عندما تابعت برنامج أمير الشعراء في دورته الأولى، كنت أشعر بالسعادة والإثارة، خصوصا أن الدورة الأولى كان يعزى لها الفضل في إبراز موهبتين مغمورتين ما كنا لنسمع بهما لولا هذا البرنامج وهما تميم البرغوتي وعبد الكريم معتوق. هذا بالطبع كان دافعا لتكوين انطباع إيجابي عنه -بغض النظر عن تدخل الجمهور غير المتخصص في أن ترجح كفة أحدهم على الآخر، وضعف الذائقة الشعرية لدى لجنة التحكيم-.
أما في الدورة الثانية، فالعجب العجاب كان حاضرا في كافة حلقاتها المذاعة من اختيار غير مدروس لشعراء ذوي مستويات مقفرة وقاحلة، وتهميش بل إعدام لمواهب فذة مثل بخيت ومهدي والذين خرجا من المسابقة محطمين لا يلويان على شيء..
ولقد كانت تجربتي مع أمير الشعراء في الدورتين الثانية والثالثة عندما وصلت للتصفيات التمهيدية وقابلتني لجنة التحكيم مرتين، فضلا عن اطلاعي على تجارب الشعراء المشاركين كافية تماما لتكوين صورة عادلة وشاملة عن هذا البرنامج، الذي بدا لي وكأنه حقيقة مجزرة للشعراء كما وصفه الشاعر عمز هزاع بعد تجربته المدوية هناك. فالتناول السطحي المفرط للقصيدة، والاهتمام بموضوع القصيدة بغض النظر عن فنياتها كان مفاجئا لي وللكثيرين..وربما كانت هذه السطحية بسبب عدم وجود فترة كافية لدى لجنة التحكيم لقراءة نسخة من نص القصيدة بتمعن قبل دخول الشاعر على اللجنة، وإن كنت أستبعد ذلك سببا.
لا أظن أن المشكلة تقع في الجهة المنظمة أو في الشعراء المشاركين أو حتى الجمهور الذي يصوت لهذا او لذاك، ولكنها تنصب في الأساس على أداء لجنة التحكيم الباهت ورعونتها وتقييمها السطحي الأجوف للمشاركات بإجماع كافة الشعراء حتى الذين تمت إجازتهم للوصول إلى التصفيات النهائية. فلم يكن الشعر يوما مادة أكاديمية حتى يتم التعامل معه بهذا الشكل البارد.
لجنة التحكيم ظلمت نفسها عندما لم تصر على أن يكون بينها على الأقل شاعرين كبيرين، كي يتم تقييم النصوص بشكل أكثر عمقا بدلا من هذه السطحية الفظة.. والتي كانت تعمد إلى تفصيص النص إلى وزن ولغة وصور دون النظر إلى الصور الكلية ودرجة الشعرية في النصوص المقدمة.
الأستاذ علي بن تميم كان يشتغل على الوزن في نقده للنصوص، أما الأستاذ مرتاض، فولعه باللغة جعله لا يرى في القصيدة إلا نحوها ومفرداتها، ود. فضل كان لا يهتم إلا بالصور المفردة، وغاية الشاعر من النص، أما الرشدان وخريس فأظنهما كانا الأقرب للمس الشعرية في القصيدة وتناولها بشكل ودي وشمولي. ولذلك فإن الحاجة إلى تجديد لجنة التحكيم أصبحت أكثر من ملحة، خصوصا بعد تكرار النداءات في هذا الشأن.
أضف إلى ذلك طبعا، مسألة عامل الجمهور التي تلعب دورا محوريا في ترجيح الشعراء للمراحل النهائية، وقد انتقد ذلك الكثيرون، فأغلب المصوتين سواء داخل القاعة أو عبر الهواتف المتحركة غير متذوقين للشعر وإنما ما يدفعهم بشكل أساسي للتصويت الطائفية والقبلية والعنصرية بشكل كبير، ولذلك فلا بد من إعادة النظر في النسبة الممنوحة لهم والتي ما كان يجب ان تتجاوز ال 20% من مجموع الدرجات.
برنامج أمير الشعراء قد يكون حقق هدفه في أن يكون الشعر ديوان بعض العرب، ولكنه بحاجة إلى الكثير حتى يلبي طموح وتطلعات مئات الشعراء المميزين في شتى البلدان..فإلى متى ستظل اللجنة المنظمة في معزل عن صراخ الشعراء المحتجين والمنددين بمقصلة البرنامج؟



