ثمة اختلاجٌ فى النفس , يعوق الروابط أحياناً , و أحياناً تتحطم معه كل القيود و تتفتت.
ملامح الجينات متفقة .. همتها الذكورية رغم أنوثتها , وبراءته الطفولية رغم رجولته .. تراكمات ذهنه رسبت فيها التوحش و الوفاء , و صارت أطواداً ناضجةً عاشقةً للعقد المقروط فى جيد الثريا .. لكنها لم تدنس دماء

الأوردة.

التطبع كان واجباً عليها , لكنه لم يكن مفروضاً , والطبع الذى ولدت به بالتأكيد غالبٌ .. كانت تؤمن أن الدار و القراريط و هى , ونور عينها وجهدها كله , من أملاكه .. لكن رواسب الأيام كانت كسخافات البعوض الناذح من خلف التبة الصامدة .. وحواديت الخالة "عنود" لا ينضب كل ليلة .. أحياناً كانت تتعفن منها القصة وترميها فى قاع (الخُرُجُ) المشدود من عنق حمارها بتوازن على الجانبين ـ رغم الحبكة و الأحداث ـ وتعيد له قصته المفضلة "التبة" مرات ومرات , كانت تطربه بأحداث مشوقة وجديدة لم تحكها من قبل , فيفور و يثور كالأطفال رغم تخشن لحيته , ثم ينهرها :
ـ إنتى كذابة ياعنود موش دى الحدوتة .
فتخونها أنوثتها و تنفضح فى ضحكتها الرنانة مؤكِدة :
ـ ورحمة أمى مابكدب يا مبروك.

وتعيد البداية , ويصغى إليها بأذنٍ أرنبية .. وبدون إذنٍ منها يقضم حمارها القاطن فى صحن الدار ـ حب الفول اليابس , الجاهز للزراعة فى صبيحة اليوم التالى .

ثم يدفن رأسه فى الحصير , جاعلاً من سبابتيه سُدادتين لأذنيه .. فيجف وجهها و تتوقف عن السرد , وتهدهد شعره الحلزونى بيدها المسهبة بعوامل التعرية , فينكمش و يتكور فى حِجرها .

لم يكن بقاءها دون رجل بأمر يهددها , فهى تضاهى مئات الرجال , ودائماً جاهزة لمقاومة الأيام بلا ذكور .. هكذا كانت تصف له شخصيتها حينما يتوسد ركبتها مختبىءً من الكلاب النبّاحة والبعوض الطنّان , ثم تسكب عليه بعض أغنيات التبة ممررةً يدها اليابسة على جسده المتكور ؛ كى يهدأ , فيشعر بخدرٍ يملأ نخاعه الشوكى , وعندما تزحف نحو ذقنه الشائكة , يقشعر و يتداخل فى بعضه كالدودة .. يزداد انكماشاً , ويدور فى حِجرها دورة كاملة .. يتعدد الأطوار .. يصبح يرقة باهتة المعالم , تتشرنق و تنقر جدارها .. تثقبه .. تخرج من فتحة صغيرة .. تتضح تدريجياً .. فراشة .. انطلقت .. حلقت بعيداً بعيداً .. طافت كل الأرجاء .. راحت التبة تلف كل الحقول المنحدرة .. وقبلت كل الزهور , انتشت أريجها و تراقصت مع الأنفار .. عزفت معهم أغنيات الزرع و القلع . ثم داعبت شواربهم المهملة و شذبتها بهندامٍ .. جففت جباههم المتفصدة بعرق ملون .. ثم انحدرت إلى خلف التبة مع الحقول , لكن البعوض المستوطن هناك لمحها .
خرج كبيرهم من وكره , برأسٍ مدببة بلاعنق .. أمرهم بالانطلاق :
ـ أمسكوها .. أمسكوها .

هاج أتباعه وحركوا أجنحتهم و انطلقوا .. اندفعت الفراشة نحو حقول الفول ؛ توارى جسدها الرقيق بالأوراق الخضراء .. انتظرت حتى تمر الجيوش .. كان هناك كلبٌ ممددٌ بين السيقان .. رمقها , فتأكدت من نيته الخبيثة , ولم تجد مفر من العودة .. ففغر فاه ولاحقها متأهباً .. توعدها بكلماتٍ ممتلئة بالافتراس .. سمعته جحافل البعوض فجددت طنينها .

الفراشة أدركها الإعياء .. خسرت كل طاقتها .. أصابها الدوار .. تأكدت أنها غدت فريسة سهلة .. فسقطت متلاهثة .. فانقض عليها الكلب بضراوة , يرضى لعابه السائل و أنيابه البارقة .. دنا منها بفاهٍ مشقوق .. بكت .. جذبها بلسانه وفتح فكاه مبعداً العلوى عن السفلى ؛ كى يطبقهما و يزيحها إلى معدته دفعة واحدة .. لكن صرخت عنود :
ـ إلحقنى يا مبروك .. الحمار أكل الفول كله !

فانتفض مبروك لاهثاً .. و استل عصاه الرومان .. وفتتها على رأس كلبٍ كان ينبح بالخارج .