من بين كل الميادين التي دخلها الذكاء الاصطناعي، لا يوجد ميدان تختلط فيه العواطف كما يختلط في الطبّ. هنا يلتقي أعظم وعد ممكن — اكتشاف السرطان قبل أن يُرى بالعين، وإتاحة خبرة استشاري كبير لطبيب في عيادة ريفية — بأعمق قلق ممكن: أن يُبنى قرار يمسّ حياة إنساناً على حساب لا يستطيع أحد شرحه.

والحديث هنا لم يعد استشرافياً. أنظمة قراءة الصور الطبية تعمل اليوم في مستشفيات كثيرة، وأدوات تلخيص السجلّات الطبية دخلت العيادات، ونماذج التنبؤ بتدهور حالة المريض تُشغَّل في أقسام العناية المركّزة. السؤال لم يعد «هل سيحدث؟» بل «كيف نضبطه؟».

أين ينجح فعلاً؟

أنجح تطبيقات الذكاء الاصطناعي الطبي حتى اليوم تقع في مجال واحد بالأساس: تحليل الصور. الأشعة السينية، والتصوير المقطعي، والرنين المغناطيسي، وصور شبكية العين، وشرائح الأنسجة تحت المجهر.

والسبب في هذا التفوّق ليس غامضاً. هذه مهمّة تصنيف بصري بحت، تتوفّر لها كميات ضخمة من الأمثلة الموسومة، ولها إجابة صحيحة يمكن التحقّق منها لاحقاً. وهي بالضبط نوع المهمّة التي تبرع فيها الشبكات العصبية.

وقد أُثبت في دراسات متعدّدة أن أنظمة متخصّصة تبلغ في قراءة أنواع بعينها من الصور دقّة تقارب دقّة الأخصائيين، وتتفوّق عليهم أحياناً في الاتّساق: النظام لا يتعب في الساعة الحادية عشرة من المناوبة، ولا ينحاز لتشخيص رآه للتوّ في الحالة السابقة، ولا يتجاوز تفصيلاً صغيراً في زاوية الصورة.

ومن أنجح المجالات عملياً: فحص اعتلال الشبكية السكّري، وهو فحص بسيط يحتاجه ملايين المرضى دورياً ولا يتوفّر له عدد كافٍ من أطباء العيون؛ وفرز صور الأشعة في الطوارئ لترتيب أولوية القراءة البشرية؛ والكشف عن النزيف الدماغي حيث كل دقيقة تأخير لها ثمن عصبي.

لاحظ أن القاسم المشترك في هذه الأمثلة ليس أن النظام يحلّ محلّ الطبيب، بل أنه يوسّع طاقة نظام صحّي مثقل: يفرز، ويرتّب، ويلفت الانتباه، ويوفّر وقت الخبير لما يستحقّه.

الفجوة بين المختبر والعيادة

ثمة ظاهرة متكرّرة تستحقّ التسمية: نظام يحقّق نتائج باهرة في الدراسة المنشورة، ثم يخيب حين يُشغَّل في مستشفى حقيقي.

الأسباب معروفة للمشتغلين بالمجال. أولها تغيّر التوزيع: النظام تدرّب على صور من أجهزة بعينها، بإعدادات بعينها، لمرضى من فئة سكّانية بعينها. وحين يُنقل إلى مستشفى آخر بأجهزة مختلفة ومرضى مختلفين، يتدهور أداؤه دون إنذار.

وثانيها الارتباطات الزائفة: قد يتعلّم النظام أن يستدلّ على المرض من علامة لا علاقة لها به. سُجّلت حالات تعلّم فيها نموذج التمييز اعتماداً على نوع جهاز التصوير — لأن الحالات الشديدة صُوّرت بجهاز محمول في الأقسام الحرجة — لا اعتماداً على النسيج المريض. النظام كان مصيباً في المختبر لسبب خاطئ تماماً.

وثالثها غياب السياق السريري: الطبيب لا يقرأ صورة، بل يقرأ مريضاً — تاريخه، وأدويته، وشكواه، وما رآه في وجهه حين دخل. النظام الذي يرى الصورة وحدها يعمل بنصف المعطيات.

التحيّز حين يصير مسألة حياة

في الطبّ، التحيّز في البيانات ليس مسألة إنصاف نظرية بل مسألة أذى مباشر.

معظم مجموعات البيانات الطبية الكبرى جُمعت في أمريكا الشمالية وأوروبا وشرق آسيا. وحين تُشتقّ من هذه البيانات معايير «الطبيعي» و«غير الطبيعي»، فإن المريض الذي يقع خارج الفئة الممثَّلة يُقاس بمسطرة لم تُصنع له.

والأمثلة الموثّقة عديدة: أنظمة تشخيص أمراض جلدية دُرِّبت غالباً على بشرة فاتحة فتراجع أداؤها على البشرة الداكنة؛ ومعادلات تقدير وظائف الأعضاء تضمّنت لعقود معاملات عرقية خضعت لمراجعة نقدية واسعة؛ وأنظمة تخصيص الرعاية استعملت الإنفاق الصحي السابق مؤشّراً على شدّة المرض، فأخطأت في حقّ فئات كان إنفاقها أقلّ لأنها تصل إلى الرعاية أقلّ لا لأنها أصحّ.

وهذه النقطة الأخيرة تكشف الخطر الأعمق: النظام لا يتعلّم الحقيقة الطبية، بل يتعلّم ما سجّله النظام الصحّي. وإن كان النظام الصحّي نفسه منحازاً، فإن الخوارزمية تُحوِّل الانحياز من ممارسة قابلة للنقد إلى رقم يبدو موضوعياً.

من يتحمّل المسؤولية؟

سؤال لا تملك معظم الأنظمة القانونية جواباً ناضجاً عنه. إن أشار النظام إلى أن الصورة سليمة، ووافق الطبيب، ثم تبيّن وجود ورم — من المسؤول؟

الشركة تقول إن أداتها «مساعِدة للقرار» لا صانعة له، وإن المسؤولية على الطبيب. والطبيب يقول إن الأداة معتمدة ومرخّصة وقد استعملها كما يُفترض. والمستشفى يقول إنه اشترى منتجاً مصرّحاً به.

وتتفاقم المسألة بظاهرة نفسية موثّقة تُسمّى الانحياز إلى الأتمتة: ميل الإنسان إلى قبول اقتراح الآلة حتى حين تشير خبرته إلى غيره، خصوصاً تحت ضغط الوقت. أي أن وجود «إشراف بشري» على الورق لا يعني وجوده فعلياً؛ فالمراجعة التي تتحوّل إلى ضغطة موافقة روتينية ليست مراجعة.

ولهذا يتّجه التنظيم في أوروبا وغيرها إلى تصنيف أنظمة الذكاء الاصطناعي الطبية ضمن الفئة «عالية الخطورة»، بما يستتبع من التزامات في التوثيق وجودة البيانات وإمكانية التدقيق والإشراف البشري الفعلي لا الشكلي.

الطبيب: بديل أم مساعد؟

تكرّرت منذ عقد تنبّؤات بانقراض بعض التخصّصات الطبية، وأشهرها التنبّؤ بأن أطباء الأشعة لن يكون لهم عمل. لم يحدث شيء من ذلك؛ بل إن الطلب على هذه التخصّصات ازداد.

والسبب أن هذه التنبّؤات اختزلت المهنة في مهمّتها الأوضح. عمل طبيب الأشعة ليس تصنيف صورة، بل الربط بين الصورة والسياق السريري، واختيار الفحص المناسب أصلاً، والتواصل مع الطبيب المعالج، وتحمّل المسؤولية عن حكم غامض في منطقة رمادية.

والصيغة التي أثبتت جدواها عملياً ليست «الآلة بدل الطبيب» ولا «الطبيب وحده»، بل الثالثة: الطبيب مع الآلة، بشرط أن يعرف حدودها. وقد لوحظ في دراسات أن أفضل النتائج تتحقّق حين يكون النظام أداة ثانية للرأي، ويكون الطبيب مدرَّباً على متى يخالفها.

وهذا يعيد تعريف المهارة الطبية المطلوبة: لم تعد المعرفة وحدها ميزة — فالمعرفة صارت متاحة — بل صار الحكم على المعلومة، ومعرفة متى تكون الأداة خارج نطاق صلاحيتها، هو ما يميّز الطبيب الجيّد.

خطر الاستشارة الذاتية

ثمة تحوّل يجري بعيداً عن المستشفيات: ملايين الناس صاروا يسألون المساعدات الذكية عن أعراضهم قبل أن يسألوا طبيباً، أو بدلاً منه.

وللأمر وجه إيجابي: مريض يفهم حالته أفضل، ويطرح أسئلة أذكى، ويعرف متى يستعجل. لكن له وجهاً خطيراً أيضاً. النموذج اللغوي العام لم يُصمَّم للتشخيص، ولا يعرف تاريخك، ولا يفحصك، وهو مدرَّب على أن يكون مفيداً ومطمئناً — وهذا بالضبط ما لا تحتاجه حين يكون العرض إنذاراً حقيقياً.

والمشكلة ليست في الجواب الخاطئ فحسب، بل في الثقة التي يُقدَّم بها. جواب واثق النبرة عن عرَض خطير قد يؤخّر مراجعة الطوارئ أياماً، وفي بعض الأمراض تُقاس النافذة العلاجية بالساعات.

القاعدة العملية للقارئ: استعمل هذه الأدوات لفهم ما قاله لك طبيبك، ولصياغة أسئلتك، ولمعرفة المصطلحات — لا لتقرّر بها ما إذا كنت بحاجة إلى طبيب.

العالم العربي: فرصة مختلفة

يخطئ من ينقل النقاش الغربي حرفياً إلى منطقتنا، لأن المشكلة الأساسية مختلفة. في بلدان تعاني نقصاً حادّاً في الأخصائيين، وتوزيعاً غير عادل للرعاية بين العاصمة والأطراف، فإن قيمة هذه الأدوات ليست في تحسين أداء خبير موجود، بل في إتاحة حدّ أدنى من الخبرة حيث لا خبير أصلاً.

نظام فرز على صور أشعة في مستشفى نائٍ لا يملك أخصائياً مقيماً ليس ترفاً؛ قد يكون الفارق بين تشخيص متأخّر وآخر في وقته. وهذا يقلب حساب المخاطرة: المقارنة ليست بين الآلة والخبير، بل بين الآلة ولا شيء.

لكن هذا لا يبرّر التساهل، بل يوجب شروطاً محدّدة: أن تُختبر الأنظمة على بيانات محلية قبل اعتمادها، لا أن تُستورد بشهادة اعتماد أجنبية وحدها؛ وأن تُبنى قواعد بيانات طبية عربية بمعايير خصوصية واضحة؛ وأن يكون هناك مسار إحالة بشري حين يشير النظام إلى حالة مشتبهة.

ما الذي ينبغي أن نطالب به

لا يحتاج المواطن إلى فهم الشبكات العصبية ليطالب بأربعة أشياء معقولة:

الإفصاح. أن يُعلم المريض حين يشارك نظام آلي في تشخيصه أو في قرار يخصّه.

المراجعة البشرية الفعلية. لا قرار طبي يترتّب عليه أثر دون طبيب يتحمّل مسؤوليته باسمه.

الاختبار المحلي. إثبات أن النظام يعمل على مرضى يشبهون مرضانا، لا على بيانات جُمعت في قارة أخرى.

حماية البيانات. السجلّ الطبي أشدّ البيانات حساسية على الإطلاق، وتسريبه لا يُصلَح بتغيير كلمة مرور.

كيف يتعلّم النظام الطبي أصلاً؟

لفهم حدود هذه الأنظمة لا بدّ من فهم كيف تُبنى. تُجمع عشرات أو مئات الآلاف من الصور، ويوسمها أطباء بالتشخيص الصحيح، ثم يُدرَّب النموذج على استخراج الأنماط التي تميّز الحالة المرضية عن السليمة.

ومن هنا تنبع نقطة ضعف بنيوية: النظام لا يمكن أن يكون أدقّ من الوسوم التي تعلّم منها. وإن كان التشخيص المرجعي نفسه محلّ خلاف بين الأطباء — وهو أمر شائع في الحالات الرمادية — فإن النموذج يتعلّم متوسّط آراء البشر لا الحقيقة البيولوجية. هو يقلّد أفضل ما لدينا، ولا يتجاوزه إلا في الاتّساق والسرعة.

وهناك قيد آخر: الأمراض النادرة. النموذج يحتاج إلى أمثلة كثيرة ليتعلّم، والمرض النادر — بحكم تعريفه — قليل الأمثلة. فتصير هذه الأنظمة أضعف ما تكون في الحالات التي يحتاج فيها المريض إلى الخبرة أكثر ما يحتاج، وهي مفارقة ينبغي أن تُذكر كلّما قيل إن الآلة «تفوّقت على الأطباء».

الخصوصية: البيانات التي لا تُستعاد

تدريب هذه الأنظمة يتطلّب بيانات مرضى بكميات ضخمة، وهذا يفتح ملفّاً حسّاساً. السجلّ الطبي يكشف أكثر مما يكشفه أي ملفّ آخر: الأمراض المزمنة، والحمل، والصحة النفسية، والتاريخ العائلي. وتسريبه لا يُصلَح، لأن المرء لا يستطيع تغيير تشخيصه كما يغيّر كلمة مرور.

وقد طُوّرت مقاربات تقنية للتخفيف: «التعلّم الموزّع» الذي يُدرَّب فيه النموذج داخل كل مستشفى على حدة فلا تخرج البيانات منه، وأساليب إخفاء الهوية وإضافة ضوضاء إحصائية. لكن يبقى التحفّظ قائماً: إزالة الاسم لا تعني إزالة الهوية، فقد أثبتت دراسات أن مجموعة صغيرة من السمات قد تكفي لإعادة التعرّف على شخص بعينه.

والمطلوب هنا ليس رفض المشاركة في البيانات — فبدونها لا تتحسّن هذه الأنظمة لمرضانا — بل إطار واضح: موافقة مفهومة، وحوكمة معروفة، وجهة تُسأل، ومنع صريح لاستعمال البيانات الصحية في أغراض تأمينية أو تسويقية.

خلاصة

الذكاء الاصطناعي في الطبّ ليس ثورة وشيكة تُلغي المهنة، ولا وعداً فارغاً. إنه أداة قوية في نطاق ضيّق ومحدّد، تُحسن ما هو نمطي وقابل للقياس، وتتعثّر في ما هو نادر وسياقي وغامض — أي في المنطقة نفسها التي يعرف كل طبيب أنها أصعب ما في مهنته.

وأخطر ما يمكن أن يحدث ليس أن تخطئ الآلة — فالأطباء يخطئون أيضاً — بل أن نبني حولها منظومة لا تسمح باكتشاف خطئها: لا شفافية في كيفية القرار، ولا مساءلة عند الضرر، ولا مراجعة بشرية إلا صورياً.

الطبّ في جوهره ليس علم استدلال فحسب، بل علاقة ائتمان بين إنسان ضعيف وإنسان يعرف. وأي تقنية تُدخَل في هذه العلاقة ينبغي أن تُقاس بمعيار واحد: هل تجعل الطبيب أقدر على رعاية مريضه، أم تجعله وسيطاً بين المريض وشاشة؟ الجواب ليس في التقنية، بل فيمن يصمّم النظام الذي تُستعمل داخله.