مجلة أقلام الثقافية
  • الرئيسية
  • هذه المجلة
  • المنتديات
  • الشاعر سامر سكيك
  • انضم إلينا

واحة الإبداع

  • الشعر الفصيح
  • القصة والرواية
  • الخاطرة والنثر
  • مقالات متنوعة
  • الفن التشكيلي
  • بحوث ودراسات
  • أدب عالمي

أقلام متخصصة

  • حديث أقلام
  • القلم الديني
  • القلم السياسي
  • القلم الفكري
  • القلم العلمي
  • القلم النقدي
  • القلم الاقتصادي
  • تحقيقات صحفية

اخترنا لك

  • أعلام ومشاهير
    • أرشيف
  • قراءة في كتاب
    • أرشيف
  • مختارات شعرية

زوايا متنوعة

  • إدارة وأعمال
  • مسرح ومسرحيون
  • شؤون فلسطينية
  • للنساء فقط
  • الصحة والناس
  • من هنا وهناك
  • علوم وتكنولوجيا
    • أرشيف
  • تربية وتعليم

موسوعات أقلام

  • أدباء ومثقفون
  • قصص الأنبياء
  • التاريخ الإسلامي
  • شعراء وقصائد
  • عقائد وأديان

تسالي وترفيه

  • شرح الأبراج
  • ابتسم مع أقلام
  • ألغاز سريعة
  • اختبر ثقافتك

القصة والرواية

قاع

التفاصيل
كتب بواسطة: عمار نعمة جابر
المجموعة: القصة والرواية
انشأ بتاريخ: 23 يناير 2003
الزيارات: 5

قاع
مسرحية ذات فصل واحد
المكان غرفه حجر صحي في الطابق السفلي لسفينة في عرض البحر….المسرح تتبعثر عليه بشكل عشوائي أسّرة متحركة.. فوق كل سرير شخص مغطى بملاءة بيضاء …..
ــ صــوت  هـديـر  بـحـر ــ
أصوات بشرية متألمة…
       يبدأ أحد الأشخاص بالحركة شيئا فشيئا ثم يجلس  
القاص:( يحدق في المكان)  برابرة أولئك الذين فكروا بالحجر الصحي .. ليتهم ممن قضوا في غرفه كهذه لتحدق عيونهم بما فكروا به .. أربعة جدران وسقف وارض من خشب ..هذا هو كل شئ .. هذا هو ما بقي من دنيا الحجر الصحي ( يقف ) دنيا لا ليل فيها ولا نهار .. لا ندري كم من الأيام مرت على هذه الغرفة .. علينا ونحن في الحجر الصحي ( يتحرك )  حفظت كل ذرة صغيرة في هذا المكان .. هنا مسمار مكسور الرأس .. وهنا مسمار خشب .. وهنا رسم قلب لم يطعنه سهم ( كيوبيد) بل مرت عليه الأيام هو وصاحبه بين هذه الجدران لينفقوا على هذه الأرض اللعينة .. وليتها كانت أرضا حقيقية .. خشب كاذب يعوم على بحار لا قرار لها ..أواه .. اشعر بدوار في رأسي كل أعضائي تؤلمني .. يبدو أننا قضينا وقت طويلا في النوم اليوم .. آه …
        ( القاص رجل كاتب أو يدعي ذلك وهو نحيل أشعث الشعر منهك تماما )
القاص:( يمسك رأسه ) طنين هدوء مريب يصرخ في السفينة هذا اليوم .. ( يلمس وجهه ) يراودني شعور غريب أن وجهي بدأ يتغير بسرعة .. لم أره منذ أن غدوت هنا .. أظن أن أنفي أصبح أكبر من يوم أمس ..عيناي غدتا جاحظتين .. لا ادري ماذا حدث لشفتي اشعر أن ملمسهما غريب … ربما بدأتا بالترهل كشفتي شمبانزي (يتحرك ، يصرخ ) بقع .. ليس اكثر من كونها بقع … لم تكن ( جرباً ) أبداً … ثم من قال أنها( جرب ) بقع ( يجلس ) صدقوني … بقع بسيطة طفحت على الجلد .. لماذا ؟ أ نتفسخ هنا بسببها؟ .. لماذا ؟ البحارة دائماً يصابون بالطفح الجلدي … من الشمس .. من البحر .. من الوحدة القاتلة .. ونحن بحارة مثلكم ( يصرخ) ألا تسمعون ؟ انتم يا من في الأعلى … آه … كم تنعمون بنور الشمس ، وذلك الهواء الرطب ، الذي يغسل الرئتين من أدران السنين .. انتم يا من في الأعلى .. ارحمونا بمرآة ، مرآة فقط .. نشاهد فيها وجوهنا .. هذا كل شيء .. ( يلمس وجهه) ماذا حل بهذه الوجوه التعيسة ؟ هل ستبدو على خير ما يرام في صندوقها الأخير ؟ .. بنضارتها التي شاهدتها آخر مرة قبل … قبل ( في حيرة ) قبل شهور … عشرات الشهور .. هل سيكون خشب الصّندل اكثر نضارة من شفاهي الذابلة وأنا في داخله ؟.. ( يحدق في المكان ) برابرة أولئك الذين فكروا بالحجر الصحي .. ليتهم ممن قضوا في غرفه كهذه لتحدق عيونهم فيما فكروا به … أربعه جدران وسقف وارض من خشب … خشب .. دنيانا كلها من خشب … وحتى موتانا .. لا نرحل إليه إلا  بخشب … صلبان حديثه هذه الصناديق الخشبية .. انظروا إنها تنتظر معهم .. تنتظر أن ننفق لتلقي بنا في عرض البحر .. يا من في الأعلى على  مهلكم .. صدقونا.. مثلكم نحن ، سئمنا ، كما سئمتم من حياتنا.. حياتنا ( يضحك بهستيريا ) حياتنا أية حياة ….
( صــوت  هـديـر  بـحـر  )
القــاص : ( يحدق في خشب الغرفة ) ألفان وثلاثمائه واربعة وستون قطعة من الخشب في جدرانها ، كل قطعة ثبتت بأربعة من المسامير.. الحاصل بالتأكيد هو ضرب القطع بعدد المسامير .. وإذا طرحنا عشرة مسامير ناقصة من عدة أخشاب سيكون العدد دقيقاً إلى نسبة مائه بالمائة … أمي كانت تعلمني الرياضيات بشكل مستمر دائماً ، تريدني إلا أخطئْ في حساباتي ، كانت تقول انك تأن في نومك يا صغيري .. وماذا في ذلك يا أمي؟ .. ستموت غريباً ، هذا ما يقولون .. بدأت أنسى حتى ملامح أمي.. حاولت كثيراً أن استحضرها دائما كي أمنع نفسي من نسيان خيالها الذي يشعرني بالألفة لكن دون فائدة ..  حساباتي كانت دائما على خطأ … ( يغني ) هــم … هــم …هــم أمي أموت غريباً ، لا يهم … لكن المهم أن أموت إنسانا ..ً إنساناً يا أمي . لا شمبانزياً في قفص من خشب يعوم إلى الوجهة المجهولة …هــم ..هــم ..هــم ...
           ( أحدهم من تحت الملاءة ) نريد أن ننام .. دعك من الغناء ..
القاص : ( يحرك الأسرّة بشكل عشوائي ) هيه .. انتم انهضوا .. انهضوا ..
البدين : ( يتحرك تحت الملاءة ) ماذا؟ هل جلبوا الفطور ؟
القاص: ألم يقتلك(الجرب) يا صديقي ؟
البدين : كلا طبعاً يا هذا … فالموتى يفقدون النطق في العادة .
القاص : يوم جديد لك في القاع … أتمنى أن يكون لك الأخير …
البدين : كلا بالتأكيد .. لن اترك أحدكم يحصل على حصتي في الفطور .
         ( ينزل من سريرة ، بدين جداً يتحرك بصعوبة )
البدين : السرير اللعين .. سيقتلني بسرعة وأنا لا أزال شاباً .. ( للقاص ) لم تقل لي … هل جاء الفطور ؟ هيا أحضره بسرعة أرجوك ..
القاص : ( باستغراب )  الفطور ؟ أي فطور ؟..
البدين : أي فطور …حصتي في الفطور ..
القاص : وكيف عرفت أننا في وقت الصباح كي تطلب فطوراً ؟
البدين : الصباح ؟ .. لا ادري لكنني أستيقظت لتوي من النوم جائعاً ، وارغب في تناول طعام الفطور …
القاص : لكنك ربما استيقظت ألان وأنت في منتصف الليل .. أو ربما في وقت الظهيرة أو ..عند مغيب الشمس ..من يدري ..
البدين : ربما .. لكنني جائع ، وأريد طعاماً .. أريد أن أأكل هذا كل ما اعرفه ..هل سمعت ؟
القاص : سمعت ذلك يا سيدي ..
البدين : إذن تحرك بسرعة .
القاص : لكنهم لم يدفعوا لنا بالطعام من تحت الباب بعد ..
البدين : ماذا ؟
القاص : يبدو أن وقت الطعام لم يحن بعد ..
البدين : كيف ذلك؟  .. لقد أخبرتهم أنني لا أستطيع دون طعام .
القاص : كلنا يعلم ذلك يا سيدي ..
البدين : إذن لماذا هذا الإهمال ؟
القاص : المعذرة عن التقصير .. لن تتكرر ثانية ..
البدين : أرجو أن لا انتظر طعامكم طويلاً …
القاص : يبدو انهم في الأعلى قد نسوا أن يرسلوا بالطعام إلي غرفه الحجر الصحي .
البدين : مللت من الحياة مع ( الجرب ) في غرفه الحجر دون طعام .. ثم أنني لا أريد أن اقضي بمعدة خاوية …ذلك يضايقني يا هذا …
القاص : أتمنى أن تكون طويل العمر يا سيدي ..
البدين : عمر بدون طعام لا حاجه لي به ..
القاص : تمنت لك ما نتمناه جميعاً أن يكون اليوم هو الأخير فلم ترضى .. تمنيت لك طول العمر فلم ترضى . ماذا تريد يا سيدي إذن ؟
البدين : هذه الأيام يتاخرون في الفطور دائماً ؟ ترى ما سبب ذلك برأيك ؟
        ( ينهض شاب شاحب الوجه من على سريره )
الشاب  : آه .. ما هذا .. اخفضوا أصواتكم أرجوكم .. جدي رجل كبير ويحتاج إلى النوم ..
القاص : لكنه ينام منذ فتره طويلة يا عزيزي …
البدين : ولا ادري كيف يبقى هكذا دون طعام ..
       ( الشاب يحاول أن يصلح الملاءة فوق أحدهم )
الشاب : انه رجل طاعن في السن .. ويحتاج إلي الراحة ..
البدين : كلنا بحاجة إلي الراحة … وبحاجة إلى الطعام أيضاً ..
القاص : وبحاجة كذلك أن نشفى من ( جربنا ) ..وبحاجة إلي  أن نخرج من قاع هذه السفينة لنطفوا إلى الأعلى .
الشاب : أنت على حق .. نعم .. جدي بحاجة إلى أن يصعد إلي ظهر السفينة .. نعم .. ويستلقي هناك تحت نور الشمس ، ورائحة البحر، ليعود كما كان في السابق .. يعود سيداً يملك السفينة من أقصاها إلى أقصاها …يقف له البحارة على جانبي دربه ليحيوه ..وتنحني له السيدات احتراما .. ويمر هو ببذلته الناصعة البياض .. يحيي الجميع بإشارة من رأسه … الجميع كان يحب جدي ..نعم .. ويحترمه , لقد كان يملك سطوة الاباطرة في عينيه ، فقد كان الجميع يخشى التحديق فيهما … انظروا .. إن عينيه بحاجة إلى نور الشمس كي يعود لهما بريقهما الماضي … انظروا هل ترون ؟
البدين : نعم .. وتعود لي رشاقتي ..صدقوني .. لقد كنت على ظهر السفينة شاباً نحيلاً جداً ونشيطاً جداً لكن
           منذ إن أصابني ( الجرب ) اللعين وسكنت في القاع اخذ وزني يزداد شيئاً فشيئاً .. يوماً إثر يوم ..ولا اعرف ماذا سأصبح بعد فتره …
        ( ينهض  القس من تحت ملاءته وهو يحمل بيده ناقوساً صغيراً يضرب به )
القس ( يحدق في المكان ) : أيضاً لازلت  هنا  ؟ .. متى ؟ متى؟ متى؟ ( يصرخ ) متى؟ ( يسترجع ) لا اعتراض .. لا اعتراض إنها المشيئة .. المشية المقدسة ( يركع على ركبتيه يقرع ناقوسه) شكراً ..إنني متيقن إن هذه الآلام ستطهر ذواتنا المذنبة .. الشكر هو كل ما نملك .. وأقسى ما تحمل ألسنتنا الآثمة ( يلتفت يميناً وشمالاً )
القس : ( يقرع الناقوس ) : انه الموعد .. انه الموعد ( يقترب من البدين ) حان الموعد يا سيدي ( يقترب من القاص ) أذكرك فقط يا سيدي بالموعد ( يقترب من الشاب ) الموعد يا عزيزي ..
البدين : أي موعد يا هذا ؟
القس: لا تعرفون أي موعد؟ .. ها .. تعرفون موعد الطعام .. والنوم .. وموعد الدواء .. ولا تعرفون هذا الموعد..
الشاب : لا اعتقد أن جدي قال لي شياً عن المواعيد ..
القس : (بقدسية ) الأهم بين كل المواعيد.. موعد الشكر ..
البدين : ( باستهزاء ) الشكر ؟
القاص : ( بتفكير ) : الشكر …
الشاب : ( ببلاده ) الشكر …
القس : ( يحرك الناقوس ) لا تدركون مطلقاً معنى أن يكون المرء شاكراً ..
البدين : ( باستهزاء ) الشكر .. كلمة مميزة ..آه ، لو استطعت التهام نقاطها الثلاث آه …لكانت ذات مذاق رائع …
القس : ( بتعجب ) رائع !!
الشاب: جدي يؤكد أن الشكر سمة مؤدبة .. وقد كان يقول : إن أستاذ التاريخ في جامعته يقدس المبدأ الميكافيلي في الشكر .
القس   : مبدأ ماذا ؟
القاص : الشكر موضوع رائع ..
القس : رائع لماذا ؟
القاص : لقصة..
القس  : قصة !
القاص : نعم .. قصة عن أولئك الذين يحصدون نتائج شكرهم ..
القس : ( بغضب ) الشكر اكبر من رؤوسكم …أيها المرضى المتفسخون .. إنني اشكر دائما لأنكم هنا .. (يدعو) أتمنى أن تقضوا حياتكم ..لا يمكن أن أتخيلكم في مكان آخر .. مكانكم في هذه الغرفة ، وعلى هذه الأسرة .. ( يدعو ) أتمنى أن تقضوا حياتكم هنا .
( القاص ، البدين ، الشاب ) : ( معاً ) آمين …
القس : ( يتعجب) آ…
        ( القاص  والبدين  والشاب يضحكون )
البدين : الشكر في حجر صحي ! كيف ذلك ؟
القس : ( بغضب ) وأين يكون إذن ؟
البدين : الشكر يا هذا عادةً يكون إما على مائدة مليئة بأنواع ألاطعمة ..أو .. أو ..أمام جسد مكتنز لأيل محشي بالجوز واللوز …
_  صــوت هـديـر بـحـر   _
الشاب: (بتفكير ) جدي يقول أنها ستصل ذات يوم إلى الشاطئ .
القاص : جدك يمتلك ….(يقاطعه الشاب )
الشاب : لا تذكر جدي بسوء أفهمت؟ … لقد كان …. كان ….
القس : كان .. وكلنا سنصبح كذلك ( يحرك الناقوس )
البدين : لا اعرف لماذا تأخر الفطور هكذا …
الشاب : فطور ؟ .. أي فطور ؟ …
البدين : يجب أن يكون موعده ألان …
القاص : الموعد الوحيد الذي ننتظره … الموعد الحقيقي الوحيد لنا ، فبعد انتظاره تجيء الاطباق في النهاية. 
البدين : م م م…أحلا لحظات ..
الشاب : ( وهو يرتب سرير أحدهم ) جدي كان يقول دائماً إن الطعام وسيلة ..
القس : ( يحرك الناقوس ) بطون .. بطون ليس اكثر من بطون  .
_    صــوت هـديـر بـحـر  _
 القاص  ( يتوجه إلى سرير أحدهم وهو مغطى بملاءته ) : لا أتذكر متى نهض من سريره آخر مره ..
الشاب : تعني الأستاذ ؟ .. قد يكون ..
القس  : لا .. أعتقد مطلقاً أنه قد يكون ..
البدين : وأنا كذلك اعتقد كينونة الأستاذ كانت منذ زمن بعيد ،انه يرزح تحت ملاءته بصمت الأطباق الفارغة.
القاص : لنحاول أن نساعده . قد يكون محتاجاً إلى شئ
         ( يدفع سرير الأستاذ إلى المقدمة )
 القس : وأي شيء في اعتقادك انه قد يحتاجه تحت ملاءته ؟
الشاب : الأستاذ يحتاج ؟ أي تلك الحاجات تعني ؟
البدين : (بتصنع )  يا هذا .. البايلوجية بالتأكيد .. ويمكنني أن أخصص عمومية الطرح والموضوع بأنها تتعلق بالبروتينيات والكاربوهايدرات ..وبدقه أكثر إن لها علاقة اللحم بالأرز .
القاص : طيب .. دعونا نرى في موضوعات الحاجات .. ما هي أول حاجاتنا يا ترى ؟
        ( يدفع سرير المعلم إلى العمق )
القاص : ( يقف في العمق ) لنفكر مع الأستاذ والجد في حاجاتنا المشتركة ..
البدين : بايلوجي ..أؤكد ذلك ..
القس : روحي .. حاجات روحية ( يقرع بالناقوس )
الشاب : كلا .. كلا أبدأً ، إن جدي …
القاص : ( مقاطعاً)  حاجاته بسيطة ، أليس كذلك ؟
الشاب : ( بغضب )  ماذا ؟ أرجو أن لا تذكر جدي بسوء أفهمت؟ .. جدي لا يحتاج مطلقاً… لا يحتاج …إنه … إنه …
القاص : هل هو مكتفي ؟
الشاب : لا … لا .. إنه .. إنه ..
القاص : تعني مستغني ؟
الشاب : لا.. لا .. إنه ..إنه ..
القاص : انه ماذا ؟
الشاب : إنه .. إنه جدي .. جدي وحسب ..
القاص : ألانه جدك .. فهو لا يحتاج ؟
الشاب : نعم بالتأكيد فكيف بجدي … جدي أنا أن يحتاج …
        ( يذهب الشاب ويحرك سرير الجد نحو مقدمه المسرح)
الشاب : لا يمكن لي أن أتخيله محتاجاً .. لقد كان شيئاً رائعاً .. وقد بلغ حين كنا على اليابسة مكانة ال ..مكانة ال ..
القس : مكانة العظماء ؟
الشاب : لا .. لا .. مكانة ال .. مكانة ال ..
القس : مكانة الحكماء ؟
الشاب : لا .. لا .. مكانة ال .. مكانة ال ..
القس : مكانة الأولياء ؟
 الشاب : لا .. لا ..
البدين : نعم .. نعم ..مكانة طبق الدجاج على المائدة ..
الشاب : لا .. بلغ جدي مكانه لم يبلغها أحد قبله مطلقاً .. وأشك أنه .. يمكن لأحد بعده أن يبلغها
         (يدفع سرير جده إلى مكانه الأول )
_  صــوت هـديـر بـحـر  _
القاص : لقد كان أستاذاً رائعاً ..
البدين : ماذا ؟ هل ترغب في درس في اللغة أو التاريخ الآن ؟ أنا اعتقد إن هناك رغبات أهم .. ( بتفكير ) بدأت ازداد قلقاً بشأن الفطور ..
القاص : أنا بحاجة إليه في كتابة قصتي الجديدة ..
الشاب : قصتك الجديدة .. ماذا عنها ؟
القاص : القصة التي أفكر في كتابتها ..
القس : كل مره تتحدث عن القصة التي تفكر في كتابتها …
البدين : ولم نسمع عن أي شيء تتحدث قصتك ..
الشاب : جدي كان يمقت أولئك الذين يتلذذون بتلاوة آلام الآخرين .
القاص : ( بغضب ) جدك لا يعرف عن قصتي أي شيء ..
الشاب : ومن يعرف عنها إذن ؟ جدي يعرف كل شيء .
القاص : ( بغضب ) جدك .. جدك .. جدك .. جدك لن يستوعب ما معنى أن يكون المرء قاصاً..
القس : ( يقرع بالناقوس ) م … م…م
القاص : القصة عالم لا يرتقي إليه الكثيرون .
الشاب : وأنت مرتقي ، أليس كذلك ؟  
القاص : لا يمكنك وجدك فهم ذلك .. 
الشاب : فهم ماذا يا سيدي ؟ … منذ أن حدقت محاجري في قسمات وجهك ، ولم اسمع جملةً واحدةً عن قصتك التي تصرخ بها في كل وقت .. وجدي لم يحدثني عن شيء  كتبته سابقاً .
البدين : نعم .. نعم .. حدثنا عن قصتك التي ترغب في كتابتها ، لعلنا نقتل بعض الوقت ، فأنا متأكد إن موعد الفطور ليس بعيداً جداً ..
القس : ( يجلس على سريره ) أي عبره في قصتك اخبرنا أرجوك ؟
القاص : ( بتردد ) إنها تتحدث عن أل .. أل .. الانتظار … نعم .. الانتظار …
_   صــوت  هـديـر  بـحـر  _
القس : يا الهي .. الانتظار .. يا لقداسته .. انه الشوق نحو اللقاء القادم .. انه الصبر الجميل لانقضاء الأيام المتبقية من العمر لنحظى بعبق المثول تحت كيان الرحمة الازلية .. ( يقرع بالناقوس ثم يغمض عينيه ، بقعه ضوء حوله ، يدور ) هناك حيث الفردوس حيث السماء زرقاء صافيه .. والغابات تمتد على مد البصر ، والأنهار الرائعة والكبيرة .. ( ينظر إلى الأعلى ) والطيور والفراش ( يشم ) وعبق السعادة يسد انفك هناك .. الفردوس .. يا لقدستها …
القاص : ( بتردد ) ولكن .. انتظار أل …
البدين : ( يربت على كتف القاص بانفعال مصطنع ) أحسنت يا صديقي .. فالانتظار هو الموضوعة المناسبة لقصتك القادمة .. ولكن لا أرى أن عمومية الطرح عند القس مهمة ( يهمس ) قد لا يمكنك لم شمل الموضوع إذا اتسع .. ( يسير جيئةً وذهاباً وهو يضع يديه خلف ظهره ويفكر ) أفكر في أن تقوم بخصخصة الموضوع وان يكون الانتظار مرتبطاً بحاجات الإنسان الدنيوية ، كالطعام مثلاً ( يقترب من القاص ) واقترح أن .. أن لا تجعل بطل القصة ينتظر طويلاً..
القاص : سأحاول …
الشاب : ( بغضب ) ستحاول !! أتعنى انك ستكتب عن الطعام ؟
القاص : لا .. ولكن …
البدين : ولم لا .. الطعام موضوعة دسمة فلولا خبزة ( هيجو ) لم يكن ( للبؤساء ) وجود ..
الشاب : ( للقاص ) لا أصدق انك ستكتب عن أطباق الحساء الساخنة ..
البدين : ( بغضب ) ولم يغضبك ذلك يا هذا ؟
الشاب : ( للبدين ) الطعام وسيلة لا غاية ..
البدين : ( يقف أمام الشاب) ومن قال لك ذلك ؟
الشاب : جدي .. جدي قال لي ذلك ..
البدين : وما الذي ينتظره جدك غير الطعام ..
الشاب : ( يصرخ ) جدي لا ينتظر  ( بتفكير ) أنا الذي انتظر جدي …
البدين : ( باستهزاء ) وتريده إن يكتب قصته في انتظار بقايا جدك تحت الملاءة …
القس : ( يحرك الناقوس ) م .. م .. م
القاص : أرجوكم .. أنا أريد أن أقول ..
_ صــوت  هـديـر  بـحـر _
القاص : لماذا لا نحصر الموضوع في الاتفاق ؟
البدين : أي اتفاق ؟
 القاص : اعني أن .. أن نتفق ..
البدين : نحن على كل حال متفقون .. لكن على ماذا ؟
 القاص : نتفق على أن نتوحد في وجهتنا .
الشاب : ( يضحك ) وجهتنا ؟
القاص : ما الذي يضحكك ؟
الشاب : ( يضحك ) أنت تقول وجهتنا ؟
 القاص : نعم وجهتنا …
الشاب : ( بغضب ) أية وجهه تعني؟ .. يبدو انك تنسى مكانك الذي أنت فيه ( يقترب من القاص ) أنت في غرفة للحجر الصحي ، في سفينة تسير في البحر .. لا يعرف أحد منا أين تتجه ، ولا متى ترسوا .. أنت مقذوف في سلة مهملات هذه السفينة .. في القاع .. أنت في عداد الأموات بالنسبة لمن في الأعلى ، يلقون لك كالكلاب فتات قصاعهم المليئة بالا طعمه وسيقطعون ذلك متى شاءوا .. ليس لأحد منا أي أمر فيما نحن فيه … لكن جدي كان يقول دائماً أنها سترسو يوماً ما …
القاص : اعني نتفق على وجهتنا في الانتظار .
البدين : إننا جميعاً في هذه الحجرة ننتظر شيءً واحداً فقط .
القاص : وما ذلك الشيء ؟
البدين : الفطور .. نحن ننتظر الفطور .. كلنا ننتظر الفطور .. إذن  نحن على وجه واحدة في الانتظار .
القاص : ثم ماذا بعد الفطور ؟
البدين : ( متردداً ) بعده … بعده … ننتظر الفطور أيضاً ..  
الشاب : ثم ماذا ؟
البدين : الفطور أيضاً .
القس : وبعدها ؟
البدين : الفطور بالتأكيد ..
القاص : أرجوك .. انظر إلى شيء أخر غير الفطور .
البدين : لا أستطيع … صدقني .
القاص : تستطيع …
البدين : صدقني يا هذا .. عيناي لا تستطيع أن تبتعد عن التفكير في دجاجة مستلقية على ظهرها في المائدة حتى تعود لتحلم بأطباق الحلوى المختلفة ..
القاص : ولكن يا سيدي هناك أشياء أهم من الطعام علينا أن نفكر فيها .
القس : نعم أنت على حق .. ولكن ما هذه الأشياء في رأيك ؟
القاص : مثل .. مثل أن .. مثل أن نشفى من المرض .
البدين : ماذا ؟
القاص : نشفى من المرض …نعم .. لكي نخرج من غرفة الحجر الصحي .
البدين : ننتظر أن نشفى من المرض !
القاص : نعم .. نفكر في أن ننتظر أن يحدث ذلك .
القس : إن ذلك بحاجة إلى معجزة .
الشاب: ويشفى جدي ؟
القاص : وتشفى أنت .
الشاب : وتنتهي كل آلامه ؟
القاص : وتنتهي كل آلامك .
القس : ولكن الانتظار شيء ، وحدوث ما ننتظر شيء آخر .
البدين : ماذا تعني يا هذا ؟
القس : أن نشفى من المرض شيء ، وانتظار أن نشفي شيء آخر .
البدين : وما الفرق في ذلك ؟
القس : قد نبقى ننتظر ولن نشفى أبداً .
الشاب : ماذا ؟ ماذا تقول ؟
القس : أن انتظر الفردوس شيء ..وان ننتظر أن نشفى شيء آخر ..
الشاب : ( بغضب ) نعم فهمت ما تعني .. تريدنا أن ننتظر معك أن نموت لنذهب إلى فردوسك .. لماذا لا ننتظر الشفاء لنحيا من جديد أنا و جدي .
القس : الشفاء بحاجة إلى معجزة .. لكن الموت لا يحتاج إلى ذلك .. صدقني .
الشاب : لا أريد أن انتظر الموت أنا وجدي … أفهمت ؟
القاص : اذاً ماذا علينا أن ننتظر ؟
الشاب : ننتظر أن يفتح هذا الباب مثلاً .
البدين : ماذا ؟ هذا اليوم اسمع أشياء لم أفكر فيها من قبل مطلقاً .. ماذا تقولون ؟ نحن هنا منذ فتره طويلة .. نأكل وننام .. ونتذكر الأيام الخوالي .. و.. فقط
الشاب : إذا كنا نريد الشفاء ، فيجب أن يفتح هذا الباب .. منذ أن كان جدي بحيويته الكاملة ، ونحن في هذه الغرفة ( بجربنا ) الذي لم يعالجنا منه أحد . ثم قد يكون علاجنا خلف الباب .. من يدري .
القس : لا يوجد علاج لمرضنا .. هذا كل شيء .
الشاب : من قال ذلك ؟ كل الأمراض لها علاج .. نحن بحاجة إلى أن نبحث عن ذلك .
القاص: وكيف ؟
الشاب : أن يفتح هذا الباب .
البدين : لكنه لم يفتح منذ .. منذ..
الشاب : منذ زمن بعيد .. بعيد جداً .
البدين : أنت على حق .. فالطعام كان يمرر من تحت الباب و .. فقط .
القاص : إذن نحن متفقون أن شفاءنا مرتبط بالباب؟
الشاب : اعترض ..
البدين : تعترض ؟ ماذا دهاك .. أنت من قال ذلك .. أليس كذلك ؟
الشاب : نحن الأربعة متفقون لكن جدي ليس كذلك ..
القاص : ( يستدرك ) والأستاذ أيضاً ..
البدين : لكنهم تحت ملاءاتهم .. ولا اعتقد انهم يرغبون في الكلام .
القاص : إذن دعونا نتوقع ماذا يكون رأيهم ؟
الشاب : نتوقع رأيهم ؟
القاص : نعم .. فقد يكون لهم رأي آخر .. وأنا متأكد انه سوف ينفعنا  .
البدين : من آراء الجد .. أن الطعام وسيله .
القس : الجد يؤمن بالمبدأ الميكافيلي في الشكر .
القاص : والجد يكره من يتلوا آلام الآخرين .
الشاب : وما علاقة كل ذلك بالباب؟
القاص : فلنحاول أن نجد علاقة في ذلك . فالجد يؤمن بالوسائل .. ويوافق على اعتناق المبادئ .. ويعارض إيلام الآخرين ..
القس : رائع .. إذن لدينا وجهة نظر الجد في الباب .. فهو يؤمن بوجود وسيله للشفاء ، وهو فتح الباب .. ويوافق على إن المبدأ مطلوب في قضية فتح الباب ..ويعارض أن نبقى في ألم دائم في هذه الغرفة .
البدين : والأستاذ .. ما هو رأيه في الموضوع ؟
القاص : الأستاذ يؤمن بالحياة .
البدين : وماذا يعني ذلك ؟
القاص : يعني الكثير .. فإن لم يكن موافقاً على قضية فتح الباب ، فهو لا يعترض على ذلك .
القس : أذن لنصوت .
القاص : ( يرفع كفه ) في فتح الباب علاجنا .
الشاب : ( يرفع كلتا يديه ) جدي وأنا نؤمن بفتح الباب.
القس : الباب والشفاء وجهان لعملة وجودنا .
_ صــوت  هـديـر  بـحـر  _
القاص : الانتظار وجهتنا .. نعم .. انتظار ماذا ؟ .. انتظار الشفاء .. والشفاء لا يتحقق دون أن يفتح الباب .
البدين : أنت على صواب .. والباب ؟ ماذا عن الباب ؟
القاص : ماذا تعني ؟
البدين : أعني متى يفتح هذا الباب لكي نشفى من ( الجرب ) ؟
القس : الباب ؟
الشاب : الباب لن يفتح دون أن نشفى ، لأننا في غرفة للحجر الصحي .
القاص : ولن نشفى دون أن يفتح الباب .
القس : إذن لن نشفى أبداً .
القاص : لماذا ؟
القس : لان الشفاء مرتبط بالباب . والباب مرتبط بالشفاء . وجهان لحقيقة واحدة .
القاص : أنت على حق ، حقيقة يجب أن نعرفها .. ونسلم بها ...
_  صــوت  هـديـر  بـحـر  _
البدين : ( يضحك ) يبدو انهم في الأعلى يعانون من متاعب في المؤن وإلا ما الذي يؤخر الفطور هكذا .. أرجو أن لا يكون لهم قرار جديد بخصوص ذلك ..
القس : ( منفرداً ، يقرع الناقوس ) الشكر لك يا واهب الحياة .. أتوسل إليك لا تجعل آلامي كبيرة حينما تنتقل روحي المعذبة إلى العالم الآخر ..آمين …
الشاب : ( قرب سرير جده ) جدي … أنا اعرف دائماً أنها سترسو ذات يوم .. سأبقى يا جدي مؤمن بوجودك
القاص : ( قرب سرير الأستاذ ) هل ننتظر أن يفتح الباب لكي نشفى يا أستاذ ..آم ننتظر الشفاء كي يفتح الباب ؟ .. إننا لا نعرف ما الذي ننتظر يا سيدي .. ( إلى الجميع ) لا اصدق أننا لا نستطيع أن نحدد ما ننتظر …
الشاب : إننا ننتظر الشفاء .. والشفاء فتح الباب … والباب …
البدين : والباب … صامت … لم يعطنا حتى طعامنا هذا اليوم ..
القس : استمعوا إلي .. لماذا لا نترك هذا الانتظار الذي أتعبنا هذا اليوم كثيراً …
الشاب : ماذا تقول ؟ لا نستطيع ذلك . نحن لم نصدق أن وجدنا شيئاً نفكر فيه … نتمناه . وتريدنا أن نتركه.                        
القس : إننا نتألم بسبب انتظاركم هذا …
القاص : إننا نحاول أن نجد سبباً نحيا من اجله بين هذه الجدران الخشبية .. منذ سنين طويلة ونحن نسكن قفصاً في وسط البحار المتلاطمة ، والتي ليس لها قرار … ( الجرب ) ينهش كل أجسامنا ونحن في القاع ، ننصت برعب لوحوش البحار تضرب جدران القفص اللعين .. ولا نعرف لها نهاية .. أسمعوا .. فتح الباب هو ما نحتاج أليه ، صدقوني … كي نعرف النهاية …
البدين : لكن الباب لن يفتح حتى نشفى من ( جربنا ) اللعين ..
القاص : وبين هذه الجدران سيأكلنا إن لم نفعل شيئاً .
الشاب : ( للقاص ) إذن أنت تطلب منا أن ننتظر فتح الباب ؟
القاص : نعم … يراودني شعور بأن شفائنا سوف نجده خلف هذا الباب ..
القس : ( يقرع الناقوس ) سراب … تتألمون لإجل سراب …
الشاب : كف عن قرع ناقوسك الغبي هذا … ألا ترى أن جدي يحاول أن ينعم بنوم هادئ ..
_   صــوت  هـديـر  بـحـر  _
البدين : ( ينام على سريره ) يبدو انهم في الأعلى قد تأخروا في صنع الفطور .. ( يخاطب القس النائم على سريره أيضاً ) ماذا تعتقد أيها القس انهم قد صنعوا على الفطور هذا اليوم ؟
القس : ( وهو نائم على سريره ) لا ادري ..
البدين : طيب .. ماذا تتمنى أن يكون فطورك هذا اليوم ؟
القس : أتمنى ! .. كنت فيما مضى أستطيع أن آكل ما اشتهيه في الوقت الذي اشتهيه . لكن ألان الأمر يختلف.
البدين : أمنيه .. أمنيه فقط يا هذا .. لأكثر .. 
القس : أتمنى .. أتمنى .. لا أتذكر أنواع كثيرة من الأطعمة . 
البدين : أستطيع أن أقول انك تتمنى أن تفطر جبنا وزيتونا ؟
القس : زيتون ؟ .. لا أتذكر طعمه . هل هو حلو المذاق كالليمون ؟
البدين : ماذا ؟ الزيتون حلو المذاق كالليمون .. أنت واهم يا هذا .. فالزيتون حامض المذاق كالقهوة ..
القس : أنت على حق .. لقد مر وقت طويل ..
البدين : ( يقوم من مكانه ويتجه نحو منتصف الغرفة ) ترى هل انتهى صنع الفطور اعتقد انهم قد فطروا على                                    ظهر السفينة ، تحت أشعه الشمس الساحرة ، ونسيم البحر اللطيف .. واعتقد أن مسامعهم يعطرها لهم عازف كمان نحيل الجسم ( يقوم بتقليد حركة عازف كمان بحركات راقصة ) هم …. هم …. هم ..
القس : ( على نفس النغمة ) هم .. هم … هم
القاص : ( يحرك سرير الأستاذ بهدوء ) هم … هم … هم …
الشاب : ( يحرك سرير الجد بهدوء ) هم … هم … هم..
                      ( الجميع بصوت واحد وبحركات واحدة )
_  صــوت  هـديـر  بـحـر    _
          ( البدين  يتجه نحو الباب وينصت بوضع أذنه قرب الباب )
القاص : ماذا تظن انك فاعل هناك ؟
البدين : لاشيء لكنني أحاول أن اسمع صوت أحدهم قادم .
القاص : وهل سمعت شيئاً ؟
البدين : ( يحاول التركيز ) الحقيقة لا .. مع الأسف ( يحاول مسك الباب ) .. يا الهي ( يفزع ) …( يتراجع إلى الخلف وهو مذعور ) يا الهي ..
القاص : ( باستغراب ) ماذا هناك ؟ ما الذي حدث ؟
البدين : ( بفزع ) لا اصدق ذلك .. مستحيل ..
الشاب : ماذا سمعت عند الباب ؟ تكلم ..
القس : هل سمعت صوت أحدهم عند الباب ؟
البدين : الباب .. الباب ..
القاص : ماذا حدث للباب ؟..
البدين : الباب مفتوح ! ! !
القس : ( على ركبته ، يقرع بالناقوس ) يا الهي …
القاص : ( بتعجب ) الباب مفتوح .. من فتحه ؟
البدين : لا ادري ..
القاص : من قام بذلك ؟
الشاب : ( يحتضن سرير جده ) ترى لماذا فعل ذلك ؟
القاص: ومتى فعل ذلك ؟
الشاب : ربما فعل ذلك قبل قليل ..
البدين : أو منذ البارحة ..
القاص : أو ربما منذ أيام .. أوانه كان مفتوحاً منذ …منذ
الشاب : انتظرناه يفتح ففتح ..
القس : ربما أراد أن يساعدنا على الخلاص .
القاص : من ؟
القس : الباب …
البدين : لا … لا اعتقد ذلك .. ربما هو فخ .. ربما لو خرجنا من غرفتنا سيلقون بنا في البحر .
الشاب : ماذا ؟ فخ !
القاص : وماذا سنفعل ألان ؟
البدين : ننتظر .. ننتظر هنا .. ونرى ماذا سيحدث .
القاص : ننتظر والباب مفتوح !!
البدين : نحن لا نعرف ما الذي يحدث في الأعلى ..
القاص : يجب أن نفتح الباب ونرى ماذا هناك .
البدين : لا .. لن افتح الباب ..أنا سأنتظر هنا .. انتظر وحسب …
الشاب : جدي كان لا يغامر أبداً بحياته .. وأنا .. مع جدي في ذلك ..
القس : مكاني هنا .. لن أغادر هذه الغرفة .
القاص : حسناً .. أنتم ترون ذلك ؟ لكنني لا أستطيع الجلوس هنا لأنتظر .
الشاب : ألم نتفق على وحدتنا في وجهة الانتظار …
القاص : لم يكن لدينا باب مفتوح حين اتفقنا على ذلك .
البدين : لا اعتقد أن هناك فرقاً كبيراً .. افترض جدلاً انه ليس هناك باب مفتوح .
القاص : لا يمكن ذلك .
البدين : لماذا ؟
القاص : لان الباب مفتوحاً ألان يا سيدي .
القس : سأرجع إلى سريري . لن افتح الباب ( يتجه إلى سريره )
الشاب : ( يتجه إلى سرير جده ) لا أستطيع أن اترك جدي لوحده .
البدين : ( يتجه إلى سريره ) لا اعتقد أن الفطور البارد سيكون سيئاً ، سأنتظر فترة أطول .
القاص : أنا آسف لا أستطيع أن ارجع إلى سريري والباب مفتوح .. سأفتح الباب ( يتجه نحو الباب متردداً ، يضع يديه بتردد على مقبض الباب ، ويبدأ بسحب الباب بهدوء )
القس : السلام … السلام  ( يقرع الناقوس )
         ( القاص يفتح الباب كاملا ويرجع إلى الخلف بهدوء )
البدين : ماذا هناك ؟ ماذا ترى ؟
القاص : لا يوجد أحد عند الباب .
الشاب : وماذا ترى هناك ؟
القاص : أرى سلما عند الباب .
البدين : سلم ؟ .. وماذا ستفعل به ؟
القاص : سأتسلقه إلى الأعلى .
القس : أنت تخاطر .. قد تدفع حياتك ثمناً لذلك ..أرجوك حكم عقلك في الموضوع . إن المنطق …
القاص : ( مقاطعاً ) المنطق يقول أن نبحث ، لا أن ننتظر لنتفسخ هنا ، سيدي القس .
         ( يندفع القاص خارجاً من الباب )
البدين : لا . عد إلى هنا ..أرجوك … عد إلى هنا …
_ صــوت  هـديـر  بـحـر  _
         ( يقوم الشاب ويحاول أن ينظر من بعيد من خلال الباب المفتوح )
الشاب : ترى ماذا حدث له في الأعلى ؟
القس : (وهو يحاول النظر ايضاً ) قد لا يرحمونه ابداً .. ربما هو ألان طعم لأحد اسماك القرش العنيدة ..
البدين : ( يقترب من الباب اكثر من صاحبيه ) ربما الأمر ليس كما تتحدثان ، فقد يكون ألان على ظهر السفينة والنادل يصف أطباق الطعام الفاخرة على المائدة التي بين يديه .
الشاب : أتعتقد ذلك فعلاً ؟
القس : ربما استطاع أن يجد لنفسه علاجاً من ( الجرب ) .
البدين : ويتركنا هنا نموت لوحدنا … نتفسخ .. لا .. لا يمكن ذلك ( يقترب من الباب ) لا يمكن ذلك ( ينصت ) اسمعوا ..
الشاب : ماذا هناك ؟
البدين : اسمع صوتاً في الأعلى .
الشاب : أي صوت ؟
البدين : لقد غدا الصوت على السلالم .. انه صوت وقع أقدام أحدهم .
      ( ينسحبون إلى الخلف ويكونون كتله واحده يحدقون في الباب )
_ صــوت  هـديـر  بـحـر  _
       (يدخل القاص إلى الغرفة بيأس كبير،  ويتوجه إلى سرير الأستاذ )
    ( يتجه إلى مقدمة المسرح وهو يحمل في يديه قطعة خشب وعلى ظهره كيس مملوء )
الشاب : ( يقترب من القاص بحذر ) ما الذي حصل ؟
القس : ماذا رأيت بعد السلالم ؟
البدين : هل صعدت إلى ظهر السفينة ؟ وماذا وجدت هناك ؟
القاص : ( بذهول ) لم أجد أي شيء 
الشاب : لم تجد أي شيء ؟ ماذا تعني ؟
القاص : لا يوجد أي شخص في السفينة ، سوانا نحن ..
الشاب : كيف  ذلك ؟
القاص : من كان في الأعلى ، قتلهم الطاعون ، الذي نقلته هذه ( الجرذان ) …
        ( يفرغ الكيس المملوء بالجرذان فتفر الجرذان يميناً وشمالاً )
البدين : وما هذه الخشبة التي بيدك ؟
القاص : إنها ( متراس ) بابنا الذي كان مقفلاً به من الخلف … لقد قطعته الجرذان التي ملأت السفينة من أعلى أشرعتها ، إلى اسفل قاع فيها .
القس : ماذا تعني بذلك ؟
القاص : سفينة فارغة من كل البشر . سوانا والجرذان ، والتي فتحت لنا باب المحجر الصحي . تقضم كل شيء في السفينة .. لا طعام .. لا دواء .. لا قوارب نجاة .. ولا محركات ولا أشرعه … ( صمت ) انظروا انها تنهش جدران القاع ….                                                                     
 عمار نعمة جابرـــ  الناصرية/ شباط2003

شاب في زمن العولمة

التفاصيل
كتب بواسطة: سمية البوغافرية
المجموعة: القصة والرواية
انشأ بتاريخ: 23 يناير 2003
الزيارات: 5

شاب من زمن العولمة 
  سمية البوغافرية
المغرب
 
     سحبت نفسي من فراشي وجسدي مدكوك من الأرق. أرق تعاقد معي مذ اللحظة التي حزمت فيها أوراقي وعزمت على ولوج سوق العمل. ولولا الفكرة التي برقت في ذهني فجأة، لاندسست في فراشي أقتنص سكرة النوم ولن أبرحه حتى الظفر.. أجل، لن أبرحه حتى  أظفر بغفوة تسرقني من هم السهر ومن انكسارات النهار...
 
     لكن ها أنا كعادتي كلما بزغ لي بصيص أمل في الأفق، أتصدى لجبروت شبح الليل بكل أسلحتي.. أمزق غشاء سجني.. أنتفض.. ألم ما استطعت من شتاتي.. أحزم أمتعتي وأمضي.. أمضي لمعانقة شبح النهار بأسلحة مهترئة تزداد مع الأيام اهتراء.. أمضي في أي اتجاه.. في كل اتجاه. أطرق أي باب.. كل باب... فأعود متخما بالانتكاسات والاستفزازات.. أعود إلى محطة الانطلاق.. إلى فراشي.. إلى مأوى الأشباح.. إلى مسكن الأرق.. إلى بؤرة الاختناق...
 
     لكن اليوم، شعلة الأمل سطعت في أعماقي، أضاءت جزءا من ليلي، وأنارت الوجود حولي.. أحس أن شخصا آخر زرع في كياني.. شخص آخر لا عهد لي به.. نشيط سليم حر.. ما أجمل أن يعانق المرء الشباب والأنوار حوله! ما أروع هذا! كل خلية في نشيطة وتمدني بثقة بالغة. سأسعى لأول مرة بعد التخرج نحو النور.. سأغنم من عزم اليوم ما أضاعته مني السنوات العجاف. علي إذن، أن أعجل بضخ هذا الأمل في صميمي أخي التوأم جميل وأخي وسيم الذي بلغ به اليأس ذروته رغم أنه أصغر منا. سأوقظ فيهما الثقة بالنفس والثقة بأن جذوة الخير لا يخلو منها زمن.
 
     كذلك عزمت فأقدمت دون تردد. وكيف أتردد والحسرة عن السنوات السبع العجاف التي مضت من عمري هباء لم تفارقني بعد. اقتحمت عليهما غرفتهما وهززتهما بنشوة بريق الأمل الذي ينبض في داخلي. حدقا في بوجهيهما المتقلصين، وعيونهما المتقدة غضبا تخاطبني بيأس مرير: ماذا غنمناه من سعي النهار حتى تنط لنا كما الجن في هذه الساعة؟ هدأتهما بيدي ثم استعجلتهما قائلا وبسمة الأمل تختم شفتي:
     ـ علينا أن نقل أول حافلة نحو قرية شتوكة آيت باها.
  
     نزل الاقتراح في قلبي الأخوين منزلة نسمة النجاة من الغرق، فسطع بريق الارتياح في عيونهما وقفزا من سريريهما يعانقانني ثم عكفا يلتقطان ملابسهما في عجلة من أمرهما. قال جميل ممنونا لأخيه علي وعيناه تشعان بفرحة النجاة:
     ـ أول مرة تقدم على خطوة صحيحة يا علي. فلن ينقذنا من محنتنا غير صديقنا وحبيبنا عبد الرزاق. فهو نعم الصديق ونعم الناصح، ويؤثر دائما مصلحة الغير على مصلحته. فلن يخيب بدون شك أملنا. ربما علم بضعفنا وتنحى عن عمله لصالح أحدنا. أليست هذه عادته وهو ضائق اليد؟ فأمثاله لما يوسع الله عليهم أبواب الرزق يمدون يد العون ويغدقون العطاء..
     ـ حقا، حقا.. وإذا أعطوا أغنوا وإذا نصحوا ضحوا...
     ـ الله يكثر من أمثاله.
 
     وما كادت شمس ربيع ذلك اليوم تشرق حتى كان الإخوة قد غادروا وسط المدينة وغادروا همومهم كما تغادر الأفاعي جلودها. قال علي لأخويه جميل ووسيم بنبرة متحسرة وهو يحدثهما عن صديقهم عبد الرزاق: 
     ـ ليتنا سمعنا كلامه وسلكنا سبيله.
     ـ يا لغفلتنا..كنا نسخر منه حينما كان يرشدنا ويحاول أن ينقل إلينا تقنيات بعض الحرف التي تعلمها.
     ـ كنا نعتقد أن شواهدنا ستغنينا عن مزاحمة أصحاب الحرف الصغيرة وأن مزاوليها أقل شأنا منا. ليتني تعلمت منه الإسكافية، وليتني تعلمت منه روح الرضا بكل شيء...
     ـ كنا نعتقد أن الجامعة ستجعل منا أسيادا. وأن شهادة الهندسة ستجعل المستقبل يفتح لنا ذراعيه.
     ـ ليت أمنا ربت فينا روح الرضا بكل شيء مثل أم عبد الرزاق. لسذاجتنا انسقنا كطفلين مسلوبي الإرادة وراء كلامها: إن الرأس والفكرة محور تحول كل شيء، وبأن العلماء يقودون ولا يقادون وأنهم يشيرون والآخرون ينفذون والقاطرة تسير... كم كانت روحنا تنصهر لمعانقة هذا اليوم الذي تصير فيها الأمور رهن إشارتنا وتتلمس فيها أيدينا نتاج سنوات الجري وراء التحصيل والتكوين، ونحقق فيه لأسرنا قليلا من الرخاء والرفاهية التي طالما ضحت بها من أجلنا. لم أتخيل أبدا أن يصل بنا الحال إلى حد تسول المصروف من أهالينا لنحلق رؤوسنا ولحانا..
     فاض فو علي بضحك الحنق وقال:
     ـ والله لولا المضايقات وسلسلة التحقيقات التي لا تنتهي ما مددت يوما يدي إلى حلق لحيتي.
     قاطعه وسيم:
     ـ وأنا أيضا، لولا المطاردة الملعونة الأخيرة ما حلقت ذقني إلا وأنا خارج من مأزقي
     ضحك جميل يقول:
     ـ لم أكن أرى فيك من الوسامة غير الاسم.
     ـ لا تسرع في الحكم على أخيك. غدا يفرجها ربك وترى الوسامة تسطع من هذا الوجه الذي كدرته الحاجة والغموم.
     ـ لا تيأسا على ما فات. اليوم إن شاء الله سنضع حدا لهذه المرارة.
 
     ورغم ضيق الاخوة من الريف وحياة الأرياف إلا أنها بدت لهم خير مخرج لأزمتهم، وأن الظروف هناك أكثر ملاءمة لتوظيف طاقاتهم وخبرتهم العلمية منها في المدينة حيث الزحام حتى على مهنة النبش في القمامة. وبصراحة، لم تحفزهم شهادتا الإجازة في الهندسة الزراعية والأخرى في الطب البيطري لخوض غمار هذه التجربة ولا إدراكهما للأمور مثلما شجعهما صديقهم عبد الرزاق القاطن هناك وحنكته الخرافية في تدبير أمور حياته.
 
     فهو شخص من طينة أخرى لا يمت إلى زمان العولمة بصلة. فمنذ أن تعرف عليه علي وجميل التوأمين في السنة الأولى إعدادي وظلاهما لم يفارقا ظله. لم تكن تشد الأخوان إليه طيبته وإخلاصه واجتهاده بقدر ما كان يشدهما إليه طريقة تعامله مع المصاعب وكيف يبددها بلين ونفسية راضية. ولولا الدموع التي رأياها في عينيه ليلة عودته إلى الحي الجامعي عاريا لتخيلاه لا يبكي، وأن الظروف مهما بلغت حدتها لا يحس بقرصتها. وكانا يعزوان قوة شخصيته وصلابة عوده إلى ظروف حياته. حيث ذاق طعم اليتم قبل أن يستنشق نسيم الحياة. وقرصه الحرمان وعانقته قسوة الحياة قبل أن يقف على قدميه.. فسكن المرارة وسكنته حتى تشكل بها عوده..
 
     لم يسبق لعبد الرزاق أن زفر أو اشتكى مما كان يعكر صفو أترابه من الشباب. بل كانت مشاكل أقرانه تضحكه وتصغرهم في عينيه حتى عادوا لا يثيرونها أمامه إلا وهم متحفظون. ومع ذلك كان دائما عضدهم ومؤازرهم ومفك أزماتهم... ولولاه ما أتم الأخوان دراستهما. كانا قد ركنا إلى زاوية اليأس وهما في وسط المشوار، واقتنعا بأن لا جدوى من إتمام باقي المشوار الذي تعتم وأظلم، وأن احتراف أية حرفة تضمن العيش الكريم خير من المضي في نفق مظلم أغرق السابقين في أمواج من الظلام. لكن صديقهما عبد الرزاق كان يشد من عضدهما ويزيح الضباب عنهما وينفذ بأسلوبه الشجي المقنع إلى مكمن الظلام في ذواتهما فيمسحه غيوم الكآبة الزاحفة إليهما من الأفق مسحا. كان يردد بين أصدقائه بثقة عمياء حينما يرى اليأس قد كبس على أفئدتهم وعمى أبصارهم:
     ـ بأيدينا أن نغير وضعنا إلى أحسن ونقهر الصعاب ونفتح لنا أفاقا تستوعب شبابنا وطاقاتنا وهواياتنا ونحقق طموحاتنا..
     ـ علينا أن نستفيد من أخطاء من سبقونا وأن نحتاط من اليوم من شر الوقوع في محنتهم أما إذا استسلمنا لليأس ونحن في منتصف الطريق فالخندق لا محالة سيكون أفظع..
     ـ علينا أن نعد العدة لهذا الغد الشبح الذي نتخوف منه وألا نرهن بكل ثقلنا على شواهدنا..       
     ـ علينا أن نسلك كل سبل النجاح فإذا فلت من أيدينا حبل مسكنا بآخر.
    ـ علينا أن نبذل كل ما في وسعنا لنيل هذا الرهان.. علينا أن نكسبه.. أجل علينا أن نكسبه.. وكوننا شباب فلن تعوزنا الوسيلة لكسبه.. لا تخشوا من الفشل. فالحياة معترك وما يكسبه المرء من هذا المعترك لا يقدر بثمن. فأنتم لا تدرون نشوة نحت الحجر بالأظافر ولم تذوقوا متعة الراحة بعد التعب. فالمصاعب، التي تتخوفون منها متى قهرتموها أكسبتكم نشوة السعادة، وصلابة الحجر، وثقة في النفس وهذا شيء يثمن بالذهب. وإذا كانت قيمة الحياة تقدر بمدى إسعاد النفس فيها، فالسعادة الحقيقية بنيل الصعب وطرق المستحيل وليس بالجلوس على الكراسي المتحركة وإمضاء الأوراق...
 
     وكان يختم كلامه ويسكن آلام أترابه لما يلتمس فيهم عسر هضمهم لما يدعوهم إليه بقوله الطافح بالأمل: ربما كان غدكم أفضل من يوم إخوانكم الذين يصارعون أمواج المحنة والظلام بمجاديف معطوبة ونلتم ما ترغبون باليسر الذي عاهدتم...
 
     كان الأخوان يجدان حقا في كلامه مسكنا لآلامهما وينقادان وراء نصائحه وإرشاداته كطفلين صغيرين رغم فتيل التمرد المشتعل في داخليهما لأتفه الأسباب. كما كان عبد الرزاق، ناصح كل أصدقائه وسلواهم ومفك أزرهم. إذ لم يكن يقول ذلك وهو نائم. وإنما سلك سبيل السعي وراء اكتساب الخبرة والحكمة منذ صغره. لم تكن ثمة شيء تشقيه في حياته وتنغص عليه حلاوة شبابه مثل أن يجد نفسه في أوج فترات العطاء يستيقظ لينام يلوك خيوط الحسرة على ما فات من عمره. فركب التحدي وسبح ضد تيار كابوس العالة والعوز منذ أن فتح عيناه على الوجود حتى أضحى مع الأيام يخفق قلبه مع كل نبضة " لن أكون فريسة سهلة للضياع..."
 
    ما أشد وطأة كابوس العالة وشبح البطالة على قلبه!..
 
     فهذه المأساة يتخيلها بينه وبين نفسه فتحرك فيه كل خلية تستهوي النوم. ففي الوقت الذي يستمتع فيه أصدقاءه بحياتهم على شواطئ البحر ليطردوا كابوس الامتحانات أو يتجولون في الشوارع ليقتنصوا بسمة من شفاه الحسناوات كلما داعبتهم حلاوة الشباب، تجده في الأسواق يتناقش مع هذا أو ذاك في تقنيات التجارة ومطباتها. وإن تعسر عليه مص معلومة من أحد الحرفيين تراه يحمل البضائع ويخزنها في الحافلات في مقابل أن يضطلع في آخر المطاف بخبرة في هذا الميدان أو ذاك. وكم حز أمره في أنفس أصدقاءه حينما رأوه يحمل أكياس الدقيق كما البغل من المطحنة إلى المخبزة ويكافح نيران الفرن وسوط لسان الخباز من أجل أن يكسب في آخر اليوم تقنيات في العجن والخبازة. في حين تراه يضحك والبشاشة تغمر وجهه ويدير ظهره للخباز كلما انهال عليه بالضرب وهو يقول له وفرحة الظفر تسطع من عينيه كأنه سيتقاضى أجرا خياليا: من علمني حرفة عبدته دهرا؟!...
 
    وأحيانا تراه يتردد على المطاعم، فتعتقد أنه ليأكل أو ليشرب وينتابك شعور بأنه قد ولجه ليترفه على نفسه ولكن ما أن تتوغل إلى الداخل حتى يصدمك حاله وهو غارق في غسل الصحون والكؤوس. بل ولا يتحرج من لمها من فوق مائدة أصدقائه وذلك مقابل تعلم طريقة إعداد وجبة غذائية في آخر النهار.
 
     والأمر كذلك في الميكانيكا والإسكافية والحدادة... لم يكن يفرق بين المهن. كلها عنده سواء طالما أنها تكسب متى أتقنها الشخص.
 
    ولولا ذلك اليوم الذي جرد فيه من ثيابه حينما قصد دور الدعارة والقمار لكسب مهارة في هذا أو ذاك ما أمضى عبد الرزاق ليلة في فراشه. وكان لا يعيب شيئا عن المدينة مثل انعدام الأمن فيها بالليل، إذ لو أمكنته الوسيلة لقضى ليله في البادية ونهاره في المدينة ولكان بذلك أسعد حالا مما هو عليه. وكان يحسد رفاقه على تواجدهم في المدينة لأنهم ولدوا وسط زخم من الحرف، وفي الآن ذاته يتحسر على أمرهم حينما يرى بعضهم يدس زر قميصه في جيبه لتلصقه له أمه متى عاد إلى البيت، أو يرى سيور أحذيتهم قد تمزقت أطرافها ولم يبادروا إلى إصلاحها. وكان يحز فيه حالهم لأنهم ألقوا بكل ثقل الدهر على شواهدهم العلمية وما قد تدره عليهم من وظائف ومناصب راقية. فتراه لا يفوت فرصة إلا وذكرهم بعاقبة وضع كل البيض في سلة واحدة...
 
     وكان عبد الرزاق خدوما وصدره رحب، ولسانه عذب، ويده ممدودة ومعطاءة رغم ضيقها. وما سبق أن قصده أحد يوما وخيب أمله وفي المقابل لا يبتغي من أحد غير رضاه على ما أسدى إليه من معروف. في حين لم يكن عبد الرزاق يستعين بأحد مهما بلغت حاجته إليه. وأهون عليه أن يبتر يده من أن يمدها إلى قبول نفحات الغير...
 
     ما أكثر خدماته لأصدقائه! وما أشد احتياجهم إليه! وما أشد وطأة فراقه على قلوبهم!
 
      في الطريق، قال علي لأخويه وفرحة النجاة تشع من محياه:
     ـ لا أحد يرد إلينا الروح غير صديقنا عبد الرزاق
     ـ لا شك أنه قد وظف مهاراته في مشروع ضخم متشعب الخدمات وقادر على امتصاص كل العاطلين من أصحابه.
     ـ لا أدري كيف غابت عني فكرة استشارته والاستنجاد به  طيلة هذه المدة.
 
     لم يحس الإخوة بوطأة الرحلة رغم حالة المركوب وصعوبة الطريق. نشوة إنقاذهم من الغرق استحوذت على قلوبهم وفتحت جيوب الآمال في صدورهم وأنستهم مرارة يومهم ومرارة ما مضى من عمرهم.. البيت في مقدمة الجبل. حال البادية لا يطمئن ولا يبشر بخير ويبعث عن الحسرة وخيبة الأمل ومع ذلك دفعوا بأنفسهم يطوون الربى ويصعدون إلى الجبل كما يدفع من تغمره المياه رأسه إلى أعلى أملا في نسمة هواء. ثقتهم العمياء في صديقهم عبد الرزاق كانت كفيلة بأن تبث في ثناياهم الشجاعة والقوة حتى النهاية.
 
     وما كاد الاخوة يبلغوا مقدمة الجبل حتى تهالكوا في باحة جرداء كجثث لفظتها الأمواج ثم استأنفوا الطريق على هدي نور بدر زمانهم الذي بدا لهم لحظته، أكثر سطوعا من أي وقت مضى:
     ـ فهو يستطيع أن يوفر قوت يومه من الرمال. لن يقهره هذا الجفاف ولن يرده عائق على بلوغ هدف إذا نصبه أمام عينيه.. ألم يقهر الجهل وبلغ المدينة راجلا وهو حافي القدمين؟ ألم يتخرج من كلية الهندسة بتفوق يحسد عليه وهو يتيم ويمر بظروف لو مررنا ببعضها ما خرجنا منها إلا ونحن في مصحة الأمراض العقلية؟ لقد أكسبه الزمن المناعة إزاء قسوة الحياة ووجد في أمه خير السند ونعم المثل في قهر مسلسل المحن...
 
     كان نباح ميرو المزمجر والذي يهز القرية الغارقة في النوم دليلهم ومرشدهم إلى بيت صديقهم. ذلك البيت الذي ميزوه عن باقي أشباه البيوت بمجرد ما وقع بصرهم على حمار أبيض ونعجتين وشجرة زيتون يحرسها هذا الكلب المربوط إليها والذي راح يهز الشجرة ويكاد أن يجتثها من جذورها كلما دنا الاخوة منه فهز قلوبهم روعا ورعبا. وكيف لا ترتعد فرائسهم وتهتز قلوبهم في هذا الخلاء وأمام هذا الكلب الذي لم يرمقوا في طريقهم مخلوقا في حجم جسده وضخامته كأنه يقتات بأمثالهم من ضحايا الزمن؟! طمأن علي أخويه وقلبه فارغ من ذرة طمأنينة قائلا لهما:
     ـ هذا حاله إزاء الأغراب. لكن لا تخشوا منه فهو لا يؤذي أحدا إلا إذا شم فيه رائحة الغدر والعدوان...
 
     طرقوا الباب وعيونهم تتنقل بين هياكل المخلوقات حولهم لتستقر جاحظة على القارب الصغير المنزوي بجانب نوالة على يسارهم.. قارب مجهز بكل المعدات.. تبادلوا نظرات حيرة ثم أجالوا بصرهم يستجلون الأمواج في عمق الصحراء، فعادوا وهزوا باب البيت هزا كمن يستجدي من خطر وشيك رغم أنه كان مفتوحا. بل يبدو أنه لا يغلق على الإطلاق ولا سبيل إلى إغلاقه أبدا. هزوه ليعتقوا أنفسهم من هيجان الكلب ومن الضباب الزاحف نحو أنفسهم. ولولا بوادر الإعمار التي حولهم لظنوا البيت مهجورا وعادوا أدراجهم يندبون حظهم...
 
     فجأة، صعد شخص نحوهم. ما أشبهه بعربة مشحونة بطن من التبن تتمايل كأنها تطفو فوق سطح مائي وكأنها مجرورة إلى أعلى بحبل سري.. سلب منظره حواسهم فراحوا يجهدون عيونهم وجل مداركهم لحل طلاسمه واستجلاء حقيقته: رزم من الحطب تغطي شكله المنجلي، ورزمة ضخمة من الملابس المبلولة تفيض من فوق رأسه، ويداه مثقلتان بإبريقين من الماء، وفوه يخرسه حبل وقد التهم جزءا من خده الأيمن ويشده إلى الوراء بقوة تنال كل مرة من توازنه ومن رغبته في التقدم. وفي كل مرة، ومع كل خطوة يظن الاخوة أنه سيتعثر وينقلب على نفسه ويندثر فإذا به يهزم ولا ينهزم.. وقف أمامهم صامدا وحياهم بابتسامة عريضة دفع بها رغم الحبل الذي ما زال يخرسه... أدرك الاخوة بأنها أم عبد الرزاق.. سيدة في الأربعينات لكن شكلها الذي نحتته المحن يوحي بشكل طفلة نحيفة في العاشرة من عمرها. وجهها بشوش وعنوان للقناعة والرضى... عيناها غائرتان حادتان يسطع من أديميهما الصافي شعاع التحدي والتصدي...
 
     غمغم الإخوة وعيونهم تشع بنظرات إعجاب وتقدير:
     ـ وراء كل رجل عظيم امرأة! وما أدراكم امرأة مثلها!
 
     ما أسعد الأم بضيوفها!!! وما أوسع بحر الأمل الذي ضخوه في أعماقها!!!
 
     استوقفتهم بلباقة عند القارب "النعش" وهي تقول لهم وعيناها تتنقلان بين الفأس والقارب العدو:
     ـ ما أسعدني بكم يا أولادي! ساقتكم إلي ملائكة الرحمة. ما أوسع رحمتك يا رب وما ألطفك بعبادك!
    
     ودت الأم لو يمد أحدهم يده إلى الفأس ويدك القارب. إذ كم مرة راودتها رغبة الفتك به إلا أنها كانت تفشل في كل مرة وتتراجع.. فهي الأم التي لا تكسر رغبة لابنها. دعتهم بنبرة سارة إلى داخل البيت فدخل الإخوة. كان صديقهم عبد الرزاق مقتعدا فوق جلد خروف مهترئة في أقصى زاوية الفناء. على يساره مجموعة من كتبه ودفاتره وثلاث برادع مرقعة وعلبة فيها خيط ومخيط وأدوات أخرى. يداه مسرفتان في قص أوراق بدقة وعناية في حجم أوراق نقدية من فئة مائتي درهم. وقد انتهى من إعداد رزمتين تبدو في دقتها وضبط وزنها كأنها رزم من أوراق نقدية من فئة خمسين درهما وأخرى من فئة مائة درهما. رغبته في إعداد المزيد منها مستحوذة على جوارحه كأنه على موعد بتسليم دفعات منها. وقد كست ظلال أصدقائه هيكله الذي بلغت به النحافة مبلغها ومع ذلك لم يبادر برفع رأسه حتى همس علي في أذنه ضاحكا له:
     ـ ما هذه الرزم يا عبد الرزاق؟ أمشروعا تريد أن تزاحم بها زمرة المحظوظين في هذه البلاد؟
 حينئذ نط من مكانه وعانق أصدقاءه بحرارة الشوق التي فاض به صدره ودعاهم بعينين مغرورقتين إلى الجلوس على جلدة الخروف التي كان يجلس عليها ليغرق من جديد في عمله. بدا للإخوة أنه يخفي في عمله هذا، لوعة لم يستجلوا طبيعتها ولا مصدرها بعد، ومع ذلك لم تتزعزع ثقتهم فيه في قهر المصاعب. بادره وسيم بالقول:
     ـ هل من مساعدة تودها يا السي عبد الرزاق؟
     رفع عبد الرزاق رأسه يبتسم لأصدقائه المحيطين به ابتسامة متعثرة سرعان ما انمحى أثرها من على شفتيه كما أفل بريق الثقة في عينيه وقال ويداه مستمرتان في الترتيب وضبط المقاس:
     ـ إذا رغبتم فاليتكفل أحدكم بضبط الوزن: خمس سنتيمترات في الطول وأربع منها في العرض والآخر يتكفل بالقص لأرتبها هكذا في رزمة متى اطمأنت إلى حسن أدائكم. انساق الأخوان وراءه كطفلين صغيرين امتصتهم نشوة تعلم قواعد لعبة جديدة:
     قال جميل مسرورا وقد شرع في العمل:
     ـ تخصيص العمل مبدأ مهم في الاقتصاد أليس كذلك يا عبد الرزاق؟
     ـ أجل، أجل هو كذلك.
     قاطعه علي مندهشا وهو يمد يده إلى إحدى الكتب:
     ـ وكيف تجرؤ، يا عبد الرزاق، على قص كتبك ودفاترك هكذا...
     ـ العلم في الصدور وليس في السطور.
     فوخزه أخوه جميل بطرف كتفه هامسا في أذنه:
     ـ ماذا استفدناه من العلم ورزم الأوراق التي نشحن بها الرفوف؟ هيا قل لي
    أضاف علي متأزما مصدوما:
   ـ وكم تحتاج من الرزم يا عبد الرزاق؟
فوخزه أخوه جميل بطرف كتفه ثانية قائلا له بصيغة آمرة:
     ـ اشرع في العمل إذا أردت، ودعنا من هذه الاستفسارات العقيمة، فكثرة الكلام تفسد الجودة ثم فالعمل في حد ذاته قيمة.. ألم تستنج هذا بعد؟ وإلا ما أتى بك هنا غير البحث عنه.
 
     كبست الصدمة على فؤاد الأم ونطت عيناها من جحريهما وهي ترهف إليهم السمع من نافذة غرفتها المطلة على الفناء. قال عبد الرزاق بعد ما اطمأن إلى عمل الأخوين:
     ـ لا شيء يعادل العمل الجماعي.
     قاطعه علي يبتلع الصدمة:
     ـ ونحن ما حملنا على المجيء إلى هنا غير إيماننا المطلق بقيمة العمل الجماعي. ولكن هلا أفصحت لنا عن قيمة هذا العمل وجدواه؟
     ـ لقد نبهني أحد زبائني حينما رآني أعد كما الأعمش دريهماتي التي كسبتها من ترقيع برادعه وقال لي: يا للمصيبة لما تكون من أصحاب الملايين! فلن يرهقك ـ يا السي عبد الرزاق ـ شيء مثل عدها. ثم أشار علي أن أعد رزما من الورق وأتدرب على عدها مثله...
     قاطعه جميل الذي يريد أن يقحم نفسه في سوق العمل بشتى الطرق:
     ـ لا تحمل لعدها هما، المهم أن تجري بين يديك ـ يا أخي ـ فنحن هنا بمثابة اخوتك الذين لم تلدهم لك أمك
     ـ فالنتوكل على الله إذن،
     قال علي بنبرة ساخرة وهو ينظر إلى البرادع التي بجوار صديقه:
     ـ وعما العزم إن شاء الله يالسي عبد الرزاق؟..
 
     التفت عبد الرزاق وراءه يستجلي ظل أمه ثم قال لأصدقائه بصوت خافت:
     ـ سنركب البحر ونستثمر طاقاتنا ومهاراتنا في مشروع ضخم في الضفة الأخرى.
    قال علي وهو يدوس على أعصابه ويكبح رغبته في القض على رقبة صديقه وعصرها بين يديه بقوة الصدمة التي اجتاحته:
     ـ ماذا؟ أتدعونا إلى ركوب البحر على متن ذاك القارب؟.. أترغب في ركوب قارب الموت يا عبد الرزاق ؟ أتسعى إلى امتطاء نعشك بساقيك يا حكيم زمانه؟...
 
     وبينما علي يهول الخطب في نظر صديقه ويحذره من عاقبة الاندفاع والطيش كان أخواه قد انتشيا بعرض صديقهما.. يرقصان .. يحلقان في العالي.. يعانقان الأحلام على إيقاع ما أعده بدر الزمان من الدهاء والضياء.. فوجد علي نفسه وحيدا يغني لحياة الضنك.. يناجي المنطق والعقل وأمواج الواقع تصفعه وتصرعه.. جذب إليه أخويه، اللذين خدرهما العرض كأن ليس هناك بوابة لعتق الشباب غيرها فزمجرا ورمياه بشباك الواقع قائلين:
     ـ وهل رأيت الشمس بأيماننا والقمر بشمائلنا فعدلنا عنهما ببحر الظلام.
     ـ أنتم تبدلون الظلام بما أحلك منه.
     ـ لا نبتغي من عزمنا غير النور.. غير النجاة من بحر الظلمات الذي لبسنا واكتوت به جلودنا وصبغت به أنفسنا حتى صرنا كتلة من الظلام تتحرك...
 
     بسرعة البرق هدأت عاصفة الحكيم المحتار، ووجد نفسه في القارب يرقص مع السرب بجناحيه للعهد الجديد.. عهد الشباب والأحلام.. عهد الضياء والنور.. ثمل الشبان بعتق الشباب وتناغمت ضحكاتهم مع زقازيق العصافير.. على حين غفلة منهم داهمهم، من الخلف، موج صاخب مرعب هد صرحهم وشتت مجمعهم وألقى قاربهم في بحر الهول والرعب كأن قنبلة موقوتة غرست وسطهم وانفجرت فجأة. التصقوا بالجدران مستسلمين للقدر وهم يعقبون مسار الأم المفؤودة التي اندفعت من باب غرفتها كما الموج الصاخب تولول وتزمجر وعيناها تمطران شرارة كهربائية ولسانها يقذف قذائف بركانية:
     ـ تبا لكم ولزمانكم.. كلبي، ميرو، أولى بلحمكم من الحيتان.. ليلتهمكم جميعا...
 
   ارتجف علي كمن يصارع سكرة الموت وانقض على يدي أخويه يجرهما وراءه وهو يقول وعيناه ترصدان برعب يدي الأم المشتعلتين بفك رباط الكلب وتهييجه بضربات في الخلف:
     ـ علينا أن ننجوا بجلدنا فعضة البطالة لا تقتل!... 
 
 
                                                                                                      سمية البوغافرية
الناظور / المغرب

فتنة المساءات الباردة.

التفاصيل
كتب بواسطة: المختار ميمون الغرباني
المجموعة: القصة والرواية
انشأ بتاريخ: 17 يناير 2003
الزيارات: 4

فتنة المساءات الباردة!

بخطو شبه زاحف قرأ حذائي المسافة ما بين الشقة ومقهـى الزمن ..الدروب الضيقة الضاجة بألسن المارة وروث البهائـم ترشحني للاستياء على كناش المدينة ..أحس وكأن الروح تطالب باستقلالها الذاتي عن الجسد ..الروح تدعوني الى كأس قهـوة . الجسد يطالب بعصير برتقال ..الروح تنفصل عن الجسد، الجسد ينفصل عن الروح! ألج مسارب الذهان والفصام.. جاهدا طالبت النادل الوسيم بعصير برتقال بصوت مثقل بالدعابة والسخرية ..وبصوت يرسو ما بين القلق والانتشاء طلبت كأس قهوة سوداء.. الروح والجسد يحطمان الفواصل، يتحقق التلاحم !النادل الوسيم أحضر الطلبين بخفة ورشاقة ..ابتسم ،ونبهني إلى فاصل الأخبار ، الأصوات تتزاحم ، تتشاكل ،تتوزع في حدود ضيق فضاء مقهـى الزمن ..صـوت مذيعة الأخبار الشقراء يـراوغ خليط أصوات الزبائن ..طعم الخيانة يتصاعد من جوف التلفاز، رائحة الخيانـة تزكم زبائن المقهى.. انقطع صوت المذيعة الشقراء وانقطعـت أصوات الزبائن فجأة! تدلت عيونهم وتشربت ألوان المشهد الحزين…..
شرطي اسرائيلي يتحرش بأم فلسطينية تحضن صغيرها..الأم تقفز رافضة !الشرطي يحاصرهـا برشاشه ..يحاصرها..تتراجـع الأم غاضبة! تـرشقه بكلمات عربية ..صغيرها يصرخ، يرتعـد في حضنها..الشرطي يواصل خطو الاقتحام ..الأم الفلسطينية لاتقدرعلى المنازلة ..تعالى صراخها ،صراخ صغيرها ..قطعت حبل الصبر وانخرطت في هستيريا الاحتجاج ، السب، الشتم، الندب…
عفريت ركب رأس الشرطي …يقترب منها بخطو ثقيل ..انتشل الصغير من حضنها بقوة ..أسقطها أرضا بركل متمرس..أخذ الصغير بقبضته، عقد على عنقه ..رفعه إلى أعلى ..الى أعلى .. أكثر ..الصغير يرتعد ،ينتفض، غارق في البكاء والصراخ .. عفريت ركب رأس الشرطي..!يحكم قبضته على عنق الصغير، تتقطع أنفاسه ،الصغير يرفرف في الأعلى !الأم الفلسطينية تحتضر، دم أحمر متخثر يتدفق من رأسها ..عيناها نحو الأعلى ..الصغير يرتعد والشرطي يقهقه بأعلى صوته ..ترتسم في أعين الزبائن خرائط ضوئية لأحقر مشاهد المهانة والاحتقار .راح يفتش في جيوب جهاز التلفاز عن مشهد قد يذيب استياء المكان!أصوات الزبائن المختنقة بعباب الدخان تشاركه البحث ..فريق يرضى ..فريق أخر يعصى ..أصوات تتعالى ،تتصايح، مقهى الزمن مصاب بالحمى وصداع الرأس ..صاحب المقهى شخص ملتح يجلس الى جانبي يحتسي شايا من غير سكر ،ويخرج من جمجمته الظالمة جملا غير مقيدة بمنطق! ينهر الزبائن بكلام جارح ..يتوعدهم بـإغلاق المقهى إذا استمر الحال على اختلافهم..ركب جملة مفيـدة .. أطلقها في الهواء..تعمد إسماعي صوته الراعد:
- ناس بزاف عليهم التلفاز ..خصهم العصا !
لم أتبين لماذا العصا ضبطا ،غير أن رأسي أشارت إليه تصديقا.غير مبال بما يقول حولت مجرى العين ..في العمارة المجاورة ..في الطابق الثاني ..في الشرفة امرأة مكتنزة ،في عمـر المرأة التي كانت في التلفاز، توزع
الابتسامات على الرائحين، الغادين، المارين على غير اهتداء ..تنفخ كرة علكتها ..تعمد الى فرقعة الكرة ..تلعق شفتيها بطرف لسانها ،تبعثر خصلات شعرها الأشقر ..صدرها ينتحب، ينتصب خلف إطار النافذة ،يتدلى عناقيد عنب خريفي في جنائن اللذة ..نار حارة فائرة سرت في أوصالي ..لذائذ جامحة تتجول في جيوب الروح والجسد!أصوات مجهولة تقيم بداخلي عرسا للثرثرة كثيرا ما كانت تتضايق من صمتي الراعش ..أترقب عصا صاحب المقهى الملتحي، يلوح بها في فضاء المقهى آمرا الزبائن بالهدوء الى حيـن ..
الأصوات المجهولة بداخلي لم تتحمل الصمت أكثر ،تتأهب الى تطريز الكلام بعبير
اللغة ومعسول الحكمة :
الصائت الأول :العصا..العصا!
الصائت الثاني :ربما كانت عصا موسى !
الصائت الأول :عصا موسى ..لم عصا موسى !؟
الصائت الثاني :وحدها عصا موسى تحقق المبتغى !
ستتحول إلى ثعبان
الثعبان الى مشجب
المشجب ،حيث التبان الوردي المشبك سيتحول الى أنثى !
حواء ،وحدها تحقق التوحد والائتلاف !
الصائت الثاني نبهني الى أنثى الشرفة !ملعون هذا الصائت الذي يرقد بدواخلي
على تلة ممسوخة برئتي ..الأنثى في الشرفــة ،في الطابق الثاني ، في العمارة
المجاورة تجاورني بانتشائها ..ابتساماتهـا
أورقت وأزهرت موعدا.. ربما كانت أنثاي !أراها تبرق إشارات
غامضة ذات نفحات شبقية !تدعوني الى العمارة ،الطابق ،الشقة ، الشرفة..لذائذ
جامعة جانحة تستيقظ الآن في رأسي ..الأصوات
المجهولة بدواخلي تتهددني :
الصائت الأول :الأنثى دائرة المشكل !
الصائت الثاني :ارتعاشة عشق دفين قد تنتابك في أية لحظة !
الصائت الأول :ما أفتك غربة الجسد عن الروح ..
الصائت الثاني :ما أفتك مقام العاشق الواجف الراجف !
أنا العاشق الواجف الراجف ..تخترم صدري نبال المدينة الغول..
أنثاي قالت لي نفس الكلام قبل أن تسافر إلى مدينتها الجبلية !عاشق واجف راجف
أنا !أسعل..أختنق ..عباب الدخان عتم سقف مقهى الزمن .أصوات الزبائن تصر على
توجيه النـادل الوسيم. المشاهد والصور تتوارد .. لا أحد يرضى ..المشاهـد
والصور تتوارد ،النادل الوسيم يتأفف .يسخط على جهــاز
التلفاز..زبائن المقهى يرعدون.. فريق يعصى ،فريق يرضى ..
هنا ..لا!هناك.. لا!هنالك.. لا! لم أعد أتحمل أصوات الزبائن
أكثر ،لم أصرخ حتى لا أنعت بالمجنون !
فالصراخ عادة المجانين .هذا ما تعلمته من زوابع المدن الرمادية
الأصوات المجهولة تتأهب للكلام.. تكاد تنفجر بدواخلى :
الصائت الأول :السفر في الأحلام عادة المجانين أيضا..
الصائت الثاني :فتنة المساءات الباردة ،أيضا عادة المجانين في المدن الرمادية
..من رعاش فتنة المساءات الباردة يتقطر الهم الدفين خطى رتيبة زاحفة تتهجى
المسافة في دروب ضيقة ظالمة..!
نبهني الصائت الثاني الى ما ينتظرني من دروب خانقة ،تؤسس لرتابة الخطو الزاحف
ما بين مقهى الزمن والشقة ..أنا العـاشق الواجف، الراجف..أنا الراعش الزاحف..!
أنثاي قالت لي نفس
الكلام قبل أن تسافر الى مدينتها الجبلية ! أصابعي ترتعش.. رأسي تكاد تنفجر
..يحتد توتري أكثر..!ألج عوالم الذهان والفصـام ..
مصيبة الاختلاف تغرق المقهى في صراخ هائج ..أصوات مجهورة
متنافرة ..ترضى.. تعصى!علبة السجائر تحتضر،فاه صاحب المقهى الملتحي فاغر. رأس
النادل الوسيم هي الأخرى تكاد تنفجر .. داخت الرأس مع عناد التلفاز..انقطعت
حبال الصبر..!
النادل الوسيم يجوب جيوب التلفاز بعزم ثابت .الأصوات تعاند المشاهد والصور
تتوارد.. تتواعد.. الأصوات تتصايح ،فريـق يعصى.. فريق يرضى !الأصوات تتوحد
،تساير إيقاعات المشهد ،
تتماثل.. تتماهى.. الأصوات الآن تتوحد أكثر.. الأصوات الآن
صوت واحد ثقيل.
- احبس.. احبس.. الفيلم.. احبس..!
الأفواه فاغرة ،الأعين متوهجة ،التلفاز طائعـة تساير التوحـد والاختلاف!
المشهد صقر يحط بزهوه الغريزي على الصخرة ،يـمط عنقه ،يتأهب لايقاعات المنازلة
..يمامة لاهية تجمع تفاصيل عشـها!
المسافة ما بين الصقر واليمامة ،نفسها المسافة ما بين زبائن مقهى الزمن وجهاز
التلفاز ،ما بين أنثى الشرفة وبيني!
الأصوات لمجهولة بداخلي (تباغتني ..تتأهب للكلام! محكوم علي بالانصات كلما
شاءت الأصوات ترقيص أجراس اللغة وتــذوق
معسول الحكمة :
الصائت الأول: التوحد ،طريق وعر واختيار صعب !
فمن توحد اختلف
ومن اختلف عن الركب تخلف!
ومن تخلف تاه
ومن تاه شاخ
ومن شاخ لزمته عصا!
الصائت الثاني :العصا.. مرة أخرى ..العصا!
العصا ثعبان..
الثعبان مشجب حيث التبان الوردي المشبك…
المشجب أنثى سافرت في الأحلام ..
الصائت الأول :السفر في الأحلام عادة المجانين..
الصائت الثاني : وفتنة المساءات الباردة أيضا!
نبهني الصائت الثاني الى ما ينتظرني من قذف للخطى الزاحـفة في دروب ظالمة
..!أسعل وأبصق سائلا مرا.. المساءات الباردة هشمت صدري ..أضيق أكثر من الدروب
الموبوءة …أسعل.أختنق.أتقطع أجزاء تطالب باستقلالها الذاتي ..الروح والجسد في
عراك !تنفصل الروح عن الجسد. ينفصل الجسد عن الروح !ألج مسارب الذهان والفصام
.. بخطو شبه زاحف قرأ حذائي المسافة ما بين مقهى الزمن والشقة…

غربة

التفاصيل
كتب بواسطة: بديعة الطاهري
المجموعة: القصة والرواية
انشأ بتاريخ: 15 يناير 2003
الزيارات: 6

بديعة الطاهري

غربة

انتهيت من كتابة قصتي. ضمنتها عصارة ما أملك من الجمل والتعابير الفاتنة. عشت مع أبطالها مآسيهم. تحولت إلى بطلة في النص .قرأت القصة مرارا وتكرارا وقلت: ما ينقصها؟ فضاء وشخصيات وحبكة .إنها عبقرية فذة .والأهم هو أنني قدمت الواقع وتناقضاته بشكل خيالي .فرحت وباركت المولود الأول. قبلتها مرارا وتكرارا.قلت سيصبح لدي اسم بينهم. أعرف أنني امرأة وحظي ضيق. علمتني أمي أن أقدس الرجال وأخبرتني أنهم أفضل منا بكثير .انصعت إلى أوامرها ردحا من الزمن، لكن تبين لي أن أمي على غير حق .أتذكر يوم طلب مني بعض أفراد عائلتي من الرجال أن أصلي وراءهم . قبلت الفكرة وسألتهم عن كيفية الصلاة مع الجماعة. أمروني أن أتبع خطواتهم .أعجبتني الفكرة من جديد. ستصبح الصلاة أكثر سهولة . وقفت وراءهم ووجدتهم يرتلون بأعلى صوت وأنا صامتة أترقب وقت سجودهم وركوعهم وقيامهم . لم أتمكن من متابعة الصلاة .بدا لي الأمر غريبا . سلمت وقمت .أخبروني أنني قد أبطلت صلاتهم ، وضيعت الأجر على نفسي .حمدت الله أنهم لم يصدروا فتوى تكفيري.لم أتعمد قطع الصلاة ، لكن عقلي الباطن ربما تصرف دون استشارتي . أو ربما لم استسغ أن أقف حاضرة غائبة وراءهم. المهم أنني سلمت ، وقمت من الصلاة .لم يكن عصيانا. لكن كان انسجاما مع عقلي المتيقظ .كنت أعرف أنه بمجرد ما يصلى العشاء، تتفرق الوفود النسائية والرجالية .النساء يتممن ما قد بدأنه من أشغال منزلية، والرجال يتوزعون على الحانات والمقاهي . بعضهم يشبع رغباته الجنسية ويعود محملا بغضب استعدادا لردع أي احتجاج نسائي، والآخرون يضعون أمامهم كؤوس القهوة يتلذذون بسماع مغامراتهم أو شهواتهم المكبوتة . أعتذر أنني سرحت بكم في متاهة كلام عابر .أعود إلى قصتي... .قرأتها ، كانت تحكي معاناة رجل يعود إلى بلده بعد غيبة طويلة . محملا بشوق إلى الأهل والأحباب وحاملا طموحا جياشا ينتظر الفرصة ليتحقق عطاء كريما .وبمجرد ما يصل إلى بيته ، يجد استدعاء من البوليس .نعيش معه انفعالاته وحيرته. كيف يصل الاستدعاء قبل أن يصل هو. روحه العملية التي حملها معه من هناك، تحثه على الإسراع والتوجه على التو إلى مخفرالشرطة درءا لكل خطر محدق. يعرف أنه لا بالسياسي ولا بتاجر المخدرات .إنسان بسيط ، ذهب في مهمة علمية وعاد بعد نجاح . عاد ليرى ابتسامة الأحباب واعتزازهم به . يستقبله الضابط في المخفر عابسا ويسأله عمن رافقه أثناء سفره . يستغرب الرجل... فيجيب مازحا :كانت الحافلة غاصة بالرجال والأطفال والنساء . ينهره الضابط ويطلب منه أن يجيب بكل جدية .لا يفهم العائد السؤال. عما يبحث الضابط. ؟ يختلي الضابط برئيسه ويسأله عن حقيقة الزائر .فيخبره أن الروتين يستدعي أن يسجن أحد ويتهم بالعنف والتخريب .وهذا القادم من الغرب فريسة جميلة.لا بد وأنه سيتحدث عن الديموقراطية والحرية والعدالة .لا بد وأن يحكي لأهله عن النظام والقوانين هناك.ألا تراه بذلك ينتقد بلادنا ونظامها .ألا تراه سيوقد شرارة غضب حتى ولو كان آنيا لا بد وأن يترك آثاره على نفسية المستمع . كل شيء محتمل. علينا إذا ردعه قبل أن يتحول إلى ثائر . - ولكن ،عقب الضابط الصغير، وما تهمته أمام العدالة؟ - أجابه الرئيس : ستتحقق انتظر قليلا وسترى . حدث ما توقعه الرئيس . بعد طول انتظار، انتفض الزائر متسائلا بانفعال زائد عن سر وجوده. لم يستسغ انتظاره العبثي. سبه الرئيس . بدأ التراشق بالكلام ، فإذا بالضابط يصبح شاهدا والرئيس معتدى عليه والزائر معتد ثم سجينا. ولكنه لن يصبح سجينا سياسيا لأن ذلك شرف لا يحصل عليه المرء بسهولة. سجل في المحضر: اعتداء وسب في حق مسؤول دولة. وتنتهي الحكاية باختفاء الرجل، ولن يعرف أحد أين ذهب . توجهت بقصتي إلى إحدى المسابقات وأنا فرحة . لما لا؟ لقد كتبت موضوعا ملتزما بكل حرارة وصدق. لم يحالفني الحظ. قلت فلأقدمها إلى ناقد يقرأها. كنت أعرف جدا عدم تمكني من ذلك أنا لست نجيب محفوظ أومنيف ليقبل أحدهم ممن يجالسون العباقرة في الشعر والسرد أن يقرأ قصتي . التقيت بأحد الأصدقاء وحدثته بشأنها، فأخبرني أنه الليلة على موعد مع مجموعة من "المثقفين" وأن بإمكاني الالتحاق بهم وعرضها على أحدهم. خفت على قصتي من الاغتصاب. فكرت أن انتحل اسما، لن يكون اسم شهرة... ولكن اسم أحد المشاهير .حرت أيهما أختار اسم امرأة أم اسم رجل .أنبني ضميري. قلت هذا انتحال وسرقة قد يعاقب عليها القانون .تراءت أمامي قضيا الاختلاس العديدة التي طالت جميع القطاعات في بلادي . حتى وزير التعليم الذي لم يجد ما يسرقه سرق سنوات خدمة أقدمية الأساتذة. ماذا حدث لهم ؟ .فلما سأعاقب؟ . عدلت مع ذلك عن الفكرة .علمني أبي أن أقدس القيم .عاهدته على ذلك ولم أشأ تشويه اسم عائلتي .لا شيء يميز هذا الاسم لا المال والجاه ولكن سنوات من السجن من أجل الوطن . كنت أعتقد فيما مضى أن اسمي متميز. أخبرني أحد الضالعين باللغة الإسبانية أن لاسمي أصولا إسبانية ، وبالتالي فأنا من العرب المهاجرين .فرحت لا لانتمائي العربي وإنما لأن اسمي عاش في مرحلة ازدهار .تغاضيت عن الهزيمة وقلت المهم أن الاسم كان له شرف معرفة ابن رشد .صادفني أحدهم ذات يوم وأخبرني أن لاسمي أصولا أمازيغية. أخبرته بتأويل زميلي السابق فقال : هو لا يعرف الأمازيغية .وأكد لي أن الأمازيغ الذين رافقواالفاتحين هم الذين أشاعوا المصطلح في إسبانيا .خفت على نفسي: هؤلاء سيقولون عني عربية وأولئك سيقولون أمازيغية غير حقيقية .اكتفيت بشرف انتماء الاسم إلى أرض الوطن . أعود إليكم وأقول : قررت أخيرا أن حفر حفرة وئدت فيها قصتي. ومن يومها وأنا أبكيها دون أن يعرف أحد ما بي .لأنني خفت أن أعترف بدفنها وأساق إلى السجن بتهمة القتل العمد. انتهت بديعة الطاهري

قال كلمته وراح..بقلم محمد اللغافي

التفاصيل
كتب بواسطة: محمد اللغافي
المجموعة: القصة والرواية
انشأ بتاريخ: 07 يناير 2003
الزيارات: 5

قال كلمته وراح..

بقلم محمد اللغافي

--------------------------------------------------------------------------------

 

أتخيل أنني ما زلت معه ..أنادم حديثه الصادق ..أستشف أبعاده الغامضة ..أعقب كلما انتشى في حزنه العميق.،.أحبه كما هو.. بهيبت شخصيته الرزينة ..بجلسته الهادئه كسكون بعض الأوقات الرائعة ..
كان هكذا رجلا جريئا لا يخاف ..يحترم مبادئه له بعض المواقف من بعض الجهات ..لكنه متسامح الى لا تعقيب من وراءه ..جلس الي مرة يحدثني عن بعض الفرص التي ضيعها في أوقات متفاوتة ومتباعدة في عمرة..من بينها فرصة امرأة كانت تعشقه ..تزوج غيرها فانتحرت ..والأهم من هذا هو أنه لم يحسن الاختيار فندم ..ياه..شيئ كان عليه أن لا يكون..
في صباح من الصباحات الشتائية ..خرج كعادته متوجها الى عمله ..كان يشتغل حارسا في احدى الشركات العمومية..كان محترما ..محبوبا ..لكن الذي وقع ..في هذه الصبيحة ..يوحي الى أن هناك سبب ما .....، بالتأكيد ..كان البعض من الرجال العاملين معه ..يتهمه "بالسياسة "..قالهاالي في لقاءات متكررة ..سألته ذات مرة ..ما نوع السياسة التي يتهمونه بها ..؟ قال ..("أنا لا أعرف في السياسة فهي ليست من حجمي وأنا لست من حجمها..فقط في يوم ما طالبت بحقي وحقوق بعض العمال المهضومة .فألبسوني هذا الثوب الواسع والفضفاض..كل ممارسة انسانية يعتبرونها "سياسة" تصور ..حتى قراءة الجرائد "سياسة" القهوة السوداء سياسة ..أن تجلس الى نفسك .".سياسة") ..
هذه الأشياء التي اختمرت في ذهني ..تذكرتها في اللحضة التي جاءني فيها خبر نقله من مقر العمل الى المشفى ..في بيت الانعاش بالخصوص "ان عاش" تماما ان عاش فهو في وضعية حرجة هذا ما سمعته.
ركبت دراجتي الحمراء ..وزرته هناك ..منعوني من الدخول..لكني دخلت ..
كان مستلقيا على قفاه ..يترنح..يصرخ وكلتا يديه ملتصقتين ببطنه
شيء ما بأمعائه..
وضعت يدي على جبينه ..وسألته
وقبل أن يلفظ آخر نفس..
قال كلمته
وراح

 

  1. نوافذ لا تلاصقها نوافذ
  2. استيعاب
  3. الهر المشاكس
  4. يوميات موظف مهم

الصفحة 121 من 166

  • 116
  • 117
  • 118
  • 119
  • 120
  • 121
  • 122
  • 123
  • 124
  • 125

المتواجدون الآن

166 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

البحث

اشترك في نشرتنا البريدية

انضم إلى مجموعتنا على Google لتصلك آخر الأخبار عبر بريدك الإلكتروني.

اشترك في نشرتنا البريدية

منطقة الأعضاء

  • تسجيل الدخول
  • كاتب جديد؟
  • نسيت كلمة المرور؟
  • نسيت اسم المستخدم؟
  • أرسل مشاركة

مهارات حياتية

  • حين تشعر مبادرة الرفاهية بأنها استعراضية لا حقيقية
  • حين يتشابه الإنجاز العالي والإرهاق
  • إعادة بناء الثقافة بعد فترة نمو سريع ومربك
  • حين يبالغ عضو فريق في الوعود ويقصّر في التنفيذ باستمرار
  • إدارة الطاقة، لا الوقت فقط
  • التغلب على الخوف من أن تُرى كمبتدئ مجدداً
  • بناء حدود حقيقية بين العمل والحياة في ثقافة دائمة الاتصال
  • التنقل عبر محادثات الرفاهية مع موظف يتجنب الموضوع
  • حين تقول القيادة شيئاً وتكافئ آخر
  • موازنة التقدير الفردي مع فضل الفريق

مواقع شقيقة

  • منتديات مجلة أقلام
  • المرشد في الإداراة
  • الشاعر سامر سكيك