وُلد غسان كنفاني في مدينة عكا الساحلية في التاسع من نيسان عام 1936، لأسرة فلسطينية ميسورة عرف فيها الانتماء الوطني قبل أن يعرف الحرف والقلم، فلما اجتاحت النكبة فلسطين عام 1948 وهو بعد في الثانية عشرة من عمره، اقتُلعت العائلة من بيتها كما اقتُلع مئات الآلاف من الفلسطينيين، لتبدأ رحلة تيه طويلة حملته من يافا إلى لبنان ثم إلى سوريا، حيث عاش سنوات المراهقة في مخيمات اللجوء ومدارس الغربة، يعمل ليعين أسرته ويتعلم في آن واحد. تلك التجربة المبكرة بكل قسوتها وجراحها لم تكن مجرد ذكرى عابرة في سيرة الرجل، بل كانت الرحم الذي وُلد منه وعيه الأدبي والسياسي معاً، فحين أمسك كنفاني بالقلم لاحقاً لم يكن يكتب عن اللجوء من بعيد، بل كان يكتب من داخل جرحه الشخصي، محوّلاً مأساة شعبه إلى نص أدبي يوازي في قوته أعتى الخطابات السياسية، حتى غدا اسمه مرادفاً لمفهوم "أدب المقاومة" الذي صاغه هو نفسه ونظّر له قبل أن يستشهد به النقاد والدارسون على مدى عقود.

لم يكن كنفاني الابن الوحيد الذي حمل هم الوطن في هذه الأسرة العكاوية، إذ نشأ في بيت يقدّر العلم ويحض على القراءة رغم الظروف الاقتصادية الصعبة التي أعقبت اللجوء، فقد عمل والده محامياً قبل النكبة، وحرص رغم شظف العيش في المخيمات على أن يواصل أبناؤه تعليمهم بأي ثمن. اضطر غسان الفتى إلى العمل في وقت مبكر جداً من حياته، فباع السجائر في شوارع دمشق وعمل في مهن متواضعة أخرى لإعانة أسرته، وكان يقرأ في الوقت نفسه بنهم شديد كل ما تقع عليه يداه من كتب الأدب والفكر والسياسة، حتى غدت المكتبة العامة ملاذه اليومي الذي عوّضه عن غياب الاستقرار في حياته الأسرية المضطربة. هذا المزيج المبكر بين المسؤولية القسرية والشغف المعرفي صنع منه شخصية نضجت قبل أوانها، ومنحه حساسية خاصة تجاه معاناة الفقراء والمهمّشين انعكست لاحقاً في اختياره لأبطال رواياته من عامة الناس، الفلاح واللاجئ والعامل، بدل النخب المرفهة التي هيمنت على كثير من الأدب العربي في تلك الحقبة.

انتقل كنفاني بين دمشق والكويت في مطلع شبابه، فعمل مدرساً للاجئين الفلسطينيين في المخيمات السورية بينما كان يواصل تعليمه الجامعي في قسم الأدب العربي بجامعة دمشق، وهناك تعرّف إلى المناضل جورج حبش الذي كان له أثر بالغ في تشكيل وعيه القومي والسياسي. انتقل بعدها إلى الكويت في أواخر الخمسينيات ليعمل مدرساً للرياضة والرسم، وهي المهنة التي كشفت عن وجه آخر من مواهبه المتعددة، إذ كان كنفاني رساماً موهوباً ترك عدداً من اللوحات التي عبّرت عن هموم اللجوء والمقاومة بلغة تشكيلية موازية للغته الأدبية. غير أن الكويت لم تكن سوى محطة عابرة أخرى، إذ انتقل عام 1960 إلى بيروت ليعمل في الصحافة، فتنقل بين تحرير عدد من الصحف والمجلات اللبنانية مثل "الحرية" و"المحرر" و"الأنوار"، قبل أن يتولى لاحقاً رئاسة تحرير مجلة "الهدف" الناطقة باسم الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، التي كان أحد مؤسسيها والناطق الرسمي باسمها. في بيروت أيضاً تزوج كنفاني من الدنماركية آني هوفر التي عملت معه في مجال التربية والتعليم، وأنجب منها ولديه فايز وليلى، وشكّل بيته الصغير في الحازمية مختبراً يومياً لأفكاره ومسودات رواياته.

جاء عام 1963 ليشهد ميلاد أول أعمال كنفاني الروائية الكبرى، رواية "رجال في الشمس"، العمل الذي وضعه دفعة واحدة في مصاف كبار الروائيين العرب. تحكي الرواية قصة ثلاثة رجال فلسطينيين من أجيال مختلفة، أبو قيس الشيخ ومروان الشاب وأسعد المطارد سياسياً، يقررون الهجرة سراً من العراق إلى الكويت بحثاً عن لقمة العيش، فيستأجرون سائق صهريج مياه فارغ يُدعى أبا الخيزران ليهرّبهم عبر الحدود مختبئين داخل خزان الصهريج تحت شمس الصحراء اللاهبة. وحين يتأخر أبو الخيزران عند نقطة التفتيش الحدودية بسبب أسئلة موظفين عابثين عن ماضيه ورجولته المفقودة إثر إصابته في الحرب، يموت الرجال الثلاثة اختناقاً بالحر داخل الخزان في صمت مطبق، ليطرح كنفاني في نهاية الرواية الصادمة سؤاله الأشهر على لسان أبي الخيزران وهو يرمي جثثهم في مكب النفايات: "لماذا لم يدقوا جدران الخزان؟ لماذا لم يدقوا جدران الخزان؟". هذا السؤال الذي يتردد صداه حتى اليوم لم يكن مجرد خاتمة درامية، بل كان اتهاماً مبطناً لصمت الفلسطينيين وللأنظمة العربية التي تركتهم يموتون بصمت بدل أن يقاوموا أو يصرخوا، وهو ما جعل الرواية نصاً تأسيسياً في الأدب الفلسطيني المقاوم، إذ حوّل كنفاني مأساة اللجوء من حادثة فردية إلى استعارة كبرى عن حال أمة بأكملها.

لم يتوقف كنفاني عند "رجال في الشمس"، بل واصل بناء مشروعه الروائي بأعمال لا تقل عمقاً، فأصدر عام 1962 مجموعته القصصية "أرض البرتقال الحزين" التي رسم فيها ملامح النكبة ولحظة الخروج من فلسطين بلغة تجمع بين الشعرية والوجع اليومي، وأتبعها بروايته "ما تبقى لكم" عام 1966 التي جرّب فيها تقنيات سردية جديدة على القارئ العربي، إذ جعل الزمن والصحراء شخصيتين فاعلتين في النص إلى جانب الأبطال البشريين. أما روايته "عائد إلى حيفا" الصادرة عام 1969 فتُعد من أكثر أعماله رسوخاً في الوجدان الفلسطيني، إذ تحكي قصة سعيد وصفية اللذين يعودان إلى بيتهما في حيفا بعد حرب 1967 ليكتشفا أن ابنهما الرضيع الذي تركاه خلفهما عام 1948 قد تبناه زوجان يهوديان وربّياه على أنه جندي إسرائيلي يُدعى دوف، في مواجهة إنسانية وسياسية مركبة تطرح أسئلة الهوية والانتماء والوطن بعيداً عن أي تبسيط عاطفي. وفي روايته الأخرى "أم سعد" التي صدرت في العام ذاته، احتفى كنفاني بصورة المرأة الفلسطينية المقاومة عبر شخصية أم يافعة الأبناء نحو الفدائية، لتكتمل بذلك خارطة أدبية متكاملة يرصد فيها كنفاني تحولات الوعي الفلسطيني من مرارة الهزيمة واللجوء في الخمسينيات إلى صعود فكرة المقاومة المسلحة في الستينيات.

لم يكن كنفاني روائياً وقاصاً فحسب، بل كان أيضاً ناقداً ومنظّراً أدبياً استثنائياً، فقد أصدر عام 1966 دراسته الرائدة "أدب المقاومة في فلسطين المحتلة 1948-1966"، وهي أول دراسة نقدية شاملة تُعرّف القارئ العربي بأدب الفلسطينيين الذين بقوا تحت الاحتلال بعد النكبة، من محمود درويش وسميح القاسم وتوفيق زياد وغيرهم، وفيها صاغ كنفاني مصطلح "أدب المقاومة" الذي أصبح لاحقاً مفهوماً نقدياً راسخاً يُدرّس في الجامعات ويُستخدم في وصف تجارب أدبية مشابهة حول العالم. أتبع هذه الدراسة بكتاب آخر بعنوان "الأدب الفلسطيني المقاوم تحت الاحتلال 1948-1968"، مؤكداً أن المقاومة عنده لم تكن مفهوماً عسكرياً بحتاً بل مشروعاً ثقافياً متكاملاً يشمل الكلمة كما يشمل البندقية. وإلى جانب هذا الإنتاج الفكري الغزير عمل كنفاني محرراً وصحفياً دؤوباً، فتولى رئاسة تحرير مجلة "الهدف" منذ تأسيسها عام 1969 وحوّلها إلى منبر فكري وسياسي مؤثر، كما مارس الرسم التشكيلي هاوياً موهوباً ترك من خلاله لوحات تحمل الطابع الرمزي ذاته الذي طبع أدبه، لتكتمل صورة مثقف موسوعي وظّف كل أدواته التعبيرية، من الرواية إلى المقالة إلى الريشة، في خدمة قضية واحدة هي فلسطين.

وعلى الصعيد الفكري السياسي، لم يكن كنفاني منظّراً أدبياً منعزلاً عن الحقل السياسي، بل كان أحد القادة الفكريين البارزين في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، التي تبنت خطاً يسارياً يربط تحرير فلسطين بمشروع تحرر اجتماعي واقتصادي أشمل، وقد أسهم كنفاني في صياغة كثير من أدبيات الجبهة السياسية والفكرية، مؤمناً بأن معركة فلسطين ليست معركة استرداد أرض فحسب بل معركة ضد الاستغلال الطبقي في آن واحد. هذا الموقف الفكري المركّب انعكس بوضوح في شخصياته الروائية التي لا تكتفي بمعاناة اللجوء بل تعيش أيضاً هامشية اجتماعية واقتصادية مضاعفة، كما في شخصية أبي الخيزران المهمّش جسدياً واجتماعياً في "رجال في الشمس"، أو في عائلات المخيمات الفقيرة التي تتصارع مع الجوع والبطالة إلى جانب صراعها مع الاحتلال والتهجير.

تكمن واحدة من أهم إسهامات كنفاني في تجديده لأدوات السرد العربي، إذ أدخل إلى الرواية العربية تقنيات حداثية لم تكن مألوفة وقتها، كتعدد الأصوات الراوية وتداخل الأزمنة عبر الاسترجاع الفني "الفلاش باك"، وتيار الوعي الذي يتيح للقارئ الغوص في الدواخل النفسية المضطربة لشخصياته الممزقة بين الحنين إلى الماضي وثقل الحاضر. هذا التجريب الشكلي لم يكن ترفاً فنياً بل كان متجانساً عضوياً مع مضمون رواياته، فالتشظي الزمني في السرد يعكس تشظي الهوية الفلسطينية ذاتها بعد النكبة، والتنقل بين الأصوات يجسد تعدد التجارب الفلسطينية المشتتة بين المخيمات والمنافي. وقد ترك هذا الأسلوب أثراً بالغاً في الأجيال اللاحقة من الروائيين الفلسطينيين والعرب عموماً، الذين وجدوا في تقنيات كنفاني السردية نموذجاً يحتذى في كتابة القضايا الوطنية الكبرى دون الوقوع في فخ الخطابية المباشرة أو الشعارات الجوفاء، إذ ظل الأدب عنده دائماً أدباً أولاً، فنياً محكم البناء، قبل أن يكون بياناً سياسياً.

في صباح الثامن من تموز عام 1972، وبينما كان كنفاني يستعد لمغادرة منزله في حي الحازمية بضاحية بيروت برفقة ابنة أخته لاميس نجم البالغة من العمر سبعة عشر عاماً، انفجرت عبوة ناسفة زُرعت في سيارته، فاستشهد الاثنان في لحظة واحدة في عملية اغتيال نُسبت إلى جهاز الموساد الإسرائيلي، رداً على دوره الفكري والسياسي في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وتأثيره المتنامي بوصفه صوتاً أدبياً وإعلامياً بارزاً للقضية الفلسطينية. لم يكن عمر كنفاني حين استُشهد قد تجاوز السادسة والثلاثين، وهو عمر قصير قياساً بحجم ما أنتجه من روايات وقصص ودراسات نقدية ومقالات صحفية لا تزال حتى اليوم مرجعاً أساسياً لكل باحث في الأدب الفلسطيني. وقد أثار اغتياله موجة تنديد واسعة في الأوساط الثقافية العالمية، إذ وصفه الكاتب الفرنسي جان بول سارتر بأنه لم يكن هناك سلاح أقوى من موهبته، فيما اعتُبر اغتيال كنفاني اعترافاً ضمنياً بالخطر الذي شكّلته الكلمة الفلسطينية على السردية الإسرائيلية الرسمية، وتأكيداً على أن الأدب حين يصدق في تعبيره عن قضية عادلة يمكن أن يكون بحد ذاته فعل مقاومة يوازي أثر الفعل المسلح.

تجاوز صدى أدب كنفاني حدود اللغة العربية إلى آفاق عالمية واسعة، إذ تُرجمت رواياته وقصصه إلى عشرات اللغات من بينها الإنجليزية والفرنسية والألمانية والإيطالية والفارسية، وأُدرجت أعماله في مناهج دراسات الأدب المقارن والدراسات الشرق أوسطية في عدد كبير من الجامعات الغربية بوصفها نموذجاً فريداً لأدب اللجوء والهوية المهدَّدة، يوضع أحياناً في مقارنات نقدية مع أدباء عالميين آخرين كتبوا عن التهجير والحروب والهوية الممزقة. كما تحولت رواية "رجال في الشمس" إلى فيلم سينمائي بعنوان "المخدوعون" أخرجه المخرج المصري توفيق صالح عام 1972، وهو من الأفلام العربية القليلة التي نجحت في نقل الطابع الرمزي والسياسي العميق للنص الروائي الأصلي إلى الشاشة دون تسطيح أو مباشرة، فيما تحولت أعمال أخرى لكنفاني إلى مسرحيات وأعمال درامية أُعيد تقديمها في مناسبات ومهرجانات ثقافية مختلفة، بما يؤكد أن نصوصه تحمل طاقة فنية قابلة للتجدد عبر الوسائط والأجيال.

أكثر من خمسة عقود مرت على استشهاد غسان كنفاني، ولا تزال رواياته تُطبع وتُترجم إلى عشرات اللغات، ولا يزال اسمه حاضراً في المناهج الدراسية والدراسات الأكاديمية والمهرجانات الثقافية التي تحمل اسمه تخليداً لذكراه، بل إن جوائز أدبية عدة تحمل اسمه أصبحت من أهم الجوائز الفلسطينية التي تحتفي بالمواهب الشابة. وتكمن ديمومة حضوره في أن أدبه لم يكن أدب مرحلة أو حدث عابر، بل كان صياغة فنية عميقة لأسئلة الهوية واللجوء والعودة التي لا تزال قائمة بلا إجابة حتى اليوم، فما زال سؤال "لماذا لم يدقوا جدران الخزان" يتردد في وجدان كل فلسطيني يواجه صمت العالم، وما زالت حكاية سعيد وصفية الباحثين عن ابنهما المفقود تتكرر بصور مختلفة في كل بيت فلسطيني مقتلع من أرضه. لقد أثبت غسان كنفاني بحياته القصيرة وإنتاجه الغزير أن الكلمة حين تصدق يمكن أن تصبح خارطة وطن كامل، وأن الروائي حين يكتب من عمق تجربته يمكن أن يتحول إلى ضمير أمة بأكملها، وهو الإرث الذي جعل منه أحد أهم الأدباء الذين أنجبتهم فلسطين والعالم العربي في القرن العشرين.