أرجع الى القرية ... الى المكان الأول الذي شققت فيه تباشير عملي كمدرس اللغة الانكليزية , أرجع بعد غياب عدة أشهر أمضيتها في تحصيل دبلوم التربية , أرجع  كأن الزمن رجع بي الى حوافر تلك السنة التي أمضيتها هنا ..الى وقت يقترح عند باب المدينة وسام التعب  ... مقعدا قصيا ومنفى يدور كالثمل منتشيا سورة الفاتحة , أرجع الى تلك الغمامة المتوحشة رصيف مجهول وقباب ترثي خيام دمي  وبكاء الشجر في عوسج البوادي مخلب أيامي الذابلة , الى وقت كنت أقف وحيدا مملا أهز غبار الشمس عن ملامح كوكبي منفرطا ... الخطى دفتر ينز حجرا وراء حجر ... والمساء صدى لطعنة جارحة ... وشغف الندى ألوان الأواني تخطف من زرد الليل فاكهة احتفال وجبين تهلكة ... تركت أضلاعي ورائي وحملت ما يمور قامتي من صليل التراب وشجن البدو صعلكة الرسل المرتبكة , أرقط تقاسيم النعاس الأغبر عن جفوني .... أحمل حقيبة الأِشياء الضرورية أحدق في الزرقة كمتشرد أتقن حفظ المحطات وقلت من أين سبيلي والأجنحة ظلال رجل هارب هو ماتناثر من ضجر على قميص الأسفلت , هكذا من أول النهار منفردا أعدد كم من الغيم الأبيض أستطيع أن أهديه الى أمي ... وأمي هناك تهوي على دفة الوقت وجوع اللجوء ... ترسم على الجدران الصدئة صورة جدائلها تيمنا , تلعب كالأطفال بصدف الذاكرة ووشم الغزالة و تمضغ الفراغ عنب الدالية وتومئ رمحا من زعتر وزبيب عند أول كنعاني يداه مريم وربيع منفاه غابة المخيم تخرج الى الشارع وتهتف ماء الكلام فضة ولهيب ليمونة صمت الأسئلة , هكذا من أول النهار أدندن ورأسي يتسكع خلف حذائي مخافة الوحشة عن حبة قمح منسية أودعت نجمتها يباس بيادر والجنادب أول الطباشير عند باب الصف الكهل , أرتاح كما يرتاح الهواء مستلقيا صبر الماعز صدر الوعل وحصى التجوال , كيف تنفجر البوادي بعد الهطول  بكل ذلك الأخضر الفتان ,   فاضت أبابيل الطبيعة , امرأة عبرت جوف الصحراء وامسكت تتنزه وشاح مواويل هي أول ماتحمله اللكنات  وصف الغريب وهي أول البراري صحوة النبيذ , هي ماتقدم من ناقة الغياب وهي أول الجنازات على بسمة القتيل ,  هي أول الهاربين من اليتم وأول القادمين الى الدفن , هي هدير العمر سيفا خشبيا , هي مايشبه التيه على جسد الحسرات , هي طيف الكروم فحولة ان بدأت وهي نسيم الوضوء في يوم الجمعة ,  هي المجيء يهرب مني وأنا أعبر الأسلاك الغليظة وسور البوابة السوداء  ... التلاميذ أنهكهم انتظار أرعن ورداء المدرسة خرقة تكفي للوقوف تحت العلم والمشتعل خلف الأجفان النشيد وكتاب الأرض مراسيم سيدة تنام على عشب حصارها , أسراب خراف صغيرة تحاول أن تهز ضرة الحليب والبرقوق أصفر , ثياب الفلاحات داكن يرسم فصل الأسى ويقرأ ايقاع التنهدات في ثياب العشاء الأخير والنهر قريب و مازالت تعبرك الطيور المهاجرة قامات الطين تعب الريح ... في كل مرة ينسل معطف الحارات خصر فراشة تحوم , تعبر كما عبر الأقدمون ليعطي مالديه لغيرك تتعاطى ضجيج الكلمات في جيب انتحارك ... واقفا ترفع المسافات هدير النبوءات هي الحياة تفقد ماتستطيع , صلصال خيل ونار نخل والفصول بدون الأغاني كالفتنة ساحة رقص , نعم فيك يتم المعنى ويكتمل الفناء ... تتدلى من حنجرة قيظ حرب خاسرة كأنك آخر الحكاية الرمل أزرق والبرق جثة الوصايا يباب , كرذاذ تنقش صورتك وتطوي سلال ماخبأته النايات ... الشهوة طليقة مثل كل الطيبين ارتحالك تبوح توق الحناء وهم الغبطة وبريق الضفاف .... الليل باب للخروج ومصيدة للموتى ... استغاثة الأمكنة وغمر الأكاليل متواطئا عربة الآلهة محملة بالأجراس دفوف , تختال من الرغبات احتراب فرائس ومن الأسرار مايرضيك ... في الأنات طلاء فاصلة أرخت ذاكرتها صيف النحيب , ريش النعامة فاضح ... ضلال الترانيم لهاث وماتمنحه الروح زرافات اشتهاء توزع ماتبقى وشوشة سكون وعلى الشفتين تتكسر مظلومة أوتار فرح وعلى شواهد العزلة أوزع نعي بقاء .

 

* في الرحلة نحو الماء ... يستلقي صديقي على خيبات أنفاسه وشما , تصهر عينيه الغيمة وتزين أنامله أوسمة اللغة ...... ودوما يتعثر !.

* ينغل الأولاد في المخيم ,  تحت العلم الأزرق يمرجهون أطرافهم كلّما مر طيف ختيار , يتناولهم المطر خلسة قطرة قطرة , وفي كل تظاهرة يصبرون على الزحمة ويكونون في المقدمة .

* تلك الغيمة خضراء داكنة .... دائما توزع النسغ خجولا على قبور المحبين .                                                                                                                                                                              

* كان هّم الراعي سلامة أغنامه وهمّ القطيع عشب السهل والعشب تلافيف صخر تخبئ عتاد المقاومين .

* صاخبا محتجا كان ... يتمايل مع الهماء كأنه هو , بأصابعه العشرة يحاول ظلّي صد زخات الرصاص .

* انها مثل كل الوقت ... قرب أنفاسي , خطوة واحدة تهرسني والجنزير يمضغ الشجرة ... كالملح تذوب سيارة الاسعاف ..... لماذا تحفر حتى الهواء هذه الدبابة .

* أمام حاجز الجنود ... أشهر الغبار سيفه قطعنا اربا ومضى .. أقفل الجندي مذياعة وأومئ بكفيه زاجرا , لملمت العروس حاجياتها قطعة قطعة وتعرى العريس .

* نعم ياصديقي , أبدا ليس غاية العصافير الطيران غايتها أن تحط على الأغصان .

* كلما ترش أمي الابتسامة وراء الابتسامة ... أرث ثوب عرسها ويضج ياسمين العتبة تنهمر طيعة حبات ليمون وتنهد في مهجع اللجوء الأخير أشباح غرفة التنك .

* يوما ... ما , سأدخل كهفك المظلم حيث لايراني أحد أو أرى أحد , أمزق رسمك الأبدي على الجدار وأسرق المرآة الذهبية . حينها كيف تكون الخيبة عندما يعتصر فضاؤك ... حبل الخوف .

* عندما تنتهي كلماتي فوق صخرة منسية وتمتصني قطرات ماء لا أبتعد كثيرا عن سنابل المروج والعصافير لا توقف الغناء , ترى فقط هل أدعو صديقتي الى مثواي الأخير .

* دوما دون غيري يراودني هذا السؤال , لماذا للشهيد روحا واحدة لاتكفيه ويفتديها .

* ثلاث كمنجات ومزمار رحلوا عن سرير اللغة كاللعنة ونام متشرد الوقت كالحصى خفاش وشاح أخير , السكون أحاطني بالمسك وانتهر الرعب وجه امرأة أعرفها , في الهجرة الأولى قطاف ناقص يختفي في كل صعود في كل لوحة في الوثبة العرجاء في هبة الوحدة , نحن  ياصديقي ولا أحد غيرنا أمام الأفق العكر كلنا ياوطني في نعيم الجنة لقطاء .                                                                                                                 

* أربعون يوما , كي يموت الشماس .. كي تدور عربة الأغذية في الوحل .. كي تقفل العجائز خمر نوافذها .. كي نطعم الصلوات أوراق الليمون ... كي تهز الخبيزة تيجانها أوسمة من زحفوا ليلا .... أربعون يوما كي تقرع الأجراس اليتيمة .. تفوح رائحة الجثث أربعون يوما , عيد الفصح الآن يغتاله القناص .