مجلة أقلام الثقافية
  • الرئيسية
  • هذه المجلة
  • المنتديات
  • الشاعر سامر سكيك
  • انضم إلينا

واحة الإبداع

  • الشعر الفصيح
  • القصة والرواية
  • الخاطرة والنثر
  • مقالات متنوعة
  • الفن التشكيلي
  • بحوث ودراسات
  • أدب عالمي

أقلام متخصصة

  • حديث أقلام
  • القلم الديني
  • القلم السياسي
  • القلم الفكري
  • القلم العلمي
  • القلم النقدي
  • القلم الاقتصادي
  • تحقيقات صحفية

اخترنا لك

  • أعلام ومشاهير
    • أرشيف
  • قراءة في كتاب
    • أرشيف
  • مختارات شعرية

زوايا متنوعة

  • إدارة وأعمال
  • مسرح ومسرحيون
  • شؤون فلسطينية
  • للنساء فقط
  • الصحة والناس
  • من هنا وهناك
  • علوم وتكنولوجيا
    • أرشيف
  • تربية وتعليم

موسوعات أقلام

  • أدباء ومثقفون
  • قصص الأنبياء
  • التاريخ الإسلامي
  • شعراء وقصائد
  • عقائد وأديان

تسالي وترفيه

  • شرح الأبراج
  • ابتسم مع أقلام
  • ألغاز سريعة
  • اختبر ثقافتك

بحوث و دراسات

المستشرقون الجدد

التفاصيل
كتب بواسطة: إبراهيم عوض
المجموعة: بحوث و دراسات
انشأ بتاريخ: 17 مارس 2003
الزيارات: 8

"المستشرقون الجُدُد"

دانيال بايِبْس وبقية أفراد العصابة

د. إبراهيم عوض

(إلى روح المرحوم مجدى محرم)

 

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

http://awad.phpnet.us/

http://www.maktoobblog.com/ibrahim_awad9

 

 

صدر هذا العام (2007م) عن الدار المصرية اللبنانية للدكتور مصطفى عبد الغنى (المحرر الأدبى بجريدة "الأهرام" المصرية) كتاب بعنوان "المستشرقون الجدد- دراسة فى مراكز الأبحاث الغربية" يقع فى نحو 150 صفحة بما فيها الملاحق الإنجليزية التى نشرها فى نهايته، واستغرقت حَوَالَىْ خمسٍ وأربعين من تلك الصفحات. وفى هذا الكتاب يتناول الدكتور عبد الغنى ما يراه ظاهرة طارئة فى عالم الاستشراق، ألا وهى تحول المستشرق التقليدى إلى خبير فى مراكز البحث التى تعتمد عليها الدول الغربية، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية، فى رسم سياساتها تجاه العالم العربى والإسلامى. والمقصود بـ"مركز البحث" ما تكررت إشارة المؤلف إليه باسمه فى الإنجليزية: "a think tank"، وهو مصطلح كان يعنى فى أوائل القرن الماضى: "الذهن"، ثم تطور معناه منذ أواسط ذلك القرن فأصبح يعنى ما يمكن أن نسميه بـ"صهاريج الفكر"، على  أساس أن معنى "tank" هو الصهريج أو الخزان الكبير الذى نودع فيه ما نحتاج إليه من ماء أو نفط أو ما إلى ذلك. والمقصود "مؤسسات البحث"، أو "المراكز البحثية" كما ورد فى كتاب الأستاذ المؤلف حسبما نوّهنا قبل قليل، وهى مؤسسات تلجأ إليها بعض الحكومات والهيئات للاسترشاد بما يمكن أن تمدها به من أفكار وأبحاث وتحليلات وتوقعات واقتراحات فى حل ما يواجهها من مشاكل أو فى رسم ما يتعين عليها انتهاجه من سياسات وخطط فى المجالات الاقتصادية والسياسية والعسكرية الهامة، وإن كان المؤلف قد ترجم ذلك المصطلح أحيانا بـ"دبابات الفكر" لـَمْحًا منه لدور تلك المراكز المدمر بالنسبة للدول الصغيرة التى كُتِب عليها الاكتواء بنار السياسة المبنية فى ضوء ما يبديه العاملون فيها من أفكار واقتراحات مجرمة ظالمة. ومعروف أن  كلمة "tank" تعنى، فيما تعنيه، "الدبابة"، وإن كان الأصل فيها هو المعنى الأول. وإلى القارئ حصادَ ما تقوله خمسة من المعاجم الإنجليزية شرحا لمعنى ذلك التعبير، الذى قد يُسْتَعْمَل بدلا منه تعبير مشابه هو: "a think factory":

1- a research institute or organization employed to solve complex problems or predict or plan future developments, as in military, political, or social areas. Also called think factory (Dictionary.com Unabridged).

2- A group or an institution organized for intensive research and solving of problems, especially in the areas of technology, social or political strategy, or armament (American Heritage Dictionary).

3- a company that does research for hire and issues reports on the implications (WordNet).

4- or organization dedicated to problem-solving and research, especially in such areas as technology, social or political strategy, and the military. For example, The congressional leaders rely too heavily on that conservative think tank. This term originated about 1900 as a facetious colloquialism for brain and was given its new meaning about 1950 (American Heritage Dictionary of Idioms by Christine Ammer).

5- An institution in which scholars pursue research in public policy. Largely funded by endowments and grants, think tanks work to improve public awareness of policy issues (through publications) and to influence the government to act upon issues of national importance (American Heritage New Dictionary of Cultural Literacy, Third Edition).


      وفى دائرة المعارف المشباكية: "الويكيبيديا: wikipaedia" نقرأ تحت ذات العنوان:

"A think tank is an organization, institute, corporation, or group that conducts research, typically funded by governmental and commercial clients, in the areas of social or political strategy, technology, and armament.

History of think tanks:

Since "think tank" is a term that has only found use since the 1950s, there is still some debate over what constitutes the first think tank. One candidate is the Fabian Society of Britain, founded in 1884 to promote gradual social change. The Brookings Institution, founded in the US in 1916 is another candidate for the first think tank. The term think tank itself, however, was originally used in reference to organizations that offered military advice, most notably the RAND Corporation, formed originally in 1946 as an offshoot of Douglas Aircraft and which became an independent corporation in 1948.

Until around 1970, there were no more than several dozen think tanks, mostly focused on offering non-partisan policy and military advice to the United States government, and generally with large staffs and research budgets. After 1970, the number of think tanks exploded, as many smaller new think tanks were formed to express various partisan, political, and ideological views.

Etymology and usage:

Until the 1940s, most think tanks were known only by the name of the institution. During the Second World War, think tanks were referred to as "brain boxes" after the slang term for the skull. The phrase "think tank" in wartime American slang referred to rooms in which strategists discussed war planning. The first recorded use of the phrase to refer to modern think tanks was in 1959, and by the 1960s the term was commonly used to describe RAND and other groups assisting the armed forces. In recent times, the phrase "think tank" has become applied to a wide range of institutions, and there are no precise definitions of the term. Marketing or public relations organizations, especially of an international character, sometimes refer to themselves as think tanks, for example".

وقد تعرض كاتب المادة إلى أهم المراكز البحثية فى الولايات المتحدة وكندا وأستراليا ونيوزيلاندا وبريطانيا وألمانيا وإيطاليا وإسبانيا والبرتغال واليونان وروسيا وبولندا وسويسرا والسويد والدانمارك والصين وهونج كونج وتركيا وإيران والبرازيل، ولكنه لم يتطرق إلى ذكر أى مركز عربى رغم وجود مثل تلك المراكز فى بلاد العرب بطبيعة الحال. لكن السؤال هو: هل يهتم صناع القرار السياسى والعسكرى والاقتصادى عندنا بالرجوع إلى تلك المراكز لاستطلاع آرائها والأخذ بما تقدمه من دراسات ومقترحات وحلول؟ أم هل ينظرون إليها نظرهم إلى قطعة أثاث جىء بها لمجرد الزينة والاستعراض ومجاراة الآخرين حتى لا يقال إننا متخلفون عنهم، بغض النظر عن إدراكنا لقيمتها واستفادتنا منها أو لا؟ وأغلب الظن من شواهد الحال أن الاحتمال الثانى هو الأقرب إلى الصواب، وهى ظاهرة مؤسفة، إذ معنى ذلك أن حكامنا لا يكتفون بإهمال رأى شعوبهم، بل لا يَرَوْن فى أنفسهم حاجة إلى استشارة العقول الكبيرة فى البلاد المنكوبة بهم، طبعا لاعتقادهم العميق فى أنهم مُلْهَمون يُوحَى إليهم بما ينبغى لرعاياهم من حلول وسياسات. وهذا هو السر فى أن الوزراء والمسؤولين الحكوميين فى بلادنا يقولون دائما، كلما نوَوْا أو تظاهروا بأنهم يهمون أن ينجزوا شيئا، إنهم يفعلون ذلك "بتوجيهات جلالة الملك أو سيادة الرئيس". ذلك أن حكامنا إنما خُلِقوا ليوجِّهوا شعوبهم ولا يحتاجون إلى من يستشيرونه فى شىء، إذ ما الحكمة من مثل تلك الاستشارة ما داموا يَتَلَقَّوْن الوحى من السماء مباشرة رغم أن النبى محمدا المتصل بالسماء حقا وصدقا كان حريصا على استشارة من حوله فى كل صغيرة وكبيرة؟ بل ما جدوى تلك الاستشارة إذا كان الشعب نفسه لا يهتم بشىء من ذلك، بل هو لا يقدّر أصلا هؤلاء الحكماء الذين ينبغى لحكّامه استشارتهم، لكنهم لا يفعلون، ولا يشعر لهم بأية قيمة أو فائدة؟ إن شعوبنا بوجه عام إنما تعيش فى مستوى غرائزها ولا تتطلع إلى ما هو أعلى من ذلك!

وعلى أية حال فالمعروف أن عددا من حكام العرب والمسلمين أميون أو يكادون أن يفكوا الخط فى أحسن الأحوال، وفى كل الأحوال لا يُعْرَف عن أى منهم أنه يقرأ شيئا. وعلى أية حال أيضا فإنهم لا يُدْنون منهم فى العادة إلا من يُسْمِعونهم الكلام المعسول وينافقونهم ولا يصدّعون أدمغتهم بالحقائق المرة التى تفقأ عين كل من عنده عين! ثم إنهم ضعفاء عاجزون أو شبه عاجزين أمام القوى الكبرى، وبخاصة الولايات المتحدة الأمريكية. وعلى هذا فحتى لو افترضنا المستحيل وقلنا إنهم يريدون الاستفادة من تلك المراكز وما فيها من خبراء فإن تلك القوى تجبرهم على نبذ هذه النية وتئدها لهم فى ضمائرهم قبل أن ترى النور، وتأمرهم بعمل ما تريد هى فيأتمرون دون أن يتنحنحوا مجرد نحنحة! وقد ذكر الدكتور مصطفى عبد الغنى من هذه المراكز مركز الشيخ زايد فى الإمارات، ذلك المركز الذى كان تابعا للجامعة العربية وأثار منذ قريب ضجة عالمية حين اتهمته الدوائر الغربية بتشجيع الإرهاب.

ولكى يكون القارئ معى فى الصورة سأنقل له ثلاثة نصوص لا غير مما عثرت عليه وأنا بصدد إعداد هذه السطور: فأما أولها فهذا البيان الذى وجدته فى واجهة موقع الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان الرئبس الراحل لدولة الإمارات العربية المتحدة: "http://www.alshamsi.net/zayed/zayed_human.html"، وهو بعنوان "زايد وحقوق الإنسان": "اختصر الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان كافة القوانين والدساتير المتعلقة بحقوق الإنسان وتجاوزها فعلا بقرارات حكيمة ومبادرات طيبة وضعها من خلال نظرته الثاقبة وفكره المتوقد للحفاظ على أغلى ثروة يمتلكها الوطن. كما قال سموه دائما إن الإنسان هو أغلى ثروة يمتلكها الوطن. ومنذ البداية قطعت دولة الإمارات العربية المتحدة العهد على نفسها بألا تنمية بدون تنمية الإنسان أولا، ومن هنا كان مسعاها نحو العمل بكل جهد وإخلاص من أجل كفالة حقوق الإنسان وصيانة حريته ورفاهيته وتوفير كل السبل الممكنة للنهوض بقدراته نحو الأفضل، وهيأت كل المستلزمات التي تمكن من أن يكون هذا الإنسان في مقدمة خططها الآنية والمستقبلية، وسنت لهذا الغرض العديد من القوانين الدستورية والقوانين ذات الاختصاص من أجل ذلك الهدف.

وكان الهاجس الأول لصاحب السمو رئيس الدولة حفظه الله هو تنمية الإنسان، فكان دستور حمايته ورفاهيته وصيانة مكتسباته حاضرا في ذهنه منذ زمن بعيد، وقبل أن يوضع دستور مكتوب. فقد عمل وبكل تفان وإخلاص من أجل أن ينهض بهذا الشعب نحو العزة والوحدة، وكان إيمانه بالوحدة والسعي نحو تحقيقها هو الهدف الذي من أجله قاد الكفاح من أجل الإنسان لأنه أدرك منذ زمن بعيد بأن الوحدة قوة، والإنسان هو هدفها وغايتها. فالإنسان عند صاحب السمو رئيس الدولة هو أساس أي عملية حضارية حيث يقول إن الاهتمام بالإنسان ضروري لأنه محور كل تقدم حقيقي مستمر، فمهما أقمنا من مبانٍ ومنشآت ومدارس ومستشفيات، ومهما مددنا من جسور وأقمنا من زينات، فإن ذلك كله يظل كيانا ماديا لا روح فيه وغير قادر على الاستمرار. إن روح كل ذلك هو الإنسان القادر بفكره وفنه وإمكانياته على صيانة كل هذه المكتسبات والتقدم بها والنمو معها.

وأوضحت إحدى الدراسات الصادرة عن مركز الشيخ زايد للتنسيق والمتابعة أن دولة الإمارات العربية المتحدة هي من الدول التي آمنت أن أساس التنمية هو الإنسان، وبناء عليه سعت إلى كفالة حقوقه وحرياته وصاغت في سبيل ذلك العديد من القوانين الدستورية المشرعة لكل الحقوق والحريات، ودعمتها بالقوانين الوزارية، وسعت بكل ما تملك إلى وضع القوانين التي تحقق المصلحة العامة حيث سعى صاحب السمو رئيس الدولة منذ قيام اتحاد دولة الإمارات العربية المتحدة إلى أن يضع لهذه البلاد دستورا يعبر عن إيمانه بهذا الشعب ويعبر كذلك عن طموحاته الهائلة من أجل هذا الشعب وتأمين حقوقه المدنية والسياسية، ولم يغفل ذهنه المتوقد أي جانب من جوانب هذه الحقوق.

وقد جاء دستور دولة الإمارات العربية المتحدة معبرا حقيقيا عن كرامة هذا الإنسان، فقد حرم التعذيب والمعاملة القاسية احتراما لكيان هذا الإنسان، ورفض الاستعباد وفرض العمل بالقوة وحق الحرية والسلامة الشخصية والإقامة والانتقال وحق المساواة أمام القضاء وفق القانون. وأنصف دستور دولة الإمارات الإنسان أيما إنصاف، فقد كفل حريته الخاصة في المنزل والمراسلات والفكر والضمير والديانة والحق في الرأي والتعبير وحق العائلة في التمتع بالحماية في المجتمع والدولة والمساواة المطلقة أمام القانون، وحظر استبعاده عن بلاده ومصادرة أمواله وحقه في الجنسية والعقوبة الشخصية وحرية المسكن.

 ومن أبرز ما جاء به دستور الإمارات في صيانة حقوق الإنسان استقلال القضاء وحق المواطن في مخاطبة السلطات العامة وحق تشكيل الجمعيات واحترام الملكية وحق اللجوء السياسي، ولم يغفل الدستور حقوق الطفل والمرأة، وأكد على العنصرين الاساسيين في الأسرة، وهما المرأة والطفل، وصيانة حقوقهما، ووفر كل السبل من أجل رعايتهما من مستشفيات ومدارس ورياض أطفال ومراكز رعاية الأسرة، وكفل حقوقهما في القانون الدستوري للدولة احتراما لمكانتهما في المجتمع وحب القائد لهما. وشملت أكثر من 23 مادة في الدستور الحريات الشخصية للإنسان، فضلا عن الحريات الفكرية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية. واعتبر الدستور أن المساواة والعدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص لجميع المواطنين والمواطنات من دعامات المجتمع الأساسية. كما نص الدستور على أن الاسرة هي أساس المجتمع، ويكفل القانون كيانها ويصونها ويحميها. وقد استعرضت الدراسة ما نص عليه الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ومفهوم حقوق الإنسان عالميا وإسلاميا وعربيا، وكذلك الآليات الإقليمية والدولية لحماية حقوق الإنسان والموقف العربي من العالمية والخصوصية في حقوق الإنسان. وأوضحت هذه الدراسة بالجداول والأرقام مقارنة بين الحقوق المدنية والسياسية الواردة في الدستور المؤقت لدولة الإمارات والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والتي تؤكد على أن تشريعات دولة الإمارات العربية المتحدة شاهدة على تقدم وتمدن هذه الدولة واحترامها لحقوق الإنسان وإطلاقها لهذه الحقوق والحريات وعدم تقييدها من خلال تبني وإقرار عدة ضمانات من أجل الإنسان وحقوقه وحرياته في مختلف المجالات وكافة الظروف. كما أكدت الدراسة على أن دولة الإمارات تعتبر من الدول العربية القليلة الملتزمة بتقديم تقرير سنوي لاجتماعات الاتفاقية الدولية المتعلقة بإزالة جميع أنواع التمييز العنصري والتفرقة العنصرية. وأكملت دولة الإمارات انضمامها الرسمي للعديد من الاتفاقيات الدولية كان آخرها الانضمام إلى الاتفاقية الدولية لحقوق الطفل مطلع العام 1997، وشاركت بفعالية وإيجابية في الحوار الدولي لحقوق الإنسان من خلال المؤتمرات الدولية التي نظمتها الأمم المتحدة.

كما أنه لم تسجل تقارير المنظمات الدولية العربية والعالمية أي انتهاكات لحقوق الإنسان بالإمارات، ووثقت الدراسة لعدد من الاتفاقيات والعهود والوثائق الدولية الخاصة بحقوق الإنسان، ومنها وثيقة انضمام حكومة دولة الإمارات إلى اتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الطفل.
ومن الجدير بالذكر أن الدراسات التي يقدمها مركز زايد للتنسيق والمتابعة عن الإنسان وحقوقه في القانون الدولي تناولت عناوين بارزة هي على صلة بالواقع الدولي لحقوق الإنسان من أبرزها: حقوق الإنسان- ثوابت المبدأ ومتغيرات الزمن، والميثاق العربي لحقوق الإنسان، وحقوق الإنسان في الإسلام، وأيضا المصادر الحقيقية لحقوق الإنسان، وكذلك القانون الأساسي لمنظمة العفو الدولية، والاتفاقيات الدولية التخصصية في حقوق الإنسان، وكذلك الحماية الإقليمية لحقوق الإنسان، وغيرها من الدراسات العظيمة التي قدمها هذا المركز ومازال يقدمها في خدمة الإنسان والإنسانية (من دراسة أعدها مركز الشيخ زايد للتنسيق والمتابعة ونقلاً عن موقع جريدة الإتحاد على الإنترنت بتصرف)".

ولا يسع المرء حين ينتهى من ذلك الكلام إلا أن يتساءل: ترى ما جدوى إنشاء مثل ذلك المركز إذا كان الحاكم من حكامنا لا يحتاجه ولا يحتاج شيئا آخر غير ما تثمره عبقريته التى لم تلدها ولادة، أكرر: لم تلدها ولادة، نعم لم تلدها ولادة، لأنه ببساطة لا وجود لمثل تلك العبقرية ولا لأية موهبة بالمرة؟ ولا أظن أنه قد نُسِىَ بَعْدُ ذلك الحاكم العربى الذى أنفق واقفا فى واحد من مؤتمرات حرب الخليج الأولى (كأى تلميذ غبى بليد ثخين العقل غليظ الإحساس لا أمل فى أن يتطور من المرحلة الديناصورية إلى المرحلة الإنسانية) دقائق عصيبة بل قاتلة مرت كأنها دهر، وهو يحاول أن يتهجى بضع كلمات لا راحت ولا جاءت كتبوها له بحروف فى ضخامة الفيل كى يقرأها فى ذلك المؤتمر أمام عدسات التصوير التى يشاهدها العالم كله، وهو يتهته ويفأفئ ويبأبئ ويتأتئ ويمأمئ ويفسفس ويبسبس ويمسمس، ولا يتتعتع (رغم كل هذه التأتآت والبأبآت والمأمآت والفأفآت والفسفسات والبسبسات والمسمسات) من موضعه ولا فيمتو مليمتر واحد فى الساعة، وكانت فضيحة مدوية! وكنت، والله العظيم، وأنا أشاهد ما يجرى، أتمنى لو انشقت الأرض وبلعتنى، تعاطفا مع المسكين. وتساءلت: ألم يكن الرجل، بدلا من هذه الشحططة والمرمطة، قادرا على ارتجال كلمة من تلك الكلمات السخيفة التى يزعجنا بها حكامنا فى الفاضية والملآنة ويظل المذياع والمرناء يحرق بها أعصابنا أياما وليالى ويفقع مصاريننا ومرارتنا أيضا بالحديث عن اهتمام العالم كله: العلوى منه والسفلى، والظاهر والخفى، وعالم الجن وعالم الإنس وعالم الملائكة، وعالم الحيوانات والطيور والحشرات والزواحف والديناصورات المنقرضة من قبل أن نصطبح بخلقة هؤلاء العباقرة بملايين السنين، إن كان لنا أن نصدق علماء الأحياء وطبقات الأرض فى موضوع عمر الأرض، وكيف أن العالم أجمع لا يهنأ له نوم ولا يروق له بال، ولا يهدأ له بلبال، إلا إذا شنّف آذانه كل يوم عدة مرات لعدة أسابيع بسماع الكلمة العبقرية التى لم يمر لها مثيل من قبل ولن يجود الدهر بهذا المثيل مستقبلا؟ لكن يبدو أن المسكين أراد أن يثبت للغرب أنه واحد من أولئك الذين يستطيعون فك الخط، فلم ينجح للأسف فى ادعائه، بل لم يقيض له الله أن يحصل ولو على ملحق. ثم يقولون: مراكز بحثية فى العالم العربى! شىء لله يا مراكز!

نعم هناك مراكز بحثية فى العالم العربى، لكن الذى يستفيد منها هو الغرب والولايات المتحدة بوجه خاص، وهذه هى الحقيقة الناصعة، بل الحقيقة الوسخة التى لا يفلح فيها أومو ولا بِرْسِيل ولا أى منظف كَحْيان عَدْمان من منظفاتنا التى كُتِب عليها السوء والرداءة كأى عمل نمارسه وأية صناعة ننتجها، أما حكامنا فهم فى الغالب يديرون أمور حياتنا كما كان يفعل أى فلاحٍ فى كفر من الكفور المصرية أيام زمان حين يتربع على المصطبة، وهات يا فتاوى فى كل أمور الحياة، وهو لا يعرف الألف من كوز الذرة. ألم يقولوا فى المثل: سكة أبو زيد كلها مسالك؟ فحكامنا، والحمد لله، سالكون تمام التمام و"جِدْعان آخر مجدعة"، ويعجبونك جدا، ومقطِّعون السمكة وذيلها، ويفهمونها وهى طائرة، ولا يحتاجون لشىء اسمه المراكز البحثية التى لو كان لدينا ذرة صدق وإنصاف لبللناها وشربنا عصيرها على الريق كى نستفيد شيئا مما أنفقناه عليها ولا نخرج من المولد بلا حمّص.

وأحب، قبل أن أترك هذه النقطة، أن أقول لمن سينخرط الآن فى فاصل من النقد للرجل وأمثاله: إنه ليس وحده هكذا، بل معظمنا كذلك بدرجات متفاوتة، وما المدارس والمعاهد والجامعات وما يُنْفَق عليها من مليارات سوى واجهات زائفة لا تخفى وراءها علمًا ولا جِدًّا ولا اهتماما بشىء، وإنما هو الوقت نضيعه دون تحصيل علمٍ جِدّىٍّ أو تطهير عقلٍ حقيقىٍّ أو اكتساب مهارة جديدة. وكلنا نعرف هذا، لكننا لا نريد أن نُقِرّ به رسميا، فهنيئا لنا! وقس على التعليم الانتخابات والمجالس النيابية والتأمين الصحى... وهلم جرا.

وهنا أجد لزاما علىّ رغم هذا أن أشير إلى ما نبّه إليه الدكتور مصطفى عبد الغنى من أهمية مثل تلك المراكز بما تمثله من سمة إيجابية "لأية دولة تسعى إلى النهوض وتحافظ على مكتسباتها القومية بأدوات البحث ورموزه، خاصة فى بلادنا العربية بكل ما تواجهه الآن من مخاطر. ففى هذا القرن من الزمان الذى شهد تطورا هائلا فى مختلف الميادين والحقول عُرِفَتْ عمليات الاهتمام المعرفى وتبادل المعلومة والمعرفة والخبرة العلمية ضمن إطارٍ مؤسَّسِىٍّ دائم هو ما نطلق عليه اليوم: "مراكز البحوث والدراسات"، فأصبحت الشعوب والأمم والحضارات تتبادل معارفها وتحافظ على مميزاتها وخصائصها انطلاقا من وِرَش العلم البحثية المنتشرة فى أرجاء المجتمعات المتحضرة. كما أصبحت مراكز البحث وسيلة فُضْلَى لعرض الـمُنْجَز الفكرى والعلمى والحضارى لأية أمة من الأمم. ويمكن أن تلعب فى حالتنا، حالة الصراع العربى الإسرائيلى، دورا إيجابيا إذا أحسنّا التعامل معها وبها" (ص 10). وهذا كلام طيب، بيد أنه يتعلق بما ينبغى أن يكون لا بما هو كائن فى بلادنا فعلا، اللهم إلا إذا كان قصده استفادة المثقفين لا الحكام، إذ لا أظن أن حكامنا بحاجة إلى مثل تلك المراكز أصلا للسببين اللذين سبق ذكرهما.

أما النص الثانى الذى عثرت عليه وأنا أعد هذه الفقرات، وأحببت أن أقدمه للقارئ هنا، فهو المقال الذى قرأته منذ عدة ليالٍ فى صحيفة "المصريون" الضوئية، وهو عن مواعيد امتحانات الثانوية العامة فى آخر هذا العام. و سوف يتسم الكلام هذه المرة بالتواضع لأننا لن نتناول فيه حاكما عظيما ممن يفهمونها وهى طائرة ويأتون بالذئب والثعلب أيضا فوق البيعة، ومعه الأسد (نعم الأسد الذى يغنى له الأطفال: ملك الغابة، يا ملك الغابة. تلاعبنى ملك والاّ كتابة؟)، بل وزيرًا "كُلّشِنْكَانًا" لا يهشّ ولا ينشّ من "العشرة بمليم" كالليمون فى الأيام الخوالى، أيام أن كان الليمون بعد العصر لا ينباع، وعنوان المقال هو "بلد عشوائيات"، وتاريخه 25 إبريل 2007م، وكاتبه جمال سلطان. يقول المقال، أو كاتبه إذا أردتَ الدقة: "بابتسامته العفوية الجميلة ظهر لنا الدكتور يسري الجمل وزير التعليم قبل أسابيع وهو يزف لنا بشرى أن جدول امتحانات الثانوية العامة هذا العام سيكون وفق اختيار أولياء الأمور والطلاب وبما يناسب الجميع، وبالتالي تم طرح صيغة مقترحة للجدول لتلقي المقترحات. ثم بعد أن تم الحصول على الملاحظات والمقترحات خرج علينا الدكتور يسري بنفس الصورة الحلوة المبتسمة وهو يعلن بسعادة وفخر عن إصدار جدول امتحانات الثانوية العامة الجديد. وعمم الخبر مع صورته الجميلة على الصحف القومية والمستقلة، لكن يبدو أن "الحلو" لا يكتمل، فبعد أن تأهل الطلاب والطالبات نفسيا للجدول الجديد، حيث تتم عملية رياضية ذهنية مثيرة جدا للفروق الوقتية بين المادة وأختها، إذا بنا نفاجأ بمعالي الدكتور يسري يعلن بشكل عاجل إلغاء الجدول الذي تم اعتماده، وذلك، حسب قوله، بناءً على شكاوى من بعض أولياء الأمور. طبعا ليس أي أولياء أمور، وإنما هم من أولياء الأمور الذين يملكون حق "الفيتو" في هذا البلد المغلوب على أمره. ثم أكد معالي الوزير على أن الجدول "المعدل" تم تعديله بعد حوار عبر "الفيديو كونفرانس" بحيث يأخذ صيغته الأخيرة. ثم خرج الدكتور يسري بنفس صورته الحلوة المبتسمة ليزف بشرى صدور الجدول، وبالتالي تعميمه على مديريات التعليم التي وزعته على المدارس التي قامت بطبعه، ومن ثم توزيعه على الطلاب. وما إن بدأ الطلاب يستقرون نفسيا بعد هذا القلق والتوتر حتى فاجأ الدكتور يسري الجميع أمس بنفس صورته الحلوة المبتسمة وهي تعلن أنه، بكل أسف، أن الجدول "المعدَّل" الذي تم اعتماده لامتحانات الثانوية العامة وتعميمه على المديريات والمدارس والطلاب لن يصلح وتم إلغاؤه، حيث خرج عباقرة الوزارة، بدون مشورة أولياء الأمور هذه المرة، بجدول جديد، يا رب يكون الأخير، خلطوا فيه المواعيد وأربكوا ما استقر في وعي الطلاب وذهنهم من ترتيبات. وقالوا إن الجدول الجديد "المطور" تم وضعه بناء على ظروف انتخابات مجلس الشورى المقبلة، وكأن جهابذة الوزارة وجيش مستشاريها لم يكونوا يعرفون أن انتخابات الشورى ستكون في هذا التوقيت. والحقيقة أن الناس ما زالت في حيرة: هل هذا آخر كلام الوزير أم أنه سوف يخرج بعد عدة أيام لكي يفتح الباب من جديد للحوار و"الفيديو كونفرانس" أو أن يأتيه الوحي في النهاية من قيادة نافذة تطلب منه تعديل الجدول من جديد فيظهر لنا الجدول "المحسَّن"؟ هذا الذي حدث يكشف عن مدى العشوائية التي تدار بها البلد. موضوع الثانوية العامة مسألة ذات حضور طاغٍ في الأسرة المصرية، ولها أولوية قصوى على كثير من شؤون الحياة. وهذا في تصوري خطأ، وأسبابه متراكمة، والمسؤول عنه أكثر من طرف، سواء في الجهاز الإداري والتعليمي أو التوظيف السياسي الفِجّ للعملية التعليمية أو في وعي المجتمع نفسه. فإذا كان العبث يتم في مسألة بهذا القدر من الخطر والحساسية، وإذا كانت هذه العشوائية تتم في قضية لا تحتمل عشوائية أصلا لأن المناهج والسياسات لم تتغير من عدة سنوات فيما يخص الثانوية العامة، فكيف بنا في تعاملنا مع بقية شؤون البلد؟ أو بمعنى آخر: كيف يذهب خيالنا إلى مدى العشوائية التي تتم في الأمور الأخرى التي لا نراها ولا نتابعها إلا صدفة وبدون قصد؟ لك الله يا شعب مصر".

هذا، ولى تعليق سريع وتافه على المقال ملخَّصُه أننا كلنا تقريبا ذلك الوزير، فلا ينبغى أن نتصور أننا طاهرون بُرَءَاءُ وأنه هو وحده المعيب، بل الكل يتصرف عشوائيا كالوزير وأَزْفَت منه. كما أن الميت لا يستحق كل هذه الجنازة الحارة، فالطلبة فى الجامعة على سبيل المثال لا يتعلمون شيئا يستأهل، بل كل ما هنالك أنهم يحفظون بعض الملخصات آخر العام يُسْقَوْنَها سقيا بملعقة ملوثة من كوز قذر لينسَوْها تَوَّ خروجهم من الامتحان، ثم هم لا يعرفون كيف يكتبون جملة واحدة، لا أقول: سليمة، بل جملة لها معنى، أما الخط فحدث ولا حرج، فهو فى غالب الأحيان شىءٌ مقئٌّ لا يمت إلى الكتابة بصلة، ولا أدرى من أين تعلمه هؤلاء المعاتيه الرسميون. وبالمناسبة فالملخصات يكتبها لهم واحد منهم أو طالب فاشل عنده كَمٌّ من الجرأة بل الوقاحة يخيِّل له أنه قادر على تلخيص مواد ومقررات لا يفقه فيها شيئا لأنه من نفس العينة والسلالة التى منها سائر الطلاب، فمن أين يأتيه الفهم والتحصيل؟ إن هو إلا عَتَهٌ رسمى بشهادة مختومة بخاتم النسر، الذى اقترح أن يستعيضوا عنه بأبى فصادة حتى يوافق شَنٌّ طبقة، وكان الله يحب المحسنين، ويكره الكسالى الثرثارين! ووضْع الطلاب هنا كوضْع من تدعوه إلى أكلة نظيفة شهية فى مطعم فخم فيؤثر عليها شطائر الفول والبطاطس من عربة فى الشارع مربوطة إلى حمار يغسل صاحبها أطباقه فى جردل موضوع تحت فم الحمار وأنفه، فهو (أى الحمار، أو صاحب الحمار: لا فرق) يشمه ويعطس فيه ويشرب منه، فضلا عن أسراب الذباب والغبار والهباب الذى يحط على الطعام ويغرم بها صاحبنا غراما وانتقاما! ولكن ماذا تقول فى الذوق الفاسد والطبع المعوجّ؟ مرة أخرى: هنيئا لنا!

وأخيرا هذا هو النص الثالث الذى وعدت القراء به، وهو يعطينا فكرة عن أحد المستشارين المقربين إلى رئيس أكبر دولة عربية. يقول د. عماد عبد الرازق تحت هذا العنوان الجانبى: "أسامة الباز متلعثما تليفزيونيا- أول وآخر مرة!" من مقال منشور بجريدة "القدس العربى" اللندنية يوم السبت 30 مارس 2007م بعنوان "الأعمال الكاملة لانتحاري إرهابي مسيحي، والمتلعثم الرسمي باسم الحكومة المصرية يتلعثم": "لو كنت من رئاسة الجمهورية المصرية لاستصدرت حكما قضائيا بالحجر على د. أسامة الباز ومنعه منعا باتا من الظهور على شاشة التليفزيون، أي تليفزيون، محلي أو عربي أو حتي يبث في كوكب عطارد. من أجل هذا الرجل المخضرم في عالم السياسة يجب استحداث منصب جديد خصيصا أقترح تسميته: "المتلعثم الرسمي"، وهو تنويع على وظيفة المتحدث الرسمي. لقد شاهدت الدكتور الباز ضيفا على برنامج "اليوم السابع" وكادت الدموع أن تفر من عيني حزنا وكمدا عليه. فما رأيت رجلا قط في مثل هذا الحيص بيص وهو يرد علي أسئلة محمود سعد. واحد من أكثر المذيعين المصريين لزوجة ومطاطية، فهو المترفق دوما، الحنون للغاية علي ضيوفه، تأخذه الشفقة بهم حتي تخاله سيركع أمامهم ويقبل أياديهم طلبا للصفح والمغفرة إذا ما تسبب أحد أسئلته في إحراجهم أو إزعاجهم أو أي شبهة من هذا القبيل. ولهذا أيضا تجده يسبغ عليهم من كرم الضيافة أطنانا من عبارات المديح والإطراء. يتحسس طريقه نحو الأسئلة بعد أن يخففها ويهندمها ويهذبها ويقلمها ويشذبها، ويطعمها بجمل وعبارات اعتراضية واستطرادية من قبيل: "علي سبيل المثال" أو "لنفترض جدلا أو لنتخيل، و أنا لا أقول إنك قلت كذا أو فعلت كيت"... وهكذا إلى أن يبعد جميع الشبهات والشكوك والايحاءات عن فحوى السؤال حتي يصير مائعا ساقعا لا طعم له ولا لون ولا رائحة. مع كل هذا كان د. أسامة الباز كارثة تليفزيونية بكل المقاييس. نعم كان الرجل أشبه ببطل تراجيدي في إحدى المآسي اليونانية العظيمة الخالدة، البطل الذي كان نبيلا حتي سقط سقطته التراجيدية نتيجة علة أو خلل في شخصيته، فحلت عليه لعنة الآلهة وسقط من عليائه مضرجا في أهواله التي صنعها مزيج من قدره الغشوم وحمقه أو النقيصة الأخلاقية المتأصلة فيه. على الرغم من أن د. الباز لم يكن في يوم من الأيام بطلا ولا يحزنون، لكن هكذا على الأقل كان الناس يحسنون الظن به، وأنا واحد منهم مع كل هذه المناصب التي شغلها في قمة الهرم السلطوي لأكثر من ثلاثين عاما، إلى أن شاهدته متحدثا تليفزيونيا. نعم أحسست بالشفقة كما نحس بالشفقة على أوديب الذي فقأ عينيه أو هاملت غارقا في جحيم شكوكه وهلوساته وانجرافه نحو هاوية الجنون، يطارده شبح أبيه المغدور بالتآمر بين أمه وعمه الخؤون، أو الملك لير وقد استبد به الجنون والخرف. أشفقت علي الدكتور الباز ولعنت من نصحه بالموافقة على الظهور في البرنامج ليدلي بهذه الإجابات المهترئة، والتبريرات المهلهلة لسياسات لا يجرؤ حتى على تبنيها أو ادعاء أنه كان من صانعيها، وحين ينبري للدفاع عنها (كلمة "ينبري" كبيرة إلى حد ما)، حين تساوره نفسه الأمارة بالسوء أن يدافع عنها، تكون الطامة الكبرى وينكشف المستور. كان الرجل يتلعثم تلعثم من ضبط متلبسا كما ولدته أمه في وضع مخل بالآداب، يهرف بكلمات وعبارات لا تعني شيئا البتة، ومضيفه المسكين يجاهد ويكابد في أن يستخرج المعاني من وسط ركام الهراء الذي ينسكب من فم الرجل الباز (وياللمفارقة في اسمٍ ليس علي مسمي بالمرة، فهو أبعد ما يكون عن "الأسامة" وعن "الباز"). وكلما شط الدكتور واشتط يعيده محمود سعد بأدبه المتصنع لدرجة التزلف إلى لب الموضوع ويعيد على مسامعه السؤال عينه بشحمه ولحمه ودمه، ولكن دون جدوى  تذهب جهوده المضنية أدراج الرياح. إنه حتى لا يجيد التهرب من الأسئلة، ولم يدل بتعليق واحد تشتم منه رائحة الذكاء أو الألمعية. تتعقد منه الخطوط، ويتوه في الزحام وتخونه الكلمات وتضيع منه الأفكار، ونضيع معه ونحن نعتصر جباهنا لنتأكد أن البلاهة لم تحط علينا فجأة، ونفرك آذاننا لنتأكد أن الصمم لم يعترها بعد، ونحملق في الشاشة ونفرك عيوننا لنتأكد أن هذا هو د. أسامة الباز مستشار رئيس أكبر دولة عربية للشؤون السياسية بشحمه ولحمه ودمه وقده وقديده، حامل الدكتوراه من بلاد العم سام. ويا ميت ندامة ع الفرع العدل لو مال. كانت المناسبة مرور "عُشْرُمِيت" سنة علي مبادرة الرئيس السادات وزيارته للقدس".

كذلك أبرز كاتب مادة "think tank" فى "الويكيبيديا" ما يوجَّه إلى هذه المراكز البحثية من نقد، وهو ما لم يفت مؤلفنا فذكره فى كتابه ونبّه إلى الأخطار والمصائب التى تقع على رؤوسنا من وراء المراكز الأمريكية بالذات. ومن هذا النقد أن أعضاء تلك المراكز لن يمكنهم مقاومة الرغبة الطبيعية فى استمرار الدعم المالى الذى تقدمه هذه الجهة أو تلك ويدخل بطبيعة الحال جيوبهم، فنراهم يتخَلَّوْن بدرجة أو أخرى عن الحيادية المطلوبة منهم أو على الأقل: المفترضة فيهم، ويقدمون من النتائج ما يرضى أولئك المموِّلين محوِّلين من ثَمّ تلك الأجهزة إلى توابعَ أيدلوجيةٍ لمن يدفعون لهم، توابعَ تعمل على تشكيل الرأى العام وتوجيهه إلى الناحية التى يريدها هؤلاء حتى لو كان فيها مخالفة صريحة للعلم ونتائجه، كما هو الحال مثلا فى عمل بعض تلك المراكز على التشكيك فى أن يكون التدخين السلبى مؤذيا لصاحبه على عكس ما انتهت إليه الأبحاث العلمية فى هذا السبيل، وذلك خدمةً لشركات الدخان. يقول كاتب المادة:

"Critics such as Ralph Nader have suggested that because of the private nature of the funding of think tanks their results are biased to a varying degree. Some argue members will be inclined to promote or publish only those results that ensure the continued flow of funds from private donors. This risk of distortion similarly threatens the reputation and integrity of organizations such as universities, once considered to stand wholly within the public sector. Defenders state that think tanks arose to challenge the liberal orthodoxy of the universities in place starting in the 1970s.

Some critics go further to assert think tanks are little more than propaganda tools for promoting the ideological arguments of whatever group established them. They charge that most think tanks, which are usually headquartered in state or national seats of government, exist merely for large-scale lobbying to form opinion in favor of special private interests. They give examples such as organizations calling themselves think tanks having hosted lunches for politicians to present research that critics claim is merely in the political interest of major global interests such as Microsoft, but that the connections to these interests are never disclosed. They charge, as another example, that the RAND Corporation issues research reports on national missile defense that accelerate investment into the very military products being produced by the military manufacturers who control RAND. Critics assert that the status of most think-tanks as non-profit and tax exempt makes them an even more efficient tool to put <FONT face="Time

بين قرنين(2)

التفاصيل
كتب بواسطة: محمد الشامي
المجموعة: بحوث و دراسات
انشأ بتاريخ: 15 مارس 2003
الزيارات: 9

مؤتمرون ، مأمورون ، متآمرون

محمد الشامي

لن نستعيد ارث مؤتمرات القمم العربية فليس فيها ما يشجع على ذلك وأن كان فيها الكثير مما يستوجب التوقف عنده مما بني عليه خلال الاعوام الماضية ،لذا سنبدأ من قمة بيروت والتي تعد اخر الققم العربية التي خرجت بأتفاق بين المحاور السائدة على مشروع الحد الادنى ، جاء ذلك فيما العراق يهيأ للانقضاض عليه ، وعرفات سجين اسوار المقاطعة وأسير الاتفاقيات الموعودة التي لم تنفذ منذ مدريد وحتى اوسلو ، وقد بدا واضحا خلال التحضير للمؤتمر السياق الامريكي الذي يقول اعطونا العراق فنعطيكم دولة فلسطينية مؤقتة ، ولما تأكد للمؤتمرين عبر رسالة عرفات الصوتية للمؤتمر ان الصهاينة ومن خلفهم الادارة الامريكية ليسوا في وارد تقديم شيء فلسطينيا وأن الامر ليس اكثر من مقايضة عمياء مرحلية هدفها تخفيض سقف قرارت المؤتمر الى الحد الذي لا يتناقض مع المشروع الامريكي في المنطقة ، ارتبك المؤتمر وكاد ان ينفجر من الداخل ، وعليه فأن قرارته والمعروف انها كانت حبرا على ورق لم تكن لتساوي ثمن الورق والحبر التي كتبت عليه كما قال شارون حينها ، هذه القرارات جاءت بالحد الادنى المتوافق عليه عربيا وهو مرفوض امريكيا وصهيونيا ، الا انه يجب الاشارة هنا الى ان سقف قرارت المؤتمر كانت اعلى من سقف اوسلو الذي وافق عليه عرفات فقد جاءت المقررات تتحدث عن انهاء الصراع الفلسطيني الصهيوني قبل المباشرة بالتطبيع مع الكيان على المستوى العربي رافدين هذا الشرط بشروط تفصيلية تعني الجنوب اللبناني بما تبقى محتلا من ارضه ، والجولان المحتل ، ومسألتي القدس واللاجئين ، وبالتالي جاءت رزمة القرارت رغم اعتراضنا عليها ، مخالفة للشروط الامريكية السائرة في سياق التحضير للحلقة العراقية في المشروع الشرق اوسطي ، وعلى الرغم من تجاوز معظم الانظمة سقف المقررات منذ ذلك الحين وحتى الان خصوصا بشأن العلاقة مع الكيان الصهيوني ، او في مسألة توحيد مسارات القضايا العربية المشتركة ، الا ان ضباب الحرب على العراق والدخان المتصاعد من اعصاره قد غطى الحركة العربية المنقوصة وغير الملتزمة بقرارات القمة ، الا ان كل هذا لا يزال يعتبر تجاوزا للمقرررات ، كما انه لا يفي بالغرض المنشود للادارة الامريكية حيث ان الاداء العربي الرسمي الحالي لا يزال دون مستوى الحدث ودون مستوى الخطة والمزايا التي انتجتها الهجمة على العراق والتي ارست منهجا جديدا لتتمجور حوله صراعات المنطقة وتسهم في اخراج الادارة الامريكية من المستنقع العربي بأقل حجم من الخسائر دون اضطرارها للخروج النهائي بل بالانسحاب الى الخط الامن خلف الصراعات التي تم افرازها مذهبيا وعرقيا وقوميا لتشكل البديل الداخلي العربي للمشروع بدل ابراز بنيته الامريكية والتي لا يضمن احد عدم التعارض معها .

ومن هنا فأن القمة المزمع عقدها في العربية السعودية في النصف الثاني من شهر اذار القادم عليها مهام جسام ، تقتضي تدوير الزوايا بين المشروع الامريكي للمنطقة والمشروع العربي في قمة بيروت والذي كان صاحبه ومقدمه للمؤتمر الملك عبدالله ملك السعودية الحالي ، بحيث يتم حذف الشروط القاضية بربط عملية التطبيع مع الكيان بالحل النهائي للمسألة الفلسطينية ، كما وان التعويل على استمرار كون القضية الفلسطينية هي شأن عربي مسألة تقتضي اعادة النظر بها بعد محاولة انتزاع اعتراف حماس بوجود الكيان بأي شكل من الاشكال حتى لو كان الدم الفلسطيني المحرم ثمنا له .بحيث يتم اختزال الامر بأعتباره خلافا حدوديا يمكن للعرب فيه ان يكونوا محايدين وعلى مسافة واحدة من الافرقاء الفلسطينيين والصهاينة . وعليه فقد رأينا حال التهدئة التي ارتسمت ملامحها في مكة المكرمة توطئة للمؤتمر من اجل انجاحه بأعتبار ان المسألة الفلسطينية كانت دائما اداة تفجير في يد اخصام المشروع الامريكي في المنطقة .

اما الاتجاه الاخر للقمة القادمة فيتلخص محوره بتبديل اولوية الصراع من كون الولايات المتحدة باتت تحتل اراض عربية ، كما حال الصهاينه تماما ، الى البديل القومي المتمثل بالتهديد الايراني الفارسي المستهدف للدول العربية عبر نشر مذهب التشيع ، والبحث عن مدلولات له في اطار المثلث الشيعي الذي انلقت رؤيته من مصر وعبرت خط المملكة الاردنية وصولا الى العربية السعودية ومعظم دول الخليج ، في محاولة لا تخلو من السذاجة ولكنها ليست من البراءة في شيء ، فهذا الاستهداف لا يقل خطورة عن سريان الدم العربي عبر خصوماته الداخلية وهو ما تم الاستعداد له في الجهتين المشتعلتين في فلسطين ولبنان كبديل عن التوافق في القمة يمكن عبره ان تكتب مؤشرات المستقبل بناء للمعطى الامريكي على قاعدة الصراعات المذهبية والقومية . ويبدو واضحا ان الشروط الامريكية في هذا السياق لا تقبل الجدل ودليلنا على ذلك التصريحات التي انهت بها كونوليسا رايس جولتها الاخيرة في المنطقة والتي قالت فيها تعبيرات غاية في الوضوح لا لبس فيها تعني الدور العربي في الية الصراع وتكتيكاته وخدمته للمشروع الامريكي اضافة الى تعويض الخسائر التي مني بها الكيان الصهيوني على لصعيد الاستراتيجي في خسارته لحرب تموز الاخيرة امام التصدي البطولي لحزب الله ، وامام الصمود الفلسطيني الكبير الذي لم يرى في ظل العواصف التي تضرب المنطقة بحيث لم تتمكن كل الانظمة العربية ومعها اوروبا من تطويع حماس والمقاومة الفلسطينية لاجل تحرير الجندي الصهيوني . وهو ما اشاع جوا من الاحباط داخل الكيان ومؤسساته وفرض نوعا من النقاش الجدي ولاول مرة حول امكانية استمرار الكيان من عدمه . وحتى لا ننسخ واقعا من خيال للنقل ما جاء في تصريحات رايس الاخيرة في مؤتمرها الصحفي المشترك مع وزير الخارجية السعودي والذي لم يأت على اي رد من اي نوع ولا حتى تلميحا بما يتناقض مع تصريحاتها بل قدم الغطاء الملائم لهذه التصريحات ومحتواها ومما جاء فيه ...( ورأت وزيرة الخارجية الأميركية أن “هناك مجموعة من العوامل، مثل الخوف المتصاعد من المجموعات المتطرفة لدى التيار العربي الأساسي بعد الحرب الإسرائيلية على لبنان، وهو ما يعطي الأخصام التاريخيين، مثل السعودية وإسرائيل هدفاً استراتيجياً مشتركاً”.
وتتابع رايس “أنه بناءً على هذا التحوّل في الاصطفافات، أعتقد أن لدينا اليوم فرصة لتحقيق تقدّم أكثر مما سبق”.
وأضافت رايس “أريد التشديد على حقيقة أن الناس في الشرق الأوسط ينظرون إلى اهتماماتهم بشكل مختلف اليوم”. وأوضحت “إنهم ينظرون إلى مصالحهم اليوم على أنها جزء من استراتيجية أوسع”.
ورأت رايس أن العدوان الإسرائيلي على لبنان “كانت له مساهمة أساسية في تغيير الاصطفافات”. وقالت إنها تنوي “إنشاء إطار عمل جيو ـــ سياسي في الشرق الأوسط يجمع المعتدلين السنة والشيعة في حلف قوي في مواجهة المتطرفين السنة والشيعة”.)

تدلل هذه النصوص والتي لم نورد ما تبقى منها لحاجتها لموضوع مستقل لنقاش يقتضي التفصيل على المستوى الاستراتيجي ، الا اننا اقتبسنا ما تقتضيه ملامح توضيح المرحلة المطلوبة في هذا القسم من الدراسة ، وأن تساءلنا هنا ما هو الهدف الاستراتيجي التي تعنيه رايس الذي يجمع بين السعودية والكيان ، وقد يتراءى للبعض من موقع الاستعجال انها تعني ايران ، ولكنها في الحقيقة تشير الى متعدد من الامور والاستهدافات تبدأ بالشأن الايراني ، ولا تنتهي عند مسألة فصل القضية الفلسطينية عن مقتضاها العربي ، مرورا بالتعايش مع الاعتدال الشيعي في العراق وضرب تطرفه في لبنان ، هذا في ظل البحث الحثيث عن معتدلين عرب ومسلمين سنة يقتضيهم تفعيل الدور السعودي في اعادة مأسسة النظام العربي على اسس لا تأخذ باعتباراتها ما تم حتى الان في سياق الجامعة العربية من مقررات ومؤتمرات واستدراكا من بنى قومية ولو لم تعجبنا بل هي في محط وجودها وتسمياتها باتت تشكل خطرا ولو رمزيا يهدد المشروع الشرق اوسطي للولايات المتحدة . وهي اشارت من لدن خبير عليم بأمور العرب انهم باتوا يعتبرون انفسهم جزءا من الاستراتيجية الامريكية وليسوا في موقع الصديق او المحايد بل في موقع التفاعل الفاعل والمؤدي للدور وهو ما يقتضي نتغيرات جذرية لا بد ان تكون في الموقع الاهم من حيث البنية العربية الا وهي مؤسسة القمة والتي هي مبتغى المتغير الاتي . ولكي لا نبقي شيئا لتأويل فالساسة العرب الذين ارتضوا الاصطفاف على قاعدة وجودهم الاستراتيجي ضمن الية المشروع الامريكي ليسوا في معرض التراجع ، ولا نقد المرحلة بعد ان ينتهي دورهم وتلفظهم الخطة من حيثياتها ، بل يؤثرون الاستمرار بالصمت حفاظا على ما يدعونه من بطولات ، رغم انفضاحهم على المستوى الشعبي ورغم فضح حلفائهم لهم ، الا انهم يعتقدون ان التاريخ يكتب بحروف سوداء تغطي عيوبهم وتامرهم ولدليل ما حدث مع ياسر عرفات لهو من الوضوح بمكان اذ انه وبعد كل ما جرى له من خذلان عربي وتأمر امريكي صهيوني نزع عنه ورقة التوت الاخيرة وسجنه في مقاطعته بأنتظار قتله وهو يعرف هذا جيدا ومن حوله ، الا انه اثر الصمت على كلمة حق يقولها ليبين للناس ما تم ارتكابه وليسأل شعبه والله العلي القدير المغفرة ،لقد اثر ان يبقي على زيف الزعامة بدل ان يكتبها في صفحة مشرقة من الاعتذار توقع بالاعتراف بالحقيقة ، وهو ليس فريدا في هذا فقد اصاب الرئيس العراقي صدام حسين المرض نفسه اذ انه وفي معرق التحقيق والمحاكمة العلنية له او عبر محاميه كان يمكنه ان ينشر من الوقائع ما تفيد شعبه برؤية الواقع وتسهم بشكل جدي عبر تعرية المواقف العربية والامريكية في العديد من المفاصل كالحرب مع ايران واجتياح الكويت بتحقيق اوسع المشاركة في النضال ضد الاحتلال لطرده الا انه اثر البطولة الساقطة على التوبة ، ولا يخفى على احد ذاك القذافي القابع في خيمته لم يعد له من تاثير حتى على ولده فتم عزله وهو صامت بأنتظار القبر يضمه مع سلوكه الذي لا يستطيع انسان ان يجد له تفسيرا في تناقضاته .

سنختم بعد هذا الجزء برؤية لمواقع القوة والضعف وامكانية الصمود وتحقيق الانتصار ، مفاصل قد تغيب عن اذهان البعض لما ترسمه له صورة الواقع من توصيفات علنا نكون قد استجمعنا بعضا مما يجب علينا قوله تمهيدا لما يتوجب فعله ، واضعف الايمان كلمة حق تقال .

                                                          ( يتبــــــــع )

                      للانتصار مقومات !! فهل نملكــها ؟؟

قبل الحكم على تجربتنا علينا ايجاد وحدة قياس لفهم تجارب الانتصارات او الهزائم حولنا ، وكيف حيكت خيوطها ، ولتكون النظرة حقيقية تخدم الهدف ( الانتصار ) فيجب ان تكون موضوعية نقدية مجردة في تحديد المعالم عن الهدف عينه ، لضمان عدم تداخل العوامل الخاصة بالعامة ، وليس القصد تعليب النظرة لتكون اطارا فلسفيا لا يتصل بالواقع ، ولكن لن يجدي نفعا اغراقها بالحيثيات المرتبطة بالعاطفة المتوسلة الانتصار من عالم الرغبات ، والتي عادة ما تضفي لمعانا وبريقا زائفين على التحليل ، والانتصار فيه مفاصل ذاتية وأخرى موضوعية لذا علينا الاخذ بالمقاييس الضرورية بناء لمنظور علمي ، اذ ان الانتصار في معركة ما من الممكن ان لا ينطبق على اخرى حتى ولو كان التشابه كبيرا ، اذ ان حجم المعركة وقوة الخصم ، وتحديد مسارها والعوامل الضاغطة ، وقياس العوامل المساعدة امور غير ثابته وتتغير تبعا لامور عدة ، لذا ففي حالة المعركة التي تخوضها الامة في مختلف ميادينها ومواقع الصدام فيها ، لا تختلف عن المواقع غير الصدامية اذ ان اي امة لا تقاتل بكل مقوماتها حتما الى زوال ، فأغفال العوامل التاريخية او الثقافية والبشرية وابعادها عن الالتحام بالمشروع العام للخطة يحبط الانتصار مهما كان يبدو قريبا ، وكذا فأن الانتصارات التي تبدو صغيرة في ميادين من هذا النوع انما تشكل مسند التراكم الجزئي على طريق تحقيق الانتصار الكبير والحاسم ، وعليه فأن قياس المعركة التي تدور رحاها حاليا بناء لمعطيات ومقدرات غير مكتملة الصورة ، يأتي بخطط مجزوءة في الصراع تفضي حتما الى ما يمكن تسميته بالانتصار المنقوص ، او يتسم بالضعف والوهن ، والدفاع عنه يبدو اقرب الى المستحيل .

واهمون من يعتقدون ان حرب الامة التي تخاض اليوم بشراسة قل نظيرها ، تحتاج الى مقومات من النوع الذي خيضت فيه معارك على المستوى العالمي من النوع المشابه . فالاسلحة التقليدية وغيرها من الانواع الاستراتيجية لا يمكنها حسم المعركة من اي من الطرفين ، ولا الحشود البشرية من حملة البنادق والاسلحة ( مع عدم التقليل من اهمية التسلح والاستعداد بأعلى المستويات الضرورية ) اذ انه في هذا المجال وضمن قدرات اخصامنا على استخدام التطور التكنولوجي والعلمي ، وفي ظل استمرار هيمنة الانظمة التي تحكمنا والتي تشكل بالاضافة لكونها جزءا من الخطة المضادة ، فهي تشكل سدا منيعا في سبيل الوصول الى مرحلة من التوازن الاستراتيجي مع اخصامنا بغض النظر عن اسبابها ودوافعها ، ولكونها جزءا من برنامج حماية الشهود المعادي ، ولقدرتها على التلون السياسي والديني حسب الحاجة فأن البحث الموروث من الاحزاب ذات الصفة القومية التي رفعت تحرير الانظمة والشعوب  من حكامها كسبيل للخروج نحو توحيد جهود الامة عبر وحدة شعوبها وأنظمتها انما يعتبر الان مقولة خارج اطار التاريخ ، اذ انه ومن الواضح بالدليل والتجربة ان قدرة الانظمة على المقاومة والصمود في وجه القوى المعارضة لها يكبر كل يوم وأن هامش مناورتها يتزايد ، خصوصا بعد المتغيرات غير المسبوقة بأستحضار الارث القومي لدى الانظمة ذات الصبغة الدينية ، وتعميد الانظمة ذات الفكر القومي بماء الحياة الديني مما يجعل من طاقات القوى المتعارضة معها تحتاج الى خصوصية غير عادية للتكيف مع خطة المقتضى الضروري لتحقيق نتائج ملموسة في حسم الصراع بينهما ، لذا فأن البحث مجددا عن وحدة مصطنعة هنا وأنظمة تقدمية هناك وبلورة الاطر الجامعة التي تنتهي بمزيد من الفرقة والتشتت هي اخر ما نحتاج اليه اليوم . ولهذا قلنا ان الاسلوب المعروف في معارك استراتيجية مشابهة لا تفضي للحسم الان ، وبمعنى اكثر وضوحا لا يمكن الفوز بقنبلة نووية على مدينة عربية ، ولم تعد احتلال عاصمة كبرلين يسقط المنظومة العربية ، والدليل على ماتقدم ان ما اسقط على لبنان خلال حرب تموز الاخيرة في اربع وعشرين ساعة من اطنان من المواد المتفجرة يفوق القنبلة التي القيت على هيروشيما ، اما احتلال العواصم فبيروت وبغداد وقبلها القدس والكويت ، ناهيك عن عواصم عديدة محتلة دون قتال او اسلحة او جيوش ، لم تؤد الى اعلان الاستسلام العام ، هذا لا يعني ان استسلاما لم يقع ولكنه من النوع الاستنسابي الذي يحمل همومه الخاصة ويكيل بها هموم الامة وليس العكس ولذا لا يمكن اعتباره استسلاما بالمعنى الحقيقي المجرد للكلمة .

كما وأن استعارة اساليب الماضي القريب او البعيد من قبل اخصامنا لن يصل الى المبتغى الذي يطمحون اليه ، لذا فأن اساليب ادارة الصراع وقراءة اولوياته وخططه نحو تحقيق وقائع الانتصار لن يكون من جانبنا تبعا لرؤى اثبتت فشلها خصوصا ما بات علينا استخراجه من تجارب الفشل السابق والذي يشكل بحد ذاته مسؤولية الوطنيين في الاسهام بتوصيل الامور الى ما هي عليه الان عبر ضعف الرؤيا واستنساخ الفكر والبرنامج وصولا الى عمل تحويلي في البنية الطليعية ، اذ من الواضح اننا يمكن ان نؤرخ للشيوعية العالمية عبر البحث في اداء الاحزاب الشيوعية العربية ولكننا لن نستطيع ان نؤرخ للامة العربية عبر البحث في اداء هذه الاحزاب ، والامر ينطبق على الاحزاب القومية والدينية على حد  سواء ، ننطلق من هذا لنصل الى القول ان سبب الفشل السابق ينطوي على قراءة خاطئة لحقيقة الصراع الذي جزأ عناصر القوة والوحدة وفتتها ووضع بينها السدود وابعد مسافاتها وصولا الى العدائية في بعض المراحل ، هنا يمكن بدء اطلاق ملخص الصياغة كهدف للبحث عبر تحديد من نحن كمنطلق واساس للبناء عليه ( نحن امة عربية الجسد اسلامية الروح ) لذا فأن استخدام الجسد دون روح يعتبر في العرف الانساني مواتا ، واستخدام الروح دون الجسد امر قد نقر به ولكن لم نلمسه ولا امكانية في حقيقة الوقائع الحالية من التأكد منه ، لذا فأن اطار الانتصار الاول او قاعدته الفكرية والمنهجية تعتمد على ايجاد العلاقة الصحيحة والرابط الاكيد ، دون مواربة ولا تصنيع مؤقت ، عن ماهية الربط بين القومية والدين لصياغة الفكر والمشروع على قاعدة جديدة كليا لم نطأها في امتنا الا في المراحل الاولى من الرسالة الاسلامية تلك التي بنيت فيها الدولة ووضعت ركائزها .ولا بد هنا من التأكيد ان عملية اعادة صياغة علاقة قوى دينية بأخرى قومية كبديل عن الحقيقة لن يجدي نفعا بل يتوسل المزيد من التأريخ المزور والانتكاسات ، المطلوب بحث فكري عقائدي فيما يشكل القواسم المشتركة بين القومية والدين وتحويله الى برنامج يعنى ببناء الطليعة والتي لا بد لها من وسائط انتشار افقية لا عامودية تنفلش مع الانتشار البشرى وليس على قاعدة التميز الثقافي او علم الدين التشريعي .هي دعوة لاعادة اطلاق البحث حول الفهم القومي المغلوط والمشوه لاطار وجودنا القومي بعيدا عن التمايز العرقي الشوفيني الذي اسر الثقافة لدى امم اخرى فأرتفع بها خاطئا فوق مستوى الواقع فكانت نهايتها ، هي دعوة لقراءة العلم الديني الصحيح الذي يتمايز بالاجابات والتساؤلات على كل المعضلات بعيدا عن مشتبهات الفتاوى السلطوية او التحكم بمسار العدل والنظم الالهية بغية خدمة المراجع التي انتجها سوء فهم حينا وفهم واضح وتلاعب حينا آخر ، دعوة لاعادة انتاج فكر ديني ، لا انتاج دين جديد متهاود مع صيغ العصر ، المتكالبة على القصعة ، تعيد الى الفكرالديني حقيقة معطياته في العلاقة مع الاديان والمعتقدات الاخرى ، ولا يكون هدفها تطويع الدين لاي مصلحة كانت حتى ولو كان الانتصار عينه ، ولا تطويع القومية بركائزها للهدف عينه ، هي دعوة لاعادة رسم خطوط التاريخ والجغرافيا والوعي والثقافة ، وفهم كل المتحولات من المبتدعات الفكرية لا رفضا لها  بل تجانسا مع رؤية حضارية تقتضيها مصلحتنا القومية ، اما البحث الفوري عن نقاط التقاء محتملة مع اطر قومية مشابهة وتحميل واقعنا المتردي وزر الاعتقاد بما يمكن انتاجه مستقبليا من العلاقات فيه ظلم كبير لمشروعنا ، ونحن بغنى عنه في مطلع مشروع يضع لبناته الاولى في سياق استعادة المفقود من وضوح الرؤيا .

انه مجرد طرح اولي يستهوي النقاش ويستهويه ، ولا ادعي ان الصورة المطروحة قد المت بكل المقتضيات فنحن خطاؤون مهما علت الهمم وسلمت النوايا ، فلا دخل للعواطف بالعمل الوطني ، ولا يوجد بعد من يستطيع الادعاء انه يمكنه رسم معالم الطريق لامة عريقة بفردية فكرية مهما تراءى له صحتها ،وجدير بنا ان نترك للبحث والنقاش ما يثمر لأن الدوائر المغلقة في استنباط الفكر تشكل مقتلا لهذا الفكر مهما سمت اهدافه .

ولا بد من الاشارة في ختام هذا البحث ان الكثير من الثنايا قد تم اغفالها اذ ليس من الممكن الاحاطة بمسألة في هذا المستوى من التعقيد ، كما وان التشعبات التي تقتضيها الصورة الواضحة تستلزم بعضا منها الى بحث مشابه كاعادة انتاج البحث في المسألة القومية وتجربتها وكذلك في الموضوع الديني فكرا ومنهجا ،وارجو ان اكون قد وفقت في رسم صورة تتحدث عن اشراقة جديدة لشمس طال غيابها نورا ودفئا فبهتت الواننا واصكت اسناننا وتغيرت معالمنا الانسانية على وقع ضوء مصطنع .

 

 

 

بين قرنين

التفاصيل
كتب بواسطة: محمد الشامي
المجموعة: بحوث و دراسات
انشأ بتاريخ: 02 فبراير 2003
الزيارات: 9

                   بيـــــن قرنيــــــن

                              

ان الاحداث الجسام في حياة الامم لا تأتي فجأة ، بل تتابع مقدماتها ومؤشراتها تباعا وتستفيض الرؤى لتتحدث عن المتغير وتحكي حكايته وتستفيض ، ولذا فأن النقاشات التي تتهم العوامل الموضوعية بأغفال الحقائق تنم اصلا عن سوء النوايا ، ان لم يكن اكثر ، والمتغيرات في سياقها تراكما نوعيا كان ام كميا ، حيث يؤدي في سياقه الى التغيير ، ومهما كانت النتائج ايجابية او سلبية فنحن مسؤولون اولا وأخيرا ، من باب الفعل او العجز وكلاهما يمتلك اداة استشعاره ، بدأنا من هنا كي لا نبريء انفسنا قبل اتهام غيرنا ، فأسهل السهل ان نلقي بالتبعات على الغير او الظروف او الاخطاء الموضوعية الظرفية ونخرج من المسؤولية بما يلزمنا من تحايل واستخفاف اولا بعقولنا قبل عقول غيرنا ، وأن حانت لحظة المواجهة مع الحقيقة ترتسم على وجوهنا انطباعات الاعتذار التي لا تسمن ولا تغني من وقوع الحدث بل تصبح التبريرات اكثر اثما وأشد بلاء .

في مطلع القرن الماضي تهافت الاكلة على القصعة ، واشتد التناتش وتصارعت صيغ التقاسم ، ونحن في حل من الاحداث والتخطيط لها فيما نحن نحمل كامل تبعاتها ووزر نتاجها !! انهارت الامبراطورية العثمانية او ما سمي زورا بالخلافة الاسلامية ، ولأن نتاج هذا الانهيار هو في جزء كبير منه هو ما نحصده اليوم ، فأن خياراتنا حينها لم تكن بأسوأ مما هي عليه اليوم ، اتجاه خاطيء لخيار خاطيء ومنطق التبرير يسهم بكل الود والمحبة ويتحدث بأسم الاسلام حينا وبأسم القومية حينا اخر .وتشتعل القلوب والعقول بالترهات ويستوي الاعمى والبصير ، ويضرب الحكم العسكري الكولونيالي جذوره في امتنا ارضا وأوطانا وشعوبا وأحزابا وقادة ، وأي وطن تجرأ ووصل الى ما يسمى بألاستقلال ، ضربته جذور الانقلابات كوباء محموم ساد هرجا ومرجا واصبح هدفا للكثيرين من الطامعين بالسلطة ، ومن لم تسعفه الظروف فقد الف له سيمفونية يحكي حكايتها الاجداد في سير التاريخ ، فمنهم من الف له تاريخا اسلاميا فبات منسوبا لآل البيت ، ومنهم من استعصى عليه النسب فأصبح من المطالبين بالحداثة والتغيير ، ومنهم من استهوته افكار المحتلين فعمل على توثيقها كقيم حضارية اوجد ارثها في سياق التاريخ القومي وأثار بها عاصفة قومية ، وفتح بها فك القرش المفترس ليبتلع القاسي قبل الطري من حقوق شعبه ، ولم يعجز احد عن استنباط الرايات صحيحة في شكلها ام مقلوبة ، والويل كل الويل لمن امتلك اعتراضا او تجرأ على النقاش فالاتهامات جاهزة ولا ينقصها الا تعبئة الاسماء ، وتمتليء السجون بما لا عين رأت ولا اذن سمعت ؟؟

لسنا بصدد درس في التاريخ الذي يتعمد الكثيرين اضاعة الحقائق فيه بل مقدمة لمن يستهدف القول ان التاريخ مزيف ، وهو كذلك ولكن من حيث رؤية من وضوعوه وكتبوه تبعا لاهوائهم لا حيث الرؤيا الثابتة لمسار الاحداث وتصاعدها التراكمي !!! لذا فأن الحديث عن تآمر خارجي استهدف تجزئة الامة وشعوبها وأحداث وجود الكيان الصهيوني فيها هو نصف الحقيقة فالتأمر الداخلي تحت مسميات مختلفة كان اكبر بنتاجه من الاستهداف الخارجي الذي لم يكن لينجح ويستمر لولا تنامي الاستهداف الداخلي وتطوعه ليكون اكثر ايلاما من غيره في دفع الوعي والفكر ومسار الاحداث الى حيث يسهل قطاف ثمارها والفرح يعلوا الوجوه الحزينة وتمتليء القلوب بالبشرى على امل الخلاص فتحول الكثيرون منا الى سكاكين تقطع قالب الحلوى وشوكة تنغرس في صدور التاريخ والجغرافيا لتحيلها لقمة سائغة على مائدة اللئام ، وفيما يرى البعض وهم كثر ان اتفاقية سايكس _ بيكو هي الاساس الذي بني عليه مصير امتنا خلال القرن الماضي !!! فأني وعبر قراءة متأنية لمراسلات حسين _ مكماهون احمل الاول اثم هذا التاريخ ونتاج تقلباته حتى اليوم واحمل ما سمي بالثورة العربية الكبرى التي احالت الامة بشعوبها الى ثور مقيد يسهل ذبحه ويكفي كل الطامعين على المأدبة للاكل حتى الاشباع وما يبقى من الفتات فهو اكثر من كاف لتأكله الضباع الوطنية جيفة كانت ام بقايا امة !!!

استشعر الحاضر كالماضي والتاريخ يعيد نفسه مع اضافة هنا وتلميع هناك لمعة حضارية هنا وبرق علمي هناك وأرث متخلف هنا وتقدم تكنولوجي هناك فيما يعاد صياغة مستقبلنا لقرن جديد ويطنب الكثيرون قولا اننا لا ندري ما يخطط لنا وكأن القدر ارسى دعائمه فلا مناص من التكيف مع حقائقه ونحن منه كالوديعة يستردها اصحابها او المهيمنون عليها ساعة يشاؤون ، فهل الامر كذلك ؟؟؟؟؟

ايضا وايضا ليس درسا في التاريخ بل عودة الى لمحة تذكيرية قد تفيد اصحاب الرؤى الرمادية المستفيضة اقلامها وحكامها ومفكروها ببعث الحقيقة عارية لا تحتمل التلوين فلون العري لا يقبل المساومات والرمادية لا تستر عيبا مهما تراقصت الفرشاة وازدانت الوانها ، والى المبشرين القابعين خلف الايات والمستحكمين حول الاحاديث الصحيحة لماذا قام اقرانكم بالاتفاق مع الغرب الشاذ دينيا وأخلاقيا للقضاء على الحكم العثماني الذي ما ان ننتقده حتى تشرعون بالدفاع عنه بأعتباره دولة الخلافة الرائعة ، فلماذا نقضتم عهد الخلافة واسلمتم قياد الامة الى آكليها ، وأن كانت لم تكن خلافة !!! فلماذا تتهربون من نقد فلسفتهم التي ما زالت موبقاتها المسمات دينية تتحكم بمصائرنا ، ان كانت خلافة ام لا فلماذا لم تلجأوا الى شعوبكم لتحويل المسار بدل تسليم مفاتيح الجنة الى من اورثوها جورج بوش ، فأمتلك عبر انسياقكم هاتف السماء فكلمه صوت الحق في منامه ان اخرج عليهم وطهرهم من دنسهم فخرج على امة العرب والمسلمين بخيله ورجله في فلسطين وافغانستان والعراق ولبنان والحبل على غاربه لا يمنعه الا سوء وضعه وقلة قليلة امنت بالله ووعده !!! وهنا اسألكم وأسأل نفسي هل من اختلاف بين سايكس _ بيكو ، وبين بوش _ بلير وأن كانت اولى تداعيات القرن الماضي زرع الكيان الصهيوني كفتنة ، افليس استيلاد انظمة متصارعة عرقية او مذهبية او اثنية في العراق وما حولها اعادة انتاج الاتفاق السيء الصيت بين حسين _ مكماهون ، فكم من ( اسرائيل ) جديدة يمكن لامتنا ان تحتمل بعد ؟؟؟؟ وأن كانت بداية الانهيار _ المنتصر افضى الى انهاء الخلافة العثمانية ، الا يحق للناظر ان يرتقب ولادة خلافة جديدة اكثر سوءا واقل ايمانا من سابقتها ؟؟؟  فمن هو الحسين اليوم !!! وهل اصبح مكماهون اكثر وداعة ، هل التداعيات التي نعيش تحتاج الى الكثير من التأويل والتمحيص لتبيان افاقها واستنتاج اهدافها !!! هل المسؤولية على الحكام تبريء الحكماء !!! وهل ان تواطؤ الحكام والحكماء مدعاة لنهوض الشعوب ام لاستمرار غفوتها بعد الكبوة ، وتسيلم قيادها لناحرها !!! هل لم يعد في الامة من يقرأ كتاب الله كما انزل ، وهل تبدلت سنة الله في خلقه ام ان الخلق ناموا عن الذكر فأعياهم ما اعيا امما سبقت ؟؟؟ هل الاستهدافات تحتاجنا لقراءتها ام لتنفيذ شطرنا من نتاجها ام لاحداث التغيير الذي نصبو اليه وتتطلع اليه اجيالنا التي ما تعلمت كيف تحلم او كيف تتلو صلاتها ؟؟؟؟ سنحاول ان نجيب في اللاحق ان شاء الله وأن بقي من الوقت متسع لنكمل !!!!

                                                

 

                   

    ( الاتكال والتوكل بين الصرف والنحو)

 

اجمعت كل القيم ان اللغة اصل من اصول تكون الامم وتشكيلها الحضاري ومقومات وجودها وأستمرارها ، وحتى منتصف القرن الماضي كان العلم في مجتمعاتنا يحفل بالكثير من الايجابيات رغم بساطة ادواته الا انه كان عميقا كجذور لغتنا العريقة، ورغم تداعي البعض في مطلع القرن للسفر لتلقي العلوم في المهجر الاوروبي ، الا ان هذا لم يؤثر في بداياته بالمسيرة العلمية على تباطؤها ، ويذكر الكثيرين من المثقفين والادباء تلك اللوحة الجميلة الهادئة التي رسمت ( للكتاب ) الذي كان يمثل المدرسة الوطنية ، والمتصف بلغة المجتمع ذاتها من حيث الاهتمامات العلمية ، فكانت الدروس تبدأ باللغة العربية ، وتتشعب قراءة وقواعدا ، صرفا ونحوا ، انشاء وتعبيرا ، ولذا نرى غالبية المثقفين الذين اطلوا فيما بعد على الحياة الثقافية العامة يرمزون الى هذه المدرسة الوطنية بمحبة وتقدير لاثرائها علوم المعرفة لديهم ، ولا تنقضي تلك الدروس مع حفظ ايات القرأن الكريم ، الا بعد ان تركز على مخارج الحروف ومناطق النطق كما الاعراب والتفسير اللغوي ، وحتى القواعد الفقهية المتصلة بأسباب نزول الايات ، وصولا الى القصص المستقاة ترميزا وأشارة وتوضيحا لمجريات الحدث ومدلولاته اللغوية بكل الالفاظ والتعابير رغم تناقض بعضها مع تشابه اللفظ او الكتابة .

وكان من الطبيعي ان يخرج الدارسون الى الغرب يحملون هوية لغتهم الام التي عرفوا مقدارها في رقي الامم الاخرى ، ليضيئوا على مفاصلها الغامضة الصعبة على الوعي الغربي ، وليمسحوا عنها غبار سنوات القهر والاستعباد لاستعادة اشراقها ، فماذا حصل !! لقد انقلب سحر الشرق على ساحره !! فأضاع هؤلاء حنينا وما عادوا بخفه ، بهرتهم مفاتن الغرب الفكرية المستحدثة فلجأوا الى تطويعها ، ولكونها في غالبها حديثة التكوين ولا تمت الى ثقافة الغرب الحقيقة بصلة جاءت مستعصية على التطويع فمالت بهم ومالوا معها فبدل ان ينقلوا الاستعراب للاضاءة ، استلهموا الاستشراق وقد سبقهم اليه اربابه من المثقفين الغربيين فوقفوا في منتصف الطريق كالسبايا لم يطالوا عنب الشام ولا بلح اليمن فجاءت بصماتهم بعد عودتهم الى اوطانهم اجنة مشوهة من حمل مشبوه لا تمثل حقيقة الوعي الغربي في ثقافته ولا حتى في ابداعه المستحدث ، ولا ترتقي الى البحث الجدي في منظور التطوير بلغة الابداع المشرقي الصادق المتولد عن التمسك بالاصل في رحلة البحث عن تحديثه . ولذا فأن المتغيرات التي انطلقت لترسم ظلالها على مدرستنا الوطنية جاءت نتيجة الهجين الثقافي الذي اضاع لغته الام ، وتاه في طريق الاستشراق فاستنسخه بكل ما فيه من ايجابيات وسلبيات ، وهكذا تراجع دور اللغة الام في الرسالة الثقافية ، وتصاعد الدور المشوه ليصبح راية الثقافة في زمننا ، وهكذا نرى التركيز على اللغات الغربية تتخذ شكلا حادا في دوائرنا التعليمية بينما تراجع دور اللغة العربية الى حد اعتبارها ثانوية ، وأستطرادا فالطالب العربي في مدرسته انكليزي اللغة بثقافة عربية منسلخة عن واقعها ، شرذمة خطرة افضت الى مأسي كثيرة يمكن البحث في ظواهرها لا في احصائها ، وواحد ممن يعتبرون من المع المفكرين العرب كطه حسين يمثل تجسيدا حقيقيا لهذا الانسلاخ وتحقق افكاره ومقولاته وأدبياته مخاطر هذه الشرذمة ومدلولاتها على البيئة الاجتماعية والارث الثقافي للامة !!!

قاربت هذا كله للوصول الى مرمى آخر يؤسس للتعريف بالتغييرات التي المت بمفرداتنا ومسمياتنا وكيف بتنا نطوعها ونعيد اصفاف معانيها تبعا للثقافة الغربية المسقطة على لغتنا العربية ، مما ييسر لمثقفينا وكتابنا الانتقال بين تعبير الاستشهاد والانتحار ليصبحا صفة واحدة لموصوف واحد ، رغم مخالفة هذا للغتنا الام ، وخلط الوطنية بالارهاب ، كما الانهيار بالانتصار ، والتدين بالاصولية ، وكثيرة هي المفردات التي باتت حمالة اوجه اما منبعها فهو عبر التخلي المفضوح وغير المقنن عن دور اللغة في بناء المجتمعات في منظومتنا العربية والاسلامية ، فيما هي لدى المحتذى الغربي تراثا حضاريا ثابتا لا معايير تعبث به فكلهم يرفض استخدام لغة الاخر حتى لو اتقنها ومهما كانت قريبة من لغته ، وهذا ما ينبغي لفت انظار مجتمعنا اليه لانه يشكل اساسا لاستمرار وتطوير العنصر الحضاري لامم نشأت حضارتها في اوقات زمنية متأخرة نسبيا عن مسارنا !!!!

ولنكمل الفكرة المطلوبة من هذا السياق فأن تلامس لغتنا الام مع لغة كتابنا الكريم الذي نطق بعربيتها ومع تسهيل عملية الانطواء اللغوي وتمييع المفاهيم وخلط المعاني والاستهدافات بات من الممكن نقل الحدث في مواقع شتى ومن بين اهم استهدافاتها لغة القرأن الكريم في معرض تأويل وتفسير المعاني ، وبدأ البعض رحلة البحث عن متناقضات اللغة واسقاطها على لغة القران لاستهدافات سنتعرض لها لاحقا الا ان من نتاجها تعميم الجهل الديني واستنباط شرع المغالاة ليستخدم الخداع والزيف ولغة الاحباط وصولا الى العلاقة بين الانسان وخالقه ، وهو ما يشير الى اصل المعتقد الايماني في الاسلام والمستند الى الايمان بخالق لا تراه وأن تؤمن بأنه يراك فتتقي ما حرم عليك ، وأن من اخطر ما جاء في سياق التبديل والتطويع اللغوي وبالتالي العقائدي تأتي في شبهة الخلط بين متشابهين لكل معناه ( التوكل على الله ، او الاتكال على الله ) والاختلاف بينهما واضح لاصحاب المعرفة باللغة الام ومقومات المعاني واستنسابها فالتوكل على الله العزيز القدير ليس اتكالا ، فالاتكال مأرب العجز في كل شيء فالرضيع لا يأكل دون رعاية اهله حتى الاطعام وتغيير الملابس ، ولكن هذا الاتكال يتراجع مع الوعي والقدرة ، ومن هنا يبرز الهدف من طرح تناقض المسمى في صورة تماثلية . وايضا هو ليس درسا في فقه الدين الاسلامي فلست بمن يدعي القدرة على ذلك ، بل امساك بطرف الخيط لاستمرار البحث الجدي والمنهجي لابراز الاستهدافات التي تحيط بأمتنا ومجتمعنا عبر ابراز عقيدة التهاون في القيم الحضارية بارثها ومكنونها الاجتماعي واللغوي والديني بكل ما يتصف هذا المتغير من اسقاطات ادت ولا زالت بنا الى حيث تنفصل عرى ارتباط القيم الحالية المستحدثة بالموروث الحضاري لوجود الامة رغم كل ما يتصل بها من تداعيات سلبية عبر التاريخ .

فالهدف من كل ما تقدم القاء بصيص من الضوء على التعريب في سياق التغريب الذي لم يتوقف عند حد المفردات ومشتبهها بل تعداها الى القيم الروحية واساس البناء الذي ارسيت دعائمه لاجيال لا تتصف كلها بالجهل كما يدعي البعض او يتمنى !! انما في ظلالها انعكاس لارث لم نعرف كيف نتمسك به ونحافظ عليه .

                   

 

                   تداعيــــات لتداعيـــــات

على الرغم من التناقض الذي يستشري بين الحكام والمحكومين من شعوب المنطقة العربية ، الا ان اجماعا كبيرا يرى ان الازمة في اصلها منبعثة من المشروع الامريكي للشرق الاوسط والتي ان احكمت سيطرتها عليه بأعتباره النقطة الاكثر سخونة في العالم ، فسيهيء لها ذلك قيادة العالم حسب رؤيتها دون منازع ، وهو نفس التحليل الذي افضى الى اتفاقية حسين – مكماهون ، بحيث كانت بوادر السيطرة البريطانية على مقدرات المنطقة عبر انهاء السيطرة العثمانية عليها امرا لا جدال فيه ، وعلى قاعدة المثال السيء الصيت بأن العين لا تقاوم المخرز ، ومن نفس منطلق اليأس وافراغ شحنات من الاتكالية الانهزامية في نفوس من تبقى لديهم حمية الامة ، يبدو ان الافاق تحمل اتفاقية اكثر شمولية من حسين مكماهون بل وتتعدى في ابعادها ما وصل اليه السادات من انهيار وما تنازل عنه عرفات وكله لم يزل حتى اللحظة الراهنة لم يحظ بالرضى السامي الصهيوني _ الامريكي وكلما تهاوى سقفنا الدفاعي والاعتراضي كلما ارتفع منسوب المطالب المضادة ، علما ان الكثير من الحقائق قد تبدلت عبر تتابع التاريخ وتغير الجغرافيا ، مرورا بالانتساب السياسي الملحق بالقوة السائدة في الزمن الراهن .

الثورة العربية الكبرى ، هي التسمية التي اطلقت على التحرك المضاد للعثمانيين كنتاج لتفاهمات حسين _ مكماهون ، وهنا يتبادر السؤال الاول لماذا العربية الكبرى وليست الاسلامية ، هل من تعليل مقنع ام ان الامر سياق عشوائي وبمحاولة دراسة القضية وتحليل واقعها نرى في الامر تناقضا فتقدم الشريف حسين نحو التحرك كان من منطلق ديني بأعتباره صاحب نسب ديني شريف يؤهله لصياغة النداء على قاعدة اسلامية دينية ولكنه اختار السياق القومي ومن هنا تبدأ التناقضات بالبروز ، فالدولة العثمانية كانت ( ولا زالت ) بعرف الكثيرين دولة خلافة مما يعني ان الانقضاض عليها والتحالف مع الغرب ضدها خروجا على طاعة ولي الامر لا يجيزه التشريع الديني ، لذا بات من الانسب اعتبار الوجود العثماني مسألة احتلال قومي للخروج من المأزق الشرعي ، خصوصا وأن المطروح عبر الاتفاقيات الناتجة من التعاون مع الدول الغربية تتجه نحو انتداب على الدول العربية فكيف لشريف مسلم ان يقبل بهذا الاحتلال الجديد للاراضي الاسلامية وهو المأمور شرعا بالجهاد كفرض عين لتحريرها منهم ، ويفسر هذا ايضا ، السقوط الاكبر في المعيار القومي عبر الموافقة على تدويل فلسطين بما فيها القدس ، وعليه فقد وجدت الثورة العربية الكبرى من ينِِظَُِِر لاسلاميتها وقوميتها ، وقد صيغت على هذه القواعد ممالك وأوطان بعد انتهاء السقوط العثماني فتم انشاء امارة شرق الاردن ، وتثبيت دعائم الاسرة الهاشمية في العراق ، مما اسهم بتبديد فكرة العودة الى الخلافة الاسلامية التي لا تتوافق مع منطق ( الانتداب ) الاحتلال المقنع الذي تم التفاهم حوله ، بل وتتناقض هذه الصياغة كوجود مع هذه الانظمة من منظومة الفكر القومي حيث تشكل اسهاما في خط التجزئة بدل فكرة التوحد القومي ، ومن هنا يترتب علينا ان نقر ونعترف ان مصابنا في فلسطين في جذره الاساسي لم يكن بعزيمة وقوة الاستعمار فقط بل كان في وجهه الاعم تخاذلا بل تآمرا من القوى السائدة في قيادة الامة .

ايضا ليس درسا في التاريخ بل محاولة دراسة موضوعية للحقائق التي وصلت الينا وكتبتها كتب التاريخ التي ندرسها ويتعلمها اولادنا ، ليستنبطوا منها فكرا تحرريا وطنيا جامعا ، ولست ادري فيما سقناه من تعليلات كيف يصح هذا النتاج.وللمزيد من القراءة المتأنية لماذا كان الاختيار بهذه الطريقة لماذا اقر الشريف حسين بكل ما سلف ؟؟ لماذا لم ينادي من منطلق ديني بالجهاد لحماية اراضي المسلمين ؟ ولماذا جاءت الدعوة القومية هزيلة لم تقم بواجب حماية الاوطان ؟؟ هل المسألة بنت ساعتها ام ان هناك اسبابا موضوعية لذلك ؟؟ ولماذا نطرح الموضوع الان هل من استنتاجات تفيد واقعنا اليوم في المأزق الاستراتيجي الذي نعيش ؟؟؟!!

اثار الوجود التركي في الوطن العربي حالة من العنصرية الشوفينية البلهاء ، فالتركي دمه ازرق ونوعية مختلفة تحمل في بنيتها الافضلية على الشعوب الاخرى ، ولم يعد فضل العربي على العجمي بالتقوى بل بكونه تركيا ورغم هذا فقد استخدموا القاعدة الدينية الشرعية حيث شاءوا للاسهام في توفير الحماية لفكرهم ومعتقدهم التسلطي ، ووجدوا في العمائم الصفراء ومنتسبي التدين من يفتي لهم بما يتناسب وهذا التسلط ، ولأن التتريك كان اكثر آفاتهم وضوحا فقد واجهها بالمقابل مقولة التعريب فكانت تنظيمات عنصرية مماثلة تنمو في رحم التجربة التركية على الصعيد العربي فكانت العربية الفتاة ومثيلاتها من التنظيمات شبيها لا يقل سوءا عن مثيلتها التركية واسدلت ستائر قاتمة الظلال على موروثنا القومي مما سهل انتقادات كثيرة حول الفكر القومي بأعتبار ما هو قائم ، واستعانة بفتاوى السلطة برزت فكرة تعارض الدعوة القومية مع الاسلام بأعتبار ان الدعوة القومية حينها مثلت نقيضا للقبول بالاحتلال ، الذي البس نفسه مسوح الدين والخلافة ليعلن ان الدعوة القومية هي افتئاد مسيحي على سلطة الخلافة الاسلامية فهوت فكرة التحرك القومي في واد الاستغلال الديني المسيس ، وفي المنحى الاخر الديني منه كان تركيا تقف عقبة في وجه اي دعوة تنويرية اسلامية لمفكرين مسلمين خصوصا العرب منهم بل وحاربتهم بأشد ما حاربت النزوع القومي ولمثل الشيخ محمد عبده الذي كان شيخا للازهر والذي نادى بتحديث الفكر الديني ليتلاءم وتحديات العصر ويواكب حركة التطور في المجتمعات ، انما تمثل الوجه الاوضح في تعامل السلطات التركية مع الظاهرة المذكورة ولما لم يكن بالامكان كيل التهم بأي من الموبقات للرجل الجليل ، فقد ساقوا اليه اتهامه بالماسونية فبات كل فكر ينادي بالتطور للفكر الديني ماسونيا معاديا للاسلام ، لهذه الاسباب لم يجد الشريف حسين ما يطرحه كفكر ديني يستقوي به على الاحتلال التركي من جهة ، ولكون ان الغرب لا يحبذ ايقاظ الوعي الديني بأعتباره منهجا توحيديا يشكل ذراع قوة ان احسن استخدامه مما يعيق المشروعات المتوخاة من ترسيم الاحتلال كنصير للعرب في وجه الهيمنة التركية .

وما اشبه اليوم بالبارحة !! لو نظرنا الى الوقائع السالفة الذكر واسقطناها على وقائع الاحداث لوجدناها تأخذ مكانها الطبيعي وكأنها اعدت تاريخيا لتجديد حركتها وبعث نشاطها صالحة لكل زمان ومكان ، ومستعدة بالفكر والرجال من النوع عينه دائما بما يخدم التعارض مع مصالح الامة وحريتها وبعثها من جديد !!!!!!وهو ما سنتحدث عنه في الحلقة القادمة .

                                           

 

                     المشروع الامريكي بداية ونهاية

 

لم يجترح الامريكيون المعجزة في برنامجهم الفوضى الخلاقة ، فالمعتقد عينه ليس بالجديد ، فقد سبقهم اليه ادولف هتلر ، ومرام المشروع اثارة الفوضى في المناطق المستهدفة وابقاءها مشتعلة وتطويرها لانتاج فوضى اخرى جديدة تسهم باقتناص المكاسب ، ولان المكاسب المطلوبة ليست كلها في اطار واحد ، نرى ان مناحى الفوضى تتنقل من موقع لآخر ومن سياق لآخر ، مراعين بذلك كل الحساسيات والاعتبارات المحيطة بكل منطقة وموقع مستهدف وهو ما يؤكد وجود غرف عمليات متعددة النشاطات والاستهدافات والغايات والانشطة تضع الخطط وبديلاتها بحيث لا يبدو مطلقا ان انتكاسات تحصل في المشروع الرئيسي مهما كانت المعيقات بأعتبار ان الخصوم المستهدفين لا يمتلكون السبل ولا الامكانيات اللازمة لذلك ، وأهمهما انهم في كل موقع مشرذمون لا تجمعهم خطة ولا هدف ولا مشروع ، وعليه فأن ابقاء الخصوم في حال التوقع والسيطرة على ايقاعهم وابقاءهم في حالة ردات الفعل هو من اهم العوامل التي تؤسس للنجاح للمشروع عبر انتاج تراكمي في كل موقع ، حتى ان الانتصارات المضادة التي يحققها خصوم الولايات المتحدة لا تسمح باستثمارها في ظل الابقاء على حالة التفكك والشرذمة مع عدم تمكين هؤلاء الخصوم من تجميع قواهم ضمن مشروع موحد يمكنهم من وضع خطط تكتيكية تجعل من انتصار طرف منهم في معركة ما يحقق للاخرين انجازا يستفاد منه ، وهو ما رأيناه واضحا منذ عام الفين وحتى الان ، مستغلين النزق القومي والمذهبية الدينية وسوء استخدام السلطة كوسائط اثبتت نجاحها في استمرار حال الشرذمة .

الا ان ما يميز المشروع الامريكي عن مشروع هتلر انهم استفادوا من دراسة الواقع فأحسنوا استخدامه فكل المقومات مسموحة في الخطة فلا تعقيدات قومية ولا وطنية ولا دينية او انسانية تقف حائلا في وجه المشروع فكل شيء قابل للاستثمار ، وهذا التنوع بحد ذاته يشكل المادة اليومية في الاعداد للهجوم الدائم وعلى الخصوم ان يتخبطوا في رحلة التوقعات لما هو قادم .وكل الوجوه مستحبة ، وعليه فأني لا اتفهم حال الاستغراب الذي يلف مفكرينا حين تكون امريكا سنية في لبنان شيعية في العراق ، كردية في العراق عربية في لبنان ، خصوصا وأن ايقاع بعض الانظمة العربية والاسلامية يكاد في بعض الاحيان ونسبة لحالة امتزاج المصالح ان تسابق المشروع عبر قراءة توقعاته فتتبرع عامدة او مأمورة بأطلاق المتغيرات والانقلابات في كل اتجاه ، فلم يعد مستغربا في هذا السياق تصريحات سعود الفيصل في الدعوة الى التوحد القومي ضد العدو الفارسي علما ان المملكة منذ نشأتها تعتبر الفكر القومي هو اطار معاد لتوجهاتها الاسلامية ، وهو ما يفسر ايضا هذا النزق الديني لعبدالله الاردني ومبارك المصري في الحديث عن المثلث الشيعي والهوية والانتماء الوطني للشيعة ، هذا في ظل مكافحة الارهاب السني وتعويم فكرة النضال المشروع للشعب الفلسطيني لاسقاطها عبر مقولة الخوف على الدم الاخوي .

ان من اسخف التوقعات التي تطالعنا بها الاقلام المأجورة والافكار المدسوسة ان ما تشنه امريكا على المنطقة هدفه النفط ، وبرأيي انها مقولة العجز الفاضح عن قراءة الواقع والوقائع بتجرد وموضوعية ، اذ ان تخفيض منسوب الاهداف الى هذا المستوى يجعل المعادلة المقابلة اقل واجبا في التصدي لما هو اكثر من ذلك ، كما ان اسقاط الاستهداف القومي والديني من المشروع الامريكي يضيق رقعة المواجهة ويحصرها في الجانب الاقتصادي وهو من ضمن مجموع الخطط المطلوبة ، وهذه قراءة غير موفقة ان لم نقل اكثر من ذلك ، وهي بشكل عملي تغطي البرامج والاهداف الحقيقية للولايات المتحدة وتترك لها المجال الاوسع في صياغة مؤامراتها على نار هادئة ، وتؤمن لها في الوقت عينه ما يلزم من الوقت والوسائط لتغطية حقيقة الاهداف . ورفضي لهذه القراءة ليس اعتباطيا اذا ما قرأنا الامر في سياقه الحقيقي والموضوعي . فالنفط بعد عام 73 بات سلاحا بيد الغرب وليس سلاحا ضده وهو ما اعلنه العرب مرارا وتكرارا ، ومقولة التخوف من وصول انظمة راديكالية الى السلطة والتي يمكن لها اعادة استخدام النفط كسلاح هو طفولية سياسية ، فالانظمة منذ مطلع القرن الماضي لم تنشأ الا بعد موافقة القوى العالمية السائدة وأن اي نظام لا يتوافق واهدافهم لم يعمر اكثر من شهور ، ومن ناحية اخرى اقتصادية فالتحكم بالنفط واسعاره خرج منذ زمن طويل من اجندة الانظمة المصدرة وبات في يد المستوردين علما ان المخزون النفطي لدى الولايات المتحدة والمستخرج من الدول المصدرة يحتاج الى الة حاسبة كبيرة لتتمكن من حساب مدخراتها ومخزونها .وأغرب ما في هذا الطرح هي محاولة التعمية على التمريرات المفضوحة والتي يتعمدها بعض اركان الادارة الامريكية بشأن الاستهدافات الرئيسية لمشروعهم من كونها تستهدف الدين والهوية القومية للعرب والمسلمين فنرى تفسيرا غاية في السذاجة ( او التآمر ) تفسر المقصد الواضح وتلبسه مسوحا غير متوازية مع مرام اصحابه معتقدين ان تأجيل طرح الاهداف بوضوح قد يشكل لهم حماية من التساؤلات عما يتطلبه مثل هذه الاستهدافات ، ولكن ولأن لكل قاعدة شواذها فنحن نرى بعض التابعين يشذون تبعا لامالهم ومطامحهم بأجتراح دور يميزهم عن غيرهم من قوم تبع ، فيرفعون راية الاهداف الامريكية الكامنة بأعتبارها مرتعا فكريا استثنائيا لهم يرسمون عبرها دورهم المستقبلي في خريطة الشرق الاوسط الجديد . وهكذا يمكن تفسير وقراءة تصريحات الرئيس التونسي زين العابدين بن علي بخصوص مراسم الحج الى مكة المكرمة والذي جاء في نفس وقت اداء الفريضة ناصحا الشعب التونسي بعدم ادائها بأعتبارها عملا ونسكا من مناسك الجاهلية وليست من الاسلام في شيء ، وقد جاء هذا في معرض حديثه عن الوضع الاقتصادي في بلاده وبدل ان يعترف بأنه وزبانيته مسؤولون عن حال الفقر والانهيار في المجتمع بسبب فساد سلطته انحى باللائمة على شعبه المبذر الذي يهدر ماله في ترهات جاهلية ، واغرب الغريب اننا لم نسمع تعليقا واحدا من حماة الدين اقله ليس في الشأن التونسي الداخلي الذي لا يعيي احدا ان يرى حقيقته بل في الشان الديني والمعتقدي للاسلام ، ونقطة استغراب لا استطيع منع نفسي من تسجيلها ، كيف يمكن للعربية السعودية ان ترى استهداف ايران للعرب والمسلمين  ، ولا ترى استهداف بن علي للاسلام كقيم ومعتقد ومناسك ، ولأن كانت ايران تسعى الى تشييع السنة فبن علي ومن لف لفه يسعى الى تقويض دعائم الاسلام فايهما اشد بلاء ؟ لا انتظر جوابا ولا ارغب بسماع تعليلات ما انزل الله بها من سلطان ولكن هو التساؤل من موقع التأكيد ان ما يدور ليس نفطي الاهداف بل ابعد وأعمق من ذلك بكثير .وأن الادوار المرسومة منها والمنتقاة تصب كلها في خانة واحدة فيما نحن لا نعي ان مقومات المعركة اليوم ليست كما كانت زمن هتلر فلم يعد المطلوب تهيئة الجحافل ولا تجييش الجيوش بل ان اول وأهم اسلحتها هي الوعي الحقيقي المجرد عن الغايات . وتحديد الاعداء بشكل حقيقي دون مواربات وفهم اهداف الصراع المعلنة والمكنونة . ام مجريات الاحداث وتفنيد مجراها من حيث الوقائع على الارض فستكون في سياق ما سيتلو لاحقا .

                            

 

الـدور ، الوظيفــة ، الفكــر
ان الاطراف المتصارعة في الشرق الاوسط محليا لكل منا دور وفكر ووظيفة ، منها من تبت من حيث البداية فباتت النهاية واضحة المعالم ، ومنها من فتح كوة في الجدار وانطلق بمحور تغيير اطال من عمر وجوده ، والبعض الاخر خرج من دائرته ولم يجد له مكانا ينتمي اليه . منهم من اعلن فكره ووظيفته فوقف عندها دون رؤية للتغيير تتبع الوقائع فهو ايل للسقوط ، ومنها من بدل الفكر والموقع اما الوظيفة فباقية وحولها يتمحور كل جديد ، ومنها من يبدل كل يوم فكرا جديدا ودورا جديدا متمسكا بالوظيفة ظنا انها تحميه .
والاطراف هنا ليست الكيان الصهيوني والانظمة والمقاومة فقط ، بل نحن نرسم لنتعدى في بحثنا نحو المواقع الاقتصادية والثقافية والفكرية والاجتماعية والدينية كل حسب مقتضى ضرورة البحث .فالكيان الصهيوني وقد انطلق منذ انشائه ليكون وطنا قوميا لليهود فهو لم يفلح حتى اللحظة ومنذ انشائه بتحقيق هذا الحلم _ الهدف وأن فشله بتحقيق هذا الهدف دفعه لتغييره ، وقد سعى لتحقيق هذا المتغير عبر ربط الكيان دائما بالموقع الدولي الاكثر تأثيرا في العالم بأعتباره اداته لتحقيق مشروعاته في الشرق وأحلام السيطرة فمنذ مشروع عدوان 65 على مصر مرورا بمشروع ايزنهاور ، وصولا لاوسلو ، وحتى الشرق الاوسط الجديد والكبير ، فالكيان يمارس اللعبة عينها في طرح وجوده المتغير فكرا ودورا وممارسة لتحقيق صلة الوصل التي تربطه بالمشاريع الغربية من اجل الابقاء على كينونته التي يعرف مفكروها جيدا انها مجتمع عسكري استهلاكي لا يحيا ان توقف عنه دفع المعونات الخارجية والتي لا يمكن لها ان تكون الا عبر استمرار حالة التوتر والصراع في المنطقة ، والتي يشكل وجوده الصطنع اساسا لها ، وحتى اوسلو تمكن الكيان من ادراج منظومته الفكرية في المشروع الاستراتيجي الامريكي وعمل على توصيف دوره فيها بناء لمقتضيات الضرورة الامريكية والمصلحة العليا للكيان ، الا انه وبعد انحسابه من لبنان عام 2000 وبعد انهيار اوسلو والانتفاضات المتتالية للشعب الفلسطيني ، وبعد حرب الاسرى على المحورين الفلسطيني واللبناني ، وبعد الهزيمة المنكرة التي مني بها في تموز ، بات واضحا ان الدور الوظيفي للكيان قد تعرض لصدمة حقيقية لم تعد تجد فيها منعشات الاسلحة المتطور ولا الطائرات الحديثة ولا الاختباء خلف الضعف العربي المشهور والذي سمح للكيان بالاستعراض بأعتباره القوة العالمية الضامنة للشرق الاوسط ، خصوصا بعد ان فقد الكيان خيرة رجاله الذين حملوا فكرا عدوانيا فرض دوره على المجتمع العربي قبل الصهيوني فكان له حسابه في كل مشروع وبرنامج ، وعليه فأن الحديث الدائر الان عن تغيير الفكر الذي بني عليه الكيان يشكل فرصة استراتيجية للمقاومة كي تثخن من جراحة والعمل على أخراجه من غرفة العناية المركزة عربيا وامريكيا وتهيئة المخططات اللازمة للقضاء عليه وهو ما يستدعي النظر الى الدور والوظيفة والفكر في المقلب الاخر .

ان من اهم نقاط قوة الكيان عبر سنوات الصراع الطويلة الى جانب الدعم الغربي الواضح والمكشوف ، كان الدور الذي تلعبه الكيانية العربية في موقعها بين المقاومة والكيان ، ففي حين كان الغرب والكيان يشكلان حماية للانظمة ضد القوى المجتمعية الثائرة عليها ، كانت هذه الانظمة بكل تجلياتها الثقافية والاجتماعية والدينية تشكل حاجزا بين المقاومة والكيان تحميه كي يحميها في دور تبادلي لم يعد من الصعب قراءته ، بل وقد اندفعت مؤخرا بأبراز هذا الدور في حالات تسابق ليس مستغربا على صعيد الاستنهاض اللازم فكريا وقوميا ومذهبيا والهادف الى اعادة رسم الادوار والاولويات في الصراع بناء لمقتضيات الضرورة ، فرأينا الحديث عن المثلث الشيعي ينطلق من ابواق تدعي العروبة والاسلام وتضعها في اولوية الصراع على حساب الدور الاستيطاني للكيان ، وقدمت الصراع الايراني العربي على الصراع الصهيوني العربي الذي تم تغييبه طويلا وبشكل متعمد وتحويله الى صراع حدودي خارجا عن اطار الحق التاريخي والانساني ومتنازلا عن الحق الديني والاجتماعي للقضية الفلسطينية وتجزئة للحق العربي الى مكونات لا تصلح لا للتفاوض ولا لانشاء فكر وارث موحد يسهم بتوحيد القوى المتضررة بغض النظر عن انتمائها الفكري والمنهجي والهدف الذي تعمل من اجله . وعليه فأن البحث جار على كل صعيد لتثبيت الدور الجديد للكيانية العربية بما يتلاءم مع تفعيل المشروع الامريكي للشرق الاوسط والذي اتخذ شكلا تراجعيا مؤقتا بعد الفشل الصهيوني في لعب دوره الافتراضي في حرب تموز ، ومن هنا فاننا نرى ان دورا تنشيطيا اكثر فاعلية وهجومية للكيانية العربية هو محور الاتي من الاحداث ، ومن هنا فأن الاستعدادت تتحرك سريعا على قدم وساق في اطار الاعلان عن المتغيرات الاتية على كل صعيد وأن كانت البداية من الشأن الفلسطيني بأعتباره موقع الحدث الاكثر تأثيرا فأن عملية تبريده الان تصب في خانة التحضيرات المؤسسة للاعلان عن الدور الجديد ، كما لا بد من الاشارة ان المأزق اللبناني سينحو بمنحى اكثر هدوءا لانه من غير المعقول طرح متغير استراتيجي في معرض الاضطراب والتوتر الداخلي الذي سيحبطه ، ومن ناحية اخرى فأن لعبة المحاور في الساحة العربية والتي اخذت مداها في السنتين الاخيرتين ، باتت هي الاخرى تهدد المشروع الجديد للكيانية لا بد من تحقيق متغير فيه لذا سنشهد قريبا اندفاعة بأتجاه سوريا تتحدث عن تكامل ادوار او تهيئة لتفاهمات قد تريح اجواء التوتر السائدة في مختلف مواقع الصراع في الشرق الاوسط .
وهنا يأتي ذلك الدور الذي تقوم به الاقلام والوسائل الاعلامية ورجالات الفكر والثقافة التي لا بد وستنهض قريبا نحو اطلاق شرارات التغيير الاتية وصياغتها كالعادة لتجد لها مكونها في الموروث الثقافي او الديني او القومي لتبرير الدور الاتي على غير صعيد ، وهذه هي الفئة الاخطر والاكثر ضراوة من حيث اشتداد الهجوم وتطويع لغة الذات وتبرير العوامل في محوريها الخارجي والذاتي ، هذا المتغير الذي سيتم الاعلان عنه في القمة العربية التي ستنعقد في العربية السعودية في النصف الثاني من شهر اذار القادم والتي ستحمل بذور الدور الكياني العربي الجديد الهادف لاستمرار تطويق حركات المقاومة ، وتطوير حالة الحجز بينها وبين الكيان الصهيوني من جهة في اطاره القومي والانساني ، واعادة حالة الاصطفاف الفكري العربي في محور الصراع الدائر حول الشرق الاوسط على قاعدة تحوير اتجاهات العداء بما يخدم مصلحة المشروع الامريكي المترابط مع الوجود الكياني للانظمة ، هذه القمة التي ستكون بنتائجها مفصلية وتاريخية تتجاوز قمة الخرطوم بلاءاتها الثلاث ، وتتعدى ما انهار في اوسلو من حقوق ثابته للشعب الفلسطيني وتسهم عبر برنامج عربي فكري لتسويق كل المتغيرات المطلوبة التي تخدم مشروع الشرق الاوسط الجديد بكل موبقاته الاتية ، وهو محور البحث القادم ان شاء الله .


 

                مؤتمرون ، مأمورون ، متآمرون

ظاهرة ُ قاف قاف جيم

التفاصيل
كتب بواسطة: هند أبو العينين
المجموعة: بحوث و دراسات
انشأ بتاريخ: 28 يناير 2003
الزيارات: 11

ظاهرة ُ قاف قاف جيم

أهي إبداع ٌ أدبيٌّ أم رغبة ٌ في الوجود؟

 

تمهيد

 

هي القصصُ القصيرة ُ جدا .. ذلك النمط ُ الأدبيّ الجديد الذي فرض لنفسه مكانا بين الأنماط المعروفة لدى الكتّاب والأدباء في الوطن العربي وفي العالم أيضا. فقد ظهر فيه مبدعون ولهم منشورات عدّة على الساحة الأدبية العربية والغربية، وتميّز فيه قاصّون من المغرب العربي على وجه الخصوص. كما أخذت الهيئات الثقافية تتناول هذا الجنس الأدبي في مسابقاتها للإبداعات الأدبية.

 

يعرّف الدكتور جميل حمداوي الناقد المغربي القصصَ القصيرة َ جدا على أنها "جنسٌ أدبيٌ حديث يمتاز بقصر الحجم والإيحاء المكثف والنزعة القصصية الموجزة والمقصدية الرمزية المباشرة وغير المباشرة، فضلا عن خاصية التلميح والاقتضاب والتجريب والنفس الجملي القصير الموسوم بالحركية والتوتر وتأزم المواقف والأحداث، بالإضافة إلى سمات الحذف والاختزال والإضمار" [1]

وفي ما يميّز القصة القصيرة جدا نسبة إلى الأنماط الأدبية الأخرى، يقول د. حسن مودن "... نصوصها قصيرة ٌجدا، ولا تتألف إلا من عدد قليل من الكلمات، ولكنها تنقل اشتغالها من المستوى الكمّي إلى المستوى النوعي، موظفة شعرية الإيجاز والتكثيف، سواء من خلال الصوغ السريع جدا للوضعية، أو من خلال التركيز على مقطوعة هامة من حياة الشخصية، أو من خلال التشديد على كيفية الكتابة وشكلها، جودتها وشعريتها." [2]

 لمحة ٌ ضرورية في تاريخ السرد والأدب:

 

لا يخفى على المتتبع للأنماط الأدبية عبر الزمان أنها تأثرت جميعا برغبات المتلقين لها في الاستماع والمشاهدة والقراءة. فقد بدأ الأدب عند أوائل البشرية على شكل سردٍ لفظي يقوم به من يمتلك جزالة اللغة والقدرة على التعبير والتصوير بالإيماءة والحركة وحتى نبرة الصوت. ومن ذلك أن كان الإغريق يعينون لكل مدينة حاكيا يقوم بسرد القصص عليهم في تجمعات الرجال وفي الملاهي ليلا. ثم تطور الأمر ليصبح لكل قصرٍ راو ٍ وشاعرٌ من وظائفه تسلية ضيوف الملوك والنبلاء ، وذلك بسرد قصص ٍ إما أن تكون منقولة ً عن أحداث حصلت حقيقة ً، وفي هذه الحالة يقوم الساردُ بإضافة عناصَر التشويق بالتهويل أو التصرف في الرواية، وإما أن تكون من إنشاء هذا الراوي وفي هذه الحالة فإنه يطلق العنان لخياله ، ليحتوي كل ما كانت تجود به الظواهر الطبيعية غير المفسرة آنذاك، والعوامل التي نعتبرها اليوم فنتاستيكية، وكل هذا كان بهدف تسلية جمهوره.

 

بعد تلك المرحلة تطورت عملية التسلية بالسرد الأدبي لتأخذ شكل الدراما. فأنشأ الرومان المسارحَ والمدرجات الضخمة التي لا تزال تقف آثارُها شواهدَ في إيطاليا و الأردن وسوريا وكافة أرجاء امبراطوريتهم قديما. ومعلوم أن هذه المسارح كانت تستخدم لاجتماعات الساسة نهارا وفي أوقات الحروب، أما في وقت الرخاء والسهر والسمر فكانت مساحات لتجمع النبلاء، يؤدي لهم فيها ممثلون أدوارا في قصصٍ يقوم بتدريبهم عليها رُواتها. وقد طغت سيطرة المسرح على أشكال النصوص الأدبية بحيث أنها كانت تغلب على ما كتب في أوروبا.

 

ثم انتقل الأدب السردي إلى مرحلة الرواية، وما أن وصل الإنسان إلى اختراع المطابع ، وأصبح يستطيع طباعة آلاف النسخ من رواياتٍ تحتوي مئات الصفحات، حتى أصبح هذا النمط الأدبي هو الأوسع انتشارا بين محبي السرد والخيال. وأصبح عندها ارتياد المسارح امتيازا اقتصر على الطبقات الأرستقراطيه في المجتمع في ما يشبه المناسبات الاجتماعية، وليس متابعة للأدب.

 

إلا أن التمكن من الطباعة لم يكن هو السبب الوحيد لانتشار نمط الرواية الطويلة، بل عاد ذلك إلى أن الرواية أظهرت أنها النمط الأدبي الأقدر على نقل التجربة البشرية بكافة أشكالها. وشكلت قدرة السارد على الولوج في نفوس شخوص الرواية، وبالتالي التعبير الكامل عن العاطفة والنزاعات الروحية وعمق الفكر بحيث يصل كل هذا إلى ذهن القارىء دون الحاجة إلى مؤثراتٍ مسرحية، شكـّل كل هذا الفارق الأساسي بين متعة المشاهدة القصصية المسرحية، ومتعة القراءة الروائية المطوّلة.

 

 

أغراض الأدب السردي والقاف قاف جيم

 

لو حاولنا أن نحصر بعضا من الأغراض التي ساهم الأدب في تحقيقها عبر الأزمنة، لوجدنا أنفسنا أمام هذه النقاط:

 

أولا : أن الأدب بكافة أشكاله السردية والشعرية ساهم في ترسيخ الأحوال الاجتماعية والسياسية والاقتصادية للشعوب عبر التاريخ. فكل حقبة سياسية مثلا وجدت انعكاساتها في نتاج كتـّابها، وذلك من خلال تجسيدهم للأحداث التي احتوتها تلك الحقب. كما أن الآداب تحمل في طياتها مرايا الفكر السائد. فعلى سبيل المثال عندما اشتعل الفكر الحتميّ بين مثقفي أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية تغيّر مجرى الأدب ليعكس ذلك الفكر السوداويّ  كما قرأناه في أعمال ألبر كامو وجان بول سارتر.

 

وباختصار، فإنك إن كنت تبحث عن معالم الحياة لشعب ما في حقبة زمنية ما فما عليك إلا أن تقرأ نتاج أدبائهم، لتجد نفسك تطـّلع على تفاصيل كل شيء لديهم، بدءا من طريقة لباسهم إلى مبادئهم وأعرافهم الاجتماعية والدينية ، وحتى أحوالهم السياسية. وبذلك فإن الأدب يعد رابطا خفيا بين الشعوب، ينقل بقوّةِ الكلمةِ المكتوبةِ أخبارَ الأمم وتجاربَها على نطاق اجتماعيّ، ويمكننا أن نقول أن الأدب كان من أوائل أساليب الاتصال بين أركان البشرية.

 

ثانيا : إذا ما ابتعدنا عن النطاق الاجتماعي وولجنا في الأغراض الفردية التي يحققها الأدب عموما والأدب السردي بشكل خاص، فإننا ننظر باتجاهين.

 

من وجهة نظر المتلقي، فإن الفائدة الأهم التي يحققها له الأدب هي الإمتاع الروحيّ. لا بل أن درجة الإمتاع التي يأتي بها عملٌ أدبي تشكل المقياس بين الأدب الرفيع والأدب الضعيف. وتتحقق متعة تلقي العمل الأدبي بأن ينجح الكاتب في نقل القارىء إلى عالم آخر، بكامل ما فيه من عاطفة وروحانية وصراع وتأزّم. ومرور القارىء بذلك العالم واختباره لتلك العواطف يسبب له شعورا يتوق إلى تكراره، إما في نفس العمل الأدبي أو في غيره. ومهما كانت العاطفة التي يختبرها المتلقي خلال ذلك المرور فإنه يجد متعة في ذلك. فمن منا يستطيع القول أن تجربة الحزن التي نمر بها عند قراءة البؤساء لفكتور هوغو تقل متعة ًعن تجربة الشفقة عند قراءة الأرض الطيبة لبيرل باك أو صراع الذات والندم في آنا كارنينا للوي تولستوي.

 

كما أن المتلقي للأدب يجد أن الأعمال الجيدة التي يرغب في إعادة قراءتها والاستزادة من مثلها، هي تلك الأعمال التي تدفعه إلى التعمق في ذاته. قيل أن أرخص طرق العلاج النفسي هو الكتاب، بحيث أن القارىء يتعلق بالسرد الذي يجد فيه جزءا من ذاته، ويجعله يتفكر فيها وفي كينونته وماضيه ومستقبله، بالضبط كما تفعل بنا قراءة ٌ واحدة للخيميائي[3]، وهو في اعتقادنا ما يبحث عنه كل إنسان في أي عملٍ أدبيٍّ سرديّ: قطعة ً من مرآة.    

 

أما الغرض الفردي الثاني الذي يحققه الأدب السردي، فهو التعبير عن مكنونات النفس. والمقصود هنا من وجهة نظر الكاتب لا المتلقي. فكلّ قارىءٍ شرِه يجد في نفسه الرغبة بعد حين في أن يخط تجاربه وحياته قِصصا. ولكلّ منا قصة يحكيها، ومن هنا يبرز تعدد الراغبين في الإبداع والتميّز، لكن ليس بالضرورة المبدعين حقا. بيد أن الفرق بينهما هو الملـَكة أوالموهبة في بلوغ درجة الإبداع القصصي أو الروائي بما يحقق الأهداف الأخرى للفرد المتلقي وللمجتمعات.

 

إلا أن هدفي المتعة وفهم الذات، لا يمكن أن يتحققا للمتلقي ما لم يتمكن الكاتب الأديب من منحهما لقارئه. والكاتب المتمكن من ذلك عادة ما تشتهر أعماله بصيت روعتها. وهذا لا يأتيه إلا إن أعمل عقله الباطن في حبك أحداث قصته ، ووصف شخوصها وحالاتها بما يفرض على القارىء التوحد معها لا إراديا. وهنا يبرز إبداعُ كاتبٍ وآخر.

 

أما التعبير عن مكنونات النفس قصصيا، فلا بد أن يمر القصّ بمراحل العاطفة النابعة من هذه النفس حتى يتم التعبير عنها. ولهذا قسّم النقاد عناصر العمل الروائي إلى تقديم وشخوص وحبكة ومعضلة ونقطة تأزم وحل. وإن غابت بعض هذه العناصر عن القصة فلا يمكن أن تغيب كلها، وإلا لما بقي شيءٌ يعبر عنه الكاتب. والكاتب المتمكن من التعبير عن ذاته هو ذلك الذي يعطي كل عاطفة وفكرة في عمله مداها من الوصف لتصل كاملة إلى قارئه، حتى يظن القارىء أن الوصف عنه.

 

 

أين نجد وليدنا الأدبي الجديد من كل هذا؟

 

يقول الدكتور حسن مودن أن شاعرية هذا النمط الأدبي الجديد تأتي من بلاغة الإيجاز فيه وتكثيف الصور [4]. ولعلنا نستطيع أن نلمس ما يعنيه الدكتور باستعراض بعض النماذج هنا:

 

براءة [5] :

سأل الطفل جده بعدما تأمل مئذنة المسجد في ذهول...

جدي ... متى ينطلق هذا الصاروخ...؟
نهر الجد حفيده ، ودخلا المسجد الأعظم .

أمومة [6]:

حين سألته عن ما فعل في المدرسة قال لها :

ذهب في رحلة، وأحد زملائه غرق في النهر وهو بكل شجاعة قفز خلفه وأنقذه فشكره الجميع وكان في منتهى السعادة !

سقط قلبها واجفا الى أدنى أضلاعها واستنكر نبضه تهاون الإدارة ومغامرة الولد بعمره الطري !. قبل أن تستكمل رسم شكل مناسب لردة فعلها، مد لها ورقة الإنشاء وانتبهت الى أن نهر القرية جف مند زمن بعيد !

 قصةٌ قصيرة جدا لإرنست همنجواي بلا عنوان [7]، يقال أنه اعتبرها أفضل ما كتب:

للبيع ، حذاءُ طفل، لم يـُلبس أبدا .

 

عند التأمل في هذه النصوص نجد أنها أقرب ما تكون إلى الخواطر، ولو مالت إلى الكوميديا قليلا لاستطعنا أن نسميها نكاتا، لكنها بالتأكيد ليست سردا لتتخذ اسم القصة. فأي سردٍ هذا الذي تأتي به ستُّ كلمات، أو عشرون، أو حتى مئة كلمة؟ ولو سلمنا بأن التكثيف الصوري المحفّز للخيال عند القارىء هو مفتاح الإبداع في هذه النصوص، فهذا غير كافٍ لتسميتها قصة ً وفرضها على الأنماط السردية التي تجلب للقارىء متعة القراءة والتوحد مع النصوص. ثم كيف لهذه النصوص المقتضبة القصيرة أن تخدم غرض توثيق الأحوال الاجتماعية للأمم كما فعلت وتفعل الأنماط السردية الأخرى، بدءا بأوديسة هوميروس إلى قنديل أم هاشم؟

 

قد يقول المؤيدون لهذا النمط الجديد أنه يخدم أغراضا أدبية جديدة أحدثتها ظروف هذا العقد ، ومنها أن القاف قاف جيم تحفّز خيال المتلقي لأن يبني للقصة مقدماتٍ ويستنتج لها نهايات، وبذلك فإنها تقحمه في عملية بناء السرد الخيالي، ولا تبقي عليه متلقياً له فقط، بل يتفاعل معها بخياله. لكننا لو افترضنا أن بين القرّاء من يبحث عن هذا، فإن أغلبية القراء لا زالوا إلى يومنا هذا يبحثون عن نصٍّ يغوصون فيه لينقلهم إلى عالمٍ آخر ينهلون من خياله وصوره، ولولا أن هذا صحيح لما احتلت روايات جابرييل غرسيا ماركيز وباولو كويلهو قوائم أكثر الكتب مبيعا في العالم وترجمت إلى أكثر من أربعين لغة على مدى عقود. ما كان هذا ليحصل لولا أن معظم القراء المحبين للأدب لازالوا تواقين إلى النص السردي الموغل في الوصف وسبر أغوار الروح البشرية ونقل تجاربها بتفصيل التصوير لا بتكثيفه.

 كما أن بعضا من القصص القصيرة جدا يكاد لا يكون مفهوما حتى يستطيع القارىء أن يبني عليه أي شيء في خياله. وبعض منها له نهاية مغلقة ، لا تحتاج إلى صناعة الخيال. والبعض الآخر يبدو لقارئه مبتورا، وبشكل يجعله خالياً من أي إمتاع.  كمثل هذه المجموعة من القصص القصيرة جدا [8]:

الـقا ف: (كـــلام)

(1)

كلما رغبت في مولود (ذ).. تلد (أ).. أنثى.. واستمرت على هذه الحالة إلى أن ولدت ( ق).. (قلادة) بنات في عنقها...

(2)

تبرعت إحدى الجمعيات الخيرية بحصص مجانية من الدياليز لفائدة المصابين بداء (القبور) الكلوي... أما أصحاب (القصور) الكلوي فلا خوف عليهم...

(3)

(قـــرش) بألف (قـــرش)... وهكذا ابتلع الحوت مـــاله...

(4)

وقعت حادثة سير مروعة في بطن جائع.. حيث انقلب (قمر).. وتحول إلى (رمـــق).

(5)

أضاع (القطر) العربي نصفه، وتحول إلى شـــعـــاع...

(6)

وزعوا (الفرق) بيننا... ولما جمعناه، صنعنا (الفـــقـــر)..

وفي حجج لدعم هذا النمط الجديد أيضا يقول مؤيدوه أن هذه النصوص تأتي قصيرة ً جدا حتى تواكب قصر الوقت المتاح للقراءة والاستمتاع بالنصوص الأدبية في حياتنا العصرية المتسارعة. وهذا لا يمكن إلا أن يكون بحثا عن سبب منطقي لشيء ٍ تمّ وحصل، بغية إنشاء القبول لدى الجمهور.

لا نعلم إن كان هؤلاء يتجاهلون أن نمط القصص القصيرة جدا بدأ قبل عصر الاتصالات السريعة وقبل تسارع الحياة الذي يتكئون عليه حجة ً لهم. فقد كانت قصة همنجواي المذكورة أعلاه مثلا من أول ما كتب في العالم الغربي من هذا النمط ، وكان ذلك في الأربعينات من القرن الماضي. وفي الصين استمرت كتابة ُ القصة القصيرة جدا من القرن الرابع عشر إلى أوائل القرن الماضي، حين بدأ الاعتراف بها بين الأدباء كقصص، ثم بدأ تدريسها كجنس أدبي في الجامعات في التسعينات منه[9] ، لكنها مع كل هذا لم تكن مقتضبة إلى عدة كلمات، بل كانت من مئة إلى خمسمئة كلمة. وعند الإغريق كانت هناك أقاصيص تـُروى على الأطفال لتعلمهم الأخلاق الحميدة، ومن هذه قصة الأرنب والسلحفاة، وقصة الثعلب وقطف العنب. أما عربيا، فقد ظهرت الكتابة الخيالية القصيرة جدا في الأربعينات لتشتهر في الستينات والسبعينات. ففي العراق تضمن كل من القاصة بثينة الناصري والقاص خالد حبيب الراوي عددا من القاف قاف جيم في وسط مجموعاتهم القصصية، كما نشر عدد آخر من القاصين العراقيين قصصا من هذا النمط بشكل دوري، وقبل ذلك فقد نشر القاص اللبناني توفيق عواد مجموعة منها متضمنة مجموعة قصصية له أيضا [10] .

 

ثم لو أننا فرضنا أن تسارع الحياة الرقمية ذات الاتصالات الضوئية وتعدد أساليب الترفيه سبّب حجوم القارىء عن إمساك الكتاب ذي المئة صفحة لمجرد إمتاع خياله بقراءة الأدب، إذن فكيف تحتل كتبٌ غير سردية ولا خيالية مثل "حياتي" لبيل كلنتون و "العادات السبع للناس الأكثر كفاءة" لستيفن كوفن  قوائمَ الكتب الأكثر مبيعا في العالم، رغم أن عدد صفحاتها بالمئات ومن القطع الكبير؟ هذا إذا تجاهلنا نجاحات ماركيز وكويلهو في نفس الحقبة المتهمة بخيانة الأدب الطويل.

 

إن محاولة دمج هذا النمط الأدبي الجديد بالأنماط الأخرى وتبرير وجوده بينها لا يجد لدينا إلا سببا حقيقيا واحدا، وهو أنه نمط سهل الوصول إلى النشر، وبذلك فإنه يصنع من أصحابه كـُتّابا ويزيد من عدد وحجم نتاجهم المنشور. إذ أن كتابة مئتي قصة قصيرة جدا لا يحتاج إلا إلى تدوين الخواطر اليومية وبعض الرؤى من الحياة، ومن ثم إعمال الحذف والإضمار فيها وبعض الصقل في تصاويرها، وهذا على أبعد حد يحتاج شهرا أو شهرين، وتكون النتيجة كتابا من مئتي صفحة جاهزا للنشر تحت مسمى الإبداع الأدبي. في حين أن القاص والروائي يـُعمل عقلـَه في نسج حبكات يحاول أن يجعلها شيّقة ومتشابكة ومختلفة في كل مرة، وتواجهه في ذلك صعوباتُ الوصف والحوار وتوثيق وصف الأماكن والتاريخ ونسج تشابك الأحداث، ثم يجد نفسه يعيد حياكة أطراف القصة ببعضها في تنقيح أول ثم ثان ثم ثالث، حتى تقترب القصة أو الرواية – بعد عام ٍ أحيانا - من عمل ٍ يجرؤ أن يضع اسمه عليه ، وأيضا تحت مسمى الإبداع الأدبي. لكن شتـّّان ما بين الإبداع والاستبداع.

 

الملفت للنظر هنا أن هذا النمط الأدبي الجديد وجد رواجه بين الكتّاب وليس بين قرّاء الأدب. ولا نستطيع تفسير ذلك إلا بفهم آلية عمل بنك المعروف [11] . يـُقرِض أحدُ الكتّاب آخراً قراءة ً في مجموعته القصصية القصيرة جدا، ويطيل في كلماتها القليلة التحليلَ والمدحَ وافتراض ما هو غير موجود ولا مقروء، كي يردّ كاتبُها المعروفَ له قراءة ً ومدحاً في أعماله. والمراد من كل هذا لفت نظر متابعي الأدب. وهكذا ذاع صيت هذا النمط واحتـُسِبَ على الإبداع الأدبي إضافة ً . ولهذا فقد عـُلم أن الصالونات والمجلات الثقافية الرقمية كان لها أكبر دور في تفعيل بنك المعروف بهذه الطريقة وبالتالي تجنيس هذه المحاولات للابداع ِ أدبا ً.

 

إذن فالمسألة بالعكس. قد ذاع صيت هذا النمط لأنه ارتكز على ما وفرته له الشبكة الدولية من سرعة الانتشار وتجاوُزِ الحدود الإقليمية والتداول بين الأدباء، وهو ما يبرر أن هذا النمط الأدبي كان موجودا في العقود السابقة لكنه لم يشتهر بين جموع الأدباء ولم يعترف به النقاد جنسا أدبيا إبداعيا إلا بعد أن شاع التواصل بينهم بالإنترنت، فمن منا لا يحتاجُ قرضا ً حسنا ً؟

 

أما الإدعاء بأن هذا النمط كان نتيجة ً لطقوس الحياة الرقمية فما هو إلا لـُبسُ الغايةِ بوسيلتها.

 

استنتاج :

 

 القصة ُ القصيرة ُ جدا ً كانت موجودة في تاريخ الأدب، لكنها لم تلقَ رواجا بين القرّاء، وإلا لوجدنا أحد مجموعاتها على قوائم الآداب المترجمة، أو الأكثر مبيعا. بيد أنها راجت بين الأدباء مع انتشار استخدامهم للشبكة المعلوماتية في ترويج أعمالهم. والسبب في عدم تقبل جمهور قرّاء الأدب لهذا النمط الجديد هو أنه لايبلغ بهم درجة َ العطاء السرديّ الذي تؤديه الأنماط ُ الأدبية ُ الأخرى كالقصة أو الرواية أو المسرحية. ونتج عن دمج هذا الجنس الأدبي مع الأجناس الأخرى محاولة ٌ لتمويه معالم الإبداع الأدبي ومقاييسه، بحيث أصبحت الخاطرة القصيرة المصوّرة تعدّ إبداعا ً. وفي هذا إساءة ٌ كبيرة ٌ لمن يستحقون فعلا ً لقبَ أديبٍ مبدع.

 

 

 


--------------------------------------------------------------------------------

[1]  د. جميل حمداوي، مقال "القصص القصيرة جدا جنسٌ أدبيٌّ جديد"، مجلة ديوان العرب، 25 ديسمبر 2006

[2]  د. حسن مودن، مقال " شعرية القصة القصيرة جدا " مجلة اتحاد كتّاب الإنترنت العرب.

[3]  باولو كويلهو، الخيميائي ، دار هاربر كولينز، المملكة المتحدة.

[4]   د. حسن مودن، نفس المرجع السابق.

[5]  عبد الله المتقي ، مجموعة قصص قصيرة جدا، مجلة ديوان العرب، 19 تشرين ثاني 2006.

[6]  فاطمة بوزيان، ليلة ٌ قصيرة ٌ جدا، الكاتبة المغربية فاطمة بوزيان.

[7]  بلا مؤلف، مقال قصص قصيرة جدا ، مجلة وايرد ساينس.

[8]  حسن برطال، مجموعة القاف كلام ، مجلة ديوان العرب، 2 نيسان 2007

[9]  بلا مؤلف، مقال "القصة المصغّرة الصينية تستقطب القراّء من خارج الصين" ، صحيفة تشاينا ديلي، 24 كانون أول  2004

[10]  إبراهيم السبتي، مقال "محنة القصة القصيرة جدا" ، الحوار المتمدن.

[11]  فكرة بنك المعروف واردة في رواية الزاهر لباولو كويلهو . باولو كويلهو، الزاهر، دار هاربر كولينز، المملكة المتحدة.

تنضيد قوافي الوجدان في ترشيد المعارضة السياسية

التفاصيل
كتب بواسطة: نضير الخزرجي
المجموعة: بحوث و دراسات
انشأ بتاريخ: 24 يناير 2003
الزيارات: 8

تنضيد قوافي الوجدان في ترشيد المعارضة السياسية

نضير الخزرجي*


يجد المرء متعة في قراءة كتب التاريخ والسير، ليستعرض أمام ناظريه طبيعة الحياة التي عاشها الأجداد أو الشعوب والأمم الأخرى، وقلما يعتبر المرء، ولكن المتعة تكون أشد عند تذوق الشعر وهو يتعرض للمراحل التاريخية نفسها، فالقصيدة وان لم تكن تنقل الحوادث كما تنقلها عدسة الكاتب والراوي بتفاصيلها، لكنها تشير إليها إشارات ومضية بأسلوب أدبي شيق، تجعل المرء يستذوق التاريخ ومجرياته وربما يعتبر به أكثر.
وإذا تمحورت قصيدة أو مجموعة قصائد لشعراء عدة في مرحلة زمنية، حول حدث واحد طار صيته في الآفاق، فان هذه القصائد ستكون بمثابة كشاف ضوئي تستدل به الأجيال عما حصل في تلك الفترة الزمنية وان تباعدت زمنيا بقرون عدة، لان الشعر من خاصيته انه يحفظ في الصدور قبل أن يقيد على الورق، فهو يملك حافظتين أحدهما أثبت من الأخرى.
الدكتور محمد صادق محمد الكرباسي، في كتابه المعنون "ديوان القرن الثالث" ضمن سلسلة مجلدات دائرة المعارف الحسينية في نحو 600 مجلد من ستين بابا، صدر منها 34 مجلدا حتى الآن، يتابع الوضع السياسي والاجتماعي والديني الذي كان عليه العراق بخاصة والعالم الاسلامي بعامة في القرن الثالث الهجري، من خلال تقصي القصائد التي نظمت بخصوص النهضة الحسينية، لاسيما وان القصائد تؤرخ للمائة الثانية من حكم الدولة العباسية، والانتفاضات والثورات التي حصلت في تلك الفترة والتي كانت تستمد مادتها الأولى في المعارضة من نهضة الإمام الحسين (ع) وتتأسى باستشهاده في كربلاء المقدسة.

ملامح عامة
يختلف بداية القرن الثالث الهجري عن منتصفه عن نهايته، بالنسبة لعلاقة الحكم العباسي مع البيت العلوي، ففي مطلعه: "كان هنا شيء من المتنفس لخط آل محمد (ص) وسواء كان ذلك مراداً واقعا أم محاولة لتثبيت الأركان، فإن البداية كانت مريحة لكنها كبركان يوشك على الانفجار غيظا"، ولم يستمر الأمر طويلا وهو خاضع بشكل عام لطبيعة الشخصية التي تتولى الحكم من بني العباس، ولهذا نرى أن الأئمة من ولد الإمام علي بن موسى الرضا (ت 203 هـ) الذي تسلم ولاية العهد خلال حكم المأمون العباسي (ت 218 هـ): "لم يعمروا أكثر من دور الشباب أو في الكهولة فقد قضى الإمام الجواد (ع) محمد بن علي الرضا وهو ابن خمس وعشرين سنة، وقضى ابنه الهادي علي بن محمد (ع) وهو ابن اثنتين وأربعين سنة، وقضى ابنه العسكري الحسن بن علي (ع) وهو ابن ثمان وعشرين سنة، وغاب ابنه الحجة المهدي المنتظر (عج) وله من العمر خمس سنوات"، فالإمام الرضا دس إليه السم المأمون العباسي، والإمام الجواد (ت 220 هـ) دس إليه السم المعتصم العباسي (ت 228 هـ)، والإمام الهادي (ت 254 هـ) دس إليه السم المعتز العباسي (ت 255 هـ)، والإمام العسكري (ت 260 هـ) دس إليه السم المعتمد العباسي (ت 279 هـ).
ومع إن: "هناك الكثير الكثير مما قيل في أهل البيت عموما وفي الإمام الحسين (ع) خاصة قد حكم عليه عامل الرعب بالفناء إما لعدم تدوينه خوفا من أن يكون وثيقة تؤدي إلى الموت أو انه دُوّن ثم جعل في طوامير حتى تلف كما أتلفت مطامير السجون شيعة أهل البيت، ولا أدل على ذلك من قلة ما وصل إلينا من الشعر المتعلق بهذا القرن"، فان المحقق الكرباسي يؤكد في الوقت نفسه: "كان الشاعر يعرض نفسه للموت حتى يذكر الحق المتمثل في أهل البيت (ع) فلم يردعه ذلك من المضي في هذا المسلك"، وكان الشاعر دعبل بن علي الخزاعي (ت 246 هـ) نموذجا للشاعر الرسالي الذي جهر بمعارضته لظلم بني العباس، حتى اشتهر عنه فحوى القول: "لي خمسون سنة أحمل خشبتي على كتفي أبحث عمن يصلبني عليها فما أجد من أحد"، وقد هجا المعتصم محمد بن هارون وهو الثامن من بني العباس، بقوله:
ملوك بني العباس في الكتب سبعة ...وما جاءنا عن ثامن لهم في الكتب
وكذلك أهل الكهف في الكهف سبعة ... كرام إذا عدوا وثامنهم كلب
على إني أعلي كلبهم عنك رفعة ... لأنك ذو ذنب وليس له ذنب
ولعل الرحالة والأديب أبي بكر الخوارزمي محمد بن عباس (ت 383 هـ)، خير من يعرفنا بالملامح العامة لعهد بني العباس وموقفهم من أئمة أهل البيت (ع)، ومن طبقة الشعراء، حين أكد في "كتاب الرسائل": "يموت إمام من أئمة الهدى وسيد من سادات بيت المصطفى فلا تتبع جنازته ولا تجصص مقبرته ويموت ضراب لهم أو لاعب أو مسخرة أو ضارب فتحضر جنازته العدول والقضاة ويعمر مسجد التعزية عنه القواد والولاة، ويسلم فيهم من يعرفونه دهريا أو سوفسطائيا ولا يتعرضون لمن يدرس كتابا فلسفيا أو مانويا ويقتلون من عرفوه شيعيا ويسفكون دم مَن سمّى ابنه علياً وإن بعض شعراء الشيعة يتكلم في ذكر مناقب الوصي، بل في ذكر معجزات النبي (ص) فيقطع لسانه ويمزق ديوانه..".

الشعارات الحائطية
تعتبر كتابة الشعارات الجدارية أو الحائطية وسيلة من وسائل المعارضة السياسية بالضد من النظام القائم، وهي وسيلة متاحة للجميع عبر الكتابة أو الرسم، وقد يظن البعض إن هذا الأسلوب حديث، ولكن الشيخ الكرباسي من خلال بحثه وتقصيه توصل إلى إن الشعارات الحائطية أسلوب ابتدعه أهل بغداد للتعبير عن معارضتهم للسلطة العباسية بخاصة في عهد المتوكل العباسي (ت 247 هـ)، ذلك: "أنه لما شاع ظلم المتوكل وذاع خبر هدمه قبر سبط الرسول (ص) بين الناس كتب أهل بغداد، ولأول مرة في تاريخ الإسلام، شتمه على الحيطان، ومنذ ذلك اليوم استخدم كتابة الشعارات على الحيطان".
وقد تعرض قبر الإمام الحسين (ع) للهدم حتى عهد المتوكل العباسي ست مرات، فأول مرة هدمه المنصور العباسي (ت 158 هـ) وذلك في العام 146 هـ، والمرة الثانية هدمه هارون العباسي (ت 193 هـ) وذلك عبر واليه على الكوفة موسى بن عيسى الهاشمي، وأربع مرات في عهد المتوكل، في الأعوام 233 هـ عبر عمر بن فرج، والعام 236 هـ عبر إبراهيم الديزج، والعام 237 هـ عبر هارون المعري، والرابعة عام 247 هـ عبر إبراهيم الديزج أيضا.
وقد أرخ الشعراء هدم القبر الشريف في قصائدهم، منهم الشاعر ابن السكيت يعقوب بن إسحاق الأهوازي (ت 244 هـ)، يقول فيها تحت عنوان "أسِفوا" من بحر الكامل:
تالله إن كانت أميةُ قد أتت ... قتلَ ابن بنت نبيها مظلوما
فلقد أتاه بنو أبيه بمثله ... فغدا لعمرُك قبره مهدوما
أسفوا على أن لا يكونوا شاركوا ... في قتله فتتبعوه رميما
وممن أرخ لهدم القبر الشريف، الشاعر ابن الرومي علي بن العباس البغدادي (ت 283 هـ)، في قصيدة تحت عنوان "ديزج" من الطويل، مطلعها:
أمامك فانظر أي نهجيك تنهج ... طريقان شتى مستقيم واعوج
إلى أن يذكر الشاهد:
ولم تقنعوا حتى استثارت قبورهم ... كلابكم منها بهيم وديزج
في إشارة إلى اليهودي الأصل إبراهيم الديزج الذي استخدمه المتوكل في تشديد الخناق على زوار الإمام الحسين (ع)، حتى تجرأ على هدم القبر الشريف لمرتين.


أسماء لامعة
ضم ديوان القرن الثالث أسماء لامعة لشعراء وأدباء وعلماء وأرباب مذاهب إسلامية، رثوا الإمام الحسين (ع)، أو أشاروا إليه، منهم دعبل الخزاعي والبحتري، وأبو مقاتل، والصولي، وأبو تمام، والبلاذري، وابن بسام، والضحاك الباهلي، وديك الجن، والمجنون البصري، وابن الرومي، وابن المعتز، والإمام الشافعي، وغيرهم.
فالشاعر دعبل الخزاعي اشتهر بتائيته المعنونة "منازل آيات" في قصيدة من 122 بيتا من بحر الطويل، يقول في مطلعها:
تجاوبن بالإرنان والزفرات ... نوائح عجم اللفظ والنطقات
إلى أن يقول:
نفوس لدى النهرين من أرض كربلا ... مُعرَّسُهم فيها بشط فرات
تُوُفُّوا عِطاشا بالفرات فليتني ... تُوُفِّيت فيهم قبل حين وفاتي
وقد استأثر الديوان بأربعة عشر قطعة لدعبل من بين 59 بيت وقطعة وقصيدة، أي بنحو ربع الديوان، مما يعكس غزارة شعره وصلابة موقفه، يليه الشاعر أبو تمام حبيب بن أوس الطائي (ت 231 هـ) بثمان قطع ثم عبد السلام بن رغبان الكلبي (ت 235 هـ) بخمس قصائد.
يقول أبو تمام تحت عنوان "صبر الحسين" من الطويل"
جرى الأجلُ المحتومُ ينشدُ رَبعها ... ألا أيها الرَّبع الذي خفَّ آهِلُه
بصبر حُسين الحِلمِ حَلفةَ صادقٍ ... لقد أدركتْ فيه النوى ما تُحاولُه
وهنا يثبت الشاعر حقيقة هامة، وهو أن صبر الإمام الحسين (ع) في واقعة كربلاء كان من السعة وهو يرى أهل بيته وأصحابه يقتلون الواحد بعد الآخر عطاشا، بحيث صار مضرب الأمثال ومحط حلف الرجال، وقد قال فيه بعض الرواة كما ينقل المجلسي في بحار الأنوار: 41"50: "فوالله ما رأيت مكثورا قط قد قتل ولده وأهل بيته وصحبه أربط جأشا منه، وإن كانت الرجال لتشد عليه فيشد عليها بسيفه فتنكشف عنه انكشاف المعزى إذا شد فيها الذئب، ولقد كان يحمل فيهم وقد تكملوا ألفا فينهزمون بين يديه كأنهم الجراد المنتشر، ثم يرجع إلى مركزه وهو يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
ومن شعر أبي مقاتل النصر بن نصر الحلواني تحت عنوان "الحسنان" من الرجز:
محمد المختار ثم صنوه ... والحسنان ولدا سِتّ النِّسا
ويستظهر الدكتور الكرباسي من استخدام الشاعر لكلمة "ست" وهي من اللهجات المحلية إشارة الى سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء (ع)، أن اللهجات المحلية تم تداولها منذ القرون الأولى. وهو ما يعكس الأثر السلبي الذي تركته لغات الشعوب الداخلة في الإسلام على اللغة العربية.
ومن رواد المرحلة الشافعي محمد بن إدريس (204 هـ)، إمام المذهب الشافعي، الذي رثى الإمام الحسين (ع) وعبر عن ولائه لأهل البيت (ع)، فمن شعر له من الطويل تحت عنوان "تزلزلت الدنيا"، ينشد:
تأوّب همي والفؤاد كئيب ... وأرق عيني فالرقاد عجيب
إلى أن يقول:
فمن مبلغ عني الحسين رسالة ... وإن كرهتها أنفس وقلوب
ذبيح بلا جرم كأن قميصه ... صبيغ بماء الأرجوان خضيب
ويؤكد الإمام الشافعي على مفهوم الشفاعة الذي أصّلته نصوص القرآن الكريم والسنة الشريفة، فيضيف:
لئن كان ذنبي حب آل محمد ... فذلك ذنب لست عنه أتوب
هم شفعائي يوم حشري وموقفي ... إذا ما بدت للناظرين خطوب
وينشد في قصيدة أخرى من بحر الوافر تحت عنوان "حب أهل البيت" ومطلعها:
إذا في مجلس ذكروا عليا ... وسبطيه وفاطمة الزكية
إلى أن يقول:
برئت إلى المهيمن من أناس ... يرون الرفضَ حبَّ الفاطمية
على آل الرسول صلاةُ ربي ... ولعنته لتلك الجاهلية

مفارقات مؤلمة
تعكس عدد غير قليل من القطع الشعرية، مفارقات مؤلمة عن وضع أهل البيت من نساء ورجال بما ينبغي أن يكون بوصفهم وصية النبي محمد (ص) في أمته، حيث أثبت القرآن هذه الوصية كما في الآية 23 من سورة الشورى: (قل لا أسئلكم عليه أجرا إلا المودة في القربى)، مقارنة بالوضع الذي كان عليه البيتان الأموي والعباسي، حيث يصل الهبوط والإسفاف إلى إقامة العزاء لموت قرد أو عاهرة، وتساق المحصنات من أهل البيت (ع) أسارى إلى الكوفة ثم الشام.
ومن ذلك قطعة للشاعر زيد المجنون المصري التي أنشأها بعدما زار كربلاء المقدسة في العام 247 هـ، يقول فيها من المتقارب تحت عنوان "أيُحرث قبر الحسين":
أيُحرثُ بالطفِّ قبرُ الحسين ... ويُعمَرُ قبرُ بني الزانية
لعلّ الزمان بهم قد يعود ... ويأتي بدولتهم ثانية
ألا لعن الله أهل الفساد ... ومن يأمن الدنية الفانية
وهنا يشير الشاعر إلى ما فعله المتوكل العباسي عندما ماتت له جارية حبشية تسمى ريحانة وكان مولعا بها حزن عليها ودفنها في قبر جديد وفرش لها الورد والرياحين والمسك والعنبر وبنى على قبرها قبة عالية!
ومن ذلك قصيدة لابن الرومي من الطويل، يقول فيها:
أفي الحق أن يمسوا خماصا وأنتم ... يكاد أخوكم بطنه يتنعج
وتمشون مختالين في حجراتكم ... ثقال الخطا اكفالكم تترجرج
وليدهم بادي الطوى ووليدكم ... من الريف ريان العظام خدلج
أو قول دعبل الخزاعي في تائيته الشهيرة:
فكيف أُداوى من جوى لي والجوى ... أمية أهل الفسق والتبعات
بنات زياد في القصور مصونة ... وآل رسول الله منهتكات
وآل زياد في الحصون منيعة ... وآل رسول الله في الفلوات
ومن المفارقات المؤلمة، أن يكون أذى بني العباس على أهل البيت (ع) وهم من شجرة نسبية واحدة أكثر من أذى بني أمية، ولذلك فان مما يظهره المحقق الكرباسي في الخاتمة من خلال معاينته للمقطوعات الشعرية: "ظاهرة المقارنة بين الجورين - جور بين العباس وبني أمية - وبيان ما حلّ بالعالم الاسلامي جراء تسلط هاتين السلسلتين من الحكام، فبدأ بعضهم بتبيان مدى حقد العباسيين ومشاركتهم سلفهم من الأمويين في ما اقترفوه ضد أهل البيت (ع) وأشياعهم".
من ذلك قول دعبل الخزاعي من البسيط تحت عنوان "إربع بطوس" يقول في مطلعها:
تأسفت جارتي لما رأت زَوَري ... وَعَدَّت الشيبَ ذنبا غير مُغتفر
ثم يقول:
أرى أمية معذورين إن قتلوا .... ولا أرى لبني العباس من عذر
أبناء حرب ومروان وأسرتهم ... بنو معيط ولاة الحقد والوغر
ويقول:
قبران في طوس خير الناس كلهم ... وقبر شرهم هذا من العبر
وهو يشير إلى مرقد الإمام علي بن موسى الرضا (ع) في طوس بخراسان والى جنبه قبر هارون العباسي (ت 193 هـ) الذي دسم السم إلى الإمام موسى بن جعفر (ع) (ت 186 هـ) المدفون في مدينة الكاظمية ببغداد.

التضمين القرآني والنبوي
كان من شأن القرآن الكريم، أن حفظ للعرب لغتهم، وكان من شأن الشعر أن حفظ للعرب تاريخهم، وقد اصطبغت قوافي الشعر العربي مع مجئ الإسلام بصبغة القيم الإسلامية، كما وجد الشعراء من آيات القرآن الكريم كنزا أدبيا، فجاء تضمين الآيات في صدر الأبيات وعجزها، كتعبير عن هذا الكنز الذي لا ينضب، كما أن التراث الذي تركه النبي محمد (ص) كان ولازال مادة خصبة للشعراء فضلا عن الكتاب والأدباء.
وهذا ما نلحظه في ديوان القرن الأول والثاني والثالث ودواوين القرون اللاحقة حتى يومنا هذا، حيث احتوى الشعر الذي أنشد في الإمام الحسين (ع) الكثير من الأدلة والشواهد القرآنية والنبوية، تضمنتها قصائد الشعراء على مر التاريخ، وسبق للأديب الأردني محمود عبده فريحات، أن استل الشواهد القرآنية التي وردت في احد عشر ديوانا من دواوين دائرة المعارف الحسينية التي غطت القرن الأول الهجري حتى التاسع منه، وجمعها وشرحها في كتاب مستقل حمل عنوان: "الأدلة القرآنية في الشعر الحسيني من دائرة المعارف الحسينية للكرباسي"، صدر في العام 2004م عن بيت العلم للنابهين في بيروت، في 248 صفحة من القطع الوزيري.
وفي ديوان القرن الثالث أدلة قرآنية ونبوية عدة، فعلى سبيل المثال، أنشد علي بن الحسن العسكري المتوفى قبل العام 300 هجرية في رثاء شهداء الطف، من بحر الكامل تحت عنوان "خير البرية"، يقول في احد أبياتها:
قوم هدى الله العباد بجدهم ... والمؤثرون الضيف بالأزواد
فهنا تضمين لقوله تعالى في الآية 9 من سورة الحشر: (ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة) التي نزلت في حق أهل البيت (ع)، وتضمين لقوله تعالى في الآية 8 من سورة الدهر: (ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا) التي نزلت في البيت العلوي عندما مرض الحسن والحسين ونذر الإمام علي وفاطمة الزهراء (ع) صوم ثلاثة أيام لشفائهما، فطرق بابهما في هذه الأيام وعلى التوالي المسكين واليتيم والأسير، فوهبوا لهم ما عندهم من طعام وباتوا جوعى لثلاث ليال، حتى نزلت فيهم سورة الدهر، ولقد أحسن الشاعر عندما أنشد:
وسائلي هل أتى نص بحق علي ... فقلت "هل أتى" نص بحق علي
ومن التضمين النبوي، قول الشاعر علي بن محمد الحماني المتوفى ما بين 260 -270 هـ، من الكامل تحت عنوان "ودّ الآل":
أخذ النبي يدّ الحسين وصنوه ... يوماً وقال وصحبُه في مجمع
مَن ودّني يا قوم أو هذين أو ... أبَويهما فالخلد مسكنُه معي
وهذا تضمين لقول النبي محمد (ص) في أهل البيت (ع): (من أحبني وأحب هذين وأباهما وأمهما كان معي في درجتي يوم القيامة)، كما في صحيح الترمذي:5/641.

مضامين بلاغية
ومما يعطي لهذا الديوان أهمية، جملة فهارس لا غنى للباحث عنها، حيث نقرأ في فهارس المتن: فهرس الأعلام والشخصيات، القبائل والأنساب والجماعات، القوافي والروي، البحور والأوزان. ونقرأ في فهارس الهامش: فهرس الأبيات وأنصافها، التأريخ، الناظمين والشعراء، الأعلام والشخصيات، القبائل والأنساب والجماعات، اللغة. وفي الفهارس المشتركة بين المتن والهامش، نقرأ: فهرس الآيات، الأحاديث والأخبار، الأمثال والحكم، مصطلحات الشريعة، المصطلحات العلمية والفنية، الطوائف والملل، الوظائف والرتب، الآلات والأدوات، الإنسان ومتعلقاته، الحيوان ومتعلقاته، النبات ومستحضراته، الفضاء ومتعلقاته، الأرض ومتعلقاتها، المعادن، الأماكن والبقاع، الزمان، الوقائع والأحداث، المؤلفات والمصنفات، المصادر والمراجع، مؤلفي المراجع، فهرس الخطأ والصواب لديوان القرن الأول الجزء الأول، فهرس الخطأ والصواب لديوان القرن الأول الجزء الثاني، فهرس الخطأ والصواب لديوان القرن الثاني.
هذا إلى جانب قراءة نقدية للديوان قدمها أستاذ التصوف الاسلامي في جامعة السوربون، الفرنسي الجنسية، الكاثوليكي المعتقد، الدكتور بيير لوري (Pierre Lory)، الذي أشار إلى: "دأب الشيعة سنويا على إحياء مناسبتين رئيستين، الأولى تسليم النبي الولاية لعلي في غدير خم، والثانية مقتل الحسين وأصحابه على يد الأمويين في كربلاء"، معتبرا: "إن شهادة الحسين بحد ذاتها تعتبر رسالة عمل توجه المؤمن إلى حقيقة أعمق، وهذا المعنى العميق يعالج القيمة الحقيقية للشهادة العقائدية"، وكان من رأيه: "أن دائرة المعارف الحسينية تعرض مضامين النهضة الحسينية ببلاغة وقوة تدعو إلى التأمل".
في الواقع إن "ديوان القرن الثالث" الصادر عن المركز الحسيني للدراسات في لندن، في طبعته الأولى في 312 صفحة من القطع الوزيري، وضم 32 شاعرا، يمثل لوحة مترامية الأبعاد ومتنوعة الأغراض لوقائع وحوادث رسمها الشعراء بريشة القوافي، نفض عنها الدكتور الكرباسي غبار التاريخ، وقدمها زاهية مضيئة.

* إعلامي وباحث عراقي
الرأي الآخر للدراسات - لندن
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 


1


 

  1. الدنيا في خزين الذاكرة
  2. الشاعر أحمد دحبور: كم يبقى من الشعر فوق الغربال!؟ ..... الحد
  3. في حب رجاء النقاش
  4. دراسة علمية للفراغات المثالية الفازية عبر التوبولوجي الفازي

الصفحة 33 من 66

  • 28
  • 29
  • 30
  • 31
  • 32
  • 33
  • 34
  • 35
  • 36
  • 37

المتواجدون الآن

73 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

البحث

اشترك في نشرتنا البريدية

انضم إلى مجموعتنا على Google لتصلك آخر الأخبار عبر بريدك الإلكتروني.

اشترك في نشرتنا البريدية

منطقة الأعضاء

  • تسجيل الدخول
  • كاتب جديد؟
  • نسيت كلمة المرور؟
  • نسيت اسم المستخدم؟
  • أرسل مشاركة

آخر مواضيع المنتديات

لايمكن العثور على التغذية الإخبارية

مواقع شقيقة

  • منتديات مجلة أقلام
  • المرشد في الإداراة
  • الشاعر سامر سكيك