بالطبع فإن السيد بطرس غالي دافع بشراسة عن الاتفاقية واعتبرها أكبر مكسب لمصر وأكبر إنجاز للدبلوماسية المصرية!. ذلك أنها حسب قوله أعادت سيناء وأعادت قناة السويس وأعادت البترول!
متجاهلاً كون سيناء منزوعة السلاح مما يهدد أمن مصر القومي فضلاً عن إتاحة الفرصة لإسرائيل بالاستفراد بالفلسطينين كما حدث في أحداث غزة الأخيرة, ومتجاهلاً أن مرور إسرائيل من قناة السويس هو مكسب كبير لإسرائيل لأنه أخرجها من عزلتها وحصارها, ومتجاهلاً كل المصائب التي حلت بمصر وبأمنها القومي من جراء هذه الاتفاقية, والتي بينها أحمد منصور في برنامجه ذاك بجلاء واضح أمامه.
ما أثار اهتمامي في تصريحات السيد بطرس غالي هو طريقة دفاعه عن هذه الاتفاقية والتي أظهرت مقدار استخفافه بالشعب العربي عامة والمصري خاصة, وكيف راح يكرر بأن مصائب مصر التي تعيشها اليوم ليست من نتائج هذه الاتفاقية بل إن لها أسباباً أخرى أهمها الأصولية الإسلامية!
وموقف غالي هذا ليس فريداً أو نادراً بين المسؤولين العرب من أمثاله , ولكننا صرنا نسمع تصريحات كثيرة من مسؤولين عرب تدل دلالة واضحة على مقدار استخفافهم بالوعي العربي, ومقدار تواطئهم وبعدهم عن شعوبهم, وكأنهم متأكدون بأن كل ما يقولونه سوف ينطلي على الشعب وسوف يؤخذ بتصديق مطلق.
وهذا إن دل على شيء فهو يدل على مدى جهل أو تجاهل حقيقة أن الشعب العربي بعد كل هذه السنين من تعامله مع العدو الصهيوني صار يعرف تماماً من هو هذا العدو وكيف يفكر وكيف يتصرف. وخدعة أنه يريد السلام مع العرب خدعة لا يصدقها أي عربي شاهد بعينه جرائم هذا العدو المتكررة منذ سنوات طويلة ضد أهلنا وشعبنا في الأراضي المحتلة. ولا يصدقها أي عربي شاهد بعينه أيضاً نتائج هذا السلام المزعوم على بلد كبير كمصر مازال يدفع ثمن هذه الاتفاقية من أمنه وأمانه وكرامة أبنائه.
لذلك فإن الشعب المصري ورغم مرور ثلاثين سنة على توقيع هذه الاتفاقية مازال يرفض التطبيع ويرفض قيام أي علاقات مع العدو الصهيوني. وهو يصف أي تعامل مع هذا العدو بأنه خيانة تستحق العقاب.
واليوم ترتفع الأصوات مطالبة بإلغاء هذه الاتفاقية أو مراجعتها على أقل تقدير, فقد دعا خبراء مصريون إلى إعادة النظر في اتفاقية كامب ديفيد وقالوا إن هذه الاتفاقية تسببت في إحداث ارتباك في مصر خلال العدوان على غزة لأن سيناء وفق الاتفاقية منزوعة السلاح. وأكدوا أن هذه الاتفاقية من آثار الاستعمار الأمريكي لمنطقة الشرق الأوسط. وبما أن هذه الاتفاقية لا مدى زمني لها فإن هذا يعد مخالفة صريحة لأن كل اتفاقية تراجع أو تنتهي من تلقاء نفسها بعد مرور 30 عاما عليها، ومعاهدة كامب ديفيد سوف تجدد في 26 مارس الحالي بمناسبة مرور 30 عاماً عليها ومن الضروري والطبيعي أن يتم مراجعتها.
إن فكرة أن إسرائيل بلد يحب السلام ويسعى لتحقيقه مع العرب فكرة قد يصدقها الغرب المخدوع إعلامياً ودبلوماسياً ولكن الشعب العربي يعرف تماماً أهداف ومخططات إسرائيل ويعرف تماماً أنها كيان إجرامي مادي غاصب لا يهمه إلا مصلحته حتى لو تحققت على دماء الأطفال والأبرياء.
ومثل اتفاقية كامب ديفيد أو غيرها من اتفاقيات السلام الأخرى تبقى حبراً على ورق بنظر هذه الشعوب التي تملك من الوعي ما يمكنها من تميز الحق من الباطل ومن تمييز طريقها دون حاجة لمن يرسم لها خارطة طريق لن توصل إلى إلا مزيد من الاستسلام والتنازل عن الحقوق.



