يُعد طه حسين واحداً من أبرز رموز الفكر والأدب العربي الحديث، ولُقّب بـعميد الأدب العربي تقديراً لأثره العميق في النهضة الثقافية المصرية والعربية طوال القرن العشرين. وُلد عام 1889 في قرية صغيرة بمحافظة المنيا، وفقد بصره في طفولته المبكرة إثر مرض الرمد الذي لم يُعالَج على النحو الصحيح، لكن هذا العائق الجسدي لم يمنعه من أن يصبح واحداً من أكثر المثقفين تأثيراً في تاريخ مصر الحديث.
رغم فقدانه البصر، حفظ طه حسين القرآن الكريم وهو في التاسعة من عمره، والتحق بالأزهر الشريف حيث تلقى تعليماً تقليدياً لم يرقَ إلى طموحه الفكري، فانتقل إلى الجامعة المصرية الحديثة النشأة، ليصبح من أوائل خريجيها وأول من نال منها درجة الدكتوراه. لم يتوقف طموحه عند هذا الحد، بل سافر إلى فرنسا وواصل دراسته في جامعة مونبلييه ثم السوربون، حيث تعمق في الفكر الغربي والمنهج العلمي النقدي الذي شكّل لاحقاً أسلوبه الفكري المميز.
شكّل كتابه الأيام، بأجزائه الثلاثة، علامة فارقة في الأدب العربي السيرذاتي، إذ سرد فيه تجربته الشخصية منذ الطفولة حتى النضج بأسلوب أدبي رفيع مزج بين الصدق العاطفي والعمق الفكري، فترجم إلى عشرات اللغات وأصبح نصاً مرجعياً يُدرَّس في المناهج العربية حتى اليوم. كما أثار كتابه في الشعر الجاهلي جدلاً واسعاً حين طبّق فيه المنهج الديكارتي الشكي على النصوص الأدبية القديمة، مما عرّضه لحملات هجوم شرسة واتهامات بالتطاول على الموروث، لكنه ظل متمسكاً بحرية البحث العلمي.
تولى طه حسين منصب وزير المعارف المصرية في مطلع خمسينيات القرن الماضي، وهناك ترك بصمته الأعمق حين تبنى مبدأ التعليم مجاني لكل من يستطيعه، معتبراً أن التعليم حق كالماء والهواء لا ينبغي أن يكون حكراً على فئة دون أخرى. هذه الرؤية غيّرت وجه التعليم في مصر، وفتحت أبواب الجامعات أمام أبناء الطبقات الفقيرة الذين لم يكن بإمكانهم من قبل تحمل تكاليف التعليم العالي.
إلى جانب إنتاجه الأدبي والفكري الغزير، عمل طه حسين أستاذاً جامعياً ومترجماً، ونقل إلى العربية نصوصاً يونانية وفرنسية كلاسيكية أثرت المكتبة العربية، كما ترأس تحرير عدد من المجلات الثقافية التي واكبت النهضة الفكرية العربية في تلك الحقبة. وقد جمع بين الأصالة العربية والانفتاح على الفكر الغربي دون أن يفقد هويته، فشكّل بذلك نموذجاً للمثقف الموسوعي الملتزم بقضايا أمته.
رحل طه حسين عام 1973 تاركاً إرثاً فكرياً وأدبياً ضخماً ما زال يُستلهم منه حتى اليوم، سواء في مناهج التعليم أو في الدراسات النقدية أو في قيم حرية الفكر والتعبير التي دافع عنها طوال حياته. ويبقى اسمه مقروناً بمقولته الشهيرة إن العلم كالماء والهواء، حق لكل إنسان، وهي عبارة ما زالت تتردد في الخطاب التربوي العربي إلى يومنا هذا، شاهدة على أثره الباقي في وجدان الأمة العربية.