( وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ)

 

أصبحت الأمة في أمر عجب       والملك مجموع غداً لمن غلب
فقلت قولاً صادقاً غير كذب         إن غداً تهلك أعلام العرب

 

(عفواً: لا ملك لا للغالب ولا للمغلوب)

 

كلنا يعرف أن ما يجري في فلسطين اليوم من تقاتل بين الأخوة, لن يفيد أحداً إلا العدو. وعلى الرغم من ايماننا بهذه البديهية نجد أن الدم مازال يسيل, وشقة الخلاف ما زالت تتسع, وكل يوم نسمع عن سقوط قتلى وجرحى. ولكننا نسمع أيضاً عن مبادرات للمصالحة ومحاولات لوقف القتال, ووساطات وتدخلات. ولكن أين النتائج على أرض الواقع؟ إننا لا نجد شيئاً, وكل يوم نسمع عن اجتماع جديد من أجل الحوار, وعن مبادرات ودعوات ولكن القتال مازال مستمراً.

 

لن نبحث في السبب الذي أشعل الفتنة, ولن نبحث أيضاً عن الطرف الذي يتحمل المسؤولية سواء في بدء القتال أم استمراره أم فشل المحاولات التي تقدّم لوقف النزاع. لأن أي نزاع يحصل بين الإخوة لا يحمل مسؤوليته طرف دون آخر, فكما هم شركاء في القتال فهم أمام الله شركاء بالإثم, وكلنا نعرف قوله صلى الله عليه وسلم الذي نقله أبو بكرة رضي الله عنه: "إذا التقى المسلمان بسيفيهما وكلاهما يريد قتل صاحبه فقتل أحدهما صاحبه فكلاهما في النار، قالوا يا رسول الله: هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال إنه أراد قتل صاحبه".

 

ولكني سأتحدث عن مسؤولية المتفرجين على ما يحصل من أبناء الشعب الفلسطيني خاصة, من الذين يشهدون ما يجري ويتابعونه على أرض الواقع, كيف لا يهبون لوقف القتال بأية وسيلة تنفيذاً لأمر الله حين قال "وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ" (الحجرات:9)؟؟؟.

فإذا قال قائل إن المحاولات لم تنقطع وأن الأمر أكبر مما نتصور, وأن أهل فلسطين لم يقفوا متفرجين, بل إنهم حاولوا ولم ينجحوا, فإنني أقول إننا نقف أمام صورة واضحة ومثال يمكن تعميمه ليس على فلسطين وحدها ولكن على كل مجتمعاتنا العربية, وهي صورة لانعدام الفاعلية, وانعدام التخطيط والعمل الجماعي في مجتمعاتنا, وصورة واضحة لانعدام المسؤولية والإحساس بالانتماء الوطني.

نعم, فالإنسان في مجتمعاتنا تعوّد على التألم دون حراك, تعوّد على عدم التحرك, على القعود وانتظار انتهاء الأمور إما بمعجزة سماوية أو تدخل خارجي. مازال ينقصنا الإيمان بقدرتنا على تغيير واقعنا المؤلم, مازلنا نرمي بكل همومنا على الحكومات, وننتظر أن تحل مشاكلنا حتى صرنا كريشة في مهب الريح تحركها الرياح كيف تشاء.

 

المصيبة أن من يدفع الثمن هم هؤلاء الناس المتفرجون, يدفعون ثمن الحروب والنزاعات والتخاصمات, يدفعون ثمن العدوان والمغامرات, يدفعون ثمن الحصار والتجويع, يدفعون ثمن السياسات والتجاذبات, يدفعون ثمن كل شيء.

لذلك فإن الأفراد العاديين في فلسطين لا يمكن إعفاؤهم من المسؤولية, هؤلاء الذين يتقاتلون هم أبناؤنا, إخوتنا, أزواجنا, أعمامنا, جيراننا, أصدقاؤنا, فهل فقدنا حتى القدرة على النصح؟ هل فقدنا القدرة على التأثير على من هم أقرب الناس لنا لنمنعهم عن معصية الله وإيذاء أنفسهم والمغامرة بقضيتنا وتضحياتنا لدرجة دفعت بكثيرين منا لإعلان خجلهم من انتمائهم الفلسطيني؟!

ألسنا من يدفع الثمن؟ ألسنا من نعاني؟ فحتى متى نسكت؟ ماذا ننتظر؟ مبادرة عربية للإصلاح؟ إرادة أجنبية لوقف القتال؟ صحوة ضمير من المتقاتلين؟؟؟؟؟!!!!

إننا مسؤولون جميعاً عما يجري في فلسطين, كلنا يجب أن نبذل جهدنا لوقف الفتنة, ومسؤولية المقيم على أرض النزاع هي مسؤولية مضاعفة. فإذا كان البعيد عن الحدث المقيم في الخارج لا يملك سوى النصح والاستنكار, وعقد الإجتماعات وتقديم العرائض, وكتابة المقالات والقصائد, وتحليل الأمور, فإن المقيم على الأرض عليه مسؤولية أخرى إضافية وهي العمل الفعلي لوقف الفتنة, فليحاول كل واحد منكم أن يردع أخاه أو أباه أو صديقه أو جاره من المشاركة في النزاع, ولتردع الزوجة زوجها والطفل أباه, وليعمل المثقفون على إعلان الرفض. وليكتب الشعراء القصائد, وليعلن البائع رفضه للقتال, وليتظاهر الطلاب والمدرسون, ليقف العامل والفلاح لوقف الفتنة بكل ما يستطيع, حتى لو كان أقل القليل, فلتكن هبة شعبية عامة مستمرة لا تهدأ ولا تكلّ بأشكال متنوعة لوقف هذه المهزلة الدموية.

 

إن سكوتنا عما يجري, وضعف تحركاتنا لوقف هذا القتال البغيض يجعلنا طرفاً في النزاع من غير أن نشعر, ويحملنا المسؤولية أمام ربنا, فهو حين أمرنا بالإصلاح بين المتخاصمين وأمرنا بقتال الباغي, والحكم بين المتقاتلين بالعدل, لم يكن أمره للتخيير بل هو أمر وجوب (فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا) (فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ ) (فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا ) والواجب إذا تركناه استحقينا العقاب من الله تعالى وهو عقاب في الدنيا غير عقاب الآخرة, هذا العقاب الذي نشعر به على أرض الواقع فالحرب كما قال الشاعر:

وَما الحَربُ إِلّا ما عَلِمتُم وَذُقتُمُ       وَما هُوَ عَنها بِالحَديثِ المُرَجَّمِ
مَتى تَبعَثوها تَبعَثوها ذَميمَةً       وَتَضرَ إِذا ضَرَّيتُموها فَتَضرَمِ
فَتَعرُكُّمُ عَركَ الرَحى بِثِفالِها       وَتَلقَح كِشافاً ثُمَّ تَحمِل فَتُتئِمِ
فَتُنتَج لَكُم غِلمانَ أَشأَمَ كُلُّهُم       كَأَحمَرِ عادٍ ثُمَّ تُرضِع فَتَفطِمِ
فَتُغلِل لَكُم ما لا تُغِلُّ لِأَهلِها       قُرىً بِالعِراقِ مِن قَفيزٍ وَدِرهَمِ

 

 

 رغداء زيدان