خذوا ما تبقى من دمنا الذي لم تحرقوه بعد وانصرفوا
في اليوم الأول من المدرسة خضتُ غمار أزمة السير مصطحباً أسرتي الصغيرة تحقيقاً لحلمٍ راودنا جميعاً عند ولادة طفلتنا الأولى برؤيتها تقف في طابور المدرسة تردد وأترابها السلام الوطني مع ارتفاع العلم ذي الألوان الأربعة تدريجياً على صاريته شمّاخاً على أنغام (فدائي..فدائي).
كانت ساعات الصباح الأولى تغص بالحياة: فالأرصفة ملآى بالأطفال ذكوراً وإناثاً يحملٌ كل على كتفيه (شنطة المدرسة) ، والشوارع السوداء المعبدة تنوء بحملها من الحافلات صفراء اللون تنقل التلاميذ إلى مدارسهم.
ورغم أن أزمة السير التهمت الوقت ففاتنا طابور الصباح الا أن تلويح طفلتي بكفها الغضة الرقيقة لي مودعةًُ وهي تلج باسمةً نشوى غرفة الصف في أول يومٍ دراسي كان كفيلاً ببث الفرح في نفسي ربما لأعوامٍ طوال، فانثنيت عائداً الى عملي ، ومنه بلهفةٍ الى المنزل لأقف خلف الشاشة الصماء ناقراً على لوحة المفاتيح مسابقاً الزمن في كتابة كل ما يتعلق بالصحة المدرسية من مبادئ للسلامة العامة إلى أمراض ووقاية وعلاج ملقماً موقعي الطبي بوجباتٍ دسمة من العلم والمعرفة حباً في كل طفلٍ وطفلةً شق الصبا تمائمهم هذا اليوم ودخلوا عالم التعليم بمراسم ابتهاجيةً كفيلةً بإثارة دموع الفرح في مآقي الجميع.
وحاولت أن أدس بين المواقع الإخبارية على الشبكة خبر نشري لموادٍ طبية تتعلق بالصحة المدرسية ففاجأني حاجب المواقع يومئ لي بالانتظار ، لأن خطباً جللا هو الأولى بتصدر العنواين فوجف قلبي خشيةً أن تكون نازلةً ألمت بالناس، لتمر العناوين تترى أمام عيني متحدثةً عن أزمة المعلمين في غزة هاشم، ومن ورائها أزمة العاملين في القطاع الصحي.
تهديد بالإضراب يواجهه تهديد بالفصل.
وتوعد بعدم إعادة المعلمين المضربين إلى أماكن عملهم ، يتبعه تبادل للاتهامات حول التحريض ، والمسؤولية في تكرارٍ مقيتٍ ممجوجٍ للسمفونية المشروخة التي بات شرفاء الوطن يتقيأون قرفاً لسماعها.
وأطفال غزة يسيرون نحو المدرسة مع إشراقة الصباح ليعودون القهقرى خائبي الآمال بعد أقل من ساعة، ويعاودون ذلك في الصباح التالي..وهكذا.
والتلفازان يبثانِ ما مللناه على الشريطين الاسفلين: ميليشيات....وعصابات.....
الصحة والتعليم يتبارى الكبار في حفر قبريهما ..فماذا تركتم للجيل إذا حدثت المعجزة وتحرر على أيديكم؟
قتلتم آمالنا أيها الكبار فصمتنا ، وعضضنا الشفاه وكتمنا الغيظ..
مزقتم أسرنا الفلسطينية التي انقسم أبناؤها الى فريقين متخاصمين ينازل بعضهم بعضا للدفاعِ عن أخطائكم وخطاياكم...وصمتنا.. لأننا أيقنا لطول الأمد أن لا سامع لنا من أبناء الجيل لما بثثتموه من وقر التعصب في آذانهم...
أما اليوم: أن تقتلوا فرحة أطفالنا في يومهم الدراسي الأول فهذا ما سيخرجنا أخيراً عن صمتنا لنقول لكم ما تأخرنا طويلاً في قوله:
-خذوا أنتم أيضاً حصتكم منا..وانصرفوا!
أنتم فاشلون جميعاً في القيادة أيها السادة دون استثناء ، ولم تبلغونا يوماً شاطئ حلمٍ بالأمان ناهيك عن الحرية والرقي والبناء.
إذا كنتم أنتم من سيحرر فلسطين فاسمعوها منا: لا نريد استبدال بسطارٍ يطأ عزتنا وكرامتنا ببسطار أعتق وأكثر اهتراءً، لأن بساطيركم للثرى ورؤوسنا الفلسطينية للسماء.
فخذوا ما تبقى من دمنا الذي لم تحرقوه بعد وانصرفوا.
د. عبد الرحمن أقرع