قبل عقدين، كان الحديث عن برنامج فضاء عربي يستدعي ابتسامة. اليوم، هناك مسبار عربي يدور حول المريخ منذ سنوات ويرسل بيانات تستفيد منها مئات المؤسسات البحثية حول العالم، وقمر اصطناعي سعودي الصنع يراقب الطقس الفضائي من مدار بالغ الاتساع، ومهمّة إماراتية تتّجه إلى حزام الكويكبات، وكوكبة أقمار للرصد الراداري في طور التطوير.
ما الذي حدث؟ وهل هذا استثمار في المستقبل أم استعراض مكلف؟ السؤال مشروع، والإجابة عنه تحتاج إلى نظرة أدقّ من التهليل ومن التهوين معاً.
«شمس»: أول قمر عربي لمراقبة الطقس الفضائي
في مطلع أبريل 2026 أُعلن نجاح إطلاق القمر الاصطناعي السعودي «شمس»، وهو أول مهمّة عربية تنطلق ضمن برنامج «أرتميس» الأمريكي، على متن مهمّة «أرتميس 2».
مهمّة «شمس» علمية بحتة: دراسة الطقس الفضائي عبر أربعة مجالات — الإشعاع الفضائي، والأشعة السينية الشمسية، والمجال المغناطيسي للأرض، والجسيمات الشمسية عالية الطاقة. وسيعمل في مدار إهليلجي شديد الاتساع يتراوح بين نحو 500 كيلومتر و70 ألف كيلومتر عن الأرض، وهو مدار يتيح تغطية واسعة لرصد النشاط الشمسي وآثاره.
وقد طُوِّر القمر محلياً بكفاءات سعودية بدعم من برامج التطوير الصناعي الوطنية — وهذه النقطة أهمّ من المهمّة نفسها، لأن الفارق بين شراء قمر وبنائه هو الفارق بين استهلاك التقنية وامتلاكها.
لماذا الطقس الفضائي مهمّ؟
قد يبدو رصد النشاط الشمسي ترفاً علمياً، وهو ليس كذلك. العواصف الشمسية تطلق جسيمات مشحونة تصل إلى الأرض فتربك الأقمار الاصطناعية، وتشوّش أنظمة الملاحة، وتقطع الاتصالات عالية التردّد التي تعتمد عليها الطائرات في المسارات القطبية، وقد تُحدث في الحالات الشديدة تياراً حثّياً يعطّل محوّلات شبكات الكهرباء.
وكلّما ازداد اعتمادنا على الأقمار الاصطناعية في الملاحة والمصارف والزراعة والاتصالات، ازدادت كلفة أي اضطراب. الإنذار المبكّر بساعات قد يتيح إغلاق أنظمة حسّاسة مؤقتاً وتفادي أضرار بمليارات. فالمهمّة إذن ليست فضولاً فلكياً بل حماية بنية تحتية.
الإمارات: من مسبار الأمل إلى حزام الكويكبات
يمثّل البرنامج الإماراتي التجربة العربية الأكثر تراكماً. «مسبار الأمل» الذي بلغ مدار المريخ عام 2021 ما زال عاملاً، وقد أنتج حتى الآن ما يقارب تسعة تيرابايت من البيانات عن الغلاف الجوي المريخي، أُتيحت لأكثر من مئتي مؤسسة بحثية حول العالم.
وهذه الإتاحة المفتوحة قرار ذكي: فهي تحوّل المهمّة من إنجاز وطني معزول إلى مساهمة في العلم العالمي، وتربط الباحثين الإماراتيين بشبكة دولية، وتكسب البرنامج مصداقية لا تشتريها الدعاية.
وعلى صعيد الأقمار الاصطناعية، شهدت السنوات الأخيرة إطلاق «الثريا 4» و«محمد بن زايد سات» و«العين سات 1» و«إتش سي تي سات 1»، إضافة إلى «القمر العربي 813» في ديسمبر 2025 وهو مشروع تعاوني عربي مشترك انتقل إلى التشغيل الكامل خلال 2026.
أما المهمّة الأطمح فهي «مهمّة الإمارات لاستكشاف حزام الكويكبات»، التي اجتازت مركبتها «إم بي آر إكسبلورر» مراجعة التصميم الحرجة ودخلت مرحلة التجميع والتكامل والاختبار، تمهيداً لإطلاق مقرّر عام 2028. ورحلتها ستمتدّ سنوات وتشمل مروراً بعدّة كويكبات وهبوطاً على أحدها — وهي مهمّة من فئة لم تنفّذها سوى دول قليلة جداً.
ويجري كذلك تطوير برنامج «سرب»، وهو كوكبة من ثلاثة أقمار للرصد الراداري بالفتحة التركيبية. وميزة هذه التقنية أنها ترصد عبر الغيوم وفي الظلام، وهو ما يجعلها مفيدة في متابعة الكوارث ورصد التغيّرات العمرانية والزراعية وإدارة الموارد المائية.
البُعد البشري
الجانب الأقلّ إثارة والأكثر أهمية في هذه البرامج هو بناء الكفاءات. «أكاديمية الفضاء الوطنية» في الإمارات خرّجت دفعات من برنامج استكشاف الفضاء، وتوسّع برامجها لتشمل تخصّصات في تطبيقات الفضاء وهندسة المهمّات والأقمار الاصطناعية.
وهذا هو المقياس الحقيقي لجدوى أي برنامج فضائي: كم مهندساً وعالماً أنتج؟ القمر الاصطناعي يعمل سنوات ثم يتوقّف؛ المهندس الذي بناه يعمل ثلاثين سنة ويدرّب من بعده. الاستثمار في المهمّة هو في الحقيقة ذريعة للاستثمار في الناس.
وقد شاركت دول عربية أخرى بدرجات متفاوتة: لمصر برنامج فضائي وطني ومقرّ وكالة الفضاء الأفريقية، وللمغرب أقمار رصد أرضي عاملة، وللجزائر تجربة مبكّرة في الأقمار الصغيرة، ولقطر وعُمان والبحرين والكويت مشاريع أقمار صغيرة ومشاركات في مهمّات مشتركة. الصورة العربية إذن أوسع من دولتين، وإن كانت متفاوتة العمق.
الفضاء ليس رحلات مأهولة فقط
يميل التصوّر العام إلى ربط «الفضاء» برواد الفضاء والصواريخ الضخمة. لكن الجزء الأكبر من القيمة الاقتصادية لهذا القطاع يأتي من شيء أقلّ إثارة بكثير: الأقمار الاصطناعية العاملة في المدار الأرضي المنخفض، وما تقدّمه من خدمات يومية.
الملاحة عبر الأقمار هي ما يجعل تطبيق الخرائط في هاتفك يعمل، وهي أيضاً ما يضبط توقيت شبكات الاتصال والمعاملات المصرفية بدقّة تقاس بأجزاء من المليون من الثانية. ورصد الأرض هو ما يتيح متابعة المحاصيل قبل الحصاد، وتقدير المخزون المائي في السدود، ورصد الحرائق والفيضانات، وكشف البناء المخالف، ومتابعة الزحف العمراني على الأراضي الزراعية.
وفي منطقة تعاني من ندرة المياه وتسارع التصحّر وتغيّر أنماط الأمطار، فإن القدرة على رصد هذه الظواهر بأدوات مملوكة محلياً ليست ترفاً بل أداة إدارة. الفارق بين دولة تشتري صوراً جاهزة ودولة تملك القرار في ماذا تصوّر ومتى وبأي دقّة فارق سيادي بالمعنى العملي لا الخطابي.
وثمة قطاع صاعد آخر هو اتصالات المدار المنخفض، التي بدأت توفّر إنترنت في المناطق النائية التي لا تصلها الشبكات الأرضية. وهذه مسألة ذات وزن في بلدان عربية واسعة المساحة قليلة الكثافة، وفي مناطق تضرّرت بنيتها التحتية.
الحجّة المضادّة: أولى الأولويات؟
يواجه أي حديث عن الفضاء في المنطقة اعتراضاً مشروعاً: كيف يُنفَق على المريخ بينما هناك من لا يجد ماء نظيفاً أو مدرسة قائمة؟
الاعتراض جادّ ويستحقّ جواباً جادّاً، لا تهرّباً بلغة الطموح والإلهام.
أول ما ينبغي قوله إن ميزانيات الفضاء العربية، على ضخامة أرقامها المعلنة، تظلّ جزءاً صغيراً من الإنفاق العام، وأصغر بكثير من ميزانيات التسليح في المنطقة. المقارنة العادلة ليست بين الفضاء والتعليم، بل بين الفضاء وأوجه إنفاق أخرى أقلّ عائداً بكثير.
وثانياً، أن كثيراً من عوائد الفضاء تعود إلى الأرض مباشرة: رصد المحاصيل والجفاف، ومتابعة التصحّر، وكشف تسرّبات المياه، وتخطيط المدن، وإدارة الكوارث، ومراقبة الملاحة البحرية. الدولة التي تملك قدرة رصد مستقلّة لا تنتظر صور غيرها لتعرف ما يجري على أرضها.
وثالثاً، أن هذه البرامج تعمل بوصفها قاطرة صناعية: تفرض معايير جودة عالية على الموردين المحليين، وتخلق طلباً على تخصّصات دقيقة، وتجذب شركات ناشئة حول الوكالة.
لكن يبقى الشرط الحاسم: أن يكون البرنامج علمياً وصناعياً لا رمزياً. الفارق بين استثمار وإنفاق دعائي هو أن يُبنى القمر محلياً بدل شرائه جاهزاً وإطلاق اسم وطني عليه، وأن تُنشر بياناته للباحثين، وأن يرتبط بجامعات ومناهج، وأن يستمرّ بعد انتهاء دورة الاهتمام الإعلامي.
ما الذي ينقص؟
رغم التقدّم، ثمة فجوات واضحة في المشهد العربي.
غياب قدرة إطلاق مستقلّة: كل الأقمار العربية تُطلق على صواريخ أجنبية، وهو ما يعني تبعية في التوقيت والتكلفة والسياسة. بناء قدرة إطلاق مكلف جداً، وقد لا يكون مجدياً لكل دولة على حدة — وهو ما يقود إلى النقطة التالية.
ضعف التنسيق العربي: «القمر العربي 813» تجربة مبشّرة، لكنها استثناء. الأصل أن تعمل الدول العربية على مشاريع مشتركة تتقاسم كلفتها وعوائدها، بدل تكرار البرامج نفسها في عواصم متجاورة.
هجرة الكفاءات: المهندس الذي يُدرَّب على أعلى مستوى يحتاج إلى مسار مهني مستمرّ ومشاريع متتالية، وإلا انتقل إلى وكالة أو شركة في الخارج.
ضعف القطاع الخاص: النهضة الفضائية العالمية في العقد الأخير قادها القطاع الخاص لا الوكالات الحكومية. وبناء بيئة تسمح لشركات ناشئة عربية بدخول هذا المجال ما زال في بدايته.
الفضاء بوصفه معنى
ثمة بُعد أخير لا يُقاس بالأرقام. المنطقة العربية عاشت عقوداً في سردية الهزيمة والاستهلاك: نحن من يشتري ما يصنعه غيره، ويستورد ما يفكّر فيه غيره. وأي إنجاز علمي حقيقي — لا استعراضي — يخترق هذه السردية عند جيل كامل.
الطفل الذي يرى بلده يبني قمراً اصطناعياً يفكّر في نفسه بطريقة مختلفة عن الطفل الذي لا يرى إلا الاستيراد. هذا أثر حقيقي، وإن كان يصعب وضعه في جدول عائد على الاستثمار. وقد أدركت أمم كثيرة، من اليابان إلى كوريا إلى الهند، أن البرامج العلمية الكبرى تصنع في الوعي الجمعي ما لا تصنعه الخطط الاقتصادية وحدها.
مسألة الحطام والقانون
ثمة ملفّ يكبر بصمت وسيفرض نفسه قريباً: ازدحام المدار الأرضي المنخفض. عدد الأجسام التي تدور حول الأرض تضاعف في سنوات قليلة مع انتشار كوكبات الاتصالات الضخمة، وتتزايد معه احتمالات الاصطدام. وكل اصطدام يولّد آلاف الشظايا التي تدور بسرعات هائلة، فتصير هي بدورها مصدر اصطدامات جديدة — سيناريو تسلسلي حذّر منه العلماء منذ السبعينيات.
الأطر القانونية الحاكمة للفضاء وُضعت في ستينيات القرن الماضي حين كانت الدول المرتادة قليلة والأنشطة حكومية بالكامل. وهي اليوم قاصرة عن التعامل مع واقع تقوده شركات خاصة تطلق آلاف الأقمار.
وموقع الدول العربية من هذا النقاش مهمّ: فهي دول حديثة الدخول إلى المدار، ومن مصلحتها أن تُصاغ القواعد بما لا يكرّس امتيازات السابقين على حساب اللاحقين — تماماً كما جرى في ملفّات دولية أخرى. والحضور في اللجان الأممية المختصّة، والمشاركة في صياغة معايير التخلّص من الأقمار المنتهية خدمتها، استثمار سياسي منخفض الكلفة عالي العائد.
خلاصة
البرامج الفضائية العربية خرجت من طور الرمز إلى طور الإنتاج العلمي الحقيقي. «شمس» يرصد الشمس ببيانات تُستعمل فعلاً، و«الأمل» يغذّي أبحاثاً منشورة، و«إم بي آر إكسبلورر» يتّجه إلى ما لم تصل إليه إلا قلّة.
لكن الطريق إلى قدرة فضائية عربية ناضجة ما زال طويلاً، وشرطه ليس مزيداً من الإطلاقات بل مزيداً من التراكم: كفاءات تبقى، وصناعة محلية تتغذّى على المشاريع، وتعاون عربي يوفّر التكرار، وبيانات تُتاح للباحثين.
والمقياس الذي يميّز البرامج الجادّة عن غيرها معروف في تجارب الأمم التي سبقتنا: استمرارية التمويل عبر الحكومات المتعاقبة، وارتباط عضوي بالجامعات، ونشر علمي محكّم يمكن للعالم أن يقيّمه، وصناعة محلية تتغذّى على العقود. ومتى توفّرت هذه الأربعة، صار الإنجاز تراكماً لا حدثاً.
والسؤال الذي ينبغي أن يُطرح بعد كل إطلاق ليس «كم كلّف؟» ولا «هل نجح؟»، بل «ماذا بقي عندنا بعده؟». فإن كان الجواب مهندسين ومصانع ومختبرات وطلاباً، فقد كان استثماراً. وإن كان الجواب صوراً واحتفالاً، فقد كان نفقة. والفرق بين الاثنين لا يظهر في يوم الإطلاق، بل بعده بعشر سنوات، حين يُسأل: ماذا أطلقنا منذ ذلك الحين، ومن الذي بناه؟ وهو سؤال بسيط في صياغته، قاسٍ في دلالته، لأنه لا يقبل جواباً إنشائياً ولا يمكن تجميله بالبيانات الصحفية.