"لا أطلب قط من الله أن يجنّبني المصائب،
أطلب إليه فقط أن يجنّبني القنوط"
عبّاد السوسي – كتاب رومة
عندما سألوا نيرون في ذهول عن سر إحراقه روما، أجابهم في نشوة: "روما تحتاج بعثاً جديداً" . لقد وصم التاريخ المكتوب نيرون بالمجنون السادي، لكن من يقرأه بعينين مبصرتين سيجد أن روما كانت تنتظر نيرون، و أن الانحدار الذي سارت فيه ما كان ليخلّصها منه سوى حلٌّ جذري مؤلم، يبدأ معه كل شيء من جديد، كي
تعود الامبراطورية إلى مجدها.
خلصنا فيما سبق إلى أنّ الوطن الذي ندّعي حبّه - و كلٌّ يدّعي وصلاً بليلى- بات مسجلاً في عداد المفقودين، و قد حاولنا تتبع مسار تلك الرحلة المشؤومة من الفساد التي انتهت بهذا المصير المروّع: أن يكون لك وطنٌ بهذه الروعة و لا يكون لك ! و كيف أن المشكلة قد استفحلت و تجذرت على مستوى القاعدة المجتمعية، كلّ واحدٍ منّا أصيب بالوباء، و لذلك استخدمت تعبير الحرب الأهلية بكل الدمار الذي تمثّله على كافة الجبهات و خاصة "الاقتتال الداخلي" و التحزّب القبلي، و لذات السبب فإن تصور الحل يبدأ من تحت الأنقاض.
فكما كل الحروب الأهلية، لا يمكن تحقيق العدل الأمثل لإنهائها، و لكن يتم تجرّع دواءٍ مر يدعى "عفا الله عما مضى"، يتم بناءً عليه التغاضي عن كل ما تم ارتكابه من صغار الفاسدين قبل لحظة إعلان استعادة الوطن و التشدد في محاسبتهم بعد ذلك، و أما كبارهم – و أكثرهم معروفون يُشار إليهم بالبنان – فيعيدون أساس ما أخذوه على شكل هبات و مشاريع لا ربحية تستفيد منها الطبقات المسحوقة، و ما تبقى مما ربحوه يقومون باستثماره داخل البلاد لا في بنوكٍ أجنبية، و هم في مقابل ذلك أمنوا المساءلة و المحاسبة التي ستطالهم حال امتناعهم عن القبول بهذه الفدية أو معاودتهم فسادهم القديم، و يتم في هذه الحالة مصادرة كافة أموالهم و ممتلكاتهم و متعلقات أقاربهم من الدرجة الأولى عدا عن نسيانهم في غياهب السجون. إن ثروات بضعة أفراد من هؤلاء كافية لسد الدين العام و انتشال الاقتصاد، و ضرب بعضهم يستعيد للدولة هيبتها و بعضاً من ثقة المواطن بها و بقدرتها على امتلاك زمام الأمور.
بعد ذلك تأتي أصعب المعارك و أهمها، معركة بناء الوطن الذي نحلمه و ربما لن نعيشه لكننا نريد لأولادنا أن يعيشوه. في هذه المعركة هناك قادة و مخطّطون و منظّرون و جنود، كلهم لهم أهميتهم و دورهم، تقع على عاتقهم مهمة إيجاد الطريق و تعبيده ليمّر الوطن بمن فيه سالماً غانماً، و فيما يلي تصور لبعض أهم الخطوات الأساسية في هذه المعركة:
لا بد من وضع مشروع سياسي و حضاري تتجه نحوه بوصلة هدفٍ يكون غاية الناس و محفّز عزمهم في البناء، يتم من خلاله تفعيل إرادة أبناء الوطن و توجيهها إلى طريق النهضة، تتبناه الدولة و يشرف على تنفيذ خطواته النخبة المثقفة و منظمات المجتمع المدني كصلة وصل بين القمة الحاكمة و القاعدة الشعبية، موحّدةً اتجاهها – لا أفكارها و اعتقاداتها – نحو مناطق التوافق و التلاقي جاعلةً من الخوف على الوطن و أولويته على كل ما عداه ناظماً لخطاها.
و بما أنّ التغيير يحتاج إلى قوة السلطة فلا بد من تورطها في عملية التفكيك و التركيب و إعادة الترتيب، و هذا ما ستحاربه مؤسسات الفساد المتغلغلة في مفاصلها، و الحل يكمن في الحيلة القديمة المكشوفة: حصان طروادة. لا بد من العمل على إيصال أشخاص وطنيين قرروا التخلي عن كل مصالحهم الشخصية و المذهبية و التحزبية إلى مراكز القرار و مفاصل تفعيله و ربطه، بحيث يبدؤون في مجال الإصلاح الاجتماعي و التنموي لا السياسي و السلطوي (رغم إعتقادي أن مجالات الإصلاح غير منفصلة عن بعضها، و لكن يمكن التقديم و التأخير في أولويتها). و بالطبع فإن أولى المؤسسات التي يجب أن تعود بفعالية إلى الشعب هي المجلس المسمّى باسمه، بحيث يتم انتخاب أعضائه وفق أسس و قواعد جديدة تعتمد البرامج الانتخابية و تمثيل الحركة النقابية بديلاً عن التوصية الحزبية و شراء الأصوات بشكلٍ مباشر أو غير مباشر.
يقوم الإصلاح المنشود على أساسين: القضاء و التربية. تطهير القضاء لا بد له من اتباع قواعد أكثر صرامة من مثيلاتها في غيره من المجالات بصفته ترياقاً رئيسياً، قد تصل إلى حد الإعدام للقاضي الذي تثبت عليه تهمة الفساد أمام مجلس القضاء الأعلى، و بعد توفير كافة الضمانات المادية و الأمنية لأعضائه، يجب الحرص على استقلاليته التامة، داخلياً عبر منع الانتساب الحزبي أو التنظيمي، و خارجياً عبر "فض الاشتباك" بين السلطات القضائية و التشريعية و التنفيذية، بحيث تستعيد كلٌّ منها موقعها و مكانتها الحقيقية و دورها في بناء الدولة و المحافظة عليها، ناهيك عن عودة كل من المؤسسة العسكرية و الأمنية إلى موقع الحفاظ على الوطن و تشكيل ضمانة لاطمئنان أفراده.
و أما التربية فهي الوسيلة الوحيدة لإنشاء جيل جديد قادر على إنجاز النهضة و مستلزماتها، و مهمتنا تتعلق بتقديم ما يلزمه للوصول إلى هذه الغاية، و نتيجة ضعف الإمكانات الفردية في أغلب العائلات و انحلال الكثير من القيم الإيجابية في عموم المجتمع و فقدان منهجية التفكير و الإبداع، فلا مناص من تحمّل المؤسسات التربوية – المدارس بشكلٍ رئيسي – معظم عبء المهمة في الجيل الأول، ليس فقط عبر تأسيس منهجية التفكير العلمي و تقديم أحدث العلوم و التدريب على تقنيات الحضارة المنتجة لمواجهة متطلبات الزمن المتعولم بكفاءة، بل الأهم أيضاً في زرع حسّ المواطنة منذ الصغر عبر تطبيقات عمليّة و احترام القانون و تساوي الجميع مبدئياً قبل أن يتفاضلوا حسب أعمالهم دون فقدان أساسيات حقوقهم، و إعادة إنشاء مفاهيم الوطنية و الهوية و الكرامة و الأخلاق و المقاصد الدينية وفق معانيها الصحيحة التي تكفل لهم مناعةً دائمة في وجه أي اغتراب قد يعانونه على تراب وطنهم أو غربتهم.
هموم الناس اليومية تتركز في ثلاث قطاعات: العمل (قيمةً إنسانية و مصدراً للدخل) و السكن و الصحة، و لا بد من تركيز الدولة و المؤسسات المدنية المستقلة على تنمية حلول عاجلة صحية تقوم بتأمين هذه المجالات بشكلٍ لائق للجميع، و هذا يحتاج إلى مقالاتٍ مطولة و أكثر بكثير من الجهد المبذول، و يكفي أن نتذكر أن العمل الخيري في سوريا قُدّر خلال عامٍ واحد بـ 400 مليون دولار! لكنه عجز عن تقليص أعداد الفقراء أو تحقيق تنمية حقيقية بين الطبقات الأقل دخلاً، و إن كان هذا في جزءٍ مهم منه يعود إلى شدة الفاقة و تدهور الأحوال المعيشية الأساسية لكثير من أهل بلدنا، إلا أنه أيضاً ناجم عن عشوائية عمل المؤسسات الخيرية و علة إعطاء سمكة بدل تعليم الصيد، بحيث باتت تعجز عن سد الاحتياجات الضرورية لكثير من الفقراء في الوقت الذي يعتاد غيرهم من مماثليهم نمط حياةٍ كسولة تتكل على المساعدات الدورية. إنّ الاعتماد على المشاريع الصغيرة سيقوم بالتقليص من الأعمال المؤقتة التي يعتمدها اقتصاد الظل و يقلّص نسبته المخيفة، كما أن التنمية في قطاعي البناء و الصحة كفيل بتأمين آلاف الوظائف التي ستخفض مستوى البطالة، كما أن مساهمة الدولة في تأمين السكن سيجعلها المضارب الأهم في سوق العقارات الذي يقرر أسعار البيوت الحقيقية و بما يناسب قدرات الناس.
وضع خطط تنموية حقيقية لا ترويجية تكون قابلة للتنفيذ على المدى المنظور و تنعكس نتائجها بشكلٍ إيجابيٍّ ملحوظ على المستوى المعيشي لمعظم الشعب، لا أن تُقام الأفراح على شرف ازدياد نسبة السياحة 12% مع تجاهل أن المغتربين السوريين الذين يزدادون كل عام و زوّارنا العابرين من "الجيران" يشكلون غالب هذه النسبة، و لا الابتهاج بنسب نمو متناقضة تقضم الدعم الذي يعتمد عليه معظم الشعب و تتجاهل التضخم المضطرد و فقدان العدالة الاجتماعية في توزيع الثروات بحيث تركزت فوائد هذا النمو في يد فئة قليلة من الأفراد قامت و تقوم تباعاً بإعاقة عملية النمو بسبب سياستها الاستهلاكية و البذخية من شراء فيلات و سيارات و مليح الأسفار و السهرات. يكفي العيش شهراً على أرض الواقع كمواطن عادي لإدراك ذلك، و العودة إلى تصريحات الرئيس السابق لهيئة تخطيط الدولة د.تيسير الرداوي في آخر محاضراته لفهم فداحة فشل الخطط الاقتصادية القائمة على الليبرالية المتوحشة التي يؤمن بها قادة التخطيط و التحول إلى "اقتصاد السوق الاجتماعي".
لا بد من القضاء على البطالة المقنّعة و استرداد كرامة القطاع العام من خلال استعادته لدوره في إقامة أساسات الدولة و تحسين مستوى موظفيه الذين يتم اعتمادهم بالكفاءة و الخبرة فحسب، و "إعادة تصنيع" طاقات الفائض منهم في وظائف جديدة مع تزويد الجميع بدورات تدريبية على التنفيذ الأمثل لأعمالهم، و رفع الدخل إلى ما يؤمن مستوى مقبول و مضمون من الحياة. بهذا تستعيد الوظيفة مركزها القديم عندما كانت تشكّل حلماً و تميّزاً، و يتم استخلاص أفضل النتائج العملية بدل الترهل و الخسائر الفادحة التي تتميز بها شركات القطاع العام، و يُحدّ من سياسة "التخصيص" التي رأينا نتائجها الكارثية في دول ذات خصائص اقتصادية مشابهة و التي انتهت إلى بيع "عفش الدولة"، و الاستعاضة عن تلك بتعزيز الشراكة مع القطاع الخاص و مكانة القطاع المشترك الذي تحتفظ فيه الدولة بالتحكم و الأفراد بالإدارة.
يجب تفعيل دور السلطة الرابعة / الإعلام في الرقابة الفعالة، بحيث يتجنّب السقوط في شرك الصحافة الفضائحية عبر التشهير الاستباقي أو تصفية الحسابات بين الأقطاب المتحكمة بحيث يكون أداة جريمة في يد أحدها بدل البحث عن الحقيقة و الحق أينما كانا. كما لا بد من تنمية دوره في التوعية (و الحديث هنا يصلح أيضاً عن الفن بكافة أشكاله) و تعميق روح الانتماء و ترسيخ معنى المواطنة عبر ما يقدّمه من مواد تاريخية أو اجتماعية أو إنجازات علمية و حضارية يسجّلها أبناؤنا في الداخل و الخارج. علينا تشجيع و تحفيز الإبداع بكل السبل الممكنة معنوياً و مادياً، و بما يدعم الطاقات الوطنيّة البنّاءة و يشجّع الطاقات المهاجرة على العودة و المساهمة في النهضة الوليدة.
آن الأوان لتقليص المركزية الحكومية التي ترهق كلّاً من الدولة و المواطن و تُعدّ أحد أهم عوامل قوة الفساد، و التحول من السلطة إلى الدولة، بحيث تكف الحكومة و من والاها عن الانفراد بالقسم الأكبر من السلطة و المعرفة و القوة، و تتخذ الكفاءة مكان الولاء معياراً لتولي المناصب و تتبنى منهج المؤسساتية في خدمة المواطن و جعله بحق مصدراً للشرعية و القانون.
و علينا أن نتذكر أننا لسنا وحدنا في هذا العالم، و كما جميع الدول فإننا محكومون بالتغيرات الدولية و السياسية و الاقتصادية و المناخية، و مصدر بقائنا هو أهميتنا بالنسبة لسير التاريخ و التطور الحضاري، و نحن اليوم نواجه حقيقة أننا بعد أن كنا صنّاع حضارة و موالد امبراطوريات بتنا حاشيةً على هامش التاريخ لا أسهل من محوها كأي نصٍّ هزيل، و بدل أن نصنع الأحداث و نرسم مسارها فإنها تسيطر علينا و نكتفي بكوننا في أحسن الأحوال مجرد رد فعلٍ مهما كبر يبقى دون تأثير لا يقدم و لا يؤخر. لذلك لا بد من إعادة صيغ علاقاتنا و تمتينها مع المحيط العربي و الإقليمي على أساس النديّة لا التبعية بكل مستلزماتها، و الارتقاء بهذا التعاون في كل المجالات الاقتصادية و العلمية بحيث تتوسع موارد هذه المجالات لدينا و بالتالي صادراتنا منها أيضاً. كما أن هذا التعاون سيكون صمام أمان نوعاً ما في وجه تحركات الفساد الواسعة، فهو لا يستوطن أرضنا فقط، و يدرك أن قوته في أي بلد تساند قوته المحلية، كما أن انهياره في مكانٍ ما قد يعني تساقط أحجار الدومينو، و لذلك قد يتحرك حتى على أعلى المستويات لقلقلة مسيرة الإصلاح و إيقافها قبل أن تفطن شعوبه إلى عدم استحالة مقاومة العين للمخزر و إمكانية التغيير. هذا يعني أيضاً أن الوقت ليس في صالحنا، فخطوات الإصلاح بقدر ما يجب أن تكون متوازنة واثقة فيجب أن تكون سريعة بما فيه الكفاية قبل أن يبدأ تعثّرها.
قد يتم تنسيبي إلى أصحاب الخطاب الخشبي القديم المتحجّر، و لكن الحقيقة لا يمكن أن تختفي حتى خلف الشمس، و أنا سأختصرها بمقولة للدكتور عزمي بشارة: "أي تحديث و تطوير للعالم العربي و أي نهوض ديمقراطي و أي نهضة سوف يؤدي إلى التصادم مع إسرائيل". ربما تكون إسرائيل قوية، و عدا أن هذا لا يمنحها حقاً في الوجود و الاستمرار، فإننا لا نغفل عن كون قوتها نسبية، و كونها مستمدة أساساً من ضعفنا و تشرذمنا، و هي بإدراكها لذلك ستلجأ إلى طبيعتها الأصلية العنيفة في أي لحظة لمنع التغيير المرجو. إن قضية فلسطين لا تعنينا فقط إنسانياً و قومياً و دينياً، بل هي تتعلق بوجودنا لا بحدودنا مهما حاول السائرون - بعلمٍ أو بغير علم- في الركب الأمريكي إقناعنا بعكس ذلك و توجيه بوصلة الصراع في اتجاهات أخرى تلبي مصلحة الامبريالية الغربية، و ليس ببعيدٍ منا حروب لبنان و غزة بالأمس، و الحرب الإقليمية المتوقعة مع صيف هذا العام أو العام القادم على أبعد تقدير، و دور إسرائيل الأساسي فيها، و مهما كانت النتائج فعلينا أن نتذكر دوماً أن استمرار إسرائيل و لو بعقد سلامٍ مزعوم لن يلغ خطرها علينا في كل لحظة، و أنها تسعى باستمرار إلى تحويلنا إلى كائنات ممسوخة الذاكرة لا تاريخ يحثها، و لا من حلم يشدها أو من أمل تتعلق به، بحيث نبقى مشغولين باستمرار بالتوافق مع الواقع المفروض، لا الواقع الذي نصنعه.
لا نريد عندما تحل المصيبة – و هي آتية عاجلاً أم آجلاً – بشريةً أو طبيعيةً كانت، أن نكون مثل العراق أو هاييتي. إن المناضل الحقيقي هو أول من يضحّي و يؤدي كافة واجباته و يتفانى في التزاماته و آخر من يطالب بحقه في وطنٍ متهالك، فإن كنت تجد في نفسك من الحب لهذا التراب المقدّس ما يكفي فلا تنتظر غيرك و اذهب و قاتل، و ستجد هناك من ثبت على العهد فاشبك ذراعك و كفك بأذرعهم و أكفّهم. إما ذاك و إما أنك ستكون العربي الأخير الذي يقف باكياً على أطلال غرناطة مودعاً إياها إلى الأبد.
أستعير للخاتمة بعض حروف تميم البرغوتي:
"بأيدينا لهذا الليل صبحٌ و شمسٌ لا تفرّ من البنان
بيانٌ عسكريٌّ فاقرؤوه فقد ختم النبـي على البيان"