لابد لنا، ونحن نتكلم عن أحداث الثورة الشمالية ووقائعها وأسبابها ونتائجها، تلك الثورة التي حملت على عاتقها مشعل الحرية مضيئاً، ملتهبا،ً مدة عامين كاملين، تزوده بالزيت من دمائها، وترويه من مضاء عزيمة أفرادها، وقوة إيمانهم. لا بد لنا من العودة قليلاً إلى الوراء، نستذكر الوقائع، وتسلسل الأحداث ، لنخرج من هذه الدراسة والاستقصاء إلى ما كان من قتال مرير بين العصبة المجاهدة التي قاد خطواتها الزعيم الراحل ابراهيم هنانو، وبين جحافل الاستعمار ، وأنه لمن الإنصاف الاعتراف بأن شجرة الحرية التي نستضيء بظلها اليوم، ونتلذذ بثمرها الشهي، قد سقيت بدماء الشهداء حيناً، وبدموع الثكالى حيناً آخر، حتى أينعت ونضج ثمرها.
الزعيم ابراهيم هنانو
1869 - 1935
هو ابن سليمان بن محمد هنانو ولد في بلدة كفرتخاريم عام 1869 م وتلقى دراسته الابتدائية فيها وأكمل دراسته في حلب , ثم سافر إلى الأستانة بعد أن أنهى خدمته العسكرية بستة أشهر ، وحصل على شهادته الجامعية من معهد الحقوق في الأستانة .
عين مديراً للناحية في ضواحي استانبول وتزوج من فتاة من مهاجري أرضروم في بورسه وأنجبت له (نباهت وطارق)، ثم اصبح قائم قاماً بنواحي أرضروم ، ثم عين مستنطقاً في كفرتخاريم ، وانتخب عضواً في مجلس إدارة حلب،وأخيراً عين رئيساً لديوان الولاية ثم انسحب منها وعاد إلى كفرتخاريم منادياً بالجهاد ..
ومما قاله حرفياً:( أيها الناس أمامكم خياران إما أن تفروا وتتركوا أموالكم وأعراضكم وأرضكم وإما أن تتصدوا للاستعمار الفرنسي الزاحف إليكم من اسكندرون ). فبايعه الناس جميعا على أن يكون الزعيم هنانو قائداً لثورتهم وعاهدوه أن لا يتركوا أعراضهم وأموالهم للغاصبين ، ومما ألهب مشاعر الناس زيادة أن الزعيم هنانو أخرج أثاث بيته و أحرقه على مرأى الناس وقال لا أريد أثاثاً في بلد مستعمر ولا أريد أثاثاً يطأه الغاصب فاشتعل الناس حمية. وبعدها انطلقت الثورة وامتدت من كفرتخاريم إلى جبل الزاوية وإدلب وجسر الشغور وخاض الثوار آنذاك أكثر من119 معركة .
عندما ظهرت في حلب طلائع جيش التحرير الذي كان يسيره الأمير فيصل بالنيابة عن والده الملك حسين، متعقبة فلول الجيش العثماني المتراجع ، هب الزعيم ابراهيم هنانو على رأس المئات من الرجال من مسقط رأسه كفرتخاريم، ومن القرى والبلدات المجاورة مدججين بالسلاح لتأييد المنقذين ومؤازرتهم .
فالتقى بسمو الأمير ناصر ابن عم الأمير فيصل في قضاء المعرة، حيث عُهد إليه بتطهير منطقتي حارم وإنطاكية من الفلول العثمانية، والحيلولة دون وقوع الفوضى التي تعقب كل انقلاب، وتأمين الأمن وتثبيت النظام.
فحشد الجموع وسار بها إلى حيث أمر، فبلغ مدينة إنطاكية، بعد أن أقام في الريحانية ((مركز قضاء حارم آنذاك )) حكومة عربية، تأتمر بأمره، وتعمل على إقامة العدل، ومنع الاضطراب .
دخل مدينة إنطاكية في 3 تشرين الثاني عام 1920 ،بعد أن انسحب منها الجنود العثمانيون، وعندما أراد نفر من أبناء إنطاكية، ومن ذوي النفوس الضعيفة تمزيق العلم العثماني الموضوع فوق دار الحكومة ،استنكر الزعيم هنانو هذه المحاولة، وتقدم آمراً بإنزاله محترماً، كما أمر برفع العلم العربي الذي أخذ يرفرف لأول مرة في سماء هذه المدينة، وألقى كلاماً لا يصدر إلا عن قائد شريف، يستلهم الوحي من حديث نبيه الكريم القائل (( ارحموا عزيز قوم ذل ))، وألقى على الحشود المجتمعة الكلمة التالية :
(( إن هذا العلم قد أظل الإسلام والعروبة ستة قرون، فمن حقه عليهم أن يبقى محترما،ً وإن الشعب التركي الذي لا زال يستظل به هو أخ للشعب العربي وإن تفرقا )) .
ولم يكد الزعيم الراحل يعمل على تثبيت الحكومة الجديدة، وتوطيد دعائمها في إنطاكية، حتى وافاه أمر سمو الأمير ناصر، بلزوم حضوره إلى حلب. فأناب عنه لإنجاز مهمته ابن عمه المرحوم عزت هنانو، واتجه إلى حلب، حيث علم أن الجنرال اللنبي البريطاني عملاً بمعاهدة سايكس بيكو المشئومة، أمر بأن تكون إنطاكية وحارم ضمن المنطقة التي ستكون تحت إشراف الحكومة الفرنسية حتى الانتهاء من مؤتمر الصلح الذي سيعقد بعد حين،كما علم أن استدعاءه من إنطاكية كان تدبيراً اتخذه الجنرال اللنبي ، ونفذه الأمير ناصر لمنع وقوع اشتباك مسلح، قد يلجأ إليه الزعيم وصحبه، عندما يحاول الفرنسيون احتلال إنطاكية ، وتنفيذاً لذلك الأمر المجحف حاولت قوة فرنسية احتلال مدينة إنطاكية، و إنزال العلم العربي المرفوع. فرفض عزت هنانو هذا الطلب الذي تقدم به آمر تلك الوحدة الفرنسية، ذلك لأنه لم يتلق أمراً من ابن عمه الزعيم. وكاد يحدث اصطدام مسلح بين القوى الوطنية والوحدة الفرنسية، لولا تراجع القائد الفرنسي عن موقفه، لعلمه الأكيد بأن أوامر سترد من حكومة حلب إلى القوى الوطنية بالانصياع للأمر، والتخلي عن انطاكية وحارم ، وفعلاً فقد أمرت حكومة حلب ذلك الأمر الذي يحز في النفوس، ويدمي القلوب .
أمرت بإخلاء المدينتين المذكورتين إلى القوى الفرنسية القادمة من اسكندرون لاحتلالها، وبهذا تبين أن العهود والمواثيق التي تعقد بين القوى غير المتكافئة تفسر دوماً وأبداً وفق مصلحة القوي، وأن الحق الذي لا يؤيده سلاح وهم باطل، وأمل ضائع .
ولذلك ولكيلا تهنأ فرنسا بالغزو ، وتستقر، فيستقيم أمرها، وتتفرغ لبسط سيطرتها، وبث أعوانها للتعرف على عورات البلاد، رأى الزعيم هنانو بالاتفاق مع بعض القوى السياسية العربية تشكيل شراذم قليلة العدد، سريعة التنقل، تعمل على خلق الفوضى في منطقة الاحتلال الفرنسي، وبث الذعر في نفوس الفرنسيين والمرتزقة من أتباعهم، فتحول دون دفع الأموال لصندوق الدولة، وتقطع المخابرات البرقية والهاتفية، وتضرب على أيدي الخونة الذين يتعاونون مع المستعمر، حباً بالمال الذي يضحون بمصلحة أمتهم، وكرامتها في سبيل الحصول عليه .
ولهذا شكل أول اجتماع في كفرتخاريم من سبعة رجال أشداء، عرفوا بالجرأة والصبر على الشدائد، وهم محمد علي جمعة ، مصطفى أبو درويش ، مصطفى عويد ، علي المغربي ، صالح الشغوري ، برئاسة عبد الرحيم الأفندي.
وسلحوا بالبنادق والقنابل، وأطلقت يدهم في إقلاق راحة المستعمر، وحض الأهالي على التمرد عن دفع الضرائب. واستطاعت هذه الفئة في وقت قليل من إلقاء الرعب في نفوس الفرنسيين، والمتعاونين معهم على السواء، وأوقفت سير عجلة الحكومة، بما تضعه في طريقها من صعاب، وما تنشره بين صفوف الموظفين من خوف واضطراب. لذا أمر الزعيم هنانو بتقوية هذا النظام، وتوسيع رقعة الأعمال العسكرية .
تشكلت لهذه الغاية النبيلة في كفرتخاريم لجنة تشريعية رباعية، امتاز رجالها بالسمعة الحسنة، وهم السادة : عزت هنانو ، ابراهيم الصرما ، محمد درويش كيالي ، نجيب عويد .
وأخذت هذه اللجنة على عاتقها مهمة جمع المال الكافي، لتزويد المجاهدين الذين قد بلغ عددهم الأربعين مجاهداً، وتزويدهم بالسلاح، والعتاد، والرواتب. عندما أعلنت غايتها النبيلة هذه، واستثارت حمية الأهالي، وشهامتهم، تقدموا إلى الصندوق بالدفع، وبلغ ما دفع خلال أربع ساعات خمسمائة ليرة عثمانية ذهبية ، ويعتبر هذا المبلغ بالنسبة لبلدة صغيرة مثل كفرتخاريم كبيراً ، وهذا يدل الدلالة الكافية على أن الروح الوطنية متغلغلة في نفوس أبنائها، تلك الروح التي أحسن استثمارها الزعيم الراحل .
بلغ عدد المجاهدين أربعين مجاهداً , ولكي تكون حكومة حلب على اتصال دائم بالثورة، وبما يجري في منطقتها، ولتمدها بالسلاح والعتاد عند الحاجة إليهما ، أوفدت الفرقة الثانية الملازم ابراهيم الشغوري إلى منطقة العمليات وهو من كفرتخاريم ، ليكون همزة الوصل بينها وبين القوى العاملة في المنطقة الغربية المحتلة من قبل الفرنسيين، وليدرب المجاهدين على استخدام القنابل اليدوية، ويرشدهم إلى ما فيه من إزعاج الخصم، وإلى ما تريده حلب ، فأدى رسالته أحسن أداء، وحمل العبء كما يجب أن يحمله ضابط شاب مندفع، يغار على كرامة أمته واستقلال بلاده .
فكان يخوض المعارك جنبا إلى جنب مع المجاهدين , ولذلك كان جديرا به أن يتولى أمانة سر قيادة الثورة العامة في عهد الزعيم هنانو، وان يحتفظ بمنصبه حتى آخر يوم من أيام الجهاد، وأن يوليه الزعيم هنانو الثقة، فيحتفظ به بين أقرب المقربين إليه، حتى وافى الزعيم أجله المحتوم، وأغمض مرافقه هذا جفنيه بيديه .
لملازم أول ابراهيم الشغوري
1895 - 1967
في أوائل تموز عام 1920 بدأ الجنرال غورو يحتج على تصرفات الحكومة السورية حيناً، وينذرها حيناً آخر، ويتقدم بطلباته التي لو قبلت كلها، أو بعضها، لكان هذا اعترافاً سافراً بالانتداب، وبشرعية الاحتلال الذي يمهد له بالطرق الديبلوماسية المختلفة .
شعر إبراهيم هنانو بقرب الساعة العصيبة، وخشي أن يقبض عليه، وهو مطمئن في بيته، فاستأذن المحافظ رشيد بك طليع، وذهب إلى مزرعته الواقعة في قصير إنطاكية للتربص والانتظار، وقد بقي في مزرعته هذه، حتى فوجئ بخبر استسلام حلب دون قتال، أعقبها احتلال دمشق، بعد قتال شرس ذهب فيه الشهيد يوسف العظمة الذي قدم روحه رخيصة ومن معه من القلة الوطنيين فداءً لتراب الوطن .
في 25 من تموز عام 1920. تلقى الزعيم إبراهيم هنانو برقية صادرة عن الأمير زيد من حماة يقول فيها (( داوموا على أعمالكم السابقة، لا تصغوا إلى حلب )).. استنتج منها أن أعمالا حربية سيقوم بها أحرار البلاد . فأوفد الزعيم هنانو المجاهد نجيب عويد إلى منطقة المعرة لاستقصاء الأخبار وللاتصال بالأحرار في أماكن تواجدهم للتعاون معهم , وبعد غياب اثني عشر يوما قضاها بين المعرة وجبل الزاوية وجسر الشغور وحلب عاد بخفي حنين , وأطلع الزعيم هنانو على حقيقة الواقع , أن لا أمل لثورة في هذه البلاد , فمن يعتقدون أنهم من أولي الشأن في البلاد يتهافتون على التقرب من المستعمر الفرنسي دفعا لأذى قد يأتي منه أو جراً لمنفعة قد تصدر عنه .
و من المسلم به أن المقاتل الذي أضعفت الحوادث أركانه، وعصفت بأمانيه وآماله، تخور قوته، وينهار بنيان مقاومته. فكان لا بد لنا من اللجوء إلى بعض الأسباب , فعُقد اجتماع في بيت الزعيم هنانو وأدخل عليه رسول كان قد أعطاه فيما بينهما مائة وخمسون ليرة ذهبية، وهذا كل ما يملكه الزعيم هنانو ، ووضع بين أيدي الموجودين المبلغ الذي استبدله بعملة فضية، ووضعه في كيس مختوم للدلالة على انه وارد من مكان آخر، وأعلن الرسول أن هذا المال، ما هو إلا الدفعة الأولى المرسلة من الأمير زيد، وأن السلاح والعتاد الوافر في طريقه إلينا، ولن يطول بنا الانتظار. كان ذلك بتاريخ 21 آب 1920.
وارتأى الزعيم هنانو بعد استشارة المجاهدين أن الضرورة ملحة للاتصال بالقوى التركية التي تقاتل الفرنسيين في كيليكيا للاتفاق مع قادتها على تزويد الثورة بالعتاد، إذ أن في ذلك مغنماً ونفعاً للجانبين العربي والتركي على السواء، خاصة وهما يقاتلان عدواً مشتركاً، يقاتلهما لاستعباد
شعبيهما، واستعمار بلديهما.
فبعد أن ثبتت دعائم الثورة وتأكد الزعيم هنانو من قدرتها على صد أي اعتداء التي يمكن أن يشن عليها , غادر إلى تركيا للتفاوض معها والتحالف . وتم ذلك بعد أن تأكد الجانب التركي من وطنية هنانو وسمعته الحسنة التي يتمتع فيها في بلاده وبأنه منع الغوغاء من تمزيق العلم التركي في إنطاكية , وكان التحالف هو تحالف الند للند على أن تمده الحكومة التركية بالسلاح عندما يلزم الأمر .
لقد أبرمت الاتفاقية المشار إليها بين الزعيم هنانو من جهة، الممثل لسورية، وبين الزعيم صلاح الدين عادل بك قائد الفيلق الثاني، الذي أصبح جنرالاً فيما بعد من جهة ثانية، وأدرج في متنها النص الصريح، على أن ما يقوم به إبراهيم هنانو وصحبه من أعمال حربية في سورية،هو باسم الحكومة العربية السورية، كما يفعل الفيلق الثاني لحساب الدولة التركية، وأن ما يعطى للجانب السوري من سلاح وعتاد، يكون هدية مجانية، في الحاضر وفي المستقبل، وتبقى الحدود مفتوحة لتبادل التعاون العسكري عند الحاجة . ووقعت هذه الاتفاقية في السابع من أيلول 1920 . وحمل الثوار السلاح والعتاد وعادوا إلى الأراضي السورية .
وبعد وصول هنانو إلى الأراضي السورية أذاع المنشور الآتي مطبوعاً .
من العــرب وإلى العــرب
ما بالكم ترضخون صاغرين لحكم المستعمر الجائر، وانتم خير أمة خلقت بأن تحكم بالعدل ولا تحكم بالظلم ، ويتسلط عليكم الفرنسي بنقض عهد وخيانة، سودت وجه التاريخ، سيما تاريخ فرنسا الذي يدّعون مجده، وهو يقول لكم أنه جاء منتدباً لحفظ بلادكم، وصيانة استقلالكم، وما ذلك إلا إفك مبين .
بعدما حاربتم كتفاً لكتف في سبيل استقلالكم، خانكم وهزأ بدماء شهدائكم، وما كانت جريمتكم إلا أنكم من أبناء الشرق المسلمين .
أبناء الشرق أحط من البهائم في شرع المستعمر الفرنسي، يُقتلون ويُقتَّلون، لتقام فوق أجسادهم عروش السفاهة في منتزهات الشانزلزيه في باريس، وأنتم غافلون .
استولى على بلادكم ، أجلى ملككم ، أقفل مؤتمركم ، بدد جندكم ، اعتقل وجهاءكم ، هتك أعراضكم ، أحرق قراكم، ثم باللامركزية فرق شملكم ، كل هذا وأنتم بمواعيده تثقون، ولولايته عليكم راضون ، ومن يتولهم منكم فإنه منهم، أفلا تتذكرون ، يتخذ الأديان الطاهرة ستاراً لمطامعه، ويقول لإخوانكم المسيحيين، إنه جاء لينقذهم من الظلم، في الوقت الذي يسحق فيه الملايين من النصارى في ألمانيا وروسيا والنمسا، إذ هو لمن أشد الملحدين .
يابن سورية. بدأ الفرنسي يقتّل أبناءك بأبنائك، حتى أصبح وطنك الهادئ محرقاً لدماء شهدائك الطاهرة ، فانهض من كبوتك للمحافظة على حريتك، وعلى أديانك، ولا تنخدع بهذه المراوغة، فتندم ولات ساعة مندم ، واعلم أن مصيرك لن يكون أعدل من نصيب إخوانك الجزائريين، والزنوج، الذين يقتلون أمامك في غير بلادهم، لغايات غيرهم وهم مكرهون ، انظر حولك تر أرواح الأنبياء ترفرف فوق رأسك، تبشرك بالنصر، وتدعوك للدفاع عن وطنك، مهد الهداية والنبوة ، فما عليك إلا أن تموت شهيداً، لكي تحيى حراً، سعيداً ،لأنك مسؤول أمام الله، والتاريخ، عن أمانتك المقدسة ،لوطن أجدادك، ولا تنظر لمن باع دينه، ووطنه للمفسدين.
نعم يوجد بينكم أناس سفلة، أدنياء، تتهافت على خدمة الفرنسي، وجنديته، لقاء دريهمات، أخذت من جيوبكم، ويقولون لكم أن لا حيلة أمام القوة، إلا الطاعة والسكون، إن أولئك الخونة أشد كفراً، ونفاقا.ً فقاتلوهم أينما وجدتموهم. والله يجزي المحسنين .
وبعد هذا، يوجه النداء إلى قناصل الدول .لافتاً نظرهم إلى ما يجري في سورية، من تقتيل، وتدمير، وانتهاك للحرمات، وما قد تؤدي هذه الأعمال المنكرة إلى عواقب وخيمة، تجر البلاد إلى الفناء. فيقول رحمه الله :
يا حضرات قناصل الدول المحترمين.
إننا لا نقصد من قيامنا بهذا، إلا حفظ استقلالنا، وتأمين موازاة عادلة، على أسس الحرية والمساواة بين جميع الطوائف ، لهذا قد أظهرنا رغباتنا السياسية أمام اللجنة الأميركية ـ ونعني بها لجنة المستر كراين الاستفتائية ـ وصرحنا برفض انتداب فرنسا، لما نعهده من تطرفها، ومطامعها في بلادنا، ولكن أبى مؤتمر سان ريمو ،إلا أن يغلبنا على أمرنا، ليجعلنا ضحية المطامع الجائرة، خلافاً لمواعيد الحلفاء، وقواعد ويلسون، ، إن هذا القرار الذي جرح مشاعرنا نحن السوريين، وهزأ بآمالنا السياسية، قد جعل سورية الجميلة مرتعاً للفظائع، ومحرقاً لدماء الأبرياء، تحقيقاً لمطامع الاستعمار .
في هذه الساعة، التي يموت فيها الألوف، ننفك عن الدفاع عن أوطاننا، حتى الموت. ولسنا بمسؤولين عما يسفك من الدماء في سبيل تحقيق غايتنا المشروعة .
نحن السوريين، نموت، أو نتبلشف، ونجعل البلاد رماداً. ولا نخضع للفرنسيين .
إبراهيم هنانو
وأرفق المنشور هذا، بفتوى شريفة، أفتى بها مفتي الاتحاد الإسلامي الحاج محمد أفندي أبو زادة هذا نصها:
سئل مفتي الاتحاد الإسلامي عن الحكم، في من يسعون في الأرض فساداً، بانحيازهم إلى طرف الأعداء الذين يحاربون الإسلام، ويستولون على بعض البلاد الإسلامية، وعمن يتخذهم أولياء، أو ينخرط في جنديتهم، أو يعد لهم أسباب القوة بتقديم المؤن والذخائر. فأجاب حفظه الله:
((إن أولئك من أكبر السعاة بالفساد، يُثاب قتلهم )) .
لقد صادف أن جاء وفد من جبل صهيون ( الحفة ) بعد المنشور،على رأسه المجاهد السيد عمر البيطار، للاتصال بالزعيم، والتعرف عليه، والانضمام إلى ثورته ، التي كان لها صدى مستحسن في نفس كل محسن، وكل عربي. وكان السيد عمر البيطار، يمثل ما لا يقل عن المائة ثائر في منطقة الحفة ، حملوا السلاح في وجه المستعمر، دفاعاً عن كرامتهم المهانة، وحقوقهم المغتصبة . فجاء وفدهم المذكور إلى الزعيم هنانو، يعرض الانضمام إلى حركته الثورية، والعمل تحت لوائه .
حمّلهم الزعيم هنانو كتاباً إلى الزعيم التركي صلاح الدين عادل، يرجوه فيه تزويدهم بما هم بحاجة إليه من سلاح وعتاد، ويحثه على إرسال السرية التركية والمدفع، اللذين عرضهما عليه سابقا ,ً بأقرب وقت ممكن. ولم تمض أيام قلائل، حتى أتى خبر وصول السرية التركية مع موفدي جبل اللاذقية ، بقيادة الرئيس بدري الشركسي.
وعند الاستقبال، تساقطت من العيون دموع الفرح، خاصة، وهي تنظر إلى العلم المرفوع فوق مقر هذه السرية، وقد صنع بشكل يوحي إلى وجود الأخوة بين العرب والأتراك ، بحيث صنع أحد وجهيها علماً عربيا،ً والوجه الآخر علماً تركيا،ً
وزنر كلاهما بوشاح أبيض، نقش على الوجه الأول منه بالقصب الآية الكريمة (( إنما المؤمنون أخوة)) ، وعلى الثاني ، (( فأصلحوا بين أخويكم)).
كانت السرية مجهزة بالرشاشات وبمدفع جبلي واحد ولم يكن الهدف من دخولها الأراضي السورية زجها في الأعمال القتالية بل لرفع الهمم وشحذ نفوس المجاهدين .
في 26 تشرين الثاني من عام 1920 ،أراد الزعيم هنانو ، ولعدة أسباب . منها رفع معنويات الجنود الثوار، ومخاطبة الفرنسيين باللغة التي لا يحسنون غيرها، وهي لغة القوة، وفتح الطريق بين ثوار الشمال، والمجاهد الكبير المرحوم الشيخ صالح العلي، الذي كان يُتصل به بالتراسل . وبالتالي الإعلان للشعب، أن ثورة الشمال هي حقيقة لا خيال، وقوة لا وهم .
للأسباب هذه، ولتحطيم الجبهة العسكرية الفرنسية، قرر مداهمة جسر الشغور واحتلالها . وتم له ذلك بعد أن تم قصفها بالمدفع وأطبق المجاهدين عليها من كل الجهات , واستسلام من كان فيها من الفرنسيين والدرك السوريين وكان عددهم نحو 600 دركي . فأخذهم الزعيم هنانو بالحلم وأنبهم تأنيب الأخ لأخوته, لاستخدامهم لدى الاعداء , وصفح عنهم على ألا يعودوا للخدمة عند الفرنسيين , فالتحق كثير منهم بالثورة وبقوا أوفياء لها حتى آخر يوم من أيامها .أعطيت الأسلحة المصادرة إلى مجاهدي جبل صهيون لتقوية أنفسهم ولصد أي هجوم فرنسي محتمل , وأُرسل الأسرى الـ 25 وبينهم ضابط إلى بلدة كفرتخاريم ليُعتقلوا فيها , وجريا على العادة لم يسمح بأي سلب، أو نهب، أو تخريب، أو اعتداء .
كثرت المعارك وكانت ثورة الشمال تزداد قوة وعددا وتنظيما خاصة بعد صد هجوم من قوة فرنسية بعتاد لواء وتدميرها بشكل شبه كامل, كانت قد توغلت في بلدة كفرتخاريم ليوم واحد فقط .
وأنشات الثورة جهاز (درك ) لحفظ الأمن في المناطق التي تسيطر عليها , وعلى هذا، نظمت القيود للجباية والصرف، وبلغ عدد المجاهدين المئات ، كما شكلت مفارز في البلدات المجاورة لمعقل الثورة ، يتراوح تعداد كل منها بين العشرين والثلاثين مجاهداً. وهؤلاء كلهم ،لا عمل لهم إلا الجهاد، وحفظ الأمن، وتنفيذ الأوامر التي تصدر عن الزعيم هنانو، أو عن قائد الثورة السيد نجيب عويد ، كما وأنه وجد من اللازم تهيئة قوة احتياطية في كل بلدة وقرية، تلتحق بالمجاهدين عند حدوث معارك، تستدعي انضمامها إلى الثورة، وتعود بعد ذلك للعمل في الحقل، وكأنها لم تحمل السلاح، أو تستعمله في وجه الغاصبين . كما أنشأت الثورة محكمة عسكرية لمحاكمة الفرنسيين وكل من يتعاون معهم – وقد كانت الثورة قد أعدمت اثنين من الثوار الأوائل لأنهم استخدموا سلاح الثورة في عمليات الإغارة والسطو - . فلم يكن هناك أحد فوق المصلحة العامة .
توسعت الثورة وازداد تنظيمها واشتدت قوتها وامتد انتشارها واتسعت المناطق التي تقع تحت سيطرتها , وبدأت الحملات الفرنسية تحاول تدميرها وضعضعة بنيانها بشن الهجمات التي كانت تمنى بالفشل رغم التفوق العددي الذي يميز قوات الاحتلال آنذاك .
ففي 3 شباط 1921 مني الجنرال غوبو وحملته بهزيمة مذلة تم للثوار فيها مصادرة الإمدادات الغذائية التي كانت ترافقها وتوزيعها على مستحقيها بعدل ومساواة
في 10 من شباط 1921 سيرت القيادة الفرنسية حملة، بقيادة الكولونيل ديبويفر، قوامها أربعة آلاف جندي لاستعادة الهيبة السليبة، والسيطرة الضائعة في منطقة قضاء إدلب، وبقية المناطق المأهولة بالثوار . ولم تقو هذه الحملة على مواجهة المجاهدين وجها لوجه فقامت بسلسة من الإعدامات في كل قرية أو بلدة يشتبه بأن أحد أبنائها يقاتل في صفوف ثورة هنانو .
عويل النساء، وبكاء الأطفال، واسترحامات الشيوخ ، لم تجد في صدر هذا المجرم مكاناً للرحمة، أو تحرك في قلبه المتحجر عرقاً ينبض بالشفقة ،كما لم يكن بداخله عدل ولا إنصاف .
لم يسع سلطة الاحتلال تجاه أعمال هنانو المنطوية على عزم وحزم ، إلا أن بعثت بأحد رجالها الجزائريين, للتأثير عليه، عله يستسيغ العرض، والمال الحرام، والجاه المكذوب، فيجيب السلطة إلى ما تريد، كما أجابها غيره من قبل ومن بعد . فقد جاء المبعوث ليفاوض الزعيم في أمر إنهاء الثورة، وإحلال السكينة، ويعرض عليه ألقاباً ضخمة ومناصب ونفوذ، وأموالاً جمة ،وعفواً شاملاً . كما يعرض عليه رئاسة حكومته لنفسه، ومناصب لإخوانه العاملين معه . فأجابه هنانو ( متى كان للمجرم أن يصفح عن البريء، وللدخيل أن يسمح لصاحب البيت في الإقامة فيه، وبعد ذلك يمنحه فيه كرماً ) ؟
و مكّن الزعيم هنانو رجل سلطة المحتل من الاختلاط بالأهالي، والتحدث إليهم، لينقل إلى أسياده صورة حقيقية عن الثورة، وأنها ليست عبارة عن هنانو، ومن التف حوله من المجاهدين، بل إن أبناء البلاد كلهم يؤمنون بها و يؤيدونها، ويمدونها بكل ما يستطيعون. وكلهم حاقد على الفرنسيين العاملين على إذلال الشعب الذي آزرهم في الحرب العالمية الأولى .
لقد عاد وفد السلطة إلى عملائه بصورة حقيقية عن الزعيم، وعن أعماله، وشدة تعلق الشعب به، لعدله ولإقدامه لوحده، بعد أن جبن غيره على مواصلة القتال، والثأر للكرامة، من أعظم جيش عرف حينذاك .
بتاريخ 20 شباط 1921 ،أوفد المجاهد الكبير الشيخ صالح العلي ،المجاهد المعروف هزاع أيوب، للاتصال بالزعيم هنانو، كي يمهد لمجاهديه الحصول على العتاد من تركيا، أسوة بثورة الشمال، وتوحيد الجهود، وتقويتها ما أمكن، بتشديد الضغط على الفرنسيين المستعمرين . وقد وعده الزعيم هنانو بتزويده بما يمكن من عتاد، لتأمين توثيق الروابط بين مجاهدي هنانو والشيخ صالح العلي، ومؤازرتهما لبعضهما عند الضرورة .لذلك كان لا بد من إقامة حصن للارتكاز عليه، يتوسط منطقتي الجهاد، وكانت إرادة الله وحدها هي التي تهيئ الأسباب، وتمهد الطريق لهذه الغاية .
في 27 شباط 1921 قرر المجاهدون في جبل الزاوية الاتصال بالزعيم هنانو وعرض المؤازرة عليه وأرسلوا وفدا إلى كفرتخاريم لعرض الفكرة وطلب المعونة . فزودوا بالعتاد ورافقهما إلى جبل الزاوية وفد من ثورة هنانو . عقد اجتماع كبير في قرية مرعيان، ضم وجهاء الجبل وأعيانه، قرر فيه الانضمام إلى ثورة الشمال، وربط مصير الجبل بمصير ثورة هنانو . التي صارت تضم منطقة إدلب وحارم بقيادة المجاهد نجيب عويد , ومنطقة جبل الزاوية بقيادة المجاهد مصطفى الحاج حسين , ومنطقة أنطاكية والقصير وجسر الحديد بقيادة المجاهد الشيخ يوسف السعدون , ومنطقة جبل صهيون وجسر الشغور بقيادة المجاهد عمر البيطار
وعلى هذا، أعلن العصيان في منطقة جبل الزاوية. وكانت باكورة الأعمال، طرد جابي الحكومة الذي جاء يطالب بالضرائب
فسيّر الفرنسيون إثر ذلك حملة تعد ألفاً أو تزيد، مجهزة بمختلف الأسلحة للقضاء على التمرد الجديد في مهده، والضرب بيد من حديد على من تسول لهم أنفسهم العصيان. فكمن المجاهدون لهذه الحملة في أعالي جبل الأربعين، وأصلوها ناراً وقودها الجند. . وما كاد المساء يقترب، حتى انسحب الجند من حيث أتوا ،يجرون أذيال الخيبة المريرة. وقد تركوا في الساحة سبعين قتيلاً ،معظمهم، ويا للأسف الشديد، من الجزائريين المنكوبين بالحكم الفرنسي الغاشم .
وسيّروا بعدها حملة تعدادها 4000 آلاف مقاتل قتل منهم ما يزيد عن ال 1500 وهرب الباقون بعد قتال شرس استمر اربعة ايام مع المجاهدين في جبل الزاوية .
بسبب كثرة المعارك التي خاضتها الثورة واتساعها , أصيبت بنقص شديد في العتاد والذخائر , ولعلم فرنسا بهذا جمعت أكبر عدد من الجنود لاحتلال بلدة كفرتخاريم المعقل الرئيسي للثورة .
في السابع من شهر آذار سنة 1921 ، سيرت من اسكندرون حملة قوامها سبعة آلاف مقاتل، بقيادة القائد ديبويفر .ومن إدلب حملة قوامها ثلاثة آلاف مقاتل .
ومن جسر الشغور حملة قوامها خمسة آلاف مقاتل بقيادة العقيد أندريه , الذي أرداه المجاهدون قتيلا لحظة بدء العمليات العسكرية وتم نقله إلى حلب بطائرة حربية وأبنه الجنرال دي لاموت تأبينا مؤثرا وكان مما قاله مخاطباً آندريه هذا (( لقد كنت في كل المعارك التي خضتها بطلاً يشار إليه بالبنان، وقد أكسبت أمتك في حرب المارن، فخراً يسجله لك تاريخنا العسكري بمداد من الفخر، ويؤسفنا أنك قضيت بأيدٍ أثيمة، آتيتها لترشدها، وتنهض بها إلى مستوى الأمم الحية، والشعوب الراقية . إلا أن الهمجية أبت إلا أن تسيء إليك، فتفجعنا، وتفجع الجيش الفرنسي بك، وسيرى الأشقياء ما جره عليهم مقتلك من عذاب وتنكيل ))!!!! متوحشون رغماً عنا , رغم أننا محتلون وندفع ثمن الحرية الباهظ ومع ذلك يجدنا ذاك المرتزق – وما أشبه مرتزقة اليوم بمرتزقة الماضي – مجرد همج آثمين ؟! ... خسئت
وبدأت المعركة غير المتكافئة بالعدة والعدد وأبى المجاهدون إلا أن يفهموا الفرنسيون أنهم مستمرون في مقاومتهم حتى النهاية وإن لم يستطيعوا إلقاءهم في البحر فلن يتنازلوا عن حقهم في تنغيص عيشة المحتل وجعل إقامتهم في سوريا بركانا تتقاذفهم حممه وتبتلعهم حفره .
استنفذت هذه المعركة البقية الباقية من العتاد الاحتياطي، ولم يبق لدى أي مجاهد إلا ما يحمله في جعبته، وهذا لا يكفي لحرب كهذه، تمتد كل هذه الأيام. لذلك تقطعت المقاومة رويداً رويداً. و انقطع تجاوب الرصاص إلا نادراً، وانسحب المجاهدون إلى جبل الزاوية وجبال دركوش والجبل الأعلى , وتم احتلال بلدة كفرتخاريم .
في الخامس عشر من نيسان 1921 ، جاء لواء فرنسي بقيادة الزعيم ( فوان )، يحاول الصعود إلى جبل الزاوية، لاحتلاله عن طريق أريحا ، فتصدت له المخافر الأمامية المقامة في جبل الأربعين، واشتبكت مع طلائعه بمعركة دامية. وحدثت قصة يطول ذكرها انتهت إلى عقد هدنة مؤقتة بين الزعيم هنانو والزعبم ( فوان ) الذي كان يتحلى بالصدق والشرف وطيب القلب وعزة النفس .
أدت هذه الهدنة إلى مفاوضات بين الزعيم هنانو والجنرال غوبو الذي بدأ مفاوضاته بإملاء شروط الاستسلام أولا , وبعد أن تنفذ هذه الشروط، تشكل حكومة في أقضية حارم - إدلب - جسر الشغور - المعرة وقسم من انطاكية، وقسم آخر من جبل سمعان ، وتسند رئاستها إلى ابراهيم هنانو ، على أن تكون صلاحياته فيها أوسع من صلاحيات باقي الحكام .
فأجاب هنانو الجنرال ( (إن الفرنسيين دخلوا سورية رغماً عن رغبة سكانها، فلينسحبوا منها إلى خارجها ، وليعلن في البلاد إجراء انتخابات حرة، حتى إذا ما تمت هذه الانتخابات في جو حر وهادئ ،واجتمع المجلس المنتخب ، فإن ابراهيم هنانو يكون في طليعة الذين يرضخون لمقرراته، ولو كانت قبول الانتداب الفرنسي ، على أن يتعهد الجانب الآخر باحترام هذا القرار، مهما كان نوعه)). وقال أيضاً: ((إن من موجبات نقمة السوريين على سياستكم الاستعمارية إقامة هذه الدويلات، فهل أرضى لنفسي رئاسة دويلة، أحاربكم من اجل تمزيق البلاد إلى دويلات مثلها))
بعد فشل أسلوب التهديد وإملاء شروط الاستسلام بدأ الجنرال غوبو يعرض الرشوة على الزعيم هنانو الذي رد عليه بجواب قاطعِِ وحاسم (: إن لي من الملك ما يكفيني العيش الهانئ ، وأنا لم اثر في وجهكم جراً لمغنم، أو طلباً لمنصب، أو رفعة، وهذه الوضاعة بعينها ، وعند انقضاء الهدنة، ننظر إلى المستقبل، ونتحدث عنه، فيما إذا كان ما ستتلقونه من قيادتكم، وما يجمع عليه رؤساء الثورة، يشجع على المضي في الهدنة، ويوحي إلينا بإمكان التفاوض، والوصول عن طريقه إلى ما يرضي، ويزيل الشحناء .)
افترق الزعيم هنانو والجنرال على غير اتفاق ، والجنرال يحترق من الغيظ، لما لحقه من الإهانة الأدبية، بسبب احتقار عرضه، وقلة اكتراث، بسطوته وكثرة جنده .
انقضت الأيام الثلاثة المتبقية من الهدنة صباح 20 نيسان 1921 ،وتسلق الجند الفرنسيون جبل الزاوية الأشم من بضعة نقاط ، في شرقه وشماله، تؤازرهم المدفعية الجبلية، ومختلف الأسلحة. والطائرات تلقي حممها على المجاهدين المستبسلين ، وأنهم رغم قلة عددهم لا يتخلون عن شبر من الأرض، حتى يقبضوا ثمنها باهظاً من أرواح الأعداء ، حتى لا يتهيأ للغزاة أنهم داخلون فتحاً هيناً مرغوباً لبلدٍ كُبلت بالمؤامرات والخونة والظروف الدولية .
فانسحب الثوار أخيراً بعد أن كبدوا المحتل مئات القتلى والجرحى بعد أن فرغ عتادهم وعديدهم , وبعد أن واروا شهداؤهم الثرى وحملوا جرحاهم إلى جهات متفرقة . واحتُل جبل الزاوية المعقل الثاني للثورة .
اشتد الضغط على الثورة بسبب ما احضر من قوات فرنسية من كيليكيا , وفتح باب التطوع على مصراعيه , فأصبح الجيش الفرنسي في سوريا ولبنان يبلغ خمسة وأربعين ألفا كاملي العدة والعتاد لا ينغص عيشهم إلا بضع مئات من المجاهدين بزعامة ابراهيم هنانو , وبضع مئات آخرين بزعامة الشيخ صالح العلي , يعملون في منطقتين متجاورتين , يجلبون السلاح مما يغتنموه من العدو , ومما يجلبونه من تركيا التي بدأت تتفاوض مع الفرنسيين لتوقيع الهدنة مقابل عدم تزويد المجاهدين السوريين بالسلاح والعتاد .
تم توقيع الهدنة بين الاحتلال الفرنسي والحكومة التركية , وأعلنت الحكومة التركية للثوار أنها لن تستطيع إمدادهم بالسلاح اللازم لأنها وقعت اتفاقية الهدنة مع الجانب الفرنسي , وتعهدت ببعض بنودها بعدم مؤازرة المجاهدين .
اتصل الزعيم ابراهيم هنانو بالشيخ صالح العلي , الذي لم يكن أقل منه مرارة وخيبة أمل , وأرسل السعاة إلى الأمير عبد الله الذي كان يعد هنانو بالعون والتسليح , دون أن يرى منه إلا بعض الأعداد من جريدة ( الحق يعلو ) التي كانت تنسخ في أربد .
تنفيذا للاتفاقية المبرمة بين تركيا وفرنسا , أرسلت تركيا العقيد أوزدمير على رأس مائة خيال لإبلاغ السرية التركية التي لم يتم إشراكها بأي عمل قتالي بل احتفظ بها كرمز للتآخي العربي التركي بالتهيؤ للعودة إلى تركيا , و للاعتذار من الزعيم هنانو عن هذه البادرة غير المستحبة ولدعوته اللجوء إليها , بعد أن وعدته بحسن الوفادة وطيب الإقامة في ربوعها , ريثما تتاح الفرص فيعود لإنقاذ بلاده من غاصبيها الفرنسيين .
الأمر الذي رفضه هنانو وعقد اجتماعا سريا مع قادة الثورة ورؤسائها وبقية المجاهدين لإعادة النظر في أمر تشكيلات الثورة ، وجعلها وحدات صغيرة تختص كل منها في منطقة معينة لها، تواصل النشاط الحربي فيها، على أن تتجنب الاشتباك في معركة تستدرجها إليها الوحدات الفرنسية في الأراضي السهلية ، وأن يكتفى بأعمال الكرّ والفرّ، والانقضاض على وسائط التموين المعادية ، والدوريات والمخافر، إلى غير ذلك من أسباب الإرهاق والتضليلة .
رويدا رويدا بعد ذلك بدأت تضعف شوكة الثورة , وبدأت قوات العدو المعززة بوحدات إضافية من الشمال تتجول في مناطق الثورة التي لم تكن تجرؤ ألويته وفرقه سابقا على الاقتراب منها .
في الأول من تموز 1921 أعلن بشكل رسمي عن الاتفاقية التركية الفرنسية , فكان لهذا النبأ المرتقب الوقع الأليم في النفوس، فهز منها المشاعر،وأرسل من العيون الدموع ،لا خوفاً من المستقبل المظلم، ولا رهبة من العدو، بل أسفاً على جهاد لم يعد بالإمكان متابعته، وعلى أوطان تسلم للغاصب وفي العروق دماء تتدفق وفي الصدر قلب يخفق .
قرر بعض المجاهدين الانتقال إلى تركيا والانطلاق منها لشن هجمات على الوحدات الفرنسية المتواجدة في الأراضي السورية الشمالية وظلوا على هذه الفترة بضع سنين
بينما قرر هنانو مغادرة مسقط رأسه في كفرتخاريم إلى الأردن لمقابلة الأمير عبد الله برفقة المستشار الإداري السيد عمر زكي الأفيوني، والمقدم الركن خالد ناطق أحمد،وكل من الملازمين هاشم وإبراهيم الشغوري، والمرحوم مظفر السباعي، ومحمد الصيداوي، وخليل البيروتي، والرئيس البلغاري الذي كان قد التحق بالثورة هارباً من الفرقة الأجنبية الفرنسية مع عشرة من جنوده البلغاريين والنمساويين ، والسيدان حقي هنانو أخو الزعيم، وراسم سلطان من طرابلس الشام، وصبحي وخيرو اللاذقانيان، وعدد من الجنود بلغوا بمجموعهم الأربعين، يرشدهم إلى الطريق المجاهد هزاع أيوب .
تمكن الفرنسيون من تأليب القبائل البدوية المتواجدة بين بادية المعرة وحمص ضد هنانو وصحبه , بعد أن أبلغوهم أن هنانو وصحبه استولوا على المال الوفير والتحف النادرة من مختلف البلدان في الشمال في طريقهم إلى الجنوب للتنعم بهذا المال المنهوب .
فما كان من هؤلاء الأعراب، وقد غرهم بريق الذهب المرتقب، المملوء بالحقائب والجعب ، إلا أن نفروا خفافا وثقالاً , تربطهم رابطة الطمع , ليبدوا إخوانا لهم في الدين والوطن , وليميتوا الروح الوطنية , وليطفئوا سراجها المتقد الوهاج .
في 14 تموز 1921 , هاجمت هذه الحشود الزعيم هنانو وصحبه الأربعين , وكان من المؤلم حقا أن لا يوجد بينهم من أكبر قائد إلى أصغر جندي فرنسيا واحد , بينما كان يرافق المجاهدين جنودا بلغاريين ونمساويين بينهم ضابط برتبة رئيس – استشهد في هذه المعركة – يستبسلون في الدفاع عن قضية بعض أبنائها أعداء لها .(( ما أشبه اليوم بالأمس يا مرتزقة المناصب و مداهني الاحتلال كيفما كان و حيثما صار))
تمكن هنانو مع أحد من المجاهدين واسمه خيرو اللاذقاني من كسر الطوق المطبق عليهم والنجاة من هذا الهجوم بينما وقع أصحابهم بين شهيد وأسير بيد المهاجمين .
توجه هنانو إلى حمص ثم إلى دمشق ثم التحق بقافلة تقصد العرب الأشم , وكان متخفيا إلى أن تعرف عليه أحد ضيوف المجاهد سلطان باشا الأطرش وأبلغه بذلك , فما كان من المجاهد سلطان باشا الأطرش إلا أن عانقه ورفعه إلى صدر المجلس وقال له : ( أتخشى الأعداء وأنت في ضيافتي ، فو الله لن ينالك الفرنسيون، وفي بني معروف قطرة من دم ) .
انتشر الخبر وطالب المستشار الفرنسي تسليمه إليه , فرفض سطان باشا الأطرش طلبه بشموخ وإباء. وأرسل مع هنانو مرافقين وعلى رأسهم المجاهد السيد جبيلي عبيد لإيصاله إلى مأمنه عند الأمير عبد لله رحمه الله .
بقي أربعة أيام، يحاور سموه، ويداوره في أمر النجدة المرجوة، ليعيد الكرة، ولكن دون جدوى , فتمالكه الغضب، وأظهر أسفه على الأيام الطوال التي مرت به، وهو يعلل نفسه، ويمنيها بأطيب الأماني .
من هناك أبرق لأهله ، يطلب مده بالمال إلى القدس التي قصدها للحصول على جواز السفر، ليمكنه من اللحاق بالقاهرة، ليلتقي بالأمير المجاهد ميشيل لطف الله .
فيما الزعيم في مدينة القدس، ينتظر ورود الحوالة المالية إليه، ويسعى للحصول على جواز سفر، داهمه في الفندق رجال الشرطة البريطانية، واقتادوه إلى التوقيف، حيث كبل بالحديد، وسلم للفرنسيين في بيروت، ليقتصوا منه، وكأنه مجرم لا إنساني !!
في 15 آذار 1922م بدأت محاكمة الزعيم إبراهيم هنانو التي تعتبر من أعظم القضايا التاريخية المشرفة شأناً في تاريخ الجهاد الوطني ، وقام بها محام لامع في دنيا المرافعات القانونية الأستاذ فتح الله صقال وانتهت ببراءة هنانو من التهم السبع الموجهة إليه.
في عام 1925 نشبت الثورة السورية في جبل العرب وفي الغوطة، فاتصل الزعيم هنانو بإخوانه المجاهدين المقيمين في تركيا، وطلب منهم دخول الأرض السورية، لمقارعة الفرنسيين في الشمال، لتخفيف وطأتهم في الجنوب وقام بعض الشرفاء ومنهم الحاج فاتح أفندي المرعشي، والسيد نجيب عويد، وإحسان بك الجابري بالاتصال برجالات تركيا، يرجون السماح للمجاهدين بعبور الأرض السورية لمؤازرة إخوانهم مجاهدي الجنوب، وقد كان للمشير فوزي جاقماق رئيس أركان الجيش التركي أطيب الأثر في تزويد من انتدبوا لهذه الغاية، بما هم بحاجة إليه من سلاح وعتاد، وعددهم ستة وتسعون مجاهداً ،بقيادة الرئيس الشيخ يوسف السعدون، والرئيس الشهيد مصطفى الحاج حسين، والمجاهد الشهيد عقيل الاسقاطي ، وقد اجتازت هذه السرية الحدود السورية التركية في منتصف شهر كانون الأول عام 1925. وعادت إلى تكرار عملياتها القتالية السابقة ضد الفرنسيين, لأيمان رجالها بالرغم من قلة عددهم أنها يستطيعون تخفيف الضغط عن إخوتهم في الجنوب بإنزال الخسائر في عدو خبروه وعرفوا تماما حجم قوته .
استشهد في هذه المعارك الرئيس مصطفى حاج حسين والمجاهد عقيل الاسقاطي .
أصبح هنانو بعدها أحد أعضاء الكتلة الوطنية، وتولى زعامة الحركة الوطنية في شمال سورية. في عام 1928 تم تعيينه رئيسا للجنة الدستور في الجمعية التأسيسية لوضع الدستور السوري، إلا أن المفوض السامي الفرنسي سعى إلى تعطيل الجمعية التأسيسية والدستور مما أدى إلى خروج مظاهرات تطالب بتنفيذ بنود الدستور. وفي عام 1932م وفي مؤتمر الكتلة الوطنية انتخب إبراهيم هنانو زعيما للكتلة الوطنية. و في عام 1933م لعب دوراً في استقالة حكومة حقي باشا العظم، بسبب نيتها الموافقة على المعاهدة الفرنسية.
في 21 تشرين الثاني 1935 فجعت البلاد بوفاة الزعيم ابراهيم هنانو اثر مرض السل , وقد روع هذا الخبر جميع المدن السورية , وأقيمت له مراسم تشييع ودفن في حلب حضرها ممثلون من المدن السورية والدول العربية والأجنبية , ومشى الناس خلف موكب جنازته أربع ساعات إلى أن دفن في المقبرة التي سميت باسمه ( مقبرة هنانو ) ودفن إلى جواره فيما بعد سعد الله الجابري رحمه الله .
في ذاك العهد , ظهر رجال وطنيون شرفاء هبوا وقت الشدة و العوز لوطنيتهم في وقت تعزّ فيه معادن الرجال عند امتحان الولاء لوطن مكبل بفتن و أزمات يصدّرها و يصنّعها دخلاء على الوطن و مصالحه لكن صمود تلك الثلة المجاهدة المرابطة و عزيمتهم و وطنيتهم التي أثبتت صدقها في وقت الحاجة تدفعنا للتساؤل عن نوعية رجال صنعوا الجلاء و يستحقون منا في ذكراه كل الاحترام و الوفاء.....
فرغم كل الإغراءات بالمناصب و المال و السلطة رجحت لديهم كفة الوطن في ميزان الحق مما جعل منهم نبراساً تقتدي به أجيال لاحقة تعلموا منهم معنى الصمود و معنى العزة و الإباء، فلا مال و لا سلطان كان سوى للوطن و أهله و ترابه الغالي الذي يفيض نوراً كونه بُورك برسالات السماء، فطوبى لهم مسك السيرة و حسن الختام.
المصادر
- مذكرات المجاهد الملازم أول ابراهيم الشغوري ( غير منشورة )
- الندوة التكريمية للزعيم هنانو- محمد خالد عمر
- الثورة العربية في الشمال السوري - فايز قوصرة .



