"يشبه الوطن المفقود جثة أحبّ الأقرباء،
ادفنها بإجلال و آمن بالخلود"
الشيخ "أستغفر الله" عام الرحيل – كتاب غرناطة
أتمهل بسيارتي إلى يمين الشارع العريض، أترجل و أقف على أطلال خيالٍ من الماضي، أنظر إلى مربعٍ وهميٍّ صغير سوّده الأسفلت الجديد، كان يحتله دكان العجلاتي الذي انطبعت كلماته الصادمة في ذاكرتي قبل عشرين عاماً: "** إختك يا أبي ليش ما ورتتني ملايين؟". صرخ تلك العبارة بأعلى صوته خشية أن يدهسها تشفيط عجلات المرسيدس التي كان يقودها مراهقٌ لم يبلغ السادسة عشرة من عمره.
أجيل النظر حولي. في الجو ريح يأسٍ تعبق بأنفاس الناس السائرة دون هدف،
كنت ظننتني اعتدتها في زياراتي الأخيرة قبل أن أفهم أنها استفحلت في رئتيّ أنا أيضاً، و تهرع إلى الذاكرة المتعِبة جريمة قتلٍ قبل أشهر، اختطف الصائغ أجيرُه السابق، و عندما عاتبه على فعلته رد عليه بالشتائم و أجهز عليه، لا بواحدة و لا اثنتين، بل بإحدى و عشرين طعنة ..
يكفي أن تفتح صفحة الحوادث كي تذهلك أخبار من قبيل مشاجرات جماعية تبدأ لسفاهةٍ أو تفاهة و تنتهي بعدة قتلى، حالاتٌ متزايدة من الانتحار، ارتفاعٌ غير مسبوق في حالات الاغتصاب و درجة عنفه خاصة تجاه الأطفال. الجريمة على الأرض من عمر ابني آدم، لكن استقراءها هو الذي يختلف. هناك حقدٌ يمزق المجتمع و قيمه، و عنفٌ اجتماعي ينفجر داخل الأسرة الواحدة، ما عاد هناك رضى بل في أحسن الأحوال تسليمٌ و استسلام للواقع في انتظار الموت، الغضب يطل من خلف العيون التي لن تتردد في الرد على أي نظرةٍ شزرة بقبضةٍ أو أسوأ .. ماذا يحصل للحب الأول.. للوطن؟
الشفاء يتطلب صحة التشخيص و دقته لنعلم العلاج الملائم، و كلما كانت درجة الوعي كبيرة كان الفكر هو الذي يسيطر على الواقع و يوجهه، و وضع سوريا اليوم الذي يتجاوز (التخلف) بمراحل يحتاج إلى فهمٍ و مراجعة بكثيرٍ من الوعي، لماذا نفقد الوطن كل يوم ذرةً ذرة؟ الأجوبة بعدد قرّاء هذا المقال، و يبلغ التضارب بينها أحياناً حد التعاكس، و لهذا يلزمنا توحيد البوصلة لتتضافر الأفكار و النوايا في الاتجاه المجدي عوضاً عن تضييع الوقت في (حروبٍ كروية) يقتتل فيها المشجعون و يتعادون لأجل هواءٍ فاسد محصورٍ في بعض المطاط الذي تتقاذفه الأرجل
هل هي الأسباب الخارجية و المؤامرة العالمية؟ حرب الخليج الثانية و مؤتمر مدريد و 11 أيلول و غزو العراق و التشت العربي و الحرب على الإرهاب التي وجدتنا هدفاً و وقوداً، و الانفتاح الفضائي على ثقافة عولمة تمضغ العقول المخدَّرة التي تعبت من تجرع هزائمها الكبيرة و الصغيرة، و صغرت أحلامها من حجم أمةٍ موغلة في الحضارة و التاريخ إلى حجم صفيحة مازوت.. و ربما قريباً مجرد صفيحة ملأى بالحطب تؤمن دفء ليلة... كلها ساهمت في الحال الذي وصلنا إليه، لكن ألمانيا دُمّرت تماماً في حربين عالميتين، و كذا اليابان بقنبلتين ذريتين، لكنهما لم تخسرا الهوية، لم تخسرا المستقبل، بل قامتا بتصنيعه بنفس معايير الجودة التي اعتادتاها
هل هو الاحتلال الطويل الذي امتصّ دماءنا؟ له و لا شك دوره المهم في تأخرنا، خاصة مع استمراره حتى اللحظة في أشكالٍ عديدة أخرى أخطرها هذا الاحتلال الثقافي المتغلغل في ثنايا أفكارنا، لكن تجارب دول شرق آسيا بتنوعها و اختلاف مساراتها بعد تخلصها من احتلالها تنفي أن هذا المصير محتوم و ليس له من نهاية
هل هي (طبيعة) الإنسان العربي و عقله التراكمي؟ فلم إبداعه في كل مجالٍ من العلوم و الفنون و التقنيات حيثما حلّ في بيئةٍ تناسب فكره المتدفق، و الأمثلة أكثر من أن تُحصى يعلمها العالم بأسره و أحياناً أكثر من أبناء جلدتنا أنفسهم؟
هل هو الفقر الساري فينا كالنار في الهشيم في بلدٍ يزخر بثرواتٍ متنوعة و قادرٍ على خلق أخرى؟ تشكّل الطبقة المتوسطة عماد أي مجتمع من الناحية الاقتصادية و الاجتماعية، و يعد اختفاؤها التدريجي المتسارع إحدى علامات التدهور الشامل صعب الكبح التي تعاني منه سوريا في العقدين الأخيرين، رغم أن مقدمات معاناتها و أسبابها تمتد في وقتٍ أعمق جذوراً، لكن ذلك ليس بالسبب الوحيد الذي أفرز ظواهر جديدة خطيرة لم يسبق لها أن انتشرت في البلاد من قبل بهذا الشكل، و إن كانت حدة الصعود و الهبوط في الطبقات الاجتماعية ساعد على إحداث هذا التغيير السلبي الذي نكتفي بعيشه دون فهمه، فلا يمكن الرضوخ له دون تغيير على غرار التجربة الكورية الجنوبية أو الصينية أو الماليزية
فشل السياسة الاقتصادية و الاعتماد على الاستثمارات اللاإنتاجية الأقل مخاطرةً و الأسرع ربحاً؟ اختفاء العدالة الاجتماعية؟ إشكالية الديمقراطية الشكلية؟ موت الحرية و سكنى القمع حتى زوايا بيوتنا و تربيتنا لأولادنا؟ الافتقاد إلى فعالية الخطط التنموية؟ فقدان منهجية التفكير و اضمحلال الثقافة و دورها؟ الأميّة بمعنييها العام و الخاص و ركود مناهج التعليم ؟ انفصام القيم الدينية عن الأخلاق و الممارسات الاجتماعية في ما أسميه "التديّن الطقسي"؟ حلول الطائفية القبليّة و الانغلاق على الذات، مكان التنوع و التعدد الديني و العرقي و الحزبي؟ التشبث الطفولي بالتراث صحيحه و باطله و العيش على التاريخ بدل الاعتبار منه و المساهمة في صنع جديده؟ استفحال التغريب الأعمى و المناداة بحتمية سلوكه بعلاته على أمل الاستفادة من ميزاته في شكل استهلاكها بدل تطويرها؟ النقاش الانحطاطي الذي لا يهتم ممارسوه سوى بإثبات خطأ من في مواجهتهم فيما يذهب إليه و لو كان عين ما ينادون به؟ فقدان الأمان الاجتماعي و انعدام الثقة بين أفراد الوطن بالمطلق نتيجة تفشي النفاق و الغدر، فلا مريض يثق بطبيب و لا طالب بأستاذ و لا مظلوم بقاضٍ .. و لا شعب بحكومة؟ حالة الإخصاء الثقافي التي يتم تكريسها من عدة جهات لتدفع أبناءنا إلى الإيمان بعدمية انتمائهم، فلا تاريخ يشرفهم و يستحثهم و لا حلمٌ بمستقبلٍ حضاري يشدهم و يستنهض همتهم، فيغدون كائناتٍ ممسوخة مشغولة بالتوافق مع الأمر الواقع الذي لا تبديل له يسير بهم كما يشاء؟
كل هذه الأمراض التي تفتك بجسد وطننا – وطننا جميعاً – و رغم كل ما يبدو من تأثيرها في واقعنا ليست بدورها سوى إفرازات و مظاهر ثانوية لأصل البلاء: الفساد
إن كنت قارئي الغالي تحليت بكل هذا الصبر لتصل معي إلى هذا السطر و النتيجة المبدئية التي وجدناها، فدعني قبل أن نتناقش في مقالي القادم عن صحة هذه النظرية ( و ربما ما هو أكثر) أذكرك بمعادلةٍ بسيطة: نسبة الأمل في حالة الاستسلام هي صفر بالمئة، في حال خيار الصمود و المحاولة تصل واحداً بالمئة، بالألف، بالمليون أو بالبليون.. لكنها مهما كانت، تبقى أكبر من الصفر. أنا قررت يا صديقي ألا أصدّق الشيخ "أستغفر الله" و ألّا أسلّم بموت الوطن قبلي و قبل كل سلالتي، و اخترت الصمود.. و المحاولة.
أراكم قريباً إن شاء الله. و إن سمح السيد الرقيب بنشر الجزء الثاني.. ما لم يكن الفساد متمكناً منه بشدة!



