ الحول ينقضه ما في البخاريّ من امتناع عثمان أن يُغيِّر موضعَ الآية (القسم الخامس/5)، ولا تعارضَ فيه أصلاً لاختلاف الموضوع: عدّةٌ في آية، ومتاعٌ وسُكنى في أخرى (القسم السادس/3).
  3. وخبرُ الرضعات يهدم متنُه دلالتَه بتصريح آخره أنّهنّ كنّ يُقرأن حتى الوفاة (القسم الخامس/9).

فإذا سقطت الشواهدُ الثلاثة سقط الوقوعُ في الأقسام الثلاثة جملةً، ولم يبقَ إلّا الجوازُ العقليّ — وهو مُسلَّمٌ لا ينازع فيه أحد، ولا يُبنى عليه حكمٌ على آيةٍ بعينها. وهذا هو مَقتلُ الباب: بناءٌ واسعٌ على قاعدةٍ من ثلاثة أخبار، وكلُّ خبرٍ منها منقوضٌ بمتنه أو بمخرجه.

4. إشكال «الزيادة في كتاب الله» — من فم عمر نفسه

المشهور عن عمر بن الخطاب قوله في آية الرجم: «لولا أن يقول الناس: زاد عمرُ في كتاب الله، لكتبتُها» (أخرجه البخاري في المحاربين — وانظر الملحق). والدلالة هنا عكسُ ما يُستدَلّ به عادة:

عمر لم يَخْشَ أن يُقال «أخطأ»، بل خشي أن يُقال «زاد». أي أنّ التابو المستقرّ في الصحابة كان أنّ المصحف لا يُزاد فيه ولا يُنقص منه، حتى بما يُعتقد أنّه نزل. فمن استدلّ بالخبر على أنّ نصّاً قرآنيّاً سقط، فقد استدلّ بخبرٍ متنُه نفسه يُقرّر حُرمة المساس بالنصّ.

5. الإشكال المنهجيّ: مَن يملك حقّ النسخ؟

توسّعت المتون حتى تُحدَّث عن نسخ القرآن بالسنّة المتواترة، وبالسنّة الآحاديّة عند بعضهم، وبالإجماع، وذُكر القياس. ومع كلّ مرتبةٍ يُضاف، تزداد الفجوة بين النصّ المقطوع والحكم الفعليّ. واللافت أنّ الحديث الذي يُستند إليه في تأسيس سلطة الاجتهاد — حديث معاذ «أجتهد رأيي» — ليس في الصحيحين، وفي إسناده انقطاعٌ معروف. فالبناء قائمٌ على أساسٍ أضعف من سقفه.

6. إشكالُ «النسخ قبل التمكّن من الفعل»

بلغ التوسُّعُ في الباب أن بحث الأصوليّون مسألةَ نسخِ الحكم قبل أن يتمكّن المكلَّف من فعله، فأجازه كثيرٌ منهم واستشهدوا له بقصّة الأمر بالذبح في سورة الصافّات، وبآية النجوى عند من قال إنّها نُسخت قبل العمل بها. ومنعه آخرون — ومنهم المعتزلة — لأنّه يستلزم خطاباً لا يُقصد به عملٌ أصلاً.

والمنعُ هو الصحيح، ولزومُه على المجيز ثقيل: إذ يصير الخطابُ الشرعيّ إنشاءً لا يُراد به تكليفٌ ولا امتثال، وهو العبثُ الذي يتنزّه عنه الحكيم، ويُناقض ﴿مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ (هود 1). وقصّةُ الذبح ليست منه في شيء: فالأمرُ فيها امتثِل بالفعل — ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾ (الصافات 105) — والمرفوعُ إنّما هو إتمامُ الإمضاء بعد تحقُّق المقصود، وهو بلوغُ الغاية لا رفعُ الحكم.

وموضعُ هذا الإشكال من البحث أنّه يكشف اتّجاهَ النظريّة: فمتى صار النسخُ أداةً مطلقةً، لم يبقَ لها حدٌّ يمنعها من الوصول إلى القول بخطابٍ لا فائدة فيه. وتضخُّمُ الأداة حتى تبلغ هذا الحدّ قرينةٌ على خللٍ في أصلها، لا في تطبيقها فقط.

7. إشكال الدَّوْر في إثبات الترتيب

إثبات النسخ يتوقّف على الترتيب، والترتيب في كثير من الأمثلة إنّما استُنتج من افتراض النسخ. مثال: يُقال إنّ آية السيف (التوبة 5) متأخّرة فهي ناسخة؛ ويُقال إنّها ناسخة فهي متأخّرة. وهذا دَوْرٌ لا يُنتج علماً.


القسم الرابع: الحجّة القرآنيّة

أوّلاً: آياتُ المنع الصريح من التبديل

خمسةُ نصوص، أحدها في سياق التلاوة نفسها:

  1. ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا ۗ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ (الأنعام 115). والتمامُ منصوصٌ عليه، ومعلَّلٌ بالصدق والعدل — والتامُّ الصادق العادل لا يحتاج تعديلاً.
  2. ﴿وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن كِتَابِ رَبِّكَ ۖ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ (الكهف 27). وهذه هي الحجّة الأقوى: النفيُ وارد في سياق الأمر بالتلاوة من الكتاب، فلا يصحّ صرفُه إلى «كلمات الكون» أو «الوعد والوعيد» كما يُصرَف نظيرُه.
  3. ﴿لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ﴾ (يونس 64).
  4. ﴿وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ﴾ (الأنعام 34).
  5. ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ * لَّا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ﴾ (فصّلت 41–42). والبطلانُ من «خلفه» هو ما يَلحقه بعد نزوله — وحكمٌ يُلغى بعد إنزاله هو أقرب ما يُوصف بذلك.

الاعتراض المتوقّع: «لا مبدِّل» تعني لا مبدِّل غيرَ الله، وأمّا الله فيبدّل. الجواب: هذا التخصيص لا دليل عليه في اللفظ، ويصطدم بموضعين: بالكهف 27 لأنّ السياق تلاوةُ المكتوب لا مشيئةُ المُنزِل؛ وبيونس 15 التالية التي تُصرّح بأنّ التبديل ممنوعٌ لا لأنّ النبيّ عاجز، بل لأنّه ليس من شأن الوحي أن يُبدَّل: ﴿قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَاءِ نَفْسِي ۖ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ﴾ — وهي في سياق طلب المشركين: ﴿ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَٰذَا أَوْ بَدِّلْهُ﴾. فالتبديلُ في القرآن مطلبُ الخصوم، لا فعلُ الربّ.

ثانياً: آياتُ الكمال والتمام والحفظ

﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (الحجر 9) — والحفظُ لِـ«الذِّكر» مطلقاً: لفظاً وحكماً. ونسخُ التلاوة نقضٌ للشطر الأول، ونسخُ الحكم نقضٌ للشطر الثاني.

﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ (المائدة 3) — والكمالُ يُنافي أن يكون في الدين حكمٌ قائمٌ لا نصَّ له، أو نصٌّ قائمٌ لا حكمَ له.

﴿مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ﴾ (الأنعام 38)، و﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ﴾ (النحل 89) — والقول بأنّ حدّاً من أعظم الحدود (الرجم) لا نصَّ له في الكتاب هو تفريطٌ في الكتاب بعينه.

﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ ۚ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ (النساء 82) — وهذه الآية تُبطل المقدّمة الكبرى للنسخ: لأنّ النسخ لا يُصار إليه إلّا بعد الاعتراف بوجود تعارضٍ حقيقيّ، والآية تنفي التعارض نفياً مقروناً بالتدبّر. فمن ادّعى تعارضاً فعليه بالتدبّر، لا بالإلغاء.

﴿وَأُخْرَىٰ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ (آل عمران 7) — القرآن حين قسّم آيات نفسه، قسّمها إلى مُحكَمٍ ومُتشابِه، لا إلى ناسخٍ ومنسوخ. وهذا سكوتٌ دالّ: لو كان في الكتاب قسمٌ ملغى لكان ذكرُه هنا أوجبَ من ذكر المتشابه.

ثالثاً: إعادة قراءة آية البقرة 106 في سياقها

السياق من الآية 104 إلى 109 كلُّه في أهل الكتاب ومنازعاتهم مع المسلمين:

﴿مَّا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ﴾ (105) ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا ۗ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (106) ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (107) ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَن تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَىٰ مِن قَبْلُ﴾ (108)

ستّ قرائن سياقيّة تدفع الحمل على آيات المصحف:

  1. الخصم حاضر: الآية 105 عن حسد أهل الكتاب لتنزيل «خيرٍ» على المسلمين، والآية 106 تُجيبهم بأنّ ما يُبدَّل يُؤتى بخيرٍ منه أو مثله. فالجدال في تحوّل الوحي من أمّة إلى أمّة، لا في تعديل تشريعٍ داخليّ.
  2. التعليل بالقدرة والمُلك لا بالحكمة والمصلحة: ﴿عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، ﴿لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. والتعليل بالقدرة والملك يناسب حقّ الله في تغيير الشرائع وتحويل الاستخلاف، ولا يناسب تصحيح تشريعٍ داخل شريعةٍ واحدة — فذاك موضعُ التعليل بالحكمة والعلم.
  3. ﴿أَوْ مِثْلِهَا﴾ تُبطل المعنى الاصطلاحيّ: إن كان المنسوخ آيةً في المصحف والناسخُ آيةً مثلها في الحكم، فما معنى النسخ؟ وإن كان المُزال لفظُها فما فائدة الإتيان بمثلها؟ أمّا على معنى الشريعة/العلامة فالكلام مستقيم: شريعةٌ تُبدَّل بأخرى مثلها في الإحكام أو خيرٍ منها في المناسبة لأهلها.
  4. ﴿أَوْ نُنسِهَا﴾: على قراءة «نُنْسِها» (من الإنساء) تصادم ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنسَىٰ﴾ (الأعلى 6) و﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ (القيامة 17)؛ وعلى قراءة «نُنْسَأْها» (من التأخير) فالمعنى التأجيل لا الإلغاء — وهو ما يُقوّي قراءة الشرائع والآجال.
  5. الخطاب للنبيّ أو للسائل لا للأمّة المشرّع لها: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ﴾ خطابُ تثبيتٍ في مقام جدال، لا خطابُ تبليغ حكم.
  6. لا ذِكر لحكمٍ واحد: لو أُريد تعديل التشريع لَذُكِر نموذجٌ منه، كما هو منهج القرآن في كلّ تعديلٍ صرّح به (انظر «رابعاً» أدناه).

وهذه في جملتها قراءةُ أبي مسلم الأصفهاني، وعليها جرى مُحقِّقو المتأخّرين في تقليل الأمثلة أو نفيها (الرازي، مفاتيح الغيب، عند الآية؛ رشيد رضا، تفسير المنار؛ ابن عاشور، التحرير والتنوير).

رابعاً: النحل 101 — الخصم هو المتكلّم

﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ ۙ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنتَ مُفْتَرٍ ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (النحل 101).

القائلون «إنّما أنت مفترٍ» هم المشركون، بدليل ما يليها: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ﴾ (102)، ثم ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ (103). فالآية تحكي تُهمةً مبنيّةً على مقارنة الوحي الجديد بما قبله. ولو كان في القرآن نسخٌ داخليٌّ متكرّر لكانت هذه التهمة قد وجدت في المصحف مادّتها كلَّ يوم، ولكان الجواب عليها بياناً للنسخ — لا ﴿نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ﴾.

ويُلحق بها الردّ على الاستدلال بـ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ (الرعد 39): سياقها الآجال والكتاب المحفوظ والقَدَر — لا التنزيل، بدليل ما قبلها ﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ﴾.

خامساً: البرهان المنهجيّ — كيف يُغيّر القرآنُ حكماً فعلاً؟

هذا هو موضع الحسم. القرآن غيّر أحكاماً بالفعل، وفي كلّ مرّةٍ فعل ذلك بثلاث خصائص ثابتة: التصريح بالتغيير، وإبقاء النصّين، وبيان العلّة. ولم يفعله مرّةً واحدةً في صمت:

الموضع النصّ الأول نصّ التغيير صيغة التصريح
الأنفال 65–66 ﴿عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ ﴿مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا﴾
المجادلة 12–13 ﴿فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾ إسقاط التقديم ﴿فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾
المزّمّل 2–4 و20 ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ ﴿عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾
البقرة 143 و144 القبلة الأولى ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ...﴾

النتيجة: أربعُ حالاتٍ يُقرّ البحث بأنّ فيها انتقالاً من حكمٍ إلى حكم — وكلُّها مُوثَّقة في المصحف بنصّيها ومعلَّلة بعلّتها، ولا تحتاج إلى رواية ترتيبٍ ولا إلى إسقاط لفظ. فهذه هي «سنّة القرآن» في التغيير.

ومن هنا يتوجّه البرهان في صورته النهائيّة:

إذا كانت طريقةُ القرآن المعلومة في تغيير الأحكام هي التصريحُ والتوثيقُ والتعليل — فادّعاءُ نسخٍ صامت (لا تصريح)، غيرِ موثَّق (يُحتاج في إثباته إلى أخبار آحاد)، ومُستخرَجٍ لاحقاً (بترتيب نزولٍ ظنّي)، هو ادّعاءُ ما يخالف منهج القرآن المشهود في كتابه. والمخالف للمنهج المشهود يحتاج بيّنةً قاطعة، وليست عنده إلّا الظنّ.


سادساً: النسخُ الذي يُثبته القرآنُ فعلاً — نسخُ الشرائع السابقة

من مواضع الخلل في عرض هذه المسألة أنّ نُفّاة النسخ يُحيلون أدلّةَ الباب على «نسخ الشرائع السابقة» ثمّ لا يُقيمون على هذا المحمل دليلاً؛ فيبدو مَخرَجاً تأويليّاً لا موقفاً تأصيليّاً. والحقّ أنّ هذا المحمل هو الوحيدُ المنصوصُ عليه في القرآن صراحةً، وأنّ للنسخ في القرآن معنىً محقَّقَ الوقوع، لكنّه واقعٌ بين الشرائع لا داخل الكتاب. وبيانُه في ستّة نصوص:

النصّ موضعُ الدلالة
﴿وَلِأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ (آل عمران 50) تصريحٌ على لسان المسيح بأنّ من مقاصد رسالته إحلالَ ما حُرِّم في شريعةٍ سابقة — وهذا هو الرفعُ بعينه، لكن محلُّه شريعةٌ لا نصٌّ قائمٌ في كتابٍ محفوظ
﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَىٰ نَفْسِهِ﴾ (آل عمران 93) تقريرُ تحوُّل حكم الطعام في تاريخ التشريع
﴿فَبِظُلْمِهِمْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ (النساء 160) تحريمٌ لاحقٌ لِما كان حِلّاً، مُعلَّلٌ بالظلم — فالتغيير مُصرَّحٌ به ومُعلَّلٌ، كسنّة القرآن في التغيير
﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ (الأنعام 146) تخصيصُ التحريم بأمّةٍ بعينها — فالأحكام تتبدّل بتبدُّل المخاطَبين
﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ (الأعراف 157) وصفُ بعثة النبيّ ﷺ بأنّها وضعٌ لتكاليفَ سابقة — وهو نسخٌ في أوضح صوره
﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ و﴿مُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ (المائدة 48) تعدُّدُ الشرائع مع وحدة الأصل، وهيمنةُ القرآن على ما قبله: تصديقٌ لأصله، وحكمٌ على ما خالفه

والنتيجةُ ثلاثيّة:

  1. المحملُ الذي يحمل عليه هذا البحثُ آيةَ البقرة 106 ليس فرضاً تأويليّاً، بل هو المعنى الذي أفصح عنه القرآن في ستّة مواضع؛ فصار حملُ الآية عليه حملاً على المعلوم من الكتاب، وحملُها على نسخ آيات القرآن حملاً على ما لم يُنصّ عليه في موضعٍ واحد.
  2. سياقُ البقرة 106 يُطابق هذه النصوص مطابقةً تامّة: فهو في محاجّة أهل الكتاب الذين أنكروا انتقال النبوّة وتبدُّل الشريعة (البقرة 105، 108، 109)؛ وختمُها ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ — لا «حكيمٌ عليم» — إنّما يُناسب مقامَ إثبات القدرة على تبديل الشرائع، لا مقامَ تفصيل أحكام.
  3. ويُلاحظ أنّ كلّ نصٍّ من الستّة جاء على سنّة القرآن في التغيير التي حُرِّرت في «خامساً»: تصريحٌ باللفظ، وذكرٌ للعلّة، وإبقاءُ الخبر عن الحكمين معاً. فحتى في نسخ الشرائع السابقة لم يقع التغييرُ صامتاً. فكيف يقع صامتاً داخل الكتاب المحفوظ؟

القسم الخامس: الحجّة من الصحيحين

الطلب هنا مزدوج: ما يدلّ على حُرمة تغيير المُنزَل، وما يَكشِف عن ضعف الأصل الحديثيّ للنسخ.

1. «كتابٌ لا يغسله الماء» — وصفُ المُنزَل بالامتناع عن المَحْو

عن عياض بن حِمار المُجاشعيّ أنّ النبيّ ﷺ قال ذات يومٍ في خطبته، يحكي ما أُوحي إليه: «…وأنزلتُ عليك كتاباً لا يغسله الماء، تقرؤه نائماً ويقظان» (مسلم، كتاب الجنّة وصفة نعيمها وأهلها).

وهذا أصرحُ ما في الصحيحين في وصف المُنزَل بالحصانة من المَحْو. وقد فسّره الشُّرّاح بأنّ معناه: محفوظٌ في الصدور لا يتطرّق إليه الذهاب، باقٍ على مرّ الأزمان — أي إنّ حفظه ليس حفظَ رقٍّ يُغسَل بالماء، بل حفظُ متنٍ لا يقبل الإزالة أصلاً. فمن أثبت نسخَ التلاوة فقد أثبت في هذا الكتاب ما غسله الماء؛ ومن أثبت نسخَ الحكم مع بقاء اللفظ فقد أثبت فيه لفظاً يُقرأ وقد غُسل مضمونُه. والحديث يُغلق البابين معاً بوصفٍ واحد.

2. تبديلُ الكتاب هو ذنبُ أهل الكتاب — وكتابُنا «مَحْضٌ لم يُشَبْ»

عن ابن عبّاس أنه قال: «كيف تسألون أهل الكتاب عن شيءٍ، وكتابُكم الذي أُنزل على رسوله ﷺ أحدثُ الأخبار بالله، تقرؤونه مَحْضاً لم يُشَبْ؟ وقد حدّثكم الله أنّ أهل الكتاب بدّلوا كتاب الله وغيّروه، وكتبوا بأيديهم الكتاب» (البخاري، كتاب الشهادات).

دلالته حاسمة من وجهين: أنّ التبديل هو الوصف المذموم الذي عُيِّر به أهل الكتاب في القرآن (البقرة 75–79؛ آل عمران 78؛ النساء 46؛ المائدة 13 و41)؛ وأنّ الصحابيّ يصف مصحف المسلمين بأنّه مَحْضٌ لم يُخالَط — وهو نفيٌ لأيّ حديثٍ عن نقصٍ فيه أو حكمٍ سقط منه.

3. لا يُبدَّل حتى المُرادف في اللفظ المُنزَل

حديث البراء بن عازب في دعاء النوم: لمّا ردّده فقال «ورسولِك الذي أرسلت»، قال النبيّ ﷺ: «لا، وَنَبِيِّكَ الذي أرسلت» (البخاري، كتاب الدعوات؛ ومسلم، كتاب الذكر والدعاء).

فإذا لم يُقبل إبدالُ لفظٍ بلفظٍ مُرادفٍ في المعنى في دعاءٍ مُعلَّم — فكيف يُقبل، في الوحي المتلوّ، إسقاطُ ألفاظٍ كاملة وإبطالُ أحكامٍ كاملة بلا توثيق؟ الحديث يُقرِّر صرامةً في المحافظة على المُنزَل تُناقض مِزاج النظريّة كلَّه.

4. «زاد عمرُ في كتاب الله» — التابو المعلن

عن عمر: «لولا أن يقول الناس: زاد عمرُ في كتاب الله، لكتبتُ آية الرجم» (البخاري، كتاب المحاربين — وانظر الملحق في مرتبة اللفظ). وقد سبق بيان أنّ هذا المتن يُثبت حُرمة المساس بالنصّ أكثر مما يُثبت سقوط نصّ.

5. عثمان يرفض أن يُرتِّب على دعوى النسخ أثراً في المتن

عن عبد الله بن الزبير أنّه قال لعثمان بن عفّان في آية ﴿وَصِيَّةً لِّأَزْوَاجِهِمْ مَّتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ﴾: قد نسختها الآيةُ الأخرى، فلِمَ تكتبها؟ فقال: «يا ابن أخي، لا أُغيِّر شيئاً منه من مكانه» (البخاريّ).

وهذا أقربُ ما في الصحيحين إلى كونه نصّاً في موضع النزاع. فدعوى النسخ مطروحةٌ في المجلس ومُسلَّمةٌ جدلاً، ومع ذلك يُعلن جامعُ المصحف قاعدةً لا استثناء فيها: لا يُغيَّر شيءٌ من موضعه. فلو كان في وعي ذلك الجيل أنّ الله يرفع من المتن ما يرفع، لكانت دعوى النسخ مقدّمةً كافيةً في يد عثمان لحذف ما قيل إنّه منسوخ — فامتناعُه إبطالٌ بالعمل لتصوُّر نسخ التلاوة. (وتفصيلُ دلالته في ملحق ب/3-د.)

6. الكفاية والعصمة بالكتاب

في خطبة حجّة الوداع، عن جابر: «وقد تركتُ فيكم ما لن تَضِلُّوا بعده إن اعتصمتم به: كتابَ الله» (مسلم، كتاب الحج، باب حجّة النبيّ ﷺ). ولا يُعقل أن يُوصَف بعدم الإضلال كتابٌ فيه أحكامٌ ملغاةٌ لا يُعرَف الملغى منها إلّا بروايةٍ ظنّيّة، وأحكامٌ قائمةٌ ليست فيه أصلاً.

7. مرتبةُ المكتوب

عن أبي سعيد الخدري أنّ النبيّ ﷺ قال: «لا تكتبوا عنّي شيئاً إلّا القرآن» (مسلم، كتاب الزهد والرقائق). وهو يدلّ على تمييزٍ حادٍّ في المرتبة بين المتلوّ وغيره — وهو التمييز الذي يُلغيه القول بنسخ القرآن بالسنّة.

8. النبيّ ﷺ يُحيل إلى الآية لا إلى ناسخها

لمّا راجعه عمر في الكلالة قال له: «يكفيك آيةُ الصيف التي في آخر سورة النساء» (مسلم، كتاب الفرائض). وموضع الدلالة: أنّ الإحالة عند أغمض مشكلٍ فرضيّ كانت إلى الآية بنفسها، لا إلى بيانٍ خارجٍ عنها ولا إلى ناسخٍ لها.

9. قراءة نقديّة لأقوى ما في الصحيحين مع النسخ

الإنصاف يوجب عرض الخبرين اللذين يُعتمَد عليهما، ثم بيان ما فيهما:

(أ) خبر عائشة في الرضعات (مسلم، كتاب الرضاع): «كان فيما أُنزل من القرآن: عشرُ رضعاتٍ معلومات، فنُسِخنَ بخمسٍ معلومات، فتُوفّي رسول الله ﷺ وهنّ فيما يُقرأ من القرآن».

هذا المتن يَهدم ما يُبنى عليه: - آخرُه يُصرِّح بأنّ «الخمس» كانت تُقرأ من القرآن حتى الوفاة — فلا هي منسوخةُ التلاوة في حياته، وليست في المصحف بعده. فالمسألة إذن مسألةُ ما دخل المصحف، لا مسألةُ نسخٍ إلهيّ. - أوّلُه يُثبت نسخَ قرآنٍ بقرآن لم يبقَ منه شيء — وهو خبر واحدٍ في موضوعٍ لا يُقبل فيه إلّا التواتر. - ومتنُه محلُّ نظرٍ عند الفقهاء أنفسهم، فالمذاهب الأربعة لم تأخذ بـ«الخمس» على السواء، بل خالف فيه الحنفيّة والمالكيّة — فلو كان قرآناً منسوخَ التلاوة ثابتَ الحكم لَما ساغ الخلاف فيه.

(ب) خبر أنس في بئر معونة (البخاري، كتاب المغازي): أنّهم كانوا يقرؤون فيمن قُتل: «بلّغوا قومَنا أنّا لقينا ربَّنا فرضي عنّا وأرضانا»، «ثم رُفع» أو «ثم نُسخ».

والنظر فيه: أنّ المتن قابلٌ بظاهره لأن يكون دعاءً أو كلاماً مرويّاً عمّا أُنزل في شأنهم لا آيةً من سورة؛ وأنّ لفظ «رُفع» في أخبار الآحاد لا يُنشئ يقيناً في بابٍ لا يُقبل فيه الظنّ؛ وأنّ الخبر لو سُلِّم لكان أقصى ما فيه قرآنٌ نزل ثم رفع في زمن التنزيل — وهذا، إن صحّ، غيرُ ما تُريده النظريّة من نسخٍ يُمتدّ أثرُه إلى المصحف المستقرّ.


القسم السادس: تفنيد أشهر الأمثلة

# الآية المُدّعى نسخُها دعوى الناسخ التفنيد
1 ﴿الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ (البقرة 180) آيات الفرائض، أو حديث «لا وصيّة لوارث» الحديثُ خارج الصحيحين وفي إسناده كلام. وآيات الفرائض تنصّ ﴿مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَىٰ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ فتُقرّ الوصيّة. والجمع ممكنٌ بلا تكلّف: فرضٌ للوارث، ووصيّةٌ «بالمعروف» لمن لا يُورَث أو لمن حُجِب. والدليلُ العمليّ على خطأ النسخ: اضطرارُ القوانين إلى اختراع «الوصيّة الواجبة»
2 ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾ (التوبة 5) كناسخٍ لنحو 124 آية آية السيف الآية مُقيَّدةٌ في سياقها بمن نقض العهد (التوبة 1–4)، ومُقيَّدةٌ بما بعدها ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ﴾ (6) و﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾ (7). وهي معلَّقةٌ بشرطٍ لا ناسخةٌ لأصل؛ ويبقى ﴿وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾ (الأنفال 61) و﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ (البقرة 256) محكمَين. ودعوى نسخ آيةٍ واحدة لمئةٍ وأربعٍ وعشرين آية هي، في ذاتها، برهانٌ على انفلات المنهج
3 ﴿مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ (البقرة 240) ﴿أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ (البقرة 234) لا تعارض: 234 في العدّة، و240 في وصيّةٍ بالسُّكنى والمتاع بقرينة ﴿وَصِيَّةً لِّأَزْوَاجِهِمْ﴾ و﴿غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾. فهذا اختلافُ موضوعٍ لا تناسخُ حكمين. ويُقوّيه أنّ المتقدّم في الترتيب المصحفيّ هو المدّعى ناسخاً — فالدعوى تحتاج ترتيب نزولٍ لا يثبت. وقد سُلِّمت الدعوى جدلاً في حضرة عثمان فأبى أن يُغيّر موضع الآية (البخاريّ) — انظر القسم الخامس/5
4 ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ﴾ (النساء 15–16) حدّ الزنا (النور 2) اختلاف الموضوع: «الفاحشة» في النساء 15 أعمّ، والموصوف بها غير موصوف الزنا في النور. والجمع بالتخصيص أولى من الإلغاء بإجماع قواعدهم
5 ﴿فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾ (المجادلة 12) المجادلة 13 ليس نسخاً بل انتهاءُ حكمٍ بانتهاء سببه، والقرآن نفسه علّله ﴿فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾. ولو عاد السبب عاد الحكم
6 آيات الخمر (البقرة 219، النساء 43، المائدة 90) المائدة 90 تدرّجٌ تنزيليّ: النصّان الأوّلان ليسا حكمَي إباحةٍ مُلزِمَين يُرفعان، بل إخبارٌ وتقييدُ حال. ولا يُسمّى نسخاً ما لم يكن المرفوع حكماً مُقرَّراً
7 ﴿عِشْرُونَ صَابِرُونَ﴾ (الأنفال 65) الأنفال 66 يُسلَّم بالانتقال — لكنّه مُصرَّحٌ به ومُعلَّلٌ في النصّ نفسه، والنصّان باقيان. فهو من «سنّة التغيير المُوثَّق» لا من النسخ الصامت، ولا يحتاج رواية ولا إسقاطاً
8 ﴿قُمِ اللَّيْلَ﴾ (المزّمّل 2) المزّمّل 20 كالذي قبله: تخفيفٌ مُصرَّحٌ به داخل السورة نفسها
9 القبلة (البقرة 142–150) — القبلةُ الأولى لم تكن حكماً قرآنيّاً منصوصاً يُرفع، فتوجيهُ القبلة إنشاءُ حكمٍ لا نسخُ نصّ. وهو أقوى أمثلتهم، وهو مع ذلك لا يُثبت إلغاء آية
10 ﴿وَإِن تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللَّهُ﴾ (البقرة 284) البقرة 286 خبرٌ لا حكم، والخبر لا يُنسخ بالاتّفاق. والجمع: المحاسبة ثابتة، والتكليف بما لا يُطاق منفيّ
11 حدّ الرجم «آية الرجم» منسوخة التلاوة هذا هو الموضع الذي تُطلَب فيه البيّنة فلا تُوجَد: نصٌّ لا يُتلى، وحدٌّ من أعظم الحدود بلا آية، مع ﴿مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ﴾. ومتنُ خبر عمر يُقرّر حُرمة الزيادة لا وقوع النقص
12 «عشر رضعات» «خمس رضعات» سقط بمتنه: فآخِرُه يقول إنّهنّ كنّ يُقرأن حتى الوفاة (انظر القسم الخامس/9)

القاعدة المستخلَصة من الجدول: كلُّ مثالٍ يعود إلى أحد خمسة: اختلافُ موضوع (3، 4، 10)، أو تقييدٌ بشرطٍ أو سبب (2، 5)، أو تدرّجٌ تنزيليّ (6)، أو تغييرٌ مُصرَّحٌ به موثَّقٌ في النصّ (7، 8، 9)، أو دعوى مبناها خبرُ واحدٍ في موضعٍ لا يُقبل فيه الظنّ (1، 11، 12). ولا يبقى بعد ذلك شيءٌ للنسخ الاصطلاحيّ يعمل فيه.

تحليلٌ بنيويّ: أين تتمركز دعاوى النسخ؟

لا يقلّ أهميّةً عن نقد الأمثلة فرادى أن يُنظر في توزُّعها. فلو كان النسخُ معلومةً منقولةً لتوزّعت دعاواه على أبواب القرآن توزُّعاً عَرَضيّاً. والواقع أنّها تتكدّس في ثلاث مناطق بعينها:

المنطقة نماذجُها الحاجةُ التي تخدمها الدعوى
العلاقة بغير المسلمين آياتُ الصفح والإعراض والمسالمة وحرّية الدين، قيل نسختها التوبة 5 التوفيقُ بين النصّ وبين واقع دولةٍ متوسّعةٍ في حالة حرب
المال والتركة آيةُ الوصيّة للوالدين والأقربين، ميراثُ الحِلْف، متاعُ الحول التوفيقُ بين النصّ وبين نظامٍ فرضيٍّ اكتمل بعده على أساس التعصيب
تخفيفُ التكاليف قيامُ الليل، ثباتُ الواحد لعشرة، صدقةُ النجوى تفسيرُ تفاوت التكليف بين مرحلتين

ودلالةُ هذا التمركز مزدوجة:

  1. الدعوى تابعةٌ للحاجة لا للنقل. فحيث لا حاجةَ مؤسّسيّة — كآيات العقائد والأخلاق والقصص — لا دعاوى نسخٍ تقريباً، مع أنّ فيها من التعارض الظاهر ما في غيرها. وهذا يُفسِّر لماذا تتقدّم «آيةُ السيف» في القوائم القديمة ثمّ تتراجع في القوائم الحديثة: تغيّرت الحاجة، فتغيّرت القائمة.
  2. المنطقتان الأولى والثانية هما بعينهما موضعُ الأثر العمليّ الأكبر. فحيث كان للنسخ أثرٌ في السياسة أو في المال، كثرت دعاويه؛ وحيث لا أثر، ندرت. وهذا المعيارُ — معيارُ الأثر لا معيارُ الإسناد — هو ما يُنتظر من أداةٍ اجتهاديّة، لا من علمٍ منقول.

ولا يلزم من هذا التحليل اتّهامُ أحدٍ بقصد؛ فالاجتهادُ في تنزيل النصّ على الواقع مشروعٌ، وأهلُه مأجورون. اللازمُ منه شيءٌ واحد: أنّ ما نشأ هكذا لا يصلح أن يُقدَّم بوصفه معلومةً قطعيّةً تُعطَّل بها آية.


القسم السابع: البديل المنهجيّ

إن سُحب النسخ من يد المفسّر، فبأيّ شيءٍ يُعالج التعارض الظاهر؟ بسبعة أدوات، كلّها معمولٌ بها في الأصول أصلاً، وكلّها أقلّ تكلّفاً وأشدّ احتراماً للنصّ:

  1. الجمع بالتخصيص — إعمالُ العامّ في غير محلّ الخاصّ. وهو مقدَّمٌ على النسخ بالإجماع: «الجمعُ أولى من الترجيح، والترجيحُ أولى من النسخ» (انظر: الشوكاني، إرشاد الفحول).
  2. التقييد — حَمْلُ المطلق على المقيَّد.
  3. اختلاف الموضوع — أكثرُ التعارض الظاهر ينحلّ بتدقيق المحلّ (مثال العدّة والوصيّة بالسُّكنى).
  4. التعليق بالشرط أو السبب — والحكمُ المعلَّق يسكُن بزوال شرطه ويعود بعودته، ولا يُلغى.
  5. التدرّج في التنزيل — بيان مراحل التشريع بغير إلغاء نصّ.
  6. البيان النصّي المُصرَّح — كما في الأنفال 66 والمزّمّل 20 والمجادلة 13.
  7. النسخ بين الشرائع — وهو المعنى الوحيد المُقرّ: أنّ القرآن مُهيمنٌ ناسخٌ لما خالفه من شرائع مَن قبله ﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ (المائدة 48).

وأثر هذا على مسائل الفرائض بالذات جسيم: فمتى سقط النسخ عادت ﴿الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ﴾ مُحكَمةً، وعاد النظر في كلّ حكمٍ فرضيٍّ مبناه إسقاطُ آيةٍ أو استدراكُ نصٍّ غير متلوّ.


القسم الثامن: هذا القول ليس مُبتدَعاً

من أهمّ ما يُقدَّم لأهل العلم أن يعلموا أنّ للقول سلفاً، وأنّ التضييق ليس بدعةَ المعاصرين:

  • أبو مسلم محمد بن بحر الأصفهاني (ت 322هـ): نفى النسخَ في القرآن جملةً، وحمل ما يُدّعى نسخُه على التخصيص. وكتابُه مفقود، والنقلُ عنه في الرازي مفاتيح الغيب والزركشي البرهان والسيوطي الإتقان.
  • الشافعي (ت 204هـ): منع نسخ القرآن بالسنّة (الرسالة) — وهذا وحده يُسقط شطراً من القائمة.
  • السيوطي (ت 911هـ): حصر المنسوخ في نحو عشرين موضعاً (الإتقان).
  • شاه وليّ الله الدهلوي (ت 1176هـ): نزل بها إلى خمسة (الفوز الكبير).
  • محمد عبده ورشيد رضا: حملُ البقرة 106 على الشرائع، وإنكارُ نسخ التلاوة (تفسير المنار).
  • الطاهر بن عاشور: تضييقٌ شديدٌ للأمثلة ونقدٌ لدعاوى النسخ في مواضع كثيرة (التحرير والتنوير).
  • مصطفى زيد: رسالةٌ أزهريّة كاملة في نقد القائمة وإسقاط عامّتها ورفض نسخ التلاوة (النسخ في القرآن الكريم).
  • محمد الغزالي: نقدٌ حادٌّ لدعوى نسخ آيات المُسالمة بآية السيف (كيف نتعامل مع القرآن، نظرات في القرآن).
  • أبو القاسم الخوئي: إبطالُ نسخ التلاوة إبطالاً تامّاً مع نقد أخبار الآحاد فيه (البيان في تفسير القرآن).

فالمسألة داخلةٌ في دائرة الاجتهاد المعتبر، ومن نُقل عنه نفيُها إمامٌ من أئمّة التفسير لا شاذٌّ متأخّر.


القسم التاسع: أقوى ما يُعترض به علينا

الإنصاف أن تُعرض الحجج المقابلة في أقوى صورها، فمن لم يقوَ على نقدها لم تصحّ منه مُحاجّة:

الاعتراض الأول — ظاهر البقرة 106. اللفظ «نسخ» و«آية» في سياقٍ يتحدّث عن التنزيل، وأكثر المفسّرين حملوه على آيات القرآن، وهم أعلمُ بلسان النزول. الجواب: السياقُ مقدَّمٌ على اللفظ المفرد عند تنازعهما، والقرائنُ الستّ في القسم الرابع تُرجّح غيرَه. لكن يُعترف بأنّ هذا ترجيحٌ لا قطع، وأنّ الحملَ على آيات القرآن قراءةٌ ممكنةٌ لغةً.

الاعتراض الثاني — تغيير القبلة واقعٌ لا يُنكر. وهو تغييرُ حكمٍ عمليٍّ ثابتٍ بأمرٍ من الله. الجواب: مُسلَّم أنّه تغييرُ حكم، ومُنازَعٌ أنّه نسخُ آية. والبحث لا ينفي أن يُغيّر الله حكماً؛ ينفي أن يُلغي نصّاً أو أن يفعل ذلك في صمت. وهذا أقوى اعتراضٍ على من ينفي تغيير الأحكام مطلقاً — وهو موقفٌ لا يتبنّاه هذا البحث.

الاعتراض الثالث — الأنفال 66 والمجادلة 13 والمزّمّل 20 هي النسخُ بعينه. وقد أقرّ البحث بها، فما الفرق إلّا في التسمية؟ الجواب: الفرق جوهريّ لا لفظيّ: هذه معلومةٌ من النصّ بلا رواية، ولا يسقط بها لفظٌ، ولا تحتاج ترتيبَ نزولٍ ظنّياً. ومع ذلك يُعترف بأنّ الاصطلاح الفقهيّ يُسمّيها نسخاً، وأنّ مَن سمّاها بذلك فقد أثبت أصل النسخ في الجملة — فالنزاع بعدها في الشروط والنطاق لا في الإمكان المطلق.

الاعتراض الرابع — نسخ التلاوة مرويٌّ في الصحيحين. وخبر عائشة في مسلم، وخبر أنس في البخاري. الجواب: ما في القسم الخامس/7. وموضعُ الاعتراف: أنّ ردّ خبرٍ في الصحيحين يحتاج عند أهل الحديث أكثر من استبعادٍ عقليّ، وأنّ الطريق السليم هو النظر في دلالة المتن لا في صحّة السند — وهو ما التزمه هذا البحث.

الاعتراض الخامس — دعوى الإجماع. أجمعت الأمّة على وقوع النسخ في القرآن، وخِلافُ أبي مسلم لا يُعتدّ به. الجواب: الإجماع المدَّعى هو على الجواز والوقوع في الجملة، لا على مثالٍ بعينه؛ وأدلُّ دليلٍ على ذلك أنّ القائمة تتراوح من خمسمئة إلى خمسة. ثم إنّ خلافَ إمامٍ مُعيَّنٍ معروفٍ بعينه ينقض دعوى الإجماع بقواعدهم أنفسهم.

الاعتراض السادس — «نفيُ النسخ قولُ اليهود». وهي أقدمُ الشُّبَه الكلاميّة في الباب، وقد صِيغت بحدّة: قيل إنّ الجوازَ لم يُحكَ فيه خلافٌ إلّا عن اليهود، وإنّ خلافَ أبي مسلم الأصفهاني «دليلٌ على أنّه جاهلٌ بهذه الشريعة جهلاً فظيعاً»، وإنّ خلافَه لا يُعتدّ به لأنّه ليس من المجتهدين (نُسب هذا إلى الشوكاني في إرشاد الفحول). الجواب: الشبهةُ مبنيّةٌ على خلطٍ بين الجواز والوقوع، وقد حُرِّر الفرقُ في القسم الثاني. فالذي نُسب إلى اليهود إنكارُ الجواز — أي إنكارُ أن يكون لله أن يُبدِّل ما يشاء من الشرائع — وهذا الإنكارُ باطلٌ عند نُفّاة النسخ كما هو باطلٌ عند مثبتيه؛ بل هذا البحثُ يُثبت وقوعَ نسخ الشرائع السابقة بستّة نصوصٍ صريحة (القسم الرابع/سادساً)، وهو عينُ ما أنكره اليهود. فالنسبةُ منعكسة. وأمّا الوجهان الآخران — التجهيلُ ونزعُ الأهليّة — فهما إخراجٌ للمخالف من دائرة السجال، لا حجّةٌ في المسألة؛ ومن نُقل عنه القولُ إمامٌ مفسِّرٌ نقل عنه الرازيُّ والزركشيُّ والسيوطيُّ في متونهم. وموضعُ الاعتراف: أنّ استقرارَ قولٍ بإخراج مخالفه من النقاش يُولِّد ما يشبه الإجماع ويُورَّث على أنّه هو — وهذه آليّةٌ ينبغي أن تُسجَّل لا أن تُوظَّف.

الاعتراض السابع — سقوطُ النسخ يُسقِط أحكاماً عمليّة مستقرّة. كالرجم وحرمة الرضاع بخمسٍ وامتناع الوصيّة للوارث. الجواب: هذا اعتراضٌ على النتيجة لا على الدليل، والاستدلال بلازم القول على بطلانه غيرُ مستقيم. لكنّه اعتراضٌ صادق في نتيجته: القول بسقوط النسخ يستلزم مراجعةً واسعة، ومن لم يكن مستعدّاً للمراجعة لن يقبل الدليل.


القسم العاشر: الخلاصة

  1. لفظ «النسخ» في القرآن لم يُستعمل في إزالة كلام الله قطعاً؛ بل استُعمل في التدوين (الجاثية 29)، وفي إزالة إلقاء الشيطان مقابل إحكام الآيات (الحج 52).
  2. القرآن نفى التبديل عن كلماته في سياق الأمر بتلاوة الكتاب (الكهف 27)، وجعل طلبَ التبديل مطلبَ الخصوم (يونس 15)، ووصف تبديل الكتاب بأنّه فعلُ مَن قبلنا المذموم.
  3. القرآن قسّم آياتِ نفسه محكماً ومتشابهاً (آل عمران 7)، ولم يذكر قسماً ملغىً؛ ونفى الاختلاف عن نفسه (النساء 82) — وهو نفيٌ لمقدّمة النسخ الكبرى.
  4. سنّةُ القرآن في تغيير الحكم: التصريح، وإبقاء النصّين، وبيان العلّة (الأنفال 66، المجادلة 13، المزّمّل 20). فالنسخُ الصامت غير المُوثَّق مخالفٌ لهذا المنهج.
  5. ما صحّ في الصحيحين يشدّد في المحافظة على المُنزَل حتى في المُرادف (حديث البراء)، ويصف المصحف بأنّه «مَحْضٌ لم يُشَبْ» (ابن عبّاس)، ويجعل الكتاب كافياً عاصماً (خطبة الحجّ)، ويُحيل في أغمض المشكلات إلى الآية نفسها (يكفيك آية الصيف).
  6. أخبارُ نسخ التلاوة آحاد، والقرآن لا يثبت بالآحاد اتّفاقاً؛ فتلزم مُعادلةٌ لا ثالثَ لها: إمّا أنّها لم تكن قرآناً، وإمّا أن ينهار أصلُ التواتر.
  7. أمثلةُ المنسوخ ترتدّ كلُّها إلى اختلاف موضوع، أو تقييدٍ بشرط، أو تدرّجٍ، أو تغييرٍ مُصرَّحٍ به، أو خبرِ واحدٍ في موضعِ قطع.
  8. النتيجة: النسخُ المعتبَر واحدٌ لا ثاني له — نسخُ القرآن لما خالفه من الشرائع السابقة. وأمّا النسخ داخل القرآن بالمعنى الاصطلاحيّ — رفعُ حكمٍ أو رفعُ لفظٍ — فلا يقوم عليه دليلٌ قاطعٌ في القرآن، ولا في الصحيحين، ولا استقرّ له في التراث عددٌ ولا قائمة.

الأثرُ التطبيقيّ للأطروحة

ليست هذه مسألةً في تاريخ الأصول؛ بل يترتّب على الفصل فيها أثرٌ في ثلاثة أبوابٍ حيّة:

  1. فقهُ العلاقات والسلم. بسقوط دعوى «آية السيف» تعود آياتُ ﴿وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾ (الأنفال 61) و﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ﴾ (الممتحنة 8) و﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ﴾ أصولاً مُحكَمةً لا استثناءاتٍ منسوخة. وهذا هو موضعُ الأثر الأخطر: فإنّ القولَ بأنّ آياتِ المسالمة والعهد منسوخةٌ هو الأساسُ النظريّ الذي استُند إليه في نزع الشرعيّة عن المعاهدات وعن أحكام الأمان — فردُّ الدعوى ردٌّ لأساسها.
  2. حرّيةُ الدين. ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ (البقرة 256) و﴿فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن﴾ (الكهف 29) و﴿أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ﴾ (يونس 99) قيل في كلٍّ منها إنّه منسوخ. وبقاءُ إحكامها يُعيد المسألةَ إلى نصّ القرآن بعد أن أُخرجت منه.
  3. المواريثُ والوصيّة. بسقوط دعوى نسخ ﴿الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (البقرة 180) يعود النظرُ في بنيةٍ فرضيّةٍ كاملةٍ قام شطرٌ منها على إسقاط آيةٍ أو على استدراك نصٍّ غير متلوّ؛ ويُفسَّر «الوصيّةُ الواجبة» في القوانين المعاصرة بوصفه عوداً إلى منطوق الآية لا اختراعاً لبديلٍ عنها. وكذلك آيةُ ﴿وَالَّذِينَ عَاقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ (النساء 33): الصحيحُ فيها زوالُ المحلّ لا رفعُ الحكم.

حدودُ الأطروحة: ما لا يلزم منها

وتمييزُ اللوازم من غيرها شرطٌ في نزاهة الدعوى، فلا يلزم من نفي النسخ شيءٌ من الأربعة الآتية:

  1. لا يلزم أنّ كلّ آيةٍ تُنتج اليومَ تكليفاً قائماً. فالأحكامُ المعلَّقة بمحالٍّ زالت — صدقةُ النجوى، ميراثُ الحِلْف، أحكامُ أصنافٍ انقرضت — لا يُعمَل بها لانعدام موضوعها؛ وهذا زوالُ محلٍّ لا رفعُ حكم، والحكمُ باقٍ في شرطه.
  2. لا يلزم إلغاءُ الدور البيانيّ للسنّة. فالسنّةُ تُفسِّر المجمَل وتُقيّد المطلق وتُخصِّص العامّ، وهذا كلُّه مُقَرٌّ في هذا البحث؛ والمنفيُّ شيءٌ واحد: أن تُبطِل السنّةُ آيةً قائمة.
  3. لا يلزم قراءةٌ حرفيّةٌ جامدة. فإنّ أدوات البيان السبعَ — ولا سيّما التعليقُ بالوصف والمُنسَأ — تُعطي من المرونة في التنزيل أكثرَ مما يُعطيه النسخ، وبغير ثمنِ تعطيل نصّ. فالأطروحةُ تُوسِّع مجالَ الاجتهاد ولا تُضيّقه.
  4. ولا يلزم منها القولُ المقابل: تاريخانيّةُ النصّ. فمن ردّ النسخ ليقول إنّ الأحكام كلَّها ابنةُ لحظتها فقد استبدل تعطيلَ آيةٍ بتعطيل الكتاب؛ وهذا البحثُ يقوم على نقيضه: على أنّ النصّ محكَمٌ قائمٌ، وأنّ التنزيلَ على الواقع يجري بشروط النصّ لا بإلغائه.

توصيةٌ ختاميّة

ينبني على ما تقدّم أمران في التحرير العلميّ: ألّا يُقال في آيةٍ «منسوخة» إلّا بدليلٍ في رتبة المنسوخ، وأن تُعاد تسميةُ ما ثبت من أمثلة الباب بأسمائه الدقيقة — تخصيصاً أو تقييداً أو تدرُّجاً أو زوالَ محلّ — فإنّ تصحيحَ الاسم في هذا الباب نصفُ تصحيح الحكم.


وليس في هذا طعنٌ في أحدٍ من الأئمّة. النسخُ كان أداةً اجتهاديّةً لحلّ مشكلةٍ حقيقيّة هي التعارضُ الظاهر؛ وغايةُ هذا البحث أن يُبيَّن أنّ في الأصول أدواتٍ أدقّ لحلّ المشكلة نفسها، لا تستلزم أن يُقال في كتابٍ وُصف بأنّه ﴿لَّا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ﴾: إنّ فيه ما لا يُعمَل به، وإنّ فيما أُنزل ما ليس فيه.


ملحق (أ): بيانُ مراتب التوثيق

منهجُ هذا البحث أن يُنَصَّ على رتبة كلّ نقلٍ في موضعه، وأن يُجمَع بيانُ المراتب هنا؛ تمييزاً لما يُحتجّ به عمّا يُستأنس به، وتصريحاً بكلّ نقلٍ جاء بالواسطة.

(أ) النصوص القرآنيّة

جميعُ ما استُدلّ به من القرآن مُحرَّرُ اللفظِ، مُحدَّدُ الموضع بالسورة ورقم الآية على عدّ المصحف الكوفيّ المتداول.

(ب) أحاديث الصحيحين

الإحالةُ فيها على الكتاب والباب دون الترقيم، لتفاوت الترقيم بين الطبعات: - ابن عبّاس: «تقرؤونه محضاً لم يُشَبْ» — البخاري، كتاب الشهادات، وله موضعٌ آخر بنحوه في كتاب التوحيد. - البراء: «ونبيّك الذي أرسلت» — البخاري، الدعوات؛ ومسلم، الذكر والدعاء. - جابر: «تركتُ فيكم ما لن تضلّوا بعده» — مسلم، الحج، باب حجّة النبيّ ﷺ. - أبو سعيد: «لا تكتبوا عنّي شيئاً إلّا القرآن» — مسلم، الزهد والرقائق. - «يكفيك آيةُ الصيف» — مسلم، الفرائض. - عياض بن حِمار: «وأنزلتُ عليك كتاباً لا يغسله الماء، تقرؤه نائماً ويقظان» — مسلم، كتاب الجنّة وصفة نعيمها. واللفظُ ثابتٌ عند مسلم بلا خلاف، وسائرُ الخطبة مرويٌّ بألفاظٍ متقاربة. - عائشة: «عشر رضعات… فتوفّي رسول الله ﷺ وهنّ فيما يُقرأ» — مسلم، الرضاع. - أنس: قرآن بئر معونة «ثم رُفع» — البخاري، المغازي.

(ج) ما دون رتبة الصحيحين، وما أُورد بصيغة النقل

  • خبر عمر في آية الرجم بلفظ «لولا أن يقول الناس: زاد عمرُ في كتاب الله»: أورده البخاريّ في كتاب الأحكام معلَّقاً بلا إسناد، ووصله أبو داود برقم (4418). ولهذا لم يُنسَب في هذا البحث إلى الصحيحين نسبةَ الموصول، وإنّما استُعمل في دلالته على حُرمة المساس بالمتن. وأمّا لفظ «الشيخ والشيخة فارجموهما البتّة» فليس في الصحيحين، بل في السنن والمصنّفات، ومدارُ بعض طرقه على رواةٍ مُضعَّفين عند أهل الجرح.
  • أثر عليّ «أتعرف الناسخ من المنسوخ… هلكتَ وأهلكت»: مَخرَجُه غيرُ الصحيحين، وهو مستفيضٌ في مقدّمات كتب النسخ؛ وأُورد هنا شاهداً على مركزيّة الباب في الوعي التراثيّ، لا دليلاً في أصل المسألة.
  • حديث «لا وصيّة لوارث»: ليس في الصحيحين، وفي أسانيده كلامٌ معروف — وهذا مقصودٌ في الاستدلال لا نقصٌ فيه؛ إذ موضعُ الحجّة أنّ آيةً مُحكمةً أُبطلت بما هو دون رتبتها.
  • حديث معاذ في الاجتهاد: ليس في الصحيحين، وفي إسناده انقطاعٌ معروف.
  • أعدادُ المنسوخ المنسوبة إلى ابن سلامة ومكّيّ وغيرهما: تتفاوت بحسب طريقة العدّ وبحسب النسخ المطبوعة، فأُوردت بصيغة «مئات» دون تعيين رقمٍ لقائلٍ بعينه.
  • أرقامُ جدول الانحلال (فحصُ مصطفى زيد لمئتين وثلاثٍ وتسعين دعوى وانتهاؤه إلى ستّ آيات في خمس وقائع؛ وتسعُ آيات في سبعة موضوعات عند الشنقيطي والمُتّفَق عليه واحدة): منقولةٌ بالواسطة عن عروضٍ أكاديميّة لكتابَيهما، والتصريحُ بالواسطة هنا هو رتبةُ النقل.
  • لفظُ الدهلويّ («وعلى ما حرّرنا لا يتعيّن النسخ إلّا في خمس آيات»): منقولٌ من شرحٍ معاصر على الفوز الكبير في أصول التفسير (تعريب سلمان الحسيني الندوي، دار الصحوة، القاهرة، ط2، 1407هـ/1986م)، وهو مطابقٌ لما استفاض في الدراسات من حصره المنسوخَ في خمس.
  • نقولُ الشاطبيّ وابن القيم وابن تيمية في اتّساع مصطلح النسخ عند السلف: لفظُ الشاطبيّ في الموافقات، كتاب الأدلّة، مسألة النسخ؛ وقولا ابن القيم وابن تيمية أُوردا بصيغة النقل عنهما، وهما مستفيضان في مصنّفات هذا الباب.
  • نقلُ قول الشافعيّ في أنّ القرآن لا يُنسخ إلّا بالقرآن: أُورد بالمعنى لا باللفظ، وهو مُقرَّرٌ في الرسالة، باب ابتداء الناسخ والمنسوخ.
  • إحصاءُ مواضع جذر «نسخ» في القرآن: استقراءٌ مباشر لأربعة مواضع (البقرة 106، الأعراف 154، الحج 52، الجاثية 29)، ومَرجعُ ضبطه المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم لمحمد فؤاد عبد الباقي.
  • نسبةُ تجهيل المخالف إلى الشوكاني في إرشاد الفحول: أُوردت بصيغة «نُسب إليه»، لأنّها تُنقَل في الدراسات بألفاظٍ متقاربة.
  • أخبارُ العَرْضة الأخيرة (قول أبي عبد الرحمن السُّلَميّ في زيد بن ثابت، وقولُ ابن سيرين، وتقريرُ البغويّ، وقولُ الشعبيّ عند ابن الضُّرَيس): بابُها معقودٌ في صحيح البخاري، كتاب فضائل القرآن، باب «كان جبريل يعرض القرآن على النبيّ ﷺ»؛ وأمّا الآثارُ المذكورة في تحديد مَن شهدها فمخارجُها في كتب القراءات وعلوم القرآن وفي بعض طرقها كلامٌ معروف، وقد أُوردت هنا في مقام التفسير التاريخيّ لا في مقام الاحتجاج على حكم.
  • الدراسات الاستشراقيّة في النسخ وجمع المصحف: أُشير إليها في المراجع للاطّلاع النقديّ لا للاعتماد، لأنّها تخدم أطروحاتٍ في نشأة النصّ يُناقض بعضُها مبدأَ الحفظ الذي يقوم عليه هذا البحث؛ فلم يُبنَ عليها حكمٌ في متنه.

قاعدةُ هذا الملحق: كلُّ نقلٍ بالواسطة مُصرَّحٌ به، وكلُّ ما تفاوتت ألفاظُه أُورد بالمعنى، وكلُّ ما هو دون رتبة الصحيحين نُصَّ على مَخرَجه ورتبته. فلا يُحمَل شيءٌ من نقول هذا البحث على غير الرتبة المُثبَتة له هنا.


ملحق (ب): أخبارُ التشكيك في سلامة النصّ داخل التراث — جردٌ وتقويم

موقعُ هذا الملحق من الأطروحة: ليس «نسخُ التلاوة» دعوى معزولة؛ بل هو البابُ الاصطلاحيّ الذي دخلت منه طائفةٌ من الأخبار ظاهرُها أنّ المصحف ناقصٌ عمّا أُنزل. وجردُها في موضعٍ واحد لازمٌ لثلاثة أسباب: أنّها مبثوثةٌ في مصادرَ معتبرةٍ ويُحتجّ بها في مواطن الجدل؛ وأنّ تماسكَ هذا البحث يتوقّف على مقابلتها بلا مواربة؛ وأنّ نتيجتَها المنهجيّة تَخدم أطروحتَه — إذ هي كلُّها أخبارُ آحادٍ في بابٍ لا يثبت إلّا بالتواتر، وسندُها النظريّ الوحيد هو مبدأُ نسخ التلاوة. فإذا سقط المبدأُ سقطت جملةً.

1. أخبارٌ تتعلّق بسورٍ كاملة

(أ) سورةُ الأحزاب: «تعادل سورة البقرة»

روايتان:

الأولى — عن زرّ بن حُبيش قال: قال لي أُبيّ بن كعب: كم تعدُّون سورة الأحزاب؟ قلت: ثلاثاً وسبعين آية. قال: إن كانت لتعادل سورة البقرة أو لهي أطول، ولقد قرأنا فيها: «الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتّة»، فرُفع منها ما رُفع. وقد جمع مخارجَها السيوطيّ عن عبد الرزّاق في المصنّف، والطيالسي، وسعيد بن منصور، وعبد الله بن أحمد في زوائد المسند، والنسائي، والدارقطني في الأفراد، وابن المنذر، وابن الأنباري في المصاحف، والحاكم — وصحّحه — وابن مردويه، والضياء في المختارة.

الثانية — عن عروة عن عائشة: «كانت سورةُ الأحزاب تُقرأ في زمن النبيّ ﷺ مائتي آية، فلمّا كتب عثمانُ المصاحفَ لم نقدر منها إلّا على ما هو الآن» — أخرجها أبو عبيد القاسم بن سلّام وابن الأنباري، وأوردها السيوطيّ في الإتقان.

التقويم — أربع علل:

  1. المضمونُ يفترض المبدأ ولا يُثبته. قولُه «فرُفع منها ما رُفع» ليس شهادةً مستقلّةً على واقعة، بل تطبيقٌ لعقيدةٍ مقرَّرةٍ سلفاً هي نسخُ التلاوة. والخبرُ الذي يستمدّ معناه من الدعوى لا يصحّ دليلاً عليها.
  2. الرواية الثانية تُحمِّل جامعَ المصحف تبعةَ الحذف — وهو ما لا يقوله محقِّق. وقد ردّها ابن عاشور رداًّ قاطعاً: «ووضعُ هذا الخبر ظاهرٌ مكشوف؛ فإنّه لو صدق هذا لكانت هذه الصحيفةُ قد هلكت في زمن النبيّ ﷺ أو بعده والصحابةُ متوافرون وحفّاظُ القرآن كثيرون، فلو تلفت هذه الصحيفةُ لم يتلف ما فيها من صدور الحفّاظ» (التحرير والتنوير، مقدّمة سورة الأحزاب).
  3. الاستحالةُ العمليّة. سورةٌ بمقدار البقرة — مئتان وستٌّ وثمانون آية — تختفي من صدور آلاف الحفظة في جيلٍ واحد، في الوقت الذي تُنقَل فيه سورةٌ من ثلاث آياتٍ بلا خلافٍ في حرف. والنقلُ الجماعيّ لا يعمل بهذه الانتقائيّة.
  4. اللفظُ المشهودُ به لا يجري على نظم القرآن — وقد سبق تقريره في القسم السادس.

والوجهُ الصحيح في الرواية الأولى: أنّ أُبيّاً كان يقيس بما في مصحفه الخاصّ، وفي مصاحف الصحابة الشخصيّة — كما سيأتي بنصّ الباقلاني — دعاءٌ وتأويلٌ مكتوبٌ بجانب المتن.

(ب) سورةُ التوبة: «ما تقرأون إلّا ربعها»

عن حذيفة: «التي تسمّونها سورةَ التوبة هي سورةُ العذاب؛ واللهِ ما تركت أحداً إلّا نالت منه، ولا تقرأون ممّا كنّا نقرأ إلّا ربعها»، وفي روايةٍ أخرى عنه: «ما تقرأون ثُلثها». جمع مخارجَهما السيوطيّ عن ابن أبي شيبة والطبرانيّ في الأوسط وأبي الشيخ والحاكم وابن مردويه.

التقويم: تناقضُ الروايتين في المقدار — ربعٌ وثُلث — قرينةٌ على أنّ اللفظ ليس إحصاءً بل تعبيرٌ عن معنى؛ وصدرُ الخبر يُفسِّر عَجُزَه: المرادُ شدّةُ السورة وعمومُ تقريعها («ما تركت أحداً إلّا نالت منه»)، أي إنّ ما يُدرَك من مضمونها أقلُّ ممّا كانوا يُدركون وقتَ النزول لمعرفتهم بأعيان المنافقين. وعلى فرض إرادة الظاهر: خبرُ آحادٍ في موضعٍ لا يثبت إلّا بالتواتر.

(ج) «سورتا الخلع والحفد» في مصحف أُبيّ

وهما كلامُ القنوت المعروف: «اللهمّ إنّا نستعينك ونستغفرك…» رُوي أنّ أُبيّاً أثبته في مصحفه.

التقويم: قولُ القاضي الباقلاني في الانتصار للقرآن فاصلٌ في الباب: كلامُ القنوت المرويّ عن أُبيّ «لم تَقُم حجّةٌ بأنّه قرآنٌ منزَل، بل هو ضربٌ من الدعاء؛ ولو كان قرآناً لنُقل نقلَ القرآن وحصل العلمُ بصحّته… وقد ثبت في مصحفه ما ليس بقرآنٍ من دعاءٍ وتأويل».

وهذا هو المفتاحُ التفسيريّ لأكثر هذا الباب: المصاحفُ الشخصيّة قبل الجمع لم تكن نُسخاً رسميّةً للمتن، بل نُسَخَ درسٍ يكتب فيها صاحبُها المتنَ والدعاءَ والشرحَ والتذكيرَ. فما رُوي من «زيادةٍ» فيها أو «نقصٍ» منها، إنّما هو خبرٌ عن نسخةٍ خاصّة، لا عن المتن المتواتر.

2. أخبارٌ تتعلّق بالمعوذتين والفاتحة

عن عبد الرحمن بن يزيد أنّ ابن مسعود «كان يحُكُّ المعوذتين من مصاحفه ويقول: إنّهما ليستا من كتاب الله» — أخرجه أحمد في المسند والطبرانيّ في المعجم الكبير، من طريق أبي إسحاق السبيعيّ والأعمش. وفي بعض ما رُوي إسقاطُ الفاتحة من مصحفه أيضاً.

التقويم — خمسة وجوه:

  1. حكمُ المحقِّقين على الخبر: قال ابن حزم: ما نُقل عن ابن مسعود من إنكار قرآنيّة المعوذتين كذبٌ باطل (أوائل المحلّى)؛ وقال النوويّ: «وما نُقل عن ابن مسعود في الفاتحة والمعوذتين باطلٌ ليس بصحيحٍ عنه» (المجموع 3/396)؛ ونحوَه للرازيّ في أوائل تفسيره.
  2. العلّةُ الإسناديّة: مدارُ الطريق على أبي إسحاق السبيعيّ والأعمش، وكلاهما ثقةٌ مُدلِّس، والسبيعيُّ اختلط بأَخَرَة.
  3. المعارضةُ القاطعة: قراءةُ عاصمٍ عن زرّ بن حبيش عن ابن مسعود — وهي من القراءات المتواترة — فيها الفاتحةُ والمعوذتان؛ وقرّاءُ الكوفة الآخذون عنه يُثبتونهما في مصاحفهم بلا استثناء. فطريقُ التلقّي عنه يُكذِّب الخبرَ عنه.
  4. التوجيهُ التاريخيّ: ذكر ابن قتيبة في تأويل مختلف الحديث أنّ سببَ تركه إثباتَهما في مصحفه أنّه كان يرى النبيَّ ﷺ يُعوِّذ بهما الحسن والحسين كما كان يُعوِّذهما بـ«أعوذ بكلمات الله التامّة»، فظنّهما تعويذاً لا قرآناً. وقال البزّار: لم يتابع ابنَ مسعودٍ على ذلك أحدٌ من الصحابة.
  5. القاعدةُ الكلّيّة عند الباقلاني: لا يُثبَت بأخبار الآحاد أنّ صحابيّاً جحد آيةً أو حرفاً من كتاب الله أو غيّره؛ فهذه نسبةٌ لا تصلح لأدنى المؤمنين، فضلاً عن رجلٍ من الصحابة.

والنتيجةُ المنهجيّة هي عينُ أطروحة البحث: الفاتحةُ والمعوذتان قرآنٌ بالتواتر — أي بالطريق الذي يثبت به القرآن — وخبرُ الآحاد لا يخدشه. وهذا هو الميزانُ نفسه الذي يُبطل نسخَ التلاوة: ما ثبت بالتواتر لا يُرفَع بخبرٍ واحد. فالمسألتان في الحقيقة مسألةٌ واحدة، والجوابُ عنهما جوابٌ واحد.

3. أخبارٌ تتعلّق بآياتٍ مفردة

(أ) «آية الرجم» والصحيفة

رُوي عن عائشة: «لقد نزلت آيةُ الرجم، وكانت في صحيفةٍ تحت سريري» (ابن ماجه، رقم 1944)، وفي بعض ما رُوي في هذا الباب أنّ الداجنَ أكلت الصحيفة.

التقويم: الخبرُ يقتضي أنّ حفظَ شيءٍ من القرآن كان معلَّقاً بسلامة رقعةٍ من عبثِ شاة — وهو مناقضٌ لقوله ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ ولوصف المُنزَل في صحيح مسلم بأنّه «كتابٌ لا يغسله الماء». ويكفي في ردّه ما قرّره ابن عاشور: أنّ تلفَ الصحيفة لا يُتلِف ما في صدور الحفّاظ. ثمّ إنّ حدَّ الرجم — على القول به — مستندُه السنّةُ العمليّة المتواترة، فلا حاجةَ في تقريره إلى افتراض آيةٍ مفقودة، وضررُ الافتراض على أصل الحفظ أعظمُ من نفعه في الفرع.

(ب) خبرُ أبي موسى الأشعريّ في «الواديين» — وهو في صحيح مسلم

رُوي عنه أنّه قال: أُنزلت سورةٌ نحوُ سورة براءة ثمّ رُفعت، فلم أحفظ منها إلّا: «لو كان لابن آدم واديان من مالٍ لابتغى ثالثاً»؛ وسورةٌ نحوُ المسبّحات، لم أحفظ منها إلّا: «يا أيّها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون» (مسلم، كتاب الزكاة).

التقويم — ثلاثة وجوه يهدم بها المتنُ نفسَه دلالتَه:

  1. اللفظُ صريحٌ في نسيان الراوي: «لم أحفظ منها إلّا…» — ونسيانُ الراوي حادثةٌ بشريّة، ورفعُ الوحي حكمٌ إلهيّ؛ وبين الأمرين ما بين الواقعة والعقيدة.
  2. الشطرُ الثاني ثابتٌ في المصحف قطعاً: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ (الصفّ 2) — فما حسبه سورةً «رُفعت» هو ما في أيدينا بعينه. وإذا انكشف اللبسُ في أحد الشطرين، لزم حملُ الآخر عليه.
  3. الشطرُ الأول ثابتٌ عن النبيّ ﷺ حديثاً لا آية؛ فهو من كلامه ﷺ في ذمّ الحرص على المال.

فالخبرُ في التحقيق: التباسٌ بين حديثٍ نبويٍّ محفوظٍ وآيةٍ محفوظةٍ في المصحف — لا شهادةٌ على ضياع سورتين.

(ج) أخبارُ النسيان في الصحيحين

  • «بِئسَ ما لأحدهم أن يقول: نسيتُ آية كذا وكذا، بل هو نُسِّيَ» (البخاريّ، كتاب فضائل القرآن).
  • عن عائشة: سمع النبيُّ ﷺ رجلاً يقرأ في المسجد فقال: «رحمه الله، لقد أذكرني آيةً كنتُ أُنسيتُها» (البخاريّ، كتاب فضائل القرآن؛ ومسلم).

التقويم: محلُّهما النسيانُ العارض للفرد، وهو الذي يحفظه غيرُه؛ ومقتضاهما ضدُّ النقص: أنّ الجماعة تتذاكر فتُردّ الآيةُ إلى موضعها. والحديثُ الثاني بيانٌ عمليٌّ لآليّة الحفظ: الأمّةُ تحفظ ما يَذهَل عنه الواحد — ولو كان الواحدُ رسولَ الله ﷺ. فهو من أدلّة الحفظ لا من أدلّة الضياع، وقد استُعمل على غير وجهه.

(د) آيةُ «متاع الحول» — شهادةٌ في الاتجاه المعاكس

عن عبد الله بن الزبير قال: قلت لعثمان بن عفّان في قوله ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِّأَزْوَاجِهِمْ مَّتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾: قد نسختها الآيةُ الأخرى، فلِمَ تكتبها؟ فقال: «يا ابن أخي، لا أُغيِّر شيئاً منه من مكانه» (البخاريّ).

وهذا من أنفس ما في الباب، ودلالتُه من وجهين:

  1. أنّ دعوى النسخ كانت — في جيل الصحابة أنفسهم — اجتهاداً في الفهم، لا سلطاناً على المتن. فابن الزبير يقولها ويُسلِّمها، ومع ذلك لا يترتّب عليها في الرسم أثرٌ واحد.
  2. أنّ جامعَ المصحف أعلنها قاعدةً: لا يُغيَّر شيءٌ من موضعه. فلو كان في وعي ذلك الجيل أنّ الله يرفع من المتن ما يرفع، لكان في يد عثمان مقدمةٌ كافيةٌ لحذف ما قيل إنّه منسوخ. فامتناعُه إبطالٌ بالعمل لتصوُّر نسخ التلاوة، لا بالجدل.

4. أخبارٌ محلُّها القراءةُ والرسم لا المتن

  • كتاب المصاحف لابن أبي داود يجمع اختلافَ مصاحف الصحابة في ترتيب السور وفي حروفٍ يسيرة، وفيه أخبارٌ في تغييراتٍ نُسبت إلى الحجّاج بن يوسف. ومحلُّ هذه الأخبار الرسمُ والضبط لا المتنُ المتلوّ، وأسانيدُها على تفاوتٍ بيّن؛ والرسمُ اصطلاحٌ كتابيٌّ لا يُقوِّم متناً محفوظاً في الصدور.
  • قراءاتٌ تفسيريّة أُدرجت في التلاوة عند بعضهم: نُقلت عن ابن عبّاس قراءةُ ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُوا فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ﴾ بزيادة «في مواسم الحجّ»؛ ونُسبت إلى سعد بن أبي وقّاص قراءةُ ﴿وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ﴾ في آية الكلالة بزيادة «من أُمّ». وكلتاهما شاذّةٌ بالاتفاق، ودلالتُهما ثمينة: أنّ الشرحَ كان يُكتب ويُتلى بجانب المتن في النُّسَخ الخاصّة فنُقل بعضُه على أنّه منه. وهذا هو مصنعُ أكثر أخبار هذا الباب. ويُلاحظ أنّ الزيادة الثانية تخصّ آيةَ الكلالة — أي أنّ ما استقرّ عند الفرضيّين تفسيراً للأخوة بأنّهم لأمٍّ، وُجد مَن يُدرجه في اللفظ المقروء.
  • ومن الشواهد على أنّ كتب علوم القرآن جمعت مادّةً غير مُنقّاة: ما أورده السيوطيّ منسوباً إلى عمر أنّ «القرآن ألفُ ألفِ حرف» — وهو رقمٌ يُكذِّبه العدُّ نفسُه، إذ حروفُ المصحف تُعَدّ بمئات الآلاف لا بالملايين. فإذا كان هذا يُروى في إحصاءٍ يُدرَك بالحسّ، فما يُروى في الرفع والنسخ أحقُّ بالتوقّف.

5. مسألةُ «التحريف» عند الإماميّة — تصحيحٌ لازم

يشيع أنّ القولَ بنقصان القرآن مذهبٌ للإماميّة. والتحقيقُ أنّ كبارَ محقّقيهم يُبطلونه إبطالاً تامّاً؛ وأوسعُ تحريرٍ معاصرٍ له عند أبي القاسم الخوئي في البيان في تفسير القرآن، حيث نقض أخبارَ التحريف، ونقض معها نسخَ التلاوة بالحجّة نفسها: أنّ القرآن لا يَثبت ولا يُنقَض إلّا بالتواتر.

فالمسألةُ إذن ليست خطَّ افتراقٍ بين المدرستين، بل خطُّ افتراقٍ داخل كلٍّ منهما بين منهج التواتر ومنهج الآحاد. ومقابلُ أخبار التحريف في المدرسة السنّية هو بابُ نسخ التلاوة في كتب علوم القرآن — وهو ما يقوم هذا البحث على ردّه. وليس في تسجيل هذا التناظر تسويةٌ بين المدرستين، بل هو بيانٌ أنّ المعيار واحد: كلُّ ما مسّ المتنَ لا يُقبل فيه إلّا ما يثبت به المتن.

6. البديلُ التاريخيّ: العَرْضةُ الأخيرة

يبقى سؤالٌ لا يستقيم هذا الملحقُ بغير جوابٍ عنه: إذا لم يكن ثَمّ نسخٌ للتلاوة، فبأيّ شيءٍ يُفسَّر اختلافُ مصاحف الصحابة، ومن أين جاءت هذه الأخبار كلُّها؟

والجوابُ مُعطىً في التراث نفسه، في بابٍ عقد له البخاريُّ عنواناً في كتاب فضائل القرآن: «باب كان جبريل يعرض القرآن على النبيّ ﷺ». فقد كان جبريلُ يُعارضه القرآنَ في رمضان من كلّ عام، وعارضه في العام الذي تُوفّي فيه مرّتين — وهي المعروفة بـالعَرْضة الأخيرة. وقد بُني على هذا أصلٌ في علوم القراءات: أنّ ما اعتُمد في مصحف أبي بكر ثمّ في مصاحف عثمان هو ما استقرّ في تلك العَرْضة. قال أبو عبد الرحمن السُّلَميّ: قرأ زيدُ بن ثابت على رسول الله ﷺ في العام الذي تُوفّي فيه مرّتين، وإنّما سُمّيت هذه القراءةُ قراءةَ زيدٍ لأنّه شهد العَرْضةَ الأخيرة وكتبها وأقرأ الناسَ بها حتى مات، ولذلك اعتمده أبو بكر وعمر في الجمع وولّاه عثمانُ كتابةَ المصاحف. وعن محمد بن سيرين: «يرون — أو يرجون — أن تكون قراءتُنا هذه أحدثَ القراءتين عهداً بالعَرْضة الأخيرة». وقال البغويّ في تقرير ذلك: «ولا ريب أنّهم كتبوا ما تحقّقوا أنّه قرآنٌ مستقرٌّ في العَرْضة الأخيرة».

وهنا يقع التمييزُ الحاسم. فقد قرّرت طائفةٌ من المتقدّمين أنّ العَرْضةَ كانت محلَّ النسخ؛ قال الشعبيّ: كان الله يُنزِل القرآنَ السنةَ كلَّها، فإذا كان رمضانُ عارضه جبريلُ بالقرآن فينسخ ما ينسخ ويُثبت ما يثبت. وفي هذا التقرير خلطٌ بين أمرين مختلفين تماماً:

  • الأوّل: أنّ التنزيل مرّ بمرحلة تكوينٍ انتهت باستقرارٍ نهائيّ في العَرْضة الأخيرة، وأنّ ما لم يستقرّ فيها فليس من المتن. وهذا مقبولٌ ولا يمسّ سلامةَ النصّ بحرف، لأنّ محلَّه ما قبل الاستقرار، لا مصحفٌ مستقرٌّ يُحذَف منه.
  • الثاني: أنّ في المصحف المستقرّ آياتٍ أُزيلت أو أحكاماً عُطِّلت. وهذا هو نسخُ التلاوة الذي يُبطله هذا البحث.

فالعَرْضةُ الأخيرة تُفسِّر الظاهرةَ كلَّها بغير حاجةٍ إلى مبدأ نسخ التلاوة:

  1. اختلافُ المصاحف الشخصيّة مردُّه أنّ أصحابها كتبوا في أوقاتٍ مختلفة من مدّة التنزيل الممتدّة ثلاثاً وعشرين سنة، وأنّ منهم من غاب عن العَرْضة الأخيرة أو تأخّر علمُه بها. فما في مصحف أُبيّ أو ابن مسعود ممّا لا نظير له في المصحف الإمام يُفسَّر بهذا، لا بأنّ الله رفع نصّاً.
  2. ما خُلط بالمتن من دعاءٍ وتأويل يُفسَّر بطبيعة تلك النُّسَخ — وهو نصُّ الباقلاني المتقدّم.
  3. ما رُوي بلفظ «رُفع» يُفسَّر بأنّه ما لم يستقرّ في العَرْضة الأخيرة، أو ما التبس بالحديث، أو ما نسيه راويه. وقد صرّح بهذا التفسير الأخير الخوئيُّ في البيان.

والفرقُ بين المسلكين ليس لفظيّاً. فمسلكُ نسخ التلاوة يقول: في المُنزَل ما ليس في المصحف — فيفتح باب النقص. ومسلكُ العَرْضة الأخيرة يقول: في المصحف كلُّ ما استقرّ أنّه قرآن — فيُغلق البابَ ويُبقي لكلّ خبرٍ من تلك الأخبار تفسيراً لا يمسّ المتن. والثاني هو الذي يتّسق مع ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ (القيامة 17): فالجمعُ موكولٌ إليه سبحانه، وقد تمّ بالعَرْضة ونُقل بالتواتر.

7. الخلاصةُ المنهجيّة للملحق

ترجع هذه الأخبارُ كلُّها إلى أربعة مصادرَ للغلط، لا إلى نقصٍ في المصحف:

المصدر بيانه
المصاحفُ الشخصيّة نُسَخُ درسٍ خُلط فيها المتنُ بالدعاء والتأويل — وهو نصُّ الباقلاني في الانتصار
القراءاتُ التفسيريّة شرحٌ أُدرج في التلاوة ثمّ نُقل على أنّه منها (زيادة «في مواسم الحجّ»، وزيادة «من أمّ»)
نسيانُ الأفراد واقعةٌ بشريّةٌ وُصفت بلفظ «رُفع»، فانتقلت من باب الحادثة إلى باب العقيدة
مبدأُ نسخ التلاوة القالبُ الذي صُبّت فيه هذه الأخبارُ كلُّها؛ فما كان يُروى التباساً أو نسياناً صار يُروى رفعاً إلهيّاً

ومن هنا تظهر النتيجةُ التي يُراد تثبيتُها: أنّ ردَّ نسخ التلاوة ليس مجازفةً على حساب التراث، بل هو الموقفُ الوحيد الذي يَعصِم النصَّ من هذه الأخبار. فمن أثبت المبدأ فقد فتح على نفسه بابَها كلَّها، ولم يبقَ في يده أمامها إلّا التفريقُ بين «نسخٍ إلهيّ» و«تحريفٍ بشريّ» — وهو تفريقٌ في النيّة والفاعل، لا في النتيجة النصّيّة: إذ الحاصلُ في الحالين واحدٌ، وهو أنّ في المُنزَل ما ليس في المصحف. والقرآنُ يَسدّ هذا البابَ بعبارةٍ واحدةٍ لا تحتمل التخصيص: ﴿لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾.


المراجع

المصادر الحديثيّة

  1. البخاري، الجامع الصحيح — كتب: الشهادات، التوحيد، الدعوات، الأحكام، المحاربين، المغازي، فضائل القرآن، التفسير.
  2. مسلم، الصحيح — كتب: الرضاع، الزكاة، الفرائض، الحجّ، الجنّة وصفة نعيمها، الذكر والدعاء، الزهد والرقائق.
  3. أبو داود، السنن.
  4. ابن ماجه، السنن.
  5. أحمد بن حنبل، المسند.
  6. الطبراني، المعجم الكبير؛ والمعجم الأوسط.
  7. ابن أبي داود السجستاني، المصاحف.
  8. أبو عبيد القاسم بن سلّام، فضائل القرآن.
  9. ابن الضُّرَيس، فضائل القرآن.

المصادر التفسيريّة

  1. الطبري، جامع البيان عن تأويل آي القرآن.
  2. الرازي، مفاتيح الغيب (التفسير الكبير) — عند البقرة 106، والنحل 101، وفصّلت 42.
  3. البغوي، معالم التنزيل — مقدّمةً وتفسيراً.
  4. ابن عاشور، التحرير والتنوير — ومنه مقدّمة سورة الأحزاب.
  5. السيوطي، الدرّ المنثور في التفسير بالمأثور.
  6. محمد رشيد رضا، تفسير المنار.
  7. أبو القاسم الخوئي، البيان في تفسير القرآن — فصل النسخ، وفصل نفي التحريف.

مصنّفات النسخ خاصّة

  1. أبو جعفر النحّاس، الناسخ والمنسوخ.
  2. هبة الله بن سلامة، الناسخ والمنسوخ.
  3. مكّي بن أبي طالب القيسي، الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه.
  4. ابن الجوزي، نواسخ القرآن.
  5. ابن حزم، الناسخ والمنسوخ.
  6. مصطفى زيد، النسخ في القرآن الكريم: دراسة تشريعيّة تاريخيّة نقديّة.
  7. عبد الله بن محمد الأمين الشنقيطي، الآيات المنسوخة في القرآن الكريم، مكتبة العلوم والحكم، المدينة المنوّرة.

الأصول وعلوم القرآن

  1. الشافعي، الرسالة (تحقيق أحمد محمد شاكر) — باب ابتداء الناسخ والمنسوخ.
  2. ابن قتيبة، تأويل مختلف الحديث.
  3. الباقلاني، الانتصار للقرآن.
  4. أبو حامد الغزالي، المستصفى من علم الأصول.
  5. الآمدي، الإحكام في أصول الأحكام.
  6. ابن حزم، الإحكام في أصول الأحكام؛ والمحلّى.
  7. النووي، المجموع شرح المهذّب.
  8. الشاطبي، الموافقات في أصول الشريعة — كتاب الأدلّة.
  9. الشوكاني، إرشاد الفحول إلى تحقيق الحقّ من علم الأصول.
  10. الزركشي، البرهان في علوم القرآن.
  11. السيوطي، الإتقان في علوم القرآن — نوع الناسخ والمنسوخ.
  12. شاه وليّ الله الدهلوي، الفوز الكبير في أصول التفسير، تعريب سلمان الحسيني الندوي، دار الصحوة، القاهرة، ط2، 1407هـ/1986م.
  13. محمد عبد العظيم الزرقاني، مناهل العرفان في علوم القرآن.

دراساتٌ معاصرة

  1. محمد الغزالي، كيف نتعامل مع القرآن؛ ونظرات في القرآن.
  2. محمد أبو زهرة، أصول الفقه؛ ومصادر الفقه الإسلامي.
  3. محمد حسين الذهبي، التفسير والمفسّرون.
  4. محمد فؤاد عبد الباقي، المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم.
  5. «قضيّة النسخ بين أبي مسلم الأصبهاني والفخر الرازي — دراسة تفسيريّة مقارنة»، بحثٌ محكَّم، مجلّة كلّية الدراسات الإسلاميّة والعربيّة، القاهرة، 2016.

مراجعُ للاطّلاع النقديّ

لم يُبنَ على هذين المرجعين حكمٌ في متن البحث، وإنّما يُذكران لأنّهما أوسعُ ما كُتب في الغرب في صلة النسخ بمسألة جمع النصّ، وأطروحاتُهما في نشأة المصحف مُناقِضةٌ لمبدأ الحفظ الذي يقوم عليه هذا البحث.

  1. John Burton, The Collection of the Qur'ān, Cambridge University Press.
  2. David S. Powers, Studies in Qur'an and Hadith: The Formation of the Islamic Law of Inheritance.