كانت الساعة تشير الى منتصف الليل ...
وهو يقود سيارته الفارهة ..
ومساحات الزجاج تتحرك فى سرعة شديده
كى تزيح مياه الامطار التى تنهمر فى غزارة
سكون شديد داخل السيارة ..
ولا صوت سوى صوت المذياع الخافت جدا ..
واغنية ام كلثوم .. وكلماتها الرائعة
ياللى مليت بالحب حياتى اهدى حياتى اليك ...
ابتسم ابتسامة هادئة وهو يتذكر تلك الكلمات ..
عندما قرأها فى رساله نصية على هاتفه المحمول..
كانت دائما ترسل له كلمات من اغانى
بمجرد ان تستمع الى كلمات فى اغنيه وتشعر به
كانت دائما تشركه فى هذا الاحساس
سنوات طويله فى الغربه
لم يكن هناك سوى حلم واحد
بيت يجمعهما سويا وطفله صغيرة يسميها باسم جدته "زينب "..
فى كل شاطىء جلس به كتب اسمها على الرمال..
حتى فى عمله ..
كانت صورتها دائما على سطح المكتب بجهاز الحاسوب على مكتبه..
يجول ويجول فى ايام الغربة الطويله ..
والتى باعدت بينهما المسافات كثيرا ..
ولكنه دائما كان يشعر بها بجواره ..
يراها امامه .. يحادثها .. ويضحك معها ..
طالما كان يراها فى كل امراه ..
حتى انه كان يراها فى فنجان قهوته صباحا
بابتسامتها البيضاء .......
وهى تقول له صباح الخير يا حبيبى.
كم حلم بها .. كم تخيل انها تقول له اشياء كثيرة ..
فى حين انها لم تكن تكلمه ..
ولم يكن يكلمها ..
الا فى احلامه وربما احلامها ..
بعدما تقدم لخطبتها مرارا..
ورفضه اهلها مرات ومرات ..
وصارت كراهية شديده بين اهله واهلها
ومنعوها من اى وسيله تستطيع بها التواصل معه..
وسافر.. سافر ليس الا لان كل مكان فى بلدته كان يذكره بها..
حتى الامواج المتضاربة كانت تنطق باسمها..
لم يستطع ان يتحمل ..
الذكريات من جهه..
واهله من جهة اخرى..
وهم يلحون فى الضغط عليه بان يتزوج..
حتى لا يدعوا اى امل بان يعود اليها من جديد..
كان الامر بالمثابه اليهم تحدى ..
كيف ان اهلها يرفضوا ابنهم ..
وكيف انهم لا يستطيعون اجباره على نسيانها..
وكان الامر بالمثابة لاهلها تحدى ايضا ..
كيف انه عرفها بدون اذنهم ..
وكيف انها احبت شخصا لا نعرفه.
لم يغفر له انه تقدم لها ..
ولم تغفر لها دموعها الحارة..
ولم يغفر لها الحب الذى لم تشوبه شائبة على الاطلاق..
لم يكن سوى المشاعر البريئة الطاهرة..
لم يكن غير احساسهما الصادق..
ولكن لم يغفر لهما كل ذلك..
ولهذا سافر.. بعيدا ..
حيث لا يعرف احدا ..
ولم يكن يعلم هل سيجد عملا ام لا ..
اين سيعيش ....
كيف سياكل .. من اين سينفق على نفسه ..
كيف وكيف وكيف ...
لم يكن يعلم اى شىء
ولكنه سافر .. ولكم تمنى ان يموت ..
كى يستريح من كل تلك الذكريات التى تحاصر خياله..
حتى انه ماعاد يكتب شعرا الا عنها..
وكانه لم يكون يكتب حرفا واحدا قبل ان يعرفها..
لكنه وجد عملا .. وعاش .. وانفق..
وصالحه اهله ..
وعاود المحاولات مع اهلها ..
ولكن دون جدوى..
سنوات وسنوات مرت ..
كم تمنى ان يصل اليها ..
ان يرى كل خيالاته حقيقة ..
ان يسالها ..
هل كانت فعلا تقول ما تخيل انها تقوله ..
هل كانت حقا تتذكره كل صباح ..
كان يتمنى ان يعرف هل كان على حق عندما كذبهم جميعا ..
قالوا له انها لا تفكر فيه على الاطلاق..
قالوا انها لا نتتظره كما ينتظرها ..
قالوا وقالوا وقالوا...
ولكنه لم يصدق سوى ذلك النبض فى قلبه ..
انها لن تكون لغيره ..
وانها تنتظره ..
وانها تطالبهم كل يوم بان تكون له....
تذكر كل شىء وهو يقود السيارة وسط برك الامطار..
اوقفه اللون الاحمر فى الاشارة ..
ضغط بقوة على مكابح السيارة ..
وعندها ..
قامت مفزوعه ..
نظرت حولها ..
وجدت اماكن بعيده تماما عن بيتهما..
قالت " حبيبى ... فاتنا الطريق "
نظر اليها متبسما ..
والتفتت هى للخلف ..
وقالت " الحمد لله زينب لسه نايمة "
مدت يدها نحو زر الصوت ...
ورفعت صوت المذياع ..
وقالت بابتسامه عريضة وقد استدارت تماما نحوه " فاكر الغنوة دى ؟ "
تنهد تنهيده طويله وقد اغمض عيناه وهو يبتسم
ثم وضع يده حول رقبتها وضمها نحوه
اغمضت عيناها مثله ..
ولم يشعرا بشىء ..
حتى تنبها لابواق السيارات ..



