يعيش الأمل في أعماقه، رسم خطوطا على الجدران ، صراخ الآخرين بالخارج ، يعلم أنهم لم يألفوا العيش مثله وسط الزنزانة بأحد سجون الدنيا ، وصراخهم بعد ذلك سيذهب بعيدا، ليعود الآخرين محلهم، كما الحياة تأتي بالجديد ، ويرحل منها الإنسان ليصبح غريبا في عالم يختلط فيه العد بالمعدود، وفي أركان أخرى من تلك البيوت التي تنعدم فيها لعبة الكم والكيف وتضم أجسادا  بشرية أخرى ، تسمع أصواتا غير مفهومة ، الحراس في ذلك المكان يمزقون أشياء غريبة، غير معروفة ، ينظر إلى خطاهم ، عيونهم ترسم خططا وهمية خارج المبنى ، لكنه اكتفى بأفكاره حول شخوصهم،  نسي أشياء كثيرة عن الحرية لما كان جزءا في منظومة الحياة كالحراس .

أراد أن يقف لحظة ليتمدد جسده ، حينها حضر إلى المكان صوت آخر ، تمعن بإنصات تام ، تراءى له جسم غريب يمكن أن يخرج عبر القضبان، تسآل:

ـ ماذا فعلت تلك الدبابة، لترمى بين أحضان الأسر ؟؟.

ـ لا .. فقط جسد جامد، ليست دبابة؟؟ لكن لمن الأزيز؟؟

حاول أن يدقق بصره في الجسد الغريب. وصاح:

ـ أقسم أنها دبابة، لكن لماذا الحضور؟؟

ترك في أنفاسه حيرة السؤال.

لم يكن ذلك الحدث موضوع لحظة، نسي أن يدون ذلك في مذكرة السجين.

عفوا،  كان اسمه البروفيسور " مادص" نال دكتورته في العلوم السياسية ، وبعدها في الاقتصاد، دون أن يعرف أحد ما لم يقدمه للعدالة في محاضرها الرسمية ، مدير السجن يعرف من مصادر مجهولة أنه كان  جنديا ومحاربا قويا ، احضر ذلك الأسير قلمه، نفض عنه غبار العياء ، لا ورقة ، الجدران على أتمه ورقة، سيحتفظ بالمكتوب للآخرين ، كتب:

ـ دبابتي الأنيسة، أعرف أنك تمزحين،  كما كنت أظن أني فقط أمزح، ستخرجين إلى قومك البليد، هم من زيف حقيقتي، وجعلوا الرماد مكاني، جعلوا قومي ضدا علي، ليصبحوا بعدها مثلك، تماما كالدبابة، يأكلون بقايا الرعب، وينامون نوم الأرانب.

قولي لهم :

ـ لست دبابة حرة رغم مسارح الأصفاد وطالب الحق لا يضيع...

وينتهي ذلك الأسر بقضية، اسمها، نهاية البداية..

                                             إدريس الجرماطي

                        عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.