الإهداء
إلى الذين خاضوا معي في درب الضياع، فعثرنا وشقينا. ثم استقرت نفوسهم في ظلمات الدرب الموحشة.. بعد أن فارقتُها ولم تزل ذكريات الوداع تلوح لي هناك من مسافة بعيدة.. شديدة البعد..
إليهم أهدي هذه القصيدة، عسى أن يفيئوا بنفوسهم إلى سبيل الخلاص..
لحن الوداع
وداعاً.. إليكم أزُفُّ الوداعْ
كفاني مسيراً بدرب الضياعْ
فدرب الضياع شديد الظلامِ
عظيم الخطوب خسيس المتاعْ
عثرنا.. زلَلْنا وذقنا الأمَرّ
غرقنا بليلٍ طويل السّهرْ
دخلنا بنار اللظى والشررْ
عَمينا.. وخضنا بذاك الصّراعْ
فمن شامخات الجبال هبطنا
لمستنقعٍ آسِنٍ قـد ركنّـا
وخِلنا بأنّـا نجونا وأنّـا
وصلنا لآخر درب الضياعْ
ولكنّ أنواع شتى الشرور
تجوب الطريق لسـدّ العبور
تحابي الغُفاة لوقف المرور
بسحر الكلام وفـنّ الخداعْ
وتُغري بنيل المنى والهناءْ
وأنّ الحيـاة تَشـي بالفناءْ
وأنْ ليس بعد الفناء بقاءْ
فدار الجنان بهذي البقاعْ
فمنّا الذين استحبوا العمى
وغاصت خُطاهم بتلك الحِمى
أبَوْا أنْ يُلبّوا نداء السّما
ولَبَّوْا نداء الهوى بانصياعْ
ومنّا الذي اختار درب الأباةْ
أبى أن يُقيّد مثل الغُفاةْ
فمن بين رَغْبٍ ورَهْبٍ تسامى
وفارَقَ درباً كَسَتْهُ الرّفاتْ
وإنّي وبعد اصطباري ويأسي
تناولتُ فأسي اعتداداً ببأسي
وقطّعتُ حبل الهوى والمجون
وللمَكرُماتِ أَهَبْـتُ بنفسي
فأمّا اعتدادي ببأسي المتينْ
ركنتُ به للحجا واليقينْ
ومن يبتغي نيل درب الهدى
فـإنّ الإله عليه أمـيـنْ
وأثناء خوضي طريقي تراءتْ
هواجسُ ماضٍ سحيقٍ وغابتْ
أثارت بأعماق قلبي شجوني
وأيّام حُزني ويأسي أعادتْ
ومن بين تلك الهواجس كانتْ
ظنوني تُغَشّي طريقي وباتتْ
تطوف وتخفق بالقلب حيرى
بشتى مسارب نفسي أفاضتْ
ولكنّ قلبي أبى الإنتكاسْ
وسار وئيد الخطى باحتراسْ
ينازع تلك الظّنون ويمضي
قويّاً عنيداً شديد المراسْ
وتدنو من النّفس ذكرى الصّحابْ
تمسّـك جُـلُّـهُمُ بالتـرابْ
ونادَوْا بإيقاف وقْعِ الخُطى
فآخِرُ تلك الدروب السّرابْ
ولكنّ خَطْوَ الأباة استمرْ
يجوب الديار ليلقى المفرّ
يخوض البحار ويطوي الدروب
يُزَحْزِحُ أشواكها في حَذَرْ
لقد كنتُ قبل الهوى والعناء
طليقاً أُحلّق صَوْبَ السماء
وأسمع لحن الطّيور الجميل
تروح وتشدو بعذب الغِناء
إذاً.. فلأيّ الأمور يكونْ
هوايَ وغيّي وتلك الشجونْ؟
لماذا الرّكونُ لرحم الثرى
ونور الثريّا يُضيء السنينْ؟!
ألا مَن ينادي: النجاة النجاةْ!
أفيقوا وسيروا بدرب الأباةْ!
فإنّ الديار تشي بانهيارٍ
وأعمالُكُم