الإتحاف في شروط الاستخلاف
عن سيدنا النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍt: كُنَّا قُعُودًا فِي الْمَسْجِدِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ r، وَكَانَ بَشِيرٌ رَجُلًا يَكُفُّ حَدِيثَهُ، فَجَاءَ أَبُو ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيُّ فَقَالَ: يَا بَشِيرُ بْنَ سَعْدٍ أَتَحْفَظُ حَدِيثَ رَسُولِ اللَّهِ r فِي الْأُمَرَاءِ؟ فَقَالَ حُذَيْفَةُ: أَنَا أَحْفَظُ خُطْبَتَهُ، فَجَلَسَ أَبُو ثَعْلَبَةَ فَقَالَ حُذَيْفَةُ t: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r:p تَكُونُ النُّبُوَّةُ فِيكُمْ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَكُونَ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا، ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةٌ عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ فَتَكُونُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَكُونَ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَرْفَعَهَا، ثُمَّ تَكُونُ مُلْكًا عَاضًّا فَيَكُونُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَكُونَ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا، ثُمَّ تَكُونُ
مُلْكًا جَبْرِيَّةً فَتَكُونُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَكُونَ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا، ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ ثُمَّ سَكَتَi([1]). والإمام المهدي u هو صاحب الخلافة الثانية وهي الأخيرة على منهاج النبوة.
يقول الإمام عبد السلام ياسين:"بشارة عظمى تنير لحاضر الأمة ومستقبلها طريق الظهور والنصر، وتسدد خطانا على المحجة البيضاء نعود إليها إن شاء الله بعدما عَمَّاهَا عنا دخن الفتن. بشرى نضعها نُصب أعيننا برنامجا لإعداد القوة وأملا مشرقا، بل يقينا ثابتا، بأن مواطئ أقدامنا على رُقعة الواقع تطابق قدر الله، وتستجيب لنداء الله، وتقتفي أثر رسول الله، وتماثل مسيرة الخلفاء الراشدين بهداية الله. لا إله إلا الله والحمد لله"([2]).
إن البشارة النبوية الموعودة الخلافة الثانية "وعد موعود غير مخلوف، ومن سنة الله ورسوله أن تنشأ كل ناشئة على التدرج، وفي ميدان التدافع بين الناس، وعلى مرأى ومسمع من العالم، وبآليات أنفسية وآفاقية تبدو مشتركة حكمها على المجتمعات غلاب" ([3]).
قال الحق جل وعلا: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} ([4]).
هذا وقد وردت كلمة استخلف([5])في القرآن الكريم بصيغة فعلية تتضمن حرفي السين والتاء. وصيغة استفعل تدل على الطلب كما هو معروف عند النحاة. ففعل استخلف في قوله تعالى: )وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ( أي طلب الله منكم أيها المؤمنون المجاهدون أن تكونوا خلفاء في الأرض.
كلمة "(الاستخلاف) في الأرض تحدد وظيفة الإنسان المومن بالله الكامل الإيمان الراقي في ذرى الإحسان كما تحدد مرتبة الأمة المكونة من المومنين، العابدة لرب العالمين عبادة جماعية بتحز|ُبها لله، وحملها رسالة الله، وحفظها لأمانة رسول الله"([6]).
شروط الاستخلاف:
أولا: الإيمان القلبي:
1- التعلق بالسماء.
2- ارتفاع الهمم لطلب المعالي.
3- تعظيم أمر الله تعالى في القلوب.
4- تقديم محبة الله وحب لقائه على حب الدنيا وزخرفها.
5- تقديم حظ الآخرة على حظ الدنيا.
6- التجرد من عوائق الارتقاء في مدارج اقتحام العقبة الإيمانية الإحسانية إلى الله U.
هذه الأمور تتعلق بالإيمان القلبي.
ثانيا: العمل الصالح العقلي الجوارحي التنظيمي السياسي
1- إعداد القوة للإجابة على التحديات الجاهلية إجابة مسلمة مؤمنة محسنة شاملة في كل الميادين، الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والدبلوماسية، والتكنولوجيا. بالأخذ بأسباب الأرض.
2- دعوة أهل الأرض إلى الله تعالى والدار الآخرة.
فبعد نصر الله لعباده المؤمنين، لابد أن يأخذوا بأسباب تمكين دين الله في الأرض تأسيا بجهاد سيدنا رسول اللهr، فسنة الله لا تحابي أحدا، "فما المؤمنون موعودون بالاستخلاف، وهو طلب، إلا بشرط أن يقرنوا الإيمان القلبي بالعمل الصالح العقلي الجوارحي التنظيمي السياسي... وما المؤمنون موعودون بالنصر في وعد الآخرة إلا إذا كانوا )عِبَاداً لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ( . فالعبودية معنى قلبي روحاني والبأس الشديد له وسائل اتخاذه الأسبابية الأرضية الكونية. ثم إن الله تعالى لا يريد منا إن استخلفنا في الأرض أن يمتعنا بزهرة الدنيا للدنيا، لكنه يريد أن يصطنعنا لنمكن لدينه. يريد أن نتمكن في الأرض لنعمل للآخرة في حق أنفسنا فرادى وفي حق كل جن وإنسان نُبلغه رسالة الله ليعبد الله ويعرف الله" ([7]).
إذاً "فَالبِعُدَّة الروحية التربوية التنظيمية المتحزبة لله رب العالمين وحده لا شريك له نحرر الأقطار واحدا واحدا من "حكم الجاهلية"، وتتوحد الأمة على الأخوة في الله والولاية في الله والجهاد في سبيل الله لا على "حمية الجاهلية".
ينبغي أن تسود أخلاق الطهارة والتوجه لله والآخرة لا ثقافة العصر "وتبرج الجاهلية"" ([8]).
هذا، إضافة إلى ترويض التكنولوجيا والعلوم الأخرى، وبهذا يكون جند الله رحمة في الأرض، يحمونها من بطش الجاهلية وطيشها، ويكونوا إكسيرا وبلسما شافيا للإنسانية من سم الجاهلية الجاري في جسم الأمة مجرى الدم.
والخلافة الثانية الموعودة إن تحلى أهلها بالأخلاق الحسنة والخصال الحميدة مع الإيمان والتقوى قادرون بإذن الله تعالى أن يقروا في المجتمع الإنساني عمرانا أخويا، ونظاما سياسيا واقتصاديا وحياتيا عادلا، وحكما شوريا مُبرَّءا من عيوب المكر ومن القهر والاستبداد والظلم.
هذا ومما لا ريب فيه أن القدرة الإلهية تخرج من عموم الفتنة وكآبة الحال وحضيض الانحطاط والتدهور الفتنوي رجالا يأتي على أيديهم النصر والتمكين والفتح المبين، كما أخرجت في ظهور الإسلام في فجره الأول: )لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ( ([9]).
فالخلافة الثانية على منهاج النبوة([10]) بشارة لهذه الأمة وأذان من الله ورسوله يوم تصبح أمة عابدة لله تعالى متوجهة إليه، خالية من كل شرك وبارئة من داء الأمم، ويم تعرف أن الكفر ملة واحدة علينا، يد واحدة كما أخبرنا ربنا تبارك وتعالى: )وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ( ([11]). قال: "ملتهم" بالإفراد لم يقل ملتيهم بالتثنية، لأنهم يد واحدة علينا كما قلنا.
والقرآن الكريم ما خصص لذكر أعداء الله من اليهود والنصارى ذلك الحيز الضخم لتاريخ مضى، وعداوة دائمة، وإنما فعل ذلك لهدايتنا للطريق الأقوم الواجب اتباعه للفوز بالنجاة في الآخرة ولتحقيق الاستخلاف في الأرض على منهاج النبوة. إنها الخلافة الثانية على المحجة البيضاء التي يراها أعداء الإسلام والمغربين والمطموسين فكريا والممسوخين حضاريا من بني جلدتنا بعيدة ويراها من يقرأ سنة الله ويثق بوعد الله وبشارة سيدنا رسول الله r قريبة.
لقد أمسك الصحابة المباركين -y- بأيديهم زمام الأمر في الخلافة الأولى على منهاج النبوة، وحافظوا على البناء الشامخ والحصن المتين بعدما أقاموه مع رسول اللهr، كذلك يمسك إن شاء الله إخوان رسول الله r المباركين –بقيادة الإمام المهديu -بأيديهم زمام الأمر في الخلافة الثانية على المنهاج النبوي بعد أن يعيدوا رصَّ البناء من انتقاض.
وإنه "لقتال شديد بين الحق والباطل، لا يحيي الحق إلا بإماتة الباطل، أو على الأقل حصره في نَفَقِ الصَّغَارِ. وعلى المرتبة الإيمانية الإحسانية الأخلاقية بجند الله، وعلى نموذجية سلوكهم وتفانيهم في نصرة دين الله، يتوقف نجاح الخطة. فإنه لا يُقيم دين الله في الأرض إلا مؤمنون جسمهم وجهدهم هنا وطموح روحهم في الآخرة"([12]).
فمن محراب الجهاد إذن، تنطلق رواحل المجاهدين والشهداء وقوافلهم، وبالجهاد تردّ عاديات الطغيان فيكون الدين كلّه لله، جهاد بالمال والنفس وجهاد التعليم والبناء والتعبئة، وجهاد الكلمة والحجة، والجهاد السياسي، وجهاد الاقتصاد، وجهاد التوحد، وجهاد لحماية دعوة الإسلام، ويبقى دين سيدنا رسول r مصدقًا لما بين يديه من الحق ومهيمنًا عليه، ولقد كان انهزام جيوش الكفر والشرك والنفاق أمام جند الله في عهد النبوة دليل على أن قوافل المجاهدين المحسنة الصادقة المخصلة منصورة بإذن الله ، ولهو أكبر دليل على أن أيّ قوة لعدو المسلمين مهما عظمت فلا تقف في طريقهم ما داموا سائرين على المنهاج النبوي وما داموا متمسكين بالمحجة اللاحبة.
فالله تعالى وتقدس أنجز وعده لمن اتبعوا رسله -عليهم السلام-، وصدقوا ما عاهدوا الله عليه، وبذلوا جهودهم ومساعيهم في سبيل الله، ووفوا ببيعتهم، وجعلهم أئمة في الأرض، وجعلهم الوارثين، وجعلهم خير أمة أخرجت للناس. أوفى لهم وعده بما شرطه عليهم من شروط وعقود.
وهنا تجدر الإشارة إلى أن "من سنة الله في الكون أن المواجهة والمدافعة والمغالبة، والقتال آخر الأمر، من طبيعة الحياة الأرضية. فلا يظنن ظان أن الإسلام، وهو البديل النوراني للجاهلية الدكناء تقوم له قائمة في شوطه الثاني، المؤيد إن شاء الله، إلا كما قامت له في الشوط الأول، أي بالجهاد والفدائية، والقتال كلما اقتضى الحال، لابد من القوة. لكن البون شاسع بين من له مقاصد رحيمة بالخلق كافة، دينا يدن به لله عز وجل، يستعمل القوة بالحق ليدحض الباطل، وبين من دينه العنف منهجية وتطبيقا وهدفا" ([13]).
يقول الله تبارك وتعالى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾([14])؛ "خطاب لنا معشر الأمة المحمدية لننظر في سنة الله في الذين خلوا من قبل ونتأسى بالرسل، ونزداد ثقة بما نقرأ في الآيات البينات من وفاء الله بوعده لرسله وبما يُعرض علينا من أمثلة تاريخية لهذا الوعد وذلك الأمر غير المخلوف.(...)
هناك انتظار بليد لأمر الله وهو انتظار المتواكلين الذين يبررون قعودهم وجبنهم وجهلهم بعقيدة جبرية. وهناك من يشرك الأسباب مع الله، أو يعزل الله عن كل قدرة، فيسلك المسلك القدري لا ينتظر خيرا إلا من جهوده وحذقه وتدبيره. هؤلاء وأولئك يكلهم الله إلى عقيدتهم السوء، فهم مع كافة البشر تقلبهم الأقدار الإلهية جزاء وِفاقا وقدرا مقدورا.
أما أمر الله ونصرته فتخص أهل العدل والاعتدال، عقيدة وسلوكا، يتخذون الأسباب وينتظرون وعد الله لا يستعجلون. كل ذلك في محاذاة تامة لكلمات الله عز وجل وتلمذة ذكية لسنة خاتم الأنبياء عليه الصلاة والسلام.
أمر الله ونصرته بعد عصر النبوة، مرصود لحزب الله القائمين لله على النمط القرآني والمنهاج النبوي" ([15]).
ولعلنا لا يفوتنا أن نقول؛ أن التبتل الفردي لا يكفي بحجة أنه الجهاد الأكبر، للهروب من فريضة الجهاد، لا يكفي الخشوع والبكاء في المحراب الفردي، لكن يجب أن نجمع بين التبتل الفردي، والاهتمام بمصير أمتنا المستضعفة المغلوب على أمرها، أن نكون كما كان الصحابة y رهبانا باليل فرسانا بالنهار.
فالأمة مستضعفة في الأرض، تكالب عليها الأعداء من كل حدب وصوب، والصف الإسلامي مشتت، والحكام يعبثون بأمر الأمة الذي أمرنا الله أن يكون شورى بيننا، وأمر الحكام بأن يكون وراثة بين الأبناء والآباء... هل نبقى أمام كل هذا مكتوفي الأيدي نبكي وننوح على عزنا المفقود ومجدنا التليد؟! ونبرر قعودنا وتقاعسنا أننا ضعفاء، فنتعرض لنقمة الله وغضبه في الدنيا والآخرة أعاذنا الله من ذلك؟ وصدق الله تبارك وتعالى القائل في كتابه العزيز: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً} ([16]).
ماذا نفعل إذن؟ أين نذهب؟ من أين نبدأ؟ هل نعزي أنفسنا وأمتنا؟... نذكر مجدنا ثم نبكي على ماضينا! كل هذا مرفوض! هذا لا يقبله من الله U!
لكن المطلوب منا أن ننظر في سيرة سيدنا رسول الله r أسوة وقدوة؛ في جهاده بمكة والمدينة، وفي تربيته ودعوته، مواقفه وغزواته وسراياه وبعوثه، في مواجهته لغطرسة الأعداء، وفي بنائه لأمته، وفي دعوته لقومه، في حكمته وتؤدته وسمته وقصده. وننظر كذلك في سيرة المجاهدين من بعده من الصحابة y وخصوصا الخلفاء الراشدين، فبجهادهم الطويل المدى فتحت البلاد والعباد، وفتحت مغاليق القلوب، ودانت لهم الملوك والجبابرة. فعلى المنهاج النبوي كان سيرهم، فأكملوا مسيرة نبيهم r، فحرروا العباد من عبودية الطواغيت والاستبداد والظلم، وأوصلوا للناس هدي نبيهم، فدخل الناس بذلك في الدين أفواجا، وعلى نهجهم سار جند الله من بعدهم، إلى أن تخلت الأمة عن فريضة الجهاد، ونكصت عن حقيقته، فابتلاها الله جل وعلا بالويل والثبور وعظائم الأمور، وسلط عليها أعداءها، فخربوا البلاد، ومزقوا العباد، وعاثوا في الأرض الفساد.
ولن تقوم لنا قائمة حتى نسير على المنهاج النبوي الذي ساروا عليه، ونبلغ رسالة الإسلام إلى العالمين، ونتمسك بذلك النموذج الخالد القوي، لنستقبل البشارة الموعودة خلافة ثانية على منهاج النبوة.
وإننا باقتفائنا للمنهاج النبوي، تفتح الأبواب أمامنا لولوج الباب الموعود، كما فتحت لمن سبقنا بالإيمان، فكانوا منارات ساطعة على صفحات التاريخ الإسلامي، وما زلنا نتذكر تلك الأيام المجيدة، التي كانوا فيها سادة للعالم.
هذا، ومن المعلوم أن سيرنا المستقبلي لن يكون سليما "إن لم نتعلم من دروس الماضي. ولن نكون إلا خابطين في ظلماء أحداث تتقاذفنا أوجُهاً إن لم نستهد بالإخبار النبوي الغيبي الذي بشر بالخلافة الثانية بعد مراحل العض والجبر"([17]).
وإن الأيام سجال، يتنازع فيها الحق والباطل، "وترتفع الحضارات وتسقط. ومقياس الارتفاع والسقوط مقياس موضوعي واحد في كل زمان ومكان، وهو مدى الالتزام بمنهج الله –من أجل تحقيق الهدف النهائي من خلق الإنسان- وهو عبادة الله، التي تنطوي –من بين أمور أخرى- على إصلاح الأرض وعمارتها، بإرساء قواعد المجتمع على أساس من تقوى الله، وعلى دعائم الحق والعدل والتكافل والإيثار"([18]).
﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ﴾ ([19]).
([1])المسند، الإمام أحمد، في مسند النعمان بن بشير t، ح 18430. حديث صحيح كما في السلسة الصحيحة للشيخ الألباني، ح5.
([5]) وقد وردت كلمة أخرى على صيغة "استفعل" وهي كلمة "استعمر" كما في قوله جل شأنه حكاية لخطاب نبيه صالحu قومه: ) اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا( (سورة هود: من الآية61)، يدل فعل استعمر هنا على طلب الله تعالى وتقدس من عباده المؤمنين أن يعمروا الأرض ويصلحوا فيها ويبتغوا فيها من فضل الله ورحمته.
([6]) سنة الله، عبد السلام ياسين، ص171.
([10]) والخلافة الثانية على منهاج النبوة كما جاء في الأحاديث النبوية الشريفة هي خلافة الإمام المهدي الحسني الفاطمي عليه السلام فهو صاحبها وهو آخر مجدد في أمة الإسلام... وكل الأمارات تدل على أن شمسه ستشرق في هذا الزمان الملحق بالقرون الخيرية الأولى إن شاء الله من المغرب الأقصى.
([11]) سورة البقرة، الآية: 120.
([12]) العدل، الإمام عبد السلام ياسين، ص131.
([13]) الإسلام وتحدي الماركسية اللينينية، عبد السلام ياسين، ص65.
([18]) المدخل لدراسة التاريخ الاقتصادي والحضاري، د.غانم، ص28.



