في أسبوع دار الفكر الثقافي العاشر الذي تقيمه هذه السنة تحت شعار "القدس مسؤوليتنا جميعاً" استضافت الدار يوم الأربعاء 22 / 4 / 2009م مجموعة من الأشخاص الذين قدموا شهاداتهم عن غزة والمقاومة. وكانت أول المتكلمات دكتورة شابة من غزة اسمها شيماء شراب, عرضت للحضور صوراً عن غزة قبل الحرب, وصوراً عن غزة أثناء الحرب وبعدها.
عن قيامة قامت وعن آلة تدمير مرت لم تميز بين حجر أو شجر أو إنسان.
طبعاً هذا الذي عرضته الدكتورة شيماء شاهدنا ما يقاربه على شاشات التلفزيون, ولكن ما أثّر بي أكثر من أي شيء آخر هو ذلك الانطلاق الذي تحدثت به الدكتورة, وتلك الإبتسامة العذبة التي لم تفارق ثغرها طوال حديثها وكأن كل ما رأته عيناها من تشويه وقتل ودمار جعلها ترى جمال الحياة أكثر!
لقد أخبرتنا الدكتورة شيماء أنها عندما كانت تعود لبيتها بعد عملها الصعب جداً في المستشفى الذي كان يفتقر للكثير من الإمكانات والمكتظ بجموع كثيرة من الأطفال والنساء والرجال المصابين والشهداء, كانت تعود لبيتها لتلعب مع إخوتها الصغار! قالت لا تستغربوا, لأنهم لو استطاعوا أن ينتزعوا منا رغبتنا بالحياة وقتها سينتصرون أما ونحن نعيش حياتنا ولا نسمح لهم بتدمير دواخلنا فنحن منتصرون.
طلبت شيماء منا دعم عزة وتجهيز العدة لنصرة فلسطين, وقالت إن في يد كل واحد منا سلاح وما عليه إلى أن يستعمله, كل واحد منا لديه إمكانات يجب أن يستغلها.
وأعود لأكرر ما قلته في أحد مقالاتي السابقة إن فلسطين (كلها, وليس هذا الجزء أو ذاك منها) مسؤوليتنا, وقضية فلسطين ليست منفصلة بحال من الأحوال عن قضايانا الحضارية, فإذا رجعنا لدراسة أسباب اختيار الغرب لوطننا العربي واعتباره المكان المناسب لتحقيق مشروع إسرائيل سنجد بالإضافة إلى ما بينه الباحثون من استراتيجية فلسطين وموقعها الجغرافي والتاريخي, ايمان الغرب بإمكانية تحقيق ما يريدون ورسم وتحريك الأوضاع كما يشاؤون بسبب ما يعانيه العرب خاصة والمسلمون عامة من تخلف حضاري.
كثيرون يدرسون ما يكلفه الصراع العربي الإسرائيلي, وما أدى إليه من مشكلات سياسية واجتماعية واقتصادية على مستوى الوطن العربي عموماً, ونسينا أصل المشكلة الأساس وهو دراسة ما يكلفه التخلف وغياب الفاعلية الاجتماعية من كوارث اجتماعية وسياسية واقتصادية وحتى فكرية, مما أوصل مجتمعاتنا إلى مرحلة آمنت فيها بتخلفها الأزلي وبعدم قدرتها على النهوض, إلا بتحقيق معجزة, أو بالتفكير بالطرق الإنقلابية, أو محاولة ايجاد حلول استسلامية تصالحية مع الغرب واسرائيل, أو حلول تسعى لإقناع الغرب باسبتدال دولة إسرائيل الوظيفية
بدولة عربية وظيفية تحقق مصالح الغرب في المنطقة وتقوم مقام إسرائيل في ذلك. ولعل ما نراه من تعامل بعض الدول العربية مع قضية فلسطين وامتثالها لأوامر الغرب, ومشاركتها في حصار الشعب الفلسطيني إلا مظهر يدل على هذه الرغبة.
إن نصرتنا لقضية فلسطين, هو أمر أساسي يظهر مدى فهمنا لهذه القضية, ومدى استيعابنا لدور اسرائيل في المنطقة, ويجب أن لا يغيب عن بالنا أن تخلينا عن نصرة فلسطين لن يحمينا من طمع الغرب, وأن امتثالنا لأوامر الدول الغربية ووقوفنا ضد إخواننا في فلسطين لن يمنع عنا رغبة الغرب باستغلالنا كما يشاء, فإسرائيل لم تقم في فلسطين من أجل استغلال فلسطين فقط, بل إنها مشروع استيطاني إحلالي وُضع لتحقيق مصالح غربية في الوطن العربي عامة, بل في العالم كله على اختلاف في مستويات هذه المصالح. والمتابع لما يحصل في العراق وأفغانستان والسودان وغيرها من البلاد يفهم تماماً هذا الأمر. لذلك كان من الضروري العمل على نصرة فلسطين بكل الوسائل المتاحة, كالدعم المادي والتبرعات, والدعم الاعلامي والسياسي .....إلخ, فنصرة فلسطين هو فعل مقاومة, مقاومة لاستغلال الغرب لنا, ومقاومة لاستمرار تدهورنا وخضوعنا, بالتوازي مع عملنا على تفعيل مجتمعاتنا للتخلص الكامل من كل المظاهر التي تجعل من العرب والمسلمين متخلفين حضارياً, وواقعين في مرمى الطمع الغربي الاستعماري.



