سمك يسبح على شواطئ غزة
في أحد أيام الصيف الجميل ، السماء صافية الهواء عليل ، تلامس خيوط الشمس رمال البحر الذهبية ، تحلّق طيور النورس فوق الأمواج الهادئة ، وتحت السماء الزرقاء الصافية يجلس حمزة وخالد وجعفر ، يتناقشون ويتحاورون كرجال مع أنّ عمرهم لا يتجاوز الثلاثة عشر ربيعاً، فيدور بينهم نقاش حول معاناتهم من الاحتلال ومعاناة شعبهم المضطهَد ، وفي هذه الأثناء تجتمع ثلاث سمكات في البحر يتبادلن أطراف الحديث، ويستمعن إلى ما يدور من نقاش بين خالد وحمزة وجعفر.
وفي ذات يوم اجتمع الثلاثة ، وجلسوا على الشاطئ وبدأ كل واحد منهم يشكو للآخر همّه ، فقال خالد : " أنا لي أخٌ أسير ، اعتقله جيش الاحتلال الشهر الماضي ، ولا نعرف عنه شيئاً حتى الآن " ، فقالت إحدى السمكات : " مسكينٌ خالد ، إنّه حزينٌ جداً، فأخوه أسير وهو من يساعد والده عِوَضاً عن أخيه الأسير ". وقال جعفر: " أنا لي خمسة إخوة و ثلاث أخوات ، وأبي عاطل عن العمل ، فقد قام الاحتلال بتكسير قاربه الذي كان يستخدمه للصيد ، ولا نعلم كيف سندبّر أمورنا إذا بقي والدي هكذا ". وقال حمزة بحزن : " والدي شهيد ، استشهد عندما كان ذاهب لزيارة عمتي في
رام الله ، فقد قام الاحتلال بإطلاق الرصاص عليه عندما أصرّ على الدخول عبر الجدار العنصري، وأنا الآن من أساعد أمي في إعالتنا ".
وفي أثناء ذلك أخذت السمكات الثلاثة يتحدّثن عن معاناتهنّ أيضاً ، فقالت إحداهنّ: " لقد قُتِلت أختي وأمي بقذيفة ، عندما أطلقها اليهود على مجموعة من الضفادع البشرية ". وقالت الأخرى : " لقد هُدم منزلي عندما أطلقت الطائرة الحربية قذيفة في البحر " . فقالت الثالثة بكل ثقة وإصرار: " لا بدّ أن يأتي يومٌ نعيش فيه كما نريد ، يومٌ تُشرق فيه شمس الحرية بدون قيود ، وتلبس فيه الأرض أجمل حُلَلِها ، فنحن أهلٌ للصمود".
وفي صباح يوم الجمعة اتّفق حمزة وخالد وجعفر أن يلتقوا بعد صلاة العصر حتى يصنعوا لعبة يلعبون بها ، وعندما حان وقت صلاة الجمعة ذهب الثلاثة إلى الصلاة ،
وأصغوا إلى ما قاله الخطيب ، فقد كان موضوع الخطبة عن مقاومة الاحتلال ، وهذا هو الموضوع المفضل لدى حمزة وأصدقائه ، وعندما انتهت الخطبة عاد كل واحد منهم إلى بيته منتظراً صلاة العصر حتى يجتمعوا على الشاطئ ويتبادلون الحديث الذي لا يُمَلّ منه .
وجاء العصر ، وأخذ حمزة ينتظر الباقين ، فخالد يعمل مع أحد الصيادين ليجني المال ويساعد أسرته ، وجعفر مشغول بالبناء ، فأسرته الكبيرة لم يعُد يكفيها غرفة
واحدة للعيش ، لذلك يقوم والده ببناء غرفة ثانية ليعيشوا فيها ، فقال حمزة في نفسه :" من الأفضل لي أن أذهب وأُحضر المواد اللازمة لصنع البندقية " ، اقترب حمزة من الشاطئ أكثر ، فوجد قطعة خشب فحملها ليصنع البندقية منها ، وبعد عدة أمتار وجد سلكاً معدنياً فأخذه ليربط البندقية به ، وهكذا جهّز المواد اللازمة للعمل ، نظر للخلف فوجد جعفر وخالد ينتظرونه ، ذهب إليهم مسرعاً وكلّه نشاط ، فقال خالد:" ما الذي تحمله يا حمزة ؟" قال حمزة مبتسماً :" هذا خشب وأسلاك ، سأصنع بها بندقية لكي نلعب بها على الشاطئ" ، قال جعفر :" أنا أحلم باللعب على جهاز الحاسوب كباقي أطفال العالم ، أو أن أذهب إلى مدينة الملاهي ". فقال حمزة :" ماذا تقول ؟؟؟ أنت رجل ، كيف تفكر بهذه الطريقة ؟ أتريد أن تلعب بالحاسوب كالأطفال ؟" فردّ عليه خالد بغرابة:" حمزة ، نحن مازلنا أطفالاً لماذا لا نلعب كغيرنا من أطفال العالم ، كما أننا لم نتجاوز الثلاثة عشر عاماً ".فقال حمزة :" اِعلم يا خالد أنّّ على هذه الأرض ما يحتاج الدفاع عنه ، فلو انشغل كلّ منّا بشيء لضاعت الأرض وضاع ما عليها". وعندما سمعت السمكات ما دارَ من حديثٍ بين خالد وحمزة وجعفر أخذن ينظرن إليهم وهن ّمسرورات بما سَمِعنَه من دُرَر الكلام، ويشاهدن براعة حمزة في صنع البندقية الخشبية .
في اليوم التالي اجتمع خالد وحمزة وجعفر كالعادة على الشاطئ ، واجتمعت كذلك السمكات الثلاثة ، وكان حمزة يحمل البندقية التي صنعها وهو مسرور بها ، فقال لأصدقائه :" أتعلمون يا إخوتي ما هو حلمي ؟" قالوا له: " ما هو حلمك؟" ، قال حمزة : " أحلم بأن أرى المسجد الأقصى محرّراً ، وأن أزور القدس بحرية من دون مضايقات الاحتلال ،ويكون تحرير الوطن على أيدينا نحن يا أصدقائي " ، قال جعفر : " وإذا استشهدنا يا حمزة ؟ " ، قال حمزة :" يا إخوتي عندما يُستشهَد الشهيد ويُدفن تنبت على قبره أشجار ، على أوراقها صورة الشهيد وصورة القدس وعنوان الحضارة ، إنها يا إخوتي تحمل على ثمارها بشرى انتصارات قادمة ، مكتوب عليها
(عاش القائد ياسر ... عاش أطفال الحجارة ).
فسكت الجميع على صدى هذه العبارات .
وفجأة وبدون سابق إنذار ، ارتفع صوت الطائرات ،وصوت الأمواج المتلاطمة القادمة من جوانب سفينة حربية ، وبكل وحشيّة وظلم وقتل للطفولة والبراءة ، سقطت قذيفة مكان اجتماعهم ، فسقط حمزة وخالد وجعفر شهداء ، وسقطت معهم أحلامهم وآمالهم ، وهناك قذف موج البحر بالسمكات على الشاطئ بجانب جثث الشهداء الثلاثة ، لقد وقعت تلك الجريمة بحق الإنسان والحيوان ، قُتِلت براءة الطفولة واسودّت السماء ،وبكت الشمس والرمال والأمواج في ذلك اليوم الدمويّ المشؤوم.
( شكرا جزيلا على حُسن القراءة ، أتمنى أن تعجبكم القصة )
من قصص ألطالبه:: زهرة ألبنفسج::: هبه جرير يحيى ألفسطينيه