جماهيرنا الغفيرة

تلقت الجماهير العربية نبأ إعدام صدام بكثير من الشجب والاستنكار, واعتبر كثيرون هذا التنفيذ هو نوع من الاغتيال السياسي. وسمعنا عن مجالس عزاء أُقيمت في بعض البلاد العربية, بل إن ليبيا أعلنت الحداد الرسمي, وأُديت صلاة الغائب على روح صدام في بلدان عديدة. ولم يقتصر الشجب والاستنكار على البلاد العربية وحدها, بل إنه عمّ بلاد العالم تقريباً, حتى أمريكا نفسها حاولت التنصل من المسؤولية وإلقاء تبعات الفعل على الحكومة العراقية وحدها, والتي فتحت بدورها تحقيقاً رسمياً لمعرفة كيفية تسرب الفيلم التسجيلي عن عملية الاعدام المثيرة.

بالطبع فإن ما يلفت النظر ليس هو حجم هذا الاستنكار والشجب, ولا طريقته, ذلك أن ما جرى خلال التفيذ كان يحمل من الإثارة الشيء الكثير. ولكن ما لفت نظري حقيقة هو شيء جعلني أتساءل: ما الذي يجعل الشعوب العربية خاصة تتحرك أو تبدي ردة فعل بطريقة ما, على حادث يقع في أحد البلاد العربية؟ وما الذي يجعلها تسكت وكأن ما حدث لا يعنيها منه شيء؟. هل هو حجم وكارثية هذا الحادث, أم هو مقدار الترويج الإعلامي المرافق للحدث؟ أم أنه مقدار الحرية المسموحة من السلطات الحكومية في البلاد العربية لإبداء ردة الفعل المناسبة؟ أم أنه شكل الاستجابة المطلوبة من هذه الشعوب لتحقيق أهداف مرسومة مسبقاً ومخططة بعناية بحيث تخدم مصالح معينة وتمهّد لوقائع جديدة ما كانت لتحدث لولا ردة الفعل هذه؟.

المقارنة مثلاً بين ردة الفعل العربية على إعدام صدام كشخص ما زال كثير من الناس يتحدثون عن أعماله الوحشية التي ارتكبها بحق شعبه, وردة الفعل العربية على سقوط بغداد ودخول الجيش الأمريكي لهذا البلد العربي, ومتابعتنا جميعاً لمظاهر السلب والنهب وتدمير التاريخ, هذه المقارنة تبعث على الاستغراب. هل إعدام صدام على رغم خطورته يوازي سقوط بغداد التاريخ وما تبع هذا السقوط من قتل وتخريب مستمران؟
هل إعدام صدام رغم وحشيته اقترب من وحشية الصهاينة عندما اقتحموا جنين وحاصروها أياماً طويلة تحت مرأى ومسمع العالم كله, حتى لم يبق فيها حجر على حجر ؟ بل إن بيت حانون وما جرى فيها ليس عنا ببعيد. هل كان رد الفعل العربي سواء الشعبي أم الرسمي بنفس قوة وحدة رد الفعل على عملية الإعدام؟.
هل إعدام صدام رغم ما استشعره العرب بسببه من ذلة وهوان كان له من الأثر عُشر ما استشعره كل عربي ومسلم شاهد صور التعذيب في سجن أبو غريب, أو في سجن غوانتانامو؟ .
هل إعدام صدام وهو من هو أشعرنا بخسارة فادحة لشخصية عربية مناضلة سعت لرفعة المجتمع وعزته وكرامته كشعورنا ونحن نخسر يومياً شخصيات عربية مناضلة غيّبتها سجون الاستبداد في أنحاء العالم؟.

حوادث كثيرة مرت على أمتنا, حوادث مؤلمة, مهينة, مذلّة, خطيرة, هددت وجودنا وكياننا وديننا, لم تحرك في الشارع العربي أحداً, حتى أن الكتّاب والمحللين كانوا ومازالوا يصفون هذه الشعوب بأنها ميتة, وفي أحسن الأحوال يائسة مستسلمة, والواقع كما أراه هو أن هذه الشعوب لازالت تفتقد إلى روح المبادرة الحقيقية, فكل رد فعل لا يظهر إلى الوجود إلا بعد سماح حكومي به, وبطريقة محددة. ولا أتحدث هنا عن الاستبداد وكبت الحريات فقط, بل أتحدث عن ما يمكن تسميته تأخر النضج الإجتماعي, والذي أقصد به أن شعوبنا العربية لم تصل بعد لمرحلة تستطيع فيها التعامل مع الأحداث بطريقة منطقية عقلية, فتعطي لكل فعل رد الفعل المناسب, فضلاً عن انتقالها من رتبة المنفعل إلى رتبة الفاعل.
لذلك ما زالت الدول القوية تعطينا المثير بطريقة معينة تتنبأ من خلالها برد الفعل المتوقع منا, أو بالأحرى المفروض أن يصدر من شعوبنا. ومازلنا للأسف نقع في فخهم مرات ومرات.

ما الذي يجعلنا نقع في نفس الفخ؟ إنه بالتأكيد افتقارنا إلى الوعي, نحن بحاجة حقيقية لوعي نفهم من خلاله الحوادث فهماً يمكننا من انتاج رد فعل منطقي يخرجنا من دائرة المتحكّم به, المسيَّر, المسيطر عليه, إلى دائرة الفاعل المتحكّم بنفسه, المخطط لحياته, الواعي لما يدور حوله ولما يجب عليه فعله.

ودائماً أعود للمجتمع نفسه: نحن لن نملك هذا الوعي ما لم يتحمل أفراد الشعب مسؤوليتهم, فيعتبر كل واحد منا أن قضية نهوضنا من مواتنا الحضاري هي قضيته وليست إرادة حكومات ودول, فيسارع لعمل كل ما يمكن عمله لنهضتنا. فضعفنا جريمة, نعم هو جريمة, وهو الجريمة الأم التي ولّدت كل الجرائم التي اُرتكبت وما زالت ترتكب بحق أمتنا وشعوبنا, وهو السبب الذي جرّأ مجرمي العالم علينا فاستباحوا حرماتنا, وأهانونا, وجعلونا محلّاً لتجاربهم.
ضعفنا جريمة فهل سيسامحنا التاريخ عليها؟

مدير التحرير

رغداء زيدان