إن الصحوة الإسلامية فجر جديد يراه أهل البصيرة مقتحما عقبة ليل طويل، أما الذين استمرؤوا الصَّغار فإن قلوبهم غلف، وآذانهم صم، وأعينهم عمي، {فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} ([1]).
وإن الحقيقة التي لا تقبل التمويه مهما كانت الأمة تعاني من الضعف والاستضعاف، أن الله جل وعلا "يبعث وهو المحيي المميت أملا جديدا في القلوب، وعزما أكيدا في الهمم. يلتئم علماء الدين وصالحوا المسلمين وكل ذي غيرة على دين سيدنا محمد r وملة سيدنا إبراهيم الخليل u في رابطة تجمع الشمل وتنادي
بالحق وتتعاقد على الوفاء لله ولرسوله بعهد التعاون على البر والتقوى والأمر بالمعروف وفعله, والنهي عن المنكر وطرده"([2]).
لقد أكرم الله تعالى هذه الأمة المحمدية في هذا الوقت الذي ادلهمت فيه ظلمات الكفر والضلال، بصحوة إسلامية مباركة، ليس في العالم العربي والإسلامي فقط، بل امتدت إلى العالم الغربي أيضا.
ومن توفيق الله جل جلاله لهذه الصحوة الإسلامية حملها لهذا الإسم الذي يحمل في طياته مؤشرات ومبشرات بمستقبل الإسلام، فهو من جانب لا يدعي أن الأمة قد ماتت وخمدت فيها جذوة الحياة، بل الأمة -من جانب آخر- في نظر الصحوة الإسلامية لم تمت أبدا ولم تفقد إحساسها، وإنما غفلت وأصابها السبات العميق وخدر وعيها بالمرض الذي أصاب قلبها وهو:"داء الأمم" مما جعلها عرضة لكل هجين، ومستسلمة لكل فكر غريب.
لقد جاءت الصحوة الإسلامية على قدر من الله ليخرج هذه الأمة من حالة الضياع التي تكتنفها وتجعلها غثاء كغثاء السيل إلى الاستقامة على الطريق، ومد الجذور مرة أخرى، والقيام بدور جديد في حياتها تنقذ به نفسها مما وقعت فيه من الذل والهوان والشتات والتيه وتطلق في الوقت ذاته بصيصا من النور للبشرية الحائرة لعلها تهتدي إلى الطريق ([3]).
وعليه فالصحوة معناها اليقظة، وهذا ما يؤكده المدلول اللغوي؛الصحو:ذهاب الغيم والسُّكر وترك الصبا والباطل ([4]).
وإن ظهور هذه الصحوة المباركة التي تسعى لتعيد للأمة الثقة بشرعها ودينها، وتبشرها بمستقبلها المشرق، أقلقت أعداء الإسلام وأيقظت مضاجعهم في الداخل والخارج، لكن الله متم نوره، وناصر دينه، إن تولى قيادة هذه الصحوة الكبيرة مرشدون راشدون، ومربون مصلحون، من أهل الله الذين يتأسون بجهاد سيدنا رسول الله r وأصحابه y. وهذا ما تنتظره الأمة في ربوع الأرض كلها، ليصبح حزب الله هم الغالبون، ويصبح حزب الشيطان وأعوانه زبدا طائشا يلفظه بحر الأمة، وهشيما تذروه رياح الصحوة الميمونة.
وشباب الصحوة الإسلامية، هم الثمار الطيبةُ لشجرة الإسلام المباركة، الذين يُقبلون على الإسلام بجدية، ويلتزمون به بصدق، ويجاهدون به الصليبيين واليهود، جهادا كبيرا مبرورا، ويقفون المواقف الإيمانية الجهادية العظيمة، التي يغيظون بها الكفار ([5]).
إن تيار الصحوة الإسلامية هو وحده القادر –إن تهيأت له الظروف- أن ينفخ في الأمة روح الحياة، وأن يمنحها من الحوافز والقدرات ما يعجز عنه أي تيار آخر، ويمدها بالوقود اللازم في غدها الحافل بالمخاوف والآمال ([6]).
وإن ظهور هذه الصحوة التي أزعجت الأعداء، ما هي إلا تباشير بصبح قريب، وعهد جديد، ووعد البشير النذير، أن بعد العض والجبر خلافة ثانية على منهاجه المنير.
فبعد النومة الطويلة أو الإغماءة الطويلة التي أصابت المسلمين في الأعصار الأخيرة، جاءت يقظة مرجوة الخير، وشرع العامة والخاصة يمسحون عيونهم، ويحركون أعضاءهم، ويعملون على استئناف المشوار العتيد ([7]).
لقد كانت هذه الأمة الإسلامية رحمة وخيرا للعالم قبل أربعة عشر قرنا. وإن في الصحوة الإسلامية المباركة التي نعيشها اليوم في القرن الخامس عشر الهجري لبشارة عظمى بأن آخر هذه الأمة سائر على منهاج السابقين بإحسان من الأولين.
فبجود الله تعالى وكرمه ومن خزائن رحمته أظهر أجيال الصحوة المباركة التي تنبذ عبدة الطاغوت لتتوجه بقلوبها وآمالها إلى رب الأرض والسماوات.
تكون هذه الأجيال صنوا للنموذج الخالد الأول جيل الصحابة جيل القرآن، ومن أهل الخير والفلاح والنور، إن كان كل فرد من أفراد هذا الجيل -ذكرا أو أنثى- تمثلت فيه الرجولة التي تمثلت في السابقين الأولين، وقد وصفت آيات من سورة النور صفات الرجولة الكاملة، قال الله تبارك وتعالى: {يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ، فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ، رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ، لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ}([8]).
رجال أهل مسجد وأهل تسبيح وذكر بالعشي والإبكار والغدو والآصال، وأهل صلاة وزكاة، وأهل خشية وخوف من الآخرة، وأهل رجاء في الله تعالى، وأهل ترقب لفضله وجوده ليزيدهم من فضله وكرمه.
فإذا تنكرت هذه الأجيال لهذه الصفات وهجرت المساجد، وغفلت عن ذكره الله وتسبيحه بالغدو والآصال، وغابت عنها التربية الصحيحة، فلن تكون تلك الرجولة التي تحدث عنها القرآن في الآيات السابقة.
إن المَهمة الأولى- بعد التربية – المنوطة بجيل الصحوة اليوم وغدا، أن يكون روحا سارية في الأمة موصولة بأجيال بعدها إلى آخر الزمان ترتفع همتها وتسمو روحانيتها الإحسانية جيلا بعد جيل، تنتشر في الأمة ويعم خيرها المجتمع.
وإن من شروط نجاح هذه الصحوة الإسلامية؛
1- القطيعة مع الماضي (الجاهلية) ، وإعادة التركيبة على منهاج النبوة.
2- توطيد العلاقة مع الله تعالى فرادى وجماعات.
3- الإخلاص لله وحده والتخلص من رق الدنيا واستعبادها.
4- التطهر من شوائب الفتنة ما ظهر منها وما بطن وداء الأمم.
وعليه؛ فإيماننا بالله تعالى وتطبيقنا لأركان الإيمان يتطلب منا:
أ)- المطلب القلبي: إن أصل الجاهلية والفتنة و"داء الأمم" والغثائية وما ينتج عنه هذه الأدواء والأسواء إنما هو مرض القلوب وفسادها، فبصلاح القلب تصلح الأمة، وبفساده تفسد الأمة، لقول الحبيب المصطفى r في الحديث الذي رواه سيدنا النعمان بن بشير t:p أَلاَ وَإِنَّ في الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ. أَلاَ وَهِىَ الْقَلْبُi ([9]).
وصلاح القلب لا يكون إلا بالتربية الإيمانية الإحسانية، التي لها في كتاب الله تعالى وفي سنة سيدنا محمد r أصول وقواعد، فالقلب مكمن الداء، فإن سلم فهو مركز النور الذي يعيد للأمة انبعاثها ووجودها وعزتها وكرامتها.
ب)- أن يصبح معظم أفراد الأمة قرآنيين وسنيين، عقيدة، وخطابا، وعملا صالحا في القلوب والعقول، ونظام الحكم وأجهزته، والقدرة على صناعة وسائل القوة، والقضاء على التخلف في كل ميادين الحياة، وتحقيق العدل، وتوزيع الأرزاق، وتدبير التكنولوجيا، وتحقيق كل مقومات الكرامة والتقدم والازدهار والرفاهية، والعطاء الثقافي والفني. ومواجهة كل التحديات.
وعليه؛ فوجب على أفراد الأمة أن يتمسكوا بالقرآن الكريم وسيرة سيدنا رسول الله r العطرة، فهما قوتان عظيمتان تستطيعان أن تشعلا في العالم الإسلامي نار الحماسة والإيمان، وتحدثا في كل وقت قومة عظيمة على العصر الجاهلي، وتجعلا من أمة مستسلمة، منخذلة ناعسة، أمة فتية ملتهبة حماسة وغيرة وحنقا على الجاهلية وسخطا على النظم الجائرة ([10]).
فالله جل وعلا جعل صلة المسلمين بإسلامهم هي الميزان الذي يوزن به تاريخهم، وجعل عزتهم وكرامتهم وتاريخهم المشرق مرتبطا تماما بقوة إسلامهم... ولهذا فإذا ضعف ارتباطهم بالإسلام، نزلوا عن القمة السامقة والدرجة الرفيعة والمكانة العالية، وارتكسوا في الصَّغَار والجبن والهوان، لا يعودون لمكانتهم ثانية إلا إذا عادوا إلى ذلك الارتباط القوي بالإسلام.
بقي أن نشير بإيجاز، أنه يجب على الصحوة الإسلامية أن تراعي سنن الله في خلقه، وهي سنن ثابتة لا تتبدل، صارمة لا تجامل. فلا تلتمس حصادا بغير زرع، ولا تستعجل ثمرة قبل أوان نضجها، وتعلم أن لكل شيء في الكون قانونه المطرد، فمن صادم قوانين الكون صدمته، ومن غالبها غلبته، ومن عمل من خلالها مهتديا بهدي الله كان نصيبه الفلاح في الأولى والآخرة ([11]).
نعمل وفق سنة الله في الجهاد إذن، ونتأسى بإمامنا وقِدوتنا سيدنا وسندنا محمد في الجهاد، ونأخذ للجهاد أُهْبَتَه، ونُعِدُّ له عدته، لنستحق النصر كما استحقه جند الله في القرون الخيرية الأولى، الذين عضوا على سنته بالنواجذ، وأسندوا ظهرهم إلى الله، وفزعوا إليه، وتحرروا بالمسارعة إلى الموت واقتحام حماها من عبودية لغير الله، فاستحقوا النصر والرحمة والتمكين: {إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ} ([12]).
فلا نضق ذرعا فمن المحال دوام الحال، وأفضل العبادة انتظار الفرج، الأيام دول، والدهر قُلّب، والليالي حبالى، والغيب مستور، والحكيم كل يوم هو في شأن، ولعل الله يحدث بعد ذلك أمرا،{فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً، إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً} ([13]).
وإن يوم الخلاص لقريب. وإن الفجر ليبعث خيوطه. وإن النور سيتشقق به الأفق. ولن ينام هذا العالم الإسلامي بعد صحوته، ولن يموت هذا العالم الإسلامي بعد بعثته. ولو كان مقدرا له الموت لمات. ولن تموت العقيدة الحية التي قادته في كفاحه، لأنها روح الله، والله حي لا يموت ([14]).
{حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ} ([15]).
([2]) العدل: الإسلاميون والحكم، الإمام عبد السلام ياسين، ص577.
([3]) المعاصرة في إطار الأصالة، أنور الجندي، ص80.
([4]) القاموس المحيط، فيرزوآبادي، مادة: صحا، فصل الصاد، ص 1308.
([5]) وعود القرآن بالتمكين للإسلام، صلاح عبد الفتاح الخالدي، ص110.
([6]) الصحوة الإسلامية وهموم الوطن العربي والإسلامي، يوسف القرضاوي، ص226.
([7]) الطريق من هنا، محمد الغزالي، ص75.
([9]) صحيح البخاري، كتاب الإيمان، باب فضل من استبرأ لدينه ح52، صحيح مسلم، كتاب المساقاة والمزارعة، باب أخذ الحلال وترك الشبهات، ح1599.
([10]) ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين؟ أبو علي الحسن الندوي، ص384.
([11]) الصحوة الإسلامية وهموم الوطن العربي، الشيخ القرضاوي، ص240-241.
([14]) في التاريخ.. فكرة ومنهاج، الشهيد سيد قطب، ص10.



