ثمة إحساس عام، يتردّد في المجالس والمقالات ومنشورات التواصل، بأن القراءة تحتضر. أن الجيل الجديد لا يقرأ، وأن الكتاب يفقد مكانته، وأن الشاشة ابتلعت الصفحة. وككل إحساس عام، فيه شيء من الصواب وكثير من الخلط.

الحقيقة أن الناس اليوم يقرؤون أكثر مما قرأ أي جيل سابق في التاريخ، من حيث عدد الكلمات التي تمرّ أمام أعينهم يومياً. المشكلة ليست في كمّية القراءة بل في نوعها: انتقلنا من قراءة عميقة متّصلة إلى قراءة سطحية متقطّعة، وهذا تحوّل في بنية الانتباه لا في العادة الثقافية.

ما الذي تغيّر فعلاً؟

القراءة العميقة ليست مهارة فطرية. الدماغ البشري لم يتطوّر للقراءة؛ لا يوجد فيه «مركز قراءة» موروث كما يوجد للّغة المنطوقة. القراءة اختراع ثقافي حديث نسبياً، والدماغ يعيد توظيف دارات مخصّصة أصلاً للرؤية والتعرّف على الأنماط ليؤدّي بها هذه المهمّة الجديدة.

ولأنها مهارة مكتسبة، فهي قابلة للتشكّل حسب ما نمارسه. من يقضي ساعاته في التنقّل بين مقاطع قصيرة وعناوين وتعليقات يدرّب دماغه على المسح السريع واستخراج الخلاصة والانتقال. ومن يقرأ كتاباً لساعتين متّصلتين يدرّبه على شيء آخر تماماً: البقاء، وتعليق الحكم، وحمل خيط طويل في الذاكرة العاملة.

وليست إحدى المهارتين أفضل من الأخرى بإطلاق. المسح السريع مهارة نافعة في عصر يفيض بالمعلومات. المشكلة أن الأولى تزحف على وقت الثانية حتى تكاد تلغيها، فيجد القارئ نفسه عاجزاً عن إكمال صفحتين دون أن تمتدّ يده إلى الهاتف — لا لأنه يريد شيئاً، بل لأن العادة صارت انعكاساً عصبياً.

تصميم مضادّ للتركيز

من الإنصاف القول إن هذا ليس ضعفاً أخلاقياً في القارئ. المنصّات التي نقضي فيها أوقاتنا مصمّمة بعناية فائقة لجذب الانتباه وإطالة البقاء، لأن نموذجها الاقتصادي يقوم على ذلك: كلّما طال بقاؤك، زادت الإعلانات، وزادت البيانات.

والأدوات المستخدمة معروفة ومدروسة: التمرير اللانهائي الذي يلغي نقطة التوقّف الطبيعية، والتشغيل التلقائي الذي يبدأ المقطع التالي قبل أن تقرّر، والإشعارات الموقوتة، والمكافأة المتغيّرة التي تجعل التحديث المتكرّر أشبه بآلة قمار. لا شيء من هذا صدفة؛ كلّه نتيجة تجارب مكثّفة على ملايين المستخدمين.

الكتاب في مواجهة هذه المنظومة يبدو في وضع بائس: لا يومض، ولا يكافئ فوراً، ويطلب منك أن تعطيه قبل أن يعطيك. لكن هذا تحديداً هو مصدر قيمته. الكتاب لا ينافس على الانتباه السريع؛ إنه يقدّم شيئاً آخر لا تقدّمه المنصّات: تجربة متّصلة يبنيها عقل واحد عبر مئات الصفحات.

الأرقام لا تقول ما نظنّ

ما يثير الدهشة أن سوق الكتاب لم ينهر. الكتاب الورقي، الذي أُعلن موته مراراً منذ ظهور القارئ الإلكتروني، ما زال يشكّل الحصّة الأكبر من المبيعات في معظم الأسواق. بل إن الكتاب الورقي عاد إلى النموّ في سنوات كان يُتوقّع فيها انحداره.

والأكثر لفتاً أن الأجيال الأصغر — التي يُتّهم أفرادها بأنهم لا يقرؤون — هي التي قادت هذه العودة في أسواق عدّة، عبر مجتمعات قراءة نشأت على المنصّات نفسها التي تُتّهم بقتل القراءة. المفارقة كاملة: التطبيق الذي يُلام على تقصير الانتباه صار أكبر محرّك لمبيعات الروايات.

وفي المقابل، تنمو الكتب المسموعة بوتيرة أسرع من الجميع، وتفتح للقراءة أوقاتاً كانت ضائعة: القيادة، والمشي، وأعمال البيت. وقد أثار ذلك جدلاً قديماً حول ما إذا كان الاستماع «قراءة» — وهو جدل يبدو أقلّ أهمية حين نتذكّر أن الأدب العربي عاش قروناً بوصفه فنّاً مسموعاً، وأن الشعر كان يُنشد قبل أن يُدوَّن، وأن الرواة كانوا وسيلة الحفظ قبل الورق.

الأزمة العربية لها وجه آخر

في العالم العربي، تضاف إلى هذا كلّه مشكلات بنيوية سابقة على الشاشات ولا علاقة لها بها.

أزمة التوزيع أولاً: كتاب يصدر في بيروت قد لا يصل إلى قارئ في الجزائر أو الخرطوم إلا بعد شهور وبأضعاف سعره، إن وصل. الحدود والجمارك والرقابة تفتّت السوق العربية إلى أسواق صغيرة معزولة، فلا يجد الناشر حافزاً على الطباعة الكبيرة، ولا الكاتب عائداً يعيش منه.

وأزمة السعر ثانياً: الكتاب سلعة باهظة قياساً بالدخل في معظم البلدان العربية، وهو أول ما يُشطب من ميزانية الأسرة عند الضيق.

وأزمة المكتبات العامة ثالثاً: في بلدان كثيرة لا توجد شبكة مكتبات عامة حقيقية، ممولة وحديثة ومفتوحة، تتيح للقراءة أن تكون مجانية كما هي في أنظمة تعليمية أخرى.

وأزمة التعليم رابعاً وأخطرها: نظام يقوم على الحفظ والاختبار لا على القراءة والمناقشة يُخرِّج طلاباً يرون في الكتاب عبئاً لا متعة. ومن تعلّم أن القراءة واجب ثقيل، لن يمارسها طوعاً بعد التخرّج.

هذه المشكلات لا تُحلّ بمواعظ عن «أمّة اقرأ»، بل بسياسات: دعم التوزيع، وتخفيض كلفة الورق، وبناء المكتبات، وإصلاح المناهج، وحماية حقوق الملكية بما يجعل النشر مجدياً.

الرقمي فرصة أيضاً

من الإنصاف أن نرى الوجه الآخر. الكتاب الرقمي حلّ لبعض هذه الأزمات تحديداً: يتجاوز الحدود والشحن، ويكلّف أقلّ، ويصل فوراً، ويسمح بتكبير الخطّ لمن ضعف بصره، ويوفّر البحث داخل النصّ، ويحمل مكتبة كاملة في جهاز واحد — وهي ميزة لا تُقدَّر بثمن لمن يعيش حياة متنقّلة أو نازحة.

وقد أتاحت المنصّات الرقمية لأصوات لم تكن لتجد ناشراً أن تصل إلى قرّائها مباشرة، ولنصوص من هوامش العالم العربي أن تخرج من إقليميتها. ومشاريع رقمنة التراث أتاحت لطالب في قرية نائية أن يطالع مخطوطة كان الوصول إليها حكراً على من يسافر إلى عاصمة أوروبية.

المشكلة إذن ليست في الوسيط الرقمي بذاته، بل في البيئة التي يُستهلك فيها. قراءة كتاب على جهاز مخصّص للقراءة تجربة قريبة جداً من الورق. قراءته على الهاتف نفسه الذي يقاطعك كل دقيقتين تجربة مختلفة تماماً.

الذكاء الاصطناعي: هل يقرأ عنّا؟

دخل على الخطّ في العامين الأخيرين عامل جديد: أدوات تلخّص الكتاب في صفحة، وتجيب عن أسئلتك حول محتواه، وتستخرج لك «أهمّ الأفكار». والإغراء هنا هائل: لماذا أقضي عشر ساعات في كتاب إن كان بإمكاني الحصول على خلاصته في ثلاث دقائق؟

الجواب يكشف سوء فهم لما هي القراءة. لو كان الكتاب حاوية لمعلومات، لكان التلخيص كافياً. لكن الكتاب الجيّد ليس معلومة بل رحلة: التغيّر الذي يحدث فيك يأتي من الزمن الذي قضيته داخل النصّ، ومن مقاومتك لبعضه، ومن الأفكار التي خطرت لك في الهوامش لا في المتن. من قرأ خلاصة رواية يعرف حبكتها ولم يعشها، ومن قرأ خلاصة كتاب فلسفي يحفظ أطروحته ولم يفكّر بها.

هذا لا يلغي فائدة هذه الأدوات في مواضعها: فرز ما يستحقّ القراءة من ما لا يستحقّها، أو استرجاع كتاب قرأته قبل سنوات، أو تجاوز عقبة في نصّ صعب. الاستعمال الرشيد هو أن تكون مدخلاً إلى الكتاب لا بديلاً عنه.

الأطفال: حيث تُحسم المسألة

كل نقاش عن مستقبل القراءة يعود في النهاية إلى الطفولة، لأن القارئ البالغ هو في الغالب طفل قرأ. والدراسات في هذا الباب متّسقة على نحو لافت: القراءة بصوت عالٍ للطفل في سنواته الأولى، حتى قبل أن يفهم الكلمات، ترتبط بمفردات أوسع وقدرة أعلى على التركيز لاحقاً.

والعقبة العربية هنا مضاعفة: أدب الأطفال العربي ما زال ضعيف الإنتاج قياساً بالحاجة، وكثير منه واعظ ومباشر، يخاطب الطفل بوصفه متلقّي درس لا شريكاً في متعة. الطفل الذي لا يجد ما يضحكه ويخيفه ويدهشه بلغته سيجده بلغة أخرى، ثم يكبر وقد صارت لغته الأمّ لغة الواجب لا لغة اللذّة.

وهنا مسؤولية مباشرة على الناشرين والكتّاب والمجلات: أن يُكتب للطفل العربي أدب يستحقّ اسمه، وأن يُرسم له ويُطبع بجودة تنافس ما يصله مترجماً.

دور المنابر الثقافية

وسط هذا كلّه، تكتسب المجلات الثقافية دوراً لم يكن لها بهذه الحدّة من قبل. فهي تقع في المنطقة الوسطى بين المنشور السريع والكتاب الطويل: نصّ يُقرأ في عشر دقائق، لكنه محرَّر ومسؤول ومتماسك، ويطلب من قارئه انتباهاً حقيقياً دون أن يطلب منه التزاماً بساعات.

هذه المنطقة الوسطى هي ما ضاع في الانتقال من الصحافة الورقية إلى المنصّات. وإحياؤها — بمقالات مطوّلة، ومراجعات جادّة، وحوارات عميقة — ليس حنيناً إلى الماضي، بل تدريب عملي على القراءة المتّصلة في جرعة يحتملها القارئ المعاصر. المجلة الثقافية اليوم ليست منافساً للكتاب بل مدخلاً إليه.

ماذا يمكن أن نفعل؟

على مستوى الفرد، الحلول أبسط مما تبدو، وكلّها تدور حول الفصل بين الأدوات:

خصّص جهازاً أو مساحة للقراءة لا تصل إليها الإشعارات. قارئ إلكتروني، أو كتاب ورقي، أو حتى الهاتف نفسه في وضع الطيران.

ابدأ بجرعات صغيرة. عشرون دقيقة يومياً في وقت ثابت أنفع من محاولة قراءة ثلاث ساعات في عطلة الأسبوع. المهارة تعود بالتدريج كما تعود اللياقة.

اسمح لنفسك بترك الكتاب. الشعور بالذنب تجاه الكتب غير المكتملة أفسد علاقة كثيرين بالقراءة. الكتاب الذي لا يعطيك شيئاً بعد خمسين صفحة لا يستحقّ الوفاء.

اقرأ بصحبة. نادي قراءة، أو صديق، أو حتى مجموعة على تطبيق. البُعد الاجتماعي هو ما جعل المنصّات جذّابة، وهو متاح للقراءة أيضاً.

أعد الاعتبار للمكتبة المنزلية. وجود الكتب في متناول اليد، مرئية، في بيت فيه أطفال، له أثر موثّق في علاقتهم اللاحقة بالقراءة يفوق أثر النصائح.

ما الذي تخسره القراءة السريعة؟

يبقى سؤال يستحقّ الوضوح: ما الذي نخسره فعلاً حين نستبدل بالقراءة العميقة مسحاً سريعاً؟

نخسر أولاً القدرة على متابعة حجّة طويلة. الفكرة المركّبة لا تُقال في فقرة؛ تحتاج إلى بناء متدرّج، واعتراضات تُطرح وتُردّ، وأمثلة تُفحص. من فقد صبره على هذا البناء لن يستطيع تقييم حجّة، فيحكم على الأفكار بانطباع أولي أو بهوية قائلها.

ونخسر ثانياً التماهي مع وعي آخر. الرواية تدرّب على وضع النفس مكان الغير لساعات، وهي أقرب ما اخترعه البشر إلى تمرين منظّم على التعاطف.

ونخسر ثالثاً الملل المثمر. الأفكار الجيّدة تأتي في الفراغات، حين لا يكون العقل مشغولاً باستقبال منبّه جديد. والحياة التي لا فراغ فيها حياة بلا تفكير أصيل، مهما امتلأت بالمعلومات.

خلاصة

القراءة لن تموت، لكنها لن تعود إلى ما كانت عليه. ستصير — وقد صارت بالفعل — ممارسة تحتاج إلى قصد وحماية، بعد أن كانت في زمن قلّة البدائل خياراً طبيعياً لمن أراد أن يسلّي وقته.

وربما يكون هذا، على مشقّته، أمراً صحّياً. فالقراءة التي تُختار عن وعي، في وقت يُحمى عمداً، ولغرض يعرفه صاحبه، أعمق أثراً من القراءة التي تُمارس لانعدام البديل. لم نعد نقرأ لأنه لا يوجد ما نفعله؛ صرنا نقرأ لأننا قرّرنا أن هذا ما نريد أن نفعله. وهذا، في زمن يقاتل على انتباهنا بكل ما أوتي من علم وتصميم، فعل مقاومة صغير لكنه حقيقي.