كابــــــــــــوس

 

 

كان الليل قد بلغ في مداه مبلغ القمر من السماء , حيث في منتصفها تماما يستقر , يحدث السهارى والسامرين يشاركهم أحاديثهم وصمتهم , كان المنتصف العامل المشترك بين الثلاثة الليل والقمر وورقتي البيضاء التي ما إن نصفها حبري حتى استجبت لدعوات النسيم الذي يرافقه شعاع القمر مخترقين شباك نافذتي مقتحمين فضاء غرفتي , شباك نافذتي الذي أطل منه على صمت الشوارع وضجيجها وأنات أحياء الصفيح وقهقهات العمارات الشاهقة , أطل منه على عذابات الأرض وتطل علي منه رحمات السماء التي تبعثها عبر زينتها , مستسلما لإغرائية الموقف أستلقي على سريري بعد أن أذنت لقلمي بغفوة قصيرة فقد أرهقه البكاء والصمت والأنين مع قلة ما يخترق الثلاثي من بسمات ,حاولت إقنا ع نفسي بأن استسلامي هذا ما هو إلا هدنة أستجمع فيها شتات أفكاري وأستعد لجولة جديدة من الصراع ,كان ذلك فقط لطمأنة خوفي من أن لا أكمل ما بدأته أنا وتلك الورقة وذاك القلم والذي يجب أن يجهز غدا , أنهض عن سريري خطوة إلى اثنتين وإذا بي واقف قبالة النافذة عن يميني بقعة الضوء التي انتشر نورها في الغرفة انتشار بخار ذاك الشاي الذي تلاشى قبل قليل فيما لا يزال الفنجان هناك إلى جانب الورقة وكأنه يسر إليها بشيء , يبدو من بريقهما تحت الضوء وكأنهما وحدهما اللذان يدركان سر العلاقة بينهما .

استلقي ثانية على السرير , نظرة سريعة على شاشة الجوال حتى بدا من سرعتها أنها عبثية فقط في الوقت الذي فيه هي قادمة من عالم من الصراعات الداخلية والتجاذبات , هل اتصل أم أرسل رسالة ؟ لا الوقت متأخر , ضغطت الزر وكأنني أطمئن على أن الشاشة الإعتيادية لا تزال مكانها , وتوظب سرير نومها , أعيد الهاتف مكانه , وأنسى أني تركت ورقة هناك لا يزال بياضها رافعا التحدي , وتركت قلما رغم تعبه إلا أنه لا تزال به غصة وبقية دمعات بسمة مسروقة على ضفاف جراحات .

لا يزال الليل بوجهه التائه الملامح جالسا هناك وهناك وهناك... واضعا يده على خده وكأنه ينتظر خطوتي القادمة في هدوئي المضطرب هذا , أضغط زر المسجل لتشغيل الشريط تتصاعد نغمات عصا بيتهوفن تبدد وحشة ذالك الصمت والهدوء , تتسامى روحي وأنا أعرف أني في طور مغادرة عالمي للرحيل مع بعض مقاطع بيتهوفن حاولت أخذ كتاب عصفور من الشرق الذي ومنذ أيام هو مغرد جنب ذالك المصباح على تلك الطاولة إلى يمين السرير , فتحت عن الصفحة العشرين حيث توقفت الليلة البارحة فقرة إلى اثنتين وإذا بعصفور الشرق هذا معاد إلى عشه عله يحظى بليلة هادئة يبدو أن توفيق الحكيم وبيتهوفن هذه الليلة وعلى غير عادتهما لم يتوصلا إلى اتفاق , لا تحتمل نغمات بيتهوفن شيئا معها ففي الرحلة هذا لا صوت يعلو مقطوعة بيتهوفن تلك ولا هدوء يعلو هدوء أوتارها , مستسلما لروحانية الرحلة تتشابك يدي فوق صدري , بعد فترة دار فيها شريط ذاكرتي وراقصت على نغم المقطوعة أمواج أفكار وتيارات رؤى , توقف الشريط يبدو أن الليلة البارحة لم تترك خلفها إلا مقطوعة واحدة .

كان النعاس قد بدا يهاجمني على استحياء فيما كان الشريط يلفظ أنفاسه الأخيرة , وكأن النوم كان يتحين الفرصة لترسو زوارقي المشرعة إلى بر , هنا انتهى كل شيء , غشيتني غفوة قصيرة لانهض فزعا من السرير خطوات متثاقلة مرتعدة باتجاه المكتب , في ذهولي أجلس إلى  ذالك المكتب يمزقني الرعب حالي حال تلك السيجارة على ذالك الفنجان وقد مزقتها شفاهي واصابعي , ما كان ذالك ؟ كان ما خفت من وقوعه طوال هذه الليلة ومصدر اضطرابي فيها , لم يكن سوى ذلك الكابوس الذي يراودني كل ليلة منذ ما يربو على أسبوع , ما إن أغم عيني حتى يقبل أبوها تعلو وجهه ملامح بريئة تبعث على الإطمئنان , وما إن يقترب حتى تغشاها هي غاشية الرعب تلك وتتدور عيناها وتتسع بقدر إقترابه تتدفقان خوفا , وأنا ترتعد فرائصي ليس خوفا علي بقدر ماهو خوف عليها , ثم يقترب ووجهه تضاريس معقدة مرعبة رغم وضوحها ونواصيه فيه ينبوع شر دافق , ثم فجأة يحنو ظهره ويدخل الإحمرار عينيه دخول النار الحطب وتكفهر الملامح , وإذا بيديه كيدي ساحرة عجوز شمطاء طويلة الأظافر حادتها , أظافر يديه تتشابك أمام احمرار عينيه وتجاعيد وجهه ونواصيه وقوامه المتعرج , تتقلص هي إلى جانبي ولسان حالها( ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا ) كلماتها الخافتة تتسرب إلى أذني : هذا أبي ...هذا أبي كلمات متقطعة قطعت أوصالي , هو يقترب ...يقترب ينفجر بالقهقهات ثم ما يلبث أن يجهش بالبكاء , صرخة منه فظيعة هزت كياننا , ألقت بها في حضني ثم انتفضت لتبتعد فيما يقترب هو وفمه المفتوح ينبأ بنهم توحشي أكثر , فغرس أظافره الخمسة في صدرها وبدأ يضغط ويضغط وأظافره تخترق ثيايها ثم جسدها وكأنها سكين في لحم يسيل الدم مع أصابعه ويلطخ يده وهو ينظر إليه يضغط بعنف وشدة وسحابة كآبة تغمر وجهه من حين لآخر وما إن تخترق أظافره جسدها الرقيق حتى تركض وتركض والدم يسيل على أثرها ,فأحاول الركض خلفها فيعترض طريقي وأدخل أنا وهو في عراك همه الوحيد تمزيق قلبي وهمي الوحيد التخلص منه لألق بها وأعلرف ما حل بها , ونحن في خضم عراكنا إذ انتهت إلى مسامعنا صرخة ردد الأفق صداها وملأت الفضاء , فانتبهنا كلانا , بقي هو يصرخ ,وأنا ركضت بلا اتجاه ناحية صوت ملأ الأفق فلم أعد أعرف أين عني , وقفت حائرا ثم وقعت وبعثت صرخة في الأفق ووجهي إلى السماء علها تجد من يسمعها هناك ما لم تجده على الأرض , تعانقت صرخاتنا في ضلك الأفق وبقي صداها يتردد , هنا ينتهي هذا الحلم الفظيع .

وبعدها وككل الليالي الماضية كتب على بقية تلك الليلة أن تقضى على ذالك المكتب فوق تلك الورقة جانب ذلك المصباح وبقية السيجارة تلك .

 

 

عبد الله ولد محمد عبد الرحمن

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

24/9/2008 انواكشوط