وقفت طويلاً أما هذه الآيات الكريمة من سورة البقرة، لا سيما في رحاب شهر رمضان المبارك الذي تتصالح فيه النفس مع كتابِ ربها وتعكف على قراءته بمزيد من التدبر بعد طول غفلةٍ قد تمتد شهوراً تجف فيها أزاهير النفس وتطمس البصيرة ويغشى القلوب رانُ التقصير. يقول –عَزَّ من قائل- : (أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم هن لباس لكم وأنتم لباس لهن علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر...). ولن أخوض هنا في التأويل أو التأصيل الفقهي ، ولا في مدارج الناسخ والمنسوخ التي لا يرتقي إليها علمي القاصر بل سأعيش للحظاتٍ في ظلال هذه الآية الكريمة متفكراً متدبراً فكرةً ذات شأن تطرق أبواب الضمير الإنساني بقوة ، وكأنها تنادي: أجيبوا داعي الله وتصالحوا مع فطرتكم. فالآية الكريمة أعلاه نزلت ناسخة لحكم شرعي سابق يحرم الرفث إلى النساء في ليل الصيام كما في نهاره، وهنا تتجلى التربية الربانية لعباد الله الذين خلقهم ويعلم بعلمه المطلق طبيعة فطرتهم وميلها لإشباع الغرائز فكلفهم ثم رخص لهم في إشارةٍ حكيمة إلى تفهم طبيعة هذه الغرائز وإباحة إشباعها ضمن الحدود التي رسمها لهم. ومن هنا جاء في الأثر: (إن الله-تعالى – يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه) لأن النفس تتقبل الحق من الطريق الأسهل إليها كما ذكر الإمام الغزالي رحمه الله. نتنسم نفحات هذه الآية الكريمة في المحراب الرمضاني وأعيننا تنظر إلى حال الشباب المسلم في سائر أرجاء الأرض ، والمحروم-دون مواربةٍ في القول أو مكيجةٍ للحقائق- من إشباع أكثر الغرائز إلحاحاً في الظهور ، وأهمها في الحفاظ على النوع والتكاثر المفضي إلى مباهاة الرسول الكريم للأمم بهم في يوم الحشر. عندما يُكثر الواعظون من الحديث عن حالة الانحلال والفسوق التي تستشري في أوساط شريحة كبيرة من الشباب الذين لا يسلمون من سياط الواعظين عدا عن سياط إلحاح الغريزة يتفطر القلب أسى وإشفاقاًُ. فكل النصوص الداعية إلى العفة والطهر وصون النفس والعرض- وجميعه حق وخير وفضيلة- ما جاءت لإطالة عمر خنق الغرائز ولا لإدارة الظهر لمتطلبات الفطرة الإنسانية ، بل جاءت لتنظيم الغرائز في إطار مجتمع صحي ، وليس لقتل يوميٍ لها حتى يبلغ الشباب أواسط الثلاثينيات من أعمارهم في صراعٍ محموم لاستطاعة الباءة . المطلوب منا أن نعظ أنفسنا أولاً قبل وعظ الشباب ، والبحث عن أصل المرض لا التباكي على أعراضه ، والسعي الحثيث لجلب العلاج قبل أن نجد أنفسنا نصرخ في بحرٍ متلاطم من الضياع والانحلال. وأيم الله لو سؤلتُ لأجبت دون تلكؤ أو تردد: إنه الزواج المبكر لا غيره ، نعم..ليتزوج الشباب وليحمل الآباء والأمهات كلفة دراستهم تقاسماً ، لأنهم جميعاً يعلمون أن الشباب بطريقةٍ أو أخرى...يختانون أنفسهم. د.عبدالرحمن أقرع