أطلق البراح* صيحات توقظ الموتى من القبور، ازدحم الناس بأبواب البيوت الطينية يستمعون إلى النداء الخارق لما تعودوه منذ تركوا أثداء أمهاتهم. إن العجب واقع اليوم شئتم أو أبيتم، السماء تمطر بضع قطرات و البراح تعلو صرخاته يحث بغلته الشهباء على السير بسرعة و الأطفال يسابقونه وهو يقول:

- لا إلاه إلا الله، لن تسمعوا إلا خيرا، "العمامة" سرقت من بيت الكبير، أنصتوا كلكم..

ثم يعيد بالصيغة نفسها أو بصيغة أخرى والرجال في حيرة من أمرهم والنساء يسترقن النظر من كوات لا أدري لماذا صنعت. هذا الخبر قد يغير تاريخ البلاد أيها الناس، قد يجعل الشيوخ في موقف لا يحسدون عليه، شدوا

أنفسكم، ركزوا فما سيحدث سيكون له وقع انفجار، بل هو بحد ذاته انفجار.

العمامة لم يسبق في التاريخ المعروف أن سرقت، لم يستطع أحد أو أنه لم يجرؤ أحد على فعل ذلك، إنها شيء مقدس، شيء يحميه الكثيرون يجودون بأرواحهم في سبيله، أما أن تسرق الآن فهو أمر غريب و مدهش، يحمل دلالات لا تحصى..

من دوار إلى دوار ومن ضيعة لأخرى ينتقل البراح مجاهرا بصوته يخبر الناس أن الأمر الجلل الذي يخشاه بعضهم و يتمناه البعض الآخر قد حصل. يخرج الناس من بيوتهم ينظرون إليه صامتين واجمين، يبحلقون فيه بعيونهم و يتابعونه بها حتى يختفي وسط الحقول المخضرة، أو يبتلعه الأفق البعيد.

القبيلة كلها علمت بالسرقة الآن، الشيوخ والكبراء سيجتمعون للبحث في الأمر و الناس العاديون في انتظار مقيت لما ستسفر عنه اجتماعاتهم لا ينوون العودة لأعمالهم إلا أن يعرفوا مصير العمامة. إنها السنة التي وجدوها سارية في آبائهم وأجدادهم وهم يحافظون عليها بكل ما أوتوا من قوة وجهد.

لازم الشيوخ بيت الكبير أسبوعا كاملا لا يخرجون منه، والناس مجبرون على إطعامهم كل حسب دوره و نوبته، يبحثون في الكارثة التي وقعت، أي الحلول سيكون ملائما؟ ماذا سيقول الكبير لأفراد القبيلة؟ كيف سرقت العمامة؟

مسائل كثيرة يبحثون فيها و كل منهم يدلي برأيه و مشورته ويقدح قريحته لعلها تجود.

 

غربت شمس اليوم السابع و ما زال الشيوخ و الكبير لم يعثروا على الحل المنشود، العمامة لم يظهر لها أثر و أساليب التهديد لم تنفع مع السارق المجهول، وانتقلوا إلى أساليب الترغيب التي لم تجد هي الأخرى. بحث رجال الحراسة لم يسفر عن أي شيء رغم أنهم قلبوا القبيلة رأسا على عقب، يفتشون البيوت بأسلوب تعسفي أقرب إلى الهمجية منه بأساليب رجال الحراسة. جل الناس مقتنعون أن العمامة لم تخرج من القبيلة ولكن أين هي؟ بحوزة من؟

تلاشى اهتمام الناس بالموضوع بعد اليوم الثامن الذي كان من المفروض أن ينتهي فيه أيا كانت حيثياته، لم يعودوا يتحدثون عنه من قريب أو بعيد إلا الشيوخ و الأعيان والمهتمون بأمر العمامة و تربطهم بها صلة وثيقة.

صباح اليوم التاسع عاد المزارعون إلى أعمالهم في الحقول، و الرعاة إلى رعيهم خارج الحدود و الأطفال إلى اللعب. هم في ظاهرهم ألقوا كل اهتمام بالأمر وراء ظهورهم، لكن في بواطنهم و سرائرهم اشتعلت حرب بين الأمل في التغير و التطلع إلى مستقبل مشرق وبين الخوف من العودة إلى ما هو أكثر ظلمة من هذه التي يتخبطون فيها.

أمضى الناس غالب يومهم في الأشغال الخاصة بهم، يحدوهم الأمل مهما بدا ضئيلا أمام الخوف الطاغي من عودة الظلام حتى أذن لصلاة العصر فسمعوا النداء الغريب في أبواق المساجد، ففروا إليها ليستمعوا إليه عن قرب و هم يتوجسون خيفة من ظلام سرمدي.

تلقى البراح بدوره الأمر بإيصال النداء إلى الأطراف البعيدة من القبيلة، و على بغلته انطلقت حنجرته تبدد الصمت القاهر الجاثم على دروب الدواوير المتباعدة، يخبر الناس أن الموعد فوق جبل العرش، يأتي إليه الكبير و الصغير، الشريف و الحقير حتى يتم البث في قضية القضايا ألا و هي قضية العمامة.

امتد الناس في مواكب يصعدون الجبل يتساءلون في أنفسهم مالداعي لهذه الصعوبة؟ لماذا لا يجتمعون في أي مكان؟ لكنها عادة القدماء، لابد أن توضع العمامة فوق الرأس الكبيرة هناك فوق قمة جبل العرش الذي يقع وسط القبيلة.

مالت الشمس إلى الاصفرار و مازالت مواكب الناس تتوافد صعودا، ينتظرون ساعة الصفر، يترقبون هل تعود العمامة إلى مكانها فوق رأس الكبير الحالي أم أن هناك كبيرا جديدا؟

بعد أذان المغرب اجتمع الناس و انقطع السيل الذي يجيء صعودا من شاب وكهل و امرأة، واحتلوا أماكنهم. الشيوخ في المقدمة، يليهم الرجال ثم الأطفال ثم النساء. الكبير بسلهامه الفضفاض واقف وقد جحظت عيناه يكاد يأكل بها كل من تقع عليه.

أقيمت صلاة المغرب واقتدى الناس بالكبير،صلوا برتابة عجيبة و كأن الصلاة هي من تسبب بالمصيبة. تجمعوا من حوله، صعد فوق كرسي من قصب، حمد الله و أثنى عليه ثم قال:

- قد مر تسعة أيام على اختفاء العمامة و الناس جميعا من هذه السرقة برءاء، فالظلم ليس أبدا من شيم الرجال الصادقين. خلصت اجتماعاتي مع الكبراء أنه لم يعد أي اعتبار لهذه العمامة بعد الآن. أنا الكبير و سأبقى كبيرا وإن كنت أود أن أتوجه بخطاب خاص لسارق العمامة.

سكت هنيهة ليتبين أثر وقع كلماته على المحيطين، لكنهم بدوا كمومياءات  برونزية لا تتحرك. بضع همهمات عقبت الخطاب لا يدري الكبير مصدرها.

استأنف خطابه:

- إن كان سارق العمامة موجودا، فأنا أعرض عليه مشيخة جزء القبلة من القبيلة، ثم يكون خراجها ملكه شرط أن يعيد العمامة و يضعها فوق رأسي  على الملأ.

ضج الناس بعد هذه الكلمات، حار رجال الحراسة في إسكاتهم، وانطلقت النساء في أحاديث أشبه بالولولة والأطفال لا يدرون ماذا يحصل وإن تبين لهم أن أهاليهم في خطب عظيم.

أخرسهم الكبير بعدما استأذنه شيخ جزء القبلة في الكلام، و أشار إليه بيده في كبرياء عجيب يأمره بالكلام:

- لماذا يعرض سيدي الجزء الذي أحكمه يقايض به؟ أليس الأفضل أن يقايض بجزء الغرب العاري من الثروات، فنحن لا نعرف من سرق العمامة بعد.

قال كلامه و جلس.

صمت مطبق أحاط بالجميع حتى الأطفال قطعه الكبير يصرخ في وجه الشيخ:

- اصمت، أنسيت من أنت أم أذكرك، ليس لك أن تجادلني في قراراتي ثم إن الآخرين وافقوا جميعا، وإن استمريت في هذا الجحود فلدي مكان جميل يصلح لك مأوى و..

فجأة و من خلف الجموع انطلقت صيحة قطعت على الكبير كلامه، صيحة بددت همهمات البعض وأحالتها إلى صمت القبور. صيحة على إثرها التفت الجميع ليروا صاحبها. عندما رأوه شحبت وجوههم، حتى لا أثر فيها لدماء و لا حياة.

لقد نسوا جميعا أمر هذا الأجنبي الملحق بالقبيلة، ربما لأن الأمر لا يهمه من قريب. تفصد الكبير عرقا و هو الذي لم يدر بخلده و لا لثانية واحدة أن هذا الأجنبي بقادر على التجرؤ على حرمات القبيلة التي آوته.

انتظر الجميع ما سيحدث في ترقب مثير، والأجنبي يتخطى الناس ببساطة و جرأة منقطعة النظير، ماذا يريد أن يقول؟ تساءل الجميع.

تجاوز الأجنبي كل الجالسين من نساء و أطفال و رجال، وصل إلى صف الشيوخ فتوقف.

أنظار الجميع الآن تراقب الأجنبي، تحيط به العيون من كل جانب وهو غير آبه بها. أدار رأسه ذات اليمين و ذات الشمال ثم انطلق يقول بصوته الجهوري الفريد:

- لقد تقادم عليك العهد أيها الكبير، رأسك لم تعد صالحة لتضع عليها العمامة..

ثم رفع صوته ليسمعه الجميع مردفا:

-لقد آن الأوان لتوضع على رأس أخرى غير تلك الرأس الفارغة..

تعجب الجميع من الجرأة المفرطة التي أبداها الأجنبي أمام الكبير و كأنه يكلم زوجته، أعجب به الكثيرون و قرف منه البعض.

انتظر الجميع كلمات الكبير و جوابه، بعد أن مرغ الأجنبي وجهه في التراب، أي أمر سيعطيه الكبير بعد هذا؟

بعد ثوان بدت و كأنها الدهور تكلم الكبير مخاطبا الأجنبي:

- أيها الكافر بالنعمة، أيها الكنود، تريد إثارة الفتنة بين الناس الذين آووك. حملك إلينا الوادي تكاد تغرق، مررت بقبيلتين لم يهب أحد لنجدتك حتى أوصلك إلينا عاريا من كل لباس، اعتقد البعض أنك ذلك السمك الأسطوري، مفضفضين في الكلام ثم ألبسوك و أطعموك و أعطوك مسكنا. أبعد كل هذا توقظ بينهم الفتنة؟

التبس الأمر على الناس، هل هذا الأجنبي هو الذي سرق العمامة؟

قال الأجنبي وهو يتحسس وجهه الأمرد:

-لأجلهم أفعل هذا، أوقظهم من الذل و الخنوع اللذين ألفوهما، سأصرخ ملء شدقي أيها القوم هبوا، هضمت الحقوق و أنتم بين النوم والاستيقاظ، يحسبكم الرائي أيقاظا و أنتم رقود.

و بغتة نزع الحرملة التي كان يتدثر بها و أخذ يلوح بالعمامة في يده اليسرى ويصيح:

-آن أوان التغيير، ولاؤكم ليس للكبير وإنما للعمامة و إنها بحوزتي، ضعوها فوق رأسي و أعدكم أن كل أشكال الظلم لن تبقى أفيقوا..

هنا ضج الناس و انتفضوا يصرخون باسم الأجنبي، يسبون الكبير، يقذفونه بالحجارة والحراس يحاولون حمايته ولكن غضبهم كان قد بلغ مبلغا عظيما لم ينفع معه ردع الحراس، فنكص الكبير على عقبيه يتوارى من القوم يلتفت علهم يعودون إلى رشدهم.

خلا الجو للأجنبي ليقول للناس كلمته بعد هروب الكبير، فارتقى الأحجار ليصل إلى كرسي القصب. جلس عليه ثم انتقى أشد الكلمات تأثيرا على الجمهور و هو الخبير بهم قد عاش في كنفهم يعرف نقاط ضعفهم و قوتهم، ثم ختم كلامه بقوله:

- ليتقدم من لديه كلام ليقوله.

سكتوا جميعا و كأن على رؤوسهم الطير، لم يتقدم أحد حتى هم الأجنبي بالكلام مرة أخرى. نهض شيخ جليل مهيب، يكاد يكون أحسنهم وجها ثم استدار ليواجه الناس ثم قال:

 -أيها الناس، إن هذا الرجل الذي يخاطبكم ليس منكم و لستم منه، إنه ملحق بالقبيلة، أفرأيتم مصالحكم بيد أجنبي يلعب بها كيف يشاء ثم متى شاء أن يرحل عنكم فعل، يفعل ذلك بعد أن يدمركم و يستنزف ما تملكونه. تنبهوا واستفيقوا، ارشدوا أيها الناس أليس منكم رجل رشيد؟ رأس امرأة من نسائكم أشرف للعمامة من رأس هذا الأجنبي..

عبارات السخط لم تدع الشيخ يكمل حديثه، فحوقل مرات كثيرة ثم ألقى عليهم نظرة إشفاق و غادر.

من ورائه هلل العباد وزغردت النساء، أخذت العمامة بكل التغييرات التي أدخلها الأجنبي عليها فوضعت فوق رأسه، فسرت في جسده نشوة عجيبة بددت كل ما لاقاه قبل اليوم من ضنك..

 

*البراح: هو المنادي بالأخبار..

 

                                                                  إبراهيم البوزنداكي