دراسةٌ تقرأ آيات المواريث على ظاهرها، وتبني عليها نظامًا حسابيًّا كاملًا، ثم تعرضه بإزاء المذهبين السنّي والجعفريّ — مع تسجيل كلّ موضعٍ يُطلب فيه النظر، وأسئلةٍ موجَّهة إلى الطرفين.
تُقرِّر الوثيقةُ أنّ الأرقام في آيات المواريث محكَمة، وأنّ الخلاف إنما وقع في الفجوات حولها: ترتيبِ المستحقّين عند التزاحم، ومصيرِ الفائض، وحدِّ ألفاظٍ مثل «الولد» و«الإخوة» و«الكلالة». وتُتبِع كلَّ قاعدةٍ بدليلها ودرجتِه — منصوصٌ أو مستنبَطٌ أو اجتهاد — وتَقرِن كلَّ دعوى بأقوى ما يَرِد عليها. ومعها حاسبةٌ تفاعليّة تعرض القسمة على المذاهب الثلاثة وتبيّن سبب الاختلاف.
تفسيرٌ للآيات ونظامٌ حسابيّ مبنيّ عليه
وثيقة مقدَّمة للمراجعة العلمية
١. الغرض والمنهج
تعرض هذه الوثيقة قراءةً لآيات المواريث، ونظامًا حسابيًّا مبنيًّا عليها. وقاعدتها المنهجية واحدة: أن يُكتفى بنصّ القرآن في تحديد الأنصبة، فلا يُستعان بغيره في تفسير الآيات ولا في حسم ما أشكل منها.
ولا تُقدَّم على أنها ترجيح فقهي ولا دعوى بأنها الصواب دون غيرها. غايتها أن تُعرض قراءةٌ وبنيةٌ حسابية متماسكة على أهل العلم لبيان ما فيهما من صواب أو خطأ.
وقد التُزم فيها بأمرين: الأول الفصل الصريح بين ما هو منصوص وما هو مستنبط أو إضافة تفسيرية. والثاني ألّا يُخفى موضعٌ يُشكل أو يعارض ظاهر اللفظ، بل يُصرَّح به ويُعرض للنقد في القسم المخصّص لذلك.
وقد اختُبر النظام آليًّا على ٢٣٠٣ تركيبة من الورثة، فأغلق التركة في جميعها من غير فائض ولا نقص، ومن غير حاجة إلى عَولٍ في صورة واحدة.
الوثيقة في سطور
لمن أراد الفكرة قبل التفصيل، هذه خلاصتها في ست نقاط:
١. آيات المواريث في القرآن قليلة وواضحة الأرقام: النصف، الربع، الثمن، الثلث، السدس، الثلثان.
٢. لكنّ نظام الفرائض المعمول به اليوم أكبر من هذه الآيات بكثير. فيه ورثة لم يُذكروا فيها، وفيه قواعد حسابية لم ترد فيها.
٣. وهذه القواعد نشأت لأن جمع الأنصبة كان أحيانًا يزيد على التركة وأحيانًا ينقص عنها، فاحتاجوا إلى ما يُصلح الزيادة والنقص.
٤. فالسؤال: هل الخلل في الأرقام، أم في طريقة قراءتها؟
٥. والجواب المقترح هنا: أن القرآن سمّى نصيب بعض الورثة وسكت عن نصيب بعضهم، وأن من سُمّي نصيبه يأخذه أولًا، ومن سُكت عنه يأخذ ما بقي. وبهذا لا تزيد القسمة ولا تنقص أبدًا.
٦. وقوله «للذكر مثل حظ الأنثيين» على هذه القراءة ليس نسبةً ثابتة، بل حدٌّ فاصل: ما دام عدد الإناث لا يزيد على ضعف عدد الذكور فهم سواء، فإذا زاد صار للإناث الثلثان وللذكور الثلث.
وقد اختُبرت هذه القراءة آليًّا على ٢٣٠٣ تركيبة من الورثة، فأغلقت التركة في جميعها من غير زيادة ولا نقص.
دليل قراءة — لمن أراد التحكيم لا الاستزادة
الوثيقة طويلة، ومن أراد اختبار أصلها دون استيفاء فروعها فهذه مواضعها:
| المطلوب | القسم |
|---|---|
| الباعث على البحث — ما ليس في القرآن من نظام الفرائض | ٢ — المدخل |
| قراءة الآيات جملةً جملة | ٣ — التفسير المفصَّل |
| حكم الوصية ودعوى نسخها | ٤ |
| الأصل الحاكم الذي يقوم عليه البناء كله | ٦ |
| أثقل موضعٍ لغويّ في الوثيقة، وحدود الاستدلال فيه | ٨ — الفرع الخامس |
| الخوارزمية والجدول الشامل | ١٠ |
| ما تُقرّ به الوثيقة على نفسها | ١٥ — المواضع التي يُطلب فيها النظر |
| درجة كل مرويّة وما لم يُحرَّر منها | ١٧ — قائمة المراجع |
وأقصرُ طريقٍ إلى نقد الوثيقة: القسم السادس عشر. فما أقرّت به على نفسها أَولى بالمناقشة من غيره، وفيه ما يُسقط بعض فروعها إن لم يُجَب عنه.
مصطلحات لا بدّ منها
| المصطلح | معناه بعبارة مبسّطة |
|---|---|
| الفرض أو الكسر المنصوص | نصيبٌ حدّده القرآن برقم، كنصف الزوج وسدس الأم. |
| آخذ الباقي | وارثٌ لم يُحدَّد له رقم، فيأخذ ما يفضل بعد أصحاب الأرقام. ويُسمّى في كتب الفرائض «العاصب». |
| العَوْل | إذا زاد مجموع الأنصبة على التركة، يُخفَّض نصيب الجميع بنسبة واحدة. وهو حلٌّ اجتهادي لا آية فيه. |
| الردّ | إذا نقص المجموع عن التركة ولم يوجد آخذ للباقي، يُعاد الفاضل على الورثة. وهو أيضًا اجتهاد. |
| التعصيب | إعطاء ما فضل لأقرب قريبٍ ذكر من جهة الأب، ولو كان بعيدًا كابن العمّ. |
| الحجب | منعُ وارثٍ من الميراث بسبب وجود وارثٍ آخر، كمنع الأخ بوجود الأب. |
| الكلالة | من مات وليس له ولد. وسيأتي تفصيل معناها في القسم الخامس. |
٢. المدخل: إشكاليات التوزيع في الفقه الموروث
لا يُقصد بهذا الفصل الطعن في الفقهاء ولا التنقّص من اجتهادهم، فقد واجهوا مسائل لم يجدوا فيها نصًّا فاجتهدوا، وذلك محمود منهم. وإنما المقصود تحرير محلّ النزاع: أن كثيرًا مما استقرّ في نظام الفرائض ليس مأخوذًا من آيات المواريث، بل من أخبار آحاد أو أقيسة أو حلول حسابية طارئة. فإن ثبت ذلك، صحّ السؤال: هل في القرآن وحده نظامٌ مغلق يُغني عن هذه الإضافات؟
وهذا الفصل يبيّن الباعث على البحث، ولا يُقيم دليلًا على صحة البديل. فمن أثبت خللًا في نظامٍ لم يُثبت بذلك صحة ما يقترحه مكانه، وإنما أثبت أن السؤال مشروع. وهذا كل المطلوب من هذا الفصل.
الدرجة الأولى: وارثون لا ذكر لهم في آيات المواريث
| الوارث | نصيبه في الفقه الموروث | مستنده |
|---|---|---|
| الجدّة | السدس | خبرُ المغيرة بن شعبة ومحمد بن مسلمة |
| العمّ وابن العمّ وابن الأخ | الباقي كله، ولو مع بنت | حديث «فما بقي فلأولى رجل ذكر» |
| بنت الابن | السدس تكملةَ الثلثين | قضاء منسوب، لا لفظ في الآية |
| ذوو الأرحام | مؤخَّرون عن العصبة، ولا يرثون عند مالك والشافعي | اجتهاد |
وأصرح شاهد على هذه الدرجة أثر الجدّة مع أبي بكر. أخرجه مالك في الموطّأ، كتاب الفرائض، باب ميراث الجدّة، عن ابن شهاب عن عثمان بن إسحاق بن خَرشة عن قبيصة بن ذؤيب: جاءت الجدّة إلى أبي بكر الصدّيق تسأله ميراثها، فقال لها: «ما لكِ في كتاب الله شيء، وما علمتُ لكِ في سنّة رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئًا، فارجعي حتى أسأل الناس». فسأل الناس، فقال المغيرة بن شعبة: حضرتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطاها السدس. فقال أبو بكر: هل معك غيرك؟ فقام محمد بن مسلمة الأنصاري فقال مثل ما قال المغيرة، فأنفذه لها أبو بكر. وأخرجه أبو داود برقم ٢٨٩٤ وصحّحه شعيب الأرناؤوط، والترمذي برقم ٢١٠١ وقال: هذا أحسن وهو أصحّ، وابن ماجه برقم ٢٧٢٤، وأحمد برقم ١٧٩٨٠.
ثم جاءت الجدّة الأخرى إلى عمر تسأله ميراثها فقال لها نحو ذلك، وأنه غير زائد في الفرائض شيئًا، وأن السدس بينهما إن اجتمعتا ولمن انفردت منهما.
فهذا اعتراف من أقرب الناس عهدًا بالتنزيل بأن الآيات لم تستوعب هذا الوارث، وأن نصيبها إنما ثبت بشهادة صحابيَّين.
ومن ثمرات هذه الدرجة مفارقةٌ ظاهرة: ابن البنت — وهو ولد الميت حقيقةً وأقرب الناس إليه رحمًا — لا يرث شيئًا في المشهور، بينما يرث ابن العمّ الأبعد المال كله.
الدرجة الثانية: آليات حسابية لمعالجة اختلال المجموع
العَول. إذا اجتمع زوج وأختان وأمّ: النصف والثلثان والسدس تبلغ ثمانية أسداس، فيزيد المقسوم على المقسوم عليه، فتُخفَّض الأنصبة كلها بنسبة واحدة. ولا آية في العول، وإنما هو قضاءٌ لعمر بن الخطاب بعد مشورة، ونُقل عنه عند تدافع الفرائض إقرارُه بأنه لا يدري كيف يصنع ولا أيّهم قدّم الله وأيّهم أخّر. [مرويّ في كتب الفرائض والتفسير، ولم يُحرَّر إسناده هنا.]
وخالفه ابن عباس بالحجّة الحسابية عينها التي تقوم عليها هذه الوثيقة: أن الذي أحصى رمل عالج عددًا لا يجعل في مالٍ نصفًا ونصفًا وثلثًا. وبديله أن يُقدَّم من قدّمه الكتاب ويُؤخَّر من أخّره. وتبعه داود الظاهري وابن حزم، ونُقل عن محمد بن الحنفية ومحمد بن علي بن الحسين وعطاء. [يُنظر: المحلّى لابن حزم، كتاب الفرائض؛ ولم يُحرَّر الإسناد هنا.]
الردّ. الوجه المقابل للعول: إذا نقصت الفروض عن الواحد ولم يوجد عاصب، رُدّ الباقي على أصحاب الفروض. أخذ به الحنفية والحنابلة، ومُنع عند مالك والشافعي في المشهور فتذهب البقية إلى بيت المال.
وهنا بيت القصيد: قسمةٌ مقدَّرة من عند الله يُنتظر أن يستقيم مجموعها، لا أن يزيد فيُخفَّض ولا أن ينقص فيُردّ. فاحتياج النظام إلى هذين العلاجين هو أقوى ما يدلّ على أن القسمة لم تُقرأ على وجهها.
الدرجة الثالثة: مسائل أقرّ الفقهاء أنفسهم باضطرابها
| المسألة | بيان الاضطراب |
|---|---|
| الجدّ مع الإخوة | اختلف فيها أبو بكر وعمر وعلي وزيد وابن مسعود. وأخرج ابن جرير الطبري بإسناده عن الزهري عن سعيد بن المسيّب أن عمر كتب في الجدّ والكلالة كتابًا ومكث يستخير الله فيه، حتى إذا طُعن دعا بالكتاب فمُحي، وقال: «إني كنت كتبتُ في الجدّ والكلالة كتابًا، وكنت أستخير الله فيه، فرأيت أن أترككم على ما كنتم عليه». |
| الأكدرية | صورةٌ خرجت عن قواعد الباب فعُولجت بحلّ خاص، وحُفظت باسمها لأنها استثناء لا تخريجٌ على أصل. |
| المشرَّكة (الحماريّة) | حُكم فيها بقولين متعارضين في عهدٍ واحد، ونُقل الرجوع فيها. |
| الكلالة | رُوي عن عمر بألفاظ متقاربة: «ثلاثٌ وددتُ أن رسول الله كان عهد إلينا فيهنّ عهدًا ننتهي إليه: الجدّ، والكلالة، وأبوابٌ من أبواب الربا»، وفي لفظ: «ثلاثٌ لأن يكون النبي بيّنهنّ لنا أحبُّ إليّ من الدنيا وما فيها: الخلافة، والكلالة، والربا». أخرجه عبد الرزاق وابن ماجه والطيالسي وابن جرير والحاكم والبيهقي، وعزاه بعضهم إلى الصحيحين. ونُقل عنه أيضًا: «إني لأستحيي أن أخالف فيه أبا بكر». |
موضع هذه الوثيقة من الإشكاليات المتقدمة
| الإشكال | معالجة النظام المعروض |
|---|---|
| العَول | لا يقع في صورة واحدة، لأن في كل مشهدٍ آخذًا للباقي يمتصّ الفرق. |
| الردّ | ردٌّ نسبي على أصحاب الكسور، في موضعين محدَّدين لا آخذ للباقي فيهما. |
| ورثةٌ لا نصّ فيهم | يدخلون عبر «الأقربون» في طبقتين مؤخَّرتين، بدرجة إضافة تفسيرية مصرَّحٍ بها. |
| الجدّ مع الإخوة | لا تقع الصورة، لأن الإخوة آخذو الباقي فلا يفضل للجدّ شيء. |
| مفارقة ابن البنت | يرث مع الأحفاد بالتسوية بين ولد الابن وولد البنت. |
| الأكدرية والمشرَّكة | لا وجود لهما، إذ نشأتا من قواعد الحجب والتعصيب المرفوضة هنا. |
٣. التفسير المفصَّل للآيات
يُعرض هنا نصّ كل آية مقسَّمًا إلى جمله، وإلى جانب كل جملة قراءتُها على هذا المنهج وأثرها في القسمة.
ما قبل آيات المواريث — سياق حفظ مال اليتيم
قبل أن تُذكر الأنصبة، افتتحت سورة النساء بتشديدٍ متدرِّجٍ في حفظ مال اليتيم وإيتائه إليه. وهذا السياق لازمٌ في تفسير الآيات التي بعده، لأنه يُبيّن الغاية التي سيقت لها القسمة.
وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ ۚ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ ۚ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا[النساء ٤: ٢]
وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ ۖ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَن يَكْبَرُوا[النساء ٤: ٦]
وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ ۖ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا[النساء ٤: ٩]
إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا[النساء ٤: ١٠]
وموضع آية ٤: ٩ من هذا السياق بالغ الأهمية، فهي واقعةٌ بين آيات حفظ مال اليتيم وآيات الأنصبة، وفيها لفظ «ذرّيّةً ضِعافًا» صريحًا. ونُقل عن ابن عباس في تأويلها وجهان: أنها وعظٌ للأوصياء، أي افعلوا باليتامى ما تحبّون أن يُفعل بأولادكم من بعدكم؛ وأنها في الرجل يحضره الموت فيوصي بوصيّةٍ تضرّ بورثته، فأُمر السامع أن يتّقي الله وينظر لورثته كما يحبّ أن يُصنع بورثته لو خشي عليهم الضيعة.
وعلى الوجهين كليهما، فالآية تُقرّر الخشية على الذرّيّة الضعاف من الظلم والضياع. والحفيد الذي مات أبوه في حياة جدّه هو ذرّيّةٌ ضعافٌ بعين الوصف. فاندراجُه في هذا السياق أقربُ من إخراجه منه. ويُنظر في تفصيل ذلك في فرع النيابة الآتي.
| الموضع | صيغة التشديد |
|---|---|
| ٤: ٢ | أمرٌ صريح بالإيتاء: «وآتوا اليتامى أموالهم»، ونهيٌ عن خلط مالهم بمال الوليّ، ووصفُ ذلك بأنه «حوبًا كبيرًا» — أي إثمًا عظيمًا. |
| ٤: ٦ | أمرٌ بالدفع عند الرشد: «فادفعوا إليهم أموالهم»، ونهيٌ عن المبادرة إلى أكلها قبل أن يكبروا. |
| ٤: ١٠ | أشدّ وعيدٍ في باب المال في القرآن: «إنما يأكلون في بطونهم نارًا وسيصلون سعيرًا». |
| ٤: ١٢٧ | نهيٌ عن حجب المكتوب لهنّ: «في يتامى النساء اللاتي لا تؤتونهنّ ما كُتب لهنّ». |
ودلالة هذا السياق على القسمة من ثلاثة أوجه:
١. أن هذه الآيات والأنصبة في سورةٍ واحدة وسياقٍ متّصل: يُفتتح بحفظ مال اليتيم (٤: ٢ و٦ و١٠)، ثم يُقرَّر أصل الاستحقاق (٤: ٧)، ثم تُذكر الأنصبة (٤: ١١ و١٢)، ثم يُنهى عن حجب المكتوب (٤: ١٢٧). فوحدة الموضوع قائمة داخل السورة نفسها، لا باستدعاءٍ بعيد.
٢. أن اليتيم في هذه الآيات هو من مات أبوه، وحقُّه في المال مؤكَّدٌ بأشدّ الصيغ. فإذا مات ابنُ الرجل في حياته وترك ولدًا، كان هذا الولدُ يتيمًا بعين الوصف الذي شدّد النصّ في حفظ ماله.
٣. أن النهي عن «أكل أموال اليتامى» ظاهرُه أكلُ مالٍ في أيديهم، ويُلحق به بالمعنى ما يُمنعون منه من حقٍّ مستحَقّ. والعبرة بالمآل كما تقرّر في قياس التفريغ.
وأثره في هذا النظام: أن الحفيد الذي مات أبوه في حياة جدّه لا يُخرَج من التركة، بل يقوم فرعًا وارثًا يأخذ الباقي، ويُقدَّم على الإخوة. وهو الموضع الذي اضطرّت قوانين الأحوال الشخصية المعاصرة إلى معالجته بـ«الوصيّة الواجبة»، لأن إخراجه من التركة عُدّ مشكلةً ظاهرة.
وحدُّ هذا الاستدلال يجب التصريح به: الآيات في أموال اليتامى التي في أيدي الأوصياء، لا في تقدير الأنصبة. فدلالتها على المقصد والسياق لا على المقدار، وهي مؤيِّدةٌ لا مستقلّة. ولا يصحّ الاحتجاج بها لتقدير نصيب، وإنما لتوجيه النظر عند السكوت عن الحكم.
النيابة: الحفيد يقوم مقام أبيه المتوفّى
إذا مات أحد أولاد الميت في حياته وترك ولدًا، فهذا الولد يقوم مقام أبيه في مستوى الأولاد، فيأخذ النصيب الذي كان يستحقّه أبوه لو بقي، ويشارك أعمامه وعمّاته وأخواله وخالاته. وذلك كلّه بعد اقتطاع الكسر المفروض للزوج والأبوين.
صورتها: تُحسب وحدات مستوى الأولاد من الأحياء والمتوفّين معًا — فالمتوفّى وحدةٌ كالحيّ ما دام قد ترك فرعًا — ثم تُقسم بينهم بقاعدة النسبة. ثم يُنقل نصيب كل متوفّى إلى أبنائه فيُقسم بينهم بالقاعدة نفسها.
ومن مات من الأولاد ولم يترك فرعًا فلا يُنزَّل، ولا يُحسب في القسمة، إذ لا نيابة بغير نائب.
مثاله على تركة ٣٦٠٬٠٠٠: رجلٌ مات وترك ابنًا حيًّا، وابنًا آخر كان قد مات في حياته وترك ابنًا وبنتًا. فوحدات مستوى الأولاد ذكران — حيٌّ ومتوفّى — فلكل واحدٍ منهما ١٨٠٬٠٠٠. يأخذ الابن الحيّ نصيبه، ويُقسم نصيب المتوفّى على ولديه بالتسوية فيأخذ كلٌّ منهما ٩٠٬٠٠٠.
ويستوي في النيابة ولد الابن وولد البنت، فترتفع بذلك مفارقة ابن البنت المبيَّنة في المدخل، وهي أنه لا يرث في المشهور شيئًا بينما يرث ابن العمّ الأبعد المال كله.
ومستند النيابة ثلاثة أوجه:
١. سياق حفظ مال اليتيم في صدر السورة، فإن الحفيد الذي مات أبوه يتيمٌ بعين الوصف الذي شدّد النصّ في حفظ ماله.
٢. عموم «الأقربون» في ٤: ٧ مع ترتيب «أولو الأرحام بعضهم أولى ببعض»، فالحفيد أقرب من الإخوة ومن العمومة.
٣. أن الكلالة أن لا يكون للميت فرعٌ وارث، والحفيد فرعٌ، فلا تنعقد الكلالة بوجوده.
ولا يلزم من النيابة في الفرع النازل نظيرُها في ابن الأخ، لأن الإخوة إنما يرثون في الكلالة — وهي أن لا يكون للميت فرعٌ وارث — فليسوا من التسلسل النازل داخل الأسرة، بل هم حاشيةٌ تُورَّث عند انقطاع الفرع. والنيابة إنما تقوم في العمود النازل حيث يقوم الفرعُ مقام أصله، ولا موضع لها في الحاشية. ويشهد له أن سياق حفظ الذرّيّة الضعاف خاصٌّ بمن يُترك «من خلفهم»، وهم الفروع لا الحواشي.
وحدُّ هذا الاستدلال: النيابة ليست منصوصةً في آيات المواريث، وإنما استُنبطت من السياق والعموم. وهي إضافةٌ تفسيرية مصرَّحٌ بها، ومثبتة في جدول القواعد بهذه الدرجة. وقد استُحدث لهذه الصورة بعينها في قوانين الأحوال الشخصية المعاصرة ما يُسمّى «الوصيّة الواجبة»، وهو مخرجٌ عمليّ عن المشكلة نفسها بطريق الوصيّة لا الميراث.
النساء ٤: ٧ — أصل الاستحقاق
لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ ۚ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا[٤: ٧]
| الجملة | القراءة وأثرها |
|---|---|
| لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ … وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ | تقرير الاستحقاق للجنسين معًا. وهي تُثبت أصل الإرث ولا تُقدّر المقدار، فلا يُستدلّ بها على التساوي في الكمّ. |
| مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ | «الأقربون» هو المدخل النصّي الوحيد لمن لم يُسمَّ في الآيات: الأجداد والأحفاد والأعمام والأخوال. وعليه بُنيت الطبقتان الثانية والثالثة. |
| مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ | لا حدّ أدنى للتركة يسقط به الإرث. |
| نَصِيبًا مَّفْرُوضًا | الإرث فريضة لازمة لا تبرّع، فلا يُحرم منه وارثٌ إلا بنصّ. |
النساء ٤: ٨ — جبرُ من لا نصيب له
وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُم مِّنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَّعْرُوفًا[النساء ٤: ٨]
| الجملة | القراءة وأثرها |
|---|---|
| وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ | موضع الحكم: مجلس قسمة التركة نفسه. |
| أُولُو الْقُرْبَى | قال الواحدي: هم الذين يُحجبون ولا يرثون. فالخطاب في من أخرجته القسمة. |
| وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ | ضمُّ اليتيم والمسكين إلى القريب المحجوب، والجامع بينهم الحاجةُ مع الحضور. |
| فَارْزُقُوهُم مِّنْهُ | أمرٌ بإعطائهم من التركة نفسها — «منه» — لا من مال الوارث. |
| وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَّعْرُوفًا | جبرٌ للخاطر حيث تعذّر الرزق، كما لو كانت التركة عقارًا لا يقبل التجزئة. |
ومنزلة هذه الآية عند السلف: أخرج البخاري في كتاب تفسير القرآن، باب ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ﴾، برقم ٤٥٧٦: عن أحمد بن حميد، عن عبيد الله الأشجعي، عن سفيان، عن الشيباني، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: «هِيَ مُحْكَمَةٌ وَلَيْسَتْ بِمَنْسُوخَةٍ»، وقال البخاري: «تابعه سعيدٌ عن ابن عباس».
وأخرج في الباب نفسه من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس أن الناس زعموا أنها نُسخت، فقال: «لا واللهِ ما نُسِخَت، ولكنها مما تهاون به الناس»، وبيّن أن آخذَ التركة على وجهين: وارثٌ يُقسم له، وغيرُ وارثٍ يُقال له القول المعروف.
والخلاف فيها بين السلف ثابت، فيُعرض بتمامه: رُوي عن ابن عباس أيضًا أنها منسوخة نسخَتها آية المواريث، وقال سعيد بن المسيّب: نسخَتها آيةُ الميراث والوصية. وذهب بعض التابعين إلى أن الرزق فيها واجبٌ ثابتٌ كثبوت حقّ الورثة، وأن عدم التقدير فيه تركٌ للأمر إلى الورثة والقاضي؛ وامتثلها عروة بن الزبير وغيره، وأمر بها أبو موسى الأشعري. ونُقل عن يحيى بن يعمر أنها من ثلاث آياتٍ محكماتٍ مدنيّاتٍ تركهنّ الناس. وروى ابن سيرين أن عبيدة السلماني قسم أموال أيتام فأمر بشاةٍ فذُبحت وصنع طعامًا لأهل هذه الآية وقال: «لولا هذه الآية لكان هذا من مالي». ورجّح البغوي وجماعةٌ أنها على النَّدب والاستحباب لا الحتم والإيجاب، وهو مذهب جمهور الفقهاء والأئمة الأربعة.
فتحصَّل أن الآية محكمةٌ عند ابن عباس في أصحّ ما رُوي عنه — وهو الذي أخرجه البخاري — وأن جمهور الفقهاء حملوها على الاستحباب. ولا يصحّ عرضُها على أنها موجَبةٌ بالإجماع، ولا على أنها منسوخة.
وأثرها في هذا النظام: أن القسمة بالكسور والمراتب ليست تمامَ الواجب في مجلس التركة. فمن حضر من أولي القربى ممّن حجبته المرتبة، أو من اليتامى والمساكين، فله حقٌّ في الرزق والقول المعروف. فتُعالَج بها من جهة الإحسان الصورُ التي تُخرج قريبًا محتاجًا لقربِ من هو أولى منه — كالحفيد مع العمّ، والجدّ مع الإخوة.
النساء ٤: ١١ — الأولاد والأبوان
يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ ۖ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ ۚ فَإِن كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ ۖ وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ ۚ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ ۚ فَإِن لَّمْ يَكُن لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ ۚ فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ ۚ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ ۗ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا[٤: ١١]
| الجملة | القراءة وأثرها |
|---|---|
| يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ | الموضوع: الأولاد. و«أولادكم» يُقرأ على النسب، فلا يرث المتبنَّى ولا يورَّث بهذا الوصف — عملًا بقوله «وما جعل أدعياءكم أبناءكم» و«ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله». |
| لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ | تقرير نسبةٍ لا كسرٍ: للذكر مثل ما تأخذه كل واحدة من أنثيين، أي التسوية في تركيبة ذكرٍ وأنثيين. وهي عتبةٌ لا نسبة ثابتة. |
| فَإِن كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ | ما فوق العتبة: إذا زاد عدد الإناث على ضعف عدد الذكور، فللإناث الثلثان مجتمعات وللذكور الثلث. و«فوق اثنتين» أي فوق اثنتين في مقابلة الذكر، لا انتفاء الذكر. |
| وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ | أنثى واحدة في مقابلة ذكر: التسوية، فلها نصف نصيب الأولاد. وهو ما تُنتجه القاعدة تلقائيًّا. |
| وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ | كسر مفروض للأبوين مع وجود الولد: السدس لكل واحد، بالتسوية بينهما، من كامل ما ترك. |
| فَإِن لَّمْ يَكُن لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ | بانتفاء الولد يرتفع نصيب الأم إلى الثلث. وسكت النص عن كسر الأب هنا، فدلّ سكوته على أنه آخذ الباقي. |
| فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ | بوجود الإخوة تعود الأم إلى السدس، ويعود الأب إلى السدس معها بالتسوية المقرّرة في الجملة السابقة، ويكون الباقي للإخوة. فالإخوة يرثون مع الأب ولا يُحجبون به. ولفظ «إخوة» هنا اسم جنسٍ لا عدد، فيكفي أخٌ واحد — وبيانه في الفرع الآتي. |
| مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ | تقديم الوصية والدَّين على القسمة كلها. وتكرّر هذا القيد أربع مرات في الآيتين. |
| آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا | تعليل للتقدير الإلهي، لا تقدير لنصيب. فلا يُستدلّ بها على مقدارٍ ولا على دوام إرث أحد. |
تحرير لفظ ﴿إِخْوَةٌ﴾ في خفض نصيب الأم
قال تعالى: «فإن كان له إخوة فلأمه السدس». ولفظ «إخوة» صيغة جمع، فهل يُشترط في الخفض عددٌ معيَّن، أم يكفي وجود الصنف؟
المعتمد في هذه الوثيقة: أن «إخوة» اسم جنسٍ لا عدد، فيكفي أخٌ واحد أو أختٌ واحدة في خفض نصيب الأم من الثلث إلى السدس. فمناط الحكم وجودُ الصنف لا بلوغُ عدد.
والحجّة على ذلك من داخل النصّ نفسه: أن القرآن في هذه الآيات بعينها يُصرّح بالعدد حيثما أراده. قال: «وإن كانت واحدةً»، وقال: «فوق اثنتين»، وقال: «فإن كانتا اثنتين»، وقال: «فإن كانوا أكثر من ذلك». فالتنصيص على العدد أسلوبٌ مطّرد في السياق. ثم جاء في خفض الأم بلفظ «إخوة» مجرَّدًا من كل قيدٍ عدديّ، ولم يقل «أخوين» ولا «فوق أخٍ». فالعدول عن التنصيص على العدد — مع اطّراده في السياق — قرينةٌ على أن المراد الصنف لا الكمّ.
ويؤيّده أن مناط الحكم في الجملة وجودُ من يستحقّ لا كثرتُه. فالأم إنما نزلت إلى السدس لأن ثمّة صنفًا آخر داخلًا في القسمة، وهذا المعنى يتحقّق بالواحد كما يتحقّق بالعشرة.
ولا يُعترض بما تقرّر في ٤: ١٢ من أن «أكثر من ذلك» تعني ثلاثةً فأكثر: لأن آية ٤: ١٢ نصّت على العدد صراحةً بضمير المثنّى في «منهما» ثم بقولها «أكثر من ذلك»، فوجب اعتبار ما نصّت عليه. وآية ٤: ١١ لم تنصّ على عدد، فوجب حملها على الجنس. فالمنهج واحد في الموضعين: يُتَّبع ما نصّ عليه النصّ، ويُحمل على الجنس ما لم يُنصّ فيه على عدد.
وأثر هذا في القسمة: زوج وأبوان وأخٌ واحد — للزوج النصف، وللأم السدس، وللأب السدس، وللأخ السدس، والمجموع واحد صحيح. ولو اشتُرط في الخفض أخوان لبقيت الأم على الثلث فاستغرقت الفروض التركة ولم يبقَ للأخ شيء.
والقول المخالف مثبتٌ في قسم مواضع النظر، فقد ذهب الجمهور إلى الاكتفاء بأخوين، ونُقل عن ابن عباس أنه لا يصدق على أقلّ من ثلاثة. فالمسألة محلّ خلافٍ قديم، وما هنا اختيارٌ فيها بقرينةٍ من السياق.
النساء ٤: ١٢ — الأزواج والكلالة المنكَّرة
وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّهُنَّ وَلَدٌ ۚ فَإِن كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ … وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّكُمْ وَلَدٌ ۚ فَإِن كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُم ۚ وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ ۚ فَإِن كَانُوا أَكْثَرَ مِن ذَٰلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ ۚ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَىٰ بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ[٤: ١٢]
| الجملة | القراءة وأثرها |
|---|---|
| وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّهُنَّ وَلَدٌ | كسر مفروض للزوج من كامل التركة: النصف عند انتفاء الولد. |
| فَإِن كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ | الربع مع وجود الولد. |
| وَلَهُنَّ الرُّبُعُ … فَإِن كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ | الزوجة: الربع بلا ولد، والثمن معه. والكسور كلها مقيَّدة بـ«مما ترك» أي من كامل التركة. |
| وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ | الكلالة هنا منكَّرة، فتُقرأ على معنًى أضيق: من لا ولد له ولا والد. ويشمل الحكم الميت رجلًا كان أو امرأة. |
| وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ | كسر مفروض للإخوة في هذا المشهد وحده: السدس لكل واحد. وضمير المثنّى في «منهما» يجعل الحكم شاملًا للواحد وللاثنين. |
| فَإِن كَانُوا أَكْثَرَ مِن ذَٰلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ | ما زاد على اثنين: الثلث مشتركًا بينهم. و«شركاء» ظاهر في التسوية، فلا تفاضل بين الذكر والأنثى في هذا المشهد. |
| ثم الباقي | لمّا لم يبقَ في هذا المشهد وارثٌ يأخذ الباقي، يُردّ الباقي على الزوج والإخوة بنسبة كسر كل منهما. وهذا موضع الردّ في النظام. |
| غَيْرَ مُضَارٍّ | لا تصحّ الوصية إذا قُصد بها الإضرار بالورثة. |
النساء ٤: ١٧٦ — الكلالة المعرَّفة
يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ ۚ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ ۚ وَهُوَ يَرِثُهَا إِن لَّمْ يَكُن لَّهَا وَلَدٌ ۚ فَإِن كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ ۚ وَإِن كَانُوا إِخْوَةً رِّجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ ۗ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّوا[٤: ١٧٦]
| الجملة | القراءة وأثرها |
|---|---|
| يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ | الكلالة هنا معرَّفة، فتُقرأ على معناها العام: من ليس له ولد، ولا يُشترط فيها انتفاء الوالد. |
| إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ | تعريف قرآني صريح للكلالة، لم يزد على انتفاء الولد. وهو المعتمد في هذه الوثيقة. |
| وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ | أخت واحدة في مقابلة أخ: التسوية، فلها النصف. وهو ما تُنتجه قاعدة النسبة تلقائيًّا. |
| وَهُوَ يَرِثُهَا إِن لَّمْ يَكُن لَّهَا وَلَدٌ | تقرير التبادل: كما يرثها يرثانه. وليس فيه حصرُ الإرث في الذكر، بدليل تنصيص ٤: ٧ على نصيب النساء. |
| فَإِن كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ | أختان في مقابلة أخ: التسوية، فلكل واحد الثلث، فيكون للأختين الثلثان. وهذه الجملة تسدّ ما سكتت عنه ٤: ١١ في حال الاثنتين. |
| وَإِن كَانُوا إِخْوَةً رِّجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ | تعميمٌ بعد تخصيص: القاعدة العامة في اختلاط الذكور والإناث، وهي القاعدة نفسها المقرَّرة في الأولاد. |
| يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّوا | تصريح بأن غاية الآية رفع الالتباس، وهو ما يرجّح أنها المرجع في تعريف الكلالة. |
كيف فرّق المشهور بين «الأخ» في الآيتين
تنصّ ٤: ١٢ على أن للأخ أو الأخت السدس، وتنصّ ٤: ١٧٦ على أن للأخت النصف وللأختين الثلثين. واللفظ في الموضعين واحد: «أخ» و«أخت» و«إخوة»، بلا قيدٍ ولا وصف. فكيف اجتمع الحكمان؟
الجواب المقرَّر في المذهب السائد: أن المراد في ٤: ١٢ الإخوة لأمٍّ خاصّة، وفي ٤: ١٧٦ الإخوة الأشقاء أو لأب. وبهذا التخصيص ارتفع التعارض.
ومستند هذا التخصيص ثلاثة أمور، ليس فيها لفظٌ من المصحف:
١. قراءةٌ شاذّة منسوبة إلى سعد بن أبي وقاص وابن مسعود: «وله أخ أو أخت من أمّ». أخرجها سعيد بن منصور وعبد بن حميد والدارمي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي. وهي ليست في المصحف الذي بين أيدينا، ولا تُقرأ بها الصلاة.
٢. تفسير بعض الصحابة، ونُسب إلى أبي بكر الصدّيق وسعد بن أبي وقاص. ونقل القرطبي الإجماع عليه.
٣. قرينةٌ داخلية: أن قوله «فهم شركاء في الثلث» يقتضي التسوية بين الذكر والأنثى، والتسوية إنما تكون في الإخوة لأمّ على أصل المذهب.
وموضع النظر هنا دقيق ويجب تحريره بإنصاف: المذهب السائد لم يُخصّص بلا مستند البتّة، بل استند إلى ما تقدّم. غير أن الذي يلزم تسجيله أمران. الأول أن هذا التخصيص لا يوجد في نصّ المصحف؛ فالقارئ الذي لا يعلم القراءة الشاذّة ولا نقل الإجماع لا يجد في الآيتين ما يدلّ عليه. والثاني أنه لم يرد فيه حديثٌ مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وقد صرّح بذلك من أثبت التخصيص نفسه.
وأثر ذلك في هذه الوثيقة: أن منهجًا يقتصر على نصّ القرآن لا يملك هذا التخصيص، فيلزمه أن يجمع بين الآيتين بوجهٍ آخر. والوجه المعروض هنا — اختلاف المشهدين — بديلٌ عن التخصيص لا إنكارٌ لحجّيته عند من قال به.
خلاف الصحابة والعلماء في معنى الكلالة
يُقال كثيرًا إن الكلالة «من لا ولد له ولا والد» بالإجماع. والتحرير أدقّ من ذلك، وفي كتب المذهب نفسه ما يبيّنه.
| القول | من قال به وموضعه |
|---|---|
| من لا ولد له ولا والد | قول أبي بكر الصدّيق، وإليه ذهب أكثر الصحابة وعامّة الفقهاء. ونُقل عن عمر وعلي وزيد وابن مسعود ومعاذ وعائشة |
| من لا ولد له فقط | قولٌ منقول عن ابن عباس ومن تابعه. قال ابن قدامة في المغني: «وإليه ذهب عامّة الفقهاء إلا ابن عباس ومن تابعه» |
| من لا والد له | قولٌ ثالث ذكره المفسّرون في جملة الأقوال |
فالمنقول عن أهل العلم أن الكلالة اختُلف في معناها، وأن القول بأنها «من لا ولد له» له قائلٌ معروفٌ بعينه من كبار الصحابة، لا أنه قولٌ محدَث. وعبارة البغوي: «واختلفوا في الكلالة، فذهب أكثر الصحابة إلى أن الكلالة من لا ولد له ولا والد له» — و«أكثر» ليست «كلّ»، فلا يستقيم مع هذا اللفظ دعوى الإجماع المطلق.
ويؤكّده أن عمر بن الخطاب كتب في الكلالة كتابًا ثم محاه قبل موته وترك الناس على ما كانوا عليه، وأنه قال: «إني لأستحيي أن أخالف فيه أبا بكر» — وهو تعليلٌ بالحياء من مخالفة الصدّيق، لا بقيام دليلٍ قاطع.
وعليه فاعتماد هذه الوثيقة تعريفَ «من لا ولد له» ليس خروجًا على إجماع، بل أخذٌ بأحد قولين مرويّين، وهو القول المنسوب إلى ابن عباس، ويشهد له تعريف ٤: ١٧٦ لنفسها بقولها: «إن امرؤ هلك ليس له ولد».
النساء ٤: ١٩ — تحريم توريث النساء
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا[٤: ١٩]
موضع الأجداد والأحفاد
لم يُذكر الجدّ ولا الجدّة ولا الحفيد في آيات المواريث، ومدخلهم «الأقربون» و«أولو الأرحام». وموضعهم في هذا النظام مبنيٌّ على الأصل الحاكم نفسه، لا على قياسٍ يُدخلهم في الكسور.
بيانه: أصحاب الكسور المسمّاة في القرآن معلومون — الأزواج والأبوان — ولم يُسمَّ للجدّ كسر. فهو إذًا من آخذي الباقي لا من أصحاب الفروض. ولمّا كان في كل مشهدٍ آخذٌ واحد للباقي، لم يبقَ للجدّ موضعٌ مع من هو أقرب منه أو أقوى تنصيصًا.
• يحجبهم الأبوان حجبَ حرمان، لأنهما أصلان أقرب ومنصوصان.
• ولا يبقى لهم شيء مع الأولاد ولا مع الإخوة، لأن هؤلاء آخذو الباقي فيستوعبونه.
• فلا يرث الأجداد والأحفاد إلا عند انتفاء الأبوين والأولاد والإخوة جميعًا. وحينها يأخذون التركة كلها بعد نصيب الزوج: الجدّات مقام الأم والأجداد مقام الأب، والأحفاد بقاعدة نسبة الأولاد.
وينبغي التمييز بين نوعَي المنع، لئلا يلتبس: حجبُ الحرمان منعٌ بالكلّية وهو ما يفعله الأبوان؛ واستيعابُ الباقي ليس منعًا وإنما لا يفضل معه شيء، وهو ما يفعله الأولاد والإخوة. والنتيجة واحدة والطريق مختلف.
ولم يُقدَّر لهم كسرٌ كسدس الأبوين، لأن السدس إنما نُصّ في «ولأبويه»، ولم يُسمَّ للجدّ كسرٌ في موضعٍ واحد. فمدُّ الكسر إليه قياسٌ لا نصّ، ويُنتج ما لا يُنتجه الأصل: كسرًا غير منصوص يزاحم من نصّ النصّ على أنه يأخذ الباقي.
ولازمُه أن مسألة «الجدّ مع الإخوة» لا تقع في هذا النظام أصلًا، لا حلًّا لها بل لانتفاء صورتها — إذ لا يجتمع الجدّ والإخوة. وهي المسألة التي اختلف فيها أبو بكر وعمر وعليّ وزيد وابن مسعود، وكتب فيها عمر كتابًا ثم محاه.
الأنفال ٨: ٧٥ والأحزاب ٣٣: ٦ — ترتيب القرابة
وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ[الأنفال ٨: ٧٥، ونحوه الأحزاب ٣٣: ٦]
| الجملة | القراءة وأثرها |
|---|---|
| وَأُولُو الْأَرْحَامِ | لفظٌ عامّ يشمل القرابة كلها، ومنهم من لم يُسمَّ في آيات المواريث: الأجداد والأحفاد وأبناء الإخوة والأعمام والأخوال وأبناؤهم. |
| بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ | تقرير الترتيب بالأقربيّة: يُقدَّم الأقرب على الأبعد. و«أولى» تفيد التقديم الذي يُسقط المؤخَّر، لا المشاركة معه. وعليه بُنيت الطبقات الخمس. |
| فِي كِتَابِ اللَّهِ | أن هذا الترتيب حكمٌ مُثبَتٌ لا عُرفٌ متغيّر. |
وبهذه الآية مع ٤: ٧ يكتمل مدخل الطبقات المؤخَّرة: الأولى تُثبت لهم الاستحقاق بقولها «نصيبًا مفروضًا»، والثانية تُرتّبهم بالأقربيّة. فلا تُحمَّل إحداهما ما لا تحتمل: «الأقربون» لا تُرتّب، و«أولو الأرحام» لا تُقدّر الأنصبة.
نقلٌ للمرأة من كونها موروثةً إلى كونها وارثة. وتُذكر هنا لأنها تُكمل صورة التنصيص على حقوق النساء التي تُلاحظ في القسم الخامس.
٤. الوصية: حكمها ودعوى نسخها
تكرّر في آيتَي المواريث قيدُ «من بعد وصيةٍ يوصي بها أو دَين» أربع مرات، فالوصية مقدَّمةٌ على القسمة بالنصّ. وحكمُها في أصله مقرَّرٌ في سورة البقرة، وإجراءُ الإشهاد عليها في سورة المائدة. ويُفرد لها هذا القسم لأن كثيرًا من البحوث تمرّ عليها مرورًا، أو تُقرّر نسخها بلا تحرير.
أولًا: النصوص
كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ ۖ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ[البقرة ٢: ١٨٠]
فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ[البقرة ٢: ١٨١]
فَمَنْ خَافَ مِن مُّوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ[البقرة ٢: ١٨٢]
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ[المائدة ٥: ١٠٦]
ثانيًا: تفسير آية البقرة جملةً جملة
| الجملة | القراءة وأثرها |
|---|---|
| كُتِبَ عَلَيْكُمْ | صيغةُ فرضٍ لا ندب. وهي الصيغة نفسها في «كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ» و«كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ». فالأصل في «كُتب» الإيجاب. |
| إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ | وقت الوجوب: حضورُ أسبابه من مرضٍ أو نحوه. |
| إِن تَرَكَ خَيْرًا | شرطُ الوجوب: أن يكون له مال. و«الخير» هنا المال بلا خلاف. |
| الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ | محلُّها: الوالدان والأقربون. و«الأقربون» عامٌّ يشمل من لا نصيب له في القسمة. |
| بِالْمَعْرُوفِ | قيدٌ في المقدار والكيفية: لا إسرافَ ولا إضرار. وهو نظير «غير مضارّ» في ٤: ١٢. |
| حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ | تأكيدُ الإيجاب بلفظ «حقًّا»، وهو من أقوى صِيَغ التقرير. |
| فَمَن بَدَّلَهُ … إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ | حمايةُ الوصية من التغيير بعد السماع، وتحميلُ الإثم للمبدِّل لا للموصي. |
| فَمَنْ خَافَ مِن مُّوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا | استثناءٌ للإصلاح: إن جاوز الموصي الحدَّ ميلًا أو إثمًا جاز الإصلاح، فلا إثم على المصلح. |
ثالثًا: دعوى النسخ — وتحريرها
يُقال كثيرًا إن آية الوصية «منسوخة بآية المواريث». والتحرير أن المسألة خلافيةٌ على ثلاثة أقوال:
| القول | من قال به | مستنده |
|---|---|---|
| منسوخةٌ في حقّ الجميع، وبقيت الوصية ندبًا | ابن عمر، وابن عباس في روايةٍ عنه، وابن زيد، ونحوه قول مالك، وذكره النحّاس عن الشعبي والنخعي | حديث «لا وصية لوارث»، مع تقدُّم آية الوصية زمنًا على آية المواريث |
| منسوخةٌ في حقّ الوارث، باقيةٌ في حقّ الأقربين الذين لا يرثون | ابن عباس والحسن وطاوس وقتادة، وهو مذهب الشافعي وأكثر المالكيين | آية المواريث تولّت نصيب الوارث، والعموم باقٍ في غيره |
| محكمةٌ غير منسوخة | الطبري في جامع البيان، وأبو مسلم الأصفهاني كما حكاه الرازي في التفسير الكبير | صيغة «كُتب»، وقاعدةُ أن التنازع في النسخ يمنع القضاء به |
ونصُّ الطبري في هذا الباب أصرحُ ما وُقف عليه، فيُنقل بتمامه: أورد سائلًا يسأل: أوَفرضٌ على الرجل ذي المال أن يوصي لوالديه وأقربيه الذين لا يرثونه؟ فأجاب: «نعم». فقيل: فإن فرّط فلم يوصِ لهم، أيكون مضيِّعًا فرضًا يَحْرَج بتضييعه؟ قال: «نعم». ثم استدلّ: «قولُ الله تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمْ … فأعلم أنه قد كتبه علينا وفرَضه، كما قال: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ، ولا خلاف بين الجميع أن تارك الصيام وهو عليه قادرٌ مُضيِّعٌ بتركه فرضًا لله عليه؛ فكذلك هو بترك الوصية لوالديه وأقربيه وله ما يوصي لهم فيه، مُضيِّعٌ فرضَ الله». ثم قرّر القاعدة: «وإذا كان في نسخ ذلك تنازعٌ بين أهل العلم، لم يكن لنا القضاءُ عليه بأنه منسوخ».
وأمرٌ يجب تسجيله، وهو إقرارُ القائلين بالنسخ أنفسِهم: مستندُ النسخ عندهم حديثُ «إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث» من حديث عمرو بن خارجة. وقد صرّح ناقلوه بأن هذا الحديث «وإن لم يبلغ مبلغ الحديث المتواتر الذي يصحّ نسخه للقرآن بنفسه، فقد امتاز عن بقية أخبار الآحاد بأن الأمة تلقّته بالقبول». فهو — بإقرارهم — خبرُ آحادٍ لا يصحّ أن ينسخ القرآن بنفسه، وإنما قوّوه بالتلقّي بالقبول.
ويُضاف قولُ طاوس، وفيه إلزامٌ عمليّ: «من أوصى لقومٍ سمّاهم وترك ذوي قرابته محتاجين، انتُزعت منهم ورُدّت إلى ذوي قرابته». فالوصية للأقربين عنده حقٌّ يُنتزَع لأجله ما أُوصي به لغيرهم.
رابعًا: شهادة سورة المائدة
شرّعت المائدة إجراءَ الإشهاد على الوصية: شاهدان عدلان، وحكمَ ما إذا حضر الموتُ في سفر، وحكمَ الارتياب في الشاهدين والاستحلافَ عند ذلك (٥: ١٠٦–١٠٨). وسورة المائدة من آخر ما نزل من القرآن.
ودلالة ذلك: أن الوصية بقيت بعد نزول آيات المواريث بابًا معمولًا به، مشرَّعًا له إجراءٌ تفصيليّ في الإشهاد والنزاع. ولو كان البابُ قد رُفع لَما احتاج إلى هذا التفصيل في آخر ما نزل.
وحدُّ هذا الاستدلال: آيةُ المائدة في الإشهاد على الوصية مطلقًا، لا في الوصية للوالدين والأقربين خاصّةً. فهي تُثبت بقاءَ الباب وتنظيمَه، ولا تُثبت بذاتها بقاءَ الوجوب في البقرة ١٨٠. فدرجتها مؤيِّدةٌ لا حاسمة.
خامسًا: الموقف المعتمد في هذه الوثيقة
١. الوصية واجبةٌ بمقتضى «كُتِبَ عَلَيْكُمْ» و«حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ»، على من ترك مالًا، لوالديه وأقربيه بالمعروف.
٢. ولا يُقضى بنسخها، عملًا بقاعدة الطبري: التنازعُ في النسخ يمنع القضاء به. ولأن مستند النسخ خبرُ آحادٍ أقرّ ناقلوه أنه لا يصحّ أن ينسخ القرآن بنفسه.
٣. ولا تعارضَ بين الوصية والقسمة أصلًا: فالنصّ نفسه رتّبهما — «من بعد وصيةٍ يوصي بها أو دَين» — فالوصية تُخرَج أولًا ثم تُقسَم البقيّة. فهما في مرتبتين لا في محلٍّ واحد، ولا يُنسَخ حكمٌ بحكمٍ يليه في الترتيب.
٤. وقيدُها «بالمعروف» و«غير مضارّ»، فلا إسرافَ فيها ولا قصدَ إضرارٍ بالورثة. ولم يُحدَّد لها في القرآن مقدارٌ بعدد، وإنما حُدَّت بالمعروف.
٥. ولا شيء في القرآن يُسمّى «الوصية الواجبة» بالمعنى المستحدث في قوانين الأحوال الشخصية — وهو إلزامُ التركة بنصيبٍ لفرعِ من مات في حياة أصله. والواجب في القرآن هو الوصية المذكورة في البقرة ١٨٠ نفسها: فرضٌ على الموصي أن يوصي لوالديه وأقربيه بالمعروف. فالتسمية المعاصرة مأخوذةٌ من لفظ الوجوب ومصروفةٌ إلى معنًى آخر: إلزامٌ بعد الموت بقوّة القانون، لا فرضٌ على الحيّ أن يوصي. والفرق بينهما جوهريّ، ويجب عدم الخلط.
سادسًا: مواضع النظر في هذا القسم
| الموضع | بيان الإشكال |
|---|---|
| حدُّ المقدار | لم يُحدَّد في القرآن للوصية مقدارٌ بعدد، وإنما «بالمعروف». وحدُّ الثلث المشهور مستندُه حديثُ سعد بن أبي وقاص، وهو خارج نصّ القرآن. فمن اقتصر على القرآن لزمه أن يكون الحدُّ المعروفَ وعدمَ الإضرار، وهو حدٌّ تقديريّ يرجع فيه إلى القضاء. |
| الوصية للوارث | ظاهر «الوالدين والأقربين» يشمل الوارث. ومنعُ الوصية للوارث مستندُه حديثُ «لا وصية لوارث». فمن اقتصر على القرآن لم يجد المنع، ويلزمه بيانُ الجمع بين الوصية للوالدين ونصيبهما المقدَّر. |
| إقرار الوجوب | القول بوجوب الوصية يخالف ما استقرّ عليه جمهور الفقهاء من الاستحباب. وهو موافقٌ للطبري وأبي مسلم الأصفهاني، ولقولٍ منقولٍ عن ابن عباس وطاوس والحسن وقتادة في حقّ غير الوارث. |
[يلزم التحقق] نصُّ الطبري من جامع البيان عند البقرة ١٨٠؛ وحكايةُ الرازي عن أبي مسلم الأصفهاني؛ وقولُ طاوس؛ وتخريجُ حديث عمرو بن خارجة؛ وأقوالُ ابن عمر وابن زيد والشعبي والنخعي من مظانّها. وما هنا منقولٌ عن عرضٍ ثانويّ للتفاسير.
٥. التقنية التشريعيّة في آيات المواريث
أولًا: بنية التنصيص
| الوارث | كسره المسمّى | الحال |
|---|---|---|
| البنت | النصف / الثلثان | مسمّى، والنسبة تحكم القسمة بينها وبين الابن |
| الأم | الثلث / السدس | مسمّى في كل أحوالها |
| الزوجة | الربع / الثمن | مسمّى في كل أحوالها |
| الأخت | النصف / الثلثان | مسمّى في ٤: ١٧٦، والقسمة بينها وبين الأخ بالتسوية |
| الزوج | النصف / الربع | مسمّى في كل أحواله |
| الأب | السدس مع الولد أو الإخوة | مسمّى في حالٍ دون حال |
| الابن والأخ | لا كسر | آخذا الباقي |
فأصحاب الكسور المسمّاة هم الأزواج والأبوان، ومعهم الإخوة في مشهد واحد. أما الأولاد والإخوة في سائر المشاهد فنُصّ على النسبة بينهم لا على كسرٍ لهم، فيأخذون الباقي ويقتسمونه بها.
وتُعرض هذه الملاحظة بوصفها استقراءً لبنية التنصيص، لا مقدّمةً مقاصدية بُني عليها الاستنباط.
لا تفريق في النصّ بين أصناف الإخوة ولا بين جهتَي الأجداد
لم يفرّق القرآن بين الأخ الشقيق والأخ لأبٍ والأخ لأمّ في موضعٍ واحد، ولا بين أبي الأب وأبي الأمّ، ولا بين أمّ الأب وأمّ الأمّ. واللفظ في كل المواضع «أخ» و«أخت» و«إخوة» مجرَّدًا من الوصف.
وأثر ذلك في هذا المنهج: أن أصناف الإخوة تُجمع وتُقسم على قاعدةٍ واحدة، وأن جهتَي الأجداد تستويان. وتسقط بذلك فروعٌ كثيرة في الفقه الموروث: حجبُ الإخوة لأب بالأشقاء، والسدسُ تكملةَ الثلثين لأخوات الأب، وحجبُ الإخوة لأم بالأصل الذكر، والتفريقُ بين الجدّ الصحيح والجدّ الفاسد، والمسألةُ المشرَّكة نفسها، ومسألةُ الأكدرية.
ومستند التفريق في المذهب السائد: في الإخوة لأمّ قراءةٌ شاذّة «وله أخ أو أخت من أمّ» ونقلُ إجماع، كما بُسط في القسم الثالث. وفي الجدّ اجتهادٌ لا نصّ فيه. ومن اقتصر على القرآن لم يجد التفريق في لفظٍ واحد.
وحدُّ هذا الاستدلال: عدمُ التفريق في اللفظ لا يُثبت بذاته عدمَ التفريق في الحكم، إذ قد يُبيَّن العامُّ بغيره. وإنما يُثبت أن التفريق ليس في القرآن، وأن من اقتصر عليه لزمه إجراءُ اللفظ على عمومه.
ثانيًا: أربعة عناصر تجتمع في آيات المواريث
| العنصر | بيانه |
|---|---|
| نزع التقدير ووضع رقمٍ مكانه | تفتتح الآيات بالمبدأ «وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون مما قلّ منه أو كثر»، ثم تختم بالوصف الحاسم «نصيبًا مفروضًا». فالحقّ لا يتوقّف على رضا أحدٍ ولا على تقديره. |
| الأنثى وحدةُ القياس | «للذكر مثل حظ الأنثيين» — حظّ الأنثى هو المعرَّف، ونصيب الذكر منسوبٌ إليه لا العكس. وفي الكلالة تُذكر الأخت بالنصف ابتداءً. |
| التسمية الصريحة للإناث | البنت والأم والزوجة والأخت مذكوراتٌ بأسمائهنّ وأنصبتهنّ، ولا يرد «الابن» منفردًا بسهمٍ مسمّى. |
| حظر الالتفاف على الحكم | «من بعد وصية يوصى بها أو دين غير مضارّ»، ثم «تلك حدود الله». فالقيد ليس على الحكم فحسب، بل على نيّة الالتفاف عليه. |
ثالثًا: نظائر التقنية نفسها في القرآن
هذه التقنية ليست خاصّة بالمواريث، بل تطّرد في مواضع أخرى من الخطاب القرآنيّ:
| الوجه | في المواريث | النظير القرآنيّ |
|---|---|---|
| رقمٌ يحلّ محلّ التقدير | «نصيبًا مفروضًا» | «فنصف ما فرضتم» (البقرة ٢٣٧) · «تربّص أربعة أشهر» (البقرة ٢٢٦) · «حولين كاملين» (البقرة ٢٣٣) |
| تمليكٌ مباشر لا يمرّ بوليّ | الوارثة تأخذ سهمها بنفسها | «وآتوا النساء صدقاتهنّ نحلة، فإن طبن لكم عن شيء منه نفسًا فكلوه» (النساء ٤) · «وللنساء نصيب مما اكتسبن» (النساء ٣٢) |
| حظر الاسترداد مهما بلغ | لا يُنقَص المفروض | «وآتيتم إحداهنّ قنطارًا فلا تأخذوا منه شيئًا» (النساء ٢٠) |
| تجريم نيّة الالتفاف | «غير مضارّ» | «ولا تعضلوهنّ لتذهبوا ببعض ما آتيتموهنّ» (النساء ١٩) · «ولا تضارّوهنّ لتضيّقوا عليهنّ» (الطلاق ٦) · «لا تُضارَّ والدة بولدها» (البقرة ٢٣٣) |
| إبطال عُرفٍ سائد | إدخال النساء في التركة | «لا يحلّ لكم أن ترثوا النساء كرهًا» (النساء ١٩) |
| منع حجب المكتوب لهنّ | «مما قلّ منه أو كثر» | «في يتامى النساء اللاتي لا تؤتونهنّ ما كُتب لهنّ» (النساء ١٢٧) |
| تسعير العمل داخل الأسرة | — | «فإن أرضعن لكم فآتوهنّ أجورهنّ» (الطلاق ٦) · «وعلى المولود له رزقهنّ وكسوتهنّ بالمعروف» (البقرة ٢٣٣) |
وملاحظة سياقيّة لها وزن: النساء ٧ (المبدأ) و١١-١٢ (الأرقام) و١٩ (إبطال توريث النساء كرهًا) و٣٢ (الذمّة المستقلّة) و١٢٧ (منع حجب المكتوب) في سورةٍ واحدة وسياقٍ واحد. فالنظائر ليست استدعاءً بعيدًا، بل وحدةٌ موضوعيّة داخل السورة نفسها.
رابعًا: أربع قواعد للنظر تُستخرَج من هذا الاطّراد
القاعدة الأولى — اتّجاه التدخّل قبل مقدار النصيب. النمط المطّرد ليس «تفضيل المرأة»، فهذا يُنقَض بسهولة. بل هو: حيثما كانت السلطة التقديريّة بيد طرفٍ واحد، تدخّل النصّ فنزعها ووضع مكانها إمّا رقمًا وإمّا تمليكًا غير قابلٍ للاسترداد. وهذه صياغةٌ أدقّ وأصعب على الردّ.
القاعدة الثانية — الفراغ لا يُملأ بما يُعيد السلطة التقديريّة. كلّ حلٍّ مقترَح لموضعٍ سكت عنه النصّ يُختبَر بسؤال: هل يُعيد إلى بعض الورثة تقديرًا نزعه النصّ؟ فإن كان كذلك فهو مخالفٌ لاتّجاه الخطاب ولو وافق ظاهر لفظٍ ما.
القاعدة الثالثة — التمييز بين اللفظ المكمَّم وغير المكمَّم. الأرقام — النصف والربع والثلث والسدس والثمن والثلثان — مكمَّمة فتُصان. والألفاظ غير المكمَّمة — «الولد» و«الإخوة» و«الكلالة» و«بالمعروف» — هي وحدها موضع النظر. وهذا التمييز هو نفسه ما يفسّر تاريخيًّا أنّ الخلاف كلّه وقع في الفجوات لا في الأرقام.
القاعدة الرابعة — قياس التفريغ. أيّ تفسيرٍ يؤدّي عمليًّا إلى تفريغ نصيبٍ مسمّى من مضمونه مُتَّهمٌ بحكم القاعدة نفسها التي جرّمت «لتذهبوا ببعض ما آتيتموهنّ». والعبرة بالمآل لا بالصياغة.
خامسًا: حدود هذا الاستدلال — والاعتراضات عليه
حدُّه: هذه النظائر تُثبت اطّراد أسلوب، ولا تُثبت بذاتها حكمًا في مسألةٍ بعينها. والخلط بين الأمرين أضعف موضعٍ في هذا النوع من الاستدلال. فهي أداة نظر، لا مصدر حكم. وعلى وجه الخصوص: ملاحظة أن الأنثى وحدةُ القياس تدعم أن يكون نصيبها هو الأصل المحسوب أوّلًا، لكنّها لا تُرجّح بين قراءة النسبة الثابتة وقراءة العتبة. والفصل بينهما يحتاج دليلًا من داخل الآيتين نفسيهما، وهو المعروض في القسمين الثامن والتاسع.
| الاعتراض | الموقف منه |
|---|---|
| «وللرجال عليهنّ درجة» (البقرة ٢٢٨)، و«الرجال قوّامون على النساء» (النساء ٣٤)، و«فرجل وامرأتان» (البقرة ٢٨٢) | تُذكر صراحةً ولا تُتجاهل. وهي لا تنقض القاعدة الأولى، لأن القاعدة عن اتّجاه التدخّل التشريعيّ لا عن تسويةٍ عدديّة شاملة. أما لو صيغت الدعوى بلفظ «أولويّة النساء» فهذه الآيات تنقضها، ولذلك لم تُصَغ كذلك. |
| النظائر أسلوبٌ بلاغيّ لا قاعدة تشريعيّة | يُجاب باطّراد الصيغة نفسها — «لا تفعلوا… لِـ» — في أربعة مواضع مستقلّة، وباتّحاد السياق داخل سورة النساء. |
| استخراج قاعدةٍ بالاستقراء لا يُنشئ حكمًا | يُقبل ويُصرَّح به. الاستقراء هنا أداة نظر لا مصدر حكم، وقد نُصّ على ذلك في حدّ الاستدلال. |
| النمط وصفٌ لواقع النزول لا حكمٌ معياريّ | يُجاب بأن الحظر المستقبليّ في «فلا تأخذوا منه شيئًا» و«لا يحلّ لكم» خطابٌ إنشائيّ لا خبريّ. |
وميزة هذا القسم أن كلّ ما فيه قرآنيّ منصوص: لا يدخل فيه خبرٌ ولا أثرٌ ولا قولُ مذهب، فلا يُردّ بمناقشة إسناد.
٦. الأصل الحاكم وسُلَّم الأولوية
من له كسر منصوص أخذه أولًا من كامل ما ترك، ومن لا كسر له أخذ الباقي.
وسنده لفظي: أن الكسور كلها مقيَّدة بـ«مما ترك» و«مما تركتم»، ولم يرد في القرآن لفظ «مما بقي» في موضع واحد.
سلسلة آخذي الباقي: الأولاد ← فإن لم يكونوا فالإخوة ← فإن لم يكونوا فالأب ← فإن لم يكن أحدٌ منهم رُدَّ الباقي على أصحاب الكسور بنسبة كسورهم.
وبهذا تُغلق التركة في كل صورة من غير عَولٍ في موضع واحد. أما الردّ فيقع في موضعين محدَّدين لا آخذ للباقي فيهما: الزوج مع الإخوة بلا أبوين، والأم عند انعدام الأب والأولاد والإخوة.
٧. مراتب الورثة
| الطبقة | الورثة | شرطها ودليلها |
|---|---|---|
| الأولى | الأزواج · الأبوان · الأولاد · الإخوة | المنصوص عليهم بأسمائهم في ٤: ١١ و٤: ١٢ و٤: ١٧٦ |
| الفرع البديل | الأحفاد — أولاد الابن والبنت | يقومون مقام الأولاد عند عدمهم، فيأخذون الباقي بقاعدة نسبة الأولاد. وهم فرعٌ وارث يحجب الإخوة، لأن الإخوة إنما يرثون في الكلالة وهي أن لا يكون للميت ولدٌ ولا فرعُ ولد |
| الأصل البديل | الأجداد والجدّات | لا يرثون إلا عند انتفاء الأبوين والأولاد والأحفاد والإخوة جميعًا، إذ لا كسر مسمّى لهم فهم آخذو باقٍ. وحينها يقوم الأجداد مقام الأب والجدّات مقام الأم |
| الثالثة | أبناء الإخوة والأخوات وبناتهم | لا يرثون إلا عند انتفاء الطبقتين. ويرثون كما يرث الأخ والأخت: بالتسوية |
| الرابعة | الأعمام والعمّات · الأخوال والخالات | لا يرثون إلا عند انتفاء الطبقات الثلاث. النصف لجهة الأب والنصف لجهة الأم، وداخل كل جهة قاعدة النسبة |
| الخامسة | أبناء العمومة والخؤولة وبناتهم | لا يرثون إلا عند انتفاء الطبقات الأربع. النصف لجهة الأب والنصف لجهة الأم، والتسوية داخل كل جهة |
وموضع الزوج أو الزوجة من الطبقات: يشارك الطبقة الأولى والثانية فقط — أي الأبوين والأولاد والإخوة، ثم الأجداد والأحفاد — فيأخذ كسره المنصوص ويُوزَّع الباقي عليهم. أما الطبقات الثالثة والرابعة والخامسة فلا يشاركها، فإن لم يبقَ إلا من فيها رُدّ عليه الباقي فأخذ التركة كلها.
ووجهُه أن الأجداد والأحفاد يقومون مقام الأبوين والأولاد، وهم المنصوصون الذين ورد كسر الزوج في مقابلتهم. أما من دونهم فلم يُذكر في مقابلة كسره أحد. وهذا اختيارٌ في النظام لا نصٌّ فيه، ولازمُه أن الزوجة تأخذ التركة كلها مع عشرةٍ من أبناء الإخوة، وهو موضع نظرٍ مثبت في القسم السادس عشر.
ومستند هذه الطبقات آيتان لا واحدة: قوله «وللرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون … نصيبًا مفروضًا» (٤: ٧) يُثبت لهم أصل الاستحقاق، وقوله «وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله» (الأنفال ٧٥، والأحزاب ٦) يُثبت ترتيبهم بالأقربيّة، فيُقدَّم الأقرب على الأبعد. فالأولى تُعطي الحقّ والثانية تُرتّبه.
والأجداد والأحفاد يُشترط فيهم الاتصال بالنسب، كالأولاد سواء. ويستوي في ذلك أبو الأب وأبو الأم، وأمّ الأب وأمّ الأم، فيقتسم الجدّان حصة الأب وتقتسم الجدّتان حصة الأم. ولا يُؤخذ بالتفريق المقرَّر في الفقه الموروث بين «الجدّ الصحيح» و«الجدّ الفاسد»، إذ لا أصل له في النص، وهو من جنس التفريق بين الإخوة الأشقاء والإخوة لأم المرفوض هنا.
ويستوي كذلك ولد الابن وولد البنت في الأحفاد، فترتفع بذلك مفارقة ابن البنت المشار إليها في المدخل.
الجملة الختامية: فإن لم يوجد وارث من الطبقات الخمس، صُرفت التركة في مصالح المسلمين العامة أو خزينة الدولة. وليس هذا توريثًا لأحد، بل مصرفٌ عام عند انقطاع الورثة، وهو ما استقرّ عليه الفقهاء بلا خلاف عند انتفاء ذوي الأرحام.
٨. تحليل لغويّ للتركيب ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ﴾
يُعرض هنا ما يقتضيه التركيب نحوًا وبلاغةً، مفصولًا بدرجاته: ما هو ثابت، وما هو ترجيحٌ يُطالَب صاحبه بالدليل. والفصل بينهما مقصود، لأن خلطهما يُسقط الثابت مع المتنازع فيه.
أولًا: إعراب التركيب وما يلزم عنه
| اللفظ | موقعه | ما يلزم عنه |
|---|---|---|
| لِلذَّكَرِ | جار ومجرور في محلّ خبر مقدَّم | متأخّرٌ رتبةً وإن تقدّم لفظًا |
| مِثْلُ | مرفوع، مبتدأ مؤخَّر | هو المحدَّث عنه |
| حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ | مضاف إليه | المعيار الذي أُضيف إليه المثل |
فالتقدير: مثلُ حظِّ الأنثيين ثابتٌ للذكر. والمبتدأ — وهو محلّ الإسناد — نصيبُ الأنثى، والذكر خبرٌ عنه.
وأدقّ من ذلك أن التركيب تشبيهٌ بـ«مثل». وقاعدة الباب أن المشبَّه به معلومٌ مقرَّر، والمشبَّه مجهولٌ يُعرَّف به. فحظّ الأنثى هو المفروض المعلوم، ونصيب الذكر مستخرَجٌ منه.
وتقديمُ «للذكر» على المبتدأ يفيد الاهتمام أو الاختصاص، ولا يُخرجه عن كونه خبرًا. فهو مذكورٌ أولًا في اللفظ، متأخّرٌ في الرتبة.
ثانيًا: التطابق بين الموضعين واختلاف الموقع
اللفظ في ٤: ١١ و٤: ١٧٦ متطابق حرفًا بحرف: «للذكر مثل حظ الأنثيين». ولا تقديم فيه ولا تأخير ولا تغيير أداة. والفرق في موقع الجملة من السياق لا في بنيتها:
| الوجه | ٤: ١١ — الأولاد | ٤: ١٧٦ — الإخوة |
|---|---|---|
| موقع الجملة | صدر البيان | ختم البيان |
| ما قبلها | «يوصيكم الله في أولادكم» | تفصيل الأخت والأختين |
| ما بعدها | تفصيل «فوق اثنتين» و«واحدة» | «يبيّن الله لكم أن تضلّوا» |
| وظيفتها | مُجمَلٌ يُفصَّل بعده | مُجمَلٌ يُختم به التفصيل |
فالأولى إجمالٌ ثم تفصيل، والثانية تفصيلٌ ثم إجمال — وهو لفٌّ ونشرٌ معكوس. وهذا أسلوب معروف في النظم القرآني، ودلالته وحدةُ الحكم لا تعدُّده. ولو كانتا قاعدتين مختلفتين لَما استقام تكرار اللفظ نفسه في طرفَي البنيتين.
ويتكامل النصّان مع ذلك في المضمون: الأولى تنصّ على الواحدة وعلى ما فوق اثنتين وتسكت عن الاثنتين، والثانية تنصّ على الاثنتين. فما سكتت عنه إحداهما نصّت عليه الأخرى.
ثالثًا: استقراء مواضع التكميم
| الوارث | أين كُمِّم نصيبه في القرآن؟ |
|---|---|
| البنت | «فلها النصف» · «ثلثا ما ترك» |
| الأخت | «نصف ما ترك» · «فلهما الثلثان» |
| الأم | «الثلث» · «السدس» |
| الزوجة | «الربع» · «الثمن» |
| الابن | لم يُكمَّم في موضع واحد من القرآن كلّه |
| الأخ | «السدس» في ٤: ١٢ فقط — مساويًا للأخت |
فالابن لم يُسمَّ له كسرٌ قطّ، والأخ لم يُسمَّ له إلا مرّة واحدة، وكان فيها مساويًا لأخته.
رابعًا: شهادة آية الكلالة المنكَّرة
قوله «وله أخ أو أخت فلكل واحد منهما السدس» سمّى نصيب الذكر صراحةً، فجاء مساويًا للأنثى. ثم قال «فهم شركاء في الثلث»، والشركة في اللسان اشتراكٌ في العين لا يُفهم منه تفاضل.
ودلالة هذا الموضع مزدوجة: أنه يُبطل دعوى أن التضعيف أصلٌ قرآنيٌّ مطّرد، إذ لو كان أصلًا لَما نُقض في موضع؛ وأنه يُظهر أن النصّ حين يريد التسوية يُصرّح بها وحين يريد التفاضل يُصرّح به، فالسكوت في غيرهما محلُّ نظر لا محلُّ قطع.
ثالثًا مكرَّرًا: السكوت المتقابل في الآيتين
في كلٍّ من الآيتين موضعٌ سكتت عنه، والسكوتان متقابلان تقابلًا تامًّا:
| الآية | نصّت عليه | سكتت عنه |
|---|---|---|
| ٤: ١١ — الأولاد | الواحدة (النصف) · ما فوق اثنتين (الثلثان) | الاثنتان |
| ٤: ١٧٦ — الإخوة | الواحدة (النصف) · الاثنتان (الثلثان) | ما فوق اثنتين |
ولازم هذا التقابل: أن القراءة السائدة تسدّ ثغرة كل آيةٍ بنظيرتها — فتُلحق البنتين بالأختين، وتُلحق الأخوات فوق الاثنتين بالبنات. فهي مضطرّةٌ إلى القياس في الموضعين، ومعترفةٌ ضمنًا بأن كل آيةٍ ناقصةٌ على تقديرها. أما على القراءة المعروضة هنا فلا ثغرة في واحدةٍ منهما، لأن جملة النسبة تحكم ما لم تُفصّله الجمل الأخرى.
ويشهد لتقرير هذه الثغرة نصُّ القرطبي: «فرض الله للواحدة النصف، وفرض لما فوق الثنتين الثلثين، ولم يفرض للثنتين فرضًا منصوصًا في كتابه؛ فتكلّم العلماء في الدليل الذي يوجب لهما الثلثين ما هو؟ فقيل: الإجماع — وهو مردود؛ لأن الصحيح عن ابن عباس أنه أعطى البنتين النصف». وقال ابن قدامة في المغني ٦/٢٧١: «أجمع أهل العلم على أن فرض الابنتين الثلثان، إلا رواية شاذّة عن ابن عباس أن فرضهما النصف».
وأطرف ما في الباب أن جماعةً اضطُرّوا إلى القول بأن «فوق» صلةٌ زائدة، كقوله «فاضربوا فوق الأعناق»، فيكون المعنى: فإن كنّ اثنتين فلهما الثلثان. وهو في ذاته شاهدٌ على ضيق المخرج من الثغرة.
وحدُّ هذا الاستدلال: تقابلُ السكوتين يُضعف دعوى الإجماع ويُبيّن حاجة القراءة السائدة إلى القياس، ولا يُثبت بذاته القراءة المعروضة. فدرجته إسقاطُ الدعوى المقابلة لا إقامةُ الدليل. والنصّان محرَّران: الأول في الجامع لأحكام القرآن للقرطبي عند تفسير ٤: ١١، والثاني في المغني لابن قدامة ٦/٢٧١.
رابعًا مكرَّرًا: لفظ «أولادكم» وانطباقه على الذرّيّة
المعتمد في هذه الوثيقة أن «أولادكم» في ٤: ١١ يشمل الذرّيّة، فلا يختصّ بالولادة المباشرة. ومستنده أن العربية تستعمل لفظ البنوّة في الذرّيّة البعيدة استعمالًا مطّردًا، وشاهدُه في القرآن «يا بني آدم» و«يا بني إسرائيل» — وبينهم وبين آدم وإسرائيل أجيالٌ لا تُحصى.
ويؤيّده أمران: أن التركة في بنيتها لا تخرج عن الأسرة، فالتسلسل النازل داخلها أقربُ من انتقالها إلى فروع أخرى؛ وأن سياق حفظ الذرّيّة الضعاف في صدر السورة يقتضي اندراجهم لا إخراجهم.
والاعتراض الوارد عليه — وهو أثقل ما يَرِد على هذا الموضع: أن العربية تستعمل لفظ الأبوّة في الأصل البعيد كذلك، وشاهدُه «مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ». فإن اطّرد التعميم في اللفظ النازل اطّرد في الصاعد، فيلزم أن يشمل «أبويه» الجدَّ فيستحقّ السدس المنصوص. وهذه الوثيقة تُعمّم النازل ولا تُعمّم الصاعد، فيلزمها بيان الفارق. ولم يُحرَّر هنا، ويُطلب فيه النظر.
رابعًا مكرَّرًا ثانيًا: الفرق بين «النصيب» و«الحظّ»
في آيات المواريث تفريقٌ لفظيّ بين كلمتين، يُلاحَظ باستقراء مواضعهما:
| اللفظ | مواضعه في آيات المواريث | دلالته في السياق |
|---|---|---|
| نَصِيب | «وللنساء نصيب» · «نصيبًا مفروضًا» (٤: ٧) · «فآتوهم نصيبهم» (٤: ٣٣) | الحقّ المقدَّر اللازم، ويُوصف بالفرض |
| حَظّ | «مثل حظّ الأنثيين» (٤: ١١ و٤: ١٧٦) — ولا يرد في غيرهما من آيات المواريث | المقدار المتحصِّل في القسمة النسبية، لا كسرٌ مفروض |
ويلزم من هذا الاستقراء أن النصّ لم يجعل للأولاد «نصيبًا مفروضًا» بكسرٍ مقدَّر، وإنما قرّر «حظًّا» يتحصّل بالقسمة بعد أصحاب الكسور. وهو فرقٌ جوهريّ يسند الأصل الحاكم في هذه الوثيقة: أن الأولاد آخذو باقٍ لا أصحاب فروض.
وحدُّ هذا الاستدلال يجب التصريح به: اللفظان يُستعملان في القرآن استعمالًا عامًّا في غير باب المواريث — كقوله «فنسوا حظًّا ممّا ذُكِّروا به» و«أم لهم نصيب من الملك» — فليس بينهما تفريقٌ لغويّ مطلق. وإنما التفريق مطّردٌ داخل آيات المواريث بعينها، فدلالته سياقيّة لا لغويّة محضة. وبهذا القيد يصحّ الاحتجاج به.
ويُضاف أن النصّ قال «مثل» ولم يقل «ضعف»، مع أن «الضعف» لفظٌ مستعمل في القرآن. فالعدول عنه إلى «مثل» — مع كون المضاف إليه مثنّى — هو مدار القراءة المعروضة في هذا القسم، وقد بُسط حجاجها وحدودها في فروعه.
رابعًا مكرَّرًا ثالثًا: سبب النزول وما يُستفاد منه
لسبب نزول ٤: ١١ أثرٌ في تحرير المقصود من الآية، ويُذكر هنا من وجهٍ واحد فقط: أن الآية نزلت معالجةً لواقعةٍ في حقّ الأنثى، فيكون التقدير الإلهيّ فيها استعادةً لحقٍّ مسلوب لا تقليلًا منه.
الرواية: عن جابر بن عبد الله أن امرأة سعد بن الربيع جاءت بابنتيها من سعد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: هاتان ابنتا سعد بن الربيع، قُتل أبوهما معك يوم أُحد شهيدًا، وإنّ عمّهما أخذ مالهما فلم يدع لهما مالًا، ولا تُنكحان إلا ولهما مال. فقال: يقضي الله في ذلك. فنزلت آية الميراث.
وتخريجها: أخرجه الترمذي في كتاب الفرائض برقم ٢٠٩٢ وقال أبو عيسى: «هذا حديث صحيح»، وأبو داود وابن ماجه وأحمد والدارقطني والحاكم، وأورده الواحدي في أسباب النزول. وعبارة أهل التخريج: «رواه الخمسة إلا النسائي»، من طريق عبد الله بن محمد بن عقيل عن جابر. وتمام القضاء في الرواية: «أَعْطِ ابْنَتَيْ سعدٍ الثلثين، وأعطِ أمَّهما الثمن، وما بقي فهو لك». ونبّه القرطبي إلى أنه قيل نزلت في ورثة ثابت بن قيس، والأول أصحّ عند أهل النقل. وهي ليست في الصحيحين، ومدار إسنادها ابن عقيل وفيه كلامٌ لأهل الحديث.
| وجه الاستفادة | بيانه |
|---|---|
| النازلة في أنثيين لا في ذكر | لم يكن في الواقعة ذكرٌ من الأولاد أصلًا، وإنما بنتان استولى العمّ على مالهما. فالآية نزلت في مشكلةٍ محلُّها حقُّ الأنثى. |
| التقدير استعادةٌ لا تقليل | كانت النساء قبلها لا يُورَّثن في العرف السائد. فتقدير حظّهنّ جاء رفعًا لمنعٍ كان واقعًا، فيكون التقدير الإلهيّ في مقام الإنصاف لا في مقام الحدّ من نصيب. |
| الثلثان طُبّقا على اثنتين | القضاء في النازلة أعطى ابنتي سعد الثلثين. وظاهر ٤: ١١ إنما نصّ على «فوق اثنتين»، فتطبيق الثلثين على اثنتين موافقٌ لما نصّت عليه ٤: ١٧٦ — وهو شاهدٌ عمليّ على تكامل النصّين المبيَّن في الفرع الرابع. |
وحدُّ هذا الاستدلال — ويجب التصريح به: سبب النزول يُبيّن المشكلة التي سيق الحكم لمعالجتها، ولا يُقدّر المقدار ولا يُرجّح بين قراءتين في اللفظ. فهو مؤيِّدٌ للمقصد لا دليلٌ على الكمّ. ومن ثمّ لا يُحتجّ به هنا على تعيين نصيب، وإنما على أن اتّجاه الآية إنصافيّ.
وأما ما في الرواية من قوله للعمّ: «وما بقي فهو لك»، فلا يُعارض ما في هذه الوثيقة من منع العمّ مع الفرع الوارث، لأن الآيات بيّنت متى يرث العمّ ومتى لا يرث: فهو من «الأقربين» الذين لا يرثون إلا عند انتفاء من هو أقرب منهم بمقتضى «وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض». فموضعه مرتبةٌ مؤخَّرة لا مزاحمةٌ للفرع.
ومع ذلك يلزم الإنصاف في العرض: لا يصحّ الاحتجاج بشطر الرواية وترك شطرها. فتُذكر بتمامها — ومنه القضاء للعمّ بالباقي — ويُبيَّن أن هذه الوثيقة مقتصرةٌ على نصّ القرآن، فلا تُبنى عليه ولا على غيره من الأخبار قاعدةٌ في القسمة. والاستفادة منه هنا في تحرير المقصد وحده.
خامسًا: تحرير درجات الاستدلال
هذا هو موضع الفصل الذي لا يجوز إغفاله:
| الدعوى | درجتها |
|---|---|
| اللفظ متطابق في الموضعين، والبنية معكوسة | ثابتٌ بالنظم، قابل للتحقق بالمعاينة |
| الأنثى مبتدأ ومشبَّه به، والذكر خبر ومشبَّه | ثابتٌ نحويًّا، لا يُنازَع فيه |
| الابن لم يُكمَّم قطّ، والأخ كُمِّم مرّةً مساويًا | ثابتٌ باستقراءٍ تامّ |
| تسوية ٤: ١٢ تُبطل اطّراد التضعيف | دلالةٌ صحيحة |
| «حظّ الأنثيين» نصيبُ كلِّ واحدة لا نصيبُهما مجتمعتين | لم يثبت — وهو محلّ النزاع |
والاعتراض الوارد على الدعوى الأخيرة، ويجب إثباته لا إغفاله: أن المخالف يوافق على أن الأنثى وحدة القياس، ولذلك قال إن الذكر يأخذ ضِعفها. فالمعياريّة ثابتة في القولين معًا، والخلاف في مقدار ما يُقاس لا في اتجاه القياس. ولا يُدفع هذا الاعتراض بشيء من الوجوه الأربعة المتقدّمة، وإنما يحتاج دليلًا على أن الإضافة إلى المثنّى هنا توزيعيّة لا جمعيّة — وظاهر الإضافة إلى المثنّى المعرَّف أنها جمعيّة، كما في «مال الرجلين» و«دار الأخوين».
فالوجوه الأربعة الأولى مكسبٌ متين، والخامسة قراءةٌ محتملة يرجّحها اقتصاد التفسير — لا نتيجةٌ لازمة عمّا قبلها. وتُعرض بهذا الفصل قصدًا، لأن تقديمها لازمةً يُسقطها ويُسقط معها ما هو ثابت.
٩. قاعدة النسبة
تسري على الأولاد وعلى الأحفاد، ولا تسري على الإخوة — وبيان ذلك في آخر هذا القسم. وهي:
• إذا لم يزد عدد الإناث على ضعف عدد الذكور: التسوية على الرؤوس.
• إذا زاد: للإناث الثلثان مجتمعات وللذكور الثلث.
• إذا لم يكن ذكر أصلًا: التسوية بين الإناث، إذ لا نسبة بغير طرفين.
ولماذا لا تسري على الإخوة؟ لأن السقف الذي يُنتج التفاضل — وهو «فإن كنّ نساءً فوق اثنتين فلهنّ ثلثا ما ترك» — منصوصٌ في آية الأولاد، ولا نظير له في ٤: ١٧٦. فالأخيرة نصّت على الأخت الواحدة والأختين ثم عمّمت بقوله «وإن كانوا إخوةً رجالًا ونساءً»، ولم تذكر سقفًا لما زاد. فتبقى التسوية مطّردة في الإخوة، ولا يُحمل حكم آيةٍ على أخرى بلا لفظ.
ووظيفة الجملة الأخيرة في ٤: ١٧٦ أنها تُعمّم الحكم على تعدّد الذكور: فالجملتان قبلها مبنيّتان على أخٍ واحد يقابل أختًا أو أختين، والثالثة انتقلت إلى «رجالًا ونساءً» بصيغة الجمع. فهي مدُّ حكمٍ لا تكرارٌ له.
وتناظرها بين الآيتين شاهدٌ لها في حدوده: صيغة «للذكر مثل حظ الأنثيين» ترد باللفظ نفسه في ٤: ١١ وفي ٤: ١٧٦، والبنية معكوسة الترتيب. وإذا طُبّقت القاعدة على الصنف منفردًا بالتركة، أنتجت النصف عند أنثى واحدة والثلثين عند اثنتين — وهما الكسران المنصوصان في ٤: ١٧٦، خرجا من الحساب ولم يُدخَلا فيه.
غير أن التناظر لفظيٌّ وبنيويّ، لا في الحكم فوق العتبة. فآية الأولاد ذكرت سقفًا للإناث، وآية الإخوة لم تذكره. فيفترق الحكمان فيما زاد على الضِّعف: تنتقل قسمة الأولاد إلى الثلثين والثلث، وتستمرّ التسوية بين الإخوة. والفرق مستنده اللفظ لا الترجيح.
ويتكامل النصّان: الأولى تنصّ على الواحدة وعلى ما فوق اثنتين وتسكت عن الاثنتين، والثانية تنصّ على الاثنتين. فما سكتت عنه إحداهما نصّت عليه الأخرى.
وعند العتبة تمامًا — ذكرٌ ومعه أنثيان — تتطابق الصيغتان: بالتسوية لكلٍّ الثلث، وبقسمة الثلثين للأنثيين الثلث لكل واحدة وللذكر الثلث. فلا انقطاع في القسمة عند حدّ التحوّل.
الحجّة الأولى — النصّ يقرّر التسوية والتضعيف كليهما. استقراءُ كل موضعٍ صرّح فيه القرآن بنسبةٍ بين ذكر وأنثى في المواريث يُظهر أن الحكم يتغيّر بتغيّر التركيبة:
| الموضع | الذكر | الأنثى | النسبة |
|---|---|---|---|
| الأبوان مع الولد — «لكل واحد منهما السدس» | السدس | السدس | ١ : ١ |
| الأخ والأخت — «فلكل واحد منهما السدس» | السدس | السدس | ١ : ١ |
| الزوج والزوجة بلا ولد | النصف | الربع | ٢ : ١ |
| الزوج والزوجة مع الولد | الربع | الثمن | ٢ : ١ |
وضبطُ الدلالة أدقُّ من ذلك: النصّ يُصرّح بالتسوية بين الذكر والأنثى في ثلاثة مواضع، كلُّها داخل الصنف الواحد: الأبوان «لكل واحد منهما السدس»، والأخ والأخت «فلكل واحد منهما السدس»، والجماعة «فهم شركاء في الثلث». ولا يُصرّح بالتضعيف بين ذكرٍ وأنثى من صنفٍ واحد في موضعٍ واحد. أما كسور الأزواج فتفاضلٌ بين صنفين مختلفين — زوجٍ وزوجة — لا بين فردين من صنف.
ويلزم من ذلك أمران: أن نسبة الاثنين إلى الواحد ليست قاعدةً عامة في القرآن؛ وأن كلّ تصريحٍ بالتسوية داخل الصنف الواحد إنما جاء تسويةً لا تفاضلًا. فمن ردّ هذه القراءة بأن الضعف أصلٌ مقرَّر فقد أهمل السدسين في الأبوين والأخوين، وأهمل لفظ «شركاء».
ويؤيّده أثرٌ عمليّ: أن مستند رجوع عمر في المسألة المشرَّكة كان استواءَ الصلة لا نصًّا ولا قياسًا، إذ قال له أحد الأشقّاء: «هب أنّ أبانا كان حجرًا، ألسنا بني أمٍّ واحدة؟» فشرّكهم في الثلث. فالحجّة التي أقنعته كانت التسوية في القرابة.
ويُلاحظ أن موضع الأبوين واقعٌ في الآية نفسها التي فيها «للذكر مثل حظ الأنثيين»، فلا يُدفع بأنه من سياقٍ آخر.
الحجّة الثانية — إفراد الأخ والأخت بالسدس. قال في ٤: ١٢: «وله أخ أو أخت فلكل واحد منهما السدس»، فسوّى بين الذكر والأنثى في الكسر تسويةً صريحة، ثم قال: «فهم شركاء في الثلث»، فأطلق الشركة بلا تفريق. فثبت بنصّ القرآن أن التسوية بين الذكر والأنثى واقعةٌ في بعض صور الميراث، وأن نسبة الاثنين إلى الواحد ليست قاعدةً مطّردة في كل موضع.
وأثرها: أن أقوى ما يُعترض به على هذه القراءة — أن التسوية تخالف أصلًا قرآنيًّا مقرَّرًا — يسقط من داخل النص نفسه. وحدُّها: أنها تُثبت جوازَ التسوية ووقوعَها، ولا تُثبت بذاتها العتبةَ التي تنتقل عندها القسمة إلى الثلثين والثلث، فتلك مأخوذة من ٤: ١١ و٤: ١٧٦. فدرجتها دافعةٌ للاعتراض لا مقيمةٌ للدليل.
والاعتراض عليها: أن الجمهور حملوا هذه التسوية على الإخوة لأم خاصةً، فلا تكون قاعدة عامة. والجواب: أن هذا التخصيص لا لفظ له في الآية، وإنما جاء من خارجها، وهو داخل في الدرجة الأولى من إشكاليات الفقه الموروث المبيَّنة في القسم الثاني.
الحجّة السادسة — سكوت النص عن نصيب الذكر، على سبيل الترجيح لا الإلزام. قدّر النصّ نصيب الأنثى في حالين: «فوق اثنتين» و«واحدة»، ولم يُقدّر نصيب الذكر منفردًا ولا متعددًا في موضع واحد.
ولهذا السكوت تفسيران: أن يكون الذكر آخذًا للباقي فلا يُحتاج إلى تقدير نصيبه — وهو تفسير القراءة السائدة؛ أو أن يكون ملحوظًا في التقدير دائمًا، فيكون التفريعان وصفًا لنسبةٍ لا حصرًا لحالة — وهو المعتمد هنا. والتفسيران معًا يُفسّران السكوت، فلا يصحّ دعوى الإلزام بأحدهما.
ووجه الترجيح: الاقتصاد في التفسير. فعلى القراءة السائدة يلزم عند انفراد الإناث ألّا يوجد آخذٌ للباقي، فتبقى فجوةٌ — نصفٌ أو ثلث — بلا مالك. ولهذا اضطُرّ النظام الموروث إلى استحداث التعصيب لملء الفجوة، ثم إلى الردّ حين لم يجد عاصبًا. وعلى القراءة المعروضة هنا لا تنشأ الفجوة أصلًا، فلا يُحتاج إلى الآليتين. فالقراءتان تُفسّران السكوت، غير أن إحداهما تحتاج آليتين مضافتين والأخرى لا تحتاج شيئًا.
والاعتراض عليه: أن ٤: ١٧٦ سدّت هذه الفجوة بقولها «وهو يرثها إن لم يكن لها ولد»، فنصّت على الذكر المنفرد، فيُحمل سكوت ٤: ١١ على بيانها ويكون الذكر آخذًا للجميع. والجواب المعتمد هنا: أن «وهو يرثها» تقريرٌ لتبادل التوارث بين الأخ وأخته بالمقدار نفسه لا تقديرٌ لنصيبه، بدليل تناظر الشرطين «ليس له ولد» و«إن لم يكن لها ولد»، وبدليل عودة الآية فورًا إلى التفريع النسبي — ولو كان المقصود حيازته الكلَّ استقلالًا لما احتيج إلى العود إلى القاعدة. ويُضاف أن هذه الجملة لم تتكرر في آية الأولاد، والتوارث بين الأخوين متبادل بطبعه بخلاف الأصل والفرع.
١٠. خوارزمية القسمة
تُنفَّذ الخطوات بالترتيب. ويُراد بـ«الفرع الوارث» الولدُ أو ولدُ الولد، وبـ«الكلالة» أن لا يكون للميت فرعٌ وارث.
| الخطوة | الإجراء |
|---|---|
| ١ | تُخرج الوصية والدَّين من التركة، والباقي هو محلّ القسمة. |
| ٢ | الزوج: النصف إن لم يكن فرعٌ وارث، والربع إن كان. والزوجة: الربع إن لم يكن فرع، والثمن إن كان. والكسر من كامل التركة. |
| ٣ | الأبوان: السدس لكل واحد إن كان فرعٌ وارث أو إخوة — حضرا معًا أو انفرد أحدهما. فلا يتولّى أحدهما نصيبَ الآخر بغيابه، إذ النصّ قدَّر لكلٍّ منهما كسرَه بعينه: ﴿لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ﴾، ولم يجعلهما كتلةً واحدة. والباقي لمن يأخذه من الأولاد أو الإخوة. |
| ٤ | فإن لم يكن فرعٌ ولا إخوة: للأم الثلث، والأب آخذُ الباقي. فإن لم يكن أب رُدّ الباقي على الأم والزوج بنسبة كسريهما. |
| ٥ | يُحسب مستوى الأولاد من الأحياء ومن مات منهم وترك فرعًا، ويُقسم الباقي بينهم بقاعدة النسبة، ثم يُنقل نصيب كل متوفّى إلى أبنائه فيُقسم بينهم بالقاعدة نفسها. |
| ٦ | فإن لم يكن في مستوى الأولاد أحد، أخذ الباقيَ أوّلُ موجودٍ من هذه السلسلة: الإخوة، فالأب، فالأجداد، فأبناء الإخوة، فالأعمام والأخوال، فأبناء العمومة والخؤولة. |
| ٧ | قسمة الأولاد والأحفاد بقاعدة النسبة. وقسمة الإخوة وأبناء الإخوة وأبناء العمومة بالتسوية. والأعمام والأخوال: النصف لكل جهة وبقاعدة النسبة داخلها. |
| ٨ | الإخوة لا يرثون مع فرعٍ وارث — ولدًا كان أو ولدَ ولد — لأنهم إنما يرثون في الكلالة. |
| ٩ | الأجداد لا كسر مسمّى لهم، فهم آخذو باقٍ مؤخَّرون: يحجبهم الأبوان حجبَ حرمان، ولا يفضل لهم شيء مع الفرع الوارث ولا مع الإخوة. |
| ١٠ | الزوج أو الزوجة يشارك من الأولاد إلى الأجداد، ولا يشارك من بعدهم؛ فإن لم يبقَ إلا من دونهم رُدّ عليه الباقي. |
| ١١ | فإن لم يوجد وارثٌ ألبتّة: تُصرف التركة في مصالح المسلمين العامة أو خزينة الدولة. |
ولا يقع في هذا النظام عَولٌ في صورةٍ واحدة، لأن في كل مشهدٍ آخذًا للباقي. وأما الردّ فيقع في موضعين لا آخذ للباقي فيهما: الزوج مع الإخوة بلا أبوين، والأم عند انعدام الأب والفرع والإخوة.
جدول شامل بمواضع الورثة
| الوارث | كسره المسمّى | متى يأخذ الباقي | من يحجبه |
|---|---|---|---|
| الزوج | النصف بلا فرعٍ وارث · الربع معه | بالردّ عند انعدام كل وارث | لا يُحجب |
| الزوجة | الربع بلا فرعٍ وارث · الثمن معه | بالردّ عند انعدام كل وارث | لا تُحجب |
| الأم | الثلث بلا فرعٍ ولا إخوة · السدس مع الفرع أو الإخوة — حضر الأب أو غاب | بالردّ عند انعدام الأب والفرع والإخوة | لا تُحجب |
| الأب | السدس مع الفرع أو الإخوة — حضرت الأم أو غابت | عند انعدام الفرع والإخوة | لا يُحجب |
| الابن والبنت | لا كسر — بقاعدة النسبة | دائمًا | لا يُحجبان |
| الحفيد والحفيدة | لا كسر — يأخذان نصيب الأصل بالنيابة | متى مات أبوهما أو أمّهما | لا يُحجبان إن مات أصلهما · ولا يرثان إن كان حيًّا |
| الإخوة والأخوات | السدس أو الثلث في مشهد الزوج بلا أبوين | في الكلالة — أي عند انعدام الفرع الوارث | الفرعُ الوارث: الولدُ أو ولدُ الولد |
| الجدّ والجدّة | لا كسر | عند انعدام الأبوين والفرع والإخوة | الأبوان · الفرع الوارث · الإخوة |
| ابن الأخ وبنته | لا كسر | عند انعدام من سبق | من سبق · والزوج أو الزوجة |
| العمّ والعمّة · الخال والخالة | لا كسر | عند انعدام من سبق — النصف لكل جهة | من سبق · والزوج أو الزوجة |
| أبناء العمومة والخؤولة | لا كسر | آخر المراتب | من سبق · والزوج أو الزوجة |
| أولو القربى واليتامى والمساكين | لا كسر — رزقٌ وقولٌ معروف | حقٌّ في مجلس القسمة بنصّ ٤: ٨ | لا يُحجبون عن الرزق |
١١. جدول القواعد وأدلتها
| القاعدة | الدليل | الدرجة |
|---|---|---|
| الوصية واجبة لمن ترك مالًا، لوالديه وأقربيه بالمعروف | «كُتِبَ عَلَيْكُمْ … حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ» (البقرة ١٨٠)، ولا يُقضى بنسخها | منصوص |
| تقديم الوصية والدَّين | ٤: ١١ و٤: ١٢ | منصوص |
| الزوج والزوجة: كسورهما الأربعة | ٤: ١٢ | منصوص |
| الأبوان: السدس لكل واحد مع الولد — ولا يتولّى أحدهما نصيبَ الآخر بغيابه | ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ﴾ — و«لكل واحد منهما» تقديرٌ لكلٍّ على حِدَته، لا لمجموعهما | منصوص |
| الأم: الثلث بلا ولد، والسدس مع الإخوة — حضر الأب أو غاب | ٤: ١١ | منصوص |
| الحفيد يرث بالنيابة عن أبيه المتوفّى ويشارك أعمامه | سياق حفظ الذرّيّة الضعاف (٤: ٩) وحفظ مال اليتيم (٤: ٢ و٦ و١٠)، مع عموم «الأقربون» وترتيب «أولو الأرحام» | إضافة |
| لفظ «أولادكم» يشمل الذرّيّة | استعمال العربية لفظ البنوّة في الذرّيّة البعيدة، كـ«يا بني آدم» و«يا بني إسرائيل» | إضافة |
| الأولاد لهم «حظّ» لا «نصيب مفروض» | استقراء مواضع اللفظين في آيات المواريث | مستنبط |
| اتّجاه آية النسبة إنصافيّ لا تقليليّ | سبب النزول: النازلة في بنتين استولى العمّ على مالهما — مؤيِّدٌ للمقصد لا دليلٌ على المقدار | إضافة |
| الحفيد فرعٌ وارث يحجب الإخوة وينقص كسر الزوج والأبوين | الكلالة أن لا يكون للميت فرعٌ وارث، والحفيد فرعٌ | مستنبط |
| من مات من الأولاد بلا فرع لا يُنزَّل ولا يُحسب | لا نيابة بغير نائب | مستنبط |
| الأجداد آخذو باقٍ لا أصحاب كسر، يحجبهم الأبوان والفرع والإخوة | لازم من الأصل الحاكم: لم يُسمَّ لهم كسر، ولا يجتمع آخذان للباقي | مستنبط |
| «إخوة» اسم جنس، فيكفي أخٌ واحد في خفض الأم | تجريد اللفظ من القيد العدديّ مع اطّراد التنصيص على العدد في السياق | إضافة |
| الإخوة: السدس أو الثلث في مشهد الزوج | ٤: ١٢ | منصوص |
| الكلالة المعرَّفة: من لا ولد له | ٤: ١٧٦ تعرّف نفسها | منصوص |
| الأولاد والإخوة آخذو الباقي | لازم من سكوت النص عن كسرٍ يقابلون به غيرهم مع إثبات إرثهم | مستنبط |
| الأب يأخذ الباقي عند انفراده | بمقتضى «وورثه أبواه» لا بالتعصيب؛ وسدسه المنصوص باقٍ على حاله | مستنبط |
| الأب يعود إلى السدس مع الإخوة | قياس على التسوية المقرَّرة بين الأبوين في «لكل واحد منهما» | مستنبط |
| التفريق بين الكلالة المنكَّرة والمعرَّفة | التنكير في ٤: ١٢ والتعريف في ٤: ١٧٦ | إضافة |
| قاعدة النسبة عتبةً لا كسرًا ثابتًا | قراءة «حظ الأنثيين»، القسم الثامن | إضافة |
| الردّ النسبي حيث لا آخذ للباقي | لا نصّ فيه، ويوافق ما عليه العمل عند من أخذ بالردّ | إضافة |
| الطبقات الأربع المؤخَّرة وترتيبها | «الأقربون» في ٤: ٧ للاستحقاق، و«أولو الأرحام بعضهم أولى ببعض» في الأنفال ٧٥ للترتيب بالأقربيّة. وقياس أنصبتهم على الأولاد والأبوين والإخوة | إضافة |
| الأجداد يرثون بلا تفريق بين جهة الأب وجهة الأم | لم يفرّق النصّ بينهما في موضعٍ واحد | مستنبط |
| الإخوة يرثون بلا تفريق بين شقيق ولأب ولأم | لا تفريق بينهم في النص | مستنبط |
| الأولاد والأجداد بالاتصال بالنسب لا بالتبنّي | «وما جعل أدعياءكم أبناءكم» · «ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله» (الأحزاب ٤ و٥) | مستنبط |
١٢. أمثلة تطبيقية
التركة في جميع الأمثلة ٣٦٠٬٠٠٠ وحدة، بعد إخراج الوصية والدَّين.
| التركيبة | القسمة |
|---|---|
| أبوان + 3 بنات | الأم ٦٠٬٠٠٠ · الأب ٦٠٬٠٠٠ · كل بنت ٨٠٬٠٠٠ (البنات الثلثان بالضبط) |
| زوجة + أبوان + ابن + بنت | الزوجة ٤٥٬٠٠٠ · الأم ٦٠٬٠٠٠ · الأب ٦٠٬٠٠٠ · الابن ٩٧٬٥٠٠ · البنت ٩٧٬٥٠٠ |
| أبوان + ابن + 3 بنات | الأم ٦٠٬٠٠٠ · الأب ٦٠٬٠٠٠ · الابن ٨٠٬٠٠٠ · كل بنت ٥٣٬٣٣٣ |
| زوج + أبوان + أخ واحد | الزوج ١٨٠٬٠٠٠ · الأم ٦٠٬٠٠٠ · الأب ٦٠٬٠٠٠ · الأخ ٦٠٬٠٠٠ (السدس نصًّا، والمجموع واحد صحيح) |
| أبوان + 3 إخوة | الأم ٦٠٬٠٠٠ · الأب ٦٠٬٠٠٠ · كل أخ ٨٠٬٠٠٠ |
| أبوان + أخ + ٤ أخوات | الأم ٦٠٬٠٠٠ · الأب ٦٠٬٠٠٠ · لكلٍّ من الإخوة ٤٨٬٠٠٠ (بالتسوية) |
| زوج + أبوان + أخ + ٤ أخوات | الزوج ١٨٠٬٠٠٠ · الأم ٦٠٬٠٠٠ · الأب ٦٠٬٠٠٠ · لكلٍّ من الإخوة ١٢٬٠٠٠ |
| زوج + أخ واحد (بلا أبوين) | الأخ السدس ثم يُردّ الباقي بالتناسب: الزوج ٢٧٠٬٠٠٠ · الأخ ٩٠٬٠٠٠ |
| زوج + 3 إخوة (بلا أبوين) | الإخوة الثلث ثم الردّ: الزوج ٢١٦٬٠٠٠ · كل أخ ٤٨٬٠٠٠ |
| أخ + أخت (لا وارث سواهما) | ١٨٠٬٠٠٠ لكلٍّ — الأخت النصف نصًّا |
| أخ + أختان | ١٢٠٬٠٠٠ لكلٍّ — الأختان الثلثان نصًّا |
| أخ + ٤ أخوات | ٧٢٬٠٠٠ لكلٍّ — بالتسوية، إذ لا سقفَ منصوصًا في ٤: ١٧٦ |
| أبوان (بلا ولد ولا إخوة) | الأم ١٢٠٬٠٠٠ · الأب ٢٤٠٬٠٠٠ |
| زوج + أم (بلا أب ولا إخوة) | ردّ نسبي: الزوج ٢١٦٬٠٠٠ · الأم ١٤٤٬٠٠٠ |
| ابن حيّ + ابن متوفّى له ابن وبنت | الابن الحيّ ١٨٠٬٠٠٠ · وحفيداه ٩٠٬٠٠٠ لكلٍّ — بالنيابة |
| بنت حيّة + ابن متوفّى له ابن | البنت ١٨٠٬٠٠٠ · الحفيد ١٨٠٬٠٠٠ |
| زوجة + أبوان + ابن حيّ + ابن متوفّى له ابنان | الزوجة ٤٥٬٠٠٠ · الأبوان ٦٠٬٠٠٠ لكلٍّ · الابن الحيّ ٩٧٬٥٠٠ · الحفيدان ٤٨٬٧٥٠ لكلٍّ |
| ابن حيّ + بنت متوفّاة لها ابن وبنت | الابن ١٨٠٬٠٠٠ · ولدا البنت ٩٠٬٠٠٠ لكلٍّ — ويستوي ولد الابن وولد البنت |
| ابن متوفّى له حفيد وحفيدة + أخوان | لكلٍّ من الحفيدين ١٨٠٬٠٠٠ · والأخوان محجوبان بالفرع الوارث |
| ابن متوفّى له حفيد وحفيدة + جدّ وجدّة | لكلٍّ من الحفيدين ١٨٠٬٠٠٠ · والجدّان محجوبان بالفرع الوارث |
| زوج + ابن متوفّى له حفيد وحفيدة | الزوج ٩٠٬٠٠٠ · لكلٍّ من الحفيدين ١٣٥٬٠٠٠ |
| جدّ + جدّة (ولا وارث من قبلهما) | الجدّة ١٢٠٬٠٠٠ · الجدّ ٢٤٠٬٠٠٠ |
| زوجة + جدّ + جدّة | الزوجة ٩٠٬٠٠٠ · الجدّة ١٢٠٬٠٠٠ · الجدّ ١٥٠٬٠٠٠ |
| زوج + ابن أخ + بنت أخ | الزوج ١٨٠٬٠٠٠ · لكلٍّ منهما ٩٠٬٠٠٠ |
| زوج + عمّ + عمّتان | الزوج ١٨٠٬٠٠٠ · لكلٍّ منهم ٦٠٬٠٠٠ |
| أربعة أجداد + حفيد + حفيدة | كل جدّ وجدّة ٣٠٬٠٠٠ · لكل حفيد ١٢٠٬٠٠٠ |
| أربعة أجداد فقط | كل جدّة ٦٠٬٠٠٠ · كل جدّ ١٢٠٬٠٠٠ |
| عمّ + عمّتان + خال + خالة | كل عمّ وعمّة ٦٠٬٠٠٠ · كل خال وخالة ٩٠٬٠٠٠ |
أمثلة بصيغة الحكاية — لمن أراد أن يرى النظام في الواقع
التركة في كل مثال ٣٦٠٬٠٠٠ وحدة، بعد سداد الدَّين وتنفيذ الوصية. ويُذكر إلى جانب كل قسمةٍ ما يقوله المذهب المشهور، ليتبيّن موضع الاتفاق من موضع الاختلاف.
١. رجلٌ مات وترك زوجته وأبويه وابنًا وبنتًا
| الوارث | هذه القراءة | المشهور |
|---|---|---|
| الزوجة | ٤٥٬٠٠٠ | ٤٥٬٠٠٠ |
| الأم | ٦٠٬٠٠٠ | ٦٠٬٠٠٠ |
| الأب | ٦٠٬٠٠٠ | ٦٠٬٠٠٠ |
| الابن | ٩٧٬٥٠٠ | ١٣٠٬٠٠٠ |
| البنت | ٩٧٬٥٠٠ | ٦٥٬٠٠٠ |
الزوجة والأبوان يأخذون أنصبتهم المسمّاة أولًا، ثم يقتسم الولدان ما بقي. ولمّا كانت البنت واحدة في مقابلة ابنٍ واحد — ولم يزد عدد الإناث على ضعف الذكور — وقعت التسوية بينهما. وهنا يقع الاختلاف: المشهور يجعل للابن ضعف أخته في كل حال.
٢. امرأةٌ ماتت وتركت زوجها وأبويها وثلاث بنات
| الوارث | هذه القراءة | المشهور |
|---|---|---|
| الزوج | ٩٠٬٠٠٠ | ٧٢٬٠٠٠ |
| الأم | ٦٠٬٠٠٠ | ٤٨٬٠٠٠ |
| الأب | ٦٠٬٠٠٠ | ٤٨٬٠٠٠ |
| كل بنت | ٥٠٬٠٠٠ | ٦٤٬٠٠٠ |
هنا يظهر أثر العَوْل: مجموع الأنصبة في المشهور يزيد على التركة، فيُخفَّض نصيب الجميع بنسبة واحدة، فينزل الزوج عن ربعه المنصوص. وعلى هذه القراءة لا تقع الزيادة أصلًا، فيأخذ كلٌّ نصيبه كاملًا ويقتسم البنات ما بقي.
٣. رجلٌ مات وترك بنتًا واحدة وعمًّا
| الوارث | هذه القراءة | المشهور |
|---|---|---|
| البنت | ٣٦٠٬٠٠٠ | ١٨٠٬٠٠٠ |
| العمّ | لا شيء | ١٨٠٬٠٠٠ |
أوضح مواضع الافتراق. المشهور يعطي البنت نصفها ثم يدفع النصف الآخر إلى العمّ بقاعدة التعصيب. وعلى هذه القراءة تأخذ البنت المال كله، والعمّ من طبقةٍ لا ترث مع وجود الولد. وهذا هو المذهب الجعفري — فقه الإمامية الاثنا عشرية أيضًا.
٤. رجلٌ مات وترك زوجته وثلاث بنات، ولا أبوين له
| الوارث | هذه القراءة | المشهور |
|---|---|---|
| الزوجة | ٤٥٬٠٠٠ | ٤٥٬٠٠٠ |
| كل بنت | ١٠٥٬٠٠٠ | ١٠٥٬٠٠٠ |
لا اختلاف هنا البتّة. ويُذكر هذا المثال قصدًا، لئلا يُظنّ أن القراءة تخالف المشهور في كل شيء. فالاتفاق واسع، والخلاف محصور في مواضع بعينها.
٥. رجلٌ لا ولد له، مات وترك أبويه وثلاثة إخوة
| الوارث | هذه القراءة | المشهور |
|---|---|---|
| الأم | ٦٠٬٠٠٠ | ٦٠٬٠٠٠ |
| الأب | ٦٠٬٠٠٠ | ٣٠٠٬٠٠٠ |
| كل أخ | ٨٠٬٠٠٠ | لا شيء |
المشهور يحجب الإخوة بالأب حجبَ حرمان، فلا ينالون شيئًا مع أن وجودهم هو الذي خفّض نصيب الأم من الثلث إلى السدس. وعلى هذه القراءة يرثون، ويعود الأب إلى السدس كأمّه. وهذا موضعٌ يفترق فيه هذا النظام عن المذهبين السنّي والجعفري معًا.
٦. امرأةٌ لا ولد لها ولا زوج ولا أبوان، ماتت وتركت أخًا وأربع أخوات
| الوارث | هذه القراءة | المشهور |
|---|---|---|
| الأخ | ٧٢٬٠٠٠ | ١٢٠٬٠٠٠ |
| كل أخت | ٧٢٬٠٠٠ | ٦٠٬٠٠٠ |
التسوية هنا لأن آية ٤: ١٧٦ لم تذكر للأخوات سقفًا نظيرَ «فوق اثنتين» في الأولاد، فلا موجب للانتقال إلى التفاضل. والمشهور يقسم بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين في كل عدد.
٧. رجلٌ مات ولم يترك إلا زوجته وأمّه
| الوارث | هذه القراءة | المشهور |
|---|---|---|
| الزوجة | ١٥٤٬٢٨٦ | ٩٠٬٠٠٠ |
| الأم | ٢٠٥٬٧١٤ | ٢٧٠٬٠٠٠ |
لا يوجد هنا آخذٌ للباقي، فيُردّ الفاضل على صاحبَي الكسرين بنسبة كسريهما. والمشهور يُخرج الزوجة من الردّ فتقف عند ربعها، وهذه القراءة تُدخلها فيه لأن كسرها منصوص كغيره. وهذا موضعٌ يُطلب فيه النظر، لأنه يجعل نصيبها يتجاوز الربع المسمّى.
٨. رجلٌ مات وله ابنٌ حيّ، وابنٌ آخر مات في حياته وترك ابنًا وبنتًا
| الوارث | هذه القراءة | المشهور |
|---|---|---|
| الابن الحيّ | ١٨٠٬٠٠٠ | ١٨٠٬٠٠٠ |
| حفيدٌ من الابن المتوفّى | ٩٠٬٠٠٠ | لا شيء |
| حفيدةٌ من الابن المتوفّى | ٩٠٬٠٠٠ | لا شيء |
هنا أوضح أثرٍ للنيابة. فالابن المتوفّى وحدةٌ في مستوى الأولاد كأخيه الحيّ، فنصيبه ١٨٠٬٠٠٠ يؤول إلى ولديه. وفي المشهور يحجبهما عمُّهما الحيّ فلا ينالان شيئًا، وهي الصورة التي استُحدثت لها «الوصيّة الواجبة» في قوانين الأحوال الشخصية.
ولو كان الفرعُ من بنتٍ متوفّاة لا من ابن، لم يتغيّر شيء في هذه القراءة — ويستوي ولد الابن وولد البنت. أما في المشهور فأولاد البنت من ذوي الأرحام فلا يرثون على المشهور، وتذهب التركة إلى الابن الحيّ كلها.
١٣. اختبار النظام على المسائل المشهورة
تنبيه على التسمية: يُراد بـ«المذهب السنّي» ما اتّفقت عليه المذاهب الأربعة أو جرى عليه جمهورها، ويُراد بـ«المذهب الجعفري» فقه الإمامية الاثنا عشرية. وقد اختير لفظ «الجعفري» في المقابلة لأنه اسم المذهب الفقهيّ المعترَف به في الفقه المقارن وفي القضاء، وهو المقابل لتسمية «المذاهب الأربعة»؛ أما لفظ «الإمامية» فهو المستعمل في كتب المذهب نفسها عند تقرير المسائل، فيُستخدم هنا في نقل الأقوال.
الأرقام المقابلة مذكورة على ما اشتُهر في كتب الفرائض، ويُرجى التحقق منها من مظانّها الأصلية.
زوج وأم وأب (العُمَريتان)
| الوارث | هذا النظام | المشهور |
|---|---|---|
| الزوج | ١٨٠٬٠٠٠ | ١٨٠٬٠٠٠ |
| الأم | ١٢٠٬٠٠٠ | ٦٠٬٠٠٠ |
| الأب | ٦٠٬٠٠٠ | ١٢٠٬٠٠٠ |
النظام يعطي الأم ثلث كامل التركة عملًا بظاهر «فلأمه الثلث»، والمشهور عن عمر وزيد بن ثابت أن لها ثلث الباقي، بينما نُقل عن ابن عباس القول بظاهر اللفظ كما هنا.
زوج وأم وثلاثة إخوة (المشرَّكة)
النظام: للزوج ١٨٠٬٠٠٠، وللأم ٦٠٬٠٠٠، ولكل أخ ٤٠٬٠٠٠، والمجموع واحد صحيح. واشتهار المسألة إنما جاء من التفريق بين الإخوة الأشقاء والإخوة لأم، وهو تفريق لا يرد في القرآن، فلا تنشأ المسألة أصلًا.
زوج وأم وجدّ وأخت (الأكدرية)
الجدّ لا يرث في هذا النظام مع وجود وارث من الطبقة الأولى، فتؤول المسألة إلى زوج وأم وأخت: للزوج ١٨٠٬٠٠٠، وللأم ٦٠٬٠٠٠، وللأخت ١٢٠٬٠٠٠. والمسألة كلها قائمة على قواعد مزاحمة الجدّ للإخوة، وهي مبنيّة على غير النص.
١٤. الحاسبة التطبيقية — تنفيذُ هذه القسمة وعرضُها بإزاء المذهبين
ما تقدَّم في الأقسام السابقة قواعدُ وأدلّة وأمثلة محسوبة باليد. وقد نُفِّذت هذه القواعد في حاسبةٍ تعمل في المتصفّح، تعرض القسمة على ثلاثة أعمدة متقابلة: هذه القراءة، والمذهب السنّي على ما استقرّ عليه الأئمة الأربعة، والمذهب الجعفريّ. وعند اختلاف الأعمدة تُبيِّن الحاسبةُ سببَ الاختلاف ودليلَ كلّ مذهب فيه.
← افتح حاسبة المواريث: المقارنة بين المذاهب الثلاثةتُدخِل الورثة فتُخرج القسمة على ثلاثة أعمدة، مع دليل كلّ حكم وسبب الاختلافووجهُ إدراجها في هذه الوثيقة أنّ القواعد المجرَّدة يَسهُل التسليمُ بها ويَصعُب تتبُّع لوازمها. فالحاسبة تُعرِّض هذه القراءةَ للاختبار في كلّ تركيبةٍ يجرّبها الناظر، لا في الأمثلة التي اختارها كاتبُها. ومن ردَّ قاعدةً منها فله أن يُظهر بالتجربة أين تؤدّي إلى نتيجةٍ لا تستقيم.
ما تُبيِّنه الحاسبة عند الاختلاف
| ما تعرضه | الغرض منه |
|---|---|
| الأنصبة في الأعمدة الثلاثة جنبًا إلى جنب | بيان موضع الاتفاق قبل موضع الاختلاف — وهو في أكثر التركيبات اتفاق |
| سبب الاختلاف في كل تركيبة | ردُّ الخلاف إلى مأخذه: تعصيبٌ، أو عَولٌ، أو تخصيصُ لفظ، أو قاعدةُ نسبة |
| دليل كل حكم ودرجته | تمييزُ المنصوص من المستنبط من الاجتهاديّ في كلّ سطرٍ من سطور القسمة |
حدودها
الحاسبة أداةُ بيانٍ وتجربة، لا فتوى ولا قسمةً مُلزِمة. وهي تُنفِّذ هذه القراءة على ما قُرِّر في هذه الوثيقة، فما فيها من اجتهادٍ فهو فيها، وما عليها من اعتراضٍ فهو عليها — والمواضع التي يُطلب فيها النظر مسجَّلةٌ في القسم السادس عشر. وقد اختُبرت بمسحٍ شاملٍ يتحقّق من أنّ مجموع الأنصبة في كلّ تركيبة واحدٌ صحيح، وبمطابقةِ نتائجها على المسائل المشهورة في القسم الثالث عشر.
١٥. من سبق إلى هذا القول
لا يُقدَّم هذا النظام على أنه ابتداءٌ من فراغ، فقد سبق إلى أجزائه علماء وباحثون.
عبد الله بن عباس
أنكر العول بحجّة حسابية حاصلها أنه لا يكون في المال نصف ونصف وثلث. ونُقل عنه أن أول من أعال الفرائض عمر بن الخطاب. وبديله يقارب الأصل الحاكم هنا: أن يُقدَّم من قدّمه الكتاب ويُؤخَّر من أخّره، وأن يدخل النقص على من أخّرهم الله. وتبعه داود الظاهري وابن حزم، ونُقل ذلك عن محمد بن الحنفية ومحمد بن علي بن الحسين وعطاء. وموقف الأم في العُمَريتين منسوب إليه.
محمد شحرور (١٩٣٨ – ٢٠١٩)
صاحب «الكتاب والقرآن: قراءة معاصرة» (١٩٩٠). قرأ «للذكر مثل حظ الأنثيين» على أن للذكر مثل حظ كل واحدة من أختيه، أي المساواة، وأن الذكر لا يأخذ الضعف إلا في تركيبة ذكر واحد مقابل أربع إناث — وهو الرقم الذي تُنتجه قاعدة هذه الوثيقة نفسها. وقد نُقد نقدًا واسعًا، وأشهر ما وُجّه إليه أن «مثل حظ الأنثيين» يعني حصتهما مجتمعتين.
سامر إسلامبولي
بنى نظامًا طبقيًّا مماثلًا في آليته بترتيب أولوية معكوس، ووافق ما هنا في رفض العول. ويفارقه في جعل صدر ٤: ١١ نصَّ وصيةٍ لا ميراث، وفي إخراج ألفاظ «ذكر» و«أنثى» من الدلالة على النوع.
التيار القرآني
الاكتفاء بالقرآن مصدرًا للتشريع مذهب قديم متجدد، ومن أعلامه أحمد صبحي منصور بمصر، وحركة «أهل القرآن» في شبه القارة ومن أعلامها عبد الله چكڑالوی وغلام أحمد پرویز. وسبقُهم في المنهج العام لا في التفصيل الحسابي.
وما نُسب في هذا القسم إلى الباحثين المعاصرين مذكورٌ على ما اشتُهر في مصادر ثانوية، ولم يُوقَف على نصوصهم مباشرةً. ويلزم الرجوع إلى فصل الإرث من كتاب شحرور، وإلى كتابات إسلامبولي، قبل نسبة قولٍ إليهما في مقام المناظرة.
١٦. المواضع التي يُطلب فيها النظر
| الموضع | بيان الإشكال |
|---|---|
| إسقاط «كتلة الأبوين» | لا يتولّى أحد الأبوين نصيبَ الآخر بغيابه، فكسرُ كلٍّ منهما مقدَّرٌ بعينه في النصّ: ﴿لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ﴾. ويلزم من ذلك أن الأب المنفرد مع الفرع الوارث يأخذ السدس لا الثلث، وكذلك الأمّ. وقد يُعترض بأنّ الأمّ إذا انفردت بلا فرعٍ ولا إخوة أخذت الثلث ثم رُدّ عليها الباقي، بينما يأخذ الأبُ في المشهد نفسه الباقيَ ابتداءً — والجواب أنّ ذلك أثرُ سكوت النصّ عن كسر الأب في ﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾، لا أثرُ كتلةٍ جامعة. وهذا الاختيار يوافق المشهورَ في نتيجته حيث انفرد أحد الأبوين مع الفرع الوارث، فليس فيه تفرُّد. |
| دلالة «فإن كنّ نساءً» | ظاهر التركيب في ٤: ١١ الانتقالُ إلى حال انفراد الإناث، وحملُها على المقابلة بالذكر تحميلٌ للفظ ما ليس بظاهر فيه. وهذا أقوى ما يَرِد على القراءة. |
| تركيب «حظ الأنثيين» | مصدر مفرد مضاف إلى مثنى، وظاهره الحصة المجموعة لاثنتين لا نصيب كل واحدة. |
| التفريق بالتنكير والتعريف | التعريف في «الكلالة» قد يكون عهديًّا عائدًا على المسؤول عنه لا جنسيًّا، فيضعف بناء حكمين مختلفين عليه. |
| عودة الأب إلى السدس مع الإخوة | النص قيّد سدس الأب بوجود الولد وسكت عنه مع الإخوة، فتثبيته قياسٌ لا ظاهر لفظ. |
| تجاوز الزوج نصفه المنصوص | في الردّ يبلغ الزوج ثلاثة أرباع التركة مع أخٍ واحد، وهو تجاوز لكسره المنصوص. |
| انتفاء التفاضل بين الإخوة | على هذه القراءة لا تُنتج صيغة «للذكر مثل حظ الأنثيين» تفاضلًا في مشهد الإخوة أصلًا، إذ تستمرّ التسوية في كل عدد. فتصير العبارة مقرِّرةً للتسوية بلفظ النسبة، وهو مستغرَب ظاهرًا. ووجهه أنها تصف العلاقة لا التفاضل، وأن التفاضل لا ينشأ إلا بسقفٍ منصوص ولا سقف في ٤: ١٧٦. وهذا موضع نظرٍ حقيقيّ. |
| تقديم الأخ على الحفيد | الحفيد أقرب درجةً، والنظام يؤخّره عن الأخ لأن الأخ منصوص والحفيد داخل في العموم. ومقتضى «الأقربون» يعارضه. |
| الطبقتان الثانية والثالثة | لم يُذكر الجدّ ولا الحفيد ولا العمّ ولا الخال في آيات المواريث، ومدخلهم «الأقربون» وحدها، وهي تُثبت الاستحقاق ولا ترتّب القرب ولا تقدّر الأنصبة. |
| ترتيب الطبقات المؤخَّرة | قُدّم أبناء الإخوة على الأعمام عملًا بـ«أولو الأرحام بعضهم أولى ببعض»، وهو موافقٌ لتقديم جهة الأخوّة على جهة العمومة في الفقه السنّي. غير أن النصّ لم يرتّب الطبقات بأعيانها، وإنما دلّ على مبدأ الأقربيّة، فتفصيل الترتيب اجتهاد. |
| حجب الزوج للطبقات الدنيا | الزوج أو الزوجة يحجب الطبقات الثالثة والرابعة والخامسة فيأخذ التركة كلها بالردّ. ولازمُه أن الزوجة ترث كل المال مع عشرةٍ من أبناء الإخوة أو الأعمام، وهو مستغرَب ظاهرًا. ووجهُه أن كسر الزوج ورد في مقابلة المنصوصين ومن يقوم مقامهم، ولم يرد في مقابلة من دونهم. وهو اختيار في النظام لا نصٌّ فيه. |
| إجراء ألفاظ الإخوة والأجداد على العموم | أُجري لفظ «إخوة» على عمومه فلم يُفرَّق بين شقيقٍ ولأبٍ ولأمّ، وكذا «الجدّ» فلم يُفرَّق بين أبي الأب وأبي الأمّ. ويُعترض بأن العامَّ قد يُخصَّص بغير القرآن، وأن التفريق مستقرٌّ في المذهبين السنّي والجعفري معًا — فالإمامية أيضًا يفرّقون بين المتقرّب بالأب والمتقرّب بالأم. فمخالفةُ المذهبين في هذا الأصل تحتاج تقريرًا لا مجرّد الاستناد إلى سكوت اللفظ. |
| تعميم النازل دون الصاعد | عُمِّم لفظ «أولادكم» على الذرّيّة بشاهد «بني آدم» و«بني إسرائيل»، ولم يُعمَّم لفظ «أبويه» على الجدّ مع أن العربية تستعمل الأبوّة في الأصل البعيد كـ«ملّة أبيكم إبراهيم». فيلزم بيان الفارق بين التعميمين، ولم يُحرَّر. وهذا أثقل اعتراضٍ على موضع الأحفاد والأجداد معًا. |
| الاحتجاج بسبب النزول | الرواية ليست في الصحيحين، ومدار إسنادها عبد الله بن محمد بن عقيل وفيه كلامٌ لأهل الحديث. ويُعترض كذلك بأن القضاء فيها أعطى العمّ الباقي، وهو ما تمنعه هذه الوثيقة مع الفرع الوارث. والجواب أن الاستفادة منها في تحرير المقصد لا في تقدير الأنصبة، وأن موضع العمّ مرتبةٌ مؤخَّرة بمقتضى «أولو الأرحام». ويبقى أن الاحتجاج بخبرٍ في وثيقةٍ مقتصرةٍ على القرآن يحتاج تحريرًا لحدوده. |
| دلالة الحظّ والنصيب | التفريق بينهما مطّردٌ داخل آيات المواريث لا في القرآن كلّه، فدلالته سياقيّة لا لغويّة محضة. ويُعترض بأن اللفظين مترادفان في أصل اللغة. |
| النيابة في ميراث الأحفاد | النيابة ليست منصوصةً في آيات المواريث، وإنما استُنبطت من سياق حفظ مال اليتيم وعموم «الأقربون». ويلزم منها أن الحفيد يشارك أعمامه ويُنقص أنصبتهم، وأن كسر الزوج والأبوين يُحسب على أنه فرعٌ وارث. ولا نظير لها في المذاهب الأربعة على أصولها، وإنما عالجت قوانين الأحوال الشخصية المعاصرة الصورة نفسها بـ«الوصيّة الواجبة» لا بالميراث. وهذا أوسع موضعٍ في هذه الوثيقة خروجًا عن المقرَّر، فيُطلب فيه النظر خاصّة. |
| تقديم الأحفاد على الإخوة | جُعل الحفيد فرعًا وارثًا يحجب الإخوة، بناءً على أن الكلالة أن لا يكون للميت فرعٌ وارث. ويلزم منه أن الحفيد يُنقص كسر الزوج والأبوين كما يُنقصه الولد. ويُعترض بأن لفظ «ولد» في الآيات ظاهره الولادة المباشرة، وقد اعتُمد هذا الظاهر في هذه الوثيقة نفسها في تفسير «الوالدين». فالجمع بين حمل «الوالدين» على المباشرة وحمل «الولد» على ما يشمل ولدَ الولد يحتاج تحريرًا. |
| موضع الأجداد | لا يرث الأجداد إلا عند انتفاء الأبوين والأولاد والإخوة، فتكون حالات إرثهم قليلة جدًّا مع أنهم أصولٌ للميت. وهذا يفارق المذاهب الثلاثة: فأبو حنيفة يحجب الإخوة بالجدّ، والجمهور يقاسمون به، والإمامية يجعلونه في طبقة الإخوة يقاسمهم كأخ. ووجهُه في هذا النظام أنه لم يُسمَّ له كسر، فلا يزاحم آخذ الباقي المنصوص. |
| حدّ لفظ «إخوة» في خفض الأم | اعتُمد أن «إخوة» اسم جنسٍ فيكفي أخٌ واحد. ويُعترض بأن صيغة الجمع ظاهرها ما فوق الاثنين، وأن الجمهور اكتفى بأخوين، وأن ابن عباس لم يُصدّقها على أقلّ من ثلاثة — فلم يُعثر على قائلٍ بالاكتفاء بالواحد. ويُعترض كذلك بأن ضمير المثنّى اعتُبر في ٤: ١٢ ولم تُعتبر صيغة الجمع هنا. والجواب المعتمد أن النصّ يُتَّبع حيث نصّ على العدد ويُحمل على الجنس حيث لم ينصّ. ويُسجَّل أن هذا الاختيار هو ما يفتح للأخ نصيبًا في صورة الزوج والأبوين، فقد يُقال إنه اختير لأثره الحسابي. |
| حجب ابن الأخ بالأخ | لا يرث أبناء الإخوة مع وجود أخٍ حيّ، ولو كان أبوهم قد مات في حياة الميت. وهذا موافق للمذهبين السنّي والجعفري، غير أنه يُبقي مفارقةَ فرعِ من مات في حياة أصله — وهي التي استُحدثت لها الوصيّة الواجبة في قوانين الأحوال الشخصية. ومخرجها في هذا النظام الوصيّةُ لا الميراث. |
| الوقف عند أبناء العمومة | إغلاق التوريث عندهم اجتهاد، والنص لا يحدّ «الأقربين» بحدّ. وما بعدهم صرفٌ عام لا توريث. |
| التسوية بين الأجداد | إسقاط التفريق بين أبي الأب وأبي الأم مخالفٌ لما استقرّ عليه الفقهاء، وإن كان التفريق نفسه بلا أصل في النص. |
| شاهد نظم الآية | درجته مؤيِّدٌ لا دليل مستقل، والاعتراض المضادّ عليه مثبت في القسم السادس عشر مع جوابه. |
| اختبار النظام بقياس التفريغ | بحكم القاعدة الرابعة في القسم الخامس، يلزم اختبار هذا النظام نفسه: هل يُفرّغ نصيبًا مسمّى من مضمونه؟ وموضع الاختبار أن كسور الأولاد والإخوة صارت فيه أنصبةً من الباقي لا من كامل التركة، فقد ينقص نصيب البنت الواحدة عن النصف في بعض الصور. والجواب المعتمد أن «فلها النصف» عند هذه القراءة نصفُ نصيب الأولاد في مقابلة ذكر، لا نصف التركة — فلا تفريغ. وهذا الجواب هو محلّ النظر. |
| حجّة التسوية في ٤: ١٢ | تُثبت وقوع التسوية ولا تُثبت العتبة، فدرجتها دافعةٌ للاعتراض لا مقيمةٌ للدليل. ويُعترض عليها بحملها على الإخوة لأم. |
١٧. أسئلة موجَّهة إلى أهل العلم
١. هل يصحّ تعريف الكلالة بانتفاء الولد وحده، اعتمادًا على تعريف ٤: ١٧٦ لنفسها؟
٢. هل يصحّ التفريق بين «كلالةً» منكَّرة في ٤: ١٢ و«الكلالة» معرَّفة في ٤: ١٧٦، فتُحمل الأولى على انتفاء الولد والوالد والثانية على انتفاء الولد وحده؟
٣. هل يحتمل «فوق اثنتين» أن يكون المراد فوق اثنتين في مقابلة الذكر، أم يتعيّن حملُه على انفراد الإناث؟
٤. تكامل «اثنتين» في ٤: ١٧٦ مع «فوق اثنتين» في ٤: ١١، وتكرار صيغة النسبة بلفظها في الآيتين: أيدلّ ذلك على وحدة القاعدة في الأولاد والإخوة؟
٥. هل يصحّ تقديم أصحاب الكسور المسمّاة، وجعل من لم يُسمَّ له كسر آخذًا للباقي؟
٦. هل يصحّ إسقاط حجب الإخوة بالأب، وإعادة الأب إلى السدس عند وجودهم؟
٧. تسوية ٤: ١٢ بين الأخ والأخت في السدس، وإطلاق «شركاء في الثلث» بلا تفريق: أتدلّ على أن نسبة الاثنين إلى الواحد ليست مطّردة في كل موضع؟ وهل يصحّ حملُ تلك التسوية على الإخوة لأم بلا لفظٍ يخصّصها؟
٨. هل يصحّ الردّ النسبي على أصحاب الكسور حيث لا آخذ للباقي، ولو تجاوز الزوج نصفه المنصوص؟
٩. هل تكفي «الأقربون» في ٤: ٧ مدخلًا لتوريث الأجداد والأحفاد والأعمام والأخوال، وبالترتيب المقترح؟
١٠. القراءة موافقة في أصلها لما ذهب إليه محمد شحرور: فهل يُقوّيها ذلك أم يُضعفها بما وُجّه إليه من نقد؟
١١. هل يصحّ القول بوجوب الوصية للوالدين والأقربين بمقتضى «كُتِبَ عَلَيْكُمْ … حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ»، وأن التنازع في نسخها يمنع القضاء به كما قرّر الطبري؟
١٢. إذا كان مستندُ نسخ آية الوصية خبرَ آحادٍ أقرّ ناقلوه أنه لا يصحّ أن ينسخ القرآن بنفسه، فما وجه القضاء بالنسخ؟
١٣. ظاهر «الوالدين والأقربين» يشمل الوارث، ومنعُ الوصية للوارث مستندُه الخبر. فكيف يُجمع بين الوصية للوالدين ونصيبهما المقدَّر في ٤: ١١؟
١٤. هل يصحّ إجراءُ لفظ «إخوة» و«جدّ» على عمومه بلا تفريقٍ بين شقيقٍ ولأبٍ ولأمّ، وبين أبي الأب وأبي الأمّ — إذ لم يفرّق النصّ؟
١٥. هل تصحّ النيابة في الفرع النازل — أن يقوم الحفيد مقام أبيه المتوفّى فيشارك أعمامه — استنادًا إلى سياق حفظ الذرّيّة الضعاف وعموم «الأقربون»؟
١٦. حقُّ أولي القربى واليتامى والمساكين في ٤: ٨: أهو واجبٌ كما قال بعض التابعين، أم مستحبٌّ كما رجّح الجمهور؟ وما أثره على من حجبته المرتبة؟
١٨. أسئلة موجَّهة إلى منتقدي هذه القراءة
القسم السابق أسئلةٌ من صاحب هذه القراءة إلى أهل العلم، يطلب بها النظر في مواضع يعلم أنها محلُّ اعتراض. وهذا القسم عكسُه في الاتجاه: أسئلةٌ تُوجَّه إلى من يردّ هذه القراءة تمسُّكًا بالمشهور. ومبنى كلِّ سؤالٍ منها على واحدٍ من أمرين لا ثالث لهما: إمّا حكمٌ في المشهور لا أصل له في لفظ القرآن، وإمّا حكمٌ في القرآن عُطِّل أو صُرِف عن ظاهره.
وليس المقصود الإفحام. فكلُّ سؤالٍ هنا يقبل جوابًا، ومتى جاء الجواب بدليلٍ يصحّ أن يُبنى عليه ما بُني، سقط السؤال وثبت المشهور. وإنما المقصود تحريرُ موضع النزاع: أن يُنقل الخلافُ من دعوى «مخالفة القطعيّات» إلى مناقشة الدليل بعينه.
ضابط الجواب المقبول في هذا المقام: أن يكون من نصّ القرآن، أو من خبرٍ ثابتٍ يبلغ في قوّته ما بُني عليه. ولا يُقبَل جوابًا: «هكذا جرى العمل»، ولا دعوى الإجماع قبل تحرير المخالف المعروف بعينه، ولا الإحالةُ إلى تقريرٍ متأخّرٍ دون الرجوع إلى دليله.
المحور الأول: التعصيب — أصلٌ يُدار به النظام كلُّه وليس في الآيات لفظُه
١. لفظ «العَصَبة» بمعناه الفرضيّ — أخذُ الباقي بالذكورة وقرابةِ الأب — ليس في آيات المواريث ولا في القرآن كلِّه بهذا المعنى. ومستندُه حديث «أَلْحِقوا الفرائضَ بأهلها، فما بقي فهو لأَوْلى رجلٍ ذكر» (البخاري ٦٧٣٢، ومسلم ١٦١٥، من حديث ابن عباس). فهل يصحّ أن يكون خبرُ آحادٍ أصلًا بنائيًّا يُبنى عليه مصيرُ التركة كلِّها بعد الفروض المسمّاة، ثم يُحتجَّ به في تأخير عمومٍ قرآنيّ صريح؟
وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ[الأنفال ٨: ٧٥]
٢. قرّرت ٤: ٧ أصلَ الاستحقاق للأقربين رجالًا ونساءً: ﴿لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا﴾. فبأيّ دليلٍ من النصّ صارت جهةُ الأب مَصرِفًا للفائض دون جهة الأمّ؟ وأين في القرآن ما يجعل «الأقربون» في الفائض ذكورًا من جهةٍ واحدة؟
٣. مسألة (بنتٌ وعمّ): للبنت النصف، وللعمّ النصف. فالفرعُ المباشر للميّت يأخذ نصف ماله، وابنُ جدِّه يأخذ نصفه. فما الآية التي تُنتج هذه النتيجة؟ وإن كان المستندُ الخبرَ لا الآية، فكيف قُدِّم على ظاهر ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ — والآيةُ نفسها قد صرّحت بأن هذه الأولويّة «في كتاب الله»، فهي حكمٌ مكتوبٌ لا مجرّدُ إخبارٍ عن قرابة؟
المحور الثاني: العَوْل — تصرُّفٌ في مقاديرَ نصَّ اللهُ عليها بأعيانها
٤. الكسور في ٤: ١١ و٤: ١٢ منصوصةٌ بأعيانها: النصف والربع والثمن والثلث والسدس والثلثان. والعَوْلُ إنقاصٌ لها جميعًا بالنسبة عند ضيق التركة. فمن أين جاء جوازُ إنقاص مقدارٍ نصَّ عليه القرآن بعينه؟ وهل في القرآن نظيرٌ واحدٌ لتعديل نسبةٍ منصوصةٍ بقاعدةٍ حسابيّةٍ مستنبَطة؟
٥. العَوْلُ حكمٌ نشأ في عهد عمر بن الخطاب بالمشورة، وخالف فيه ابنُ عباس ونُقل عنه: «أتَحسَبون أنّ الذي أحصى رملَ عالِجٍ عددًا جعل في مالٍ نصفًا ونصفًا وثُلثًا؟!» فإذا كان الحكمُ قد نشأ باجتهادٍ بعد النبيّ ﷺ، وخالف فيه حبرُ الأمّة، فعلى أيّ وجهٍ يُعامَل اليوم معاملةَ المقطوع به الذي يُردّ به على من رجع إلى ظاهر النصّ؟ [أثر ابن عباس مشهورٌ عند الفرضيّين، ويُعزى إلى الحاكم والبيهقي — يلزم التحقق من إسناده قبل الاحتجاج به.]
٦. وسؤالٌ بنائيّ يتلوه: العَوْلُ في حقيقته تصحيحٌ لقسمةٍ على فرض أنها لا تستقيم. فهل يلزم التزاحمُ أصلًا إذا أُعمِلت الفروضُ على ظاهرها وقيل إنّ مَن لم يُسَمَّ له كسرٌ يأخذ الباقي؟ فإن لم يلزم — وهو ما تقرّره هذه القراءة وتبرهن عليه بالحساب في القسم الثالث عشر — أفلا يكون العَوْلُ أثرًا لمقدّمةٍ سابقة عليه، لا ضرورةً في النصّ؟
٧. والعُمَريّتان — وهي أصرحُ مواضع التصرُّف في كسرٍ منصوص: قال تعالى ﴿فَإِن لَّمْ يَكُن لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾، فأطلق الثلثَ ولم يقيّده بشيء. فإذا اجتمع مع الأبوين زوجٌ أو زوجة، قُضي للأمّ بثلث الباقي بعد كسر الزوج، لا بثلث التركة. فأين في اللفظ إضافةُ «ما بقي»؟ وهل في آيات المواريث موضعٌ واحد نُسبت فيه حصّةٌ إلى الباقي دون أن يُصرَّح بذلك؟
٨. وأثرُه عدديًّا: في زوجٍ وأبوين من تركةٍ قدرها ٣٦٠٬٠٠٠ تأخذ الأمّ على هذا القضاء ٦٠٬٠٠٠ — أي سُدسَ التركة، والآيةُ سمَّت لها الثلث — ويأخذ الأب ١٢٠٬٠٠٠، أي ضِعفَها، في مشهدٍ لم يُسمَّ له فيه كسرٌ أصلًا. فكيف يصير مَن لم يُسمَّ له ضِعفَ مَن سُمِّي لها؟ وقد أخذ ابنُ عباس هنا بظاهر اللفظ، ووافقه الفقهُ الجعفريّ في النتيجة، فليس الأخذُ بالظاهر قولًا متفرِّدًا. [مناظرة ابن عباس وزيد بن ثابت في «ثلث ما بقي» مرويّةٌ بألفاظ متفاوتة — يلزم تحرير إسنادها.]
المحور الثالث: تخصيص العموم بلا مخصِّصٍ من النصّ
٩. قال تعالى في ٤: ١١: ﴿فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾، وقال في ٤: ١٢: ﴿وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ﴾. واللفظ في الموضعين مطلقٌ بلا قيد. فبأيّ لفظٍ من القرآن حُمل الأوّل على الإخوة مطلقًا والثاني على الإخوة لأمٍّ خاصّةً؟
١٠. المستندُ المشهور في هذا التخصيص قراءةُ سعد بن أبي وقاص «وله أخٌ أو أختٌ من أمّ»، وهي شاذّةٌ لا تُقرأ بها، ولم يُنقل في الباب خبرٌ مرفوعٌ صريحٌ يفصل. فهل يصحّ أن يُبنى على قراءةٍ لا تثبت بها قرآنيّةٌ تقسيمٌ كاملٌ للإخوة — شقيقٌ ولأبٍ ولأمّ — تتفرّع عنه عشراتُ المسائل، ثم يُقال لمن ردّه: خالفتَ الإجماع؟
١١. حاجَّ ابنُ عباس عثمانَ في دلالة «إخوة» على الاثنين، فلم يُجِبه عثمانُ بحجّةٍ لغويّةٍ ولا بنصّ، بل قال: «لا أستطيع أن أردَّ شيئًا كان قبلي، ومضى في البلدان، وتوارث الناسُ به». فهذا الجوابُ بنصّه إقرارٌ بأن المستند هو العمل المستقرّ لا الدليل. فهل يصلح مثلُه جوابًا اليوم؟ [مخرَّجٌ في المغني لابن قدامة وسنن البيهقي — يلزم الوقوف على النصّ وإسناده.]
١٢. ليس في آيات المواريث لفظُ «الجدّ» ولا «الجدّة» أصلًا. ومع ذلك للجدّ في المتون أبوابٌ ومقاسماتٌ ومُعادّة، وللجدّة السدس. وقد صحّ أن الجدّة جاءت أبا بكر تسأله ميراثها فقال:
مَا لَكِ فِي كِتَابِ اللَّهِ شَيْءٌ، وَمَا عَلِمْتُ لَكِ فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ شَيْئًا، فَارْجِعِي حَتَّى أَسْأَلَ النَّاسَ[الموطّأ لمالك، كتاب الفرائض؛ وأبو داود ٢٨٩٤، والترمذي ٢١٠١، وابن ماجه ٢٧٢٤، وأحمد ١٧٩٨٠]
فإذا كان الخليفةُ الأوّل يقرّر أن لا نصَّ في الكتاب ولا فيما عَلِمه من السنّة، فعلى أيّ أساسٍ يُنكَر على من بنى ميراث الأصول على عموم «الأقربون» في ٤: ٧ بدلًا من بناءٍ تفصيليٍّ لا نصَّ فيه؟
المحور الرابع: دعوى الإجماع، وتحريرُ مراتبه
١٣. فرضُ البنتين الثلثان هو المعمول به، وليس في ٤: ١١ نصٌّ عليه: النصّ ذكر ﴿فَوْقَ اثْنَتَيْنِ﴾ وذكر ﴿وَاحِدَةً﴾ وسكت عن الاثنتين. وقال ابن قدامة: «أجمع أهل العلم على أن فرض الابنتين الثلثان، إلا روايةً شاذّةً عن ابن عباس أن فرضهما النصف» (المغني ٦/٢٧١). فكيف يجتمع «أجمع» مع «إلا»؟ وقد صرّح القرطبيّ بردّ دعوى الإجماع هنا. فما حدُّ الإجماع الذي يُحتجّ به، إذا كان المخالفُ معروفًا بعينه واسمه؟
١٤. ومن أجوبة المشهور عن هذه الفجوة أنّ «فوق» زائدةٌ صِلة، أي «اثنتين فما فوق». فإن جاز القول بزيادة لفظٍ في القرآن لسدّ فجوةٍ في نظامٍ مستنبَط، فما ضابطُ ما يجوز عدُّه زائدًا وما لا يجوز؟ ولِمَ لم يُعَدَّ زائدًا في ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ﴾؟
١٥. والنصّ قد أحسن التفصيل في نظير هذا الموضع، فنصّ على الاثنتين في الأخوات: ﴿فَإِن كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ﴾ (٤: ١٧٦). فإذا كان التنصيصُ على الاثنتين ممكنًا وقد وقع بالفعل في السورة نفسها، فلماذا يُفترض أنّ تركَه في ٤: ١١ سهوٌ يُسَدّ بالتأويل، لا فرقٌ مقصود؟
١٦. وثلاثُ مراتبَ يجب ألّا تُخلط: ما لا خلاف فيه ألبتّة (أصلُ الفروض وأصحابُها)؛ وما اتّفقت عليه المذاهب الأربعة بعد خلافٍ صحابيٍّ ثابت (كالعَوْل وثلث الباقي وتعصيب الأخت مع البنت)؛ وما اختلفت فيه المذاهبُ الأربعةُ ذاتُها (كالمسألة المشتركة وذوي الأرحام والردّ والجدّ مع الإخوة). فعلى أيّ مرتبةٍ من هذه الثلاث يقع الاعتراضُ على هذه القراءة؟ وهل يصحّ الردّ بالمرتبة الثانية أو الثالثة بلفظ «القطعيّات»؟
المحور الخامس: الفروع والأرحام — بين مقصد السياق ونتيجة الحكم
١٧. سبق آياتِ المواريث سياقٌ متّصلٌ في حفظ مال الضعيف: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَىٰ أَمْوَالَهُمْ﴾ (٤: ٢)، و﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَىٰ ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ (٤: ١٠)، وبينهما:
وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا[النساء ٤: ٩]
ثم يُفضي المشهورُ إلى أنّ أولادَ الابن المتوفّى في حياة أبيه لا ينالون شيئًا مع وجود عمِّهم الحيّ. فكيف يُجمع بين مقصد السياق المتقدّم ونتيجةِ الحكم المتأخّر عنه بآيتين؟
١٨. وقد استُشعر هذا، فاستحدثت قوانينُ الأحوال الشخصية «الوصيّة الواجبة» تداركًا له — وهي ممّا لا تقرّه المذاهب الأربعة على أصولها. فهذا الاستدراكُ اعترافٌ عمليّ بأنّ النتيجة تحتاج إلى إصلاح. فإن كان الحكم الموروث موافقًا لمقتضى النصّ تمامًا، فما وجهُ الحاجة إلى تصحيحه بقانون؟ وإن كان محتاجًا إلى التصحيح، أفلا يكون النظرُ في المقدّمة أولى من ترقيع النتيجة؟
١٩. «ذوو الأرحام» في المشهور صنفٌ مؤخَّر، لا يرثون على أصل المذهب عند المالكيّة والشافعيّة، ويرثون بعد العصبات عند الحنفيّة والحنابلة. والآيةُ تقول ﴿بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾. فكيف صار من نصّت الآيةُ على أولويّته صنفًا مؤخَّرًا عن العمّ البعيد، أو محرومًا؟
٢٠. ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُم مِّنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَّعْرُوفًا﴾ (٤: ٨). قال ابن عباس: «هي محكمة وليست بمنسوخة»، وقال: «لا واللهِ ما نُسِخَت، ولكنها ممّا تهاون به الناس» (البخاري ٤٥٧٦). فبِمَ يُجاب حبرُ الأمّة وهو يصف العملَ الجاري بأنه تهاونٌ بآيةٍ محكمة؟ وما موقعُ هذه الآية في جداول الفرائض المعمول بها؟
المحور السادس: الوصية
٢١. صيغةُ ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ﴾ في البقرة ١٨٠ هي صيغةُ ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ و﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ﴾، وخُتمت بـ﴿حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾. فبأيّ قرينةٍ صُرفت هنا إلى النَّدب دون سائر مواضعها؟
٢٢. ومستندُ دعوى النسخ حديثُ «لا وصيّة لوارث»، وقد أقرّ ناقلوه بأنّه «وإن لم يبلغ مبلغ الحديث المتواتر الذي يصحّ نسخه للقرآن بنفسه، فقد امتاز عن بقيّة أخبار الآحاد بأن الأمّة تلقّته بالقبول». فبإقرارهم لا يصلح ناسخًا بنفسه. فما الذي أكمل به النسخُ شرطَه؟ وهل التلقّي بالقبولِ دليلٌ ينسخ، أم عملٌ يشهد؟
٢٣. قيدُ ﴿مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ تكرّر في آيتَي المواريث أربع مرّات. فكيف يُقال إنّ آية المواريث نسخت الوصيّة، وهي نفسُها تجعل الوصيّة شرطًا مقدَّمًا على القسمة أربع مرّات في سياقٍ واحد؟
٢٤. وسورة المائدة من آخر ما نزل، وفيها تفصيلُ الإشهاد على الوصيّة وحكمُ السفر والارتياب والاستحلاف (٥: ١٠٦–١٠٨). فلو كان البابُ قد رُفع لَما احتاج إلى هذا التفصيل في آخر ما نزل. [وحدُّ هذا الإلزام أنّ آية المائدة في الإشهاد على الوصيّة مطلقًا، لا في الوصيّة للوالدين والأقربين خاصّة — فهي مؤيِّدةٌ لبقاء الباب، لا حاسمةٌ في بقاء الوجوب.]
المحور السابع: شهادة النظام على نفسه
٢٥. صحّ عن عمر بن الخطاب: «وَدِدْتُ لو أنّي سألتُ رسولَ الله ﷺ عن ثلاث: عن الجدّ، والكلالة، وأبوابٍ من أبواب الرِّبا». واثنتان من الثلاث في باب المواريث بعينه. وفي صحيح مسلم أنه راجع النبيَّ ﷺ في الكلالة فقال له: «يكفيك آيةُ الصيف التي في آخر سورة النساء» (مسلم ١٦١٧). فإذا كانت الإحالةُ في الجواب إلى الآية نفسها، فما وجهُ تقديم غيرها عليها في التفسير؟
٢٦. ورُوي أن عمر كتب في الجدّ والكلالة كتابًا ثم محاه، وقال: «إني لأستحيي أن أخالف فيه أبا بكر» (جامع البيان للطبري، عن الزهري عن سعيد بن المسيّب). فإذا كان أعلمُ الناس بمواقع التنزيل يتوقّف في المسألة ويمحو ما كتب فيها، فكيف صارت بعده من القطعيّات التي يُبدَّع مخالفُها؟
٢٧. والمسألة المشتركة: قضى عمر فيها أوّلًا بحرمان الأشقّاء، ثم رجع فشرّك بينهم، وقال حين رُوجع: «تلك على ما قضينا، وهذه على ما نقضي». والمذاهبُ بعده منقسمة: لم يُشرِّك أبو حنيفة وأحمد، وشرّك مالكٌ والمعتمدُ عند الشافعيّة. فكيف يُعَدّ فرعٌ رجع فيه الخليفةُ عن قضائه واختلفت فيه المذاهبُ حجّةً على من خالف؟ [قصّة المسألة المشتركة مشهورةٌ جدًّا وعليها بُني اسمها، وتُروى بألفاظٍ متقاربة — يلزم تحرير إسنادها.]
٢٨. والأكدريّة (زوجٌ وأمٌّ وجدٌّ وأخت): تُفرَض فيها للأخت النصفُ ثم تُعال المسألة، ثم يُجمع نصيبُها إلى نصيب الجدّ فيُقسَم بينهما للذكر مثلُ حظّ الأنثيين. فأيّ آيةٍ أنتجت هذه السلسلة؟ وإن كانت صناعةً فقهيّةً خالصة — وهي كذلك بالاتفاق — أفلا يدلّ احتياجُ النظام إلى مسائل تُسمّى بأسماءٍ خاصّة على أنّ التركيب قد جاوز ما في النصّ؟
٢٩. وسؤالٌ جامع: العَوْلُ، والردُّ، والتعصيبُ، والمقاسمةُ، والمعادّةُ، والأكدريّةُ، والمشتركةُ، والغرّاوان، وثلثُ الباقي — ليس شيءٌ منها في القرآن لا لفظًا ولا تقديرًا، وكلُّها تصحيحاتٌ لِتستقيم أرقامُ النظام. فإذا احتاج نظامٌ مستنبَطٌ إلى هذا القدر من التصحيح، أفلا يكون ذلك قرينةً على أنّ مقدّمةً من مقدّماته تحتاج إلى مراجعة — لا أنّ النصّ يحتاج إلى تصحيح؟
جدولٌ جامع: موضعُ السؤال في كلّ مسألة
| الحكم في المشهور | موضعه من نصّ القرآن | السؤال |
|---|---|---|
| التعصيب وأخذ العصبة الباقيَ | لا لفظ له في الآيات؛ مستندُه خبرُ آحاد (البخاري ٦٧٣٢، مسلم ١٦١٥) | أيصحّ أن يُبنى ترتيبُ الفائض كلِّه على خبرٍ واحد، ويؤخَّر به عمومُ ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ﴾؟ |
| العَوْل | إنقاصُ كسورٍ منصوصةٍ بأعيانها | ما دليلُ جواز إنقاص مقدارٍ نصَّ عليه القرآن؟ |
| ثلثُ الباقي للأمّ في العُمَريّتين | النصّ ﴿فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ مطلقًا بلا قيد | أين في اللفظ إضافةُ «ما بقي»؟ وتصير الأمّ إلى السدس والأبُ إلى ضِعفها وهو غيرُ مسمًّى له. وقد خالف ابنُ عباس. |
| قصرُ «أخ» في ٤: ١٢ على الإخوة لأمّ | اللفظ مطلقٌ في الموضعين | ما المخصِّصُ، وقراءةُ «من أمّ» شاذّةٌ لا يُقرأ بها؟ |
| فرضُ البنتين الثلثان | النصّ ذكر «فوق اثنتين» و«واحدة» وسكت | أيسدُّ السكوتَ دعوى إجماعٍ ردَّها القرطبيّ واستثنى منها ابنُ قدامة ابنَ عباس؟ |
| سدسُ الجدّة | لا ذكر لها في الآيات | وقد قال أبو بكر: «ما لكِ في كتاب الله شيء» — فما الأصل الذي بُني عليه الباب؟ |
| حرمانُ ولد الابن المتوفّى مع عمِّه | يخالف مقصدَ ﴿ذُرِّيَّةً ضِعَافًا﴾ المتقدّم على آيات القسمة | ولِمَ احتاجت القوانين إلى «الوصيّة الواجبة» إن كان الحكم مستقيمًا؟ |
| تأخيرُ ذوي الأرحام أو حرمانُهم | ﴿بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ | كيف يتأخّر من نصَّت الآيةُ على أولويّته عن العمّ البعيد؟ |
| نسخُ آية الوصيّة | ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ … حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾، وتكرارُ قيد الوصيّة أربعًا | أينسخ القرآنَ خبرٌ أقرّ ناقلوه أنّه لا يبلغ مبلغَ ما ينسخ به؟ |
| إهمالُ ٤: ٨ في جداول القسمة | ﴿فَارْزُقُوهُم مِّنْهُ﴾ — قال ابن عباس: محكمة غير منسوخة | أين موقعُها من العمل، وقد وصف تركَها بالتهاون؟ |
خاتمة القسم: ما لا يُطلب بهذه الأسئلة
لا يُطلب بها تسفيهُ الفقه الموروث، ولا الطعنُ في أئمّته. فالذين بَنَوا هذا النظام هم أبو بكر وعمر وعثمان وعليّ وزيدٌ وابنُ مسعود وابنُ عباس ومن بعدهم، وقد اجتهدوا فيما لم يجدوا فيه نصًّا قاطعًا، وهم في اجتهادهم مأجورون. وإنما يُطلب بها أمرٌ واحد: أن يُفصَل بين ما هو نصٌّ فيُصان، وما هو اجتهادٌ فيُبحَث — فإنّ الخلط بين المرتبتين هو الذي يجعل نقاشًا فقهيًّا مشروعًا يبدو وكأنه مساسٌ بالقطعيّات.
ويُذكَر مع ذلك ما يُذكَر في القسم السادس عشر: أنّ لهذه القراءة نفسها مواضعَ يُطلب فيها النظر، وأنّ أقوى ما يَرِد عليها مسجَّلٌ هناك بلفظه. فمن أجاب عن أسئلة هذا القسم بدليلٍ يصحّ أن يُبنى عليه ما بُني، فقد أسقطها؛ ومن أورد على القسم السادس عشر بمثل ذلك، فقد أسقط ما أورد عليه. وهذا هو المطلوب.
١٩. قائمة المراجع
تُعرض هنا المصادر التي استُند إليها، مصنَّفةً بحسب درجة التحرير. ولم يُذكر مصدرٌ لم يُوقَف على نصّه.
أولًا: المصدر الأصلي
• القرآن الكريم: سورة النساء ٧، ١١، ١٢، ١٩، ١٧٦؛ وسورة الأنفال ٧٥؛ وسورة الأحزاب ٦؛ وسورة البقرة ١٨٠.
ثانيًا: ما وُقف على نصّه وحُرِّر تخريجه
• صحيح البخاري، كتاب تفسير القرآن، باب ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ﴾، حديث ٤٥٧٦ — أثر ابن عباس: «هي محكمة وليست بمنسوخة»، وقولُ البخاري «تابعه سعيدٌ عن ابن عباس»؛ وفي الباب نفسه أثرُ ابن عباس من طريق سعيد بن جبير: «ما نُسِخَت، ولكنها مما تهاون به الناس».
• الموطّأ لمالك، كتاب الفرائض، باب ميراث الجدّة — عن ابن شهاب عن عثمان بن إسحاق بن خَرشة عن قبيصة بن ذؤيب. وأخرجه أبو داود ٢٨٩٤ (صحّحه الأرناؤوط)، والترمذي ٢١٠١، وابن ماجه ٢٧٢٤، وأحمد ١٧٩٨٠.
• سنن الترمذي ٢٠٩٢ (وقال: حديث صحيح)، وأبو داود وابن ماجه وأحمد والدارقطني والحاكم، والواحدي في أسباب النزول — حديث امرأة سعد بن الربيع في سبب نزول ٤: ١١، من طريق ابن عقيل عن جابر.
• الجامع لأحكام القرآن للقرطبي — ردُّ دعوى الإجماع في فرض البنتين ونقلُ قول ابن عباس بالنصف؛ ونقلُ الإجماع على أن المراد في ٤: ١٢ الإخوة لأمّ؛ وتفسير ٤: ٨ وأقوال السلف فيه.
• المغني لابن قدامة ٦/٢٧١ — «أجمع أهل العلم على أن فرض الابنتين الثلثان، إلا رواية شاذّة عن ابن عباس أن فرضهما النصف»؛ و٦/١٦٤ — «وإليه ذهب عامّة الفقهاء إلا ابن عباس ومن تابعه» في تعريف الكلالة.
• جامع البيان للطبري — خبر كتاب عمر في الجدّ والكلالة ومحوه، عن الزهري عن سعيد بن المسيّب؛ وقول عمر: «إني لأستحيي أن أخالف فيه أبا بكر». وأقوال السلف في ٤: ٨.
• جامع البيان للطبري عند البقرة ١٨٠ — تقريرُ أن آية الوصية محكمةٌ غير منسوخة، وقياسُها على «كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ»، وقاعدةُ أن التنازع في النسخ يمنع القضاء به. والتفسير الكبير للرازي — حكايةُ قول أبي مسلم الأصفهاني. والجامع لأحكام القرآن للقرطبي ومعالم التنزيل للبغوي عند البقرة ١٨٠ — الأقوالُ الثلاثة وأسماءُ القائلين، وقولُ طاوس، وإقرارُ القائلين بالنسخ بأن حديث «لا وصية لوارث» خبرُ آحادٍ لا ينسخ القرآن بنفسه. [منقولٌ عن عرضٍ ثانويّ — يلزم التحقق.]
• صحيح البخاري، كتاب الفرائض، باب ألحقوا الفرائض بأهلها، حديث ٦٧٣٢؛ وصحيح مسلم، كتاب الفرائض، الباب نفسه، حديث ١٦١٥ — «ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فهو لأَوْلى رجلٍ ذكر»، من حديث ابن عباس. وهو الأصل الذي بُني عليه التعصيب.
• صحيح مسلم، كتاب الفرائض، حديث ١٦١٧ — مراجعةُ عمر النبيَّ ﷺ في الكلالة، وقولُه ﷺ: «يكفيك آيةُ الصيف التي في آخر سورة النساء».
• معالم التنزيل للبغوي — «واختلفوا في الكلالة، فذهب أكثر الصحابة…»؛ وترجيحُ الندب في ٤: ٨.
• ابن ماجه وعبد الرزاق في المصنَّف والحاكم والبيهقي — قول عمر في الجدّ والكلالة وأبواب الربا، بألفاظ متقاربة.
• سعيد بن منصور وعبد بن حميد والدارمي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي — قراءة سعد بن أبي وقاص «وله أخ أو أخت من أمّ»، وهي شاذّة لا تُقرأ بها.
• منهاج الصالحين للسيّد علي السيستاني، كتاب الميراث — أحكام الإمامية: المراتب، وبطلان العَوْل والتعصيب، وموضع النقص، والردّ.
ثالثًا: ما بقي غير محرَّر — لا يُحتجّ به قبل تحريره
حُرِّر تخريج ما تقدّم في القسم الثاني من مصادره. وبقيت هذه المواضع لم يُوقَف على إسنادٍ محقَّق لها، وإنما وُجدت في عرضٍ ثانويّ أو تفريغِ درس:
• قول ابن عباس في إنكار العَوْل ولفظُه في «رمل عالِج»، ونسبةُ القول بالعَوْل إلى عمر، وقولُه عند تدافع الفرائض. ويُنظر: المحلّى لابن حزم، كتاب الفرائض؛ وسنن البيهقي؛ ومصنَّف عبد الرزاق.
• موقف ابن عباس في العُمَريتين ومناظرتُه زيدَ بن ثابت في «ثلث ما بقي»، ومناظرتُه عثمانَ في دلالة «إخوة».
• نسبة إنكار العَوْل إلى داود الظاهري وابن حزم ومحمد بن الحنفية ومحمد بن علي بن الحسين وعطاء.
• أرقام المسائل المشهورة (العُمَريتان، المشرَّكة، الأكدرية) على المذهب السائد، ولفظُ «هب أنّ أبانا كان حجرًا» في المشرَّكة.
• تحذير عمر في مسألة الجدّ ولفظُه.
رابعًا: ما نُقل عن باحثين معاصرين
• محمد شحرور، الكتاب والقرآن: قراءة معاصرة، ١٩٩٠ — قراءته في «للذكر مثل حظ الأنثيين». [يلزم الرجوع إلى فصل الإرث من الكتاب مباشرةً، فما هنا منقول عن عرضٍ ثانوي.]
• سامر إسلامبولي — نظامه الطبقي في المواريث. [منقول عن عرضٍ ثانوي.]
• أحمد صبحي منصور، وحركة أهل القرآن في شبه القارة (عبد الله چكڑالوی، غلام أحمد پرویز) — المنهج العام. [منقول عن عرضٍ ثانوي.]
تنبيه على منهج التوثيق: ما وقع في القسم الثالث والرابع لم يُوقَف على نصّه في مصدره الأصلي، وإنما نُقل على ما اشتُهر أو عن وسائط. ولا يجوز الاحتجاج بشيء منه في مقام المناظرة قبل تحريره. وقد فُصل عن القسم الثاني قصدًا، لئلا يُظنّ أن الجميع في درجةٍ واحدة.
٢٠. تنبيه
ما في هذه الوثيقة تحليل لبنية النصوص ومقتضاها الحسابي، لا فتوى ولا ترجيح فقهي. والمسائل التي مرّت من أشهر ما اختلف فيه أهل العلم منذ القرن الأول، ولكل قول حججه ووجهه. وقد قرأ أئمة معتبرون هذه النصوص نفسها فانتهوا إلى أنظمة تخالف ما هنا مخالفة بيّنة، وللقراءة السائدة من الأدلة والقرائن ما لم يُستوعب هنا.
وما نُسب فيها إلى أحد من الصحابة أو إلى المشهور في كتب الفرائض فهو مذكور على ما اشتُهر، ويلزم التحقق منه من مصادره الأصلية قبل الاحتجاج به.
والمقصود من عرضها طلب التصحيح، لا تقرير قول.