خال للإيجار

في تلك الأيام، لم تكن المدرسة صرحًا للعلم، بل ثكنةً جبارةً تقمع النفس. كان المدير رجلًا يأتمر بالنظام كأنه عقيدة لا تقبل الشك، ويرى في السيجارة بين أنامل الطالب مِعولَ هدمٍ يجتث حضارة الإنسان من جذورها.

ولسوء طالعي، وتعاسة حظ صديقي "مصلح"، ساقنا القدر لننفث دخان سجائرنا خلف مبنى المدرسة العتيق، فرآنا. وما زلت أذكر خطاه الوئيدة وهو يقترب منا؛ لم يكن غاضبًا، وذاك، لعمري، كان أنكى وأمرّ! فالرجال الذين يستشيطون غضبًا تنطفئ ثورتهم، أما ذوو الصمت المريب، فلا تدري أيَّ عاصفة يطوون عليها الضلوع.

سار أمامنا نحو رواق الإدارة، ونحن نقتفي أثره كأسرى حربٍ أعياهم الأسر. وحين استوى خلف مكتبه الفخم، نطق بجملة واحدة زلزلت أركان عالمنا ليومين كاملين: "لا أريد أن ألمح لأحدكما طيفًا غدًا، إلا ويده في يد وليِّ أمره!"

خرجنا نتعثر في ظلالنا تحت هجير الظهيرة. لم نكن نحسب للعقوبة المدرسية حسابًا، بل كانت همومنا مشغولة بالآباء. كان أبي رجلًا نزرَ الكلام، لكنه إذا غضب، صار الكلام آخر ما تخشاه النفس وتتقيه. أما والد مصلح، فقد كان ضابطًا صارمًا في الجيش، له شاربان مهيبان يكادان يفرضان الأحكام العرفية بالنظر إليهما فحسب!

سرنا نلوك الصمت، حتى قطع مصلح سكون الطريق قائلًا: "أتدري أين تكمن المعضلة؟" قلت: "في أننا ضُبطنا ندخن؟" قال: "كلا... المعضلة أننا مجبران على إشراك أهلنا في هذا المأثم!"

هززت رأسي مذعنًا؛ فقد كانت تلك هي النازلة الكبرى.

وفي منتصف المسير، لاح لنا "راضي". كان قابعًا أمام حانوتٍ قديم، يرتشف الشاي بتؤدة مهيبة، كأن لديه مواعيد قدرية سيؤجلها إلى أجل غير مسمى. لم يكن راضي يعمل، ولم يكن يسعى في طلب كسب، وبدا قانعًا مغتبطًا بهذه الحال.

نظر إليه مصلح طويلًا، ثم ارتد طرفه إليّ، وهنا بدت شرارة المصيبة. قال: "ما رأيك أن نستعير هذا الرجل ليكون خالنا ووليَّ أمرنا؟" شخصت فيه، ثم نظرت إلى راضي، ثم عدت إلى مصلح. وكلما قلبت الأمر في ذهني، وجدته أشد جنونًا. وأكثر منطقية في آن!

دنونا من الرجل، وبسطنا له جلية الأمر. أصغى إلينا بوقار محامٍ يتولى الدفاع عن متهمين بالخيانة العظمى، ثم ألقى سؤاله الفصل: "وما المقابل؟" اتفقنا على دينار يُعجَّل له، ودينار يؤجَّل حتى انقشاع الأزمة. مد يده فورًا، فعلمت حينها أن المبادئ لا تسد رمق الجائع.

في صباح اليوم التالي، رافقنا إلى العرين. لكننا أدركنا -بعد فوات الأوان- أن راضي لم يكن يرى الأمر مجرد محاكاة أو تمثيل؛ بل كان يراه دور البطولة الطاغية في مسرح حياته. وقبل أن نطأ عتبة الإدارة، بدأ العرض!

أمسكني من عنقي وهوى على وجهي بصفعة صادقة.. صفعة لها رنين، وذكريات، وآثار جانبية توجع الروح. ثم التفت إلى مصلح فأذاقه كأساً دِهاقاً من اللطم.

نظر إليّ مصلح بعينين تنقدح منهما شرار الحقد، وهمس: "سأرديه قتيلاً!" قلت: "فلتلزم صفك في الانتظار.. فأنا أسبقك إلى دمه."

خرج المدير على وقع هذا الضجيج الصاخب، وإذا براضي يتحول بغتة إلى ملاك تربوي ثائر! صار يزأر في وجوهنا، ويكيل لنا التقريع، ويعتذر للمدير نيابة عن الأمة والأسرة والأجيال القادمة، حتى بدا لي لبرهة -تحت تأثير صدمتي- أنه خالي حقاً!

قال المدير وقد تملكته الرأفة: "واضح أنك تقاسي الأمرين في تقويمهما." تنهد راضي تنهد الحكماء الأبرار، وقال: "يا سيدي.. لو تعلم حجم الشقاء الذي أحمله بسببهما!" كدت أصرخ: "بل نحن من نقاسي العذاب النَّكِر منك الآن!" لكنني لزمت الصمت؛ فالصمت في مواطن المخافة يحفظ الأسنان.

اقتنع المدير بهذه المسرحية الشجية، وحرر الإنذار الأخير، ثم أذن لنا بالعودة إلى الفصول. خرجنا نزف انتصارنا الموهوم، بَيْد أن الانتصارات الصغيرة غالباً ما تبطن هزائم مزلزلة.

حين دلفنا الصف وسلمنا الورقة للمعلم، تجمدت على ثغورنا الابتسامة. في قاع المقاعد، كان ثمة طالب يشخص ببصره نحونا، ثم اتسعت مآقيه، وافتر ثغره عن بسمة خبيثة، وهمس لضجيع مقعده، فانتقلت عدوى السر. خلال دقائق معدودة، شاعت الحقيقة بين الصبية كما تشيع النار في الهشيم؛ فالجميع يعرف "راضي"، والجميع يعلم أنه أبعد ما يكون عن أنسابنا، وأدرك الناشئة أن لدينا سرًا ثمينًا يستحق الابتزاز!

في الفسحة الأولى، أقبل أول الطامعين قائلًا: "جُدْ عليّ بشطيرتك." قلت: "وبأي حق؟" قال: "لأنني أشتهي الجبن، ولأن المدير سيشتهي حتمًا معرفة هوية خالكما المجيد!" ومنذ ذلك اليوم، تحولت نفقاتنا الشخصية إلى مشروع رعايةٍ قومية لطلاب المدرسة! شطيرة هنا، وقارورة عصير هناك، ودراهم تتلاشى كل صباح، حتى خُيّل إلينا أننا نقاد بالأغلال عند هؤلاء الصبية.

بعد ثلاثة أيام من المذلة، أعلن مصلح نفير ثورته، وهو يقلب جيوبه الخاوية: "لم يبق في حوزتي نَقِير ولا قِطْمِير!" قلت: "ولا معي." قال: "إذن، حان وقت الحل الدبلوماسي بيننا." وكان يقصد ـ يقينًا ـ عكس الصفح تمامًا.

في ذلك اليوم وبعد انتهاء الدوام، احتشدنا بالمبتزين خلف سور المدرسة، ودار بيننا نقاش وجيز جدًا؛ وجيز لدرجة أن الألسن لم تأخذ من الوقت شيئًا، بينما تكفلت قبضات الأيدي بصياغة البقية!

وفي صباح الغد، انفجرت النازلة الكبرى؛ إذ بلغ الخبر المدير، فانتهك ستر راضي، وانكشف وافتضحت مسرحية الخال المستعار. استُدعينا عبر الصف مجددًا، فوقف المدير أمامنا مأخوذًا مذهولًا، لا يدري أيسكب غضبه أم يكتم انفعاله! وأخيرًا قال: "هذه المرة... ائتوني بآبائكم الذين ولدوكم حقًا!"

وهكذا، سُدّت في وجوهنا كل السبل. في المساء، سكبت لأبي خبر العاقبة، وفعل مصلح المثل مع أبيه، وبتنا نقتات الهم انتظارًا لليلة حامية من الحساب العسير.

لكن الحياة مجبولة على السخرية العميقة، كأنها لا تُتقن شيئًا بقدر إتقانها للمفارقة. في اليوم التالي، وبعد أن أصغى الآباء إلى فصول القصة مليًا، حدث ما لم يكن في حسبان أعتى العرافين... لقد ضحكوا! ضحك أبي حتى بدت نواجذه، وانفجر والد مصلح بالضحك الصاخب، حتى المدير نفسه تعلل بأوراقه ليخفي بسمة غلبته.

نُقل من منتديات أقلام — للتواصل مع الكاتب: montada.aklaam.net